١٠٤١ - عبد الله بن أبى بكر بن أبى عبد الله،
أبو القاسم، النّيسابورىّ،
الإمام العلاّمة (¬*)
فقيه أصحاب أبى حنيفة، رضى الله تعالى عنه، ومناظريهم، ومذاكريهم (١) فى عصره.
روى «الشّمائل» للتّرمذىّ، عن القاضى أبى طاهر محمد بن على الإسماعيلىّ، عن أبى إسحاق إبراهيم بن خلف، عن الهيثم بن كليب، عن التّرمذىّ.
وكانت وفاته، ليلة الجمعة، عشيّة فى جمادى الآخرة، سنة اثنتين وخمسمائة. رحمه الله تعالى.
***
١٠٤٢ - عبد الله بن أبى الفتح الخانقاهىّ (¬**)
من أهل مرغينان.
روى عنه، أبو الحسن على بن أبى بكر صاحب «الهداية»، فى «معجم شيوخه»، وقال: كان إماما، شيخا، زاهدا، واعظا، من المشتغلين بالعبادة، المنقطعين إلى الله تعالى، صاحب كرامات ظاهرة، عمّر حتى بلغ مائة ونيّفا، سمعته بمرغينان ينشد (٢):
جعلت هديّتى منكم سواكا … ولم أوثر به أحدا سواكا (٣)
بعثت إليك عودا من أراك … رجاء أن أعود وأن أراكا
***
١٠٤٣ - عبد الله بن جعفر الرّازىّ، أبو علىّ، الإمام (¬***)
من أصحاب محمد بن سماعة. روى عنه، عن أبى يوسف: سمعت أبا حنيفة رحمه
стр. 1157
الله تعالى يقول: حججت مع أبى، سنة ثلاث/وتسعين، ولى (١) ستّ عشرة (١) سنة، فإذا شيخ قد اجتمع عليه الناس، فقلت لأبى: من هذا الشيخ؟ فقال: هذا رجل قد صحب رسول الله ﷺ ، يقال له: عبد الله بن الحارث بن جزء (٢). قلت لأبى: فأىّ شئ عنده؟ قال: أحاديث سمعها من رسول الله ﷺ . فقلت لأبى: قدّمنى إليه، حتّى أسمع منه. فتقدّمت بين يديه، وجعل يفرّج الناس حتى دنوت منه، فسمعته يقول: قال رسول الله ﷺ : «من تفقّه فى دين الله، كفاه الله همّه، ورزقه من حيث لا يحتسب». قال أبو عمر ابن عبد البرّ (٣): أخبرت عن أبى يعقوب يوسف بن أحمد الصّيدلانىّ المكّىّ، حدّثنا أبو جعفر محمد بن عمرو (٤) بن موسى العقيلىّ، حدّثنا أبو علىّ عبد الله بن جعفر الرّازىّ. فذكره. قال أبو عمر (٣): ذكر محمد بن سعد [كاتب] (٥) الواقدىّ، أنّ أبا حنيفة، رضى الله تعالى عنه، رأى أنس بن مالك، رضى الله تعالى عنه، وعبد الله بن الحارث بن جزء الزّبيدىّ. هكذا ذكره، وسكت عنه. كذا فى «الجواهر المضيّة».
قال ابن كثير، فى «تاريخه» (٦): وذكر بعضهم، أنّه-يعنى أبا حنيفة، رضى الله تعالى عنه-روى عن سبعة من الصّحابة، رضى الله تعالى عنهم، وهم: أنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن أنيس، وعبد الله بن أبى أوفى، وعبد الله ابن الحارث بن جزء الزّبيدىّ، ومعقل بن يسار، وواثلة بن الأسقع، وعائشة بنت عجرد، رضى الله تعالى عنهم. قال: وقد روينا عن أبى حنيفة، عن هؤلاء، عدّة أحاديث فى صحّتها إلى أبى حنيفة نظر؛ فإنّ فى الإسناد إليه من لا يعرف، وفى متن بعضها نكارة شديدة. وساق بسنده عن أبى حنيفة عن أنس، رضى الله تعالى عنه مرفوعا: «من قال لا إله إلاّ الله، خالصا مخلصا بها قلبه، دخل الجنّة، ولو توكّلتم
стр. 1158
على الله حقّ توكّله، لرزقكم كما يرزق الطّير، تغدو خماصا، وتعود بطانا» (١)؛ ثم قال-أعنى ابن كثير-: وعن جابر، رضى الله تعالى عنه: بايعنا رسول الله ﷺ على السّمع والطّاعة، والنّصح لكلّ مسلم ومسلمة (٢).
وعن عبد الله بن أنيس، رضى الله تعالى عنه، مرفوعا: «رأيت فى عارضى الجنّة مكتوبا ثلاثة أسطر بالذّهب الأحمر، لا بماء الذّهب، السّطر الأوّل لا إله إلاّ الله محمّد رسول الله، الثّانى الإمام ضامن، والمؤذّن مؤتمن، فارشد الأئمّة واغفر للمؤذّنين، الثّالث وجدنا ما عملنا، ربحنا ما قدّمنا، خسرنا ما خلّفنا، قدمنا على ربّ غفور» (٣).
وعن عبد الله بن أبى أوفى، رضى الله تعالى عنه: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«حبّك الشّئ يعمى ويصمّ، والدّالّ على الخير كفاعله، وإنّ الله يحبّ إغاثة الملهوف»، وفى لفظ: «اللهفان» (٤).
وعن عبد الله بن الحارث بن جزء، مرفوعا: «إغاثة الملهوف فرض على كلّ مسلم، ومن تفقّه فى دين الله كفاه الله همّه، ورزقه من حيث لا يحتسب» (٥).
وعن معقل بن يسار، رضى الله تعالى عنه، مرفوعا: «علامة المؤمن ثلاث؛ إذا قال صدق، وإذا وعد وفّى، وإذا حدّث لم يخن».
стр. 1159
وعن واثلة بن الأسقع، رضى الله تعالى عنه، مرفوعا: «لا يظنّ أحدكم أنّه يتقرّب إلى الله تعالى بأقرب من هذه الرّكعات». يعنى الصّلوات الخمس.
وعن/عائشة بنت عجرد، رضى الله تعالى عنها، مرفوعا: «الجراد أكثر جنود الله فى الأرض، لا آكله» (١).
انتهى ما رواه ابن كثير، فى «تاريخه» من الأحاديث التى رواها أبو حنيفة رضى الله تعالى عنه، عن الصّحابة رضى الله تعالى عنهم، وقد كان محلّها فى هذه الطبقات فى ترجمة الإمام الأعظم، ولكن لم نذكرها هناك نسيانا، فذكرناها هنا للمناسبة، وتداركا لما فات، والله تعالى أعلم.
***
١٠٤٤ - عبد الله بن حجّاج بن عمر الكاشغرىّ الصّوفىّ (¬*)
أخذ عن الحسام حسين بن على بن حجّاج السّغناقىّ.
قال ابن حجر: أخذ عنه شيخنا شمس الدّين ابن شكر (٢) بمكة، ودرّس بالشّبليّة، بصالحيّة دمشق، عوضا عن شمس الدّين الأذرعىّ، فى سنة اثنتى عشرة وسبعمائة.
ومن إنشاده، ﵁، عن السّغناقىّ، عن حافظ الدّين النّسّابة، عن شمس الأئمة الكردرىّ، عن برهان الدين المرغينانى صاحب «الهداية»، قال: أنشدنى معين الدّين أبو العلاء محمد بن محمود الغزنوىّ النّيسابورىّ لنفسه (٣):
لكسرة من خشين الخبز تشبعنى … وشربة من قراح الماء تروينى
وخرقة من حريش الثّوب تسترنى … حيّا وإن متّ تكفينى لتكفينى
ولا أردّد فى الأبواب مضطهدا … كما تردّد ثور فى الفدادين
لأجعلنّ ولايات فتنت بها … فداء عرضى والدنيا فدا دينى
***
стр. 1160
١٠٤٥ - عبد الله بن الحسين بن أحمد بن على بن محمد
ابن على بن محمد بن عبد الملك، قاضى القضاة،
أبو القاسم، ابن القاضى أبى المظفّر، ابن القاضى
أبى الحسين، ابن قاضى القضاة أبى الحسن، ابن
قاضى القضاة، أبى عبد الله الدّامغانىّ (¬*)
أحد الأعيان، من أولاد قاضى القضاة والعلماء والأئمّة.
وأذن للشّهود بالشّهادة عنده وعليه، فيما يسجّله عن الإمام النّاصر لدين الله، فلم يزل على ولايته إلى أن عزل، فى ثامن عشر رجب، من سنة أربع وتسعين وخمسمائة، ولزم منزله، وأخفى ذكره مدّة طويلة، إلى أن توفّى رجل، يعرف بأبى الخوافى (١)، كان ناظرا فى ديوان العرض، فظهرت له وصيّة إلى القاضى الدّامغانىّ هذا، وكانت بمبلغ من المال، فعرضت على الخليفة، فلمّا رأى اسمه، قال: ما علمت أنّ هذا فى الحياة إلى الآن. فأمر بإحضاره إلى دار الوزارة، وتقلّد قضاء القضاة، فأحضر يوم الاثنين (٢)، الخامس والعشرين من شهر رمضان، سنة ثلاث وستمائة، وقلّد قضاء القضاة، وشافهه بذلك الوزير ناصر الدّين بن مهدىّ العلوىّ، وخلع عليه السّواد، وقرئ عهده فى جوامع مدينة السّلام، وسكن بدار الخلافة المعظّمة، ولم يزل على ولايته إلى أن عزل، فى الثالث والعشرين من رجب، سنة إحدى عشرة وستمائة، ولزم بيته.
وكان محمود السّيرة، سديد الأفعال، مرضىّ الطريقة، نزها، عفيفا، متديّنا، عالما بالقضاء (٣) والأحكام، غزير الفضل، كامل النّبل، له يد طولى فى المذهب
стр. 1161
والخلاف، ويعرف الفرائض والحساب، ويكتب خطّا مليحا حسنا، ويعرف الأدب معرفة حسنة.
قال ابن النّجّار: سمع الحديث من والده، وعمّه/قاضى القضاة أبى الحسن علىّ، ومن شيوخنا أبى الفرج ابن كليب، وغيره، وحدّث باليسير. وسمعته يقول: مولدى فى رجب، سنة أربع وستين وخمسمائة. ومات، رحمه الله تعالى، فى سلخ ذى القعدة، سنة خمس عشرة وستمائة، وصلّى عليه الحسين بن أحمد بن المهتدى (١)، خطيب جامع القصر، بالمدرسة النّظاميّة، يوم الأحد، ودفن على أبيه، بنهر القلاّئين. رحمهما الله تعالى.
***
١٠٤٦ - عبد الله بن الحسين بن الحسن بن أحمد بن النّضر
ابن حكيم النّضرىّ، المروزىّ
أبو العبّاس، الحاكم (¬*)
تولّى القضاء بمرو مدّة.
ومات فى سنة سبع وخمسين وثلاثمائة، عن سبع وتسعين سنة.
***
١٠٤٧ - عبد الله بن الحسين بن عبد الله الهمدانىّ (¬**)
قال ابن النّجّار: أبو القاسم، الفقيه الحنفىّ.
شهد عند قاضى القضاة أبى الحسن علىّ بن محمد الدّامغانىّ، فى جمادى الآخرة، سنة أربع وتسعين وأربعمائة، وزكّاه العدلان أبو الخطّاب محمود (٢) بن أحمد
стр. 1162
الكلوذانىّ وأبو سعد المبارك بن على المخرّمىّ (١)، الحنبليّان، فقبل شهادته، ثم تولّى القضاء بالمدائن.
حدّث باليسير، عن أبى القاسم علىّ بن أحمد التّسترىّ.
روى عنه السّلفىّ، وذكره فى «معجم شيوخه». رحمهم الله تعالى.
***
١٠٤٨ - عبد الله بن الحسين، أبو محمد النّاصحىّ (¬*)
قاضى القضاة، وإمام المسلمين، وشيخ الحنفيّة فى عصره، والمقدّم على الأكابر من القضاة والأئمّة فى دهره.
ولى القضاء للسّلطان الكبير محمود بن سبكتكين ببخارى.
وكان له مجلس فى النّظر، والتّدريس، والفتوى، والتّصنيف.
وله الطّريقة الحسنة فى الفقه، المرضيّة عند الفقهاء من أصحابه، [وكان] (٢) ورعا، مجتهدا.
قدم بغداد حاجّا، سنة اثنتى عشرة وأربعمائة.
قال الخطيب: وكان ثقة، ديّنا، صالحا، (٣) وعقد له مجلس الإملاء (٣). وروى الحديث عن بشر بن أحمد الأسفراينيّ، والحاكم أبى محمد (٤) الحافظ. روى عنه أبو عبد الله الفارسىّ (٥)، وغيره. وله «مختصر فى الوقوف» ذكر أنه اختصره من كتاب
стр. 1163
الخصّاف، وهلال بن يحيى. وكانت وفاته، سنة سبع وأربعين وأربعمائة.
وقد تقدّم ابن ابنه أحمد بن محمد (١)، وابنه محمد يأتى فى بابه، ويأتى عبد الرحيم ابن بنته قريبا، إن شاء الله تعالى.
***
١٠٤٩ - عبد الله بن حمزة الغوبدينىّ (¬*)
والد أسعد (٢).
روى عنه ابنه مصنّفات محمد بن الحسن، عن أبى سعيد، عن جدّه يعقوب، عن أبى سليمان الجوزجانىّ، عن محمد بن الحسن.
***
١٠٥٠ - عبد الله بن خليل بن عثمان الزّولىّ،
جمال الدّين (¬**)
ذكره الجلال السّيوطىّ، فى تذكرته التى سمّاها «الفلك المشحون».
وقال: كان شافعيّا، ثم صار حنفيّا، وكان عبدا صالحا، كثير السّكون، وله بشيخون اختصاص، ولشيخون فيه اعتقاد، وولى تدريس الحديث بالخانقاه الشّيخونيّة أوّل ما فتحت، والخطابة والإمامة بجامع شيخون.
وتوفّى فى حادى عشرى محرّم، سنة ثلاث وستين وسبعمائة.
ذكره المقريزىّ.
قلت: رأيت له مؤلّفا يتعلّق ب «العمدة». انتهى.
***
стр. 1164
١٠٥١ - عبد الله بن داود بن عامر بن الرّبيع،
أبو عبد الرحمن الخريبىّ (¬*)
سمع الثّورىّ، والأوزاعىّ.
/وروى عنه محمد بن بشّار، ومحمد بن المثنّى.
قال عمرو بن على: سمعت الخريبىّ يقول: ما كذبت قطّ إلاّ مرّة فى صغرى، قال لى أبى: أذهبت إلى الكتّاب؟ فقلت: بلى (١). ولم أكن ذهبت.
روى له الجماعة إلاّ مسلما.
قال الطّحاوىّ: حدّثنى القاضى أبو حازم، حدّثنى سعد بن روح، عن عبد الله ابن داود، وقال له رجل: ما عيّب (٢) النّاس فيه على أبى حنيفة؟ فقال: والله ما أعلمهم عابوا عليه فى شئ إلاّ أنّه قال فأصاب، وقالوا فأخطئوا، ولقد رأيته يسعى بين الصّفا والمروة وأنا معه، وكانت الأعين محيطة به.
وقيل لعبد الله بن داود: إنّ بعض النّاس كتب عن أبى حنيفة، رحمه الله تعالى، مسائل كثيرة، ثم لقيه بعد، فرجع عن كثير منها، فقال: لا يصدّنّك هذا، إن أبا حنيفة كان مطّلعا على الفقه، وإنّما يرجع الفقيه عن القول فى الفقه إذا اتّسع علمه.
مات، رحمه الله تعالى، يوم الأحد، النّصف من شوّال، سنة ثلاث عشرة ومائتين.
كذا ترجمه فى «الجواهر المضيّة».
وترجمه الحافظ الذّهبىّ، فى «طبقات الحفّاظ»؛ فقال: عبد الله بن عامر، الإمام الحافظ القدوة، أبو عبد الرحمن الشّعبىّ الكوفىّ الخريبىّ، كان يسكن محلّة الخريبة بالبصرة، سمع هشام بن عروة، والأعمش، وابن جريج، والأوزاعىّ، وطبقتهم.
стр. 1165
وحدّث عنه الحسن بن صالح، وسفيان بن عيينة، وهما من شيوخه، ومسدّد، وبندار، وبشر بن موسى، وخلائق.
قال أبو سعد: كان ثقة، عابدا، ناسكا.
وقال ابن معين: ثقة، مأمون.
وعن وكيع قال: النّظر إلى وجه عبد الله بن داود عبادة.
وكان الخريبىّ يقول: ليتنى لبنة فى حائط، متى أدخل أنا الجنة!
وكان ممّن وقف فى مسألة القرآن، تورّعا وجبنا. وكان يقول: ليس الدّين بالكلام، إنّما الدّين بالآثار. رحمه الله تعالى.
***
١٠٥٢ - عبد الله بن سليمان بن الحسين، أبو الغنائم (¬*)
قاضى الحلّة السّيفيّة (١).
وهو والد قاضى القضاة علىّ الآتى فى محلّه، إن شاء الله تعالى.
روى عنه معمر بن عبد الواحد الأصبهانىّ، فى «معجم شيوخه».
وذكره ابن النّجّار، وروى شيئا ممّا رواه من الشّعر (٢).
ولم أقف له على تاريخ مولد ولا وفاة. رحمه الله تعالى.
***
١٠٥٣ - عبد الله بن سلمة بن يزيد القاضى، أبو محمد،
ابن سلمويه، الفقيه، النّيسابورىّ (¬**)
ولى قضاء نيسابور، بإشارة ابن خزيمة.
стр. 1166
وكان إماما فى الحنفيّة بالعراق. وكان إماما فى الشّروط.
سمع بخراسان إسحاق بن راهويه، ومحمد بن رافع، وغيرهما. وبالعراق يحيى بن طلحة اليربوعىّ، ومحمد بن شجاع الثّلجىّ، شيخ الحنفيّة بالعراق.
روى عنه أبو سعد عبد الرحمن بن الحسين، وأبو العباس أحمد بن هارون الفقيه، شيخ الحنفيّة بنيسابور.
قال الحاكم، فى «تاريخ نيسابور»: سمعت أبا طاهر محمد بن الفضل بن إسحاق بن خزيمة، يقول: سمعت جدّى يقول: كتب إلىّ الأمير أبو إبراهيم إسماعيل بن أحمد، باختيار حاكم نيسابور، فوقعت الخيرة على عبد الله بن سلمويه، وهو لى مخالف فى المذهب، لأمانته، وفقهه، وتمكّنه من نفسه، فقلّد القضاء، وبقى محمود الأثر إلى أن توفّى، سنة ثمان وتسعين ومائتين. رحمه الله تعالى.
١٠٥٤ - عبد الله بن سيرين الهندىّ الحنفىّ،
كمال الدّين (¬*)
نزيل القاهرة.
ذكره صاحب «الغرف/العليّة»، وذكر أنّه سمع وحدّث، وأنّه كان يخبر عن الهند بعجائب كثيرة، وأنّه مات سنة تسع وثمانمائة، وأنّه خطب بالبرقوقيّة، وأنّ ابن المبرّد ذكره فى «رياضه».
***
١٠٥٥ - عبد الله بن صاعد بن محمد، أبو محمد،
القاضى، الزّاهد (¬**)
أصغر أولاد عماد الإسلام صاعد بن محمد (١).
شيخ عفيف. سمع، وحدّث.
стр. 1167
وكانت ولادته سنة، تسع وأربعمائة.
ووفاته سنة، ست وأربعين وأربعمائة. رحمه الله تعالى.
***
١٠٥٦ - عبد الله [بن عبد الله] الجمال الرّومىّ (¬*)
نزيل الصّرغتمشيّة.
قرأ على الأمين الأقصرائىّ بالجانبكيّة «المجمع»، لابن السّاعاتىّ، وأذن له فى الإقراء، ووصفه بالفاضل العلاّمة، الحبر الفهّامة، المدقّق المتقن، وأرّخها فى ربيع الآخر، سنة ثلاث وثلاثين. ذكره فى «الضّوء اللاّمع» بحروفه.
***
١٠٥٧ - عبد الله بن عبد الحقّ بن أوحد الدّين،
الشيخ الإمام، العالم العامل، الورع الفاضل،
المفتى الكامل، العدل المرتضى المختار،
أبو المحاسن جمال الدّين ابن
تقىّ الدّين (¬**)
كذا ذكره فى «الغرف العليّة»، وذكر أنّه صار خطيبا بعينتاب، وتلّ نصر، وأنّه وقف له على «شرح» فى «ملحة الإعراب» للحريرىّ، وأنّه ذكر فى آخره أنّه فرغ من تأليفه فى العشر الأوّل من رمضان، سنة خمس وثلاثين وسبعمائة.
***
١٠٥٨ - عبد الله بن عبد الرحمن بن
الحسبانىّ، الأخ جمال الدّين
كذا ذكره فى «الغرف العليّة»، وقال: حفظ «الكنز» و «المنار»، واشتغل وتوفّى بالطّاعون، فى آخر ربيع الأوّل، سنة ثلاث وتسعمائة. رحمه الله تعالى.
***
стр. 1168
١٠٥٩ - عبد الله بن عبد القادر الصّالحىّ
الحنفىّ الشّهير بالحصرىّ، الشيخ
جمال الدّين، أبو محمد
ذكره فى «الغرف العليّة»، وقال: ميلاده-كما أخبرنى به-سنة ثمان وثلاثين وثمانمائة. وتوفّى فى جمادى الأولى، سنة سبع وتسعين وثمانمائة، ودفن بتربة الاماج (١) بسفح قاسيون. وكان يحفظ «المختار»، و «المنار»، و «ألفيّة ابن مالك». واشتغل على الشيخ عيسى الفلوجىّ وغيره. وأخذ عن القاضى حميد الدين النّعمانىّ.
قال ابن طولون: قرأت عليه كتاب «المختار» تصحيحا بمنزله، وأجازنى شفاها بسؤال شيخنا الجمال بن عبد الهادى.
***
١٠٦٠ - عبد الله بن عبد الرحمن، خير الدّين
الآمدىّ الحنفىّ (¬*)
ممّن برع فى المعقولات، وشارك فى علوم أخر.
ومات ببلاد آمد، سنة خمس وثلاثين.
ذكره المقريزىّ، فى «عقوده». ونقل عن الشّهاب الكورانىّ، أنّه قال: حلّيت على مشايخى مائة وثلاثين تصنيفا.
كذا نقلته بحروفه من «الضّوء اللاّمع».
***
١٠٦١ - عبد الله بن عبد الواحد بن أحمد بن محمّد
ابن حمزة بن الثّقفىّ، القاضى، أبو الفتوح،
ابن قاضى القضاة أبى حفص، ابن
القاضى أبى الحسين، الكوفىّ (¬**)
تقدّم ذكر جدّه وأخيه جعفر (٢). ويأتى ذكر والده عبد الواحد، فى محلّه، إن شاء الله تعالى.
стр. 1169
سمع الحديث من والده، ومن أبى الوقت الصّوفىّ، وأحمد بن يحيى بن ناقه الكوفىّ.
ذكره ابن النّجّار، وقال: ما أظنّه روى شيئا. وشهد عند أخيه قاضى القضاة جعفر ابن عبد الواحد، فقبل شهادته، واستنابه على الحكم والقضاء، مدّة ولايته إلى حين وفاته، ثم ولى بعد وفاته القضاء والحسبة بالجانب الغربىّ /من بغداد، والبلاد المزيديّة، والكوفة، فى المحرّم، سنة ست وسبعين وخمسمائة، ولم يزل على ولايته إلى حين وفاته.
قال: وتوفّى، رحمه الله تعالى، يوم السّبت، لعشر خلون من شعبان، سنة ثمانين وخمسمائة.
***
١٠٦٢ - عبد الله بن على بن يحيى، أبو بكر
الفقيه البلخىّ (¬*)
ذكره في «الجواهر».
***
١٠٦٣ - عبد الله بن على بن يحيى بن محمد بن
عبد العزيز بن محمّد بن
الفرات، جمال الدّين (¬**)
موقّع الحكم.
سمع من ابن الشّحنة، وستّ الوزراء. وحدّث. وكان عارفا بتذهيب الكتب، محترزا فى الشّهادة، مع التّواضع والفضل، حسن العبارة.
ومات فى العشرين من شهر رمضان، سنة تسع وستين وسبعمائة.
قال ابن حجر: وهو ابن عمّ شيخنا ناصر الدّين ابن الفرات، صاحب «التاريخ الكبير».
***
стр. 1170
١٠٦٤ - عبد الله بن على بن صائن بن عبد الجليل
ابن الخليل بن أبى بكر الفرغانىّ،
أبو بكر بن أبى الحسن
على بن أبى بكر
الفقيه الكبير (¬*)
من أهل مرغينان، من بلاد فرغانة.
سكن سمرقند، وكان يتولّى الخطابة بها.
قال ابن النّجّار: قدم علينا بغداذ حاجّا، فى صفر، سنة ستمائة. وسمع الحديث من شيوخنا أبى أحمد الأمين، وأبى محمد بن الأخضر، وعلى جماعة من أصحاب أبى القاسم ابن الحصين، وأبى غالب [بن] (١) البنّا، وأبى بكر الانصارىّ، وكتب بخطّه، وحصّل. وحدّثنا «أربعين حديثا» جمعها عن شيوخه، بما بما وراء النّهر، فسمعناها منه، وسمع منّى شيئا، وروى عنّى فى «أماليه» بنيسابور، وعمرى إذ ذاك عشرون سنة.
وكان إماما كبيرا فى المذهب، والخلاف، والجدل، ومعرفة الحديث، والنّحو، واللّغة. وله النّظم والنثر. وما رأت عيناى إنسانا جمع حسن الصّورة، مع لطف الأخلاق، وكمال التّواضع، وغزارة الفضل، ومتانة الدّين، والورع، والنّزاهة، وحسن الخطّ، وسرعة القلم، والقدرة على الإنشاء نظما ونثرا، وفصاحة اللّسان، وعذوبة الألفاظ، والصّدق، والنّبل، والثّقة، غيره. فلقد كان من أفراد الدّهر، ونوادر العصر، كامل الصّفات، بعيد المثل، قلّ، أن تلد النّساء مثله.
ولقد تأدّبنا بأخلاقه، واقتدينا بأفعاله، وتعلّمنا من فوائده، وفرائده، واقتبسنا من علومه، ما ينقش بالخناجر على الحناجر. وأنشدنى لنفسه (٢):
تحرّ فديتك صدق الحديث … ولا تحسب الكذب أمرا يسيرا
стр. 1171
فمن آثر الصّدق فى قوله … سيلقى سرورا ويرقى سريرا
ومن كان بالكذب مستهترا … سيدعو ثبورا ويصلى سعيرا (١)
سألت أبا بكر الفرغانىّ عن مولده، فقال: أخبرنى والدى، أنّه يوم الاثنين، الثانى والعشرين (٢) من رجب، سنة إحدى وخمسين وخمسمائة، بمرغينان.
وبلغنا أنّه قتل شهيدا ببخارى، صابرا محتسبا، على يد كفرة التّرك، حين استولوا على بخارى، فى ذى الحجّة، سنة ستّ عشرة وستمائة، تغمّده الله تعالى برحمته، وأسكنه فسيح جنّاته.
ويأتى ولده عبد الجليل. نقلت هذه الترجمة برمّتها من «الجواهر المضيّة».
وذكره السّيوطىّ، فى «طبقات/النّحاة» بنحو ما هنا.
***
١٠٦٥ - عبد الله بن على بن عثمان بن إبراهيم بن
مصطفى بن سليمان، جمال الدين الماردينىّ،
المعروف بابن التّركمانىّ (¬*)
من أهل المائة الثامنة.
ولد سنة تسع عشرة وسبعمائة.
واشتغل، ومهر، وحفظ «الهداية» فى الفقه، وكمّل «شرح والده» عليها، وكان يسرد منها فى درسه حفظا.
واستقرّ فى القضاء بمصر استقلالا بعد موت والده، فباشر بصيانة وإحسان، مع المعرفة بالأحكام، والتّرفّع على أهل الدّولة، والتّواضع للفقراء، وكانت ولايته، فى شهر المحرّم، سنة خمسين، بعناية الأمير شيخون، فى سلطنة الناصر حسن الأولى، وسكن
стр. 1172
المدرسة الصّالحيّة بعياله، واستمرّ فيها، وأقام قاضيا نحو عشرين سنة متوالية، لم يدخل عليه فيها نقص، ولا نسب فيها إلى ما يعاب به.
وكان يعتنى بالطلبة والنّجباء من الحنفية، فيفضل عليهم، وينعش حال فقيرهم، ويجلّ كبيرهم، ويتجاوز عن مسيئهم، ويجمع الجميع على طعامه غالبا، ويسعى لهم فى جميع ما يعرض ممّا يتعلّق به وبغيره من الأكابر، وربّما ركب فى ذلك بنفسه إلى من هو مثله، وإلى من هو دونه، حتى ركب مرّة الى صيرفىّ بعض الأمراء فى قضاء حاجة فقيه من الطلبة.
ولقد بالغ الشيخ تقىّ الدّين المقريزىّ فى إطرائه، والثّناء عليه، حتى قال: لو كتبت مناقبه لاجتمع منها سفر ضخم.
وقال ابن حبيب فى حقّه: كان وافر الوقار، لطيف الذّات، مقدّما عند الملوك، عارفا بالأحكام، ليّن الجانب، شديدا على المفسدين، متواضعا مع أهل الخير، وسدّ أبواب الرّيب، وامتنع من استبدال الأوقاف، وصمّم على ذلك، ولم يخلّف بعده مثله، خصوصا من الحنفيّة. انتهى.
مات فى حادى عشرى شعبان، سنة تسع وستين وسبعمائة، وقيل فى رمضان منها.
رحمه الله تعالى.
***
١٠٦٦ - عبد الله بن على بن عمر السّنجارىّ، تاج الدين،
أبو عبد الله، المعروف بابن قاضى صور (¬*)
ولد سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة.
وتفقّه على الشيخ عزّ الدّين حسن بن عيون، وغيره.
ونظم «المختار» فى الفقه، و «السّراجيّة» فى الفرائض، وله كتاب «البحر الحاوى
стр. 1173
فى الفتاوى»، جمع مذاهب الأئمة الأربعة، وأقوال بعض الصّحابة، والتّابعين ونظم «سلوان المطاع»، وله «قصيدة فى مكارم الأخلاق».
توفّى بدمشق، سنة ثمانمائة.
كذا نقلت هذه الترجمة من خطّ أحمد ابن الشّحنة، ثم رأيت له ترجمة فى «الغرف العليّة» متضمّنة لما ذكره ابن الشّحنه وزيادة، وذكر أنّ صاحب «المنهل» قال فى حقه: الشيخ الإمام العلاّمة، تاج الدّين أبو محمد، ابن قاضى صور، بفتح الصّاد المهملة، وصور: بلدة بديار بكر بن وائل. وكان مولده بسنجار، وتفقّه بها. وكان عالما بارعا، مفنّنا فى الفقه والأصول واللغة. وألّف عدّة كتب. وعدّ الكتب المذكورة، ثم قال: وناب فى الحكم بدمشق والقاهرة، وكان من محاسن الدنيا، دينا وخيرا، وعلما وكرما.
***
١٠٦٧ - عبد الله بن على البزّار النّيسابورىّ (¬*)
تفقّه فى نيسابور بالإمام الصّندلىّ (١)، وجلس/بعد وفاته مكانه.
ودرّس سنين كثيرة.
ذكره الهمذانىّ فى «طبقاته».
***
١٠٦٨ - عبد الله بن علىّ الكندىّ، الملقّب
سيف الدّين، أبو محمد (¬**)
من أقران شمس الأئمّة السّرخسىّ.
وهو أستاذ مسعود بن الحسين الكشانىّ.
تقدّم ابن ابنه أحمد بن محمد (٢). ويأتى ابنه محمد بن عبد الله، فى محلّه، إن شاء الله تعالى.
***
стр. 1174
١٠٦٩ - عبد الله بن عمر بن عيسى، أبو زيد الدّبوسىّ
(¬*)
صاحب «كتاب الأسرار»، و «تقويم الأدلّة»، و «الأمد الأقصى»، وغير ذلك.
وهو أوّل من وضع علم الخلاف، وأبرزه إلى الوجود.
قال السّمعانىّ: كان من كبار الحنفيّة الفقهاء، ممّن يضرب به المثل. وكانت وفاته ببخارى، سنة ثلاثين وأربعمائة على الصّحيح، وهو ابن ثلاث وستين سنة، وهو أحد القضاة السّبعة المشهورين.
ولقد رثاه بعض الأفاضل بقوله:
لو صوّر الكون عينا تستفيض دما … بشقّ جيب ولطم الوجه بالأيدى
لم توف من حقّها ما كان يلزمها … من البكاء على القاضى أبى زيد
وروى أنّه ناظر بعض الفقهاء، وكان كلّما ألزمه أبو زيد تبسّم وضحك، فأنشد، رحمه الله تعالى عنه (١):
مالى إذا ألزمته حجّة … قابلنى بالضّحك والقهقهه
إن كان ضحك المرء من فقهه … فالقرد فى الصّحراء ما أفقهه (٢)
ومن تصانيفه كتاب سمّاه «تأسيس النّظائر»، ليس له نظير فى بابه.
***
١٠٧٠ - عبد الله بن عمر بن ميمون الرّمّاح،
أبو محمد (¬**)
قاضى نيسابور.
стр. 1175
روى عن أبيه عمر، الآتى ذكره، وتفقّه عليه.
***
١٠٧١ - عبد الله بن عمر، ابن أبى جرادة، قاضى القضاة
جمال الدّين الحلبىّ الحنفىّ، الشّهير
بابن العديم، قاضى حماة (¬*)
كان إماما، فقيها، عالما.
أقام مدّة طويلة يفتى ويدرّس ببلده، وغيرها، إلى أن مات، فى رابع عشر، ذى الحجّة، سنة ثلاث وثمانين وسبعمائة، بمكة المشرّفة، ودفن بالمعلاة. رحمه الله تعالى.
كذا نقلت هذه الترجمة من «الغرف العليّة».
***
١٠٧٢ - عبد الله بن فرّوخ الخراسانىّ (¬**)
أحد أصحاب الإمام الأعظم، رضى الله تعالى عنه، تفقّه عليه، وحمل عنه المسائل.
ورحل إلى الدّيار المصرية.
قال عبد الله بن وهب: قدم علينا بعد موت اللّيث بن سعد، فرجونا أن يكون خلفا منه، وكان اعتماده فى الفقه على مذهب أبى حنيفة، رضى الله تعالى عنه.
وقيل: إنه ناظر زفر، فى حلقة أبى حنيفة، رضى الله تعالى عنه، فازدراه زفر، فلم يزل عبد الله بن فرّوخ يعلو عليه حتى قطعه، ثم ناظره أبو حنيفة، فلم يزل به حتى أبان له.
وكان يقول حين انصرف إلى القيروان: كلّ من لقيته، صاحبكم-يعنى نفسه- أفقه منه، إلاّ أبا حنيفة، رضى الله تعالى عنه.
وذكره المزّىّ فى «التّهذيب»، ونقل توثيقه عن ابن حبّان.
стр. 1176
قيل: كان الناس يتبرّكون بابن فرّوخ، ويجلسون له على طريقه ليدعو لهم.
*وكان يقول بشرب النّبيذ، وتحليله/، ويروى أحاديث فى ذلك.
*وكان يرى الخروج على أهل الجور.
قال ابن يونس: توفّى، رحمه الله تعالى، بمصر، بعد انصرافه من الحجّ، فى سنة خمس وسبعين ومائة.
وروى له أبو داود فى «سننه».
***
١٠٧٣ - عبد الله بن الفضل الخيزاخزىّ (¬*)
روى عنه ابنه أبو نصر أحمد بن عبد الله، المذكور فى حرف الألف (١).
وروى هو عن أبى بكر أحمد بن عبد الله بن خنب (٢)، وأبى بكر بن مجاهد القطّان البلخى (٣)، وغيرهما.
وتفقّه على أبى بكر محمد بن الفضل الكمارى.
*ذكر القاضى (٤) فى «الغاية»، فى مسألة المسبوق يتابع الإمام فى التّشهّد إلى قوله «عبده ورسوله» بلا خلاف، إلى أن قال: وروى البلخىّ (٥)، عن أبى حنيفة، رضى الله تعالى عنه، أنّه يأتى بالدّعوات. وبه كان يفتى عبد الله بن الفضل الخيزاخزىّ.
وذكره فى «القنية» فى الصلاة.
وذكره قاضى خان فى «شرح الجامع الصّغير» فى الصّوم.
стр. 1177
كذا ترجمه فى «الجواهر».
***
١٠٧٤ - عبد الله بن الشيخ كمال الدين الرّومىّ،
المشهور بشيخ زاده
قرأ على المولى سيّدى محمد القوجوىّ، والمولى محمد بن حسن السّامونىّ، وغيرهما.
وصار مدرّسا ببعض المدارس، ثم إنّه اختار العزلة، وانقطع إلى العبادة، وترك الاختلاط بأهل الدنيا، إلى أن مات، فى سنة سبع وخمسين وتسعمائة.
وكانت له مشاركة فى العلوم العقليّة والنقليّة، وله مزيد اختصاص بالتفسير، وكان من خيار الناس، تغمّده الله تعالى برحمته.
***
١٠٧٥ - عبد الله بن لطف الله بن محمد بن بهاء الدّين،
المشهور فى الدّيار الرّوميّة ببهاءالدين زاده
من فضلاء موالى الدّيار الرومية.
اشتغل وحصّل، ودرّس وأفاد، وبلغ من الفضائل غايات المراد، وصار ملازما من العلاّمة أبى السّعود العمادىّ، وكان له به عناية كاملة، واختلاط كثير، يتردّد إليه فى غالب الأوقات، ويقيّد عنه كثيرا من الفوائد المهمّات، إلى أن لحق باللّطيف الخبير.
وقد ولى صاحب الترجمة مدارس متعدّدة، من أجلّها إحدى المدارس الثّمان، والمدرسة السّليميّة، بمدينة إصطنبول، وإحدى المدارس السّليمانيّة، ومنها تولّى قضاء الغلطة، مضافة إلى أبى أيّوب الأنصارىّ، رحمه الله تعالى، ثم ولى قضاء بروسة، ثم قضاء أدرنة، ثم قضاء إصطنبول، ثم قضاء العسكر، بولاية أناطولى، وأقام مدة يسيرة، ثمّ عزل، وولى عوضا عنه ملاّ أحمد الأنصارىّ، المتقدّم ذكره فى محلّه.
وقد اجتمعت به فى مدينة إصطنبول، فى سنة ثلاث وتسعين وتسعمائة، ورأيته كامل الأوصاف من العقل والتّدبير، والعلم والمعرفة.
وذكر أنّه صنّف «حاشية» على «شرح المفتاح» للسّيّد، ولكنها فى المسوّدة ما
стр. 1178
بيّضت، وأنّ له بعض حواش على شروح «الهداية»، ورسائل مفيدة فى فنون عديدة؛ وهو الآن مقيم فى الدّيار الرّوميّة، حىّ يرزق، يؤمّل ما يناسب مقامه الشريف من المناصب السّنيّة، والرّتب العليّة، وهو أهل لكلّ ما يسدى إليه، وينعم به عليه.
***
١٠٧٦ - عبد الله بن المبارك بن واضح (¬*)
الإمام المشهور، والعلم المنشور، الذى اتّفقت الألسن/على مدحه، والقلوب على حبّه، ووقع الإجماع على أنّه فريد عصره، ووحيد دهره، ونسيج وحده، وواسطة عقده.
ذكره أبو إسحاق الشّيرازىّ، فى أصحاب أبى حنيفة، ثم حمله الانحراف عن الإمام الأعظم وأصحابه، كما هو المشهور عنه، أن قال: ثم تركه، ورجع عن مذهبه (١).
ولم يذكر لكلامه دليلا، ولا أتى فيه بحجّة، ولا ذكر إلى أىّ مذهب رجع، وإلى أىّ طريق اتّبع، وهل تفرّد بمذهب، وتمسّك بمطلب، وترك التقليد أصلا، واجتهد كبقيّة أصحاب المذاهب المتّبعة أم لا، وحسن رأى ابن المبارك فى أبى حنيفة، ومدحه له، وثناؤه عليه، إلى أن توفّاه الله تعالى، كما هو مستفيض عنه، ومشحونة به الكتب،
стр. 1179
ومتّفقة عليه ألسن الرّواة، يدلّ على أنّه لم يزل آخذا برأيه، مصوّبا لأقواله، ذاهبا إلى مذهبه، رضى الله تعالى عنهما، وجمع بينهما فى دار كرامته.
ولا يلتفت إلى ما يلفّقه الخطيب البغداذىّ فى «تاريخه»، من كلام يحكيه عن ابن المبارك، وينسبه إليه، ويرويه عنه، ممّا يريد الخطيب أن يشنّع به على أبى حنيفة، رضى الله تعالى عنه؛ فإنّ تعصّبه معلوم، وبغضه غير مكتوم، حتى إنّ بعض الأفاضل صنّف فى الرّدّ عليه كتابا سمّاه «السّهم المصيب فى كبد الخطيب».
وحيث كان الأمر على ما ذكرنا، والشّان على ما قرّرنا، وجب أن نذكره فى جملة الأصحاب، ونجمّل بنشر محاسنه طىّ هذا الكتاب، كما ذكر جميع من صنّف فى تراجم الحنفيّة، وعدّوه [من] أئمّتهم المرضيّة، فنقول وبالله التوفيق:
ذكره الحافظ الذّهبىّ، فى «طبقات الحفّاظ»، وقال فى حقّه (١): الإمام الحافظ، العلاّمة، شيخ الإسلام، فخر المدرّسين، قدوة الزاهدين، أبو عبد الرحمن الحنظلىّ مولاهم، التّركىّ الأب، الخوارزمىّ الأمّ، التاجر السّفّار، صاحب التصانيف النافعة، والرّحلات الشاسعة، ولد سنة ثمانى عشرة ومائة، أو بعدها بعام، وأفنى عمره فى الأسفار، حاجّا ومجاهدا، وتاجرا. سمع سليمان التّيمىّ، وعاصما الأحول، وحميدا الطّويل، والربيع بن أنس، وهشام بن عروة، والجريرىّ، وإسماعيل بن أبى خالد، وخالدا الحذّاء، ويزيد بن عبد الله بن أبى بردة، وأمما سواهم، حتى كتب عمّن هو أصغر منه. دوّن العلم فى الأبواب، وفى الغزو، والزهد، والرّقائق، وغير ذلك. حدّث عنه خلق لا يحصون من أهل الأقاليم، فإنّه من صباه ما فتر عن السّفر، منهم: عبد الرحمن بن مهدىّ، ويحيى بن معين، وحبّان بن موسى، وأبو بكر ابن أبى شيبة، وأخوه عثمان، وأحمد بن منيع، وأحمد ابن حنبل المروزىّ، والحسن بن عيسى بن ماسرجس، والحسين بن الحسن المروزىّ، والحسن بن عرفة.
قال-أعنى الذّهبىّ -: ووقع لى من غير وجه عاليا، وبالإجازة بينى وبينه، ستّة أنفس، ووالله إنّى لأحبّه فى الله، وأرجو الخير بحبّه، لما منحه الله من التقوى، والعبادة، والإخلاص، وسعة العلم، والإتقان، والمواساة، والفتوّة، والصّفات الحميدة. انتهى.
وعن ابن مهدىّ: الأئمة أربعة: مالك،/والثّورىّ، وحمّاد بن زيد، وابن المبارك.
стр. 1180
وعنه أيضا، أنّه فضّله على الثّورىّ. وقال مرّة: حدّثنا ابن المبارك، وكان نسيج وحده.
وعن أحمد ابن حنبل، رضى الله تعالى عنه: لم يكن فى زمن ابن المبارك أطلب منه للعلم.
وعن شعيب بن حرب قال: ما لقى ابن المبارك مثل نفسه.
وعن شعبة: ما قدم علينا مثل ابن المبارك.
وقال أبو إسحاق الفزارىّ: ابن المبارك إمام المسلمين.
وعن ابن معين: كان ثقة ثبتا، وكانت كتبه التى حدّث بها نحوا من عشرين ألف حديث.
وعن يحيى بن آدم قال: كنت إذا طلبت الدّقيق من المسائل، فلم أجده فى كتب ابن المبارك، أيست منه.
وعن إسماعيل بن عيّاش، قال: ما على وجه الأرض مثل ابن المبارك.
وقال العباس بن مصعب: جمع ابن المبارك الحديث، والفقه، والعربيّة، وأيّام الناس، والشجاعة، ومحبّة الفرق له.
وقال شعيب بن حرب: لو جهدت جهدى على أن يكون فى السّنة ثلاثة أيّام على ما عليه ابن المبارك، لم أقدر.
وقال أبو أسامة: هو أمير المؤمنين فى الحديث.
وقال الحسن بن عيسى بن ماسرجس: اجتمع جماعة من أصحاب ابن المبارك، فقالوا: عدّوا خصال ابن المبارك. فقالوا: جمع العلم، والفقه، والأدب، والنحو، واللغة، والزّهد، والشجاعة، والشعر، والفصاحة، وقيام اللّيل، والعبادة، والحج، والغزو، والفروسيّة، وترك الكلام فيما لا يعنيه، والإنصاف وقلّة الخلاف على أصحابه.
وروى العباس بن مصعب، فى «تاريخه» (١)، عن إبراهيم بن إسحاق، عن ابن
стр. 1181
المبارك، قال: تحمّلت عن أربعة آلاف شيخ، فرويت عن ألف منهم. ثم قال العباس:
وقع لى من شيوخه ثمانمائة.
وعن على بن الحسن بن شقيق، قال: قمت مع ابن المبارك فى ليلة باردة، ليخرج من المسجد، فذاكرنى عند الباب بحديث، وذاكرته، فما زال يذاكرنى حتى جاء المؤذّن، فأذّن للفجر.
وكان ابن المبارك من صيانة العلم، وعدم ابتذاله لأهل الدّول وأهل المناصب، ومن ليس له بأهل، على جانب عظيم.
وروى أنّ رجلا من بنى هاشم جاء إليه يسمع منه، فامتنع ابن المبارك، فقال الهاشمىّ لغلامه: قم بنا. فلمّا أراد الرّكوب، جاء ابن المبارك ليمسك بركابه، فقال: يا أبا عبد الرحمن، لا ترى أن تحدّثنى، وتمسك بركابى؟ فقال: رأيت أن أذلّ لك بدنى، ولا أذلّ لك الحديث.
وعن الفضيل بن عياض، أنّه قال. وهو بمكة: وربّ هذا البيت ما رأت عيناى مثل ابن المبارك.
وقال عبد الله بن سنان: قدم ابن المبارك مكة وأنا بها، فلما خرج شيّعه سفيان ابن عيينة، والفضيل بن عياض، وودّعاه، فقال أحدهما: هذا فقيه أهل المشرق. وقال الآخر: وفقيه أهل المغرب.
وقال نعيم بن حمّاد: كان ابن المبارك إذا قرأ كتاب «الزهد» كأنّه ثور قد ذبح، لا يقدر أن يتكلّم.
وقال أبو عمر ابن عبد البرّ: لا أعلم أحدا من الفقهاء سلم أن يقال فيه شئ، إلاّ عبد الله بن المبارك (١).
وذكر ابن عساكر، فى «تاريخ دمشق» لعبد الله بن المبارك ترجمة واسعة، أحببت أن ألخّص منها ما يكون فيه قدوة لأهل العلم، وهاد لأهل الرّشاد، وطريق لأهل النّجاة، ومبين لما كان عليه عبد الله من العلم والدّين والورع وغير ذلك، وإن كان فيما ذكرناه كفاية، فإنّ مثل أخبار عبد الله وأوصافه، لا يملّ سماعها إلاّ مبتدع،/عميت بصيرته، ولم تخلص من الكدر سريرته؛ فمن ذلك ما روى، أنّ عبد الله بن المبارك،
стр. 1182
رضى الله تعالى عنه، قال-وقد سئل عن أوّل زهده-إنّى كنت يوما فى بستان، وأنا شابّ، مع جماعة من أترابى، وذلك فى وقت الفواكه، فأكلنا وشربنا، وكنت مولعا بضرب العود، فقمت فى بعض الليل، وإذا غصن يتحرّك عند رأسى، فأخذت العود لأضرب، فإذا بالعود ينطق وهو يقول: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ﴾ (١)، قال: فضربت بالعود الأرض فكسرته، وصرفت ما عندى من جميع الأمور التى كنت عليها، ممّا يشغل عن الله تعالى، وجاء التوفيق من الله تعالى، فكان ما سهّل لنا من الخير، بفضل الله ورحمته.
وقال عبد الله: نظر أبو حنيفة إلى أبى فقال: أدّت أمّه إليك الأمانة، وكان أشبه الناس بعبد الله.
وقيل له: يا أبا عبد الرحمن، حتى متى تكتب الحديث؟ فقال: لعلّ الكلمة التى أنتفع بها ما كتبتها بعد. وفى رواية: لعلّ الكلمة التى فيها نجاتى لم أسمعها بعد.
وعن عيسى بن سلمة بن وصيف، قال: اجتمع ابن المبارك ووكيع عند شريك، يكتبان عنه، وكان ابن المبارك إذا سوّد ورقته تركها تجفّ، وقام يركع، قال: وسمع ابن المبارك وكيعا يقدّم عليّا على عثمان، فقال: يا أبا سفيان، وإنّك لعلى هذا، لا كلّمتك حتى ألقى الله .
وعن سفيان بن سعيد، أنّه كان يقول: أحببت أن أكون خمسة أيّام على وتيرة ابن المبارك، فلم أقدر عليه، وأربعة أيّام، فلم أقدر عليه، وثلاثة أيّام، فلم أقدر عليه، ويومين، فلم أقدر عليه.
قال شعيب بن حرب: وكنّا نأتى ابن المبارك، فنحفظ عنه، ثم ننظر هل نستطيع أن نتعلّق عليه بشئ، فلا نقدر على شئ من ذلك.
وعن عمران بن موسى الطّرسوسىّ، قال: جاء رجل، فسأل سفيان الثّورىّ عن مسألة، فقال له: من أين أنت؟ قال: من أهل المشرق. قال: أو ليس عندكم أعلم أهل المشرق؟ قال: ومن هو يا أبا عبد الله؟ قال: عبد الله بن المبارك. قال: هو أعلم أهل المشرق؟ قال: نعم، وأهل المغرب.
стр. 1183
وعن عبد الرحمن ابن أبى جميل، قال: كنّا حول ابن المبارك بمكة، فقلنا له: يا عالم المشرق حدّثنا، وسفيان قريب منا، فقال: ويحكم، عالم المشرق والمغرب وما بينهما.
وعن سفيان بن عيينة، قال: نظرت فى أمر الصحابة وأمر ابن المبارك، فما رأيت لهم عليه فضلا إلاّ بصحبتهم النبىّ ﷺ ، وغزوهم معه.
وعن أبى إسحاق الفزارىّ، أنّه كان يقول: ابن المبارك عندنا إمام المسلمين. وفى رواية عنه: إمام المسلمين أجمعين.
وكان أبو إسحاق هذا يجلّ ابن المبارك، ويجلس بين يديه، ويسائله، ويستفيد منه، مع جلالة أبى إسحاق، وعلوّ قدره.
وسأله رجل مرّة عن [مسألة] (١) فقال: هل كتبت فيها إلى إمام المسلمين. يعنى عبد الله بن المبارك.
وكان ابن مهدىّ يقول: كان ابن المبارك أعلم من سفيان الثّورىّ. وعنه أيضا أنّه قال: ما رأيت مثل ابن المبارك. فقال له يحيى بن سعيد القطّان: ولا سفيان ولا شعبة؟ قال: ولا سفيان ولا شعبة، كان ابن المبارك عالما فقيها فى علمه، حافظا، زاهدا عابدا، غنيّا، حجّاجا، غزّاء، نحويّا، شاعرا، ما رأيت مثله.
وعن عبد الله بن إدريس، كان يقول: كلّ حديث لا يعرفه ابن المبارك،/فنحن منه براء.
وعن ابن مهدىّ، أنّه كان يقول: ما رأت عيناى مثل أربعة: ما رأيت أحفظ للحديث من الثّورىّ، ولا أشدّ تقشّفا من شعبة، ولا أعقل من مالك بن أنس، ولا أنصح للأمّة من عبد الله بن المبارك.
وعن إسماعيل بن عيّاش، قال: ما على وجه الأرض مثل عبد الله بن المبارك، ولا أعلم أنّ الله خلق خصلة من خصال الخير إلاّ وقد جعلها فى عبد الله بن المبارك.
وروى عن عبد الله بن المبارك، أنّه استعار قلما بأرض الشام، ونسى أن يردّه إلى صاحبه، فلمّا قدم مرو، رأى القلم فى أمتعته، فرجع إلى أرض الشام حتى ردّه إلى صاحبه.
وهذا من نهاية الورع، الذى لا مزيد عليه، رحمه الله تعالى، ورضى عنه، فما كان أزهده وأتقاه.
стр. 1184
وعن أبى وهب، أنّه قال (١): مرّ ابن المبارك برجل أعمى، فقال له: أسألك أن تدعو الله أن يردّ علىّ بصرى. قال: فدعا الله، فردّ عليه بصره وأنا انظر.
وعن سويد بن سعيد، قال: رأيت عبد الله بن المبارك بمكة أتى زمزم، فاستقى منه شربة، ثم استقبل الكعبة فقال: اللهمّ إن ابن أبى الموّال حدّثنا، عن محمد بن المنكدر، عن جابر، عن النبىّ ﷺ ، أنّه قال: «ماء زمزم لما شرب له» (٢)، وهذا أشربه لعطش القيامة. ثم شربه.
وعن عبد الله بن سنان، قال: كنت مع ابن المبارك، والمعتمر بن سليمان، بطرسوس، فصاح الناس: النّفير، النفير. قال: فخرج ابن المبارك والمعتمر، وخرج الناس، فلما اصطفّ المسلمون والعدوّ، خرج علج من الرّوم يطلب البراز، فخرج إليه رجل مسلم، فشدّ العلج على المسلم، فقتل المسلم، حتى قتل ستّة من المسلمين مبارزة، فجعل يتبختر بين الصّفّين، يطلب المبارزة، لا يخرج إليه أحد، قال: فالتفت إلىّ ابن المبارك فقال: يا عبد الله، إن حدث بى حدث الموت، فافعل كذا وكذا.
قال: وحرّك دابّته، وخرج العلج، فعالج معه ساعة، فقتل العلج، وطلب المبارزة، فخرج إليه علج آخر، فقتله، حتى قتل ستّة من العلوج مبارزة، وطلب البراز، فكأنّهم كاعوا عنه، فضرب دابّته، ونظر بين الصّفّين، وغاب، فلم أشعر بشئ إلاّ وابن المبارك فى الموضع الذى كان فيه، فقال لى: يا عبد الله لئن حدّثت بهذا أحدا وأنا حىّ. وذكر كلمة. قال: فما حدّثت به أحدا وهو حىّ.
وعن محمد بن إبراهيم بن أبى سكينة، قال: أملى علىّ عبد الله بن المبارك هذه الأبيات بطرسوس، وودّعته للخروج، وأنفذها معى إلى الفضيل بن عياض، فى سنة سبعين ومائة، وفى رواية، سنة سبع وسبعين ومائة (٣):
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا … لعلمت أنّك فى العبادة تلعب
من كان يخضب خدّه بدموعه … فنحورنا بدمائنا تتخضّب
стр. 1185
أو كان يبعث خيله فى باطل … فخيولنا يوم الصّبيحة تتعب (١)
ريح العبير لكم ونحن عبيرنا … رهج السّنابك والغبار الأطيب (٢)
ولقد أتانا من مقال نبيّنا … قول صحيح صادق لا يكذب
لا يستوى وغبار خيل الله فى … أنف امرئ ودخان نار تلهب (٣)
هذا كتاب الله ينطق بيننا … ليس الشهيد بميّت لا يكذب
/قال: فلقيت الفضيل بن عياض فى المسجد الحرام بكتابه، فلمّا قرأه ذرفت عيناه، ثم قال: صدق أبو عبد الرحمن. ونصحنى، ثم قال: أنت ممّن يكتب الحديث؟ قلت:
نعم يا أبا على. قال: فاكتب هذا الحديث كراء حملك كتاب أبى عبد الرحمن إلينا.
وأملى علىّ الفضيل: حدّثنا منصور بن المعتمر، عن أبى صالح، عن أبى هريرة، رضى الله تعالى عنه، أنّ رجلا قال: يا رسول الله، علّمنى عملا أنال به ثواب المجاهدين فى سبيل الله. فقال النبىّ ﷺ : «هل تستطيع أن تصلّى فلا تفتر، وتصوم فلا تفطر؟» فقال يا رسول الله، أنا أضعف من أن أستطيع ذلك. ثمّ قال النبىّ ﷺ : «فو الّذى نفسى بيده، لو طوّقت ذلك، ما بلغت فضل المجاهدين فى سبيل الله، أما علمت أنّ فرس المجاهد ليستنّ فى طوله، فتكتب بذلك الحسنات» (٤).
وعن عمر بن حفص الصّوفىّ، قال: خرج ابن المبارك من بغداد، يريد المصيّصة، فصحبه الصّوفيّة، فقال: أنتم لكم أنفس تحتشمون أن ينفق عليكم، يا غلام، هات الطّشت، فألقى على الطّشت منديلا، ثمّ قال: يلقى كلّ رجل منكم تحت المنديل ما معه، قال: فجعل الرجل يلقى عشرة دراهم، والرجل يلقى عشرين درهما، فأنفق عليهم إلى المصّيصة، فلمّا بلغ المصّيصة، قال: هذه بلاد نفير، فقسم ما بقى، فجعل يعطى الرجل عشرين دينارا، فيقول: يا أبا عبد الرحمن، إنّما أعطيت عشرين درهما، فيقول: وما تنكر إنّ الله ﵎ يبارك للغازى فى نفقته.
وعن سلمة بن سليمان، قال (٥): جاء رجل إلى عبد الله بن المبارك، فسأله أن
стр. 1186
يقضى دينا عليه، فكتب له إلى وكيل له، فلمّا ورد عليه الكتاب، قال له الوكيل:
كم الدّين الذى سألت فيه عبد الله أن يقضيه عنك؟ قال: سبعمائة درهم. قال: فكتب إلى عبد الله: إنّ هذا الرجل سألك أن تقضى عنه سبعمائة درهم، وكتبت إلىّ سبعة آلاف درهم، وقد فنيت الغلاّت. فكتب إليه عبد الله: إن كانت الغلاّت قد فنيت، فإنّ العمر أيضا قد فنى، فأجر له ما سبق به قلمى له.
وفى رواية أخرى، أنّه كتب إلى الوكيل فى جواب كتابه: إذا أتاك كتابى هذا، وقرأته، وفهمت ما ذكرت فيه، فادفع إلى صاحب هذا الكتاب أربعة عشر ألفا. فكتب إليه: إن كان على الفعل نفعل، ما أسرع ما نبيع الضّيعة. فكتب إليه عبد الله: إن كنت وكيلى فأنفذ ما آمرك به، وإن كنت أنا وكيلك فتعال إلى موضعى حتى أصير إلى موضعك، فأنفذ ما تأمرنى به.
وعن محمد بن عيسى، قال (١): كان عبد الله بن المبارك كثير الاختلاف إلى طرسوس، وكان ينزل الرّقّة فى خان، فكان شابّ يختلف إليه، ويقوم بحوائجه، ويسمع منه الحديث، قال: فقدم عبد الله الرّقّة مرّة، فلم ير ذلك الشابّ، وكان مستعجلا، فخرج فى النّفير، فلما قفل من غزوته، ورجع إلى الرّقّة، سأل عن الشابّ، قال: فقالوا: إنّه محبوس لدين ركبه. قال: فقال عبد الله: وكم مبلغ دينه؟ قالوا:
عشرة آلاف درهم. فلم يزل يستقصى حتى دلّ على صاحب المال، فدعا به ليلا، ووزن له عشرة آلاف درهم، وحلّفه أن لا يخبر أحدا ما دام عبد الله حيّا، وقال:
إذا أصبحت فأخرج الرجل من الحبس. وأدلج عبد الله، فأخرج الفتى، فقيل له:
عبد الله بن المبارك كان هاهنا/، وكان يذكرك، وقد خرج، فخرج الفتى فى إثره، فلحقه على مرحلتين أو ثلاثة من الرّقّة، فقال: يا فتى، أين كنت، لم أرك فى الخان.
قال: نعم يا أبا عبد الرحمن، كنت محبوسا لدين علىّ. قال: فكيف كان سبب خلاصك؟ فقال: جاء رجل، فقضى دينى، ولم أعلم به حتى خرجت من الحبس.
فقال له عبد الله: يا فتى، احمد الله على ما وفّق لك من قضاء دينك. فلم يخبر ذلك الرّجل أحدا إلاّ بعد موت عبد الله.
وعن عثمان بن سعيد، أنّه قال (٢): سمعت نعيم بن حمّاد، يقول: كان ابن المبارك
стр. 1187
يكثر الجلوس فى بيته، فقيل له: ألا تستوحش؟ فقال: كيف أستوحش وأنا مع النبىّ ﷺ وأصحابه. يعنى النّظر فى الحديث.
وعن أبى نعيم، أنّه قال: كان ابن المبارك يتّجر، ويقدم كلّ سنة مكة، فيبعث بالصّرر إلى أربابها، كفضيل بن عياض، وابن عيينة، وابن عليّة وغيرهم، فقدم سنة مكة، فوجد ابن عليّة قد ولى الصّدقات لهارون الرّشيد، فبعث بالصّرر إلى أربابها، ولم يبعث إلى ابن عليّة شيئا، وكان يعطيه فى كلّ سنة خمسمائة درهم، فركب ابن عليّة إليه، فسلّم عليه، فلم يرفع له رأسا، ولم يكلّمه، فكتب إليه: أسعدك الله بطاعته، وتولاّك بحفظه، وحاطك بحياطته، قد كنت منتظر البرّ والصّلة منك، لأتبرّك بها، وجئتك مسلّما، فلم تكلّمنى، فأىّ شئ بدا منّى، فعرّفنى حتى أعتذر منه.
فلما قرأها ابن المبارك، قال: يأبى هذا الرجل إلاّ أن أقشر له العصا. وكتب إليه، رحمه الله تعالى (١):
يا جاعل العلم له بازيا … يصيد أموال المساكين (٢)
احتلت للدّنيا ولذّاتها … بحيلة تذهب بالدّين
فصرت مجنونا بها بعد ما … كنت دواء للمجانين
أين رواياتك فى سردها … عن ابن عون وابن سيرين
أين أحاديثك والقول فى … لزوم أبواب السّلاطين (٣)
إن قلت أكرهت فما كان ذا … زلّ حمار العلم فى الطّين (٤)
فلما قرأ الأبيات بكى، ودخل على هارون، فاستعفاه فقال: لعلّك التقيت بالمروزىّ؟ فقال له: ارحم شيبى. فأقاله، فبعث إليه ابن المبارك برسمه.
وعن الأصمعىّ، قال: سمعت ابن المبارك يقول: إنّه ليعجبنى من القرّاء كلّ طلق مضحاك، فأمّا من تلقاه بالبشر ويلقاك بالعبوس، كأنّه يمنّ عليك بعمله، فلا أكثر الله فى القرّاء مثله.
стр. 1188
وسئل ابن المبارك: من أحسن الناس حالا؟ قال: من انقطع إلى الله .
وكان يقول: من بخل بالعلم ابتلى بثلاث: إمّا أن يموت، فيذهب علمه، أو ينسى، او يتّبع السّلطان. وكان يقول: لأن أخرّ من السماء، أحبّ إلىّ من أن أدلّس حديثا.
وذكر عنده رجل ممّن كان يدلّس، فقال فيه قولا شديدا، وأنشد فيه (١):
دلّس للناس أحاديثه … والله لا يقبل تدليسا
وعنه أنّه قال: من استخفّ بالعلماء ذهبت آخرته، ومن استخفّ بالأمراء ذهبت/ دنياه، ومن استخفّ بالإخوان ذهبت مروءته.
وعن محمد بن حميد، قال: عطس رجل عند ابن المبارك. قال: فقال له ابن المبارك: أيش يقول الرجل إذا عطس؟ قال: يقول الحمد لله. قال: فقال له ابن المبارك: يرحمك الله. قال: فعجبنا كلّنا من حسن أدبه.
وكان يقول لأصحاب الحديث: أنتم إلى قليل من الأدب أحوج منكم إلى كثير من العلم.
وسمع وهو يخاطب نفسه فيقول: يا ابن المبارك، إذا عرفت نفسك، لم يضرّك ما قيل فيك.
وعنه أنّه قال: خصلتان من كانتا فيه نجا: الصّدق، وحبّ أصحاب رسول الله محمد ﷺ .
ومن شعر ابن المبارك، رحمه الله تعالى (٢):
إنّى امرؤ ليس فى دينى لغامزة … لين ولست على الإسلام طعّانا
شغلى بقوم مضوا كانوا لنا سلفا … وللرّسول مع العرفان أعوانا
فما الدّخول عليهم فى الذى عملوا … بالطّعن منّى وقد فرّطت عصيانا
فلا أسبّ أبا بكر ولا عمرا … ولا أسبّ معاذ الله عثمانا
ولا ابن عمّ رسول الله أشتمه … حتى ألبّس تحت التّرب أكفانا
стр. 1189
ولا الزّبير حوارىّ الرّسول ولا … أهدى لطلحة شتما عزّ أو هانا
ولا أقول علىّ فى السّحاب إذا … قد قلت والله ظلما ثمّ عدوانا
ولا أقول بقول الجهم إنّ له … قولا يضارع أهل الشّرك أحيانا
ولا أقول تخلّى من خليقته … ربّ العباد وولّى الأمر شيطانا
ما قال فرعون هذا فى تجبّره … فرعون موسى ولا هامان طغيانا (١)
لكن على ملّة الإسلام ليس لنا … اسم سواه بذاك الله سمّانا
إنّ الجماعة حبل الله ما اعتصموا … بها من العروة الوثقى لمن دانا
ومن نظمه أيضا، وأظنّه من النظم الذى قبله، قوله:
إنّى أحبّ عليّا حبّ مقتصد … ولا أرى دونه فى الفضل عثمانا
أمّا علىّ فقد كانت له قدم … فى السّابقين بها فى الناس قد بانا
وكان عثمان ذا صدق وذا ورع … برّا حييّا جزاه الله غفرانا
ما كان والله من قلبى مشايعة … للمبغضين عليّا وابن عفّانا
لأمنحنّهم بغضى علانية … ولست أكتمه فى الصّدر كتمانا
ولا أرى حرمة يوما لمبتدع … وهنا يكون له منّى وإدهانا
وعن بعضهم قال: سئل ابن المبارك: ما خير ما أعطى الإنسان؟ قال: غزير عقل.
قيل: فإن لم يكن. قال: أدب حسن. قيل: فإن لم يكن. قال: أخ صالح يستشيره.
قيل: فإن لم يكن، قال: صمت طويل. قيل: فإن لم يكن. قال: موت عاجل.
وعن الحسن بن عيسى، قال: سمعت عبد الله بن المبارك، رضى الله تعالى عنه يقول (٢):
اغتنم ركعتين زلفى إلى اللّ … هـ إذا كنت فارغا مستريحا
/وإذا ما هممت بالزّور والبا … طل فاجعل مكانه تسبيحا (٣)
فاغتنام السّكوت أفضل للمر … ء وإن كان بالكلام فصيحا (٤)
стр. 1190
وعن عبد السّلام بن صالح، قال: سمع ابن المبارك رجلا يتكلّم بما لا يعنيه، فقال (١):
تعاهد لسانك إنّ اللسان … سريع إلى المرء فى قتله (٢)
وهذا اللسان بريد الفؤاد … يدلّ الرجال على عقله (٣)
وعن محمد بن إدريس الحنظلىّ، قال: قال عبد الله بن المبارك (٤):
أدّبت نفسى فما وجدت لها … من بعد تقوى الله من أدب (٥)
فى كلّ حالاتها وإن قصرت … أفضل من صمتها عن الكذب (٦)
وغيبة الناس إنّ غيبتهم … حرّمها ذو الجلال فى الكتب
إن كان من فضّة كلامك يا … نفس فإنّ السّكوت من ذهب
وعن أبى أميّة الأسود، أنّه قال: سمعت عبد الله بن المبارك، يقول: أحبّ الصّالحين ولست منهم، وأبغض الطّالحين وأنا شرّ منهم. ثم أنشأ (٧):
الصّمت زين بالفتى … من منطق فى غير حينه (٨)
والصّدق أجمل بالفتى … فى القول عندى من يمينه
وعلى الفتى بوقاره … سمة تلوح على جبينه
من ذا الذى يخفى علي … ك إذا نظرت إلى قرينه
ربّ امرئ متيقّن … غلب الشّقاء على يقينه
فأزاله عن رأيه … فابتاع دنياه بدينه
انتهى.
قلت: وممّا ينسب إلى الإمام الشافعىّ، رضى الله تعالى عنه، من النظم قوله:
стр. 1191
أحبّ الصّالحين ولست منهم … ولكنّى أروم بهم شفاعه
وأكره من بضاعته المعاصى … ولكنّى شريك فى البضاعه
فكأنّه أخذه من قول عبد الله بن المبارك المتقدّم آنفا.
وكان ابن المبارك يقول: سخاء النفس عمّا فى أيدى الناس أكبر من سخاء النفس بالبذل، والقناعة والرّضا أكبر من مروءة الإعطاء.
وكان ينشد:
ما ذاق طعم الغنى من لا قنوع له … ولن ترى قانعا ما عاش مفتقرا
والعرف من يأته يحمد عواقبه … ما ضاع عرف وإن أوليته حجرا
ومن شعره أيضا قوله:
لا تضرعنّ لمخلوق على طمع … فإنّ ذاك مضرّ منك بالدّين
واسترزق الله ممّا فى خزائنه … فإنّما هى بين الكاف والنّون
ألا ترى كلّ من ترجو وتأمله … من البريّة مسكين بن مسكين
/ومنه قوله (١):
كل من الجاورس والرّزّ … ومن خبز الشّعير (٢)
واجعلن ذاك حلالا … تنج من نار السّعير
والتمس رزقك من ذى ال … عرش والرّبّ القدير
وارض يا ويحك من دن … ياك بالقوت اليسير
إنّها دار بلاء … وزوال وغرور
كم لعمرى صرعت قب … لك أصحاب القصور (٣)
وذوى الهيئة فى المج … لس والجمع الكثير
стр. 1192
أخرجوا منها فما كا … ن لديهم من نكير
كم ببطن الأرض ثاو … من شريف ووزير
وصغير الشأن عبد … خامل الذّكر حقير
لو تصفّحت قبور ال … قوم فى يوم بصير (١)
لم تميّزهم ولم تع … رف غنيّا من فقير
خمدوا فالقوم صرعى … تحت أطباق الصّخور (٢)
استووا عند مليك … بمساويهم خبير
حكم يعدل لا يظ … لم مقدار النّقير
ومن شعره أيضا، رضى الله تعالى عنه (٣):
يا عائب الفقر ألا تعتبر … عيب الغنى أكبر لو تعتبر (٤)
من شرف الفقر ومن فضله … على الغنى إن صحّ منك النّظر
أنّك تعصى لتنال الغنى … ولست تعصى الله كى تفتقر
وعن الفضيل بن عياض، قال: سئل عبد الله بن المبارك: من الناس؟ قال: العلماء.
قيل: فمن الملوك؟ قال: الزّهّاد. قيل: فما السّفلة؟ قال: الذى يأكل بدينه. وفى رواية أخرى، عن الحسن بن عيسى، قيل له: فمن الغوغاء؟ قال: خزيمة بن خازم وأصحابه، قيل: فما الدّنىّ؟ قال: الذى يذكر غلاء السّعر عند الضّيف.
وكان ابن المبارك يتمثّل بقول بعضهم (٥):
ركوب الذّنوب يميت القلوب … وقد يورث الذّلّ إدمانها (٦)
وترك الذنوب حياة القلوب … وخير لنفسك عصيانها (٧)
стр. 1193
وكان يتمثّل أيضا بقول الآخر:
وكيف تحبّ أن تدعى حكيما … وأنت لكلّ ما تهوى ركوب
وتضحك دائبا ظهرا لبطن … وتذكر ما عملت ولا تتوب
وسمع وهو على سور طرسوس يقول هذين البيتين (١):
ومن البلاء وللبلاء علامة … أن لا يرى لك عن هواك نزوع
العبد عبد النّفس فى شهواتها … والحرّ يشبع مرّة ويجوع
وأنشد الحسن بن إبراهيم البجلىّ لابن المبارك قوله:
تعصى الإله وأنت تظهر حبّه … هذا محال فى الفعال بديع
لو كان حبّك صادقا لأطعته … إن المحبّ لمن يحبّ مطيع
والذى يغلب على الظّنّ، أنّ هذين البيتين أخوا البيتين اللذين قبلهما.
وروى أنّ بعض أصحابه أراد أن يسافر إلى مكة، فقال له: أما توصينا، أما تقوّينا؟ فقال له عبد الله:
إذا صاحبت فى الأسفار قوما … فكن لهم كذى الرّحم الشّفيق
بعيب النفس ذا بصر وعلم … غبىّ النفس عن عيب الرّفيق
ولا تأخذ بعثرة كلّ يوم … ولكن قل هلمّ إلى الطريق
فإن تأخذ بعثرتهم يقلّوا … وتبقى فى الزمان بلا صديق
وقال بعضهم: سمعت عبد الله بن المبارك ينشد:
أعداء غيب اخوة التّلاقى … يا سوءنا من هذه الأخلاق
كأنّما اشتقّت من النّفاق
فى إخوان العلانية وأعداء السّريرة.
وعن المسيّب بن واضح، قال: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: حفروا بخراسان حفيرا، فوجدوا رأس إنسان، فوزنوا سنّا من أسنانه، فإذا فيه سبعة أساتير (٢).
стр. 1194
وفى رواية أخرى، عن محمد بن أعين، حمل أبو جميل سنّين من خارج حصن مرو إلى عبد الله بن المبارك، فوضعهما عبد الله بين يديه، ودعا بالميزان فوزنهما أو وزن أحدهما، فإذا فيه منوان وزيادة فى كلّ سنّ، فوضعه عبد الله، وقال فيه شعرا (١):
أتيت بسنّين قد رمّتا … من الحصن لمّا أثاروا الدّفينا
على وزن منّين إحداهما … يقلّ به الكفّ شيئا رزينا (٢)
ثلاثين أخرى على قدرها … تباركت يا أحسن الخالقينا (٣)
فماذا يقوم لأفواهها … وما كان يملأ تلك البطونا
إذا ما تذكّرت أجسامهم … تقاصرت بالنّفس حتى تهونا (٤)
وكلّ على ذاك لاقى الرّدى … فبادوا جميعا فهم خامدونا
ومن شعر عبد الله أيضا قوله:
أيا ربّ يا ذا العرش أنت رحيم … وأنت بما تخفى الصّدور عليم
فيا ربّ هب لى منك حلما فإنّنى … أرى الحلم لم يندم عليه حليم
ويا ربّ هب لى منك عزما على التّقى … أقيم به فى الناس حيث أقيم
ألا إنّ تقوى الله أكرم نسبة … يسامى بها عند الفخار كريم
/إذا أنت نافست الرجال على التّقى … خرجت من الدنيا وأنت سليم
أراك امرءا ترجو من الله عفوه … وأنت على ما لا يحبّ مقيم
وإنّ امرءا لا ترتجى الناس عفوه … ولم يأمنوا منه الأذى للئيم
وعن عمر بن عقبة، عن ابن المبارك، أنّه كان يقول فى دعائه: اللهمّ إنّى أسألك الشهادة فى غير جهد بليّة، ولا تبديل نيّة. وقد روى أنّ الله تعالى قد منّ عليه بإجابة دعوته، فأماته شهيدا غريبا فى غير تربته، من غير جهد فى الشهادة، ولا تبديل فى الإرادة.
стр. 1195
وعن الحسن بن عيسى، قال: لمّا حضرت ابن المبارك الوفاة، قال لنصر مولاه:
اجعل رأسى على التّراب. قال: فبكى نصر، فقال له: ما يبكيك؟ قال: أذكر ما كنت فيه من النّعيم، وأنت هو تموت فقيرا غريبا. فقال له: اسكت، فإنّى سألت الله ﵎ أن يحيينى حياة الأغنياء، وأن يميتنى ميتة الفقراء. ثم قال: لقّنّى، ولا تعد علىّ إلاّ أن أتكلّم بكلام ثان.
وروى أنّه لمّا حضرته الوفاة، جعل رجل يلقّنه: قل لا إله إلاّ الله. فأكثر عليه، فقال: إنّك ليس تحسن، أخاف أن تؤذى بها رجلا مسلما بعدى، إذا لقّنتنى فقل:
لا إله إلاّ الله. ثمّ إن لم أحدث كلاما بعدها فدعنى، فإذا أحدثت كلاما بعدها، فلقّنى حتى تكون آخر كلامى.
وعن أبى القاسم القشيرىّ، أنّه قال: قيل فتح عبد الله بن المبارك عينيه عند الوفاة، فضحك، وقال: ﴿لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ﴾ (١).
وروى أن رؤى على قبر عبد الله بن المبارك مكتوب:
الموت بحر موجه غالب … تذهل فيه حيل السّابح
لا يصحب المرء إلى قبره … غير التقى والعمل الصّالح
ولمّا مات ابن المبارك، وبلغ موته الرّشيد، جلس للعزاء، وأمر الأعيان أن يعزّوه فيه، وعدّ ذلك من محاسن الرشيد.
وروى عن أبى حاتم الفربرىّ، أنّه كان يقول: رأيت عبد الله بن المبارك فى المنام، واقفا على باب الجنة، بيده مفتاح، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، ما يوقفك ههنا؟ قال:
هذا مفتاح باب الجنة، دفعه إلىّ محمد ﷺ ، وقال: حتى أزور الرّبّ ، فكن أمينى فى السماء، كما كنت أمينى فى الأرض.
وفى «تاريخ العينىّ» عن على بن الحسن بن شقيق، أنّه قال: توجّه ابن المبارك من مرو إلى الكوفة للحجّ، فخرج ثم رجع بعد ذلك عن قريب، فسألته عن سبب رجوعه، فقال: خرجت إلى موقف الكوفة، وفى كمّى خمسمائة دينار، لأشترى بها جمالا، فرأيت امرأة تسارق الناس من بعيد، وتتقدّم إلى مزبلة هناك، عليها بطّة ميّتة، تريد أن تأخذها، فإذا نظر إليها أحد أمسكت، فغفل الناس عنها، فأخذتها وأنا أسارقها