أحبّ الصّالحين ولست منهم … ولكنّى أروم بهم شفاعه
وأكره من بضاعته المعاصى … ولكنّى شريك فى البضاعه
فكأنّه أخذه من قول عبد الله بن المبارك المتقدّم آنفا.
وكان ابن المبارك يقول: سخاء النفس عمّا فى أيدى الناس أكبر من سخاء النفس بالبذل، والقناعة والرّضا أكبر من مروءة الإعطاء.
وكان ينشد:
ما ذاق طعم الغنى من لا قنوع له … ولن ترى قانعا ما عاش مفتقرا
والعرف من يأته يحمد عواقبه … ما ضاع عرف وإن أوليته حجرا
ومن شعره أيضا قوله:
لا تضرعنّ لمخلوق على طمع … فإنّ ذاك مضرّ منك بالدّين
واسترزق الله ممّا فى خزائنه … فإنّما هى بين الكاف والنّون
ألا ترى كلّ من ترجو وتأمله … من البريّة مسكين بن مسكين
/ومنه قوله (١):
كل من الجاورس والرّزّ … ومن خبز الشّعير (٢)
واجعلن ذاك حلالا … تنج من نار السّعير
والتمس رزقك من ذى ال … عرش والرّبّ القدير
وارض يا ويحك من دن … ياك بالقوت اليسير
إنّها دار بلاء … وزوال وغرور
كم لعمرى صرعت قب … لك أصحاب القصور (٣)
وذوى الهيئة فى المج … لس والجمع الكثير
стр. 1192
أخرجوا منها فما كا … ن لديهم من نكير
كم ببطن الأرض ثاو … من شريف ووزير
وصغير الشأن عبد … خامل الذّكر حقير
لو تصفّحت قبور ال … قوم فى يوم بصير (١)
لم تميّزهم ولم تع … رف غنيّا من فقير
خمدوا فالقوم صرعى … تحت أطباق الصّخور (٢)
استووا عند مليك … بمساويهم خبير
حكم يعدل لا يظ … لم مقدار النّقير
ومن شعره أيضا، رضى الله تعالى عنه (٣):
يا عائب الفقر ألا تعتبر … عيب الغنى أكبر لو تعتبر (٤)
من شرف الفقر ومن فضله … على الغنى إن صحّ منك النّظر
أنّك تعصى لتنال الغنى … ولست تعصى الله كى تفتقر
وعن الفضيل بن عياض، قال: سئل عبد الله بن المبارك: من الناس؟ قال: العلماء.
قيل: فمن الملوك؟ قال: الزّهّاد. قيل: فما السّفلة؟ قال: الذى يأكل بدينه. وفى رواية أخرى، عن الحسن بن عيسى، قيل له: فمن الغوغاء؟ قال: خزيمة بن خازم وأصحابه، قيل: فما الدّنىّ؟ قال: الذى يذكر غلاء السّعر عند الضّيف.
وكان ابن المبارك يتمثّل بقول بعضهم (٥):
ركوب الذّنوب يميت القلوب … وقد يورث الذّلّ إدمانها (٦)
وترك الذنوب حياة القلوب … وخير لنفسك عصيانها (٧)
стр. 1193
وكان يتمثّل أيضا بقول الآخر:
وكيف تحبّ أن تدعى حكيما … وأنت لكلّ ما تهوى ركوب
وتضحك دائبا ظهرا لبطن … وتذكر ما عملت ولا تتوب
وسمع وهو على سور طرسوس يقول هذين البيتين (١):
ومن البلاء وللبلاء علامة … أن لا يرى لك عن هواك نزوع
العبد عبد النّفس فى شهواتها … والحرّ يشبع مرّة ويجوع
وأنشد الحسن بن إبراهيم البجلىّ لابن المبارك قوله:
تعصى الإله وأنت تظهر حبّه … هذا محال فى الفعال بديع
لو كان حبّك صادقا لأطعته … إن المحبّ لمن يحبّ مطيع
والذى يغلب على الظّنّ، أنّ هذين البيتين أخوا البيتين اللذين قبلهما.
وروى أنّ بعض أصحابه أراد أن يسافر إلى مكة، فقال له: أما توصينا، أما تقوّينا؟ فقال له عبد الله:
إذا صاحبت فى الأسفار قوما … فكن لهم كذى الرّحم الشّفيق
بعيب النفس ذا بصر وعلم … غبىّ النفس عن عيب الرّفيق
ولا تأخذ بعثرة كلّ يوم … ولكن قل هلمّ إلى الطريق
فإن تأخذ بعثرتهم يقلّوا … وتبقى فى الزمان بلا صديق
وقال بعضهم: سمعت عبد الله بن المبارك ينشد:
أعداء غيب اخوة التّلاقى … يا سوءنا من هذه الأخلاق
كأنّما اشتقّت من النّفاق
فى إخوان العلانية وأعداء السّريرة.
وعن المسيّب بن واضح، قال: سمعت عبد الله بن المبارك يقول: حفروا بخراسان حفيرا، فوجدوا رأس إنسان، فوزنوا سنّا من أسنانه، فإذا فيه سبعة أساتير (٢).
стр. 1194
وفى رواية أخرى، عن محمد بن أعين، حمل أبو جميل سنّين من خارج حصن مرو إلى عبد الله بن المبارك، فوضعهما عبد الله بين يديه، ودعا بالميزان فوزنهما أو وزن أحدهما، فإذا فيه منوان وزيادة فى كلّ سنّ، فوضعه عبد الله، وقال فيه شعرا (١):
أتيت بسنّين قد رمّتا … من الحصن لمّا أثاروا الدّفينا
على وزن منّين إحداهما … يقلّ به الكفّ شيئا رزينا (٢)
ثلاثين أخرى على قدرها … تباركت يا أحسن الخالقينا (٣)
فماذا يقوم لأفواهها … وما كان يملأ تلك البطونا
إذا ما تذكّرت أجسامهم … تقاصرت بالنّفس حتى تهونا (٤)
وكلّ على ذاك لاقى الرّدى … فبادوا جميعا فهم خامدونا
ومن شعر عبد الله أيضا قوله:
أيا ربّ يا ذا العرش أنت رحيم … وأنت بما تخفى الصّدور عليم
فيا ربّ هب لى منك حلما فإنّنى … أرى الحلم لم يندم عليه حليم
ويا ربّ هب لى منك عزما على التّقى … أقيم به فى الناس حيث أقيم
ألا إنّ تقوى الله أكرم نسبة … يسامى بها عند الفخار كريم
/إذا أنت نافست الرجال على التّقى … خرجت من الدنيا وأنت سليم
أراك امرءا ترجو من الله عفوه … وأنت على ما لا يحبّ مقيم
وإنّ امرءا لا ترتجى الناس عفوه … ولم يأمنوا منه الأذى للئيم
وعن عمر بن عقبة، عن ابن المبارك، أنّه كان يقول فى دعائه: اللهمّ إنّى أسألك الشهادة فى غير جهد بليّة، ولا تبديل نيّة. وقد روى أنّ الله تعالى قد منّ عليه بإجابة دعوته، فأماته شهيدا غريبا فى غير تربته، من غير جهد فى الشهادة، ولا تبديل فى الإرادة.
стр. 1195
وعن الحسن بن عيسى، قال: لمّا حضرت ابن المبارك الوفاة، قال لنصر مولاه:
اجعل رأسى على التّراب. قال: فبكى نصر، فقال له: ما يبكيك؟ قال: أذكر ما كنت فيه من النّعيم، وأنت هو تموت فقيرا غريبا. فقال له: اسكت، فإنّى سألت الله ﵎ أن يحيينى حياة الأغنياء، وأن يميتنى ميتة الفقراء. ثم قال: لقّنّى، ولا تعد علىّ إلاّ أن أتكلّم بكلام ثان.
وروى أنّه لمّا حضرته الوفاة، جعل رجل يلقّنه: قل لا إله إلاّ الله. فأكثر عليه، فقال: إنّك ليس تحسن، أخاف أن تؤذى بها رجلا مسلما بعدى، إذا لقّنتنى فقل:
لا إله إلاّ الله. ثمّ إن لم أحدث كلاما بعدها فدعنى، فإذا أحدثت كلاما بعدها، فلقّنى حتى تكون آخر كلامى.
وعن أبى القاسم القشيرىّ، أنّه قال: قيل فتح عبد الله بن المبارك عينيه عند الوفاة، فضحك، وقال: ﴿لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ﴾ (١).
وروى أن رؤى على قبر عبد الله بن المبارك مكتوب:
الموت بحر موجه غالب … تذهل فيه حيل السّابح
لا يصحب المرء إلى قبره … غير التقى والعمل الصّالح
ولمّا مات ابن المبارك، وبلغ موته الرّشيد، جلس للعزاء، وأمر الأعيان أن يعزّوه فيه، وعدّ ذلك من محاسن الرشيد.
وروى عن أبى حاتم الفربرىّ، أنّه كان يقول: رأيت عبد الله بن المبارك فى المنام، واقفا على باب الجنة، بيده مفتاح، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، ما يوقفك ههنا؟ قال:
هذا مفتاح باب الجنة، دفعه إلىّ محمد ﷺ ، وقال: حتى أزور الرّبّ ، فكن أمينى فى السماء، كما كنت أمينى فى الأرض.
وفى «تاريخ العينىّ» عن على بن الحسن بن شقيق، أنّه قال: توجّه ابن المبارك من مرو إلى الكوفة للحجّ، فخرج ثم رجع بعد ذلك عن قريب، فسألته عن سبب رجوعه، فقال: خرجت إلى موقف الكوفة، وفى كمّى خمسمائة دينار، لأشترى بها جمالا، فرأيت امرأة تسارق الناس من بعيد، وتتقدّم إلى مزبلة هناك، عليها بطّة ميّتة، تريد أن تأخذها، فإذا نظر إليها أحد أمسكت، فغفل الناس عنها، فأخذتها وأنا أسارقها
стр. 1196
النّظر، فتبعتها وقلت لها: تأكلين الميتة! فقالت: يا أبا عبد الله، ألا تسألنى؟ قال:
فوقع كلامها فى قلبى، فألححت عليها، فقالت: قد أحوجتنى إلى هتك سترى، وكشف سرّى، أنا امرأة شريفة، مات زوجى، وترك أربعة/بنات يتامى، وليس يسترنا إلاّ الحيطان، ولنا أربعة أيّام ما أكلنا شيئا، فخرجت أتسبّب لهنّ فى شئ، فلم أجد غير هذه البطّة، فأخذتها لأصلحها وأحملها إلى بناتى فيأكلنها. فقلت: افتحى حجرك. ففتحته، فصببت الدّنانير فيه، ونزع الله من قلبى شهوة الحجّ فى تلك السّنة، وعدت إلى بلدى، وأقمت حتى عاد الناس من الحجّ، فخرجت أتلقّاهم، فجعلت كلّ من أقول له: قبل الله حجّك. يقول: وأنت قبل الله حجّك. وأكثر علىّ الناس، وبتّ متعجّبا، فرأيت رسول الله ﷺ فى المنام، فقال لى: يا ابن المبارك، لا تعجب، فإنّك أغثت ملهوفة من ولدى، فسألت الله أن يخلق على صورتك ملكا يحجّ عنك إلى يوم القيامة، وهو يحجّ عنك، فإن شئت أن تحجّ، وإن شئت أن لا تحجّ.
وروى عن محمد بن فضل بن عياض، أنّه قال: رأيت عبد الله بن المبارك فى المنام، فقلت: أىّ العمل، وفى رواية: أىّ الأعمال وجدت أفضل؟ قال: الأمر الذى كنت فيه. قلت: الرّباط والجهاد؟ قال: نعم. قلت: فأىّ شئ صنع بك؟ وفى رواية:
صنع بك ربّك؟ قال: غفر لى مغفرة تتبعها مغفرة. وفى رواية: ما بعدها مغفرة، وكلّمتنى امرأة من أهل الجنة وامرأة من الحور العين.
وروى أنّ بعض الصّلحاء رأى فى منامه، كأنّ غمامة على السماء مكتوبا عليها سطر:
من أراد النّجاة، فعليه بكتب عبد الله بن المبارك.
وفى «تهذيب الأسماء واللّغات» (١)، للإمام النّووىّ، فى ترجمة ابن المبارك، وروينا عن عبثر (٢) بن القاسم، قال: لمّا قدم هارون الرّشيد الرّقّة، أشرفت أمّ ولد له من قصر، فرأت الغبرة قد ارتفعت، والبغال قد تقطّعت، وانجفل الناس، فقالت: ما هذا؟ قالوا: عالم من خراسان، يقال له ابن المبارك. قالت: هذا والله الملك، لا ملك هارون الذى لا يجتمع له الناس إلاّ بالسّوط والخشب.
قال عمّار بن الحسن يمدح ابن المبارك، رضى الله تعالى عنه (٣):
стр. 1197
إذا سار عبد الله من مرو ليلة … فقد سار منها نورها وجمالها
إذا ذكر الأخيار من كلّ بلدة … فهم أنجم فيها وأنت هلالها (١)
وكان ابن المبارك كثيرا ما يتمثّل بهذين البيتين (٢):
إذا صاحبت فاصحب ماجدا … ذا حياء وعفاف وكرم (٣)
قوله للشّئ لا إن قلت لا … وإذا قلت نعم قال نعم
*وأمّا روايات عبد الله بن المبارك عن أبى حنيفة فى الفقه وغيره فكثيرة جدّا؛ منها:
أنه قال: سألت أبا حنيفة، رضى الله تعالى عنه، عن الرّجل يبعث بزكاة ماله من بلد إلى بلد آخر، فقال: لا بأس بأن يبعثها من بلد إلى بلد آخر، لذى قرابته.
*وقال ابن وهب: سئل عبد الله بن المبارك عن أكل لحم العقعق (٤)، فقال:
كرهه أبو حنيفة.
*وسئل عن وقت عشاء الآخرة، فذكر عن أبى حنيفة: حتى يصبح.
*قال: وقال عبد الله بن المبارك: كان أبو حنيفة يقول: قدم أيّوب بن أبى تميمة السّختيانىّ، وأنا بالمدينة، فقلت: لأنظرنّ ما يصنع، فجعل ظهره ممّا يلى القبلة، ووجهه ممّا يلى وجه رسول الله ﷺ ، وبكى غير متباك، فقام مقام رجل فقيه.
ومن كلام ابن المبارك: إذا غلبت محاسن الرجل لم نذكر المساوى، وإذا غلبت /المساوى على المحاسن لم نذكر المحاسن.
وكان يقول: عتق الجارية الحسناء مضيعة.
وسئل عن العجب ما هو؟ فقال: أن ترى عندك شيئا ليس عند غيرك.
وسئل عن الكبر، فقال: أن تزدرى الناس.
وسئل عن التّواضع، فقال: التّكبّر على الأغنياء. فأخذ هذا المعنى شاعر، فنظمه، وقال:
стр. 1198
لم ألق مستغنيا إلاّ تحرّك لى … عند اللّقاء له الكبر الذى فيه
ولا حلا لى من الدنيا ولذّتها … إلاّ مقابلتى للتّيه بالتّيه
*وقال أحمد بن عبد الله بن يونس: سمعت ابن المبارك قرأ شيئا من القرآن، ثم قال: من زعم أنّ هذا مخلوق فقد كفر بالله العظيم.
وكان وفاة ابن المبارك-كما قاله الذّهبىّ -بهيت، فى رمضان، سنة إحدى وثمانين ومائة، رحمه الله تعالى.
ومحاسن ابن المبارك ومناقبه وفضائله لا تدخل تحت الحصر، وفيما ذكرناه منها مقنع، ونحن نسأل الله تعالى، ونتوسّل إليه بنبيّه محمد ﷺ ، وبأبيه إبراهيم الخليل ﵊، وأولاده السّادة الأكرمين، وجميع الأنبياء والمرسلين، وبعبد الله بن المبارك، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، أن يتوفّانا على الإسلام، وأن يدخلنا فى شفاعة سيّد الأنام، وأن لا يعسّر علينا مرادا، وأن لا يردّ بخيبة الحرمان لنا مرتادا، إنّه جواد كريم، رءوف رحيم، لا يخيّب من سأله، ولا يردّ من قصده، آمين.
***
١٠٧٧ - عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن غنائم بن
المهندس، صلاح الدين (¬*)
ذكره ابن حجر، فى «الدّرر» فقال: ولد سنة إحدى وتسعين وستمائة. وسمع من أحمد بن عبد المنعم، ومحمد بن مروان، وأبى نصر بن الشّيرازىّ، وأحضر على عمر القوّاس «معجم ابن جميع». وأجاز له التّقىّ الواسطىّ، وجماعة. ونزل حلب، وحدّث بالكثير، وتفرّد.
قال: وسمع منه شيخنا الحافظ أبو الفضل.
وقال ابن رافع، فى «معجمه»: خرّج له والده «أربعين حديثا» من عواليه، وكتب بخطّه بعض الطّباق، واشتغل، ونزل بالمدارس، وحجّ مرارا على قدميه من مصر ودمشق.
قال: وأخبرنى أنّه حفظ «المختار»، وعرضه على القاضى الحريرىّ، سنة عشر،
стр. 1199
وحفظ قطعة من «الهداية»، وكتب بخطّه كثيرا بالأجرة ولنفسه، وجمع «تاريخا كبيرا لفقهاء الحنفيّة»، وتعب عليه، فإنّه طالع عليه كتبا كثيرة ببلاده، وقدم القاهرة سنة إحدى وثلاثين، وسمع قليلا. ومات فى حادى عشر المحرّم، سنة تسع وستين وسبعمائة.
رحمه الله تعالى.
***
١٠٧٨ - عبد الله بن محمد بن أحمد (¬*)
جدّ أحمد بن محمد بن عبد الله، الإمام المذكور فى حرف الألف (١). ويأتى ابنه محمد، كذا قاله فى «الجواهر»، من غير زيادة.
***
١٠٧٩ - عبد الله بن محمد بن أحمد الفارسىّ،
أبو بكر، القاضى، الكامل (¬**)
فاضل، ثقة.
كذا قاله فى «الجواهر» أيضا، من غير زيادة.
وذكره الثّعالبىّ فى «يتيمة الدّهر»، فقال: القاضى أبو بكر عبد الله بن محمد البستىّ، آدب قضاة نيسابور وأشعرهم، ولمّا تقلّد قضاءها فى أيام شبيبته مضافا إلى ما كان يليه من قضاء كورة نسا، لقّب بالكامل، وله شعر حسن كثير/، كتب لى بخطّه صدرا منه، وأنشدنى بعضه، فمن ذلك (٢):
انظر إلى النّفس وهى واقفة … نصب عيون الوشاة والحرس
يخفى على النّاظرين موقفها … كأنّها نفس آخر النّفس
وله أيضا (٣):
стр. 1200
قل للذى حبس الفؤاد بصدّه … فوددت أنّى عند ذاك فؤادى
مسترخص المبتاع لا يغلى به … ولذاك ما أرخصت بيع ودادى
وله أيضا (١):
حبانى بورد جامع بين وصفه … ووصفى لمّا زرتهم وجفونى
على جانب منه تورّد خدّه … وفى جانب منه تلوّن لونى
وله فى البهار (١):
حكانى بهار الرّوض حتى ألفته … وكلّ مشوق للبهار مصاحب
وقلت له ما بال لونك شاحبا … فقال لأنّى حين أقلب راهب
وله أيضا (١):
يا من قنعت بحسن رأ … ى منه لو أعطيت رايه
إن قمت فى أمرى برأ … ى صادق أعطيت رايه
وله أيضا (١):
مستبدّ برأيه … عازب الرّأى معجب
وتماديه بعد ما … عرف الغىّ أعجب
وله أيضا (١):
يعجبنى من كلّ شعر جزل … جيّد جدّ وركيك هزل
***
١٠٨٠ - عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن محمد،
الشيخ الإمام، الفقيه الفاضل، المحدّث،
شرف الدين الوانى، أبو محمد (¬*)
حفيد الشيخ برهان الدّين المؤذّن.
стр. 1201
ذكره فى «الدّرر»، وقال: أحضر على أبى بكر بن أحمد بن عبد الدائم، وعيسى المطعم، ويحيى بن سعد، والقاسم ابن عساكر، وسمع عليهما، وعلى زينب بنت شكر، وطلب بنفسه وأكثر، وكان فصيح القراءة، سريعها، حادّ الذّهن، عمل «أربعين بلدانيّة»، ومات سنة (١) تسع وأربعين (١) وسبعمائة.
وذكره الصّفدىّ، فى «أعيان العصر»، وقال فى حقّه: كان قارئا مطيقا، فصيح اللفظ منطيقا، حادّ الذّهن، سريع الإدراك، بديع الاشتراك، لو عاش لكان عجبا، وأبقى فى الغابرين نبا، ولكنّه مات غبطة، وأضاع الموت حقّه، وتحصّله وضبطه، وتوفّى، رحمه الله تعالى، فى أواخر جمادى الأولى، سنة عشر وسبعمائة. وكان قد قرأ على شيخنا الذّهبىّ وغيره، وكان فيه ورع، وعمل «أربعين بلديّة» وغير ذلك. انتهى.
وبين تاريخى وفاته لابن حجر وللصّفدىّ تفاوت تسع وثلاثين سنة.
والأوّل هو الصّحيح، كما ذكره الذّهبىّ (٢)، وغيره.
***
١٠٨١ - / عبد الله بن محمد بن أحمد بن إسماعيل بن داود،
الجمال، أبو محمد، ويعرف كأبيه بابن الرّومىّ (¬*)
ولد قبيل التسعين وسبعمائة بالقاهرة، ونشأ بها، فحفظ القرآن الكريم وكتبا، واشتغل بالفقه والعربيّة والفرائض وغيرها على أفاضل زمنه، ودرّس وأفاد، وناب فى القضاء، وحدّث بأخرة، وسمع منه الفضلاء.
وكان من أعيان السّادة الحنفيّة، ومن المتقدّمين فى النّيابة.
ومات رحمه الله تعالى فى سنة إحدى وستّين وثمانمائة (٣).
***
стр. 1202
١٠٨٢ - عبد الله بن محمد بن أبى القاسم بن على بن
فضل الله ابن ثامر-بالمثلّثة-بن إبراهيم الفزارىّ
العبسىّ اليمانىّ، المعروف بالنّجرىّ، بفتح
النّون وسكون الجيم ثم مهملة (¬*)
نسبة لقرية من بلاد اليمن.
ولد فى آخر الرّبيعين سنة خمس وثلاثين وثمانمائة، فى قرية حوث، بضمّ المهملة وآخره مثلّثة: من بلاد عبس، بالموحدة، قبيلة من نزار طرأت على اليمن، وهذه القرية من معاملة تعزّ، نشأ بها، وقرأ القرآن الكريم، وبحث على والده فى النحو والفقه والأصلين، وعلى أخيه على بن محمد، وحجّ، ورحل إلى القاهرة، وقرأ فى النحو والصّرف على ابن قديد، وأبى القاسم النّويرىّ، وفى المعانى والبيان على الشّمنّىّ، وفى المنطق على التّقىّ الحصنىّ، وفى الفقه على الأمين الأقصرائى، والعضد السّيرامىّ (١)، وتقدّم فى غالب هذه العلوم، واشتهر فضله، وامتدّ صيته، لا سيّما فى العربية.
ومن نظمه (٢):
بشاطئ حوث من ديار بنى حرب … لقلبى أشجان معذّبة قلبى
فهل لى إلى تلك المنازل عودة … فيفرج من غمّى ويكشف من كربى
وكان موجودا فى سنة ثلاث وخمسين وثمانمائة. رحمه الله تعالى.
***
١٠٨٣ - عبد الله بن محمد بن بديل، أبو بكر،
المعروف بالأشقر البديليّ،
الفقيه الفاضل (¬**)
قال السّمعانىّ: شيخ الحنفية ببخارى، كثير الحديث.
стр. 1203
توفّى سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة.
وسمع من الإمام أحمد بن منده.
وذكره الحاكم، فى «تاريخ نيسابور»، وقال: شيخ أصحاب أبى حنيفة فى عصره ببخارى، وأكثرهم تعصّبا فى المذهب. وكان كثير الحديث، صحيح السماع. ورد نيسابور رسولا من الأمير ابن قراتكين، فى سنة أربعين وثلاثمائة، وكان إذ ذاك أبو أحمد المروزىّ الحنفىّ على قضاء نيسابور، فأنزله فى داره.
***
١٠٨٤ - عبد الله بن محمد بن جعفر بن هارون،
أبو العباس ابن المعتزّ بن المتوكل بن الرّشيد
ابن المهدىّ بن المنصور (¬*)
صاحب الشعر البديع، والتشبيه الرفيع.
قال الزّركشىّ: أخذ الأدب والعربيّة عن المبرّد وثعلب، وعن مؤدّبه أحمد بن سعيد الدّمشقىّ. مولده فى شعبان، سنة تسع وأربعين. وقيل: فى ربيع الآخر، سنة ست وتسعين ومائتين، وكان حنفى المذهب، لقوله من أبيات (١):
فهات عقارا فى قميص زجاجة … كياقوتة فى درّة تتوقّد (٢)
وقتنى من نار الجحيم بنفسها … وذلك من إحسانها ليس يجحد
قلت: هذا الذى استدلّ به الزّركشىّ على أنّه كان حنفىّ المذهب، يعارضه احتمال/ كونه قال ذلك على عادة الشعراء فى التّلعّب بالكلام، وإظهار الاقتدار فى أشعارهم على الأبيات، بالمعانى البديعة، والصنائع الحسنة، سواء كانوا يعتقدون ما قالوه، ويعملون به، أم لا، وهو الغالب عليهم، والظاهر من أقوالهم وأفعالهم، ولكن يؤيّد كونه من
стр. 1204
الحنفيّة، أنّ غالب الخلفاء العبّاسية المتقدّمين كانوا يعتقدون مذهب الإمام الأعظم، ويأخذون بأكثر أقواله، وكان أكثر قضاتهم من العلماء الحنفيّة، ولمّا احتمل واحتمل، وكان ابن المعتزّ من محاسن الزمان، وأدباء الأوان، وممّن انتهت إليه صناعة الشّعر، أحببنا أن نأخذ فى ذلك بالأحوط، ونجمّل كتابنا هذا بمحاسنه، التى حقّها أن تكتب بسواد الأبصار على بياض الخدود، فنقول وبالله المستعان، وعليه التّكلان.
قال السيّد عبد الرحيم العبّاسىّ: هو أوّل من صنّف فى صنعة الشّعر، وصنع كتاب «البديع»، وهو أشعر بنى هاشم على الإطلاق، وأشعر الناس فى الأوصاف والتّشبيهات، وكان يقول: إذا قلت «كأنّ» ولم آت بعدها بالتّشبيه، ففضّ الله فاى.
حدّث جعفر بن قدامة، قال (١): كنت عند ابن المعتزّ يوما، وعنده شرّة (٢)، يعنى اسم محبوبته، وكان يحبّها ويهيم بها، فخرجت علينا من صدر البستان فى زمن الربيع، وعليها غلالة معصفرة، وفى يدها جنابى من باكورة باقلاّ، والجنابى: لعبة للصّبيان، فقالت له: يا سيّدى، تلعب معى جنابى. فالتفت إلينا، وقال على بديهته، غير متوقّف ولا مفكّر (٣):
فديت من يتمشّى فى معصفرة … عشيّة فسقانى ثم حيّانى
وقال تلعب جنّابى فقلت له … من جدّ بالوصل لم يلعب بهجران (٤)
وأمر، فغنّى فيه.
وحدّث جعفر أيضا، قال (٥): كان لعبد الله بن المعتزّ غلام يحبّه، وكان يغنّى غناء صالحا، وكان يدعى بنشوان، فجدّر، وجزع عبد الله لذلك جزعا شديدا، ثم عوفى، ولم يؤثّر الجدرىّ فى وجهه أثرا قبيحا، فدخلت عليه ذات يوم، فقال: يا أبا القاسم قد عوفى فلان بعدك، وخرج أحسن ممّا كان، وقلت فيه بيتين، وغنّت هزار (٦) فيهما
стр. 1205
رملا ظريفا، فاسمعهما إنشادا إلى أن تسمعهما غناء. فقلت: يتفضّل الأمير، أيّده الله بإنشادى إيّاهما. فأنشدنى:
بى قمر جدّر لمّا استوى … فزاده حسنا وزالت هموم
أظنّه غنّى لشمس الضّحى … فنقّطته طربا بالنّجوم
فقلت: أحسنت والله أيّها الأمير. فقال: لو سمعته من زرياب كنت أشدّ استحسانا له. وخرجت هزار، فغنّته لنا فى طريقة الرّمل غناء شربنا عليه عامّة يومنا.
قال (١): وغضب هذا الغلام عليه، فجهد أن يترضّاه، فلم يكن له فيه حيلة، ودخلت إليه فأنشدنى:
بأبى أنت قديما قد تما … ديت فى الهجر والغضب
واصطبارى على صدو … دك يوما من العجب
ليس لى إن فقدت وج … هك فى العيش من أرب
رحم الله من أعا … ن على الصّلح واحتسب
/قال: فمضيت إلى الغلام، ولم أزل أداريه، وأرفق به، حتى ترضّيته له، وجئته.
به، فمرّ لنا يومئذ أطيب يوم وأحسنه، وغنّتنا هزار فى هذا الشّعر رملا عجيبا.
وحدّث عبد الله (٢) بن موسى الكاتب، قال: دخلت على عبد الله بن المعتزّ، وفى داره طبقات من الصّنّاع، وهو يبنيها ويبيّضها، فقلت له: ما هذه الغرامة الجادّة؟ فقال: ذلك السّيل الذى جاء من ليال، أحدث فى دارى ما أحوج إلى هذه الغرامة الجادّة والكلفة، فقلت (٣):
ألا من لنفس وأحزانها … ودار تداعى بحيطانها (٤)
أظلّ نهارى فى شمسها … شقيّا معنّى ببنيانها (٥)
أسوّد وجهى بتبييضها … وأهدم كيسى بعمرانها (٦)
стр. 1206
ومن هنا أخذ الجزّار قوله (١):
أكلّف نفسى كلّ يوم وليلة … هموما على من لا أفوز بخيره
كما سوّد القصّار فى الشمس وجهه … ليجهد فى تبييض أثواب غيره
وحدّث جعفر بن قدامة، قال (١): كنّا عند عبد الله بن المعتزّ، ومعنا النّمرىّ، وحضرت الصّلاة، فقام النّمرىّ فصلّى صلاة خفيفة جدّا، ثم دعا بعد انقضاء صلواته، وسجد سجدة طويلة جدّا، حتى استثقله جميع من حضر بسببها، وعبد الله ينظر متعجّبا، ثم قال (٢):
صلاتك بين الملا نقرة … كما اختلس الجرعة الوالغ (٣)
وتسجد من بعدها سجدة … كما ختم المزود الفارغ
قال (٤): وكنّا عند ابن المعتزّ يوما، ومعنا النّمرىّ، وعنده جارية لبعض بنات المعتزّ تغنّيه، وكانت محسنة، إلاّ أنّها كانت فى نهاية القبح، فجعل عبد الله يجمّشها (٥) ويتعاشق، فلمّا قامت، قال له النّمرىّ: أيّها الأمير، سألتك بالله، أتعشق هذه التى قطّ ما رأيت أقبح منها؟ فقال وهو يضحك (٦):
قلبى وثّاب إلى ذا وذا … ليس يرى شيئا فيأباه (٧)
يهيم بالحسن كما ينبغى … ويرحم القبح فيهواه
قال (٨): وكنت أشرب (٩) مع عبد الله بن المعتزّ، فى يوم من أيّام الرّبيع بالعبّاسيّة، والدنيا كالجنّة المزخرفة، فقال عبد الله:
حبّذا آذار شهرا … فيه للنّور انتشار
стр. 1207
ينقص الليل إذا حلّ … (م) ويمتدّ النّهار
وعلى الأرض اصفرار … واخضرار واحمرار
فكأنّ الرّوض وشى … بالغت فيه التّجار
نقشه آس ونسري … ن وورد وبهار
وكتب مرّة إلى بعض أصدقائه (١)، وقد كان زاره مرّة ولم يعد بعد تأخّر زائد:
قد جئتنا مرّة ولم تكد … ولم تزر بعدها ولم تعد
/لست ترى واجدا بنا عوضا … فاطلب وجرّب واستقص واجتهد
ناولنى حبل وصله بيد … وهجره جاذب له بيد
فلم يكن بين ذا وذا أمد … إلاّ كما بين ليلة وغد
ومن شعره أيضا (٢):
وإنّى لمعذور على طول حبّها … لأنّ لها وجها يدلّ على عذرى
إذا ما بدت والبدر ليلة تمّه … رأيت لها فضلا مبينا على البدر
وتهتزّ من تحت الثّياب كأنّها … قضيب من الرّيحان فى الورق الخضر
أبى الله إلاّ أن أموت صبابة … بساحرة العينين طيّبة النّشر
ومنه أيضا (٢):
من لى بقلب صيغ من صخرة … فى جسد من لؤلؤ رطب
جرحت خدّيه بلحظى فما … برحت حتى اقتصّ من قلبى
ومنه، ويعزى لغيره (٣):
تفقّد مساقط لحظ المريب … فإنّ العيون وجوه القلوب
وطالع بوادره بالكلام … فإنّك تجنى ثمار الغيوب
ومنه أيضا (٣):
стр. 1208
سابق إلى مالك ورّاثه … ما المرء فى الدنيا بلبّاث
كم صامت تخنق أكياسه … قد صاح فى ميزان ميراث (١)
ومنه أيضا (٢):
يا طارقى فى الدّجى والليل منبسط … على البلاد بهيم ثابت الدّعم
طرقت باب غنى طابت موارده … ونائل كانهمال العارض السّجم
حكم الضّيوف بهذا الرّبع أنفذ من … حكم الخلائف آبائى على الأمم
فكلّ ما فيه مبذول لطارقه … ولا ذمام به إلاّ على الحرم
ومنه أيضا (٣):
قد انقضت دولة الصّيام وقد … بشّر سقم الهلال بالعيد
يتلو الثّريّا كفاغر شره … يفتح فاه لأكل عنقود
ومنه أيضا، يصف روضة (٤):
تضاحك الشمس أنوار الرّياض بها … كأنّما نثرت فيها الدّنانير
وتأخذ الرّيح من أرجائها عبقا … كأنّ تربتها مسك وكافور (٥)
ومنه أيضا (٦):
أطال الدّهر فى بغداذ همّى … وقد يشقى المسافر أو يفوز
ظللت بها على كرهى مقيما … كعنّين تعانقه عجوز (٧)
/ومنه أيضا (٨):
يا ربّ إن لم يكن فى وصله طمع … وليس لى فرج من طول جفوته (٩)
стр. 1209
فابرى السّقام الذى فى غنج مقلته … واستر ملاحة خدّيه بلحيته (١)
ومنه أيضا (٢):
يا ربّ ليل سحر كلّه … مفتضح البدر عليل النّسيم
لم أعرف الإصباح فى ضوئه … لمّا بدا إلاّ بسكر النّديم
ومنه فى القلم (٣):
قلم ما أراه أو فلك يج … رى بما شاء قاسم ويسير (٤)
راكع ساجد يقبّل قرطا … سا كما قبّل البساط شكور (٥)
ومنه قول ابن طباطبا (٦):
قلم يدور بكفّه فكأنّه … فلك يدور بنحسه وسعوده
وقوله فيه أيضا (٦):
أقسمت بالقلم الحسام فلم يزل … يردى به حىّ وينتاش الرّدى
وإذا رضيت فريقه أرى وإن … أضمرت سخطا مجّ سمّ الأسود (٨)
وكأنّه فلك بكفّك دائر … يجرى النّجوم بأنحس وبأسعد
وما أحسن قول الآخر فيه (٦):
قلم يفلّ الجيش وهو عرمرم … والبيض ما سلّت من الأغماد
وهبت له الآجام حين نشا بها … كرم السّيول وصولة الآساد
وقول التّهامىّ (٧):
قلم يقلّم ظفر كلّ ملمّة … ويكفّ كفّ حوادث الأيّام
стр. 1210
وقول أبى سعيد بن بوقة (١):
قلم يمجّ على العداة سمامه … لكنّه للمرتجين سماء
كم قد أسلت به لعبدك ريقة … سوداء فيها نعمة بيضاء
ولابن المعتزّ، رحمه الله تعالى، تصانيف كثيرة، منها: كتاب «الزّهر والرياض»، وكتاب «البديع»، وكتاب «مكاتبات الإخوان بالشعر»، وكتاب «الملوك»، وكتاب «الجوارح والصّيد»، و «كتاب السّرقات». و «كتاب أشعار الملوك»، و «كتاب الآداب»، و «كتاب حلى الأخبار» و «كتاب طبقات الشعراء». وكتاب «الجامع فى الغناء».
وله أرجوزة فى ذمّ الصّبوح، وقفت عليها فى «تاريخ الصّفدىّ»، وما منعنى من إيرادها هنا بتمامها وكمالها إلاّ لسقم النّسخة، وكثرة تصحيفها، ولكن لا بأس بإيراد شئ منها، ممّا أمكن استخراجه.
قال، رحمه الله تعالى (٢):
لى صاحب قد لامنى وزادا … فى تركى الصّبوح ثم عادا (٣)
قال ألا تشرب بالنّهار … وفى ضياء الفجر والأسحار (٤)
/والنّجم فى حوض الغروب وارد … والفجر فى إثر الظلام طارد
ونفض الليل على الرّوض النّدى … وحرّكت أغصانه ريح الصّبا
وقد بدت فوق الهلال كربته … كهامة الأسود شابت لحيته (٥)
منها أيضا:
أما ترى البستان كيف نوّرا … ونشر المنثور بردا أصفرا (٦)
стр. 1211
وضحك الورد إلى الشّقائق … واعتنق القطر اعتناق الوامق
وياسمينا فى ذرى الأغصان … منظّما كقطع العقيان (١)
والسّرو مثل قضب الزّبرجد … قد استمدّ الماء من ترب ندى (٢)
وجلّنار كاحمرار الخدّ … أو مثل أعراف ديوك الهند (٣)
والأقحوان كالثّنايا الغرّ … قد صقلت أنواره بالقطر (٤)
وأكثر الفضول والأوصافا … فقلت قد جنيت لى الخلافا (٥)
فاسمع فإنّى للصّبوح عائب … عندى من أخباره عجائب
إذا أردت الشّرب عند الفجر … والنّجم فى لجّة ليل يسرى
وكان برد فالنّديم يرتعد … وريقه على الثّنايا قد جمد (٦)
وللغلام ضجرة وهمهمه … وشتمة فى صدره مجمجمه
يمشى بلا رجل من النّعاس … ويدفق الكاس على الجلاّس
ويلعن المولى إذا دعاه … ووجهه إن جاء فى قفاه
وإن أحسّ من نديم صوتا … قال مجيبا طعنة وموتا
فإن طردت البرد بالسّتور … وجئت بالكانون والسّمّور (٧)
فأىّ فضل للصّبوح يعرف … على الغبوق والظّلام مسدف
ولو دسست الماء محموما لما … نجا من القرّ إذا ما صمّما (٨)
يحسّ من روائح الشّمائل … صرصرة ترسب فى المفاصل (٩)
حتى إذا ما ارتفعت شمس الضّحى … قيل فلان وفلان قد أتى (١٠)
стр. 1212
وربّما كان ثقيلا محتشم … فطوّل الكلام حينا وجثم (١)
ورفع الرّيحان والنّبيذ … وزال عنه عيشه اللّذيذ (٢)
وفى هذا القدر كفاية من هذه الأرجوزة، وقد عارضها الشريف أبو الحسن على بن الحسين ابن حيدرة العقيلىّ (٣)، وعكس مقصوده فيها، ومدح الصّبوح، ولكن قال الصّفدىّ:
إن هذه درّة يتيمة، وتلك مرجانة.
ومن شعره الذى أورده له الصّفدىّ، فى «تاريخه» قوله:
فطافت بأقداح المدامة بيننا … بنات نصارى قد تزيّنّ بالخفر
وتحت زنانير شددن عقودها … زنانير أعكان معاقدها السّرر
/ونقل التّهامىّ هذا المعنى، فقال (٤):
وغادرت فى العدى طعنا يحفّ به … ضرب كما حفّت الأعكان بالسّرر
ومنه أيضا:
كأنّما أقداحنا فضّة … قد بطّنت بالذهب الأحمر
ومنه فى مدح بعض الوزراء (٥):
عليم بأعقاب الأمور كأنّه … لمختلسات الظّنّ يسمع أو يرى (٦)
إذا أخذ القرطاس خلت يمينه … تفتّح أنوارا وتنظم جوهرا (٧)
وقال من أبيات (٨):
стр. 1213
ثق بالوفاء فإنّى لا تغيّرنى … طول الإقامة فى دار ولا الظّعن
ولا الخيانة من شانى ولا خلقى … وليس عندى لها عين ولا أذن
ومن خمريّاته، التى هى أرقّ من الصّبا، وألطف من الصّهبا، قوله (١):
سقى الجزيرة ذات الظّلّ والشجر … ودير عبدون هطّال من المطر (٢)
فطالما نبّهتنى للصّبوح بها … فى غرّة الفجر والعصفور لم يطر
أصوات رهبان دير فى صلاتهم … سود المدارع نعّارين فى السّحر
مزنّرين على الأوساط قد جعلوا … فوق الرّءوس أكاليلا من الشّعر
كم فيهم من مليح الوجه مكتحل … بالسّحر يكسر جفنيه على حور (٣)
لاحظته بالهوى حتى استقاد له … طوعا وأسلفنى الميعاد بالنّظر
وجاءنى فى قميص الليل مستترا … يستعجل الخطو من خوف ومن حذر
ولاح ضوء هلال كاد يفضحه … مثل القلامة قد قصّت من الظّفر (٤)
فقمت أفرش خدّى فى الطريق له … ذلاّ وأسحب أكمامى على الأثر
وكان ما كان ممّا لست أذكره … فظنّ شرّا ولا تسأل عن الخبر (٥)
وقال أيضا (٦):
ألا من لقلب فى الهوى غير منته … وفى الغىّ مطواع وفى الرّشد مكره
أشاوره فى توبة فيقول لا … فإن قلت تأتى فتنة قال أين هى (٧)
فيا ساقيىّ اليوم عودا كأمسنا … بإبريق راح فى الكئوس مقهقه
أورّث نفسى مالها قبل وارثى … وأنفقه فيما تحبّ وتشتهى
стр. 1214
وقال أيضا (١):
قد حثّنى بالكاس أوّل فجره … ساق علامة دينه فى خصره
فكأنّ حمرة لونها من خدّه … وكأنّ طيب رياحها من نشره (٢)
حتى إذا صبّ المزاج تبسّمت … عن ثغرها فحسبته عن ثغره (٣)
ما زال ينجز لى مواعد عينه … فمه وأحسب ريقه من خمره (٤)
/يا ليلة شغل الرّقاد غيورها … عن عاشق فى الحبّ هاتك ستره (٥)
إن لم تعودى للمتيّم مرّة … أخرى فإنّك غلطة من دهره
وقال أيضا (٦):
خلّ الزّمان إذا تقاعس أو جمح … واشك الهموم إلى المدامة والقدح
واحفظ فؤادك إن شربت ثلاثة … واحذر عليه أن يطير من الفرح
هذا دواء للهموم مجرّب … فاقبل نصيحة صاحب لك قد نصح
ودع الزمان فكم رفيق حازم … قد رام إصلاح الزمان فما صلح
وقال أيضا (٧):
شربنا بالصّغير وبالكبير … ولم نحفل بأحداث الدّهور
فقد ركضت بنا خيل الملاهى … وقد طرنا بأجنحة السرور
وقال أيضا (٨):
قد مضى آب صاغرا لعنة الل … هـ عليه ولعنة اللاعنينا
وأتانا أيلول وهو ينادى … الصّبوح الصّبوح يا غافلينا
стр. 1215
ومن غزليّاته (١):
قد صاد قلبى قمر … يسحر منه النّظر
وقد فتنت بعدكم … وضاع ذاك الحذر
بوجنة كأنّما … يقدح فيها الشّرر (٢)
وشارب قد همّ أو … نمّ عليه الشّعر
ضعيفة أجفانه … والقلب منه حجر
كأنّما ألحاظه … من فعله تعتذر
لم أر وجها مثل ذا … نجا عليه بشر
وقال أيضا:
بليت بشادن كالبدر حسنا … يعذّبنى بأنواع البلاء
ولى عينان دمعهما غزير … ونومهما أعزّ من الوفاء
وقال أيضا:
ما أوجع القلب وما أغفلك … يا مالكا يزهد فى من ملك
تركتنى أغرق فى دمعتى … ظلما بلا جرم فما حلّ لك
قد كنت وصّالا لحبل الهوى … يا ظالمى دهرا فمن بدّلك
وقال أيضا:
ورد الخدود ونرجس اللّحظات … وتصافح الشّفتين فى الخلوات
شئ أسرّ به وأعلم أنّه … وحياة من أهوى من اللّذّات
/وقال أيضا (٣):
أشكو إلى الله هوى شادن … أصبح فى هجرى معذورا
إن جاء فى الليل تجلّى وإن … جاء صباحا زاده نورا
فكيف أحتال إذا زارنى … حتى يكون الأمر مستورا
стр. 1216
ومن نثره الجارى مجرى الحكم والأمثال، قوله (١): من تجاوز الكفاف لم يغنه الإكثار. ربّما أورد الطمع ولم يصدر. من ارتحل الحرص أنضاه الطّلب. الحظّ يأتى من لا يأتيه. أشقى الناس أقربهم من السّلطان، كما أنّ أقرب الأشياء من النار أسرعه إلى الاحتراق. من شارك السّلطان فى عزّ الدنيا، شاركه فى ذلّ الآخرة. يكفيك للحاسد غمّه بسرورك.
ولم يزل، رحمه الله تعالى (٢)، فى طيب عيش ودعة، وأمن من عوادى الزّمان، إلى أن قامت الجند وأرباب الدّولة، ووثبوا على المقتدر، وخلعوه، وطلبوا أن يبايعوه بالخلافة، وألحّوا عليه فى ذلك، فقال: بشرط أن لا يقتل بسببى مسلم، فقبلوا ذلك منه، وبايعوه، ولقّبوه المرتضى بالله، وقيل: المنصف، وقيل: الغالب، وقيل:
الرّاضى.
وبعث إلى المقتدر يأمره بالتّحوّل إلى دار محمد بن طاهر، لكى ينتقل هو إلى دار الخلافة، فأجاب، ولكن [ما] بقى معه غير مؤنس الخادم، ومؤنس الخازن، وغريب (٣) خاله، وجماعة (٣) من الخدم، فباكر الحسين بن حمدان دار الخلافة فقاتلها، فاجتمع الخدم فدفعوه عنها، بعد أن حمل ما قدر عليه من المال، وسار إلى الموصل، ثم قال الذين عند المقتدر: يا قوم، نسلّم هذا الأمر، ولا نجرّب نفوسنا فى دفع ما نزل بنا! فنزلوا فى الزّوارق، وألبسوا جماعة منهم السّلاح، وقصدوا المخرّم، وبه عبد الله بن المعتزّ، فلما رآهم من حوله أوقع الله فى قلوبهم الرّعب، فانصرفوا منهزمين بلا حرب، وخرج ابن المعتزّ فركب فرسا، ومعه وزيره محمد بن داود، وحاجبه يمن، وقد شهر سيفه وهو ينادى: معاشر العامّة، ادعوا لخليفتكم. وأشاروا إلى الجيش ليتبعوهم إلى سامرّا، ليثبتوا أمرهم، فلم يتبعهم أحد، فنزل ابن المعتزّ عن دابّته، ودخل دار ابن الجصّاص الجوهرىّ، واختفى الوزير ابن داود، والقاضى (٤) الحسن بن المثنّى (٤)، ونهبت دورهما، ووقع النّهب والقتل فى بغداذ، وقبض المقتدر على الأمراء والقضاة الذين خلعوه، وسلّمهم إلى مؤنس الخازن، فقتلهم، واستقام الأمر، فاستوزر ابن الفرات، ثم بعث جماعة، فكبسوا دار ابن الجصّاص، وأخذوا ابن المعتزّ وابن الجصّاص، وحبس
стр. 1217
ابن المعتزّ، ثم أخرج بعد ميّتا، وكان أمر الله قدرا مقدورا، ولا خاذل لمن نصره، ولا ناصر لمن خذله.
وحدّث المعافى بن زكريّا الجريرىّ، قال (١): لمّا خلع المقتدر، وبويع ابن المعتزّ، دخلوا على شيخنا محمد بن جرير، فقال: ما الخبر؟ فقيل: بويع ابن المعتزّ قال: فمن رشّح للوزارة؟ فقيل: محمد بن داود. قال: فمن ذكر للقضاء؟ فقيل:
الحسن بن المثنّى. فأطرق. ثم قال: هذا أمر لا يتمّ. قيل: وكيف؟ قال: كلّ واحد ممّن سمّيتم متقدّم فى معناه على الرّتبة، والدنيا مولّية والزّمان مدبر، وما أرى هذا إلاّ إلى اضمحلال، وما أرى لمدّته طولا. فكان كما قال.
وروى/أنّ عبد الله ابن المعتزّ أنشد لنفسه، فى الليلة التى قتل فى صبيحتها (٢):
يا نفس صبرا لعلّ الخير عقباك … خانتك من بعد طول الأمن دنياك
مرّت بنا سحرا طير فقلت لها … طوباك يا ليتنى إيّاك طوباك
إن كان قصدك شرقا فالسّلام على … شاطى الصّراة فأبلغى مسراك (٣)
من موثق بالمنايا لا فكاك له … يبكى الدّماء على إلف له باك
فربّ آمنة حانت منيّتها … وربّ مفلتة من بين أشراك
أظنّه آخر الأيّام من عمرى … وأوشك اليوم أن يبكى لى الباكى
وروى أنّه قال عند ما أقاموه للجهة التى أتلف فيها (٤):
فقل للشّامتين بنا رويدا … أمامكم المصائب والخطوب
هو الدّهر الذى لا بدّ من أن … تكون إليكم منه ذنوب
وكانت وفاته، رحمه الله تعالى، يوم الأربعاء، لليلة خلت من شهر ربيع الأوّل، سنة ست وتسعين ومائتين، وهو ابن ثمان وأربعين سنة وسبعة أشهر وأيّام، وحمل إلى داره التى على الصّراة، فدفن بها.
стр. 1218
ورثاه ابن بسّام بقوله (١):
لله درّك من ملك بمضيعة … ناهيك فى العقل والآداب والحسب
ما فيه لولا ولا ليت فتنقصه … وإنّما أدركته حرفة الأدب (٢)
وهو من قول أبى تمّام (٣):
ما زلت أرمى بآمالى مطالبها … لم يخلق العرض منّى سوء مطّلبى (٤)
إذا قصدت لشأو خلت أنّى قد … أدركته أدركتنى حرفة الأدب
وقد تلاعب الشعراء بهذا المعنى، فقال ابن السّاعاتىّ (٥):
عفت القريض فلا أسمو له أبدا … حتى لقد عفت أن أرويه فى الكتب
هجرت نظمى له لا من مهانته … لكنّها خيفة من حرفة الأدب
وقال ابن قلاقس (٥):
لا أقتضيك لتقديم وعدت به … من عادة الغيث أن يأتى بلا طلب
عيون جاهك عنّى غير نائمة … وإنّما أنا أخشى حرفة الأدب
***
١٠٨٥ - عبد الله، وقيل عبد الباقى بن محمد بن الحسين بن
ناقيا-بفتح النّون-بن داود بن محمد
ابن يعقوب، أبو القاسم بن أبى
الفتح، المعروف بالبندار (¬*)
الشّاعر المشهور، من أهل شارع دار الرّقيق. كان شاعرا مجوّدا، عذب الألفاظ،
стр. 1219
مليح المعانى، وقد جمع شعره فى «ديوان كبير».
وله مصنّفات فى كلّ فنّ، ومقامات أدبيّة.
وكان حسن المعرفة بالأدب، ظريفا فى محاسن النّاس، إلاّ أنّه كان مطعونا عليه فى دينه وعقيدته، كثير الهزل والمجون.
سمع من أبى القاسم علىّ بن محمد التّنوخىّ، وأبى الحسين بن أحمد بن النّقور وغيرهما.
وروى عن جماعة من الشّعراء؛ كأبى الخطّاب محمد بن على الجبلىّ (١)، وأبى القاسم عبد الواحد بن محمد المطرّز، وأبى الحسن محمد بن محمد البصرىّ،/وروى مصنّفاته، ومنثوره، ومنظومه، وشيئا من حديثه.
وروى عنه عبد الوهّاب الأنماطىّ، ومحمد بن ناصر، وشجاع بن فارس الذّهلىّ، وغيرهم.
ومن نظمه، وهو مريض:
تبقى النّجوم دوائرا أفلاكها … والأرض فيها كلّ يوم داع
نمضى كما مضت القبائل قبلنا … لسنا بأوّل من دعاه الدّاعى
وزخارف الدّنيا يجوز خداعها … أبدا على الأبصار والأسماع
وقال أبو نصر هبة الله بن المحلّىّ فى حقّه: شاعر مطبوع، وله لفظ حسن صحيح، ومصنّفاته ملاح؛ منها: «الجمان فى مشتبهات القرآن» سمعته، ولم يسبق إلى مثله.
وله «ملح الكتابة» فى الرسائل، قرأته عليه أيضا، وله «شرح الفصيح»، سمعته منه، وأحسن فى وضعه، انتهى.
وكانت ولادته فى النّصف من ذى القعدة، سنة عشر وأربعمائة. ووفاته يوم الأحد، رابع محرّم، سنة خمس وثمانين وأربعمائة. ودفن فى مقام باب الشّام.
стр. 1220
ومن شعره الذى أورده الصّلاح الصّفدىّ، فى «تاريخه» قوله:
وإنّى لآبى الدّمع فيك تطيّرا … عليك وتأبى العين إلاّه جاريا
وأسخط لاستمرار هجرك ساعة … وتغلب أشواقى فأرجع راضيا
هنيئا إن استحللت قتلى فلا تطل … عذابى وموهوب لعينيك ثاريا
وقوله أيضا:
أرى كلّ محبوب يلاقى محبّه … وما نتلاقى والليالى تصرّم
وقد علمت أنّى مشوق وأنّنى … بها كلف لكنّها ليس ترحم
وقوله أيضا:
يا صاح أذّن بالصّباح بشير … والكاس تطلع تارة وتغور
والرّوض مبتسم الثّغور نسيمه … يستاف منه المسك والكافور
والعود يخطر فى حشاه أنامل … لم يطو سرّا دونهنّ ضمير
فاشرب على طرب النّديم ولا تطل … حبس المدامة فالزمان قصير
ومن قوله ما كتب به لبعض الرّؤساء وقد افتصد:
جعل الله ذو المواهب عقبا … ك من الفصد صحّة وسلامه
قل ليمناك كيف شئت استهلّى … لا عدمت النّدى فأنت غمامه
ومنه قوله أيضا:
أخلاّى ما صاحبت فى العيش لذّة … ولا زال عن قلبى حنين التّذكّر
ولا طاب لى طعم الرّقاد ولا اجتلى … لخاطر مذفارقتكم حسن منظر
ولا عبثت كفّى بكل مدامة … يطوف بها ساق ولا جسّ مزهر
وقال الصّفدىّ: وكان يقول: فى السّماء نهر من خمر، ونهر من لبن، ونهر من عسل، لا ينقّط منه شئ، وينقّط هذا الذى يخرب البيوت، ويهدم السّقوف! قال: وكانت/ بينه وبين ابن الشّبل منافسة ومباعدة شائعة ظاهرة، فأنشده يوما أبو الحسن ابن الدّهّان لابن الشّبل:
وما أسجد الله الملائك كلّهم … لآدم إلاّ أنّ فى نسله مثلى
ولو أنّ إبليسا درى خرّ ساجدا … لآدم من قبل الملائك من أجلى
стр. 1221
ولكنّ أنسى الله عنه تكوّنى … إلى أن زهت أنوار فضلى على النّسل
فيا ربّ إبراهيم لم أوت فضله … ولا فضل موسى والنّبىّ على الرّسل
فلم لى وحدى ألف فرعون فى الورى … ولى ألف نمرود وألف أبى جهل
فلمّا سمعها ابن ناقيا، قال: أشهد بين يدى الله ﵎، أنّه ما أخرج آدم من الجنّة، إلاّ أنّه كان فى ظهره. ثم قال: امض إليه، فأنشده أبياتا منها:
إذا ما افتخرت فلا تجهلن … أباك وشلاّقه والعصا (١)
ولو كان آدم ذا خبرة … بأنّك من نسله لاختصى
وقيل له: ألم تكن قرأت على ابن الشّبل؟ قال: بلى، وإلاّ من أين اكتسبت هذه البلادة. فبلغ ذلك ابن الشّبل، فقال:
فقل ما شئت إنّ الحلم دأبى … وشأنى الخير إن واصلت شرّا
فأنت أقلّ أن تلقى بذمّ … مجاهرة وأن تغتاب سرّا
وبلغ ابن الشّبل عنه كلام قبيح، فقال، وأبلغ:
وستّة فيك لم يجمعن فى بشر … كذب وكبر وبخل أنت جامعه
مع اللّجاج وشرّ الحقد والحسد … وستّة فىّ لم يخلقن فى ملك
حلمى وعلمى وإفضالى وتجريبى
وحسن خلقى وبسطى بالنّوال يدى
ومن شعره الذى أورده له العماد الكاتب، فى «الخريدة» قوله:
أترى حال ذلك الحبّ بغضا … وذوى غصنه وقد كان غضّا
أترى كان ذلك الوصل زورا … فانتهى بى إلى الصّدود وأفضى
قل لمن ضيّع الوداد وأغرى … بالتّجنّى ورام للعهد نقضا
قد جعلنا الوداد حتما علينا … ورأينا الوفاء بالعهد فرضا
وقوله أيضا:
أما ترى السّحب أبدت … غلائل الأرض خضرا
قد أظهر الله فينا … زهر الكواكب زهرا
стр. 1222
مثل اليواقيت راقت … زرقا وحمرا وصفرا
وكالخرائد أبدت … فرعا وخدّا وثغرا
وقوله أيضا:
/فلا تغترر بالبشر من وجه حاسد … ببرد ابتسام الثّغر غطّى لظى الحقد
فإنّ مشوب الشّكّ لا شكّ قاتل … وإن هو أخفت طعمه لذّة الشّهد
حدّث أبو الحسن علىّ بن محمد بن أحمد الدّهّان، المرتّب بجامع المنصور، قال:
دخلت على أبى القاسم بن ناقيا بعد موته لأغسّله، فوجدت يده اليسرى مضمومة، فاجتهدت على فتحها، فإذا فيها كتابة بعضها على بعض، فتمهّلت حتى قرأتها، فإذا فيها مكتوب:
نزلت بجار لا يخيّب ضيفه … أرجّى نجاتى من عذاب جهنّم
وإنّى على خوفى من الله واثق … بإنعامه والله أكرم منعم
***
١٠٨٦ - عبد الله بن محمد بن سعد الله بن محمد بن
عمر بن سالم البجلىّ، الجريرىّ، أبو محمد
ابن أبى عبد الله (¬*)
المعروف والده بابن الشّاعر.
أسمعه أبوه فى صباه الكثير من ابن الحصين، والأنماطىّ، وغيرهما. وقرأ فى الفقه حتى برع.
وسكن دمشق، ودرّس بها الفقه، وحدّث.
وصار له اختصاص بالملك النّاصر صلاح الدّين يوسف، وكان يراسل ملوك الأطراف. ولمّا فتح ديار مصر، سافر إليها، وأقام يدرّس، ويفتى، ويعظ، ويحدّث إلى حين وفاته.
وكان فقيها فاضلا، مليح الوعظ، غزير الفضل، حسن الأخلاق، متديّنا.
قال أبو محمد القاسم بن على بن الحسين بن هبة الله بن الحافظ الدّمشقىّ، فيما كتب
стр. 1223
به إلى بعض أصحابه: عبد الله بن محمد بن سعد الله أبو محمد البغدادىّ، الحنفىّ، الواعظ. (١) أكبر تلامذة (١) والدى، وسمع منه الكثير. وقال لنا والدى: ما رأيت من الحنفيّة من يطلب الحديث إلاّ ثلاثة؛ شيخنا أبا عبد الله البلخىّ، ورفيقنا أبا علىّ ابن الوزير الدّمشقىّ، وصاحبنا الفقيه أبا محمد البغداذىّ.
قال فى «الجواهر»: أبو عبد الله البلخىّ، وأبو على ابن الوزير، تقدّم كلّ منهما (٢)، وأبو محمد البغداذىّ هو صاحب الترجمة.
تفقّه ببلده، ودرّس بمسجد أسد الدّين. وله أثر صالح فى التّحريض على قصد الديار المصريّة، واستنقاذها ممّن كانت فى يده. وهو شديد التّعصّب للسّنّة، مبالغ فى عداوة الرّافضة، حسن الأخلاق. تولّى التّدريس بالقاهرة، فى مدرسة الحنفيّة السّيوفيّة مدّة، إلى أن مات بمصر، فى سنة أربع وثمانين وخمسمائة. رحمه الله تعالى.
وكانت ولادته ببغداذ فى صفر، سنة ثلاث عشرة وخمسمائة.
***
١٠٨٧ - عبد الله بن محمد بن عبد الله،
أبو الفضل، الإمام الفقيه (¬*)
ختن (٣) قاضى القضاة أبى محمد النّاصحىّ (٤) على ابنته.
كان رجلا فاضلا، مفتيا مشهورا فى قومه، عفيف النّفس، متديّنا. رحمه الله تعالى.
١٠٨٨ - عبد الله بن محمد بن عبيد الله بن على بن جعفر
ابن محمد بن زريق الخطيبىّ، الأسدىّ
النّسفىّ الأصبهانىّ (¬**)
خطيب الجامع الكبير، بأصبهان. وهو ابن عمّ قاضى أصبهان عبيد الله الخطيبىّ (٥)،
стр. 1224
الآتى ذكره قريبا إن شاء الله تعالى.
مولده سنة ثمان وأربعين وأربعمائة.
حدّث عنه أبو موسى (١)، وابن الجوزىّ، وأبو سعد السّمعانىّ، وقال: شيخ فاضل، عالم جليل القدر، من بيت/العلم، ثقة، صالح، حسن السّيادة.
وقال ابن النّجّار: قدم بغداد حاجّا، سنة خمس وتسعين وأربعمائة. وسمع منه الحسين ابن محمد بن خسروا البلخىّ، ثم قدمها ثانيا، فروى عنه ابن الجوزىّ.
مات، رحمه الله تعالى، سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة.
***
١٠٨٩ - عبد الله بن محمد بن عطاء بن حسن بن عطاء
ابن جبير بن جابر بن وهيب الأذرعىّ،
قاضى القضاة، شمس الدّين،
أبو محمد (¬*)
ولد سنة خمس وتسعين وخمسمائة. وسمع أبا حفص عمر بن طبرزد. وتفقّه، وحدّث، وأفتى، ودرّس، وناب فى الحكم عن قاضى القضاة أحمد بن سنىّ الدّولة الشّافعىّ (٢)، فلما جدّدت القضاة الثلاثة فى سنة أربع وستين وستمائة، كان أوّل من ولى القضاء بدمشق من الحنفيّة استقلالا، ووصل تقليده بذلك، فقبل، وباشر مباشرة تليق به.
قال فى «الجواهر» (٣): جاء من مصر ثلاثة عهود لثلاثة من القضاة؛ شمس الدين
стр. 1225
ابن عطاء، وشمس الدين عبد الرحمن بن الشيخ أبى عمر الحنبلىّ (١)، وزين الدين عبد السلام الزّواوىّ المالكىّ (٢)، وكان قاضى القضاة شمس الدين ابن خلّكان إذ ذاك قاضى الشافعيّة، فلم يقبل المالكىّ والحنبلىّ، وقبل الحنفىّ، فورد المرسوم بإلزامهما بذلك، وأخذ ما بأيديهما من الأوقاف إن لم يفعلا، فأجابا، ثم أصبح المالكىّ وعزل نفسه عن القضاء والأوقاف، ثم ورد الأمر بإلزامه، واستمرّ الجميع، لكن امتنع المالكىّ والحنبلىّ من الجامكيّة (٣).
وقال بعض الظّرفاء من أهل دمشق، لمّا رأى اجتماع ثلاثة قضاة كلّ واحد منهم لقبه شمس الدّين (٤):
أهل دمشق استرابوا … من كثرة الحكّام
إذ هم جميعا شموس … وحالهم فى ظلام
وله أيضا (٤):
بدمشق آية قد … ظهرت للناس عاما
كلّما ولّى شمس … قاضيا زادت ظلاما
وكان والد صاحب الترجمة محمد حنبلىّ المذهب، واشتغل ولده عبد الله فى الفقه، على مذهب الإمام الأعظم، رضى الله تعالى عنه، وحفظ «القدورىّ»، ولم يزل يدأب ويحصّل إلى أن صار مشارا إليه فى مذهب الحنفيّة، وولى تدريس عدّة مدارس.
قال اليونينىّ: وكان القاضى شمس الدين من العلماء الأعلام، تامّ الفضيلة، وافر الدّيانة، كريم الأخلاق، حسن العشرة، كثير التّواضع، عديم النّظير، قليل الرّغبة فى الدنيا، يقنع منها باليسير، ولا يحابى أحدا فى الحق، واشتغل عليه خلق كثير، وانتفع به جمّ غفير. انتهى.
стр. 1226
ولمّا وقعت الحوطة على أملاك الناس فى أيّام الملك الظّاهر، وأخرج فتاوى الحنفيّة باستحقاقها بحكم أنّ دمشق فتحها عمر بن الخطّاب، رضى الله تعالى عنه عنوة، أراد السلطان من القاضى شمس الدين أن يحكم له فيها بمقتضى مذهبه، فقال للسّلطان:
هذه أملاك بأيدى أربابها، ولا يحلّ لمسلم أن يتعرّض لها، ثم نهض من المجلس مغضبا، فانحرف السلطان من ذلك انحرافا شديدا، ثم سكن، وصار بعد/ذلك يثنى على القاضى شمس الدين ويمدحه.
أقول: هكذا ينبغى أن تكون القضاة فى القيام مع الحقّ على الباطل، لا يخافون سطوة ظالم، ولا إقدام جاهل، لا تأخذهم فى الله لومة لائم، ولا يصدّهم عن الحقّ رهبة ظالم، لا كغالب قضاة زماننا الذين اتّخذوا الحكّام لهم آلهة، يعصون الله ويطعونهم، ويغضبون الله ويرضونهم، يحكمون بالهوى، ويتّبعون الأهواء، يدور الحقّ عندهم مع الرّشوة والجاه، ولا يرهبون ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلّهِ﴾ (١).
قال ابن كثير: كان ابن عطاء من العلماء الأخيار، كثير التّواضع، قليل الرّغبة فى الدنيا، روى عنه ابن جماعة. انتهى.
ولم يزل على القضاء إلى أن مات يوم الجمعة، تاسع جمادى الأولى، سنة ثلاث وسبعين وستمائة، ودفن بسفح قاسيون، بالقرب من المدرسة المعظّميّة (٢)، رحمه الله تعالى.
قال النّويرىّ، فى «نهاية الأرب»: ولمّا مات، عزل قاضى القضاة زين الدين الزّواوىّ المالكىّ نفسه عن القضاء حال دفنه، فإنّه أخذ بيده من تراب القبر وحثاه عليه، وقال: والله لا حكمت بعدك؛ فإنّ لك أربعين سنة تحكم، ثم هذه مآلك.
وعزل نفسه عن الحكم، وبقى نائبه القاضى جمال الدين يوسف الزّواوىّ يحكم على حاله، وفوّض قضاء الحنفيّة بعده للقاضى عبد الرحمن بن الصاحب كمال الدين عمر ابن العديم. والله تعالى أعلم.
***
١٠٩٠ - عبد الله بن محمد بن علىّ بن محمد الدّامغانىّ،
أبو جعفر، ابن قاضى القضاة أبى عبد الله (¬*)
شهد عند والده، فقبل شهادته، وولاّه أخوه قاضى القضاة أبو الحسن علىّ بن محمد
стр. 1227
القضاء بباب الطّاق، ومن أعلى بغداذ إلى الموصل، وغيرها من البلاد، فى اليوم الذى تولّى فيه قضاء القضاة، وهو الثالث والعشرون، من شهر شعبان سنة ثمان وثمانين وأربعمائة.
ثم إنّه ترك العدالة والقضاء، وخلع الطّيلسان، وتولّى حجابة باب النّوبىّ (١)، والنّظر فى المظالم، وإقامة الحدود، فى شهر رمضان، سنة خمسمائة، ثم عزل، ثم أعيد، ثم عزل.
وكان شيخا جليلا، دمث الأخلاق، خليقا بالرئاسة، متطلّعا إلى قضاء حوائج الناس، من الطّراز الأوّل.
سمع الحديث من أبى جعفر محمد بن المسلمة، والخطيب (٢). وحدّث باليسير.
روى عنه أبو المعمّر الأنصارىّ، وغيره.
وكانت ولادته فى ربيع الأوّل، سنة ثمان وخمسين وأربعمائة. وقيل: سنة ست وخمسين. وقيل: سنة تسع وخمسين، ووفاته فى ليلة الثلاثاء ثانى جمادى الأولى، سنة ثمان عشرة وخمسمائة، ودفن بالشّونيزيّة. رحمه الله تعالى.
***
١٠٩١ - عبد الله بن محمد بن عمرو القاضى، أبو القاسم (¬*)
أحد وجوه الفقهاء والعلماء الحنفيّة بنيسابور.
استخلفه القاضى أبو العلاء صاعد للتّدريس فى مدرسته، وإفادة المختلفة من الطّلبة، سنة اثنتين وأربعمائة، عند خروجه للحجّة الثانية.
وتوفّى، رحمه الله تعالى، فى شعبان، سنة ثلاث وأربعمائة. انتهى.
***
стр. 1228
١٠٩٢ - عبد الله بن محمد بن الفضل بن أحمد
ابن محمد الصّاعدىّ الفراوىّ، أبو البركات،
/الملقّب صفىّ الدين (¬*)
فاضل، عفيف، من بيت العلم والزّهد والصّلاح.
وهو شيخ صاحب «الهداية» (١)، ذكره فى «مشيخته»، وأجازه إجازة مطلقة، مشافهة، بنيسابور. ثم روى عنه حديثا، عن أبى مالك الأشجعىّ، عن أبيه رضى الله تعالى عنه، أنّه سمع رسول ﷺ ، يقول: «من وحّد الله، وكفر بما يعبد من دونه، حرم ماله ودمه، وحسابه على الله» (٢).
وذكر صاحب «الهداية» عنه، أنّه أنشده بنيسابور فيما قرأه عليه لغيره (٣):
إنّا على الدّنيا ولذّاتها … ندور والموت علينا يدور
نحن بنو الأرض وسكّانها … منها خلقنا وإليها نحور
***
١٠٩٣ - عبد الله بن محمد بن لاجين القاهرىّ
المعروف بابن خاصّ بيك (¬**)
وهو اسم ابن عمّه، اشتهر بالنّسبة إليه لجلالته.
ولد فى حدود سنة سبع وسبعين (٤)، بالقاهرة، ونشأ بها، فحفظ القرآن الكريم، وبعض «الإلمام» لابن دقيق العيد، «والقدورىّ» فى الفقه، و «المنار» فى أصوله، و «ألفيّة ابن مالك». واشتغل فى الفقه على جماعة، منهم: العلاّمة سراج الدين قارىّ «الهداية»، وأخذ العربيّة عن الشّهاب العبادىّ، وغيره، وسمع «الصّحيح» على ابن
стр. 1229
أبى المجد، وختمه على التّنوخىّ، والعراقىّ، والهيثمىّ. وحجّ، وزار بيت المقدس والخليل. وحدّث، وسمع الفضلاء، وكفّ، وكان إنسانا حسنا، خيّرا، ديّنا (١)، رحمه الله تعالى.
***
١٠٩٤ - عبد الله بن محمد بن محمد بن عبد الله بن
سعد بن أبى بكر بن مصلح بن
أبى بكر الدّيرىّ (¬*)
من البيت المشهور بالفضل والقضاء.
ولى قضاء القدس، والخليل، والرّملة غير مرّة.
وكانت ولادته سنة خمس وثمانمائة. ووفاته سنة ثمان وسبعين وثمانمائة.
وكان عنده فضيلة. رحمه الله تعالى.
***
١٠٩٥ - عبد الله بن محمد بن محمد بن محمد بن
عبد الله بن البيضاوىّ، القاضى أبو الفتح (¬**)
الآتى ذكر أبيه محمد، وابنه محمد. وهو أخو قاضى القضاة أبو القاسم علىّ بن الحسين الزّينبىّ لأمّه.
كان جدّه محمد بن عبد الله من بيضاء فارس (٢)، وانتقل إلى بغداذ، وسكنها، وأعقب بها.
وكان مولد صاحب الترجمة فى ذى القعدة، سنة تسع وأربعين وأربعمائة، وقيل:
стр. 1230
فى ذى الحجّة.
وسمع الكثير، وحدّث. وروى عنه عبد الوهّاب بن علىّ الأمين. واستنابه القاضى أبو محمد عبيد الله بن محمد بن طلحة الدّامغانىّ، بالكرخ.
وكتب عنه السّمعانىّ الكثير.
وكان فى قضائه متحرّيا العدل والخير والإنصاف.
وكانت وفاته فى سنة، خمس (١) وثلاثين وخمسمائة. ودفن بباب حرب. رحمه الله تعالى.
***
١٠٩٦ - عبد الله بن محمد بن محمد بن محمد العفيف،
ابن إمام الحنفيّة، وشيخ الباسطيّة، البخارىّ
الأصل، المكّىّ (¬*)
ولد سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة (٢) بمكة، وأمّه أمّ ولد. ونشأ بمكة فى كنف أبيه، (٣) وأخذ عنه (٣) «المشارق» للصّغانىّ، وبعض «المشتبه» (٤) للحافظ ابن حجر.
وسمع من السّخاوىّ، ودرّس فى العربيّة وغيرها.
وكان عنده فضل، وبراعة، وفهم، وذكاء، مع عقل وأدب واحتمال، رحمه الله تعالى.
***
١٠٩٧ - عبد الله بن محمد بن يعقوب بن الحارث بن الخليل،
أبو محمد الحارثىّ الكلاباذىّ /السّبذمونىّ (¬**)
بضمّ السّين وفتحها وفتح الباء الموحّدة وسكون الذّال المعجمة [وضمّ الميم] وفى