ولمّا وقعت الحوطة على أملاك الناس فى أيّام الملك الظّاهر، وأخرج فتاوى الحنفيّة باستحقاقها بحكم أنّ دمشق فتحها عمر بن الخطّاب، رضى الله تعالى عنه عنوة، أراد السلطان من القاضى شمس الدين أن يحكم له فيها بمقتضى مذهبه، فقال للسّلطان:
هذه أملاك بأيدى أربابها، ولا يحلّ لمسلم أن يتعرّض لها، ثم نهض من المجلس مغضبا، فانحرف السلطان من ذلك انحرافا شديدا، ثم سكن، وصار بعد/ذلك يثنى على القاضى شمس الدين ويمدحه.
أقول: هكذا ينبغى أن تكون القضاة فى القيام مع الحقّ على الباطل، لا يخافون سطوة ظالم، ولا إقدام جاهل، لا تأخذهم فى الله لومة لائم، ولا يصدّهم عن الحقّ رهبة ظالم، لا كغالب قضاة زماننا الذين اتّخذوا الحكّام لهم آلهة، يعصون الله ويطعونهم، ويغضبون الله ويرضونهم، يحكمون بالهوى، ويتّبعون الأهواء، يدور الحقّ عندهم مع الرّشوة والجاه، ولا يرهبون ﴿يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلّهِ﴾ (١).
قال ابن كثير: كان ابن عطاء من العلماء الأخيار، كثير التّواضع، قليل الرّغبة فى الدنيا، روى عنه ابن جماعة. انتهى.
ولم يزل على القضاء إلى أن مات يوم الجمعة، تاسع جمادى الأولى، سنة ثلاث وسبعين وستمائة، ودفن بسفح قاسيون، بالقرب من المدرسة المعظّميّة (٢)، رحمه الله تعالى.
قال النّويرىّ، فى «نهاية الأرب»: ولمّا مات، عزل قاضى القضاة زين الدين الزّواوىّ المالكىّ نفسه عن القضاء حال دفنه، فإنّه أخذ بيده من تراب القبر وحثاه عليه، وقال: والله لا حكمت بعدك؛ فإنّ لك أربعين سنة تحكم، ثم هذه مآلك.
وعزل نفسه عن الحكم، وبقى نائبه القاضى جمال الدين يوسف الزّواوىّ يحكم على حاله، وفوّض قضاء الحنفيّة بعده للقاضى عبد الرحمن بن الصاحب كمال الدين عمر ابن العديم. والله تعالى أعلم.
***
١٠٩٠ - عبد الله بن محمد بن علىّ بن محمد الدّامغانىّ،
أبو جعفر، ابن قاضى القضاة أبى عبد الله (¬*)
شهد عند والده، فقبل شهادته، وولاّه أخوه قاضى القضاة أبو الحسن علىّ بن محمد
стр. 1227
القضاء بباب الطّاق، ومن أعلى بغداذ إلى الموصل، وغيرها من البلاد، فى اليوم الذى تولّى فيه قضاء القضاة، وهو الثالث والعشرون، من شهر شعبان سنة ثمان وثمانين وأربعمائة.
ثم إنّه ترك العدالة والقضاء، وخلع الطّيلسان، وتولّى حجابة باب النّوبىّ (١)، والنّظر فى المظالم، وإقامة الحدود، فى شهر رمضان، سنة خمسمائة، ثم عزل، ثم أعيد، ثم عزل.
وكان شيخا جليلا، دمث الأخلاق، خليقا بالرئاسة، متطلّعا إلى قضاء حوائج الناس، من الطّراز الأوّل.
سمع الحديث من أبى جعفر محمد بن المسلمة، والخطيب (٢). وحدّث باليسير.
روى عنه أبو المعمّر الأنصارىّ، وغيره.
وكانت ولادته فى ربيع الأوّل، سنة ثمان وخمسين وأربعمائة. وقيل: سنة ست وخمسين. وقيل: سنة تسع وخمسين، ووفاته فى ليلة الثلاثاء ثانى جمادى الأولى، سنة ثمان عشرة وخمسمائة، ودفن بالشّونيزيّة. رحمه الله تعالى.
***
١٠٩١ - عبد الله بن محمد بن عمرو القاضى، أبو القاسم (¬*)
أحد وجوه الفقهاء والعلماء الحنفيّة بنيسابور.
استخلفه القاضى أبو العلاء صاعد للتّدريس فى مدرسته، وإفادة المختلفة من الطّلبة، سنة اثنتين وأربعمائة، عند خروجه للحجّة الثانية.
وتوفّى، رحمه الله تعالى، فى شعبان، سنة ثلاث وأربعمائة. انتهى.
***
стр. 1228
١٠٩٢ - عبد الله بن محمد بن الفضل بن أحمد
ابن محمد الصّاعدىّ الفراوىّ، أبو البركات،
/الملقّب صفىّ الدين (¬*)
فاضل، عفيف، من بيت العلم والزّهد والصّلاح.
وهو شيخ صاحب «الهداية» (١)، ذكره فى «مشيخته»، وأجازه إجازة مطلقة، مشافهة، بنيسابور. ثم روى عنه حديثا، عن أبى مالك الأشجعىّ، عن أبيه رضى الله تعالى عنه، أنّه سمع رسول ﷺ ، يقول: «من وحّد الله، وكفر بما يعبد من دونه، حرم ماله ودمه، وحسابه على الله» (٢).
وذكر صاحب «الهداية» عنه، أنّه أنشده بنيسابور فيما قرأه عليه لغيره (٣):
إنّا على الدّنيا ولذّاتها … ندور والموت علينا يدور
نحن بنو الأرض وسكّانها … منها خلقنا وإليها نحور
***
١٠٩٣ - عبد الله بن محمد بن لاجين القاهرىّ
المعروف بابن خاصّ بيك (¬**)
وهو اسم ابن عمّه، اشتهر بالنّسبة إليه لجلالته.
ولد فى حدود سنة سبع وسبعين (٤)، بالقاهرة، ونشأ بها، فحفظ القرآن الكريم، وبعض «الإلمام» لابن دقيق العيد، «والقدورىّ» فى الفقه، و «المنار» فى أصوله، و «ألفيّة ابن مالك». واشتغل فى الفقه على جماعة، منهم: العلاّمة سراج الدين قارىّ «الهداية»، وأخذ العربيّة عن الشّهاب العبادىّ، وغيره، وسمع «الصّحيح» على ابن
стр. 1229
أبى المجد، وختمه على التّنوخىّ، والعراقىّ، والهيثمىّ. وحجّ، وزار بيت المقدس والخليل. وحدّث، وسمع الفضلاء، وكفّ، وكان إنسانا حسنا، خيّرا، ديّنا (١)، رحمه الله تعالى.
***
١٠٩٤ - عبد الله بن محمد بن محمد بن عبد الله بن
سعد بن أبى بكر بن مصلح بن
أبى بكر الدّيرىّ (¬*)
من البيت المشهور بالفضل والقضاء.
ولى قضاء القدس، والخليل، والرّملة غير مرّة.
وكانت ولادته سنة خمس وثمانمائة. ووفاته سنة ثمان وسبعين وثمانمائة.
وكان عنده فضيلة. رحمه الله تعالى.
***
١٠٩٥ - عبد الله بن محمد بن محمد بن محمد بن
عبد الله بن البيضاوىّ، القاضى أبو الفتح (¬**)
الآتى ذكر أبيه محمد، وابنه محمد. وهو أخو قاضى القضاة أبو القاسم علىّ بن الحسين الزّينبىّ لأمّه.
كان جدّه محمد بن عبد الله من بيضاء فارس (٢)، وانتقل إلى بغداذ، وسكنها، وأعقب بها.
وكان مولد صاحب الترجمة فى ذى القعدة، سنة تسع وأربعين وأربعمائة، وقيل:
стр. 1230
فى ذى الحجّة.
وسمع الكثير، وحدّث. وروى عنه عبد الوهّاب بن علىّ الأمين. واستنابه القاضى أبو محمد عبيد الله بن محمد بن طلحة الدّامغانىّ، بالكرخ.
وكتب عنه السّمعانىّ الكثير.
وكان فى قضائه متحرّيا العدل والخير والإنصاف.
وكانت وفاته فى سنة، خمس (١) وثلاثين وخمسمائة. ودفن بباب حرب. رحمه الله تعالى.
***
١٠٩٦ - عبد الله بن محمد بن محمد بن محمد العفيف،
ابن إمام الحنفيّة، وشيخ الباسطيّة، البخارىّ
الأصل، المكّىّ (¬*)
ولد سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة (٢) بمكة، وأمّه أمّ ولد. ونشأ بمكة فى كنف أبيه، (٣) وأخذ عنه (٣) «المشارق» للصّغانىّ، وبعض «المشتبه» (٤) للحافظ ابن حجر.
وسمع من السّخاوىّ، ودرّس فى العربيّة وغيرها.
وكان عنده فضل، وبراعة، وفهم، وذكاء، مع عقل وأدب واحتمال، رحمه الله تعالى.
***
١٠٩٧ - عبد الله بن محمد بن يعقوب بن الحارث بن الخليل،
أبو محمد الحارثىّ الكلاباذىّ /السّبذمونىّ (¬**)
بضمّ السّين وفتحها وفتح الباء الموحّدة وسكون الذّال المعجمة [وضمّ الميم] وفى
стр. 1231
آخرها نون؛ نسبة إلى قرية من قرى بخارى.
ذكره السّمعانىّ، وقال: المعروف بالأستاذ، مكثر من الحديث. ورحل إلى الحجاز والعراق. وروى عنه الفضل بن محمد الشّعرانىّ، والحسين بن الفضل البجلىّ. وروى عنه أبو عبد الله بن منده، وكان حسن الرأى فيه.
ولد فى شهر ربيع الآخر، سنة ثمان وخمسين ومائتين. ومات فى شوّال، سنة أربعين وثلاثمائة.
قال السّمعانىّ: وكان غير ثقة، وله مناكير.
وذكره الذهبى فى «الميزان»، وقال فى حقه: البخارىّ الفقيه، أكثر عنه ابن منده.
وله تصانيف.
ونقل عن ابن الجوزى أن أبا سعيد الرّوّاس قال: متّهم بوضع الحديث.
وذكره الذّهبىّ أيضا فى «المؤتلف»، وقال: شيخ الحنفيّة.
قال فى «الجواهر»، بعد ما نقل ما ذكره الذّهبىّ، قلت: عبد الله بن محمد أكبر وأجلّ من ابن الجوزىّ، ومن أبى سعيد الرّوّاس.
ومن تصانيفه: «كشف الآثار» فى مناقب أبى حنيفة، وصنّف «مسند أبى حنيفة» أيضا.
ولمّا أملى مناقب أبى حنيفة، كان يستملى عليه أربعمائة مستمل.
وبالجملة فقد كان عبد الله إماما كبيرا فى الفقه، والحديث، من أعلام الأئمّة بما وراء النّهر. رحمه الله تعالى.
***
стр. 1232
١٠٩٨ - عبد الله بن محمد بن يحيى بن الفويرة،
شرف الدين بن بدر الدين (¬*)
اشتغل، وكتب الإنشاء. وولى توقيع الدّست.
ودرّس بالزّنجيليّة.
ومات وهو شابّ لم يكمل أربعين، فى المحرّم، سنة ست وخمسين وسبعمائة، سقط عليه بيت بالصّالحيّة، فمات. رحمه الله تعالى.
***
١٠٩٩ - عبد الله بن محمد بن يوسف بن الخضر بن
عبد الله بن القاسم بن عبد الرحيم
الفقيه الحلبىّ (¬**)
المتقدم ذكر أخيه والآتى ذكر أبيه وجده.
ذكره الدّمياطىّ فى «معجم شيوخه»، وقال: مولده بحماه، سنة تسع وستمائة، وتوفّى بقاعة الخطابة، من القاهرة، سنة خمس وستين وستمائة، ودفن بسفح المقطّم، وحضرت الصّلاة عليه. رحمه الله تعالى.
***
١١٠٠ - عبد الله بن محمد بن أبى يزيد الخلنجىّ (¬***)
قال الخطيب: كان من أصحاب أبى عبد الله أحمد بن دؤاد، حاذقا بالفقه على مذهب أبى حنيفة، واسع العلم، ضابطا.
وكان يصحب ابن سماعة.
وتقلّد المظالم بالجبل، فأخبر ابن أبى دؤاد أنّه فاضل، عالم بالقضاء ووجوهه، فسأل عنه ابن سماعة، فشهد له، فكلّم ابن أبى دؤاد المعتصم، فولاّه قضاء همذان، فأقام نحوا من عشرين سنة لا يشكى، وتلطّف له محمد بن الجهم فى مال عظيم، فلم يقبله.
стр. 1233
وولى أيضا قضاء الشّرقيّة فى أيّام الواثق، ولمّا وليها ظهرت عفّته وديانته لأهل بغداذ، وكان فيه كبر شديد.
وكتب إليه المعتصم (١) فى أن يمتحن النّاس فى القول بخلق القرآن، وكان يضبط نفسه، فتقدّمت إليه/امرأة، فقالت: إن زوجى لا يقول بقول أمير المؤمنين فى القرآن، ففرّق بينى وبينه. فصاح عليها وطردها، فلمّا كان فى سنة سبع وثلاثين فى جمادى عزله المتوكّل، وأمر أن يكشف عنه ليفضحه بسبب ما امتحن النّاس به فى القول بخلق القرآن، فكشف عنه، فما انكشف عليه أنّه أخذ حبّة واحدة.
وروى (١) أنّه لمّا تولّى قضاء الشّرقيّة كثر من يطالبه بفكّ الحجر، فدعا بالأمناء، فقال لهم: من كان فى يده منكم مال ليتيم فليشتر له مرّا (٢) وزنبيلا يكون قبله، وليدفع إليه ماله، فإن أتلفه عمل بالمرّ والزّنبيل. (٣)
وذكره ابن عساكر فى «تاريخ دمشق»، وقال: قرأت فى كتاب على بن الحسين ابن محمد الكاتب، حدّثنا محمد بن خلف، حدّثنا وكيع، قال: كان الخلنجىّ القاضى، واسمه عبد الله بن محمد، ابن أخت علويّة المغنّى، وكان تيّاها صلفا، فتقلّد فى خلافة الأمين قضاء الشّرقيّة، فكان يجلس إلى أسطوانة من أساطين المسجد، فيستند إليها بجميع جسده ولا يتحرّك، فإذا تقدّم إليه الخصمان، أقبل عليهما بجميع جسده، وترك الاستناد، حتى يفصل بينهما، ثم يعود إلى حاله، فعمد بعض المجّان إلى رقعة من الرّقاع التى يكتب فيها الدّعاوى، وألصقها فى موضع دبيته (٤)، وطلاها بدبق (٥)، وجاء الخلنجىّ فجلس كما كان يجلس، فالتصقت دبيته بالدّبق، وتمكّن منها، فلما تقدّم إليه الخصوم، وأقبل عليهم بجميع جسده كما كان يفعل، انكشف رأسه، وبقيت الدبية فى موضعها مصلوبة، وقام الخلنجىّ مغضبا، وعلم أنّها حيلة وقعت عليه، فغطّى رأسه بطيلسانه، وقام فانصرف وتركها مكانها، حتى جاء بعض أعوانه فأخذها.
وقال بعض شعراء ذلك العصر فيه:
стр. 1234
إنّ الخلنجىّ من تتايهه … أثقل باد لنا بطلعته
ماتيه ذى نخوة مناسبة … بين أخاوينه وقصعته
يصالح الخصم من يخاصمه … خوفا من الجور فى قضيّته
قال: وشهرت الأبيات والقصّة ببغداذ، وعمل علويّة حكاية أعطاها الرّفّايين والمخنّثين، فأخرجوه فيها، وكان علويّة يعاديه لمنازعة كانت بينهما، ففضحه، واستعفى الخلنجىّ من القضاء ببغداذ، وسأل أن يولّى بعض الكور البعيدة، فولّى جند دمشق أو حمص، فلما ولّى المأمون الخلافة، غنّاه علويّة بشعر الخلنجىّ، وهو هذا (١):
برئت من الإسلام إن كان ذا الذى … أتاك به الواشون عنّى كما قالوا
ولكنّهم لمّا رأوك غريّة … بهجرى تواصوا بالنّميمة واحتالوا
فقد صرت أذنا للوشاة سميعة … ينالون من عرضى ولو شئت ما نالوا
فقال له المأمون: من يقول هذا الشعر؟ قال: قاضى دمشق. فأمر المأمون بإحضاره، وكتب إلى صاحب دمشق بإشخاصه، فأشخص، وجلس المأمون، وأحضر علويّة، ودعا بالقاضى، فقال: أنشدنى قولك:
*برئت من الإسلام إن كان ذا الذى*
فقال: يا أمير المؤمنين، هذه الأبيات قلتها من منذ أربعين سنة وأنا صبىّ، ووالّذى أكرمك بالخلافة، وورّثك ميراث النّبوّة، ما قلت شعرا من أكثر من عشرين سنة، إلاّ فى زهد، أو عتاب/صديق. فقال له: اجلس. فجلس، فناوله قدح نبيذ كان فى يده، فقال له: اشرب. فأرعد وبكى، وأخذ القدح من يده، وقال: والله يا أمير المؤمنين ما غيّرت الماء بشئ قطّ ممّا يختلف فى تحليله. فقال: لعلّك تريد نبيذ التّمر والزّبيب؟ فقال: لا والله يا أمير المؤمنين، ما أعرف شيئا منهما، فأخذ القدح من يده، وقال:
أما والله لو شربت شيئا من هذا لضربت عنقك، ولكن ظننت أنّك صادق فى قولك كلّه، ولكن لا يتولّى القضاء أبدا رجل بدأ فى قوله بالبراءة من الإسلام، انصرف إلى منزلك. وأمر علويّة فغيّر هذه الكلمة، وجعل مكانها: حرمت منائى منك. ورويت هذه القصة لغير الخلنجىّ. والله تعالى أعلم بحقيقة الحال.
***
стр. 1235
١١٠١ - عبد الله بن محمد، أبو محمد،
المعروف بالحاكم الكفينىّ (¬*)
بضمّ الكاف وكسر الفاء وسكون الياء آخر الحروف، وفى آخرها النّون؛ نسبة إلى كفين، وهى من قرى بخارى. كذا قال السّمعانىّ.
روى عنه أبو محمد عبد الرحمن بن أحمد الكرمينىّ.
***
١١٠٢ - عبد الله بن محمد، قاضى القضاة، جمال الدين،
ابن شيخ الإسلام شمس الدين (¬**)
وهو ابن أخى قاضى القضاة سعد الدين الدّيرىّ، المتقدّم ذكره (١).
ولى قضاء القدس الشريف مرّات متعدّدة.
وتوفّى بها، صبيحة يوم الأربعاء، ثانى عشرى شهر ربيع الآخر، سنة ثمان وسبعين وثمانمائة، وقد بلغ من العمر نحو أربع وسبعين سنة، رحمه الله تعالى.
***
١١٠٣ - عبد الله بن محمد الزّولىّ (¬***)
سمع من الدّمياطىّ، وعلىّ ابن الصّوّاف، وغيرهما.
وحدّث، ونسخ بخطّه «الصّحيحين»، وقدّمهما لشيخون، فقرّره فى تدريس الحديث بالشّيخونيّة، فكان أوّل من وليها، وقرّره أيضا فى خطابة الجامع، فباشرهما، إلى أن مات، فتقرّر فى الخطابة بعده القاضى زين الدين البسطامىّ الحنفىّ، واستقرّ فى درس الحديث صدر الدين عبد الكريم القونوىّ.
وكانت وفاته سنة ثلاث وستين وسبعمائة. رحمه الله تعالى.
***
стр. 1236
١١٠٤ - عبد الله بن محمود بن مودود بن محمود بن بلدجى
الموصلىّ، أبو الفضل، الإمام الملقّب
مجد الدين (¬*)
الآتى ذكر أبيه محمود وأخواته؛ عبد الدائم، وعبد الكريم، وعبد العزيز.
قال ابن حبيب فى حقّه: عالم زمانه، وفريد وقته وأوانه، ومقدّم أعلام العلماء والحذّاق، وزعيم الطائفة الحنفيّة على الإطلاق، صاحب المصنّفات المشهورة، وساحب أذيال المؤلّفات المأثورة، سارت أخبار فوائده إلى البلاد سير المثل، ورحل الطلبة إليه قائلين: لا يدرك المجد إلاّ فارس بطل. انتهى.
وقال أبو العلا الفرضىّ: كانت ولادته بالموصل، فى يوم الجمعة، سلخ شوّال، سنة تسع وتسعين وخمسمائة. سمع بالموصل من أبى حفص عمر بن طبرزد. وسمع منه الحافظ الدّمياطىّ، وذكره فى «معجم شيوخه».
قال أبو العلاء: كان شيخا فقيها، عالما، فاضلا، مدرّسا، عارفا بالمذهب.
وكان قد تولّى القضاء بالكوفة، ثم عزل، ورجع إلى بغداذ، ورتّب مدرّسا بمشهد الإمام. ولم يزل يفتى ويدرّس، إلى أن مات ببغداذ، بكرة يوم السّبت، تاسع عشر المحرّم، سنة ثلاث وثمانين وستمائة.
ومن تصانيفه؛ «المختار للفتوى»، وكتاب «الاختيار لتعليل المختار»، وكتاب «المشتمل على مسائل المختصر». انتهى.
***
١١٠٥ - عبد الله بن مسعود بن عبد العزيز بن محمد بن
أحمد بن موسى السّمّاك، الرّازىّ البغداذىّ، القاضى
أبو العلا بن أبى ثابت، الفقيه (¬**)
الآتى ذكر والده (١).
стр. 1237
قال ابن النّجّار: ولد ببغداذ، ونشأ بها. وسمع الحديث من أبى الحسين محمد بن علىّ بن المهتدى بالله، وغيره. وحدّث بنيسابور، وسمع منه الحافظ أبو عبد الله محمد ابن عبد الواحد الأصبهانىّ.
***
١١٠٦ - عبد الله بن مسعود أبو يعقوب، الجرجانىّ (¬*)
تفقّه بالصّندلىّ (١).
ذكره الهمذانىّ، وقال: ابنه قاضى جرجان، وله شعر جيّد.
***
١١٠٧ - عبد الله بن مغلطاى بن قليج، أبو محمد،
جمال الدين ابن الإمام المحدّث علاء الدين (¬**)
ذكره فى «الغرف العليّة»، وقال: ولد بالقاهرة، فى شهور سنة [تسع] (٢) عشرة وسبعمائة، وسمع، وحدّث، وروى عنه أبو حامد ابن ظهيرة بالإجازة، وكانت وفاته بالقاهرة يوم الثلاثاء، ثانى عشر ربيع الأوّل، سنة إحدى وتسعين وسبعمائة.
وذكره البرهان الحلبىّ فى «مشيخته»، وقال: سمع من يحيى بن المصرىّ «الغوامض والمهمّات» لعبد الغنىّ، وكان يتكسّب بجلوسه فى حانوت الشّهود للشهادة، وسمع منه الفضلاء، إلى أن قال: وقرأت عليه كتاب «الغوامض» المذكور. وأرّخ وفاته كما ذكرنا.
وساق صاحب «الغرف» فى ترجمته أعجوبة من أعاجيب الزمان، لا بأس بذكرها لغرابتها، وأنا من صحّتها فى شبهة، ولكن قدرة الله شاملة لكل شئ، وهى: أنّه كان فى سنة ست وسبعين وسبعمائة للأمير شرف الدين عيسى والى الأشمونين (٣) بنت راهقت البلوغ، وأنّها لمّا بلغت خمسة عشر سنة، استدّ فرجها، ونبت لها ذكر
стр. 1238
وأنثيان، وبلغ ذلك الأشرف شعبان بن قلاوون، فأرسل [فى] (١) طلبها وأحضرها، وشاهدها، ولمّا تحقّق ذلك أمرها أن تلبس ثياب الرّجال، وسمّاها «محمد»، وأمره بالمشى فى خدمته، وأقطعه إقطاعا، والله تعالى أعلم.
***
١١٠٨ - عبد الله بن نمير، الإمام الحافظ، أبو هشام
الهمدانىّ، ثم الخارفىّ، الكوفىّ (¬*)
والد الحافظ الكبير محمد.
حدّث عن هشام بن عروة، والأعمش، وإسماعيل بن أبى خالد، وغيرهم.
*روى عن أبى حنفية مسألة: اللّعان تطليقة بائنة.
وحدّث عنه (٢) ابنه، وأحمد (٢)، وابن معين، وإسحاق الكوسج، وأحمد بن الفرات، وخلق.
ووثّقه يحيى بن معين، وغيره. وكان من كبار أصحاب الحديث.
توفّى سنة تسع وتسعين ومائة، وله أربع وثمانون سنة. رحمه الله تعالى.
***
١١٠٩ - عبد الله أبو العبّاس المأمون ابن الخليفة هارون الرّشيد،
ابن الخلفية محمد المهدىّ ابن الخليفة عبد الله أبى جعفر
المنصور بن محمد بن على بن عبد الله بن عبّاس
الهاشمىّ العبّاسىّ البغداذىّ (¬**)
أفضل خلفاء بنى العبّاس على الإطلاق.
стр. 1239
ذكره صاحب «النّجوم الزّاهرة»، وقال: كان نبيلا، قرأ القرآن فى صغره، وسمع من هشيم، وعبّاد بن العوّام، ويوسف بن أبى عطيّة، وأبى معاوية الضّرير، وطبقتهم، وبرع فى الفقه على مذهب أبى حنيفة، ﵁، والعربيّة، وأيّام النّاس، ولمّا كبر عنى بالفلسفة وعلوم الأوائل، ومهر فيها، فجرّه ذلك لقوله بخلق القرآن، وكان من رجال بنى العبّاس، حزما، وعزما، وعلما، وحلما، ورأيا/، ودهاء، وهيبة، وشجاعة، وسؤددا، وسماحة، لولا أنّه شان ذلك بقوله بخلق القرآن. انتهى.
أقول: قد تقدّم فى ترجمة ابن أبى دواد (١) ذكر شئ من أخبار المأمون وأوصافه على سبيل الاختصار، كنّا سقناه على سبيل الاستطراد، قبل أن اطّلعنا على كلام صاحب «النجوم الزاهرة» هذا، وأنّه كان حنفىّ المذهب، ولمّا علمنا ذلك وتحقّقناه، تعيّن علينا ذكره فى هذا المحلّ إجمالا وتفصيلا، فنقول، وبالله الإعانة، ومنه الهداية:
كانت ولادة المأمون، كما رواه الخطيب وغيره، سنة سبعين ومائة، فى الليلة التى ملك فيها أبوه هارون فى شهر ربيع الأوّل، وقد مات فى هذه الليلة خليفة، وولد خليفة، وولى خليفة، مات موسى، وولى الرشيد، وولد المأمون، وكثيرا ما يذكر المؤرّخون هذه الليلة فى غرائب الاتّفاق، وكان المأمون أبيض اللّون، ربعة، حسن الوجه، قد وخطه الشّيب، تعلوه صفرة، أعين، طويل اللّحية رقيقها، ضيّق الجبين، على خدّه خال، وكان ساقاه دون سائر جسده صفراوين، حتى كأنّهما طليتا بالزّعفران.
وعن اليزيدىّ، أنّه قال (٢): كنت أؤدّب المأمون، فأتيته يوما، فوجدته داخل المنزل، فوجّهت إليه بعض خدمه يعلمه بمكانى، فأبطأ علىّ، ثم وجّهت إليه آخر، فأبطأ وتأخّر، فلما خرج أمرت بحمله، فضربته سبع درر. قال: فإنّه ليدلك عينيه من البكاء، إذ قيل: هذا جعفر بن يحيى قد أقبل. فأخذ منديلا، فمسح عينيه من البكاء، وجمع ثيابه، وقام إلى فرشة، وقعد عليها متربّعا، ثم قال: ليدخل. فدخل فقمت من المجلس، وخفت أن يشكونى إليه، فألقى منه ما أكره. قال: فأقبل عليه بوجهه
стр. 1240
وحديثه حتى أضحكه، وضحك إليه، فلما همّ بالحركة، دعا بدابّته، وأمر غلمانه، فسعوا بين يديه، ثم سأل عنّى، فجئت، فقال: خذ علىّ ما بقى من جزئى. فقلت:
أيّها الأمير، أطال الله بقاك، لقد خفت أن تشكونى إلى جعفر بن يحيى، ولو فعلت ذلك لتنكّر لى. فقال: أترانى يا أبا محمد كنت أطلع الرّشيد على هذه، فكيف بجعفر ابن يحيى حتى أطلعه؟ إنّى أحتاج إلى أدب، إذا يغفر الله لك بعد ظنّك، ووجيب قلبك، خذ فى أمرك، فقد خطر ببالك ما لا تراه أبدا، ولو عدت فى كلّ يوم مائة مرّة.
وكانت ولايته الخلافة فى المحرّم، لخمس بقين منه، بعد مقتل أخيه، سنة ثمان وتسعين ومائة، فاستمرّ فى الخلافة عشرين سنة وخمسة أشهر.
قال ابن كثير، فى «تاريخه» (١): وقد بايع فى سنة إحدى ومائتين بولاية العهد من بعده لعلىّ الرّضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصّادق بن محمد الباقر بن علىّ زين العابدين ابن الحسين الشّهيد بن علىّ بن أبى طالب، رضى الله تعالى عنهم أجمعين، وخلع السّواد، ولبس الخضرة، كما قدّمنا، فأعظم ذلك العبّاسيّون من البغاددة وغيرهم، وخلعوا المأمون، وولّوا عليهم إبراهيم بن المهدىّ، ثم ظفر بهم المأمون، واستقام أمره فى الخلافة، وذلك بعد موت علىّ الرّضا بطوس، وعفا عن عمه إبراهيم بن المهدىّ.
قال: وروى الخطيب البغداذىّ (٢)، عن القاسم بن محمد بن عبّاد، قال: لم يحفظ القرآن أحد من الخلفاء غير عثمان بن عفان، والمأمون، وهذا غريب جدّا. قالوا: وكان يتلو فى شهر/رمضان ثلاثا وثلاثين ختمة.
وجلس يوما لإملاء الحديث، فاجتمع حوله القاضى يحيى بن أكتم، وجماعة، فأملى عليهم من حفظه ثلاثين حديثا.
وكانت له بصيرة بعلوم متعدّدة؛ من فقه، وطبّ، وشعر، وفرائض، وكلام، ونحو، وعربيّة، وغريب، وعلوم النّجوم، وإليه ينسب الزّيج المأمونىّ.
*وروى ابن عساكر (٣)، أنّ المأمون جلس يوما للناس، وفى مجلسه العلماء والأمراء، فجاءت امرأة تتظلّم إليه، فذكرت أنّ أخاها توفّى، وترك ستّمائة دينار، فلم يحصل لها سوى دينار واحد. فقال لها على البديهة: قد وصل إليك حقّك؛ لأنّ
стр. 1241
أخاك قد ترك بنتين، وأمّا، وزوجة، واثنى عشر أخا، وأختا، وهى أنت. قالت:
نعم، يا أمير المؤمنين. فقال: للبنتين الثّلثان، أربعمائة دينار، وللأمّ السّدس، مائة دينار، وللزّوجة الثّمن، خمسة وسبعون دينارا، يبقى خمسة وعشرون دينارا، لكلّ أخ ديناران، ولك دينار واحد. فتعجّب الناس من فطنته وسرعة جوابه.
وقد روينا هذه الحكاية أيضا عن على بن أبى طالب، رضى الله تعالى عنه، والله تعالى أعلم بحقيقة الحال.
ودخل [بعض] (١) الشّعراء على المأمون (٢)، وأنشده بيتا من شعره قاله فيه، وكان الشاعر يعجب به، فلم يقع من المأمون موقعا، ولا رفع له رأسا، فلما خرج من عنده لقيه شاعر آخر، فشكا له حاله، وعدم إقبال المأمون على شعره، فقال له: ما هو؟ فقال:
أضحى إمام الهدى المأمون مشتغلا … بالدّين والناس بالدّنيا مشاغيل
فقال له ذلك الشاعر: ما زدت على أن جعلته عجوزا فى محرابها، فى يدها سبحة، فمن يقوم بأمر الدّنيا إذا كان مشغولا عنها، وهو المطوّق بها، فهلا قلت كما قال جرير فى عبد العزيز بن الوليد، وهو (٣):
فلا هو فى الدّنيا مضيع نصيبه … ولا غرض الدّنيا عن الدّين شاغله
*وروى ابن عساكر (٤)، من طريق النّضر بن شميل، قال: دخلت على المأمون، فقال: كيف أصبحت يا نضر؟ قلت: بخير يا أمير المؤمنين. قال: ما الإرجاء؟ فقلت: دين يوافق الملوك، يصيبون به من دنياهم، وينقصون من دينهم. قال:
صدقت. ثم قال: يا نضر، أتدرى ما قلت فى صبيحة هذا اليوم؟ قلت: (٥) أنّى لى بعلم الغيب (٥). فقال (٦):
стр. 1242
أصبح دينى الذى أدين به … ولست منه الغداة معتذرا
حبّ علىّ بعد النّبىّ ولا … أشتم صدّيقنا ولا عمرا (١)
وابن عفّان فى الجنان مع الأب … رار ذاك القتيل مصطبرا
لا ولا أشتم الزّبير ولا … طلحة إن قال قائل غدرا
وعائش الأمّ لست أشتمها … من يفتريها فنحن منه برا
قال ابن كثير (٢): وهذا المذهب ثانى مراتب التّشيّع، وقبله تفضيل علىّ على عثمان، رضى الله تعالى عنهما، وقد قال بعض السّلف: من فضّل عليّا على عثمان، فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار. يعنى فى اجتهادهم ثلاثة أيّام، ثم اتّفقوا على/تقديم عثمان على علىّ بعد مقتل عمر، رضى الله تعالى عنه، وبعد ذلك ستّ عشرة مرتبة فى التّشيّع، على ما ذكره صاحب كتاب «البلاغ الأكبر، والنّاموس الأعظم»، تنتهى [به] (٣) إلى كفر الكفر.
قال (٤) -أعنى ابن كثير-: وقد روينا عن أمير المؤمنين علىّ بن أبى طالب، رضى الله تعالى عنه، أنّه قال: لا أوتى بأحد يفضّلنى على أبى بكر وعمر رضى الله تعالى عنهما، إلاّ جلدته حدّ (٥) المفترى. وتواتر عنه أنّه قال: خير الناس بعد رسول الله ﷺ أبو بكر، ثم عمر، رضى الله تعالى عنهما. ثم خالف المأمون فى محبّته مذهب الصّحابة كلّهم، حتى علىّ بن أبى طالب، رضى الله تعالى عنهم أجمعين.
قال: وقد أضاف المأمون إلى بدعته هذه التى أزرى فيها على المهاجرين والأنصار وخالفهم، تلك البدعة الأخرى، والطّامّة العظمى، وهى القول بخلق القرآن، مع ما فيه من الانهماك على تعاطى المسكر، وغير ذلك من الأفعال التى تعدّد فيها المنكر، ولكن كان فيه شهامة عظيمة، وقوة جسيمة، وله همّة فى القتال، وحصار الأعداء، ومصابرة الرّوم وحصرهم فى بلدانهم، وقتل فرسانهم، وأسر ذراريّهم وولدانهم.
وكان يقول (٦): معاوية بعمره، وعبد الملك بحجّاجه، وأنا بنفسى.
стр. 1243
وكان (١) يقصد العدل، ويتولّى بنفسه بين الناس الفصل، جاءته امرأة ضعيفة، فتظلّمت من العبّاس، وهو واقف على رأسه، فأمر الحاجب فأخذ بيده، فأجلسه معها بين يديه، فادّعت عليه أنّه أخذ ضيعة لها، واستحوذ عليها، فتناظرا ساعة، فجعل صوتها يعلو على صوته، فزجرها بعض الحاضرين، فقال له المأمون: اسكت فإنّ الحقّ أنطقها، والباطل أسكته. ثم حكم لها بحقّها، وألزم لها ولده بعشرة آلاف درهم.
وكتب إلى بعض الأمراء (١): ليس من المروءة أن يكون آنيتك من ذهب وفضّة، وغريمك عار، وجارك طاو.
ووقف رجل بين يديه، فقال له (٢): والله لأقتلنّك. فقال: يا أمير المؤمنين، تأنّ علىّ، فإنّ الرّفق نصف العفو. فقال: ويحك، كيف وقد حلفت لأقتلنّك؟ فقال:
يا أمير المؤمنين، لأن تلقى الله حانثا، خير من أن تلقاه قاتلا. فعفا عنه.
وكان يقول (١): ليت أهل الجرائم يعرفون مذهبى فى العفو، حتى يذهب الخوف عنهم، ويدخل السّرور على قلوبهم.
وحضر (٣) عنده هدبة بن خالد يوما، فتغدّى عنده، فلمّا رفعت المائدة، جعل هدبة يلتقط ما تناثر منها، فقال له المأمون: أما شبعت يا شيخ؟ فقال: بلى، ولكن حدّثنى حمّاد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس، أنّ رسول الله ﷺ قال: «من أكل ما (٤) تحت مائدته أمن من الفقر» (٥). قال: فأمر له المأمون بألف دينار.
وروى ابن عساكر (٦)، أنّ المأمون قال يوما لمحمد بن عبّاد بن المهلّب: يا أبا عبد الله، قد أعطيتك ألف ألف وألف ألف وألف ألف، وإنّ عليك دينا. فقال: يا أمير المؤمنين، إنّ منع الموجود، سوء ظنّ بالمعبود. فقال: أحسنت يا أبا عبد الله، أعطوه ألف ألف وألف ألف وألف ألف.
стр. 1244
ولمّا أراد المأمون (١) أن يدخل ببوران، بنت الحسن بن سهل، جعل الناس يهدون لأبيها/الأشياء النفيسة، وكان من جملة الناس رجل من الأدباء، فأهدى إليه مزودا فيه ملح طيّب، ومزودا فيه أشنان جيّد، وكتب إليه: إنّى كرهت أن تطوى صحيفة أهل البرّ ولا ذكر لى فيها، فوجّهت إليك بالمبتدإ به؛ ليمنه وبركته، وبالمختوم به، لطيبه ونظافته، وكتب إليه:
بضاعتى تقصر عن همّتى … وهمّتى تقصر عن مالى
والملح والأشنان يا سيّدى … أحسن ما يهديه أمثالى
قال: فدخل بهما الحسن بن سهل على المأمون، فأعجبه ذلك، وأمر بالمزودين، ففرّغا وملئا دنانير، وبعث بهما إلى ذلك الأديب.
وولد للمأمون ابنه جعفر (٢)، وبه كان يكنى، فدخل عليه الناس يهنّونه بصنوف التّهانى، ودخل فى جملتهم بعض الشعراء (٣)، وأنشده قوله:
مدّ لك الله الحياة مدّا … حتى يريك ابنك هذا جدّا
ثمّ يفدّى مثلما تفدّى … كأنّه أنت إذا تبدّى
أشبه منك قامة وقدّا … مؤزّرا بمجده مردّى
فأمر له بعشرة آلاف درهم.
وقدم عليه، وهو بدمشق (٤)، مال جزيل بعد ما كان قد أفلس، وشكا إلى أخيه المعتصم ذلك، فورد عليه خزائن من خراسان فيها ثلاثون ألف ألف، فخرج يستعرضها، وقد زيّنت الجمال والإجمال، ومعه يحيى بن أكتم (٥) القاضى، فلما دخلت البلد، قال: ليس من المروءة أن نحوز هذا كلّه والناس ينظرون. ثم فرّق منه أربعة وعشرين ألف ألف درهم، ورجله فى الركاب، لم ينزل عن فرسه.
ومن لطيف شعره (٦):
стр. 1245
لسانى كتوم لأسراركم … ودمعى نموم بسرّى مذيع (١)
فلولا دموعى كتمت الهوى … ولولا الهوى لم يكن لى دموع
وقد بعث خادما له (٢) ليلة من الليالى، ليأتيه بجارية كان يهواها، فأطال عندها المكث، وتمنّعت الجارية من المجئ إليه حتى يأتى إليها بنفسه، فأنشأ المأمون يقول (٣):
بعثتك مشتاقا ففزت بنظرة … وأغفلتنى حتى أسأت بك الظّنّا
وناجيت من أهوى فكنت مقرّبا … فيا ليت شعرى عن دنوّك ما أغنى (٤)
وردّدت طرفا فى محاسن وجهها … ومتّعت باستمتاع نغمنها أذنا (٥)
أرى أثرا فى صحن خدّك لم يكن … لقد سرقت عيناك من حسنها حسنا (٦)
ولمّا ابتدع المأمون (٧) ما ابتدع من التّشيّع والاعتزال، فرح بذلك بشر المريسىّ، وكان شيخا للمأمون فى ذلك، وأنشد:
قد قال مولى الورى وسيّدنا … قولا له فى الكتاب تصديق (٨)
إنّ عليّا أعنى أبا حسن … أفضل من أرقلت به النّوق (٩)
/بعد نبىّ الهدى وإنّ لنا … أعمالنا والقرآن مخلوق
فأجابه بعض الشعراء من أهل السّنّة، فقال:
يا أيّها الناس لا قول ولا عمل … لمن يقول كلام الله مخلوق
ما قال ذاك أبو بكر ولا عمر … ولا النّبىّ ولم يذكره صدّيق
стр. 1246
ولم يقل ذاك إلاّ كلّ مبتدع … على الإله وعند الله زنديق
أصيح يا قوم عقلا من خليفتكم … يمسى ويصبح فى الأغلال موثوق (١)
وقد سأل بشر من المأمون أن يطلب قائل هذه الأبيات، فيؤدّبه على ذلك، فقال له: ويحك، لو كان فقيها لأدّبته، ولكنّه شاعر، فلست أعرض له.
ولمّا تجهّز المأمون للغزو (٢)، فى آخر سفرة سافرها إلى طرسوس، استدعى بجارية كان يحبّها، وقد اشتراها فى آخر عمره، فضمّها إليه، فبكت الجارية، وقالت: قتلتنى يا أمير المؤمنين بسفرك هذا. ثم أنشأت تقول:
سأدعو دعوة المضطرّ ربّا … يثيب على الدّعاء ويستجيب
لعلّ الله أن يكفيك حربا … ويجمعنا كما تهوى القلوب
فضمّها إليه، ثم أنشأ متمثّلا يقول:
فيا حسنها إذ يغسل الدّمع كحلها … وإذ هى تذرى الدّمع منها الأنامل
صبيحة قالت فى العتاب قتلتنى … وقتلى بما قالت هناك تحاول
ثم أمر الخادم (٣): مروا بالإحسان إليها، والاحتفاظ عليها حتى يرجع، ثم قال: نحن كما قال الأخطل (٤):
قوم إذا حاربوا شدّوا مآزرهم … دون النّساء ولو باتت بأطهار
ثم ودّعها وسافر (٥)، فمرضت الجارية فى غيبته، ومات المأمون أيضا.
وقيل: إنّه لمّا مات جاء نعيّه إليها، تنفّست الصّعداء، وحضرها الموت، وأنشأت تقول، وهى فى السّياق:
إنّ الزّمان سقانا من مرارته … بعد الحلاوة أنفاسا فأروانا
أبدى لنا تارة منه فأضحكنا … ثم انثنى تارة أخرى فأبكانا
стр. 1247
إنّا إلى الله فيما لا يزال لنا … من القضاء ومن تلوين دنيانا
دنيا نراها ترينا من تصرّمها … ما لا يدوم مصافاة وأحزانا
ونحن فيها كأنّا لا يزايلنا … عيش فأحياؤنا يبكون موتانا
وروى الخطيب فى «تاريخه» (١): أن هارون الرّشيد كان له جارية غلاميّة، تصبّ على يده، وتقف على رأسه، وكان المأمون يعجب بها وهو أمرد، فبينا هى تصبّ على هارون من إبريق معها، فأشار إليها المأمون بقبلة، فزبرته بحاجبها، وأبطأت عن الصّبّ، فنظر إليها هارون، فقال: ما هذا؟ فتلكّأت عليه-ضعى ما معك، علىّ كذا إن لم تخبرينى لأقتلنّك. فقالت: أشار إلىّ عبد الله بقبلة، فالتفت إليه، وإذا هو قد نزل به من الحياء والرّعب/ما رحمه منه، فاعتنقه، وقال: أتحبّها؟ قال: نعم، يا أمير المؤمنين. فقال: قم فاخل بها فى تلك القبّة. فقام ففعل، فقال له هارون: قل فى هذا شعرا. فأنشأ يقول:
ظبى كنيت بطرفى … عن الضّمير إليه
قبّلته من بعيد … فاعتلّ من شفتيه
وردّ أخبث ردّ … بالكسر من حاجبيه
فما برحت مكانى … حتى قدرت عليه
وعن ابن أبى دواد، أنّه قال (٢): دخل رجل من الخوارج على المأمون، فقال: ما حملك على خلافنا؟ قال: آية فى كتاب الله تعالى. قال: وما هى؟ قال: قوله تعالى ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ﴾ (٣). فقال له المأمون: ألك علم بأنّها منزّلة؟ قال: نعم. قال: وما دليلك؟ قال: إجماع الأمّة. قال: فكما رضيت بإجماعهم فى التّنزيل، فارض بإجماعهم فى التّأويل. قال: صدقت يا أمير المؤمنين.
وكان المأمون يقول (٢): غلبة الحجّة أحبّ إلىّ من غلبة القدرة؛ لأنّ غلبة القدرة تزول بزوالها، وغلبة الحجّة لا يزيلها شئ.
ومن مكارم أخلاقه (٤)، ما حكاه يحيى بن أكتم، قال: بتّ ليلة عند المأمون،
стр. 1248
فعطشت فى جوف الليل، فقمت لأشرب ماء، فرآنى المأمون، فقال: مالك ليس تنام يا يحيى؟ قلت: يا أمير المؤمنين، أنا والله عطشان. قال: ارجع إلى موضعك. فقام والله إلى البرّادة، فجاءنى بكوز ماء، وقام على رأسى، فقال: اشرب يا يحيى. فقلت:
يا أمير المؤمنين، هلاّ وصيف أو وصيفة يقوم بذلك؟ فقال: إنّهم نيام. قلت: فأنا كنت أقوم للشّرب. فقال لى: لؤم بالرجل أن يستخدم ضيفه. ثم قال: يا يحيى.
فقلت: لبّيك يا أمير المؤمنين. قال: ألا أحدّثك؟ قلت: بلى يا أمير المؤمنين. قال:
حدّثنى الرشيد، قال: حدّثنى المهدىّ، قال: حدّثنى المنصور، عن أبيه، عن عكرمة، عن ابن عبّاس، قال: حدّثنى جرير بن عبد الله، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «سيّد القوم خادمهم» (١).
وعن يحيى أيضا (٢): ما رأيت أكرم من المأمون، بتّ عنده ليلة، فعطش، وقد نمنا، فكره أن يصيح بالغلمان، فانتبه وكنت منتبها، فرأيته قد قام يمشى قليلا قليلا إلى البرّادة، وبينه وبينها بعد، حتى شرب ورجع. قال يحيى: ثم بتّ عنده ونحن بالشام، وما معى أحد، فلم يجئنى (٣) النوم، فأخذ المأمون سعال، فرأيته يسدّ فاه بكمّ قميصه كى لا أنتبه، ثم حملنى آخر الليل النّوم، وكان له وقت يقوم فيه يستاك، فكره أن ينبّهنى، فلمّا ضاق الوقت عليه تحرّكت، فقال: الله أكبر، يا غلمان، نعل أبى محمد.
وقال يحيى أيضا (٤)، كنت أمشى يوما مع المأمون فى بستان موسى، فى ميدان البستان، والشمس علىّ، وهو فى الظّلّ، فلمّا رجعنا قال لى: كن الآن أنت فى الظّلّ.
فأبيت عليه، فقال: أوّل العدل أن يعدل الملك فى بطانته، ثم الذين يلونهم، حتى يبلغ إلى الطبقة السّفلى.
وعن عبد الله بن محمود المروزىّ، قال (٤): سمعت يحيى بن أكتم القاضى يقول:
ما رأيت أكمل آلة من المأمون. وجعل يحدّث بأشياء/استحسنها من كان فى مجلسه، ثم قال: كنت عنده ليلة أذاكره، ثم نام وانتبه، فقال: يا يحيى، انظر أيش تحت رجلى.
فنظرت فلم أر شيئا، فقال: شمعة. فتبادر الفرّاشون، فقال: انظروا. فنظروا، فإذا
стр. 1249
تحت فراشه حيّة بطوله، فقتلوها، فقلت: قد انضاف إلى كمال أمير المؤمنين علم الغيب.
فقال: معاذ الله، ولكن هتف بى هاتف السّاعة وأنا نائم، فقال:
يا راقد الليل انتبه … إنّ الخطوب لها سرى
ثقة الفتى بزمانه … ثقة محلّلة العرى
وعلمت أنّه قد حدث أمر، إمّا قريب، وإمّا بعيد، فتأمّلت ما قرب، فكان ما رأيت.
***
١١١٠ - عبد الله بن يوسف بن محمد الزّيلعىّ،
جمال الدّين، أبو محمد (¬*)
اشتغل، وسمع من أصحاب النّجيب، وأخذ عن الفخر الزّيلعىّ شارح «الكنز»، وعن القاضى علاء الدّين ابن التّركمانىّ، وغيرهما، ولازم مطالعته كتب الحديث، إلى أن خرّج أحاديث «الهداية»، وأحاديث «الكشّاف»، فاستوعب ذلك استيعابا بالغا.
ومات بالقاهرة، فى المحرّم سنة اثنتين وسبعمائة.
قال فى «الدّرر»: ذكر لنا شيخنا العراقىّ، أنّه كان يوافقه فى مطالعة الكتب الحديثيّة، لتخريج أحاديث «الإحياء»، والأحاديث التى يشير إليها التّرمذىّ فى الأبواب، والزّيلعىّ لتخريج أحاديث «الهداية»، و «الكشّاف»، فكان كلّ منهما يعين الآخر، ومن كتاب الزّيلعىّ فى تخريج أحاديث «الهداية» استمداد الزّركشىّ فى كثير ممّا كتبه من تخريج أحاديث «الرّافعىّ».
قال ابن العديم: ومن خطّه نقلت: شاهدت بخطّ شيخ الإسلام، حافظ الوقت، شهاب الدّين أبى الفضل أحمد ابن حجر العسقلانىّ، ما صورته. فذكر غالب ما نقلناه هنا من «الدّرر»، ومنه: حتى جمع تخريج أحاديث «الهداية»، فاستوعب فيه ما ذكره من الأحاديث والآثار فى الأصل، وما أشار إليه إشارة، ثم اعتمد فى كلّ باب أن يذكر أدلّة المخالفين، ثم هو فى ذلك كثير الإنصاف، يحكى ما وجده من
стр. 1250
غير اعتراض ولا تعقّب غالبا، فكثر إقبال الطّوائف عليه، واستوعب أيضا فى تخريج أحاديث «الكشّاف» ما فيه من الأحاديث المرفوعة خاصّة، فأكثر من تبيين طرقها، وتسمية مخرّجها، على نمط ما فى أحاديث «الهداية»، لكنّه فاته كثير من الأحاديث المرفوعة، التى يذكرها الزّمخشرىّ بطريق الإشارة، ولم يتعرّض غالبا لشئ من الآثار الموقوفة، ورأيت بخطّه كثيرا من الفوائد مفرّقا. انتهى.
***
١١١١ - عبد الله بن يوسف بن أحمد بن الحسين بن سليمان
ابن فزارة بن بدر الدّين بن محمد بن يوسف، أبو الفتح ابن قاضى
القضاة جمال الدين أبى المحاسن ابن قاضى القضاة شرف
الدين، المعروف بابن الكفرىّ (¬*)
ولد بدمشق وسمع جماعة من علمائها، وتفقّه بوالده وغيره، وبرع فى الفقه، والأصول، والعربيّة، وغير ذلك.
وتولّى قضاء الحنفيّة بدمشق، هو، وأبوه، وجدّه، وأخوه زين العابدين عبد الرحمن، المكنّى بأبى هريرة.
/وكان مشكور السّيرة، محمود الطريقة فى أحكامه، وكان من بيت علم وفضل ورئاسة.
مات فى ذى الحجة، سنة ثلاث وثمانمائة. رحمه الله تعالى.
***
١١١٢ - عبد الله بن يونس الأرمنىّ
وقال بعضهم: الأرموىّ (¬**)
الشيخ الزاهد، القدوة، نزيل سفح قاسيون.
стр. 1251
ذكره الذّهبىّ فى «تاريخ الإسلام» وغيره، وأثنى عليه، وقال: إنّه حفظ القرآن العظيم، و «كتاب القدورىّ»، وجال فى البلاد، ولقى الصّلحاء والزّهّاد، ووقع برجل من الأولياء؛ فدلّه على الطريق إلى الله تعالى، وصار صاحب أحوال ومجاهدات، وكان سمحا، لطيفا، متعفّفا، مطّرح التّكلّف، ساح مدّة، وبقى يتقنّع بالمباحات، وكان متواضعا، سيّدا كبير القدر، له أصحاب ومريدون، ولا يكاد يمشى إلاّ وحده، ويشترى الحاجة بنفسه ويحملها.
وقد طوّل أبو المظفّر ابن الجوزىّ ترجمته.
وكانت وفاته فى التاسع والعشرين من شوّال، سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة، وكانت له جنازة مشهورة، وزاويته مطلّة على مقبرة الشيخ الموفّق. رحمه الله تعالى.
***
١١١٣ - عبد الله الأماسىّ (¬*)
أحد فضلاء الدّيار الرّوميّة ومدرّسيها، وولى تدريس مدرسة السّلطان بايزيد خان بمدنية أماسية. ومات وهو مدرّس بها.
وكان من عباد الله الصالحين، والعلماء العاملين، مفنّنا فى أكثر العلوم، مقبلا على العبادة، غير ملتفت إلى أحوال الدنيا، تغمّده الله تعالى برحمته.
***
١١١٤ - عبد الله، الجمال، الأردبيلىّ (¬**)
أحد الفضلاء.
أعاد، ودرّس.
ومات سنة تسع وستين وثمانمائة.
وكان رجلا فاضلا. رحمه الله تعالى.
***
стр. 1252
١١١٥ - عبد الله، جمال الدين، الحصرىّ، الحنفىّ
الشيخ، العالم، الفاضل.
توفّى سنة سبع وتسعين وثمانمائة. تغمّده الله تعالى برحمته.
كذا ذكره ابن الحمصىّ (١)، من غير زيادة.
***
١١١٦ - عبد الله بن الصّيرفىّ (¬*)
***
١١١٧ - عبد الله الصّفّار (¬**)
***
١١١٨ - عبد الله الفلاّس (¬***)
كذا ذكره فى «القنية».
*وقال: الدّم الذى ليس بمسفوح طاهر.
كذا ذكره، وذكر اللّذين قبله، صاحب «الجواهر»، من غير زيادة.
***
стр. 1253
فصل فى من اسمه عبد الباسط وعبد الباقى
١١١٩ - عبد الباسط بن خليل بن شاهين
الملطىّ، ثم القاهرىّ (¬*)
نزيل الشّيخونيّة.
ولد فى رجب، سنة أربع وأربعين وثمانمائة، بملطية، ونشأ بها، وقدم دمشق، وقرأ بها القرآن الكريم ببعض القراءات، ثم حفظ «منظومة النّسفىّ»، و «الكنز»، ونصف «المجمع»، وحضر دروس الشيخ قوام الدّين، والشيخ حميد الدّين النّعمانىّ، وغيرهما، وقرأ على جماعة من فضلاء الرّوم؛ منهم: المولى علاء الدين قاضى العسكر، وغيره، وقدم إلى مصر، ولازم النّجم القرمىّ فى العربيّة والمعانى والبيان، وأخذ عن الشّرف يونس الرّومىّ، نزيل الشّيخونيّة، علم الكلام، والمنطق والحكمة. وأخذ كثيرا عن الكافيجىّ (١)، وحضر دروسه فى علوم جمّة، وكتب جليلة. وأجاز له/ الشّمنّىّ، وابن الدّيرىّ، وآخرون. ورحل إلى المغرب، وقرأ هناك فى النحو، والكلام، والطبّ، وأتقنه غاية الإتقان. وبرع فى كثير من الفنون، وشارك فى الفضائل. وألّف، ونظم، ونثر. وكان إنسانا حسنا، رحمه الله تعالى.
***
١١٢٠ - عبد الباقى بن إسماعيل بن محمود بن
عبد الباقى، أبو المظفّر، القرشىّ، العبّاسىّ،
الواسطىّ المولد، البغداذىّ المنشأ (¬**)
تفقّه، وسمع، وحدّث.
وأنشد من روايته للحافظ أبى الفرج عبد الرحمن بن على البغداذىّ، ببغداذ، قوله (٢).
يا حبيب القلب قل لى … هل ترى ترحم ذلّى
стр. 1254
أم ترى تفكّ قيدى … أم ترى تفتح غلّى (١)
قد صدا قلبى بهجرك … فاجله لى بالتّجلّى
واشتر النّفس فهذا … موسم العمر مولّى (٢)
أنت حجّى واعتمارى … أنت إحرامى وحلّى
***
١١٢١ - عبد الباقى بن المولى العلاّمة على العربىّ (¬*)
الآتى ذكره فى محلّه.
كان من فضلاء القضاة، اشتغل، وحصّل، وصار مدرّسا بإحدى الثّمان وغيرها، وولى قضاء حلب، فى سنة إحدى وخمسين وتسعمائة. وجاء فى تاريخ ولايته «قاضى حلب». وهو من غريب الاتّفاق، ثم قضاء مكة، ثم عزل، ثم ولى قضاء بروسة، ثم قضاء مصر، ولم تحمد فيها سيرته، وهجاه الفارضىّ وغيره، ثم عزل، وأقام مدّة معزولا، ثم ولى قضاء مكة مرّة ثانية، ثم عزل، وسافر إلى الدّيار الرّوميّة، ولم يزل معزولا إلى أن توفّى بالطّاعون (٣)، وهو فى سنّ الثّمانين أو قاربها (٤). رحمه الله تعالى.
***
١١٢٢ - عبد الباقى بن قانع بن مرزوق بن واثق،
أبو الحسين، الحافظ، الأموىّ مولاهم (¬**)
قال الدّارقطنىّ: كان يحفظ ويعلم، إلا إنه كان يخطئ ويصرّ على الخطأ.
стр. 1255
وله خصوصيّة بأبى بكر الرّازىّ، وأكثر أبو بكر فى الرّواية عنه، فى «أحكام القراءات» (١).
قال البرقانىّ: رأيت البغداذيّين يوثّقونه، وهو عندنا ضعيف.
قال الخطيب: لا أدرى لأىّ شئ ضعّفه البرقانىّ، وقد كان عبد الباقى من أهل العلم والدّراية والفهم، ورأيت عامّة شيوخنا يوثّقونه، وقد كان تغيّر فى آخر عمره، انتهى.
وقال أبو الحسين ابن الفرات: حدث به اختلاط قبل موته بسنتين.
وتوفّى لسبع خلون من شوّال، فى سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة، وله ستّ وثمانون سنة. رحمه الله تعالى. وقد تقدّم أخوه أحمد (٢).
***
١١٢٣ - عبد الباقى بن يوسف النّريزىّ (¬*)
بفتح النّون وكسر الرّاء وسكون الياء تحتها نقطتان وفى آخرها زاى، نسبة إلى نريز، قرية من قرى أذربيجان.
قال السّمعانىّ: ينسب إليها الإمام أبو تراب عبد الباقى بن يوسف النّريزىّ المراغىّ.
كان من الأئمّة المتقنين، والفضلاء المبرّزين، مع ورع وزهد.
انتقل إلى نيسابور وسكنها. وولى الإمامة والتّدريس بمسجد عقيل.
روى عن عبد الله المحاملىّ، وأبى القاسم بن بشران، وغيرهما. وروى عنه أبو البركات ابن الفراوىّ، وأبو منصور الشّحّامىّ، وغيرهما.
وتوفّى سنة إحدى وتسعين وأربعمائة./رحمه الله تعالى.
***
стр. 1256
١١٢٤ - عبد البرّ بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد-
أربع محمّدين-بن محمود، أبو البركات بن المحبّ أبى الفضل
ابن المحبّ أبى الوليد الحلبىّ، ثم القاهرىّ، ويعرف
كسلفه بابن الشّحنة (¬*)
ولد فى تاسع ذى القعدة سنة إحدى وخمسين وثمانمائة بحلب، وانتقل منها صحبة أبيه إلى القاهرة، وحفظ القرآن الكريم، وكتبا من مختصرات العلوم. وسمع ببيت المقدس جمال الدّين ابن جماعة، شيخ الصّالحيّة، والحافظ القلقشندىّ، وغيرهما. وسمع بمصر جماعة من الحفّاظ. وأخذ فى الفقه عن العلاّمة قاسم بن قطلوبغا، والشّمنّىّ، والكافيجىّ، وغيرهم.
وأجيز بالإفتاء والتّدريس، وأفتى، ودرّس، وناب فى القضاء، وحجّ مع والده.
وله النّظم والنّثر. وقد أورد له السّخاوىّ، فى «الضّوء اللاّمع» من الشّعر قوله (١):
أأنصار الشّريعة لم تراعوا … سيفنى الله قوما ملحدينا
ويخزيهم وينصركم عليهم … ويشف صدور قوم مؤمنينا
قال السّخاوىّ: وهو-يعنى هذا الشّعر-عندى بخطّه.
والذى يظهر من كلام السّخاوىّ فى ترجمة عبد البرّ هذا، أنّه كان من المتحاملين عليه، المتعصّبين الكبار فى إظهار مساويه، وإخفاء محاسنه، كما هو دأبه فى حقّ أكثر العصريّين له، سامحه الله تعالى.
ومن شعره الذى نسبه إليه فى «الضّوء اللاّمع» أيضا، قوله فى هجو البقاعىّ (١):
إنّ البقاعىّ البذي لفحشه … ولكذبه ومحاله وعقوقه
لو قال إنّ الشمس تظهر فى السّما … وقفت ذوو الألباب عن تصديقه
والظّاهر أنّه هو الذى هجاه السّلمونىّ (٢) الشاعر المشهور، بالقصيدة المشهورة.
*وما زالت الأشراف تهجى وتمدح*
стр. 1257
وأوّل القصيدة:
فشا الزّور فى مصر وفى جنباتها … ولم لا وعبد البرّ قاضى قضاتها
ومنها أيضا قوله:
فلو أمكنته كعبة الله باعها … وأبطل منها الحجّ مع عمراتها
إلى أن قال:
وإسلام عبد البرّ ليس يرى سوى … بعمّته والكفر فى سنماتها
ولقد أفحش السّلمونىّ فى هجوه، وكوى فأنضج، والله تعالى يسامحه.
***
стр. 1258
فصل فى من اسمه عبد الجبّار، وعبد الجليل
١١٢٥ - عبد الجبّار بن أحمد بن أحمد بن الحسن بن محمد،
ابن اليمان بن الفتح، أبو يعلى بن أبى عبد الله الدّينارىّ الفقيه (¬*)
قال ابن النّجّار: كانت ولادته سنة تسع وخمسين وثلاثمائة.
وقال أبو سعد محمد بن الحسين، فى كتاب «أخبار الشعراء» (١): فيه فضائل، من درس القرآن وتأويله، والمعرفة بالفقه، ورواية الأخبار، وحفظ الأشعار. وكان يميل إلى مذهب أبى حنيفة، ويعتمد على أكثر أقواله، إلاّ أنّه كان يتخيّر أقوال الفقهاء، وينحو نحو الاعتزال. سامحه الله تعالى.
***
١١٢٦ - / عبد الجبّار بن أحمد، الملقّب زين الدّين (¬**)
مفتى مازندان.
وله كتاب «الخلاصة» فى الفرائض، مجلّد ضخم، أبدع فيه. وكان موجودا فى حدود الخمسمائة.
وتفقّه على أحمد بن محمد اللاّرزىّ (٢).
*قال عبد الجبّار: سألت ببغداذ إماما، عن معنى قول الفرضىّ فى مسألة: بنت وبنت ابن: للبنت النّصف، ولبنت الابن السّدس تكملة الثّلثين. ما معنى تكملة الثلثين؟
فقال: لأجل لفظ الخبر، وهو ما روى عن رسول الله ﷺ ، أنّه سئل عن بنت وبنت ابن، فقال النّبىّ ﷺ : «فاجعلوا لبنت الابن فضل ما بينهما، تكملة الثّلثين».
وهكذا عن ابن مسعود، رضى الله تعالى عنه، هذا الخبر (٣).
***
стр. 1259
١١٢٧ - عبد الجبّار بن نعمان المعتزلىّ (¬*)
أحد خواصّ تيمور، الذين طافوا معه البلاد، وأهلكوا العباد، وأظهروا الظّلم والفساد.
ذكره القاضى علاء الدين، فى «تاريخ حلب»، وقال: اجتمعت به، فوجدته ذكيّا فاضلا، وسألته عن مولده، فقال: يكون لى نحو الأربعين. وتكلّم مع علماء حلب بحضرة اللّنك، وكان معظّما عنده.
قال: ورأيت «شرح الهداية» لأكمل الدّين، وقد طالعه عبد الجبار المذكور، وعلّم على مواضع منه، ذكر أنّها غلط.
وذكره ابن المبرد، فى «الرياض»، وقال: كان له معرفة بالفقه، والعلوم العقليّة، وكان يمتحن العلماء ويناظرهم بين يدى اللّنك، وهو من قلّة الدّين على جانب كبير، توفى سنة ثمان وثمانمائة.
وذكره ابن عرب شاه، فى «كتابه المتضمّن لأخبار تيمور»، وقال فى فصل منه: وهذا الرجل، أعنى عبد الجبّار، كان عالم تيمور وإمامه، وممّن يخوض فى دماء المسلمين أمامه، وكان عالما فاضلا، فقيها كاملا، بحّاثا محقّقا، أصوليّا جدليّا مدقّقا.
وأبوه النّعمان، فى سمرقند كان، وهو فى الفروع من أعلم أهل الزّمان، حتى كان يقال له: النّعمان الثانى، وكان من القائلين بعدم الرّؤية فى الأخرى، فأعمى الله تعالى بصره كبصيرته فى الدنيا، وأكثر علماء عصره بما وراء النّهر، قرأ عليه الفروع، ونقل عنه مسائل المشروع، ولا خلاف فى الفروع بين أهل السّنّة والاعتزال، وإنّما اختلافهم فى أصول الدّين فى مسائل معدودة، سلكوا فيها سبيل الضّلال. انتهى.
***
стр. 1260
١١٢٨ - عبد الجبّار بن عبد الكريم الخوارىّ (¬*)
أصله من الرّىّ، وتفقّه بأصبهان على الخطيبىّ قاضى أصبهان.
سمع الحديث.
وذكره السّلفىّ فى «معجم شيوخه»، وذكر أنّه لقيه ببغداذ، ولم يكن عنده أصل فيه سماعه يرجع إليه، وأخرج عنه حكاية. وذكر أنّه استوطن الكوفة، وولى الحسبة بها. كذا فى «الجواهر».
***
١١٢٩ - عبد الجبّار بن علىّ الخوارىّ (¬**)
تفقّه بأصبهان على قاضيها أبى الحسن الخطيبىّ (١).
وورد بغداذ، فتفقّه على قاضى القضاة أبى عبد الله الدّامغانىّ.
وبنى ختلغ (٢) أمير الحاجّ مدرسة عند قبر يونس ﵊، ورتّبه للتّدريس بها، وأجرى عليه وعلى أصحابه جراية.
قال الهمذانىّ: وكان صالحا، متديّنا.
هكذا ذكره فى: «الطّبقات» له. قال فى «الجواهر» بعد نقله ما هنا: ولا أدرى أهو الذى قبله أم لا؟ والله تعالى أعلم.
***
١١٣٠ - / عبد الجبّار (¬***)
والد أبى عاصم الإمام.
стр. 1261
قال فى «الجواهر»: يأتى له زيادة ترجمة عند ذكر ابنه أبى عاصم فى الكنى. والحال أنّه لم يذكره فى الكنى، لا هو، ولا ابنه (١).
***
١١٣١ - عبد الجبّار (¬*)
أحد من عزا إليه صاحب «القنية».
قال فى «الجواهر»: لا أدرى أهو أحد المذكورين قبله أم غيرهما (٢).
*حكى عنه فى «القنية»: لو زنى بامرأة تحرم عليه بنتها من الرّضاع. وهى منصوصة. انتهى.
***
١١٣٢ - عبد الجليل بن عبد الله بن على بن صائن (¬**)
تقدّم نسبة فى ترجمة أبيه (٣).
قال ابن النّجّار: قدم علينا بغداذ مع والده، وهو صبىّ، وسمع معنا من أصحاب أبى الحصين، وأبى غالب ابن البنّاء، وغيرهم، وسمعنا منه ومن أبيه شيئا.
وكان ذكيّا فاضلا، له معرفة بالفقه والأدب، حسن الطّريقة، كامل العقل.
وكان مولده، كما ذكر أبوه، فى يوم الاثنين، ثامن ذى القعدة، سنة ثمان وخمسمائة، بسمرقند.
قال ابن النّجّار: وبلغنى فى سنة إحدى وثلاثين وستّمائة، أنّه فى سمرقند، يفتى ويدرّس. والله تعالى أعلم.
***
١١٣٣ - عبد الحليم بن محمد بن نور الله،
المعروف هو ووالده بأخى زاده (¬***)
وسبب اشتهارهما بذلك (٤).
стр. 1262
وهو ممّن يشار بالأنامل إليه، وتعقد الخناصر عليه، ما ترك علما من العلوم إلاّ وصار فيه ذا باع طويل، وحظّ جزيل، قلّما يمضى له وقت من الأوقات بغير اشتغال، أو مناظرة رجال، أو بلوغ آمال، لا يشغله عن تحصيل العلوم وإفادتها واستفادتها منصب من المناصب، ولا مكسب من المكاسب، ولا يحتقر أحدا من الأفاضل.
انتهى.
***
١١٣٤ - عبد الحميد بن عبد الرحمن الكوفىّ، الحمّانىّ (¬*)
وحمّان من تميم.
سمع أبا حنيفة، رضى الله تعالى عنه، والأعمش، والثّورىّ.
قال عبد الحميد: سمعت أبا حنيفة يحكى عن حمّاد، قال: بشّرت إبراهيم النّخعىّ بموت الحجّاج، فسجد. قال حمّاد: ما كنت أرى أحدا يبكى من الفرح، حتى رأيت إبراهيم بكى من الفرح.
وثّقه يحيى بن معين.
ومات سنة عشرين ومائتين.
وروى له البخارىّ.
*وحكى عن أبى حنيفة، قال: فيؤه الجماع (١)، إلا أن يكون له عذر. وحكاه عن حمّاد، عن إبراهيم.
***
стр. 1263
١١٣٥ - عبد الحميد بن عبد الرحمن بن أحمد
العبدانىّ، أبو القاسم المعروف بخواهرزاده (¬*)
ابن أخت القاضى أبى الحسن على بن الحسين (١) الدّهقان.
تفقّه على خاله المذكور. وسمع الحديث منه، ومن أبى محمد مكّىّ بن عبد الرزّاق.
قال السّمعانىّ: كان إماما، فاضلا، عالما.
ويأتى ابنه محمد بن عبد الحميد فى محلّه، إن شاء الله تعالى.
***
١١٣٦ - عبد الحميد بن عبد الرحمن بن الحسين،
أبو الحسين القاضى النّيسابورىّ (¬**)
قال الخطيب، فى «تاريخه»، ذكر ابن الثّلاّج أنّه قدم بغداذ حاجّا، فى سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة. وحدّثهم عن حمدويه، وحاتم بن محبوب، المروزيّين.
***
١١٣٧ - عبد الحميد بن عبد الرحيم بن على بن عثمان
ابن إبراهيم بن مصطفى بن سليمان الماردانىّ ثم المصرىّ،
المعروف بابن التّركمانىّ، المحدّث، حميد الدين،
أبو الثّناء بن جمال الدين/بن قاضى القضاة
علاء الدين بن العلاّمة فخر الدين (¬***)
ولد فى شهر رمضان، سنة خمس وأربعين وسبعمائة.
وأسمع من مشايخ عصره، وطلب الحديث بنفسه، وسمع من جماعة كثيرة، وأجاز
стр. 1264
له الذّهبىّ وغيره، وكتّب الطّباق، ولازم البرهان القيراطىّ، وكتب عنه أكثر شعره.
وكان أوّلا كثير الوظائف، ثم نزل عنها شيئا فشيئا إلى أن افتقر، وساءت حاله، وهو مع ذلك عزيز النّفس، لا يتردّد إلى القضاة، ولا أرباب الدّول؛ لأجل دنياهم، وقد أحسن إليه الجلال البلقينىّ إحسانا كثيرا، فما توجّه إلى بابه أصلا، وكان يتكسّب بالنّسخ، وكان خطّه كثير السّقم، بغير نقط ولا شكل، لسرعة يده فى الكتابة، وكان قد رأس فى الناس مدّة، ثم انحطّت مرتبته، ومات مقلاّ جدّا، وكان شديد المحبّة للحديث وأهله، وأضرّ بأخرة، ومات فى الطّاعون، سنة تسع عشرة وثمانمائة، بالقاهرة. رحمه الله تعالى.
***
١١٣٨ - عبد الحميد بن عبد العزيز، أبو خازم (¬*)
بالخاء المعجمة والزّاى.
القاضى، الإمام، العالم، العامل، البصرىّ الأصل، البغداذىّ.
أحد قضاة الدّيار الشّاميّة، وغيرها.
حدّث عن محمد بن بشّار وغيره.
وروى عنه مكرّم بن أحمد القاضى، وغيره.
وكان ثقة. وولى القضاء بالشّام، والكوفة، والكرخ من مدينة السّلام.
روى أن عبيد الله بن سليمان خاطبه فى بيع ضيعة ليتيم تجاور بعض ضياعه، فكتب إليه: إن رأى الوزير-أعزّه الله-أن يجعلنى أحد رجلين؛ إمّا (١) رجلا صين الحكم
стр. 1265
به، أو صين الحكم عنه، والسّلام.
وقال طلحة بن محمد بن جعفر: استقضى المعتضد بالله على الشّرقيّة، سنة ثلاث وثمانين ومائتين، أبا خازم عبد الحميد بن عبد العزيز، وكان رجلا ديّنا، ورعا، عالما بمذهب أهل العراق، والفرائض، والحساب، والذّرع، والقسمة، حسن العلم بالجبر، والمقابلة، وحساب الدّور، وغامض الوصايا والمناسخات، قدوة فى العلم بصناعة الحكم، ومباشرة الخصوم، وأحذق الناس بعمل المحاضر والسّجلاّت والإقرارات.
أخذ العلم عن هلال الرّأى بن يحيى، وكان هذا أحد فقهاء الدنيا من أهل العراق، وأخذ عن بكر العمّىّ، ومحمود الأنصارىّ، ثم صحب عبد الرحمن بن نائل بن نجيح، ومحمد بن شجاع، حتى كان جماعة يفضّلونه على هؤلاء، فأمّا عقله، فلا يعلم أحد رآه، فقال: إنّه رأى أعقل منه.
وعن عبيد الله بن سليمان بن وهب، قال: ما رأيت رجلا أعقل من الموفّق، وأبى خازم القاضى.
وقال أبو برزة الحاسب: لا أعرف فى الدنيا أحسب من أبى خازم.
وقال ابن حبيب الذّارع (١): كنّا ونحن أحداث مع أبى خازم، وكنّا نقعده (٢) قاضيا، ونتقدّم إليه فى الخصومات، فما مضت الأيام والليالى حتى صار قاضيا، وصرنا ذرّاعه.
وقال أبو الحسين عبد الواحد بن محمد الخصيبىّ: وبلغ فى شدّته فى الحكم، أنّ المعتضد وجّه إليه بطريف المخلدىّ، فقال: إن عليّا الضّبعىّ (٣) -وهو بيّع كان للمعتضد ولغيره عليه مال-قد بلغنى أن غرماءه أثبتوا عندك مالهم، وقد قسّطت لهم من ماله، فاجعلنا كأحدهم. فقال أبو خازم: قل لأمير المؤمنين، إنّى ذاكر لما قال لى وقت قلّدنى، إنّه/قد أخرج الأمر من عنقه، وجعله فى عنقى، ولا يجوز لى أن أحكم فى مال رجل لمدّع إلاّ ببيّنة. فرجع إليه طريف فأخبره، فقال: قل له: فلان وفلان يشهدان. يعنى لرجلين جليلين كانا فى ذلك الوقت. فقال: يشهدان عندى، وأسأل عنهما، فإن زكّيا قبلت شهادتهما، وإلاّ أمضيت ما قد ثبت عندى. فامتنع أولئك