← Тараджим

Тараджим · id 322

الطبقات السنية في تراجم الحنفية

تقي الدين ابن عبد القادر التميمي

Полный текст (1 429 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

قال فى «الجواهر»: يأتى له زيادة ترجمة عند ذكر ابنه أبى عاصم فى الكنى. والحال أنّه لم يذكره فى الكنى، لا هو، ولا ابنه (١). *** ١١٣١ - عبد الجبّار (¬*) أحد من عزا إليه صاحب «القنية». قال فى «الجواهر»: لا أدرى أهو أحد المذكورين قبله أم غيرهما (٢). *حكى عنه فى «القنية»: لو زنى بامرأة تحرم عليه بنتها من الرّضاع. وهى منصوصة. انتهى. *** ١١٣٢ - عبد الجليل بن عبد الله بن على بن صائن (¬**) تقدّم نسبة فى ترجمة أبيه (٣). قال ابن النّجّار: قدم علينا بغداذ مع والده، وهو صبىّ، وسمع معنا من أصحاب أبى الحصين، وأبى غالب ابن البنّاء، وغيرهم، وسمعنا منه ومن أبيه شيئا. وكان ذكيّا فاضلا، له معرفة بالفقه والأدب، حسن الطّريقة، كامل العقل. وكان مولده، كما ذكر أبوه، فى يوم الاثنين، ثامن ذى القعدة، سنة ثمان وخمسمائة، بسمرقند. قال ابن النّجّار: وبلغنى فى سنة إحدى وثلاثين وستّمائة، أنّه فى سمرقند، يفتى ويدرّس. والله تعالى أعلم. *** ١١٣٣ - عبد الحليم بن محمد بن نور الله، المعروف هو ووالده بأخى زاده (¬***) وسبب اشتهارهما بذلك (٤).

стр. 1262

وهو ممّن يشار بالأنامل إليه، وتعقد الخناصر عليه، ما ترك علما من العلوم إلاّ وصار فيه ذا باع طويل، وحظّ جزيل، قلّما يمضى له وقت من الأوقات بغير اشتغال، أو مناظرة رجال، أو بلوغ آمال، لا يشغله عن تحصيل العلوم وإفادتها واستفادتها منصب من المناصب، ولا مكسب من المكاسب، ولا يحتقر أحدا من الأفاضل. انتهى. *** ١١٣٤ - عبد الحميد بن عبد الرحمن الكوفىّ، الحمّانىّ (¬*) وحمّان من تميم. سمع أبا حنيفة، رضى الله تعالى عنه، والأعمش، والثّورىّ. قال عبد الحميد: سمعت أبا حنيفة يحكى عن حمّاد، قال: بشّرت إبراهيم النّخعىّ بموت الحجّاج، فسجد. قال حمّاد: ما كنت أرى أحدا يبكى من الفرح، حتى رأيت إبراهيم بكى من الفرح. وثّقه يحيى بن معين. ومات سنة عشرين ومائتين. وروى له البخارىّ. *وحكى عن أبى حنيفة، قال: فيؤه الجماع (١)، إلا أن يكون له عذر. وحكاه عن حمّاد، عن إبراهيم. ***

стр. 1263

١١٣٥ - عبد الحميد بن عبد الرحمن بن أحمد العبدانىّ، أبو القاسم المعروف بخواهرزاده (¬*) ابن أخت القاضى أبى الحسن على بن الحسين (١) الدّهقان. تفقّه على خاله المذكور. وسمع الحديث منه، ومن أبى محمد مكّىّ بن عبد الرزّاق. قال السّمعانىّ: كان إماما، فاضلا، عالما. ويأتى ابنه محمد بن عبد الحميد فى محلّه، إن شاء الله تعالى. *** ١١٣٦ - عبد الحميد بن عبد الرحمن بن الحسين، أبو الحسين القاضى النّيسابورىّ (¬**) قال الخطيب، فى «تاريخه»، ذكر ابن الثّلاّج أنّه قدم بغداذ حاجّا، فى سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة. وحدّثهم عن حمدويه، وحاتم بن محبوب، المروزيّين. *** ١١٣٧ - عبد الحميد بن عبد الرحيم بن على بن عثمان ابن إبراهيم بن مصطفى بن سليمان الماردانىّ ثم المصرىّ، المعروف بابن التّركمانىّ، المحدّث، حميد الدين، أبو الثّناء بن جمال الدين/بن قاضى القضاة علاء الدين بن العلاّمة فخر الدين (¬***) ولد فى شهر رمضان، سنة خمس وأربعين وسبعمائة. وأسمع من مشايخ عصره، وطلب الحديث بنفسه، وسمع من جماعة كثيرة، وأجاز

стр. 1264

له الذّهبىّ وغيره، وكتّب الطّباق، ولازم البرهان القيراطىّ، وكتب عنه أكثر شعره. وكان أوّلا كثير الوظائف، ثم نزل عنها شيئا فشيئا إلى أن افتقر، وساءت حاله، وهو مع ذلك عزيز النّفس، لا يتردّد إلى القضاة، ولا أرباب الدّول؛ لأجل دنياهم، وقد أحسن إليه الجلال البلقينىّ إحسانا كثيرا، فما توجّه إلى بابه أصلا، وكان يتكسّب بالنّسخ، وكان خطّه كثير السّقم، بغير نقط ولا شكل، لسرعة يده فى الكتابة، وكان قد رأس فى الناس مدّة، ثم انحطّت مرتبته، ومات مقلاّ جدّا، وكان شديد المحبّة للحديث وأهله، وأضرّ بأخرة، ومات فى الطّاعون، سنة تسع عشرة وثمانمائة، بالقاهرة. رحمه الله تعالى. *** ١١٣٨ - عبد الحميد بن عبد العزيز، أبو خازم (¬*) بالخاء المعجمة والزّاى. القاضى، الإمام، العالم، العامل، البصرىّ الأصل، البغداذىّ. أحد قضاة الدّيار الشّاميّة، وغيرها. حدّث عن محمد بن بشّار وغيره. وروى عنه مكرّم بن أحمد القاضى، وغيره. وكان ثقة. وولى القضاء بالشّام، والكوفة، والكرخ من مدينة السّلام. روى أن عبيد الله بن سليمان خاطبه فى بيع ضيعة ليتيم تجاور بعض ضياعه، فكتب إليه: إن رأى الوزير-أعزّه الله-أن يجعلنى أحد رجلين؛ إمّا (١) رجلا صين الحكم

стр. 1265

به، أو صين الحكم عنه، والسّلام. وقال طلحة بن محمد بن جعفر: استقضى المعتضد بالله على الشّرقيّة، سنة ثلاث وثمانين ومائتين، أبا خازم عبد الحميد بن عبد العزيز، وكان رجلا ديّنا، ورعا، عالما بمذهب أهل العراق، والفرائض، والحساب، والذّرع، والقسمة، حسن العلم بالجبر، والمقابلة، وحساب الدّور، وغامض الوصايا والمناسخات، قدوة فى العلم بصناعة الحكم، ومباشرة الخصوم، وأحذق الناس بعمل المحاضر والسّجلاّت والإقرارات. أخذ العلم عن هلال الرّأى بن يحيى، وكان هذا أحد فقهاء الدنيا من أهل العراق، وأخذ عن بكر العمّىّ، ومحمود الأنصارىّ، ثم صحب عبد الرحمن بن نائل بن نجيح، ومحمد بن شجاع، حتى كان جماعة يفضّلونه على هؤلاء، فأمّا عقله، فلا يعلم أحد رآه، فقال: إنّه رأى أعقل منه. وعن عبيد الله بن سليمان بن وهب، قال: ما رأيت رجلا أعقل من الموفّق، وأبى خازم القاضى. وقال أبو برزة الحاسب: لا أعرف فى الدنيا أحسب من أبى خازم. وقال ابن حبيب الذّارع (١): كنّا ونحن أحداث مع أبى خازم، وكنّا نقعده (٢) قاضيا، ونتقدّم إليه فى الخصومات، فما مضت الأيام والليالى حتى صار قاضيا، وصرنا ذرّاعه. وقال أبو الحسين عبد الواحد بن محمد الخصيبىّ: وبلغ فى شدّته فى الحكم، أنّ المعتضد وجّه إليه بطريف المخلدىّ، فقال: إن عليّا الضّبعىّ (٣) -وهو بيّع كان للمعتضد ولغيره عليه مال-قد بلغنى أن غرماءه أثبتوا عندك مالهم، وقد قسّطت لهم من ماله، فاجعلنا كأحدهم. فقال أبو خازم: قل لأمير المؤمنين، إنّى ذاكر لما قال لى وقت قلّدنى، إنّه/قد أخرج الأمر من عنقه، وجعله فى عنقى، ولا يجوز لى أن أحكم فى مال رجل لمدّع إلاّ ببيّنة. فرجع إليه طريف فأخبره، فقال: قل له: فلان وفلان يشهدان. يعنى لرجلين جليلين كانا فى ذلك الوقت. فقال: يشهدان عندى، وأسأل عنهما، فإن زكّيا قبلت شهادتهما، وإلاّ أمضيت ما قد ثبت عندى. فامتنع أولئك

стр. 1266

من الشهادة فزعا، ولم يدفع إلى المعتضد شيئا. وقال وكيع القاضى: كنت أتقلّد لأبى خازم وقوفا فى أيّام المعتضد، منها وقوف الحسن بن سهل، فلمّا استكثر المعتضد من عمارة القصر المعروف بالحسنىّ، أدخل إليه بعض وقوف الحسن بن سهل، التى كانت فى يدى ومجاورة للقصر، وبلغت السّنة آخرها، وقد جبيت مالها، إلاّ ما أخذه المعتضد، فجئت إلى أبى خازم، فعرّفته اجتماع مال السّنة، واستأذنته فى قسمته فى سبيله، وعلى أهل الوقف، فقال لى: فهل جبيت ما على أمير المؤمنين؟ فقلت له: ومن يجسر على مطالبة الخليفة؟ فقال: والله لا قسمت الارتفاع أو تأخذ ما عليه، ووالله إن لم يزن ما عليه لا وليت له عملا. ثم قال: امض إليه السّاعة وطالبه. فقلت: من يوصّلنى؟ فقال: امض إلى صافى الحرمىّ، وقل له: إنّك رسول أنفذتك فى مهمّ، فإذا وصلت عرّفه ما قلت لك. فجئت، فقلت لصافى ذلك، فأوصلنى، وكان آخر النّهار، فلما مثلت بين يدى الخليفة، ظنّ أنّ أمرا عظيما قد حدث، وقال: هيه، قل. كأنّه متشوّف، فقلت: إنّى ألى لعبد الحميد قاضى أمير المؤمنين وقوف الحسن بن سهل، وفيها ما قد أدخله أمير المؤمنين إلى قصره، ولمّا جبيت مال هذه السّنة، امتنع من تفريقه إلى أن أجبى ما على أمير المؤمنين، وأنفذنى السّاعة قاصدا بهذا السّبب، وأمرنى أن أقول: إنّى حضرت فى مهمّ لأصل. قال: فسكت ساعة متفكّرا، ثم قال: أصاب عبد الحميد، يا صافى، هات الصّندوق. قال: فأحضر صندوقا لطيفا، فقال: كم يجب لك؟ فقلت: الذى جبيت عام أوّل من ارتفاع هذه الأوقاف العقارات أربعمائة دينار. قال: كيف حذقك بالنّقد والوزن؟ قلت: أعرفهما. قال: هاتوا ميزانا. فجاءوا بميزان (١) حسن، عليه حلية ذهب، وأخرج من الصّندوق دنانير عينا، فوزن لى منها أربعمائة دينار، فوزنتها بالميزان، وقبضتها، وانصرفت إلى أبى خازم بالخبر، فقال: أضفها إلى ما اجتمع للوقف عندك، وفرّقه فى غد، ولا تؤخّر ذلك. ففعلت، فكثر شكر الناس لأبى خازم بهذا السّبب، وإقدامه على الخليفة بمثل ذلك، وكثر شكرهم للمعتضد فى إنصافه، رحمة الله تعالى عليهما. *وروى الخطيب (٢)، بسنده إلى القاضى أبى طاهر محمد بن أحمد بن عبد الله بن نصر، أنّه قال: بلغنى أنّ أبا خازم القاضى جلس فى الشّرقيّة، وهو قاضيها للحكم، فارتفع إليه خصمان، فأجرى أحدهما بحضرته ما أوجب التّأديب، فأمر بتأديبه،

стр. 1267

فأدّب، فمات فى الحال، فكتب إلى المعتضد من المجلس: اعلم يا أمير المؤمنين، أطال الله بقاك، أنّ خصمان حضرانى، فأجرى أحدهما ما أوجب عليه الأدب عندى، فأمرت بتأديبه، فأدّب فمات، فإن رأى أمير المؤمنين، أطال الله بقاءه، أن يأمر بحمل الدّية لأحملها إلى ورثته فعل. قال: فعاد الجواب إليه، بأنّا قد أمرنا بحمل الدّية إليك. وحمل إليه عشرة آلاف درهم، فأحضر ورثة/المتوفّى، ودفعها إليهم. قلت: إن صحّ هذا النّقل عن أبى خازم، فهو رأى انفرد به عن أبى حنيفة، رضى الله تعالى عنه، فإنّ مذهبه أنّ من عزّره الإمام، فدمه هدر؛ لأنّه فعل ما فعل بأمر الشّرع، وفعل المأمور لا يتقيّد بشرط السّلامة، كالفصّاد، والبزّاغ (١). وهو قول مالك، وأحمد، رضى الله تعالى عنهما. وقال الشّافعىّ، رضى الله تعالى عنه: تجب الدّية فى بيت المال؛ لأنّه نفع عمله يرجع إلى العامّة، فيكون الغرم فى ماله. وأجاب أئمّتنا، رحمهم الله تعالى، بأنّه لمّا استوفى حقّ الله بأمره، صار كأنّ الله تعالى أماته من غير واسطة، فلا يجب الضّمان. وحدّث مكرّم بن بكر (٢)، وكان من فضلاء الرجال وعلمائهم، قال: كنت فى مجلس أبى خازم، فتقدّم إليه رجل شيخ، ومعه غلام حدث، فادّعى الشيخ عليه ألف دينار عينا دينا، فقال له: ما تقول؟ فأقرّ، فقال للشيخ: ما تشاء؟ قال: حبسه. فقال للغلام: قد سمعت، فهل لك أن تنقد البعض، ونسأله إنظارك؟ فقال: لا. فقال: الشيخ: إن رأى القاضى أن يحبسه. قال: فتفرّس أبو خازم فيهما ساعة، ثم قال: تلازما إلى أن انظر بينكما فى مجلس آخر. قال: فقلت لأبى خازم، وكانت بيننا أنسة (٣)، لم أخّر القاضى حبسه؟ فقال: ويحك، إنّي أعرف فى الأحوال من الخصومة وجه المحقّ من المبطل، وقد صارت لى بذلك دربة لا تكاد تخطئ، وقد وقع لى أنّ سماحة هذا بالإقرار هى عن بليّة، وأمر يبعد عن الحقّ، وليس فى تلازمهما بطلان، ولعلّه ينكشف لى من أمرهما ما أكون معه على وثيقة ممّا أحكم به بينهما، أما رأيت قلّة تعاصيهما (٤) فى المناظرة، وقلّة اختلافهما، وسكون طباعهما، مع عظم

стр. 1268

المال، وما جرت عادة الأحداث بفرط التّورّع، حتى يقرّ مثل هذا طوعا عجلا بمثل هذا المال. قال: فبينا نحن كذلك نتحدّث، إذ استؤذن على أبى خازم لبعض وجوه الكرخ من مياسير التّجّار، فأذن له، فدخل فسلّم، وسبّب لكلامه فأحسن، ثم قال: قد بليت بابن لى حدث يتقاين (١)، ويتلف كلّ ما يظفر به من مالى فى القيان عند فلان المقيّن، فإذا منعته مالى احتال بحيل تضطرّنى إلى التزام غرم له، وإن عددت ذلك طال، وأقربه أنّه قد نصب المقيّن اليوم يطالبه بألف دينار عينا دينا حالاّ، وبلغنى أنّه تقدّم إلى القاضى ليقرّ له بها فيحبس، وأقع مع أمّه فيما ينغّص عيشى، إلى أن أزن ذلك عنه للمقيّن، فإذا قبضه المقيّن حاسبه به من الجذور (٢)، ولمّا سمعت بذلك، بادرت إلى القاضى لأشرح له الأمر، فيداويه بما يشكره الله له، فجئت فوجدتهما على الباب. قال: فحين سمع أبو خازم ذلك تبسّم، وقال لى: كيف رأيت؟ قلت: بهذا ومثله فضّل الله القاضى. وجعلت أدعو له، فقال: علىّ بالغلام والشيخ. فأرهب أبو خازم الشيخ، ووعظ الغلام، قال: فأقرّ الشيخ بأنّ الصّورة كما بلغ القاضى، وأنّه لا شئ له عليه، وأخذ الرجل بيد ابنه وانصرفوا. ومن شعر أبى خازم فى مملوكة له (٣): أذلّ فأكرم به من مذلّ … ومن شادن لدمى مستحلّ (٤) إذا ما تعزّز قابلته … بذلّ وذلك جهد المقلّ /وأسلمت خدّى له خاضعا … ولولا ملاحته لم أذلّ وعن أبى عبد الله الصّيمرىّ، قال: حكى أنّ عبيد الله بن سليمان الوزير وجّه بأبى إسحاق الزّجّاج إلى أبى خازم القاضى، وأبى عمر محمد بن يوسف، يسألهما فى رجل محبوس بدين ثابت عندهما، فبدأ أبو إسحاق بأبى خازم، فجاء إليه، وقد علا النهار، ودخل داره، فلم يمكّنه البوّاب من الدّخول، وقال: لو جاء الوزير السّاعة لم يستأذن عليه. فانصرف أبو إسحاق وقعد فى المسجد مغتاظا إلى وقت العصر، فقال له البوّاب: القاضى قد جلس، فدخل الزّجّاج عليه، فلم يقبل عليه أبو خازم الإقبال الذى اعتقده

стр. 1269

الزّجّاج، فأدّى أبو إسحاق الرسالة، فقال أبو خازم: تقرأ على الوزير، أعزّه الله، السلام، وتقول له: إنّ هذا الرجل محبوس لخصمه فى دينه، وليس بمحبوس لى، فإن أراد الوزير إطلاقه؛ فإمّا أن يسأل خصمه إطلاقه، أو يقضى دينه، فإنّ الوزير لا يعجزه ذلك. فقال الزّجّاج: جئت إلى هنا قبل الظهر، فامتنع البوّاب من الاستئذان على القاضى، فجلست إلى الآن للدّخول عليه. وهو يقصد بهذا أن ينكر القاضى على البوّاب، فقال: نعم، هكذا عادتى، إذا قمت من مجلسى، ودخلت إلى دارى، اشتغلت ببعض الحوائج التى تخصّنى، فإنّ القاضى لا بدّ له من خلوة وتودّع. فاغتاظ أبو إسحاق من ذلك أكثر، وقال مبكّتا له: كنت بحضرة الوزير فى بعض [الأيّام]، فأنشد بين يديه: أذلّ فيا حبّذا من مذلّ … .. الأبيات السّابقة، فسأل عن ذلك، فقيل: إنّها للقاضى، أعزّه الله تعالى. فقال أبو خازم: نعم، هذه أبيات قلتها فى والدة هذا الصّبىّ -لغلام قاعد بين يديه، فى يده كتاب من الفقه يقرأ عليه، وهو ابنه-فإنّى كنت ضعيف الحال أوّل ما عرفتها، وكنت مائلا إليها، ولم يمكن إرضاؤها بالمال، فكنت أطيّب قلبها بالبيت والبيتين. فقام أبو إسحاق، ومضى إلى أبى عمر، فاستقبله حجّابه من باب الدّار، وأدخلوه إلى الدار، فاستقبله القاضى من مجلسه خطوات، وأكرمه كما يكرم من يكون خصيصا بوزير، فأدّى إليه رسالة الوزير، فقال: السّمع والطاعة، أنا أسأل صاحب الحقّ حتى يفرج عنه، فإن فعل وإلاّ أدّيت الدّين من مالى، إجابة لمسألة الوزير. فانصرف أبو إسحاق، فأخبر الوزير، فقال الوزير: أىّ الرّجلين أفضل عندك يا أبا إسحاق؟ فقال: أبو عمر، فى عقله، وسداده، وحسن عشرته، ومعرفته بحقوق الوزير. يغريه بأبى خازم، فقال الوزير: دع هذا عنك، أبو خازم دين كلّه، وأبو عمر عقل كلّه. ومن تصانيف أبى خازم كتاب «المحاضر والسّجلاّت»، وكتاب «أدب القاضى»، وكتاب «الفرائض». وكانت وفاته، رحمه الله تعالى، فى جمادى الأولى، سنة اثنتين وتسعين ومائتين. *** ١١٣٩ - عبد الحميد بن عبد الكريم بن عبد الحميد بن على بن أبى الفتح بن إسماعيل، أبو شكر، ويقال: أبو زرعة ذكره أبو القاسم الرّافعىّ، فى «تاريخ قزوين»، وقال: كان أحد فقهاء أصحاب

стр. 1270

الرّأى المعتبرين فيما بينهم، يعظ، ويناظر، ويرجع أصحابه إلى قوله فى البلد. وكان إليه إمامة مسجدهم الجامع. وسمع الحديث من الأستاذ الشّافعىّ بن داود المقرى، سنة/إحدى وخمسين (١). وله عقب من أهل الفقه والمعرفة. انتهى. ولم يذكره صاحب «الجواهر». *** ١١٤٠ - عبد الحىّ بن عبد الكريم بن على بن المؤيّد (¬*) وهو ابن أخى خوجا چلبى. ذكره العلاّمة بدر الدين الغزّىّ، فى «رحلته إلى الدّيار الرّوميّة»، وقال فى حقّه: الشيخ الإمام العلاّمة، والقدوة العمدة الفهّامة، فرع الحسب الصّميم، ومنبع الأصل الكريم، وطبع الفضل العميم، وطوع الخلق العظيم، قدوة الأئمّة، وواحد أساتيذ الأمّة، قاضى القضاة، وإمام الفقهاء والنّحاة، روض العلم الوارف الظّلال والفى، والوافر الرّيع والرّىّ، قاضى أماسية وما معها. ثم قال: اجتمع بى وبوالدى بالشّام، عند قدومه إليها قاصدا بيت الله الحرام، فصار بيننا وبينه صحبة ومودّة ومحبّة. انتهى. وذكره فى «الشّقائق»، وأثنى عليه، وقال فى حقّه: كان كريم الطّبع، سخىّ النّفس، محبّا للخير وأهله. وكانت له معرفة بالعربيّة، والفقه، والحديث، والتفسير، وكان يكتب الخطّ المليح، وكان حسن العقيدة، مقبول الطريقة، مرضىّ السّيرة. ولم تؤرّخ وفاته (٢). رحمه الله تعالى. *** ١١٤١ - عبد الحىّ بن مبارك الخوارزمىّ، القاهرىّ، القلعىّ (¬**) ولد فى شهر رجب، سنة ثلاث عشرة وثمانمائة. واشتغل كثيرا فى الفقه والأصلين والعربيّة. وأخذ عن سعد الدين الدّيرىّ، وابن

стр. 1271

الأقصرائىّ، والعلاّمة قاسم بن قطلوبغا. وبرع، وأقرأ الطّلبة. وكان خيّرا. مات فى شعبان، سنة ثمانين وثمانمائة. رحمه الله تعالى. *** ١١٤٢ - عبد الحليم بن على الرّومىّ القسطمونىّ المولد (¬*) كان من فضلاء تلك الدّيار. قرأ على المولى علاء الدّين العربىّ. ورحل إلى ديار العرب، وأخذ عن فضلائها، وحجّ، ثم سافر إلى بلاد العجم، وقرأ على علمائها، ثم خدم أهل التّصوّف وتربّى عندهم، ثم عاد إلى الدّيار الرّوميّة، وصار إماما ومعلّما للسّلطان سليم خان، وهو سليم الأوّل، وحصّل عنده الجاه العظيم، والقبول التّامّ، وكان لا يكاد يفارقه فى غالب الأحيان. وكانت وفاته بدمشق، وهو قافل من الدّيار المصريّة، فى صحبة مخدومه السّلطان سليم، سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة. تغمّده الله تعالى برحمته. *** ١١٤٣ - عبد الخالق بن أسد بن ثابت، أبو محمد، الحافظ، تاج الدّين (¬**) كان أبوه من أهل طرابلس. وولد عبد الخالق بدمشق، ورحل فى طلب الحديث والفقه إلى بغداذ، وهمذان، وأصبهان. وكتب بخطّه، وتفقّه على البلخىّ، وعلى القاضى إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الهيتىّ، فى آخرين يجمعهم «معجم شيوخه» الذى جمعه. قال ابن النّجّار: قرأت فى كتاب «زينة الدّهر» لأبى المعالى سعد بن علىّ الحظيرىّ، أنشدنى

стр. 1272

عبد الخالق بن أسد بن ثابت، لنفسه ببغداذ (١): قلّ الحفاظ فذو العاهات محترم … والشّهم ذو الفضل يؤذى مع سلامته كالقوس يحفظ عمدا وهو ذو عوج … وينبذ السّهم قصدا لاستقامته (٢) كتب إلىّ غالب بن عبد الخالق بن أسد بن ثابت، قال: أنشدنى والدى لنفسه (٣): /قال العواذل ما اسم من … أضنى فؤادك قلت أحمد قالوا أتحمده وقد … أضنى فؤادك قلت أحمد وتولّى التّدريس بالمدرسة الصّادريّة، بدمشق، وكان له مجلس التّذكير. مات بدمشق، سنة أربع وستّين وخمسمائة. وسيأتى ابنه غالب، فى محلّه، إن شاء الله تعالى. *** ١١٤٤ - عبد الخالق بن عبد الحميد بن عبد الله، أبو الفضائل، الوبرىّ، الخوارزمىّ، الضّرير، الفقيه (¬*) قال أبو بكر ابن الشّعّار، فى «عقود الجمان»: كان من رؤساء أصحاب أبى حنيفة وأئمّتهم-رضى الله تعالى عنهم-عالما، مناظرا، متكلّما، أصوليّا، وإليه كانت الفتوى والتّدريس بخوارزم، حافظا للفقه والأشعار، أستاذا يشار إليه فى الفنون الأدبيّة (٤). رحمه الله تعالى. *** ١١٤٥ - عبد الخالق بن فيروز الجوهرىّ (¬**) قال فى «الجواهر»: كذا رأيت بخطّى فى المسوّدة، وما أدرى عن من نقلته؟! ولا أعرفه.

стр. 1273

ورأيت الذّهبىّ ذكر عبد الخالق بن فيروز الجوهرىّ فى «الميزان»، وقال: حدّثنى عنه السّخاوىّ، وغيره. وقال الحافظ علىّ بن المفضّل: لم يكن موثوقا به. وقال الحافظ ضياء الدّين السّخاوىّ: تكلّموا فى سماعه (١). فلا أدرى هو أم غيره؟ انتهى. *** ١١٤٦ - عبد الخالق بن محمد بن عبد الرحمن، محيى الدين الصّالحىّ، ويعرف بابن العقاب (¬*) بضمّ المهملة، وتخفيف القاف، وآخره موحّدة، وهو لقب جدّه. ولد فى ذى القعدة، سنة ثلاث وخمسين وثمانمائة. ونشأ، فحفظ القرآن الكريم، و «العمدة»، و «الهداية» لابن الجزرى، و «الكنز» فى الفقه، و «المنار»، فى الأصول، و «ألفيّة النحو»، وغيرها. وعرض على جماعة، ولازم العلاّمة قاسم بن قطلوبغا فى الفقه والأصول والحديث. وأخذ فى العربيّة عن عبد الخالق السّنباطىّ، وغيره. وأخذ فى المنطق عن العلاء الحصنىّ. وكتب المنسوب، وشارك فى كثير من الفضائل، وحجّ وجاور. وكان عنده عقل وسكون وأدب. رحمه الله تعالى. *** ١١٤٧ - عبد الخالق بن محمد بن محمد الخافىّ الأصل، الهروىّ (¬**) من أماثل الفضلاء، وفضلاء الأماثل. دخل القاهرة، وأخذ عن بعض الأفاضل بها. وحجّ. وكان من أهل المائة التّاسعة (٢). رحمه الله تعالى. ***

стр. 1274

١١٤٨ - عبد الخالق بن محمد بن سعيد بن علىّ الشّكانىّ، الحاكم، أبو بكر (¬*) والد القاضى محمد بن عبد الخالق. قال السّمعانىّ فى «الأنساب»: كان مستملى شمس الأئمّة أبى محمد بن عبد العزيز بن أحمد الحلوانىّ، فيما أملاه بكشّ. مات بكشّ بعد (١) سنة ثمانين وأربعمائة. رحمه الله تعالى. *** ١١٤٩ - عبد الدّائم بن محمود بن مودود بن محمود ابن بلدجى، أبو الحسين، الموصلىّ (¬**) سمع، وحدّث بالموصل. وتفقّه بدمشق على الحصيرىّ. مولده يوم الثلاثاء، سادس عشر جمادى الآخرة، سنة أربع وستمائة، بالموصل. وتوفّى بها، يوم الاثنين، ثالث شعبان، سنة ثمانين وستمائة، ودفن بمقبرة قضيب البان، ظاهر الموصل. أسمعه والده الكثير/مع إخوته. سمع منه أبو العلاء الفرضىّ، وذكره فى «معجم شيوخه»، وقال: كان فقيها، عالما، فاضلا، مفنّنا (٢)، مدرّسا، عارفا بالمذهب، مكثرا، زاهدا، عابدا، من بيت الحديث والرّئاسة. رحمه الله تعالى. ***

стр. 1275

١١٥٠ - عبد الرّبّ بن منصور بن إسماعيل بن إبراهيم، أبو المعالى، الغزنوىّ (¬*) كانت وفاته فى حدود الخمسمائة. شرح «مختصر القدورىّ» فى مجلّدين، وسمّاه «ملتمس الإخوان». رحمه الله تعالى. *** ١١٥١ - عبد الرحمن بن إبراهيم بن يوسف بن ميمون بن قدامة الباهلىّ، الماكيانىّ، البلخىّ (¬**) شيخ العلم بها، ومن بيت العلم والفضل. تقدّم والده (١)، ويأتى عمّه عصام، وعمّه محمد، كلّ واحد فى محلّه، إن شاء الله تعالى. *** ١١٥٢ - عبد الرحمن بن أحمد بن أحمد بن محمود ابن موسى الزّين، المقدسىّ الدّمشقىّ (¬***) نزيل القاهرة، ثم مكة. ويعرف بالهمامىّ؛ نسبة إلى العلاّمة ابن الهمام، فإنّه لازمه كثيرا، وأخذ عنه، وانتفع به. ولد فى شهر ربيع الأوّل، سنة ثمان وعشرين وثمانمائة، بمدينة دمشق، ونشأ بها، فحفظ القرآن الكريم، وصلّى به على العادة قبل استكمال تسع سنين، وتلاه بالعشر على أبيه وغيره، وتفقّه بالقوام الإتقانىّ، ويوسف الرّومىّ، وشمس الدين الصّفدىّ، وغيرهم. وكان يحفظ كتبا كثيرة؛ منها «الشّاطبيّة»، و «ألفيّة العراقىّ»، و «المختار»، و «منظومة النّسفىّ»، و «مختصر ابن الحاجب»، و «الإخسيكثىّ»، و «عمدة النّسفىّ»، و «ألفيّة

стр. 1276

ابن مالك»، و «التّلخيص فى المعانى والبيان»، وغير ذلك. وأجازه بالإقراء العلاّمة ابن الهمام، وابن الدّيرىّ، وغيرهما. وقدم القاهرة مرارا. وحجّ مرارا، ثم استوطن مكة من سنة أربع وستين، وشرع فى «شرح لتحرير ابن الهمام». قال السّخاوىّ: وصل فيه إلى الاستدلال على حجّيّة المفاهيم. وأثنى عليه بالفضل، والدّين، والعبادة، والاشتغال بما يعنيه. وذكر أنّه مات فى يوم الجمعة، ثالث شهر رمضان، سنة ثلاث وسبعين وثمانمائة. رحمه الله تعالى. *** ١١٥٣ - عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الملك أو بتقديم عبد الملك-الشّكّ من السّخاوىّ - وجيه الدين بن عمدة الدين، القرشىّ، العمرىّ، الهندىّ (¬*) نزيل مكة. ويعرف براجة، براء مهملة وجيم بينهما ألف. كان ذا خير ودين، وسكون، وعناية بالفقه، واجتهاد فى عمل العمر (١). وجاور بمكة نحو خمسين سنة، وبها مات، سنة سبع وعشرين وثمانمائة، ودفن بالمعلاة. وكان نعم الرجل دينا، وفضلا، وعبادة. رحمه الله تعالى. *** ١١٥٤ - عبد الرحمن بن أبى بكر بن محمد بن أبى بكر الدّمشقىّ، الصّالحىّ (¬**) الشيخ الإمام، المحقّق العلاّمة، زين الدين ابن الخواجا تقىّ الدين، الشّهير بابن العينىّ؛ نسبة إلى رأس العين. مولده بصالحيّة دمشق، سنة سبع وثلاثين وثمانمائة.

стр. 1277

قرأ «المختار»، و «المنار»، و «ألفيّة ابن مالك». واشتغل وحصّل، وبرع فى الفنون، ودرّس وأفتى، ورأس فى زمنه على أهل مذهبه، وأخذ عن الشيخ أمين الدين الأقصرائىّ، والكافيجىّ، والشّمنّىّ. وولى إفتاء دار العدل، ودرّس بمدارس متعدّدة. وصنّف كتبا مفيدة، منها: «شرح الدّرر» للقونوىّ، وأجاد فيه، و «شرح البخارىّ» فى ثلاث/مجلّدات، وكتب الصّحيح على هامشه، و «شرح النّقاية، مختصر الوقاية»، و «شرح الوشاح، فى المعانى والبيان»، وشرح «ألفيّة ابن مالك» مزجا، و «شرح تهذيب الكلام» (١) للتّفتازانىّ، و «شرح الخزرجيّة» فى العروض، و «شرح ألفيّة العراقىّ» فى علم الحديث مزجا، و «شرح الشّمسيّة» فى المنطق، و «شرح المقصود فى الصّرف»، و «شرح فرائض المختار، والمنار» مزجا، واختصر «تلخيص المفتاح»، وسمّاه «تحفة المغانى لشرح المعانى»، واختصر «تفسير القرآن» للشيخ حافظ الدين النّسفىّ، المسمّى «المدارك»، وزاد فيه، ونظم «الدّرّة المضيّة، فى اللغة التّركيّة». وكتب بخطّه الكثير. وولى قضاء دمشق للسّادة الحنفيّة، واستمرّ فيه ثمانية عشر يوما، ثم استعفى منه. وانتفع به خلق كثير، ورأست تلامذته فى حياته. وكان يميل إلى التّنزّهات والبساتين، ومصاحبة الإخوان، والإفضال عليهم. واعتنى فى آخر عمره بمطالعة كتب الطّبّ. وكانت وفاته فى ليلة السّبت، تاسع عشر صفر، سنة ثلاث وتسعين وثمانمائة. رحمه الله تعالى. *** ١١٥٥ - عبد الرحمن بن أحمد الحسبانىّ، الدّمشقىّ، الصّالحىّ، العلاّمة زين الدين (¬*) قاضى قضاة الحنفيّة بدمشق. اشتغل، وحصّل، وبرع، ودرّس بالشّبليّة البرّانيّة وغيرها، وأفتى، وأخذ عن القاضى

стр. 1278

حميد الدين النّعمانىّ، وجماعة من الدّمشقيّين والمكّيّين والمصريّين. وولى قضاء الحنفيّة، واستمرّ إلى أن توفّى بصالحيّة دمشق، يوم الخميس، تاسع عشرى جمادى الآخرة، سنة تسعمائة، عن نحو ستّين سنة. رحمه الله تعالى. *** ١١٥٦ - عبد الرحمن بن أبى بكر [بن أبى بكر] بن محمد بن محمود البسطامىّ، أبو القاسم، كمال الدين (¬*) نزيل القاهرة. مولده بحلب، سنة ثلاث وخمسين وستّمائة. وسمع من النّجيب عبد اللطيف، بإفادة خاله أبى العباس أحمد بن موسى بن محمود الحنفىّ. وناب فى الحكم، فدرّس بالفارقانيّة. وكان ديّنا، خيّرا، عفيفا، فاضلا، يحفظ «الهداية». مات فى رجب، سنة ثمان وعشرين وسبعمائة. وهو والد القاضى زين الدين عمر بن عبد الرحمن، الذى ولى القضاء بعد الحسام الغورىّ، وسيأتى فى محلّه، إن شاء الله تعالى. *** ١١٥٧ - عبد الرحمن بن إسحاق بن إبراهيم بن سلمة الضّبّىّ مولاهم (¬**) تولّى (١) القضاء على الرّقّة، ثم ولى القضاء بمدينة المنصور، وبالشّرقيّة. قال طلحة بن محمد بن جعفر: عزل إسماعيل بن حمّاد بن أبى حنيفة، فاستقضى مكانه عبد الرحمن بن إسحاق بن إبراهيم بن سلمة، مولى بنى ضبّة، وكان جدّه من أصحاب الدّولة، وكان هو من أصحاب أبى حنيفة، حسن الفقه.

стр. 1279

وتقلّد الحكم فى أيّام المأمون، وما زال إلى أيّام المعتصم. ولمّا عزل المأمون بشر بن الوليد، ضمّ عمله إلى عبد الرحمن بن إسحاق، وكان على قضاء الشّرقيّة، فصار على الحكم بالجانب الغربىّ بأسره. انتهى. قال الخطيب: قول طلحة: «وكان من أصحاب أبى حنيفة» يعنى به أنّه كان ينتحل فى الفقه مذهب أبى حنيفة، ولم ير أبا حنيفة، ولا أدركه. وقال الدّارقطنىّ فى حقّه: عبد الرحمن بن إسحاق كان على قضاء مدينة الشّرقيّة، وكان من أصحاب/الرّأى، وكان مثريا (١)، وكان جمّاعا للمال، وكان قد ولى قبل ذلك قضاء الرّقّة، ثم قدم بغداذ، فولاّه المأمون قضاء الجانب الغربىّ، وكان عبد الله بن طاهر سبب ولايته، فولّى عبد الرحمن، وكتب له كتب أصحاب الرّأى، وعنى بعد ذلك بحفظ الحديث، فحفظ منه شيئا صالحا، إلى أن عزل فى صفر، سنة ثمان وعشرين ومائتين. وتوفّى سنة اثنتين وثلاثين ومائتين، بفيد (٢)، فى توجّهه إلى مكة، فى ذى القعدة، ودفن بها. رحمه الله تعالى. *** ١١٥٨ - عبد الرحمن بن إسحاق بن محمد بن معمر بن حبيب ابن المنهال السّدوسىّ، أبو على، الجوهرىّ، الحنفىّ (¬*) من المائة الرّابعة. كذا ذكره سبط ابن حجر، فى كتابه «النّجوم الزاهرة بتلخيص أخبار قضاة مصر والقاهرة» تبعا لجدّه ابن حجر، وقال فى حقّه: الحنفىّ. كما ذكرناه. وعدّه صاحب «الغرف العليّة» من جملة السّادة الحنفيّة. ولم يذكره فى «الجواهر المضيّة»، ولا ذكره صاحب «تاج التّراجم»، وأنا من كونه حنفيّا فى شبهة، ولكن يتعيّن ذكره احتياطا، فنقول: قال ابن زولاق: ولد سنة خمس وخمسين ومائتين. وقال ابن يونس: سنة إحدى وخمسين بسامرّا (٣)، وكتب بالعراق، وحدّث عنهم بمصر، وكان مكثرا عن علىّ بن حرب، وكان ثقة.

стр. 1280

وقال ابن زولاق: وسمع على علىّ بن حرب الطّائىّ نحو ستّين جزءا، وأخذ عن الرّبيع بن سليمان أكثر كتب الشافعىّ، ﵁، وحدّث أيضا عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم. روى عنه أبو بكر ابن المقرى، والطّبرانىّ، فى آخرين. وولى قضاء مصر بعد صرف إبراهيم بن محمد الكريزىّ (١)، خلافة عن هارون بن إبراهيم بن حمّاد. ثم ذكر ابن حجر وحفيده خلافا فى توليته القضاء، هل هو استقلال أو خلافة. ثم نقلا عن ابن زولاق أنّه قال: كان عبد الرحمن بن إسحاق عاقلا، فقيها، حاسبا، فهما، له فى الحساب «تصنيف»، وكان عفيفا، يقال: إن المودع بقى فيه ثمانون ألف دينار ممّا كان أبو عبيد خلّفه، وطال العهد بها، ولم يأت لها طالب، فلم يتعرّض لها عبد الرحمن، وأدّى بها للذى (٢) يعهده. وكان كثير الأدب مع الطّحاوىّ جدّا؛ بحيث لا يركب حتى يركب، ويقول: هو عالمنا وقدوتنا. ويقول: هو أسنّ منّى بإحدى عشرة سنة، والقضاء أقلّ من أن أفتخر به على أبى جعفر. ولم يزل عبد الرحمن ينظر فى الحكم إلى شهر ربيع الآخر، سنة أربع عشرة، فكانت مدّة ولايته سنة واحدة وشهرين، وعاش بعد ذلك إلى سنة عشرين وثلاثمائة. *** ١١٥٩ - عبد الرحمن بن إسحاق، أبو أحمد الرّيغذمونىّ (¬*) روى عنه [ابنه] (٣) أحمد المتقدّم ذكره فى حرف الهمزة (٤). وتقدّم أيضا ابن ابنه أحمد ابن محمد بن أحمد (٥). ويأتى ابن ابنه محمد، إن شاء الله تعالى. *** ١١٦٠ - عبد الرحمن بن الحسن اللّمغانىّ (٦) والد إسماعيل، المتقدّم ذكره فى حرف الهمزة (٧). وجدّ عبد الرحمن المذكور فيها يأتى.

стр. 1281

تفقّه عليه ولده محمد بن عبد الرحمن، الآتى فى محلّه. والصّحيح أنّ اسم والد صاحب التّرجمة الحسن، كما ذكرنا، لا عبد السّلام، كما ذكره فى الجواهر، ولا إبراهيم، كما ذكره صاحب «درّة الأسلاك». والله تعالى أعلم. *** ١١٦١ - عبد الرحمن بن الحسين بن أحمد (¬*) والد منصور، الآتى ذكره، والرّاوى عنه (١). *** ١١٦٢ - عبد الرحمن بن الحسين بن خالد، أبو سعيد، النّيسابورىّ، القاضى (¬**) شيخ الحنفيّة فى زمنه. /سمع أبا زرعة عبيد الله بن عبد الكريم الرّازىّ الحافظ الكبير، ومحمد بن رافع. روى عنه ابنه عبد الحميد القاضى، وأبو العباس أحمد بن هارون. قال الحاكم: سمعت عبد الحميد، يقول: كثيرا ما كنت أسمع أبى يقول (٢): واخط مع الدّهر إذا ما خطا … واجر مع الدّهر كما يجرى وقال الحاكم أيضا: سمعت عبد الحميد، يقول: توفّى أبو سعيد يوم النّصف من جمادى الأولى، سنة تسع وثلاثمائة. رحمه الله تعالى. وقد كان بينه وبين ابن خزيمة منافرة، فلمّا مات أظهر ابن خزيمة السّرور، وعمل دعوة. سامحه الله تعالى. ***

стр. 1282

١١٦٣ - عبد الرحمن بن رجاء بن القاسم الفقيه، البزديغرىّ (¬*) من أهل نيسابور، أحد الفقهاء الكبار. ومن كبار أصحاب أيّوب بن الحسن، وأحمد بن حرب. ذكره الحاكم، فى «تاريخ نيسابور»، وقال: سمع ابن زرارة، ومحمد بن رافع. روى عنه أبو العباس أحمد بن هارون الفقيه، وأبو جعفر محمد بن سليمان. وتوفّى سنة تسع ومائتين. رحمه الله تعالى. *** ١١٦٤ - عبد الرحمن بن سلطان بن جامع بن عويش بن شدّاد بن مزاحم، أبو بكر، التّميمىّ، الدّمشقىّ (¬**) مولده سنة، سبع وسبعين وأربعمائة. ومات بدمشق، سنة أربع وأربعين وستّمائة. وكان فقيها، محدّثا. سمع وحدّث عن أبى طاهر بركات بن إبراهيم الخشوعىّ، وغيره. رحمه الله تعالى. *** ١١٦٥ - عبد الرحمن بن شجاع بن الحسن بن الفضل، أبو الفرج (¬***) درّس بمشهد أبى حنيفة، ﵁، رفيقا لأحمد بن مسعود التّركستانىّ، فى حدود السّتّمائة. تفقّه على والده، وسمع من ابن ناصر. وحدّث، وأفتى، ودرّس.

стр. 1283

قال ابن النّجّار: وكان فاضلا، جليلا، ظاهر السّكون، متديّنا، أضرّ فى آخر عمره. سمع منه الإمام بكبرس النّاصرىّ، سنة ثمان وستّمائة. قال ابن النّجّار: سألت عبد الرحمن عن مولده، فقال: فى ذى القعدة، سنة تسع وثلاثين وخمسمائة، بباب الطّاق. وتوفّى يوم الاثنين، سادس عشر شعبان، سنة تسع وستّمائة، ودفن من الغد بالخيزرانيّة. رحمه الله تعالى. وقد تقدّم والده فى محلّه (١). *** ١١٦٦ - عبد الرحمن بن عبد الباقى بن الخضر، المعروف بابن النّجّار، وكان يلقّب تاج الدين (¬*) أحد الشّهود بباب الجامع الأموىّ، وأحد مدرّسى الحنفيّة بدمشق. توفّى سنة ستّين وستّمائة، وصلّى عليه أبو شامة إماما ظاهر باب الفراديس، ودفن بسفح قاسيون. رحمه الله تعالى. ذكره فى «الغرف العليّة». *** ١١٦٧ - عبد الرحمن بن عبد الرحيم المروزى (¬**) أستاذ محمد بن محمد بن عبد الرحمن الصّفّار المروزىّ، سمع منه الحديث، وتفقّه به. *** ١١٦٨ - عبد الرحمن بن عبد السلام بن إسماعيل بن عبد الرحمن بن الحسن، أبو الفضل اللّمغانىّ (¬***) درّس بالمستنصريّة، يوم الخميس، الثالث والعشرين من شهر صفر، سنة خمس وثلاثين

стр. 1284

وستّمائة، بعد أحمد بن يوسف الأنصارىّ، وأحمد بن يوسف بعد عمر بن محمد الفرغانىّ، وعمر بن محمد هذا أوّل من درّس بها حين فتحت. قال ابن النّجّار: قرأ الفقه والخلاف،/وناظر، ودرّس بمدرسة الزّيركيّة بسوق العميد (١) بعد وفاة أبيه. وناب فى الحكم والقضاء عن القاضى محمود بن أحمد الزّرنجانىّ (٢)، ثمّ عن قاضى القضاة محمد بن يحيى بن فضلان، وبعده عن قاضى القضاة أبى صالح الجيلىّ، وعن قاضى القضاة عبد الرحمن بن نفيل (٣). ثم ولى التّدريس بجامع السّلطان، ثم بمشهد أبى حنيفة. ثم ولى قضاء بغداد، وخوطب بأقضى القضاة، فى سلخ سنة ثلاث وثلاثين. واستناب نوّابا فى الحكم والتّدريس بالمدرسة المستنصريّة، فى سنة أربع وثلاثين. وقد حدّث عن والده، وغيره. وبخطّ الدّمياطىّ، أنّه توفّى فى يوم الجمعة، نهار الثالث عشر من رجب، سنة أربعين وستمائة. وبخطّ الشريف عزّ الدين، فى «وفياته» (٤): سنة تسع وأربعين وستّمائة. وصلّى عليه من يومه بجامع القصر، بعد صلاة العصر (٥)، ودفن بمقابر أبى حنيفة، رضى الله تعالى عنه. وذكر أنّ مولده فى المحرّم، سنة أربع وستّين وخمسمائة. كذا ترجم له فى «الجواهر». وذكره ابن حبيب، فى «درّة الأسلاك»، فقال ومن خطّه نقلت: قاضى القضاة كمال الدين أبو الفضل عبد الرحمن بن عبد السلام بن إسماعيل بن عبد الرحمن بن إبراهيم الدّامغانىّ الحنفىّ، الحاكم ببغداد، إمام ظهر كماله، وتضاعف جلاله، وعلت أنجم وجاهته، ونمت رياض حرمته ونباهته، كان سديد الأحكام، شامخ الجبال والآكام، ذا بيت معروف بالقضاء والعلم، آهل بأهل الفضل والحلم، درّس بالمستنصريّة، ومشهد الإمام أبى حنيفة رضى الله تعالى عنه،

стр. 1285

وناب عن جماعة من حكّام بغداد، ثم استقلّ بالوظيفة، واستمرّ ماضيا حكمه وقضاؤه، إلى أن عزّ على أصحابه وأحبابه عزاؤه. قلت: قوله: «الدامغانى» سبق قلم منه، أو من الكاتب. والله أعلم. *** ١١٦٩ - عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن الدّمشقىّ، الشّهير بابن الرّضىّ قال الولىّ العراقىّ: سمع متأخّرا من محمد بن محمد ابن عربشاه. من أصحاب ابن عبد الدائم، حضورا، ولا أعلمه حدّث. وناب فى الحكم بدمشق، وكانت فيه ديانة، وخير، وتلاوة للقرآن. وأرّخ وفاته سادس المحرّم، سنة اثنتين وسبعين وسبعمائة. *** ١١٧٠ - عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن الخشّاب (¬*) اشتغل بالعلم بالشّام، ثم قدم القاهرة، وناب فى الحكم عن ابن العديم، ثم ولى قضاء الشّام، سنة تسع وثمانمائة، وباشر يومين، ثم سعى عليه ابن الكفرىّ (١)، وولى مكانه، ثم ماتا جميعا فى شهر ربيع الآخر من هذه السّنة، وبينهما فى الوفاة يوم واحد. قال ابن حجر، فى حقّ صاحب التّرجمة: رأيته بالقاهرة، ولم يكن ماهرا فى العلم. كذا قاله فى «الغرف العليّة». وحمد الله تعالى. *** ١١٧١ - عبد الرحمن بن عبد الواحد بن أحمد ابن محمد الثّقفىّ، القاضى (¬**) المتقدّم ذكر أخويه القاضى جعفر، والقاضى عبد الله، وذكر جدّه (٢). ويأتى ذكر أبيه

стр. 1286

فى محلّه. والجميع كانوا فقهاء، قضاة، كوفيّين، حنفيّين. قال ابن النّجّار: وتولّى القضاء، وما أظنّه روى شيئا. وقال المنذرىّ، فى «التّكملة»: سمع من والده. وتوفّى، ﵀، فى ليلة سابع عشر المحرّم، سنة سبع وتسعين وخمسمائة، ودفن من الغد عند والده. رحمهما الله تعالى. *** ١١٧٢ - / عبد الرحمن بن علقمة، أبو يزيد، السّعدىّ، المروزىّ (¬*) أحد أصحاب محمد بن الحسن، أخذ عنه الفقه. وسمع من نوح بن أبى مريم الجامع، وشريك بن عبد الله القاضى، وحمّاد بن زيد. قال الخطيب: قدم بغداد، وحدّث بها، فروى عنه (١) أحمد ابن حنبل، وزهير بن حرب، وأبو بكر (٢) بن أبى شيبة، وإسحاق بن راهويه. وقال الحاكم فى «تاريخ نيسابور»: وكان من أصحاب محمد بن الحسن، بصيرا بالرّأى والحديث، رجل (٣) صالح. وكان عالما بالحساب والدّور. وكان أكره على قضاء سرخس، وأخرج إليه مكرها، فلمّا دخلها أقام بها يحكم، ثم هرب ولم يظهر. رحمه الله تعالى. *** ١١٧٣ - عبد الرحمن [بن محمد] بن على بن أحمد البسطامىّ مشربا، الحنفىّ مذهبا (¬**) كان عالما بالحديث، والتفسير، والفقه. وله يد طولى فى معرفة خواصّ الحروف، وعلم الوفق، والجفر، وما أشبه ذلك.

стр. 1287

ودخل إلى الدّيار الشاميّة والمصريّة، وغيرها. واشتغل بالعلوم العربيّة، ومهر فيها، حتى إنّ المولى شمس الدين الفنارىّ كان يستفيد منه فيها، لكنّه غلب عليه الاشتهار بتلك العلوم التى ذكرناها، وألّف فيها مؤلّفات، ومن أجمل تصانيفه؛ «الفوائح المسكيّة فى الفواتح الملكيّة»، وكتاب «شمس الآفاق، فى علم الحروف والأوفاق»، وله غير ذلك. واستوطن فى آخر عمره مدينة بروسة، ومات بها، وقبره معروف هناك. تغمّده الله برحمته. *** ١١٧٤ - عبد الرحمن بن على بن عبد الرحمن ابن على بن هاشم، قاضى القضاة، زين الدين التّفهنىّ (¬*) بفتح المثنّاة الفوقيّة وكسر الفاء وسكون الهاء بعدها نون؛ نسبة إلى قرية من أسفل الأرض، بالقرب من دمياط (١). ولد سنة ثمان وستّين، ونشأ يتيما، فكفله أخوه شمس الدين محمد، وكان الأكبر، وهو شافعىّ المذهب، ثم قدم به القاهرة، فنزل فى الصّرغتمشيّة، وكان أوّلا عرّيف مكتب الأيتام بها، واشتغل بفقه الحنفيّة حتى تمهّر، وحبّب إليه الاشتغال، فقرأ العربيّة، والأصول، والمنطق، وكتب الخطّ الحسن، وفاق الأقران. فلما ولى القاضى بدر الدين الكلستانىّ مشيخة الصّرغتمشيّة، صحبه، واختصّ به، فنفعه لمّا ولى كتابة السّرّ، ونوّه به، وناب عن أمين الدين الطّرابلسىّ ومن بعده، ثم صحب ابن العديم، وواظب درسه بالشّيخونيّة، ونزل فى طلبتها حتى صار ثانى من يجلس عن يمين الشيخ فى حضور الدّرس والتّصرّف. وولى تدريس الصّرغتمشيّة، وخطب بالجامع الأقمر، ولم يزل يترقّى حتى ولى قضاء

стр. 1288

الحنفيّة بعد انفصال ابن الدّيرىّ بتقريره فى المدرسة المؤيّديّة لمّا فتحت، وخلع عليه، فسار فيه سيرة محمودة، وخالق الناس بخلق حسن، مع الصّيانة والإفضال والشّهامة، والإكباب على العلم والتصوّف. قال القاضى علاء الدين، فى «تاريخه»: كان معظّما عند الملك الظّاهر، واجتمعت به، فوجدته عالما ديّنا، منصفا فى البحث، محقّقا للفقه والأصول، كيّس الأخلاق. وقال الشيخ تقىّ الدين ابن المقريزىّ: حلف مرة أنّه لم يرتش فى الحكم قطّ. وذكره الحافظ جلال الدين السّيوطىّ، فى «طبقات النّحاة»،/وأثنى عليه، وقال: قرأ عليه شيخنا الشيخ سيف الدين الحنفىّ، وغيره، وكان مشهورا بإتقان «المغنى» فى الأصول، وتحقيقه. وكانت وفاته ثامن شوّال، سنة خمس وثمانمائة. رحمه الله تعالى. *** ١١٧٥ - عبد الرحمن بن على بن محمد، الشّريف، ركن الدّين، الحلبىّ، المعروف بالدّخان (¬*) ذكره ابن حجر، فى «إنباء الغمر»، وقال: كان ماهرا فى فروع مذهبه. وذكره ابن طولون، فى «الغرف العليّة»، وقال: اشتغل بدمشق، وناب فى الحكم مدّة لابن الكشك، ثم ولى القضاء استقلالا بعد موته، وكان ماهرا فى فروع المذهب، مشاركا فى عدّة فنون، ومات يوم الأحد، سابع المحرّم، سنة تسع وثلاثين وثمانمائة. قال: وذكره فى «المنهل»، فقال: مولده فى حدود الثّمانين وسبعمائة تخمينا، وولاّه الأشرف برسباى القضاء بغير رشوة، فحمدت سيرته، واستمرّ قاضيا إلى أن مات، وكان عنده دين. وذكره ابن المبرد، فى «الرّياض». وقال: ناب لابن الكشك، وفيه يقول القائل: وقد كنت قبل اليوم للكشك كارها … فكيف به إذ صار كشكا مدخّنا ***

стр. 1289

١١٧٦ - عبد الرحمن بن على بن المؤيّد الأماسىّ (¬*) أحد فضلاء الدّيار الرّوميّة. كان ماهرا فى أكثر الفنون، وله يد طولى فى النّظم بالفارسيّة والتّركيّة، ويقال: وبالعربيّة أيضا. وكان حسن الخطّ جدّا، ورحل إلى الدّيار الحلبيّة وقرأ على بعض علمائها كتاب «المفصّل» للزّمخشرىّ، وغيره، ثم رحل إلى ديار العجم. أخذ عن الجلال الدّوانىّ، ولازمه مدّة كبيرة، نحو سبع سنوات، ثم قدم إلى الدّيار الرّوميّة، واجتمع به أفاضلها، واشتهرت بينهم فضائله، وصار مدرّسا بمدرسة قلندرخانه، وبإحدى المدارس الثّمان، ثم ولى قضاء أدرنة، ثم قضاء العسكر بولاية أناطولى، ثم بولاية روم ايلى، ثم عزل، ثم ولى أيضا فى زمن السلطان سليم خان، وسافر معه إلى ديار العجم، لمحاربة شاه إسماعيل الأردبيلىّ، وعزله وهو قافل فى أثناء الطريق، لخلل حصل فى عقله، وعيّن له كلّ يوم مائتى درهم، وقدم إلى مدينة إسطنبول معزولا، ومات بها، فى خامس عشر شعبان، سنة اثنين وعشرين وتسعمائة. رحمه الله تعالى. وله تعاليق كثيرة، ورسائل متعدّدة، مات عنها وهى فى المسوّدات لم تبيّض، لانشغاله بالمناصب، ومن جملة ذلك: «رسالة لطيفة» أورد فيها بعض مواضع مشكلة فى علم الكلام، و «رسالة فى تحقيق الكرة المدحرجة»، وله غير ذلك. وكان كثير الكتب، يقال: إنه خلّف سبعة آلاف مجلّد، سوى المكرّرات. *** ١١٧٧ - عبد الرحمن بن على بن يوسف بن الحسن ابن محمود الزّرندىّ، زين الدين المدنىّ، ابن القاضى نور الدين (¬**) ذكره ابن حجر، فى «إنباء الغمر»، وقال: ولد قبل سنة خمسين، واشتغل، وسمع من القلاّئىّ، وولى قضاء المدينة المنوّرة بعد أخيه أبى الفتح، سنة أربع وثمانين، إلى أن مات، إلاّ

стр. 1290

أنّه عزل مرّة سنة أربع وثمانمائة، ثم أعيد، وولى حسبة المدينة المنوّرة، أيضا. وقد حدّثنا ب «مسلسل التّمر» بالمدينة، ولم أضبط ذلك عنه، وتفرّد بالإجازة من الزّبير بن [علىّ] (١) الأسوانىّ،/راوى «الشّفا». مات فى ربيع الأوّل، سنة سبع عشرة وثمانمائة (٢). رحمه الله تعالى. *** ١١٧٨ - عبد الرحمن بن عمر بن أحمد بن عبد الله، مجد الدين، أبو المجد ابن الصّاحب كمال الدين، المعروف كبقيّة أقاربه بابن العديم (¬*) من البيت المشهور بالعلم والرّئاسة. ولد فى مستهلّ جمادى الأولى، سنة أربع عشرة وستّمائة، وأجاز له جماعة، واشتغل، وبرع فى فنون، ونظم الشّعر الحسن، ودرّس وخطب، ولمّا ملكت التّتار حلب، رحل إلى الدّيار المصريّة، وتولّى خطابة جامع عمرو بن العاص، ﵁، وكان أوّل حنفىّ وليها، ثم ولى قضاء الشّام بعد موت القاضى شرف الدين ابن عطاء، سنة ثلاث وسبعين وستّمائة. قال الذّهبىّ، فى «تاريخه»: كان قاضى القضاة مجد الدين ابن العديم مهيبا، محتشما، ذا دين وتعبّد، وأوراد يسيرة حميدة، بارعا فى المذهب، عارفا بالأدب، وكان والده الصّاحب كمال الدين إذا حضر مجلس الملك النّاصر، لا يحضر أحد فوقه، وكذلك فى المحافل، فإذا غاب والده، وحصل عائق، حضر مجد الدين، فقعد مكانه، لا يترفّع عليه أحد من صدور الحلبيّين والدّمشقيّين. ولمّا بنى الملك الظاهر مدرسته التى بين القصرين، رتّبوا مجد الدين لتدريس الحنفيّة بها، ولمّا حضر السلطان المدرسة المذكورة، كان هو لم يأت، فطلبه السلطان، فقيل: حتى يقضى

стр. 1291

ورد الضّحى، ثم جاء وقد تكامل الناس، فقاموا كلّهم له، ولم يقم هو فى ذلك المجلس لأحد، ولمّا قدم على قضاء الشّام، قدم بزىّ الفقراء والرّؤساء، ولم يعبأ بالمنصب، ولا غيّر لبسه، ولا وسّع أكمامه، وكان كثير الصّلاح والعبادة، له أوراد لا يقطعها. حكى عنه أنّه مرّ بوادى الرّبيعة (١)، وهو مخوف جدّا، فنزل وصلّى وقرأ ورده بين العشاءين، والغلمان ينتظرونه بالخيل، فلمّا فرغ ركب وسار، وكان يتواضع للصالحين، ويعتقد فيهم، وإذا حضر الدرس يكون فى مدرسته مملو كان تركيّان بكلاّوات (٢). كذا نقله فى «الرّوض البسّام»، عن تاريخ الحافظ الذّهبىّ. ومن نظم مجد الدين قوله (٣): أحنّ إلى قلبى ومن فيه نازل … ومن أجل من فيها تحبّ المنازل وأشتاق لمع البرق من نحو أرضكم … ففى البرق من تلك الثّغور رسائل وإن مال بان الدّوح ملت صبابة … فبين غصون البان منكم شمائل ولى أرب أن ينزل الرّكب بالحمى … لسيّال دمعى وهو للرّكب سائل وبى أنّه لا تنقضى أو أراكم … وأبصر نجدا وهو بالحىّ آهل ترى هل أراكم أو أرى من يراكم … وأبلغ منكم بعض ما أنا آمل وأحظى بقرب الطيف منكم وإنّه … ليقنعنى من وصلكم وهو باطل أطالب جفنى بالمنام وقد غدا … يواعدكم أن يلتقى وهو ماطل وقوله، فى وداع الملك النّاصر (٤): أقول لصحبى حين ساروا توقّفوا … لعلّى أرى من بالجناب الممنّع وألثم أرضا ينبت العزّ تربها … وأسقى ثراها من سحائب أدمعى /وينظر طرفى أين أترك مهجتى … كما أقسمت أن لا تسير غدا معى وما أنا إن خلّفتها متأسّفا … عليها وقد حلّت بأكرم موضع ولكن أخاف العمر فى البين ينقضى … على ما أرى والشّمل ليس بمجمع (٥)

стр. 1292

يمينا بمن ودّعته ومدامعى … تفيض وقلبى للفراق مودّعى لئن عاد لى يوما بمنعرج اللّوى … وأصبح سربى فيه غير مروّع غفرت ذنوبا أسلفتها يد النّوى … ولم أشك من جور الزّمان المضيّع وبشّرت آمالى بيوم لقائنا … ومتعت طرفى بالحديث ومسمعى (١) وفارقت أيّاما تولّت ذميمة … وقلت لأيّام السرور ألا ارجعى ومنه دو بيت (٢): أهوى قمرا مشى إلى الشّمع وقطّ … ما أنعم خدّه وما أنعم قطّ قد خطّ عذاره وما يعرف خطّ … ما أعشقنى فيه إذا نام وخطّ (٣) كذا أورد له ابن شاكر الكتبىّ، فى «تاريخه» هذا الدوبيت، مع كثير من شعره. وحكى عنه (٤) أنّه قال: رأيت فى المنام كأنّى قاصد الدّخول إلى بلدة صغيرة، فقيل لى: إنّ نجم الدين ابن إسرائيل (٥) قد صار كاتبا عند الوالى بها. فقلت فى النّوم: إلى كم ذا تغيّرك اللّيالى … وتبدى منك حالا بعد حال فطورا شيخ زاوية وفقر … وطورا كاتبا فى دار والى وكتب (٦) إلى ابن عمّه بدر الدين عبد الواحد من الرّبوة يستدعيه، ويلتمس منه اصطحاب نور الدين بن سعيد المغربىّ، وفخر الدين بن الجنّان الشّاطبىّ معه، قوله، رضى الله تعالى عنه: ربوتنا أصبحت عروسا … أثوابها لا تزال خضرا قد كلّلت بالنّدى وشاحا … تخاله فى العيون درّا والظّلّ فيها ضحى كليل … والزّهر قد عاد فيه زهرا والسّعد يقضى بأنّ طرفى … يشهد فيه سناك بدرا

стр. 1293

فأصحب النّور منك فخرا … يطلع منه الغمام فجرا يهزّ عطفيه فى ذراها … وينثنى نشوة وسكرا فإنّ قلبى أسرّ نورا … فاشتاق طرفى إليه جهرا فبادروا بالرّكوب واتلوا … سبحان من بالنّهار أسرى إذا رأيت الرّياض جهرا … شاهدت صنع الإله سرّا كأنّما الدّوح فيه جيش … على خيول النّسيم كرّا والنّهر فى الرّوض مثل إيم … يطلب من خوفه مفرّا (١) والماء فيه جرى بريدا … أراه ينهى إليك أمرا /مسابقا للنّسيم كيما … يلثم من راحتيك عشرا رسائل للنّسيم راقت … تحيل نظم الرّياض نثرا بقيت فى راحة وعزّ … ونعمة لا تزال تترى فأجابه بقوله (٢): لا غرو لى إن طلبت عذرا … عن أفق صرت فيه بدرا (٣) لا سيّما والرّياض أضحت … تهدى لنا من ثناك نشرا وسائل النّهر مدّ كفّا … ألقت إليه الغصون درّا (٤) لكنّه خاف حين مالت … عليه من سلبه ففرّا بربوة أصبحت عروسا … تهدى إليها النّفوس مهرا بتّ على نهرها فأضحى … يزيد بالجود منك بحرا (٥) لله كم من سطور دوح … يوما إذا ما ذكرت سطرى بها مقرّ ولست ممّن … يرضى بديلا عنها بمقرى سطرى؛ بفتح السّين وسكون الطّاء وراء مفتوحة وألف مقصورة، ومقرى؛ على ما ضبطه

стр. 1294

أبو الحسن على بن عبيد الكوفىّ المتقن الخطّ والضّبط، وعلى ما نقله ابن عدىّ، بالفتح ثم السكون وراء وألف مقصورة، وتكتب ياء لمجيئها رابعة. قال ياقوت (١): وأمّا المحدثون وأهل دمشق، على ضمّ الميم: قريبا من نواحى دمشق، ومن متنزّهاتها الحسنة الكثيرة المياه، الملتفّة الأشجار. قال عرقلة فيها (٢): سقى الله من سطرى ومقرى منازلا … بها للنّدامى منظر وسرور وقال فى مقرى توفيق بن محمد النّحوىّ (١): سقى الحيا أربعا تحيى النّفوس بها … ما بين مقرى إلى باب الفراديس رجع إلى تمام الأبيات: لو لم يكن دوحها سماء … لم يطلع الزّهر منه زهرا فالنّهر قد سلّ منه سيفا … به على الرّوض قد تجرّا وافى نسيم الصّبا رسولا … يهدى ويبدى نشرا وبشرا دعا فلبّاه كلّ داع … قد ملأ الأرض فيك شكرا (٣) طلعت شمسا فحزت نورا … وكنت مجدا فزدت فخرا وقلت فى ساعة قريضا … يتعبنى فى الجواب دهرا ما العمر إلاّ لديك يصفو … أولا فلا أرتضيه عمرا وكتب القاضى مجد الدين إلى الإسعردىّ (٤) صحبة طبق فاكهة (٥): يا أيّها النّور الذى يجلو الغسق … وجهك هذا قمر إذا اتّسق عساك أن تدنو دنوّ من ومق

стр. 1295

نحو غلام وكتاب وطبق … وإن تشأ فاقرأ أوائل الفلق /فأجابه النّور الإسعردىّ، بقوله (١): يا مجدا إلى ذرى الفضل سبق … ومن سما نحو المعالى وسمق (٢) يا حبّذا منك كتاب وطبق … وحبّذا الغلام لو كان يقق (٣) وكتب سعد الدين ابن عربىّ (٤) إلى القاضى مجد الدين، وقد عزموا على الخروج لملتقى والده الصّاحب كمال الدين، وقد عاد من الموصل، سنة ثلاث وخمسين وستّمائة، يطلب لرفيقه النّجم ابن أبى الطّيّب دابّة، قوله: النّجم مصاحبى قوىّ العزم … ما عندى ما يركبه للعدم والعبد يرجّى إن أتى صحبتنا … أن نسرع إذ سرنا بسير النّجم فسيّر إليه القاضى مجد الدين بغلة، وكتب إليه يقول: البغلة قد أصغت لحسن النّظم … سمعا وأتت مطيعة للرّسم بشراى إذا بصحبة النّجم لنا … فالسّعد مقارن لهذا النّجم ومن نظم القاضى مجد الدين أيضا، فى لاعب كرة، قوله (٥): لله ما أحلى شمائل أغيد … أجرى الدّموع له عذار واقف وكأنّما الكرة التى يسطو بها … قلب لديه من جفاه واجف وكأنّها إنسان عين محبّه … وكأنّما الجو كان برق خاطف (٦)

стр. 1296

قال فى «الرّوض البسّام»: ولم يزل على القضاء إلى أن مات بجوسقة (١) بدمشق، فى سادس عشر ربيع الآخر، سنة سبع وسبعين وستّمائة، وصلّى عليه بعد العصر بالجامع الأموىّ، ودفن بتربته التى أنشأها بالشّرف القبلىّ، جوار زاوية الجريرىّ، غربىّ الزّيتون، رحمه الله تعالى. ورثاه أبو الثّناء محمود بن سليمان بن فهد الحلبىّ، بقوله (٢): أقم يا سارى الخطب الذّميم … فقد أدركت مجد بنى العديم هدمت وكنت تقصر عنه بيتا … له شرف يطول على النّجوم قصدت ذوى الكمال فعاجلتهم … يداك بحلّ عقدهم النّظيم وأنت بكفّ بأسهم الرّزايا … حللت من المعالى فى الصّميم أتدرى من أصبت وكيف أمست … بك العلياء دامية الكلوم (٣) وكيف رفعت قدر الجهل لمّا … خفضت منار أعلام العلوم (٤) عثرت وقد ضللت بطود علم … أما تمشى على السّنن القويم (٥) بمن بسط النّدى وأنار عدلا … يكفّ اللّيث عن ظلم الظّليم (٦) صحيح الزّهد غادره تقاه … وخوف الله كالنّضو السّقيم (٧) مضى وسراج منزله الثّريّا … ومورد بيته قلب الغيوم (٨) وودّع والثّناء على علاه … يفوق مضاعف الغيث العميم (٩) وسار وكان للفضلاء منه … حنوّ المرضعات على الفطيم (١٠) /وغاب فأعدم الأسماع لفظا … أرقّ من المدامة للنّديم

стр. 1297

قلت: هذه الأبيات الثّلاثة، ضمّنها ابن فهد مع تغيير يسير، ثلاثة أعجاز من مقطوع، قاله المنازىّ (١) الشاعر المشهور، يصف واديا كثير الأشجار، طيّب التّربة، حسن المنظر، يقال له وادى بزاعة (٢)، من نواحى حلب، وهو: وقانا لفحة الرّمضاء واد … سقاه مضاعف الغيث العميم نزلنا دوحه فحنا علينا … حنوّ المرضعات على الفطيم وأرشفنا على ظمأ زلالا … ألذّ من المدامة للنّديم يراعى الشمس أنّى واجهتنا … فيحجبها ويأذن للنّسيم يروع حصاه حالية العذارى … فتلمس جانب العقد النّظيم وللمنازىّ أيضا مقطوع غير هذا فى غاية الحسن، من قبيل المطرب والمرقّص، لا بأس بإيراده هنا عند أخيه، ولم يشتهر للمنازىّ غير هذين المقطوعين، وله «ديوان شعر»، تطلّبه القاضى الفاضل من أقاصى البلاد وأدانيها، فلم يظفر به (٣)، والمقطوع الثانى هو قوله (٤): إذا صدح الحمام لنا بسجع … واصغى نحوه وطب تلاحى (٥) شجى قلب الخلىّ فقيل غنّى … وبرّح بالشّجىّ فقيل ناحا وكم للشّوق فى أحشاء صبّ … إذا اندملت أجدّ له جراحا ضعيف الصّبر عنك وإن تناءى … وسكران الفؤاد وإن تصاحى كذاك بنو الهوى سكرى صحاة … كأحداق الظّبى مرضى صحاحا والعذر فى إيراد هذين المقطوعين بتمامهما واضح بيّن، وهو قلّة وجود مثلهما رقّة، ولطافة، وانسجاما، وحسن سبك، خصوصا بعد حصول المناسبة، وقولهم: الشئ بالشئ يذكر. ويكفى لنا فى مدح هذين المقطوعين حجّة شهادة أبى العلاء المعرّىّ، إمام الفنّ، وقائد زمام البلاغة، وفارس ميدان الفصاحة، وذلك فيما روى من أنّ المنازىّ، قدم يوما

стр. 1298

على أبى العلاء بالشام، فوجده جالسا والناس يقرءون عليه، فأنشده أحد هذين المقطوعين، فقال له وهو لا يعرفه: أنت أشعر من بالشام. ثم مضى على ذلك برهة من الزمن، ثم اجتمع به فى العراق، وهو متصدّر فى أحد جوامع بغداد للإقراء، فأنشده المقطوع الآخر (١)، فلمّا فرغ من إنشاده، قال له: ومن بالعراق. وعدّت هذه من فضائل أبى العلاء، ومن أكبر الدّلائل على قوّة حفظه وفهمه، حيث عطف جملة على جملة تخلّل بينهما فيما يقال عدّة سنوات، وهو لا ينظر قائلهما، ولا يعرفه، وإنّما عرف أنّ قائل الشّعر الأوّل هو قائل الشعر الثانى، وأنّ النّفسين لرجل واحد، بقوّة الحافظة، وفرط الذّكاء، وهذا من أعجب العجائب، ويحكى عنه ما هو أعجب من ذلك، ولو كان محلّه لأوردنا منه شيئا كثيرا. رجع إلى تمام القصيدة: أمجد الدين دعوة مستهام … لأنواع الكآبة مستديم (٢) /حللت من الجنان أجلّ دار … وقلبى حلّ بعدك فى جحيم فما لي غير حزنى من صديق … ولا لى غير دمعى من حميم إذا ما شام نوء الأنس طرفى … ليمطرنى همى لى بالهموم سقاك من الجنان رحيق لطف … يدار عليك مفصوم الختوم (٣) ولا برحت ركاب المزن تسرى … إلى مثواك دائمة الرّسوم (٤) *** ١١٧٩ - عبد الرحمن بن عمر بن عبد الرحمن بن ثابت، أبو مسلم، التّيمىّ، تيم عدىّ، ابن بنت القاضى أبى جعفر السّمنانىّ (¬*) من أهل سمنان (٥). قدم بغداد وهو صغير، ابن ثمان سنين. سمع بها أبا علىّ الحسن بن شاذان، وغيره. وروى

стр. 1299

عن جعفر الدّامغانى، فى آخرين. وكان يقول: أنا حنفىّ، أشعرىّ. وأقام بالموصل أربعين سنة، وولى بها القضاء خمسة عشر سنة، ثم تركه وتاب عنه، كما حكاه هو عن نفسه. قال: رأيت فى النّوم قائلا يقول لى: الله قاض وأنت قاض!! ومات، ﵀، يوم الثلاثاء، تاسع المحرّم، سنة سبع وتسعين وأربعمائة، ودفن بمقبرة الشّونيزىّ. *** ١١٨٠ - عبد الرحمن بن محمد بن إبراهيم بن أحمد ابن أبى بكر بن عبد الوهّاب المرشدىّ المكّىّ، وجيه الدّين، أبو الجود (¬*) مولده سنة سبع وثمانمائة. وسمع على الزّين المراغىّ، «المسلسل بالأوّليّة»، و «ثلاثيّات البخارىّ»، وبعض «عوارف المعارف»، وبعض «رسالة القشيرىّ»، وسمع عليه أيضا «الصّحيحين» و «سنن أبى داود»، و «ابن حبّان»، وأجازه جمع كثير. وكانت وفاته بمكة، سنة اثنتين [وثمانين] (١) وثمانمائة، ودفن بالمعلاة. رحمه الله تعالى. *** ١١٨١ - عبد الرحمن بن محمد بن أميرويه بن محمد ابن إبراهيم الكرمانىّ، ركن الدين، أبو الفضل (¬**) قال السّمعانىّ فى «معجم شيوخه»: إمام أصحاب أبى حنيفة بخراسان. قدم مرو، وتفقّه على القاضى محمد بن الحسين الأردستانىّ (٢) فخر القضاة، وكان قد فرغ قبل قدومه من تعليقه

стр. 1300

المذهب ببلخ على عمر الحلجىّ، ولازمه إلى أن صار انظر أصحابه. ولم يزل يرتفع حاله؛ لاشتغاله بالعلم ونشره، وتكاثر الفقهاء لديه، وتزاحم الطّلبة عليه، إلى أن سلّم له التّقدّم بمرو، وصار مقبولا عند الخاصّ والعامّ. وانتشر أصحابه فى الآفاق، وظهرت تصانيفه بخراسان، والعراق، ودرس عليه العلماء، وكانوا يقرءون عليه التفسير والحديث فى شهر رمضان. سمع بكرمان والده، وبمرو أستاذه الأردستانىّ. تفقّه عليه بمرو، أبو الفتح محمد بن يوسف بن أحمد القنطرىّ السّمرقندىّ. ومن تصانيفه: «الجامع الكبير»، و «التّجريد» فى الفقه، فى مجلّد، وشرحه فى ثلاث مجلّدات، سمّاه «الإيضاح». قال السّمعانىّ: سمعت منه. وكانت ولادته بكرمان، فى شوّال، سنة سبع وخمسين وأربعمائة. وتوفّى ﵀ بمرو، عشيّة الجمعة، لعشر بقين من ذى القعدة، سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، بمدرسة القاضى الشّهيد، بأعلى [ماجان] (١). وسيأتى أبوه محمد فى بابه، إن شاء الله تعالى. كذا ذكره صاحب «الجواهر». وذكره الحافظ جلال الدين السّيوطىّ، وأثنى عليه بنحو ما هنا. *** ١١٨٢ - / عبد الرحمن بن محمد بن حسكا، أبو سعد، الحاكم، الفزّىّ (¬*) قاضى ترمذ، سكن بنيسابور مدّة. روى عنه الحاكم فى «تاريخ نيسابور»، وقال: لم يكن فى أصحاب أبى حنيفة أسند منه. وتوفّى، رحمه الله تعالى، سنة أربع وسبعين وثلاثمائة، وهو ابن اثنتين وتسعين سنة.
следующие страницы →