أصله من اليمن، ثم انتقل أبوه منها إلى بلاد الرّوم فسكنها، وولد صاحب الترجمة بها، ونشأ بمدينة بروسة.
وكان يقال له عرب زاده، على عادة الرّوم والتّرك (١) فى بلادهم، لمن يكون أصله عربيّا ولو ولد ببلادهم، ونشأ بها (١).
وكانت نشأته حسنة، على قدم جيّد.
ثم قدم القاهرة وهو شابّ، ونزل بقاعة الشيخونيّة، وقرأ على إمامها خير الدّين سليمان ابن عبد الله، وغيره، ونسخ بالأجرة مدّة، واشتغل./
ثم انقطع عن الناس، فلم يكن يجتمع بأحد، بل اختار العزلة، مع المواظبة على الجمعة والجماعات، ويبكّر إلى الجمعة بعد اغتساله لها بالماء البارد صيفا وشتاء، ولا يكلّم أحدا فى ذهابه وإيابه، ولا يجترئ أحد على الكلام معه، لهيبته ووقاره، وتورّع جدّا، بحيث إنه لم يكن يقبل من أحد شيئا، ومتى اطّلع على أن أحدا من الباعة حاباه؛ لكونه عرفه لم يعد إليه؛ وللخوف من ذلك كان يتنكّر ويشترى بعد العشاء الآخرة قوت يومين أو ثلاثة، وأقام على هذه الطّريقة أكثر من ثلاثين سنة، وكراماته كثيرة، ولم يكن فى عصره من يدانيه فى طريقته.
قال العينىّ: وثبت بالتّواتر أنه أقام أكثر من عشرين سنة لا يشرب الماء أصلا، وكان يقضى أيّامه بالصّيام، ولياليه بالقيام.
مات فى ليلة الأربعاء، ثانى شهر ربيع الأوّل، سنة ثلاثين وثمانمائة، وصلّى عليه العينىّ، وكان الجمع فى جنازته موفورا، مع أن أكثر الناس كان لا يعرفه، ولا يعلم بسيرته، فلما تسامعوا بموته هرعوا إليه، ونزل السّلطان من القلعة، فصلّى عليه بالرّميلة، وأعيد إلى الخانقاه، فدفن بجوار الشيخ أكمل الدّين، وحمل نعشه على الأصابع، وتنافس الناس فى شراء ثياب بدنه، واشتروها بأغلى الأثمان، فاتّفق أنه حسب ما اجتمع من ثمنها، فكان قدر ما تناوله من المعلوم من أوّل ما نزل بالخانقاه، وإلى أن مات، لا يزيد ولا ينقص، وعدّ هذا من كراماته، رحمه الله تعالى.
стр. 282
ذكره فى «الضوء اللامع».
***
١٢٣ - أحمد بن إبراهيم بن محمّد
ابن عمر بن عبد العزيز بن أبى جرادة، العقيلىّ
الحلبىّ، المعروف بابن العديم (¬*)
أخو كمال الدّين، قاضى الحنفيّة بالقاهرة.
وولى هذا قضاء حلب.
وله إجازة من عمر بن أميلة (١)، وموسى بن فيّاض.
ومن مسموعاته على بعض شيوخه عن إبراهيم بن صالح «جزء الجابرىّ»، وعلى محمّد ابن علىّ بن أبى سلاّم «مسلسلات التّيمىّ».
قال ابن حجر فى «المجمع المؤسّس»: وكان فى سنة خمس وعشرين موجودا، ثم لقيته فى سنة ست وثلاثين بحلب، وسمعت عليه من «عشرة الحدّاد»، وغير ذلك.
وقال السّخاوى، فى «الضوء اللامع»: إنه ولى عدّة مدارس، وحمدت سيرته، وكان محافظا على الجماعة والأذكار، ولم يكن تامّ الفضيلة، مع اشتغاله فى صغره.
وقد حدّث، وسمع منه الأئمة، وأخذ عنه غير واحد من أصحابنا، وأثنى عليه البرهان الحلبىّ.
مات ليلة الأربعاء، منتصف شوّال، سنة سبع وأربعين وثمانمائة (٢).
***
стр. 283
١٢٤ - أحمد بن إبراهيم بن محمد
الفقيه، الزّاهد، أبو حامد، البغولنىّ (¬*)
بفتح الباء الموحّدة، وضمّ الغين المعجمة، وفتح اللام، وفى آخره النون.
قال السّمعانىّ: هذه النسبة إلى بغولن. قال: وظنّى أنّها من قرى نيسابور؛ منها، أبو حامد، من أصحاب أبى حنيفة، وشيخهم فى عصره.
درّس بنيسابور، والعراق.
وتوفّى فى سابع عشر شهر رمضان، سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة، رحمه الله تعالى (١).
كذا فى «الجواهر المضيّة».
وقال فى «تاريخ الإسلام»: أحمد بن إبراهيم بن محمّد، العلاّمة، أبو حامد، البغولنىّ (٢)، النّيسابورىّ، الحنفىّ، الزّاهد.
شيخ أهل الرّأى/فى عصره، وزاهدهم.
أفتى، ودرّس، نحوا من ستّين سنة.
وكتب الحديث بنيسابور، والعراق، وبلخ، وترمذ، وحدّث.
ترجمه الحاكم، وقال: مات فى رمضان، واجتمع الخلق الكثير فى جنازته، رحمه الله تعالى.
***
стр. 284
١٢٥ - أحمد بن إبراهيم بن الشيخ كريم الدّين
ابن جلال الدّين بن (١) سيف الدّين، أبو السّيادة،
الحسينىّ (٢) الأودهىّ، الهندىّ (¬*)
قال السّخاوىّ فى «الضّو اللامع»، ومن خطّه نقلت: لقينى بمكّة فى المجاورة الثانية، فقرأ علىّ «البخارىّ»، ولازمنى فى أشياء، بل كتب عنّى ما (٣) أمليته هناك، وكتبت له إجازة حافلة. انتهى.
***
١٢٦ - أحمد بن إبراهيم بن يحيى
ابن أحمد الفزارىّ، الدّمشقىّ الحنفىّ، الكاتب (¬**)
يعرف أبوه بابن الكيّال.
ذكره السّخاوىّ، فى «الذّيل التّامّ لدول الإسلام».
وأرّخ وفاته فى شهر ذى الحجّة، سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة. رحمه الله تعالى.
***
١٢٧ - أحمد بن إبراهيم الكشّىّ الصّالحىّ (¬***)
ذكره ابن حجر فى «الدّرر الكامنة»، وقال فى حقه: كان من فضلاء الحنفيّة.
стр. 285
مات فى رجب، سنة خمس وتسعين وسبعمائة.
***
١٢٨ - أحمد بن إبراهيم الميدانىّ (¬*)
قال فى «الجواهر»: هكذا هو مذكور فى الكتب، كتب أصحابنا.
وهذه النّسبة إلى موضعين؛ أحدهما ميدان زياد بنيسابور، والثانى إلى محلّة بأصبهان.
***
١٢٩ - أحمد بن إبراهيم الفقيه (¬**)
قال فى «الجواهر»: هكذا هو مذكور فى «الذخيرة».
*وحكى (١) عنه فرعا، وهو أنّ من غسل وجهه، وغمّض عينيه شديدا، لا يجوز وضوءه.
ولعله الذى قبله. انتهى.
***
١٣٠ - أحمد بن أحمد بن عبد اللّطيف
ابن أبى بكر الأصيل الفاضل، المحدّث،
زين الدين-حفيد سراج الدّين-اليمانىّ،
الشّرجىّ الزّبيدىّ (¬***)
أحد أفاضل الحنفيّة، وأعيانهم.
стр. 286
ولد سنة ثمانمائة وستة عشر، بزبيد، ومات أبوه وهو حمل فسمّى باسمه.
واشتغل، ودأب، وحصّل، وسمع، وحدّث.
وكان أديبا، شاعرا، له مولّفات منها، «طبقات الخواصّ»، و «مختصر صحيح البخارىّ»، و «نزهة الأحباب» فى مجلّد كبير، يتضمّن أشياء كثيرة، من أشعار ونوادر، وملح، وحكايات، وفوائد، وهو كتاب يشمل على مائة فائدة، وغير ذلك.
مات سنة ثلاث وتسعين وثمانمائة، ونزل الناس فى زبيد بموته درجة فى الرّواية. رحمه الله تعالى.
***
١٣١ - أحمد بن أحمد بن محمود
ابن موسى الهمامىّ، شهاب الدّين، المقدسىّ،
ثمّ الدّمشقىّ، المقرى (¬*)
ويعرف بالعجيمىّ، وفى الشام بالمقدسىّ.
قرأ القراءات (١) على جماعة، منهم العلاء بن اللّفت، ومهر فيها، وتصدّى لإقرائها، فانتفع به جماعة؛ أولاده، وغيرهم.
وهو ممّن أخذ أيضا عن ابن الهمام، والعماد ابن شرف، وآخرين.
وتحوّل إلى الشام، فى سنة خمسة وعشرين، باستدعاء محمّد بن منجك؛ لإقراء بنيه، فقطنها، وتكسّب بكتابة المصاحف،/وكان متقنا فيها، مقصودا من الآفاق بسببها.
مات بدمشق، فى جمادى الأولى، سنة سبع وخمسين وثمانمائة.
قاله (٢) السّخاوىّ، نقلا عن الهمامىّ، ابن صاحب التّرجمة، رحمه الله تعالى.
***
стр. 287
١٣٢ - أحمد بن إدريس بن يحيى الماردانىّ الحنفىّ (¬*)
كان زكيّا، فاضلا، كثير المحفوظ.
وكتب الشّروط، وجلس تحت السّاعات، وكان يحبّ الكتب، وجمع منها شيئا كثيرا.
وحصل له فى آخر عمره مرض، وطال به، وتعلّل إلى أن مات، فى سنة ثمان وعشرين وسبعمائة. تغمده الله تعالى برحمته.
***
١٣٣ - أحمد بن إسحاق [بن محمد] بن أحمد
ابن إسحاق بن عبد الرحمن بن يزيد بن موسى،
أبو جعفر، الإصطخرىّ، الحلبىّ (¬**)
قاضى حلب، الملقب بالجرذ.
حدّث ببغداد ومصر، وحلب (١)، عن محمد بن معاذ المعروف ببدران، وأبى عبد الله أحمد ابن خليل الكندىّ الحلبىّ.
روى عنه ابن أخيه على بن محمّد بن إسحاق القاضى.
ذكره الخطيب (٢).
وذكره ابن عساكر، وقال: قضى (٣) بحلب فى أيّام سيف الدّولة ابن حمدان.
كذا ذكره عبد القادر فى «الجواهر».
стр. 288
(١) وذكره الذّهبىّ، فيمن توفّى فى حدود سنة خمسين وثلاثمائة (١).
***
١٣٤ - أحمد بن إسحاق بن البهلول
ابن حسّان بن سنان، أبو جعفر، التّنوخىّ،
الأنبارىّ الأصل (¬*)
ولى قضاء مدينة المنصور نحو عشرين سنة، وحدّث حديثا كثيرا.
وسمع أباه إسحاق بن البهلول، وإبراهيم بن سعيد الجوهرىّ، وأبا سعيد الأشجّ (٢)، وسعيد بن يحيى الأموىّ، وغيرهم.
وروى عنه أبو الحسن الجرّاحىّ، ومحمّد بن إسماعيل الورّاق، وأبو الحسن الدّارقطنىّ، وجماعة سواهم.
وكان ثقة.
قال طلحة بن محمّد، فى تسمية قضاة بغداد: وأحمد بن إسحاق بن البهلول بن حسّان ابن سنان التّنوخىّ، من أهل الأنبار، عظيم القدر، واسع الأدب، تامّ المروءة، حسن الفصاحة، حسن المعرفة بمذهب أهل العراق، ولكنّه غلب عليه الأدب.
وكان لأبيه إسحاق «مسند» كثير حسن، وكان ثقة، وحمل الناس عن جماعة من أهل هذا البيت، منهم البهلول بن حسّان، ثم ابنه إسحاق، ثم أولاد إسحاق.
حدّث منهم بهلول بن إسحاق، وحدّث القاضى أحمد بن إسحاق، وابنه محمّد، وحدّث ابن أخى القاضى داود بن الهيثم بن إسحاق، وكان أسنّ من عمّه القاضى، وأبو بكر يوسف بن يعقوب بن إسحاق الأزرق، وكان من جملة الكتّاب.
стр. 289
ولم يزل أحمد بن إسحاق بن البهلول على قضاء المدينة، من سنة ستّ وتسعين ومائتين، إلى شهر ربيع الآخر، سنة ست عشرة، ثم صرف. انتهى.
قال الخطيب: وكان ثبتا فى الحديث، ثقة، مأمونا، جيّد الضّبط لما حدّث به.
وكان متفننا فى علوم شتّى؛ منها: الفقه على مذهب أبى حنيفة وأصحابه، وربّما خالفهم فى مسيئلات يسيرة.
وكان تامّ العلم باللغة، حسن القيام بالنّحو على مذهب الكوفيّين، وله فيه كتاب ألّفه.
وكان واسع الحفظ للشّعر القديم والمحدث، والأخبار الطّوال/والسّير، والتفسير.
وكان شاعرا، كثير الشّعر جدّا، خطيبا، حسن الخطابة والتفوّه بالكلام، لسنا، صالح الحظّ من التّرسّل فى الكتابة، والبلاغة فى المخاطبة.
وكان ورعا، متخشّعا فى الحكم.
وتقلّد القضاء بالأنبار، وهيت (١)، وطريق الفرات، من قبل الموفّق بالله النّاصر لدين الله، فى سنة ستّ وسبعين ومائتين، ثم تقلّده للنّاصر دفعة أخرى، ثم تقلّده للمعتضد، ثم تقلّد بعض كور الجبل للمكتفى، فى سنة اثنتين وتسعين ومائتين، ولم يخرج إليها.
ثم قلده المقتدر بالله، فى سنة ست وتسعين، بعد فتنة ابن المعتز، القضاء بمدينة المنصور، مدينة السّلام، وطسّوجى (٢) قطربّل (٣)، ومسكن (٤)، وأنبار، وهيت، وطريق الفرات.
ثم أضاف له إلى ذلك بعد سنتين القضاء بكور الأهواز مجموعة، لمّا مات قاضيها إذ ذاك محمّد بن خلف، المعروف بوكيع، فما زال على هذه الأعمال، إلى أن صرف عنها، فى سنة سبع عشرة وثلاثمائة.
стр. 290
وروى [سبط] (١) ابن الجوزىّ فى «مرآة الزمان» بسنده عن أبى الحسن على بن محمّد ابن أبى جعفر بن البهلول، قال: طلبت السّيدة أمّ المقتدر من جدّى كتاب وقف بضيعة كانت ابتاعتها، وكان الكتاب فى ديوان القضاء، وأرادت أخذه لتحرقه، وتتملّك الوقف، ولم يعلم أحد بذلك، فحمله إلى الدار، وقال للقهرمانة: قد أحضرت الكتاب، فأين ترسم؟
فقالوا: نريد أن يكون عندنا.
فأحسّ بالأمر، فقال لأمّ موسى القهرمانة: تقولين لأمّ المقتدر السّيّدة، اتّقى الله، هذا والله ما لا سبيل إليه أبدا، أنا خازن المسلمين على ديوان الحكم؛ فإن مكّنتمونى من خزنه كما يجب، وإلا فاصرفونى، وتسلّموا الدّيوان دفعة واحدة، فاعملوا فيه ما شئتم، وأمّا أن يفعل شئ من هذا على يدى فو الله لا كان ذلك أبدا، ولو عرضت على السّيف.
ونهض والكتاب معه، وجاء إلى طيّارة، وهو لا يشك فى الصرف، فصعد إلى ابن الفرات، وحدّثه بالحديث، فقال: ألا دافعت عن الجواب، وعرّفتنى حتى أكتب، وأملى فى ذلك، والآن، أنت مصروف، فلا حيلة لى مع السّيّدة فى أمرك.
قال: وأدّت القهرمانة الرسالة إلى السّيّدة، فشكت إلى المقتدر، فلما كان يوم الموكب خاطبه المقتدر شفاها فى ذلك، فكشف له الصّورة، وقال له مثل ذلك القول والاستعفاء.
فقال له المقتدر: مثلك يا أحمد من قلّد القضاء، أقم على ما أنت عليه، بارك الله فيك، ولا تخف أن ينثلم محلّك عندنا.
قال: فلما عاودت السّيّدة، قال لها المقتدر: الأحكام ما لا طريق إلى اللّعب بها، وابن البهلول مأمون علينا، محبّ لدولتنا، ولو كان هذا شيئا يجوز لما منعك (٢) إيّاه.
فقالت السّيّدة: كأنّ هذا لا يجوز!.
فقيل لها: لا، هذه حيلة من أرباب الوقف على بيعه. وأعلمها كاتبها ابن عبد الحميد شرح الأمر، وأن الشراء لا يصحّ بتمزيق الكتاب، وأن هذا لا يحلّ، فارتجعت المال وفسخت
стр. 291
الشّراء، وعادت تشكر جدّى، وانقلب ذلك أمرا جميلا عندهم، فقال جدّى بعد ذلك: من قدّم أمر الله على أمر المخلوق كفاه الله شرّهم.
وحدّث القاضى أبو نصر يوسف بن عمر بن القاضى أبى عمر محمد بن يوسف، قال:
كنت أحضر/دار المقتدر، وأنا غلام حدث بالسّواد، مع أبى أبى الحسين، وهو يومئذ يخلف أباه أبا عمر، وكنت أرى فى بعض المواكب أبا جعفر القاضى يحضر بالسّواد، فإذا رآه أبى عدل إلى موضعه، فجلس عنده، فيتذاكران بالشّعر والأدب والعلم، حتى يجتمع عليهما من الخدم عدد كثير، كما يجتمع على القصّاص، استحسانا لما يجرى بينهما؛ فسمعته يوما قد أنشد بيتا، لا أذكره الآن، فقال له أبى: أيها القاضى، إنّى أحفظ هذا البيت بخلاف هذه الرواية.
فصاح عليه أبو جعفر صيحة عظيمة، وقال، اسكت ألى تقول هذا، وأنا أحفظ لنفسى من شعرى خمسة عشر ألف بيت، وأحفظ للناس أضعاف ذلك وأضعافها. يكرّرها مرارا.
وحدّث القاضى أبو طالب محمّد بن القاضى أبى جعفر بن البهلول، قال: كنت مع أبى فى جنازة بعض أهل بغداد من الوجوه، وإلى جانبه جالس أبو جعفر الطّبرىّ، فأخذ أبى يعظ صاحب المصيبة، ويسلّيه، وينشده أشعارا، ويروى له أخبارا، فداخله الطّبرىّ فى ذلك، ثم اتّسع الأمر بينهما فى المذاكرة، وخرجا إلى فنون كثيرة من الأدب، والعلم، استحسنها الحاضرون، وعجبوا منها، وتعالى النّهار، وافترقنا.
فلما جعلت أسير خلفه، قال لى أبى: يا بنىّ، هذا الشيخ الذى داخلنا اليوم فى المذاكرة من هو، أتعرفه؟
فقلت: يا سيّدى، كأنك لم تعرفه!
فقال: لا.
فقلت: هذا أبو جعفر محمّد بن جرير الطّبرىّ.
فقال: إنا لله، ما أحسنت عشرتى يا بنىّ.
فقلت: كيف يا سيّدى؟.
стр. 292
قال: ألا قلت لى فى الحال، فكنت أذاكره غير تلك المذاكرة، هذا رجل مشهور بالحفظ، والاتّساع فى صنوف العلوم، وما ذاكرته بحسبها.
قال: ومضت على هذا مدّة، فحضرنا فى جنازة أخرى، وجلسنا، فإذا بالطّبرىّ قد أقبل، فقلت له قليلا قليلا: هذا أبو جعفر الطّبرىّ قد جاء مقبلا.
قال: فأوما إليه بالجلوس عنده، فأوسعت له حتى جلس إلى جنبه، وأخذ أبى يحادثه، فلما جاء إلى قصيدة ذكر الطّبرىّ منها أبياتا، قال أبى: هاتها يا أبا جعفر إلى آخرها.
فيتلعثم الطّبرىّ، فينشدها أبى إلى آخرها.
وكلّما ذكر أشياء من السّير، قال أبى: كان هذا فى قصّة فلان، ويوم بنى فلان، مرّيا أبا جعفر فيه.
فربمّا مرّ، وربّما تلعثم، فيمرّ أبى فى جميعه.
قال: فما سكت أبى يومه ذلك إلى الظهر، وبان للحاضرين تقصير الطّبرىّ عنه، ثم قمنا، فقال لى أبى: الآن شفيت صدرى.
وعن أبى بكر ابن الأنبارىّ، أنه كان يقول: ما رأيت صاحب طيلسان أنحى من القاضى أبى جعفر ابن البهلول.
وكانت وفاته فى شهر ربيع الآخر، من سنة ثمان عشرة وثلاثمائة، بعد أن أريد إلى العود إلى منصب القضاء فامتنع، وقال: أحبّ أن يكون بين الصّرف والقبر فرجة.
قيل له (١): فابذل شيئا، حتى يردّ العمل إلى ابنك.
فقال: ما كنت لأتحمّلها حيّا وميّتا.
وقال فى ذلك (٢):
تركت القضاء لأهل القضاء … وأقبلت أسمو إلى الآخره
стр. 293
فإن يك فخرا جليل الثناء … فقد نلت منه يدا فاخره
وإن يك وزرا فأبعد به … فلا خير فى إمرة وازره
وقال أيضا (١):
/أبعد الثّمانين أفنيتها … وخمسا وسادسها قد نما
ترجّى الحياة وتسعى لها … لقد كاد دينك أن يكلما
وقال أيضا (٢):
إلى كم تخدم الدّنيا … وقد جزت الثّمانينا
لئن لم تك مجنونا … لقد فقت المجانينا (٣)
***
١٣٥ - أحمد بن إسحاق بن شيث (¬*)
ابن نصر بن شيث، أبو نصر، الأديب،
الفقيه، الصّفّار (¬*)
من أهل بخارى.
تقدّم ذكر ابن (٤) ابنه إبراهيم بن إسماعيل بن أحمد.
قال السّمعانىّ: له بيت فى العلم إلى السّاعة ببخارى، ورأيت من أولاده جماعة.
стр. 294
وسكن أبو نصر هذا مكّة، وكثرت تصانيفه، وانتشر علمه بها.
ومات بالطّائف، وقبره هناك.
وذكره الحاكم فى «تاريخ نيسابور»، وأثنى عليه بالفقه والأدب، وقال: إنه لم ير فى سنّه ببخارى من هو أحفظ منه فهما.
قال: وكان قد طلب الحديث مع أنواع العلم، وأنشدنى لنفسه من الشّعر المتين ما يطول شرحه. انتهى.
***
١٣٦ - أحمد بن إسحاق بن صبيح
الجوزجانىّ، أبو بكر (¬*)
صاحب أبى سليمان الجوزجانىّ.
قال فى «الجواهر»: كان من الجامعين بين علم الأصول، وعلم الفروع، وكان فى أنواع العلوم فى الذّروة العليا.
وله كتاب «الفرق والتّمييز»، وكتاب «التوبة»، وغيرهما.
***
١٣٧ - أحمد بن إسحاق الجوزجانىّ، الإمام،
أبو بكر (¬**)
تلميذ أبى سليمان موسى بن سليمان الجوزجانىّ.
أستاذ أبى نصر أحمد بن العبّاس العياضىّ.
стр. 295
كذا ذكره فى «الجواهر»، ثم قال: لعلّه أحمد بن إسحاق بن صبيح (١)، الذى قبله.
***
١٣٨ - أحمد بن أسد (¬*)
من أقران شمس الإسلام محمود الأوزجندىّ (٢).
ذكره فى «الجواهر».
***
١٣٩ - أحمد بن أسعد بن المظفّر
الإمام، عزّ الدّين، أبو الفضل (¬**)
كان إماما، عالما، فقيها، له مشاركة فى عدّة علوم.
وأفتى، ودرّس، وانتفع به جماعة من الطلبة.
وكان له حظّ وافر من العبادة، والنّسك.
ولد فى ذى الحجّة، سنة ثمانين وخمسمائة.
ومات بكاشغر (٣) فى تاسع شهر رجب، سنة سبع وستين وستمائة، وصلّى عليه بجامعها بعد صلاة الجمعة، قريب من ستّة آلاف نفس، رحمه الله تعالى.
***
١٤٠ - أحمد بن الأسود
أبو علىّ، القاضى، البصرىّ (¬***)
سمع يزيد بن هارون، وجماعة.
стр. 296
وولى قضاء قرقيسيّا (١).
ذكره ابن حبّان فى «الثّقات»، وقال: حدّثنا عنه أحمد بن عبد الله الجسرىّ (٢).
مات سنة خمس وسبعين ومائتين. رحمه الله تعالى.
***
١٤١ - أحمد بن إسماعيل بن إبراهيم
أبو العبّاس، شهاب الدّين، الجوهرىّ، القادرىّ (¬*)
ولد سنة خمس وأربعين وثمانمائة، أو التى بعدها.
وحفظ القرآن العظيم، وبعض المتون.
وأخذ الفقه، والحديث، والعربيّة عن التّقىّ الشّمنّىّ.
وأخذ أيضا عن الأمين الأقصرائىّ، والكافيجى (٣)، وغيرهما.
ولازم الزّين قاسما، وأخذ عنه كثيرا من الفقه وأصوله، والحديث، و «أوقاف الخصّاف»،/وجملة من رسائله وتصانيفه.
وقرأ على النّظام فى «شرح الشمسيّة» للقطب، وفى «شرح أكمل الدّين على المنار»، وأكثر من القراءة حتى على غير أهل مذهبه.
وحجّ، ودخل الشام، وغيره.
وناب فى القضاء عن المحبّ ابن الشّحنة، وأجيز بالإفتاء والتدريس، ببعض المدارس.
وكان مداوما للإشغال، والاشتغال، مع التّواضع، والعفّة، والعقل، وحسن المحاضرة.
стр. 297
ومات سنة ثلاث وتسعين وثمانمائة، رحمه الله تعالى.
***
١٤٢ - أحمد بن إسماعيل بن عامر، أبو بكر،
السّمرقندىّ (¬*)
رئيس سمرقند.
روى عن أبى عيسى التّرمذىّ، وسعيد بن خشنام (١).
وذكره الحافظ أبو العبّاس المستغفرىّ، فى «تاريخ نسف»، وقال: نزل فى دارنا أيّام جدّى أبى بكر ابن المستغفرىّ، وحدّث بها، وكان كثير الحديث.
مات ببخارى، سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة. رحمه الله تعالى.
***
١٤٣ - أحمد بن إسماعيل بن عثمان
الإمام، العلاّمة، شهاب الدّين،
الكورانىّ، الشافعىّ، ثم الحنفىّ (¬**)
ولد سنة ثلاث عشرة وثمانمائة.
ودأب فى فنون العلم، حتى فاق فى المعقولات، والمنقولات، واشتهر بالفضيلة.
ودخل القاهرة (٢)، ورحل إلى الرّوم، وصادف من ملكها السّلطان مراد خان حظوة، فاتّفق أنه مات وهو هناك الشيخ شمس الدّين الفنرىّ، فسأله السّلطان أن يتحنّف، ويأخذ وظائفه، ففعل، وصار المشار إليه فى المملكة الرّوميّة.
стр. 298
وألّف للسّلطان محمّد بن السّلطان مراد خان قصيدة فى علم العروض، ستمائة بيت، سمّاها «الشافية فى علم العروض والقافية».
مات سنة أربع وتسعين وثمانمائة.
ومن نظمه قصيدة يمدح بها النبىّ ﷺ ، منها (١):
لقد جاد شعرى فى ثناك فصاحة … وكيف وقد جادت به ألسن الصّخر
لئن كان كعب قد أصاب بمدحة … يمانيّة تزهو على التّبر فى القدر
فلى أمل يا أجود النّاس بالعطا … ويا عصمة العاصين فى ربعة الحشر (٢)
شفاعتك العظمى تعمّ جرائمى … إذا جئت صفر الكفّ محتمل الوزر
وأوّل منظومة «الشافية» قوله (٣):
بحمد إله الخلق ذى الطّول والبرّ … بدأت بنظم طيّه عبق النّشر
وثنّيت حمدى بالصّلاة لأحمد … أبى القاسم المحمود فى كربة الحشر
صلاة تعمّ الآل والشّيع الّتى … حموا وجهه يوم الكريهة بالنّصر
ذكره الحافظ جلال الدّين السّيوطىّ، فى كتابه «نظم العقيان، فى أعيان الأعيان».
وذكره صاحب «الشقائق»، فقال ما ملخّصه: إن الكورانىّ كان حنفىّ المذهب، قرأ ببلاده، وتفقّه، ثم ارتحل إلى القاهرة، وقرأ بها القراءات العشر، وسمع الحديث، وأجازه ابن حجر، وغيره.
ثم رحل إلى الدّيار الرّوميّة، واجتمع بالسّلطان مراد خان، فأكرمه، وعظّمه، وجعله مؤدّبا لولده السّلطان محمد، فأقرأه القرآن، وأحسن تأديبه.
ثم إن السلطان محمدا المذكور لمّا جلس على سرير الملك، بعد موت أبيه، عرض الوزارة عليه، فأبى ولم يقبل، وقال: إنّ من ببابك من الخدم والعبيد، إنما يخدمونك/لينالوا الوزارة فى آخر أمرهم، فإذا كان الوزير من غيرهم تتغيّر خواطرهم، ويختلّ أمر السّلطنة. فأعجبه ذلك.
стр. 299
وعرض عليه قضاء العسكر، فقبله، وباشره أحسن مباشرة، وقرّب أهل الفضل، وأبعد أهل الجهل.
ثم إنّ السّلطان عزله، وأعطاه قضاء بروسة، وولاية الأوقاف بها، فلم يزل بها ينفّذ الأحكام، ويعدل بين الأخصام، إلى أن ورد عليه مرسوم مخالف للشّرع الشريف، فحرقه، وعزّر من هو بيده.
فلما بلغ السّلطان ذلك عزله عن القضاء، ووقع بينهما بسبب ذلك منافرة ووحشة.
فرحل الكورانىّ إلى الدّيار المصريّة، وكان سلطانها إذ ذاك الملك الأشرف قايتباى، فأكرمه غاية الإكرام، وأقبل عليه الإقبال التامّ، وأقام عنده مدّة، وهو على نهاية من الإجلال والتّعظيم.
ثم إنّ السّلطان محمّدا ندم على ما فعل، وأرسل إلى قايتباى، يلتمس منه إرساله إليه، فذكر ذلك للكورانىّ، ثم قال له: لا تذهب إليه؛ فإنّى أكرمك فوق ما يكرمك.
فقال له الكورانىّ: نعم أعرف ذلك، إلاّ أن بينى وبينه محبّة أكيدة، كما بين الوالد والولد، وما وقع بيننا من التّنافر لا يزيلها، وهو يعرف أنّى أميل إليه بالطّبع، فإذا امتنعت من الذهاب إليه، لا يفهم إلاّ أن المنع كان من جانبك، فتقع بينكما عداوة.
فاستحسن السّلطان قايتباى منه ذلك، وأهبّ له ما يحتاج إليه فى السّفر، ووهبه مالا جزيلا، وأرسل معه بهدايا عظيمة إلى السّلطان محمّد خان.
فلما وصل إليه أكرمه فوق العادة، وفوّض إليه قضاء بروسة، فأقام به مدّة.
ثم فوّض إليه منصب الفتوى بالدّيار الرّوميّة، وعيّن له كل يوم مائتى درهم، وكلّ شهر عشرين ألف درهم، وكلّ سنة خمسين ألف درهم، سوى ما كان يتفقّده به من الهدايا والتّحف، والعبيد والجوارى.
وعاش فى كنف حمايته فى نعم وافرة، وإدرارات متكاثرة.
وصنّف هناك «تفسير القرآن الكريم»، وسمّاه «غاية الأمانى فى تفسير السّبع
стр. 300
المثانى»؛ أورد فيه مؤاخذات كثيرة، على العلاّمتين الزّمخشرىّ والبيضاوىّ، رحمهما الله تعالى، وصنّف أيضا «شرح البخارىّ»، وسمّاه ب «الكوثر الجارى على رياض البخارى»، ردّ فى كثير من المواضع فيه على الكرمانىّ، وابن حجر، وصنّف «حواشى» لطيفة مقبولة على «شرح الشاطبيّة» للجعبرىّ.
وكانت أوقاته كلّها مصروفة فى التأليف والفتوى، والتدريس والعبادة.
وتخرّج به جماعة كثيرة.
حكى عنه أنّه كان يختم القرآن فى أكثر لياليه، يبتدئ فيه بعد صلاة العشاء الآخرة، ويختمه عند طلوع الفجر.
وكان رجلا طوالا، مهيبا، كبير اللّحية، وكان يصبغها، وكان قوّالا بالحق، لا تأخذه فى الله لومة لائم، يخاطب السّلطان والوزير باسمهما، وإذا لقى أحدا منهما يسلّم ﵇ الشّرعىّ، ولا ينحنى له، ويصافحه، ولا يقبّل يده، ولا يذهب إلى السّلطان إلاّ إذا دعاه، وكان كثير النّصيحة لمخدومه السلطان محمّد، قوىّ القلب فى الإقدام بها عليه.
وممّا يحكى عنه، أنه قال مرّة لمخدومه المذكور معاتبا: إن الأمير تيمور أرسل بريدا فى مصلحة من المصالح المهمّة، وقال له: إن/احتجت فى الطّريق إلى فرس فخذ فرس كلّ من لقيته، ولو كان ابنى شاه رخ.
فتوجّه البريد إلى ما أمر به، فلقى فى طريقه العلاّمة سعد الدّين التفتازانىّ، وهو نازل فى بعض المواضع، وخيله مربوطة بإزاء خيمته، فأخذ البريد منها فرسا واحدا، فظهر السّعد إليه من الخيمة، وأمسكه وأخذ الفرس منه، وضربه ضربا شديدا.
فرجع البريد إلى تيمور، وأخبره بذلك، فغضب غضبا شديدا، ثم قال: لو كان ابنى لقتلته، ولكن كيف أقتل رجلا ما دخلت إلى بلدة إلا وقد دخلها تصنيفه قبل دخول سيفى.
ثم قال الكورانىّ: إن تصانيفى تقرأ الآن بمكة، ولم يبلغ إليها سيفك.
فقال له السّلطان محمّد خان: نعم، كان الناس يكتبون تصانيفه، ويرحلون من سائر الأقطار إليها، وأمّا أنت فكتبت تصنيفك، وأرسلت به إلى مكة.
стр. 301
فضحك الكورانىّ، واستحسن هذا الجواب غاية الاستحسان.
وفضائل الكورانىّ ومناقبه كثيرة جدّا، وفيما ذكرناه منها مقنع.
وكانت وفاته سنة ثلاث وتسعين وثمانمائة، بمدينة قسطنطينيّة، ودفن بها، وكان له جنازة حافلة، حضرها السّلطان فمن دونه، وكثر البكاء عليه، وتأسّف الناس على فراقه، رحمه الله تعالى.
***
١٤٤ - أحمد بن إسماعيل بن محمّد
ابن صالح بن وهيب بن عطاء بن جبير بن جابر
ابن وهيب الأذرعىّ الأصل، الدّمشقىّ
نجم الدّين، المعروف بابن الكشك (¬*)
ولد سنة عشر وسبعمائة تقريبا.
وأجاز له أبو محمد القاسم بن المظفّر بن عساكر الطبيب، ويحيى بن محمّد بن سعيد، وأبو بكر ابن مشرّف، وأبو عبد الله ابن أبى الهيجاء بن الزّرّاد (١)، وزينب بنت عمر بن شكر، وجماعة غيرهم.
وسمع «الصحيح» من أبى العبّاس ابن الشّحنة، وسمع من غيره.
وتفقّه، وقدم القاهرة، فقرّر فى قضاء الحنيفيّة، بعد موت القاضى صدر الدّين ابن التّركمانىّ، وكان خبيرا بالمذهب، كثير الاستحضار لفروعه.
ودرّس بأماكن متعدّدة، بدمشق، وغيرها.
وحدّث «بالصّحيح» بالقاهرة.
стр. 302
ولم تطب له الإقامة بمصر، فترك المنصب، واستعفى، ورجع إلى دمشق، ولزم داره.
ثم ولى قضاء دمشق، وكان وليه قبل ذلك.
واتّفق أنه كان له قريب فى عقله خلل، فجاء وطلب منه شيئا، فمنعه، فضربه بسكّين، فمات منها، وذلك فى ذى الحجّة، سنة تسع وتسعين وسبعمائة، فقبض على القاتل، فقتل نفسه أيضا.
قال أحمد ابن الشّحنة: وهو أحد من بقى من قدماء المدرّسين والقضاة، وقد أجاز لى غير مرّة.
وأنجب أولادا تولّوا بعده المنصب.
وكانت فيهم حشمة، ورياسة، وتودّد للناس، ونفع للقادمين.
وكان آخر من بقى منهم القاضى شهاب الدّين أحمد، وقد طلب لولاية القضاء بالدّيار المصرية مرّة، ولكتابة السّرّ أخرى، فاستعفى من ذلك، وكانت وفاته بدمشق، فى سنة ثلاث (١) وثلاثين وثمانمائة، ولم يخلّف بعده أرأس منه، رحمه الله تعالى.
***
١٤٥ - أحمد بن إسماعيل، شهاب الدّين، الرّومىّ (¬*)
سمع «الصّحيح» من ستّ الوزراء، وابن الشّحنة.
وناب فى الحكم عن جمال الدّين ابن التّركمانىّ.
وولى قضاء منية الشّيرج (٢)، والمرج.
ومات فى ثانى عشر ذى الحجّة، سنة ستّين وسبعمائة، رحمه الله تعالى.
***
стр. 303
١٤٦ - أحمد بن إسماعيل التّمرتاشىّ (¬*)
صنف كتاب «التّراويح».
ذكره فى «الجواهر»، ثم ذكر بعده شخصا آخر، يقال له أحمد بن إسماعيل التّمرتاشىّ، أبو العباس، شرح «الجامع الصّغير».
ثم قال: لعله الذى قبله.
***
١٤٧ - أحمد بن أبى بكر بن رجب
الرّومىّ الخرتبرتيّ، الخطيب (¬**)
خطيب قلعة دمشق، ومدرّسها.
قال البرزاليّ: كان شيخا كبيرا، جاوز التّسعين، فلما توفّى ليلة الاثنين، الرابع عشر من شهر ربيع الآخر، سنة سبعمائة وتسعة عشر، قرّر ولده فى الخطابة، وولى التدريس محيى الدّين الأسمر.
***
١٤٨ - أحمد بن أبى بكر بن صالح
ابن عمر، الشيخ، الإمام، العالم،
شهاب الدّين، أبو العبّاس، المرعشىّ (¬***)
عالم حلب، انتهت إليه رياسة العلم بها فى زمنه.
стр. 304
مولده بمرعش (١) سنة ستّ وثمانين وسبعمائة، وقرأ بها القرآن الكريم، وحفظ بعض المختصرات.
ثم رحل إلى عين تاب (٢)، وتفقّه على علمائها.
ثم رحل إلى حلب بعد أن أذن له بالإفتاء، والتّدريس، وقرأ بها على جماعة، منهم العلامة عمر البلخىّ، بحث عليه فى «الكشّاف»، و «شرح المفتاح» وبحث فى «المغنى» على الإمام شمس الدّين محمّد بن سلامة الماردينىّ، وسمع عليه «الصّحيحين».
وبرع فى الفقه، والأصول، والعربيّة، وشارك فى عدّة فنون.
وتصدّر للإفتاء والتّدريس بحلب، وانتفع به الطلبة.
وألّف كتبا كثيرة؛ منها «كنوز الفقه» فى المذهب، ونظم «العمدة» للنّسفىّ، فى أصول الدّين، وزاد عليها، وخمّس البردة.
وعرض عليه الملك الظاهر جقمق القضاء بحلب، فامتنع تنزّها على ضيق عيش، ورقّة حال.
وكان فى عصره عالم البلاد الحلبيّة.
وكان موجودا فى سنة ستّ وثلاثين وثمانمائة.
كذا لخصت هذه التّرجمة من «الغرف العليّة».
***
١٤٩ - أحمد بن أبى بكر بن عبد الوهّاب
القزوينىّ، أبو عبد الله، بديع الزمان، العلاّمة (¬*)
قال فى «الجواهر»: رأيت له «الجامع الحريز، الحاوى لعلوم كتاب الله العزيز».
كان مقيما بسيواس (٣)، فى سنة عشرين وستمائة.
***
стр. 305
١٥٠ - أحمد بن أبى بكر بن محمّد العبّادىّ (¬*)
نسبة لمنية عبّاد، قرية بالغربيّة.
قال ابن حجر: تفقّه على السّراج الهندىّ.
وفضل، ودرّس، وشغل.
ثم صاهر القليجىّ، وناب فى الحكم، ووقّع على القضاة.
ودرّس بمدرسة النّاصر حسن، وكان يجمع الطّلبة، ويحسن إليهم.
وحصلت له محنة مع السّالمىّ، ثم أخرى مع الملك الظّاهر.
ومات فى ثامن عشر أو تاسع عشر شهر ربيع الآخر، سنة إحدى وثمانمائة، رحمه الله تعالى.
وقال فى «المنهل»: كان إماما علاّمة (١)، بارعا، فقيها، نحويّا، من أعيان فقهاء الحنفيّة.
ودرّس، وأفتى، عدّة سنين، فى علوم كثيرة.
***
١٥١ - أحمد بن أبى بكر بن محمّد
ابن غازى بن سليمان، أبو العبّاس، شهاب الدّين (¬**)
عرف بابن سلك (٢).
مولده سنة تسعين وستمائة.
стр. 306
درّس، وأفتى، وناب فى الحكم.
وكانت وفاته (١) سنة تسع وأربعين وسبعمائة، رحمه الله تعالى.
***
١٥٢ - / أحمد أبى بكر الخاصىّ (¬*)
والد يوسف الآتى ذكره، إن شاء الله تعالى
*قال فى «الجواهر»: حكى يوسف فى «فتاويه»، فيمن تزوّج امرأة بشهادة شهود، على مهر مسمّى، ومضى على ذلك سنون، وولدت أولادا ومضى سنون، ثم مات الزوج، ثم إنها استشهدت الشهود أن يشهدوا على ذلك المسمّى، وهم يتذكّرون. استحسن مشايخنا أنّهم لا يسعهم أن يشهدوا، بعد اعتراض هذه العوارض، من ولادة الأولاد، ومضىّ الزمان، لاحتمال سقوطه، كلّه أو بعضه عادة. وكان يفتى بهذا والدى (٢)، ثمّ رجع وأفتى كما هو ظاهر جواب «الكتاب» (٣) أنه يجوز، وبه يفتى.
قال عبد القادر: ولا أدرى هذه النّسبة إلى أىّ شئ (٤)، ولم يذكرها السّمعانىّ، والله تعالى أعلم.
***
١٥٣ - أحمد بن أبى الحارث (¬**)
* قال الجرجانىّ فى «الخزانة» (٥): قال أبو العبّاس النّاطفىّ: رأيت بخطّ بعض
стр. 307
مشايخنا، فى رجل جعل لأحد بنيه دارا بنصيبه، على أن لا يكون له بعد موت الأب ميراث.
جاز.
وأفتى به الفقيه أبو جعفر محمّد بن اليمان، أحد أصحاب محمّد بن شجاع الثّلجىّ (١).
وحكى ذلك أصحاب (١) أحمد بن أبى الحارث، وأبى عمرو الطّبرىّ.
***
١٥٤ - أحمد بن أبى دواد بن حريز
ابن مالك بن عبد الله بن سلاّم بن مالك
-يتّصل نسبه بإياد بن نزار بن معدّ بن عدنان-
الإيادىّ، أبو عبد الله، القاضى (¬*)
(٢) أصله من البصرة، وسكن بغداد (٢).
ويقال إن اسم والده دعمى (٣)، ويقال: فرج (٤). قال الخطيب البغدادىّ: والصّحيح أن اسمه كنيته.
وكانت ولادته كما نقله أبو العيناء عنه، سنة ستّين ومائة، وكان أسنّ من يحيى بن أكثم.
قال الخطيب: ولى القضاء للمعتصم، والواثق، وكان موصوفا بالجود، وحسن الخلق،
стр. 308
ووفور الأدب، غير أنه أعلن بمذهب الجهميّة، وحمل الخليفة على امتحان العلماء بخلق القرآن.
وقال الدّارقطنىّ: هو الذى كان يمتحن العلماء فى زمانه، وولى قضاء القضاة للمعتصم، والواثق، وكان هو الذى يولّى قضاة البلاد كلها من تحت يده، واستمرّ فى أيّام دولة المتوكّل، ثمّ صرف، وصودر.
وقال أبو العيناء: كان أحمد بن أبى داود شاعرا مجيدا، فصيحا، بليغا، ما رأيت رئيسا أفصح منه، وكان فى غاية التّأدّب، ما خرجت من عنده يوما فقال: يا غلام، خذ بيده. بل كان يقول: اخرج معه. فكنت أفتقد هذا الكلام فما أخلّ به قطّ، وما كنت أسمعها من غيره.
وقال النّديم فى «الفهرست»: كان من كبار المعتزلة، تجرّد فى إظهار المذهب، وذبّ عن أهله، وبالغ فى العناية به، وكان من صنائع يحيى بن أكثم، وهو الذى أوصله إلى المأمون، ثم اتّصل بالمعتصم فغلب عليه، ولم يكن يقطع أمرا دونه، ولم ير فى أبناء جنسه أكرم منه.
وقال الصّولىّ: كان يقال أكرم من فى دولة بنى العباس البرامكة، ثم أحمد بن أبى دواد، لولا ما وضع به نفسه من محبّة (١) المحنة بخلق القرآن، والمبالغة فى ذلك، واللّجاج فيه، وحمل الخلفاء عليه، ولولا ذلك لأجمعت الألسن على الثّناء عليه، ولم يضف إلى كرمه كرم أحد.
ويقال: إنّه لم يكن له أخ من إخوانه إلا بنى له دارا، ووقف على ولده ما يغنيهم أبدا، ولم يكن لأخ من إخوانه ولد إلاّ من جارية وهبها له.
وممّا يحكى من/كرمه، أنه انقطع شسعه، فناوله رجل شسعا، فوهب له خمسمائة دينار.
ويروى أنّ الواثق أمر بعشرة آلاف درهم، لعشرة من بنى هاشم، على يد ابن أبى دواد، فدفعها إليهم، فكلّمه نظراؤهم من بنى هاشم أيضا، ففرّق فيهم عشرة آلاف درهم مثل
стр. 309
أولئك، من مال نفسه، على أنها من عند الواثق، فبلغه ذلك، فقال: يا أبا عبد الله، مالنا أكثر من مالك، فلم تغرم، وتضيف ذلك إلينا؟
فقال: والله يا أمير المؤمنين، لو أمكننى أن أجعل ثواب حسناتى لك، وأجهد فى عمل غيرها لفعلت، فكيف أبخل بمال أنت ملّكتنيه على أهلك الذين يكثرون الشكر، ويتضاعف فيهم الأجر.
فوهبه الواثق مائة ألف درهم، ففرّقها كلّها فى بنى هاشم.
وقال محمّد بن عمر الرّومىّ: ما رأيت أحضر حجّة من أحمد بن أبى دواد؛ قال له الواثق يوما: يا أبا عبد الله، رفعت إلىّ رقعة، فيها أنك ولّيت القضاء رجلا أعمى.
قال: نعم، يا أمير المؤمنين، هذا رجل من أهل الفضل، ولّيته ثم بلغنى أنّه أصيب ببصره، فأردت أن أصرفه، فبلغنى أنّه عمى من كثرة بكائه على أمير المؤمنين المعتصم، فحفظت له ذلك، وأمرته أن يستخلف.
قال: وفيها أنك أجزت شاعرا مدحك بألف دينار.
قال: نعم، أجزته بدونها، وهذا شاعر طائىّ -يعنى أبا تمّام-لو لم أحفظ له إلاّ قوله لأمير المؤمنين المعتصم، يحرّضه على استخلافك، فى قصيدة مدحه بها (١):
واشدد بهارون الخلافة إنّه … سكن لوحشتها ودار قرار
فلقد علمت بأنّ ذلك معصم … ما كنت تتركه بغير سوار
فطرب، وأمر لأبى تمّام بجائزة.
وقال له الواثق يوما آخر: يا أحمد، لقد اختلّت بيوت الأموال بطلباتك للاّئذين بك.
فقال: إنّ نتائج شكرها متّصلة بك، وذخائر أجرها مكتوبة لك.
فقال: لا منعتك بعدها.
стр. 310
(١) وروى الخطيب أن (١) عون بن محمد الكندىّ، قال: لعهدى بالكرخ ببغداد، وأن رجلا لو قال: ابن أبى دواد مسلم. لقتل فى مكانه، ثم وقع الحريق بالكرخ، وهو الذى ما كان مثله قطّ، كان الرجل يقوم فى صينيّة شارع الكرخ فيرى السّفن فى دجلة، فكلّم ابن أبى دواد المعتصم فى الناس، قال: يا أمير المؤمنين، رعيّتك فى بلدك، وبلد آبائك، نزل بهم هذا الأمر، فاعطف عليهم بشئ يفرّق فيهم؛ يمسك أرماقهم، ويبنون ما انهدم عليهم، ويصلحون أحوالهم.
فلم يزل ينازله حتى أطلق له خمسة آلاف ألف درهم، فقال: يا أمير المؤمنين إن فرّقها عليهم غيرى خفت أن لا يقسمها بالسّويّة، فأذن لى فى تولّى أمرها، ليكون الأجر أوفر والثناء أكثر.
قال: ذلك إليك.
فقسّمها على مقادير الناس وما ذهب منهم نهاية ما يقدر عليه من الاحتياط، واحتاج إلى زيادة فازدادها من المعتصم، وغرم من ماله فى ذلك غرما كثيرا، فكانت هذه من فضائله التى لم يكن لأحد مثلها.
قال عون: فلعهدى بالكرخ بعد ذلك، وأنّ إنسانا لو قال: زرّ ابن أبى دواد وسخ. لقتل مكانه.
وحدّث حريز بن أحمد بن أبى دواد، قال: حدّثنى علىّ بن الحسين الإسكافىّ، قال:
اعتلّ أبوك، فعاده المعتصم، وكان معه بغا، وكنت معه/؛ لأنى كنت أكتب لبغا، فقام، فتلقّاه، وقال له: قد شفانى الله بالنّظر إلى أمير المؤمنين.
فدعا له بالعافية، فقال له: قد تمّم الله شفائى، ومحق دائى بدعاء أمير المؤمنين.
فقال له المعتصم: إنّى نذرت إن عافاك الله أن أتصدّق بعشرة آلاف دينار.
فقال له: يا أمير المؤمنين، فاجعلها لأهل الحرمين، فقد لقوا من غلاء الأسعار عنتا.
فقال: نويت أن أتصدق بها ههنا، وأنا أطلق لأهل الحرمين مثلها.
стр. 311
ثم نهض، فقال: أمتع الله الإسلام وأهله ببقائك يا أمير المؤمنين؛ فإنّك كما قال النّمرىّ لأبيك الرّشيد (١):
إن المكارم والمعروف أودية … أحلّك الله منها حيث تجتمع (٢)
من لم يكن بأمين الله معتصما … فليس بالصّلوات الخمس ينتفع (٣)
فقيل للمعتصم فى ذلك، لأنه عاده، وليس يعود إخوته وأجلاّء أهله، فقال المعتصم:
وكيف لا أعود رجلا، ما وقعت عينى عليه قطّ إلاّ ساق إلىّ أجرا، أو أوجب لى شكرا، أو أفادنى فائدة تنفعنى فى دينى ودنياى، وما سألنى حاجة لنفسه قطّ.
وروى الخطيب فى «تاريخه» بسنده، عن ابن الأعرابىّ، أنه قال: سأل رجل قاضى القضاة أحمد بن أبى دواد أن يحمله على عير، فقال: يا غلام، أعطه عيرا، وبرذونا، وفرسا، وجارية.
ثم قال، أما والله لو عرفت مركوبا غير هذا لأعطيتك.
فشكر له الرجل، وقاد ذلك كلّه، ومضى، انتهى.
قلت: ومثل ذلك مروىّ عن معن بن زائدة الشيبانىّ، وهو متقدّم على ابن أبى دواد فى الجود والوجود، فلعلّ ابن أبى دواد حكى مكارمه الوافرة، وضارع أخلاقه الظاهرة (٤).
ومن لطيف ما يحكى هنا، ويشهد لما ذكرنا، عن الصّاحب أبى القاسم إسماعيل بن عبّاد (٥)، أنه كان يعجبه الخزّ، ويأمر بالاستكثار منه فى داره، فنظر أبو القاسم الزّعفرانىّ يوما إلى جميع ما فيها من الخدم والحاشية، وعليهم الخزوز الفاخرة الملوّنة، فاعتزل ناحية وأخذ يكتب شيئا، فنظر إليه الصّاحب، وقال: علىّ به.
стр. 312
فاستمهل ريثما يتمّ مكتوبه، فأمر الصّاحب بأخذ الدّرج من يده.
فقام، وقال: أيّد الله مولانا:
اسمعه ممّن قاله تزدد به … عجبا فحسن الورد فى أغصانه (١)
فقال: هات يا أبا القاسم.
فأنشده أبياتا، منها:
سواك يعدّ الغنى ما اقتنى … ويأمره الحرص أن يخزنا (٢)
وأنت ابن عبّاد المرتجى … تعدّ نوالك نيل المنى
وخيرك من باسط كفّه … وممّن تناءى قريب الجنى (٣)
غمرت الورى بصنوف النّدى … فأصغر ما ملكوه الغنى
وغادرت أشعرهم مفحما … وأشكرهم عاجزا ألكنا
أيا من عطاياه تهدى الغنى … إلى راحتى من نأى أو دنا
كسوت المقيمين والزّائرين … كسى لم يخل مثلها ممكنا
وحاشية الدّار يمشون فى … ضروب من الخزّ إلاّ أنا
ولست أذكّر بى جاريا … على العهد يحسن أن يحسنا (٤)
فقال له الصّاحب: قرأت فى أخبار معن بن زائدة، أن رجلا قال له/: احملنى أيّها الأمير. فأمر له بناقة، وفرس، وبغل، وحمار، وجارية، ثم قال له: لو علمت مركوبا غيرها لحملتك عليه. وقد أمرنا لك من الخزّ بجبّة، ودرّاعة، وقميص، وسراويل، وعمامة، ومنديل ومطرف، ورداء، وجورب، ولو علمنا لباسا آخر يتّخذ من الخزّ أعطيناكه.
وقد بلغ حديث معن المذكور للمعلّى بن أيّوب، فقال: رحم الله ابن زائدة، لو كان يعلم أن الغلام يركب لأمر له به، ولكنه كان عربيّا خالصا.
стр. 313
قلت: وقد ذكرت أنا هذه القصّة لبعض موالى الدّيار الرّوميّة، فقال: لو كنت أنا مكان ابن زائدة ما أعطيته إلاّ الغلام فقط، إذ لا يركب غيره.
وعن محمد بن عبد الملك الزّيّات الوزير، قال: كان رجل من ولد (١) عمر بن الخطّاب، ﵁، لا يلقى أحمد بن أبى دواد إلاّ لعنه، ودعا عليه، سواء وجده منفردا، أو فى محفل، وأحمد لا يردّ عليه؛ فاتّفق أن عرضت للعمرىّ حاجة عند المعتصم، فسألنى أن أرفع قضيّته، فخشيت أن يعارض أحمد، فامتنعت، فألحّ علىّ، فأخذت قصّته، ودخلت إلى المعتصم، فلم أجد أحمد، فاغتنمت غيبته، ودفعت له قصّة الرّجل، فدخل أحمد وهى فى يده، فناولها له، فلما رأى اسمه، وفيه أنّه من ذرّيّة عمر بن الخطّاب، قال: يا أمير المؤمنين، عمر ابن الخطاب يا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، تقضى لولده كلّ حاجة.
فوقّع بقضاء حاجته، وأخذت القصّة، ودفعتها للرّجل، وقلت له: اشكر القاضى، فهو الذى اعتنى بك حتى قضيت حاجتك.
فجلس الرّجل حتى خرج أحمد، فقام إليه، فجعل يدعو له ويشكره، فالتفت إليه أحمد، وقال له: اذهب عافاك الله، فإنى إنّما فعلت ذلك لعمر، لا لك.
*** ومن أخباره الشّنيعة المتعلّقة بأمر المحنة بالقول بخلق القرآن، وبقيامه فى ذلك، على وجه الاختصار، ما حكاه ابن السّبكىّ فى «الطّبقات الكبرى» فى ترجمة الإمام أحمد بن حنبل، رحمه الله تعالى، قال (٢): ذكر الدّاهية الدّهيا، والمصيبة العظمى، وهى محنة علماء الزمان، ودعاؤهم إلى القول بخلق القرآن، وقيام أحمد بن حنبل الشّيبانىّ، وابن نصر الخزاعىّ، مقام الصّدّيقين، وما اتّفق فى تلك الكائنة من أعاجيب تناقلتها الرّواة على ممرّ السّنين:
كان القاضى أحمد بن أبى دواد ممّن نشأ فى العلم، وتضلّع بعلم الكلام، وصحب فيه
стр. 314
صباح (١) بن العلاء السّلمىّ، صاحب واصل بن عطاء، أحد رءوس المعتزلة، وكان ابن أبى دواد رجلا فصيحا؛ قال أبو العيناء: ما رأيت رئيسا قطّ أفصح ولا أنطق منه، وكان كريما ممدّحا، وفيه يقول بعضهم (٢):
لقد أنست مساوى كلّ دهر … محاسن أحمد بن أبى دواد
وما طوّفت فى الآفاق إلاّ … ومن جدواك راحلتى وزادى (٣)
مقيم الظّنّ عندك والأمانى … وإن قلقت ركابى فى البلاد (٤)
وكان معظّما عند المأمون أمير المؤمنين، يقبل شفاعته، ويصغى إلى كلامه، وأخباره فى هذا كثيرة، فدسّ ابن أبى دواد له القول بخلق القرآن، وحسّنه عنده، وصيّره/يعتقده حقّا مبينا، إلى أن أجمع رأيه فى سنة ثمان عشرة ومائتين، على الدّعاء إليه، فكتب إلى نائبه على بغداد، إسحاق بن إبراهيم الخزاعىّ، عمّ (٥) طاهر بن الحسين، فى امتحان العلماء كتابا، يقول فيه كذا وكذا.
ثم ساق الكتاب، وجوابه، وأخبارا أخر تتعلّق بالإمام أحمد وغيره، أضربنا عنها خوف الإطالة، إذ المراد بيان أنّ السّبب فى هذه المحنة العظمى هو ابن أبى دواد، وذكر يسير من أخباره المتعلّقة بها، وأمّا حصرها فلا سبيل إليه.
فعن أحمد بن المعدّل، أن ابن أبى دواد كتب إلى رجل من أهل المدينة: إن تابعت أمير المؤمنين فى مقالته استوجبت المكافأة الحسنة.
فكتب إليه: عصمنا الله وإيّاك من الفتنة، الكلام فى القرآن بدعة يشترك فيه السّائل والمجيب؛ لتعاطى السّائل ما ليس له، وتكلّف المجيب ما ليس عليه، ولا نعلم خالقا إلاّ الله، وما سواه مخلوق، والقرآن كلام الله، لا نعلم غير ذلك، والسّلام.
стр. 315
وروى الخطيب فى «تاريخه (١)» أن طاهر بن خلف، قال: سمعت محمد بن الواثق، الذى يقال له المهتدى بالله، يقول: كان أبى إذا أراد أن يقتل رجلا أحضرنا ذلك المجلس، فأتى بشيخ مقيّد، فقال أبى: ائذنوا لأبى عبد الله وأصحابه. يعنى ابن أبى دواد.
قال: فأدخل الشيخ، فقال: السّلام عليك يا أمير المؤمنين.
فقال: لا سلّم الله عليك.
فقال: يا أمير المؤمنين، بئس ما أدّبك به مؤدّبك، قال الله تعالى (٢): ﴿وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها)،﴾ والله ما حيّيتنى بها، ولا بأحسن منها.
فقال ابن أبى دواد: يا أمير المؤمنين، هذا رجل متكلّم.
فقال له: كلّمه.
فقال: يا شيخ، ما تقول فى القرآن؟
قال الشيخ: لم تنصفنى المسألة، أنا أسألك قبل.
فقال له: سل.
فقال الشيخ: ما تقول فى القرآن؟
فقال: مخلوق.
فقال الشيخ: هذا شئ علمه رسول الله ﷺ ، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلىّ، والخلفاء الرّاشدون، أم شئ لم يعلموه؟
فقال: شئ لم يعلموه.
فقال: سبحان الله، شئ لم يعلمه النبىّ ﷺ ، ولا أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ولا علىّ، ولا الخلفاء الراشدون، علمته أنت!
стр. 316
قال: فخجل ابن أبى دواد.
وقال: أقلنى.
قال: والمسألة بحالها؟
قال: نعم.
قال: ما تقول فى القرآن؟
فقال: مخلوق.
فقال: هذا شئ علمه النبىّ ﷺ ، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلىّ، والخلفاء الرّاشدون، أم لم يعلموه؟
فقال: علموه، ولم يدعوا الناس إليه.
قال: أفلا وسعك ما وسعهم!!
قال (١): ثم قام أبى، فدخل مجلس الخلوة، واستلقى على قفاه، ووضع إحدى رجليه على الأخرى، وهو يقول: هذا شئ لم يعلمه النبىّ ﷺ ، ولا أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ولا علىّ، ولا الخلفاء الرّاشدون، علمته أنت، سبحان الله، هذا (٢) شئ علمه النبىّ ﷺ ، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلىّ، والخلفاء الراشدون، ولم يدعوا الناس إليه، أفلا وسعك ما وسعهم.
ثم دعا الحاجب، وأمره أن يرفع عن الشيخ قيوده، ويعطيه أربعمائة دينار، ويأذن له فى الرجوع، وسقط من عينه ابن أبى دواد، ولم يمتحن بعد ذلك أحدا. انتهى.
وقد أنكر ابن السّبكىّ فى «طبقاته (٣)» أن يكون صدر من ابن أبى دواد مثل هذا الكلام، الذى تنبو عنه الأسماع، وتنفر منه الطّباع، وهو قوله «شئ لم يعلموه»، فقال:
стр. 317
وكان من الأسباب/فى رفع الفتنة، أن الواثق أتى بشيخ مقيّد، فقال له ابن أبى دواد:
يا شيخ، ما تقول فى القرآن، أمخلوق هو؟.
فقال له الشيخ: لم تنصفنى المسألة، أنا أسألك قبل الجواب، هذا الذى تقوله يا ابن أبى دواد من خلق القرآن شئ علمه رسول الله ﷺ ، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلىّ، رضى الله تعالى عنهم، أو جهلوه؟
فقال: بل علموه.
فقال: هل دعوا الناس إليه، كما دعوتهم أنت، أو سكتوا؟
قال: بل سكتوا.
قال: فهلاّ وسعك ما وسعهم من السّكوت!
فسكت ابن أبى دواد، وأعجب الواثق كلامه، وأمر بإطلاق سبيله، وقام الواثق من مجلسه وهو على ما حكى يقول: هلاّ وسعك ما وسعهم. يكرّر هذه الكلمة.
وكان ذلك من الأسباب فى خمود الفتنة، وإن كان رفعها بالكلية إنما كان على يد المتوكل.
قال:-أعنى ابن السّبكىّ -وهذا الذى أوردناه فى هذه الحكاية هو ما ثبت من غير زيادة ولا نقصان، ومنهم من زاد فيها ما لا يثبت، فاحفظ ما أثبتناه، ودع ما عداه، فليس عند ابن أبى دواد من الجهل ما يصل به إلى أن يقول: جهلوه. وإنّما نسبة هذا إليه تعصّب عليه، والحقّ وسط، فابن أبى دواد مبتدع، ضالّ مبطل لا محالة، ولا يستدعى أمره أن يدّعى شيئا ظهر له، وخفى على رسول الله ﷺ ، والخلفاء الراشدين، كما حكى عنه فى هذه الحكاية، فهذا معاذ الله أن يقوله أو يظنّه أحد يتزيّى بزىّ المسلمين، ولو فاه به ابن أبى دواد لفرّق الواثق من ساعته بين رأسه وبدنه.
قال: وشيخنا الذّهبىّ، وإن كان فى ترجمة ابن أبى دواد حكى الحكاية على الوجه الذى لا نرضاه، فقد أوردها فى ترجمة الواثق من غير ما وجه على الوجه الثابت.
стр. 318
قال: وقد دامت هذه المحنة شطرا من خلافة المأمون، واستوعبت خلافة المعتصم والواثق، وارتفعت فى خلافة المتوكّل.
وقد كان المأمون الذى افتتحت فى أيّامه، وهو عبد الله المأمون بن هارون الرّشيد، ممّن عنى بالفلسفة، وعلوم الأوائل، ومهر فيها، واجتمع عليه جمع من علمائها، فجرّه ذلك إلى القول بخلق القرآن.
قال: وذكر المؤرّخون أنه كان بارعا فى الفقه، والعربيّة، وأيّام الناس، وكان ذا حزم، وحكم، وعلم، ودهاء، وهيبة، وذكاء، وسماحة وفطنة، وفصاحة، ودين.
قيل: ختم فى رمضان ثلاثا وثلاثين ختمة، وصعد فى يوم منبرا، وحدّث فأورد بسنده نحوا من ثلاثين حديثا، بحضور القاضى يحيى بن أكثم، ثم قال له: يا يحيى، كيف رأيت مجلسنا؟
فقال: أجلّ (١) مجلس يفقّه الخاصّة والعامّة.
فقال: ما رأيت له حلاوة، إنما المجالس لأصحاب الخلقان والمحابر.
وقيل: تقدّم إليه رجل غريب، بيده محبرة، قال: يا أمير المؤمنين، صاحب حديث، منقطع به السّبيل.
فقال: ما تحفظ فى باب كذا؟.
فلم يذكر شيئا.
قيل: فما زال المأمون يقول: حدّثنا هشيم، وحدّثنا يحيى، وحدّثنا حجّاج، حتى ذكر الباب.
ثم سأله عن باب آخر، فلم يذكر فيه شيئا.
стр. 319
قيل: فقال المأمون: حدّثنا فلان، وحدّثنا فلان. إلى أن قال لأصحابه: يطلب أحدهم الحديث ثلاثة أيّام، ثم يقول: أنا من أصحاب الحديث! أعطوه ثلاثة دراهم.
قال/: وكان المأمون من الكرم بمكان مكين، بحيث إنّه فرّق فى ساعة ستة وعشرين ألف ألف درهم، وحكايات مكارمه تستوعب الأوراق، وإنّما اقتصر فى عطاء هذا السّائل -فيما نراه والله أعلم-لما رأى منه من التّمعلم (١) وليس هو هناك، ولعلّه فهم عنه التّعاظم عليه بالعلم، كما هو شأن كثير ممّن يدخل إلى الأمراء، ويظنّهم جهلة، على العادة الغالبة.
وكان المأمون كثير العفو والصّفح، ومن كلامه: لو علم الناس حبّى للعفو لتقرّبوا إلىّ بالجرائم، وأخاف أن لا أوجر فيه. يعنى لكونه طبعا له.
قال يحيى بن أكثم: كان المأمون يحلم حتى يغيظنا.
وقيل: إن ملاّحا مرّ والمأمون جالس، فقال: أتظنّون أنّ هذا ينبل فى عينى، وقد قتل أخاه الأمين؟
فسمعه المأمون، وظنّ الحاضرون أنه سيقضى عليه، فلم يزد على أن تبسّم، وقال:
ما الحيلة حتى أنبل فى عين هذا السّيّد الجليل.
*قال-أعنى ابن السّبكىّ -: ولسنا نستوعب ترجمة المأمون، فإن الأوراق تضيق بها، وكتابنا غير موضوع لها، وإنما غرضنا أنه كان من أهل العلم والخير، وجرّه القليل الذى كان يدريه من علوم الأوائل، إلى القول بخلق القرآن، كما جرّه اليسير الذى كان يدريه فى الفقه، إلى القول بإباحة متعة النّساء، ثم لم يزل به يحيى بن أكثم، رحمه الله تعالى، حتى أبطلها، وروى له حديث الزّهرىّ، عن ابنى الحنفيّة، عن أبيهما محمّد بن علىّ، ﵁، أن رسول الله ﷺ نهى عن متعة النّساء يوم خيبر. فلما صحّ له الحديث، رجع إلى الحقّ.
стр. 320
وأمّا مسألة خلق القرآن فلم يرجع عنها، وكان قد ابتدأ بالكلام فيها، فى سنة اثنتى عشرة، ولكن لم يصمّم ويحمل الناس، إلاّ فى سنة ثمان عشرة، ثم عوجل ولم يمهل، بل توجّه غازيا إلى أرض الرّوم، فمرض، ومات، فى سنة ثمان عشرة ومائتين.
واستقلّ بالخلافة أخوه المعتصم محمّد بن هارون الرّشيد، بعهد منه، وكان ملكا شجاعا، بطلا مهيبا، وهو الذى فتح عمّوريّة (١)، وقد كان المنجّمون قضوا بأنه يكسر، فانتصر نصرا مؤزّرا، وأنشد فيه أبو تمّام قصيدته السّائرة، التى أوّلها (٢):
السّيف أصدق أنباء من الكتب … فى حدّه الحدّ بين الجدّ واللعب
والعلم فى شهب الأرماح لامعة … بين الخمسين لا فى السّبعة الشّهب (٣)
أين الرّواية أم أين النّجوم وما … صاغوه من زخرف فيها ومن كذب
تخرّصا وأحاديثا ملفّقة … ليست بنبع إذا عدّت ولا غرب (٤)
قال: ولقد تضيق الأوراق عن شرح ما كان عليه من الشّجاعة والمهابة والمكارم، والأموال، والخيل (٥)، والدّهاء، وكثرة العساكر، والعدد، والعدد.
وقال الخطيب: ولكثرة عسكره، وضيق بغداد عنه، بنى سامرّا، وانتقل بالعساكر إليها، وسمّيت العسكر.
ويقال: بلغ عدّة غلمانه الأتراك فقط، سبعة عشر ألفا.
وقيل: إنه كان عريّا من العلم، مع أنه رويت عنه كلمات تدلّ على فصاحة ومعرفة.
قال أبو الفضل الرّياشىّ: كتب ملك الرّوم، لعنه الله، إلى المعتصم، يتهدّده، فأمر بجوابه، فلما قرئ عليه الجواب لم يرضه، وقال للكاتب: اكتب: بسم الله الرّحمن الرّحيم، أمّا بعد، فقد قرأت/كتابك، وسمعت خطابك، والجواب ما ترى، لا ما تسمع، وسيعلم الكافر لمن عقبى الدّار.