قال: فخجل ابن أبى دواد.
وقال: أقلنى.
قال: والمسألة بحالها؟
قال: نعم.
قال: ما تقول فى القرآن؟
فقال: مخلوق.
فقال: هذا شئ علمه النبىّ ﷺ ، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلىّ، والخلفاء الرّاشدون، أم لم يعلموه؟
فقال: علموه، ولم يدعوا الناس إليه.
قال: أفلا وسعك ما وسعهم!!
قال (١): ثم قام أبى، فدخل مجلس الخلوة، واستلقى على قفاه، ووضع إحدى رجليه على الأخرى، وهو يقول: هذا شئ لم يعلمه النبىّ ﷺ ، ولا أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ولا علىّ، ولا الخلفاء الرّاشدون، علمته أنت، سبحان الله، هذا (٢) شئ علمه النبىّ ﷺ ، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلىّ، والخلفاء الراشدون، ولم يدعوا الناس إليه، أفلا وسعك ما وسعهم.
ثم دعا الحاجب، وأمره أن يرفع عن الشيخ قيوده، ويعطيه أربعمائة دينار، ويأذن له فى الرجوع، وسقط من عينه ابن أبى دواد، ولم يمتحن بعد ذلك أحدا. انتهى.
وقد أنكر ابن السّبكىّ فى «طبقاته (٣)» أن يكون صدر من ابن أبى دواد مثل هذا الكلام، الذى تنبو عنه الأسماع، وتنفر منه الطّباع، وهو قوله «شئ لم يعلموه»، فقال:
стр. 317
وكان من الأسباب/فى رفع الفتنة، أن الواثق أتى بشيخ مقيّد، فقال له ابن أبى دواد:
يا شيخ، ما تقول فى القرآن، أمخلوق هو؟.
فقال له الشيخ: لم تنصفنى المسألة، أنا أسألك قبل الجواب، هذا الذى تقوله يا ابن أبى دواد من خلق القرآن شئ علمه رسول الله ﷺ ، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلىّ، رضى الله تعالى عنهم، أو جهلوه؟
فقال: بل علموه.
فقال: هل دعوا الناس إليه، كما دعوتهم أنت، أو سكتوا؟
قال: بل سكتوا.
قال: فهلاّ وسعك ما وسعهم من السّكوت!
فسكت ابن أبى دواد، وأعجب الواثق كلامه، وأمر بإطلاق سبيله، وقام الواثق من مجلسه وهو على ما حكى يقول: هلاّ وسعك ما وسعهم. يكرّر هذه الكلمة.
وكان ذلك من الأسباب فى خمود الفتنة، وإن كان رفعها بالكلية إنما كان على يد المتوكل.
قال:-أعنى ابن السّبكىّ -وهذا الذى أوردناه فى هذه الحكاية هو ما ثبت من غير زيادة ولا نقصان، ومنهم من زاد فيها ما لا يثبت، فاحفظ ما أثبتناه، ودع ما عداه، فليس عند ابن أبى دواد من الجهل ما يصل به إلى أن يقول: جهلوه. وإنّما نسبة هذا إليه تعصّب عليه، والحقّ وسط، فابن أبى دواد مبتدع، ضالّ مبطل لا محالة، ولا يستدعى أمره أن يدّعى شيئا ظهر له، وخفى على رسول الله ﷺ ، والخلفاء الراشدين، كما حكى عنه فى هذه الحكاية، فهذا معاذ الله أن يقوله أو يظنّه أحد يتزيّى بزىّ المسلمين، ولو فاه به ابن أبى دواد لفرّق الواثق من ساعته بين رأسه وبدنه.
قال: وشيخنا الذّهبىّ، وإن كان فى ترجمة ابن أبى دواد حكى الحكاية على الوجه الذى لا نرضاه، فقد أوردها فى ترجمة الواثق من غير ما وجه على الوجه الثابت.
стр. 318
قال: وقد دامت هذه المحنة شطرا من خلافة المأمون، واستوعبت خلافة المعتصم والواثق، وارتفعت فى خلافة المتوكّل.
وقد كان المأمون الذى افتتحت فى أيّامه، وهو عبد الله المأمون بن هارون الرّشيد، ممّن عنى بالفلسفة، وعلوم الأوائل، ومهر فيها، واجتمع عليه جمع من علمائها، فجرّه ذلك إلى القول بخلق القرآن.
قال: وذكر المؤرّخون أنه كان بارعا فى الفقه، والعربيّة، وأيّام الناس، وكان ذا حزم، وحكم، وعلم، ودهاء، وهيبة، وذكاء، وسماحة وفطنة، وفصاحة، ودين.
قيل: ختم فى رمضان ثلاثا وثلاثين ختمة، وصعد فى يوم منبرا، وحدّث فأورد بسنده نحوا من ثلاثين حديثا، بحضور القاضى يحيى بن أكثم، ثم قال له: يا يحيى، كيف رأيت مجلسنا؟
فقال: أجلّ (١) مجلس يفقّه الخاصّة والعامّة.
فقال: ما رأيت له حلاوة، إنما المجالس لأصحاب الخلقان والمحابر.
وقيل: تقدّم إليه رجل غريب، بيده محبرة، قال: يا أمير المؤمنين، صاحب حديث، منقطع به السّبيل.
فقال: ما تحفظ فى باب كذا؟.
فلم يذكر شيئا.
قيل: فما زال المأمون يقول: حدّثنا هشيم، وحدّثنا يحيى، وحدّثنا حجّاج، حتى ذكر الباب.
ثم سأله عن باب آخر، فلم يذكر فيه شيئا.
стр. 319
قيل: فقال المأمون: حدّثنا فلان، وحدّثنا فلان. إلى أن قال لأصحابه: يطلب أحدهم الحديث ثلاثة أيّام، ثم يقول: أنا من أصحاب الحديث! أعطوه ثلاثة دراهم.
قال/: وكان المأمون من الكرم بمكان مكين، بحيث إنّه فرّق فى ساعة ستة وعشرين ألف ألف درهم، وحكايات مكارمه تستوعب الأوراق، وإنّما اقتصر فى عطاء هذا السّائل -فيما نراه والله أعلم-لما رأى منه من التّمعلم (١) وليس هو هناك، ولعلّه فهم عنه التّعاظم عليه بالعلم، كما هو شأن كثير ممّن يدخل إلى الأمراء، ويظنّهم جهلة، على العادة الغالبة.
وكان المأمون كثير العفو والصّفح، ومن كلامه: لو علم الناس حبّى للعفو لتقرّبوا إلىّ بالجرائم، وأخاف أن لا أوجر فيه. يعنى لكونه طبعا له.
قال يحيى بن أكثم: كان المأمون يحلم حتى يغيظنا.
وقيل: إن ملاّحا مرّ والمأمون جالس، فقال: أتظنّون أنّ هذا ينبل فى عينى، وقد قتل أخاه الأمين؟
فسمعه المأمون، وظنّ الحاضرون أنه سيقضى عليه، فلم يزد على أن تبسّم، وقال:
ما الحيلة حتى أنبل فى عين هذا السّيّد الجليل.
*قال-أعنى ابن السّبكىّ -: ولسنا نستوعب ترجمة المأمون، فإن الأوراق تضيق بها، وكتابنا غير موضوع لها، وإنما غرضنا أنه كان من أهل العلم والخير، وجرّه القليل الذى كان يدريه من علوم الأوائل، إلى القول بخلق القرآن، كما جرّه اليسير الذى كان يدريه فى الفقه، إلى القول بإباحة متعة النّساء، ثم لم يزل به يحيى بن أكثم، رحمه الله تعالى، حتى أبطلها، وروى له حديث الزّهرىّ، عن ابنى الحنفيّة، عن أبيهما محمّد بن علىّ، ﵁، أن رسول الله ﷺ نهى عن متعة النّساء يوم خيبر. فلما صحّ له الحديث، رجع إلى الحقّ.
стр. 320
وأمّا مسألة خلق القرآن فلم يرجع عنها، وكان قد ابتدأ بالكلام فيها، فى سنة اثنتى عشرة، ولكن لم يصمّم ويحمل الناس، إلاّ فى سنة ثمان عشرة، ثم عوجل ولم يمهل، بل توجّه غازيا إلى أرض الرّوم، فمرض، ومات، فى سنة ثمان عشرة ومائتين.
واستقلّ بالخلافة أخوه المعتصم محمّد بن هارون الرّشيد، بعهد منه، وكان ملكا شجاعا، بطلا مهيبا، وهو الذى فتح عمّوريّة (١)، وقد كان المنجّمون قضوا بأنه يكسر، فانتصر نصرا مؤزّرا، وأنشد فيه أبو تمّام قصيدته السّائرة، التى أوّلها (٢):
السّيف أصدق أنباء من الكتب … فى حدّه الحدّ بين الجدّ واللعب
والعلم فى شهب الأرماح لامعة … بين الخمسين لا فى السّبعة الشّهب (٣)
أين الرّواية أم أين النّجوم وما … صاغوه من زخرف فيها ومن كذب
تخرّصا وأحاديثا ملفّقة … ليست بنبع إذا عدّت ولا غرب (٤)
قال: ولقد تضيق الأوراق عن شرح ما كان عليه من الشّجاعة والمهابة والمكارم، والأموال، والخيل (٥)، والدّهاء، وكثرة العساكر، والعدد، والعدد.
وقال الخطيب: ولكثرة عسكره، وضيق بغداد عنه، بنى سامرّا، وانتقل بالعساكر إليها، وسمّيت العسكر.
ويقال: بلغ عدّة غلمانه الأتراك فقط، سبعة عشر ألفا.
وقيل: إنه كان عريّا من العلم، مع أنه رويت عنه كلمات تدلّ على فصاحة ومعرفة.
قال أبو الفضل الرّياشىّ: كتب ملك الرّوم، لعنه الله، إلى المعتصم، يتهدّده، فأمر بجوابه، فلما قرئ عليه الجواب لم يرضه، وقال للكاتب: اكتب: بسم الله الرّحمن الرّحيم، أمّا بعد، فقد قرأت/كتابك، وسمعت خطابك، والجواب ما ترى، لا ما تسمع، وسيعلم الكافر لمن عقبى الدّار.
стр. 321
ومن كلامه: اللهمّ إنّك تعلم أنّى أخافك من قبلى، ولا أخافك من قبلك، وأرجوك من قبلك، ولا أرجوك من قبلى.
*قال ابن السّبكىّ: والناس يستحسنون هذا الكلام منه، ومعناه أن الخوف من قبلى؛ لما اقترفته من الذنوب، لا من قبلك؛ فإنك عادل لا تظلم، فلولا الذنوب لما كان للخوف معنى، وأمّا الرّجاء، فمن قبلك؛ لأنك متفضّل، لا من قبلى، لأنه ليس عندى من الطّاعات والمحاسن ما أرتجيك به.
قال: والشّقّ الثانى عندنا صحيح لا غبار عليه، وأمّا الأوّل، فإنا نقول: إنّ الرّبّ تعالى يخاف من قبله، كما يخاف من قبلنا؛ لأنّه الملك القهّار، يخافه الطّائعون والعصاة، وهذا واضح لمن تدبّره.
قال المورّخون: ومع كونه كان لا يدرى شيئا من العلم، حمل الناس على القول بخلق القرآن.
قال ابن السّبكىّ: لأن أخاه المأمون أوصى إليه بذلك، وانضمّ إلى ذلك القاضى أحمد ابن أبى دواد، وأمثاله من فقهاء السّوء، وإنّما يتلف السّلاطين فسقة الفقهاء؛ فإنّ الفقهاء ما بين صالح وطالح، فالصّالح غالبا لا يتردّد إلى أبواب الملوك، والطّالح غالبا يترامى عليهم، ثم لا يسعه إلاّ أن يجرى معهم على أهوائهم، ويهوّن عليهم العظائم، ولهو على الناس شرّ من ألف شيطان، كما أن صالح الفقهاء خير من ألف عابد، ولولا اجتماع فقهاء السوء على المعتصم، لنجّاه الله ممّا فرط منه، ولو كان الذين عنده من الفقهاء على حقّ لأروه الحقّ أبلج واضحا، ولأبعدوه عن ضرب مثل الإمام أحمد، ولكن ما الحيلة والزمان بنى على هذا! أو بهذا (١) تظهر حكمة الله فى خلقه.
ومات المعتصم، فى سنة سبع وعشرين ومائتين.
وولى الواثق بالله أبو جعفر هارون بن المعتصم بن الرشيد، وكان مليح الشّعر، يروى أنه كان يحبّ خادما أهدى له من مصر، فأغضبه الواثق يوما، ثم إنّه سمعه يقول لبعض
стр. 322
الخدم: والله إنه ليروم أن أكلّمه من أمس، فلم (١) أفعل. فقال الواثق فى ذلك:
يا ذا الذى بعذابى ظلّ مفتخرا … ما أنت إلاّ مليك جار إذ قدرا
لولا الهوى لتجارينا على قدر … وإن أفق منه يوما ما فسوف ترى
وقد ظرف عبادة المخنّث، حيث دخل إليه، وقال: يا أمير المؤمنين، أعظم الله أجرك فى القرآن.
قال: ويلك، القرآن يموت!!
قال: يا أمير المؤمنين، كلّ مخلوق يموت، بالله من يصلّى يا أمير المؤمنين بالنّاس التّراويح إذا مات القرآن؟.
فضحك الخليفة، وقال: قاتلك الله، أمسك.
قال الخطيب: وكان ابن أبى دواد قد استولى عليه، وحمله على تشديد المحنة.
قال ابن السّبكىّ: وكيف لا يشدّد المسكين فيها، وقد أقرّوا فى ذهنه أنّه حقّ يقرّبه إلى الله تعالى، حتى إنّه لمّا كان الفداء، فى سنة إحدى وثلاثين ومائتين، واستفكّ الواثق من طاغية الرّوم أربعة آلاف وستمائة، قال ابن أبى دواد، على ما حكى عنه ولكن لم يثبت عندنا:/من قال من الأسارى القرآن مخلوق خلّصوه وأعطوه دينارين، ومن امتنع دعوه فى الأسر.
وهذه الحكاية إن صحّت عنه دلّت على جهل عظيم، وإفراط فى الكفر.
وهذا من الطّراز الأوّل، فإذا رأى الخليفة قاضيا يقول هذا الكلام، أليس يوقعه فى أشدّ ممّا وقع منه؟!. فنعوذ بالله من علماء السّوء، ونسأله التوفيق والإعانة. انتهى (٢).
ولنرجع إلى أخبار أحمد: روى عن الحسن بن ثواب، قال: سألت أحمد بن حنبل عمّن يقول: القرآن مخلوق.
стр. 323
قال: كافر.
قلت: فابن أبى دواد؟
قال: كافر بالله العظيم.
قلت: بماذا كفر؟
قال: بكتاب الله تعالى، قال الله تعالى (١): ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ)،﴾ فالقرآن من علم الله، فمن زعم أنّ علم الله مخلوق فهو كافر بالله العظيم.
وقال أبو حجّاج الأعرابىّ يهجوه:
نكست الدّين يا ابن أبى دواد … فأصبح من أطاعك فى ارتداد (٢)
زعمت كلام ربّك كان خلقا … أمالك عند ربّك من معاد
كلام الله أنزله بعلم … وأوحاه إلى خير العباد
ومن أمسى ببابك مستضيفا … كمن حلّ الفلاة بغير زاد
لقد أظرفت يا ابن أبى دواد … بقولك إنّنى رجل إيادى
قلت: قد ظلمه هذا الشاعر، بنسبته إلى البخل، مع ما قدّمنا ذكره عنه من المكارم، وحسن الصّنيع إلى من يعرف ومن لا يعرف، حتى لعدوّه، وأحسن منه قول بعضهم يهجوه أيضا (٣):
لو كنت فى الرّأى منسوبا إلى رشد … أو كان عزمك عزما فيه توفيق
لكان فى الفقه شغل لو قنعت به … من أن تقول كلام الله مخلوق
ماذا عليك وأصل الدّين يجمعهم … ما كان فى الفرع لولا الجهل والموق (٤)
стр. 324
وفى «تاريخ الخطيب» (١) عن أبى الذيل، قال: دخلت على ابن أبى دواد، وابن أبى حفصة ينشده هذه الأبيات (٢):
فقل للفاخرين على نزار … ومنها خندف وبنو إياد
رسول الله والخلفاء منّا … ومنّا أحمد بن أبى دواد
قال: فقال لى: كيف تسمع يا أبا الهذيل؟
فقلت: هذا يضع الهناء مواضع النّقب (٣).
ثم إن أبا الهذيل (٤) نقض على ابن أبى حفصة، فقال:
فقل للفاخرين على نزار … وهم فى الأرض سادات العباد
رسول الله والخلفاء منّا … ونبرأ من دعىّ بنى إياد
وما منّا إياد إذ أقرّت … بدعوة أحمد بن أبى دواد (٥)
فبلغ ابن أبى دواد قوله، فقال: ما بلغ منّى أحد ما بلغ هذا الكلام، ولولا أنّى أكره أن أنبّه عليه، لعاقبته عقابا لم يعاقب أحد مثله، جاء إلى منقبة كانت لى، فنقضها عروة عروة.
كذا عزاه الخطيب إلى ابن أبى حفصة وأبى الهذيل، وقال الصّلاح الصّفدىّ، فى كتاب «المجاراة والمجازاة»: إن الأبيات الأوّل لمروان بن أبى الجنوب، والأبيات الثانية لأبى الهفّان المهزمىّ. والله أعلم.
وروى أن ابن أبى دواد، كان بينه وبين محمّد بن عبد الملك الزّيّات، وزير المعتصم، مناقشات (٦) وشحناء، حتى قيل: إن أحمد قال له مرّة: والله ما أجيئك (٧) متكثّرا بك من
стр. 325
قلّة، ولا متعزّزا بك من ذلّة، ولكنّ أمير المؤمنين رتّبك رتبة أوجبت لقاك، فإن لقيناك فله، وإن تأخّرنا عنك فلك. ثم نهض من عنده.
قال ابن خلّكان: وكانت وفاته بعد موت الوزير المذكور بسبعة وأربعين يوما (١).
قال: ولما حصل له الفالج، ولّى القضاء موضعه ابنه أبو الوليد محمد، ولم تكن طريقته مرضيّة، وكثر ذامّوه، وقلّ شاكروه، حتى قال إبراهيم بن العبّاس الصّولىّ:
عفّت مساو تبدّت منك ظاهرة … على محاسن أبقاها أبوك لكا (٢)
قف قد تقدّمت أبناء الكرام به … كما تقدّم آباء اللّئام بكا
قال ابن خلّكان: ولعمرى، لقد بالغ فى طرفى المدح والذّمّ، وهو معنى بديع.
قال: واستمرّ على القضاء (٣) إلى سنة تسع (٤) وثلاثين ومائتين، فسخط المتوكّل على القاضى أحمد وولده محمّد، فأخذ من الولد مائة ألف دينار، وعشرين ألف دينار، وجوهرا بأربعين ألف دينار، وسيّره إلى بغداد من سرّ من رأى، وفوّض القضاء إلى يحيى بن أكثم الصّيفىّ.
وقال بعض البصريّين يهجوه، حين بلغه أنه فلج (٥):
أفلت نجوم سعودك ابن دواد … وبدت نحوسك فى جميع إياد
فرحت بمصرعك البريّة كلّها … من كان منها موقنا بمعاد
لم يبق منك سوى خيال لامع … فوق الفراش ممهّدا بوساد
وخبت لدى الخلفاء نار بعد ما … قد كنت تقدحها بكلّ زناد
стр. 326
أطغاك يا ابن أبى دواد ربّنا … فجريت فى ميدان إخوة عاد
لم تخش من ربّ السّماء عقوبة … فسننت كلّ ضلالة وفساد
كم من كريمة معشر أرملتها … ومحدّث أوثقت بالأقياد
كم من مساجد قد منعت قضاتها … من أن تعدّل شاهدا برشاد
كم من مصابيح لها أطفيتها … كيما تزلّ عن الطّريق الهادى
إن الأسارى فى السّجون تفرّجوا … لمّا أتتك مواكب العوّاد (١)
وغدا لمصرعك الطبيب فلم يجد … لعلاج ما بك حيلة المرتاد
لا زال فالجك الذى بك دائما … وفجعت قبل الموت بالأولاد
وأبا الوليد رأيت فى أكتافه … سوط الخليفة من يدى جلاّد
ورأيت رأسك فى الخشوب معلّقا … فوق الرّءوس معلّما بسواد (٢)
قال الخطيب: وأبو الوليد هذا، هو ابن أحمد بن أبى دواد، واتّفق أنّه مات هو وأبوه منكوبين، وكان بين وفاتيهما نحو شهر، هو فى ذى (٣) الحجّة، سنة تسع وثلاثين ومائتين،/ وأبوه فى المحرم، سنة أربعين ومائتين، يوم السّبت، لتسع بقين منه.
ومن شعر أحمد، وقد بلغه أن شخصا هجا ابن الزّيّات الوزير بسبعين بيتا، وقيل: إن ابن الزّيّات هو الذى قال السّبعين بيتا فى هجو أحمد، فقال (٤):
أحسن من سبعين بيتا هجا … جمعك معناهنّ فى بيت
ما أحوج الملك إلى مطرة … تغسل عنه وضر الزّيت
فبلغ ابن الزّيّات ذلك، فقال (٥):
يا ذا الذى يطمع فى هجونا … عرّضت بى نفسك للموت
стр. 327
الزيت لا يزرى بأحسابنا … أحسابنا معروفة البيت
قيّرتم الملك فلم ينقه … حتى غسلنا القار بالزّيت (١)
وفى هذا إشارة إلى ما يقال من أنّه كان فى أجداد أحمد من يبيع القار.
ومن مختار شعر أبى تمّام فى مدحه قوله (٢):
أأحمد إنّ الحاسدين كثير … ومالك إن عدّ الكرام نظير
حللت محلاّ فاضلا متقادما … من الفخر والمجد القديم فخور
وكلّ غنىّ أو فقير فإنّه … إليك وإن نال السّماء فقير (٣)
إليك تناهى المجد من كلّ وجهة … يصير فما يعدوك حيث تصير
وبدر إياد أنت لا ينكرونه … كذاك إياد للأنام بدور
تجنّبت أن تدعى الأمير تواضعا … وأنت لمن يدعى الأمير أمير
فما من ندى إلاّ إليك محلّه … ولا رفعة إلاّ إليك تسير (٤)
وقال أيضا، من قصيدة فى مدحه (٥):
أيسلبنى ثراء المال ربّى … وأطلب ذاك من كفّ جماد
زعمت إذا بأنّ الجود أضحى … له ربّ سوى ابن أبى دواد
ومن كلام أحمد الذى ينبغي أن يكتب بماء الذهب: ثلاثة ينبغى أن يبجّلوا وتعرف أقدارهم: العلماء، والولاة، والإخوان؛ فمن استخفّ بالعلماء أهلك دينه، ومن استخفّ بالولاة أهلك دنياه، ومن استخفّ بالإخوان أهلك مروءته.
وحكى عنه ولده، أنه كان إذا صلّى رفع يديه، وقال (٦):
ما أنت بالسّبب الضّعيف وإنّما … نجح الأمور بقوّة الأسباب
стр. 328
اليوم حاجتنا إليك وإنّما … يدعى اللّبيب لساعة الأوصاب (١)
قال أبو بكر ابن دريد (٢): كان ابن أبى دواد مألفا (٣) لأهل الأدب، من أىّ بلد كانوا، وكان قد ضمّ منهم جماعة يعولهم ويمونهم، فلما مات حضر ببابه جماعة منهم، وقالوا:
يدفن من كان على ساقة الكرم، وتاريخ الأدب، ولا نتكلّم، إن هذا وهن وتقصير.
فلما طلع سريره قام إليه ثلاثة منهم، فقال أحدهم:
اليوم مات نظام الملك واللّسن … /ومات من كان يستعدى على الزّمن
وأظلمت سبل الآداب إذ حجبت … شمس المكارم فى غيم من الكفن
وتقدّم الثانى، فقال:
ترك المنابر والسّرير تواضعا … وله منابر لو يشا وسرير
ولغيره يجبى الخراج وإنما … يجبى إليه محامد وأجور
وتقدّم الثالث، فقال:
وليس فتيق المسك ريح حنوطه … ولكنّه ذاك الثّناء المخلّف
وليس صرير النّعش ما تسمعونه … ولكنه أصلاب قوم تقصّف
هذا، وقد أطلقنا عنان القلم فى ترجمة أحمد، ومع ذلك لو رمنا حصر محاسنه، وما يؤثر عنه من مكارم الأخلاق، ومن مساويها التى تعزى إليه فى أمر المحنة، لكلّ لسان القلم، وقصر باع الاطّلاع.
وفيما ذكرناه كفاية لمن أراد الوقوف على حاله، وما كان عليه من الحسن والقبح.
تجاوز الله عنه، إنّه جواد كريم.
***
стр. 329
١٥٥ - أحمد بن أبى السّعود
ابن محمّد بن مصلح الدّين الرّومىّ، العمادىّ (¬*)
الآتى ذكر أبيه العلاّمة أبى السّعود، مفتى الدّيار الرّوميّة، فى محلّة، إن شاء الله تعالى.
قال المولى قطب الدين، نزيل مكة المشرّفة فى حقّه: كان نادرة زمانه فى الذكاء والحفظ، والآداب، لم يسمع فى هذا العصر له بنظير فى هذا الباب.
اجتمعت به فى سنة خمس وستّين، بمدينة إصطنبول، وهو مدرّس فى مدرسة رستم باشا بخمسين عثمانيّا، فأكرمنى، وأضافنى، وباسطنى، فرأيت من حفظه، وذكائه، ما أدهشنى وحيّرنى، مع صغر سنّه، وكبر قدره وشأنه.
قال: وأخبرنى أن مولده سنة أربع وأربعين وتسعمائة.
وأنّه اشتغل على والده، وعلى المولى شمس الدّين أحمد بن طاش كبرى، صاحب «الشقائق النعمانية».
وكان يحفظ «مقامات الحريرىّ» على ظهر الغيب، وقرأ لى منها عدّة مقامات، ومع ذلك كان ينظم شعرا غريبا، بليغا، فى أعلى درجات الفصاحة، مع كمال الحسن، والملاحة، فلا أدرى أىّ وصف يوفّيه، وأىّ صنف من الفضل ما هو فيه، وماذا يقال فيه والدّهر من رواته، وفنّ الأدب خامل ما لم يواته.
قال: وأنشدنى من لفظه تخميس قصيدة لأبى الطّيّب المتنبى، وأنّه هو الذى خمّسها، وقد بقى فى حفظى منها هذا البيت:
نشرت على الآفاق درّ فوائدى … وفى سلك شعرى قد نظمت فرائدى
فمن ذا يضاهينى وتلك مقاصدى … وما الدهر إلاّ من رواة قصائدى (١)
إذا قلت شعرا أصبح الدهر منشدا
стр. 330
فانظر إلى هذا السّبك العجيب، والسّكب الغريب، واللفظ الذى يفوق الدّرّ الرّطيب.
/وكان يدرّس فى «التّلويح»؛ و «الهداية»، و «شرح المواقف»، و «شرح المفتاح»، وينقل «صحيح البخارىّ» بغاية التّدقيق، والفهم الدّقيق، واللفظ الأنيق، إلى أن ذوى غصن شبابه، وانطوت صحيفة كتابه، وتوفّاه الله إلى رحمته، فى حياة والده (١). انتهى.
قلت: وكان له أخ يسمّى محمدا، ولى قضاء الشام، وحلب، وتوفّى فى حياة أبيه أيضا، وكان فى العلم دون أخيه، وفى الجود ليس فى أبناء جنسه من يوازيه، تغمّده الله برحمته.
***
١٥٦ - أحمد بن أبى سعيد
أحمد بن أبى الخطّاب محمّد بن إبراهيم بن علىّ،
القاضى الطّبرىّ، البخارىّ، الكعبىّ (¬*)
الإمام (٢)، العلاّمة.
مولده سنة ستّ وتسعين وأربعمائة.
وكانت له اليد الطّولى فى علم الخلاف، والنّظر.
وتفقّه على والده، وعلى الإمام البرهان.
وروى عنه أبو المظفّر السّمعانىّ (٣)، وقال: هو أستاذى فى علم الخلاف.
стр. 331
ذكره الحاكم فى «تاريخ نيسابور»، فقال: درّس بنيسابور فقه الإمام أبى حنيفة نيّفا وستيّن سنة، وأفتى قريبا من هذا، وحدّث سنتين.
ومات تقريبا فى عشر السّتين وخمسمائة. رحمه الله تعالى.
وإنما ذكرته هنا، ولم أذكره فيمن اسمه أحمد بن أحمد؛ لغلبة الكنية على اسم أبيه.
***
١٥٧ - أحمد بن أبى العزّ
ابن أحمد بن أبى العزّ بن صالح بن وهيب الأذرعىّ
فخر الدّين، ابن الكشك
المعروف بابن الثّور، بفتح المثلّثة.
ذكره الحافظ ابن حجر فى «معجم شيوخه»، وقال سمع من أوّل «الصحيح» إلى كتاب الوتر على الحجّار، وسمع أيضا من إسحاق الآمدىّ، وعبد القادر بن الملّول (١)، وغيرهما.
مات فى صفر، سنة إحدى وثمانمائة، وله ثمانون سنة، إلا أيّاما. رحمه الله تعالى.
***
١٥٨ - أحمد بن أبى عمران
أبو جعفر، الفقيه (¬*)
الإمام، العالم، العلاّمة، أحد أصحاب التفنّن فى العلوم.
стр. 332
واسم أبى عمران موسى بن عيسى، وإنما ذكرته هنا لغلبة الكنية على أبيه.
نزل أبو جعفر مصر، وحدّث بها عن عاصم بن على، وسعيد (١) بن سليمان، الواسطيّين، وعلىّ بن الجعد، ومحمد بن الصباح، وبشر بن الوليد، وإسحاق بن إسماعيل، وغيرهم.
وهو أستاذ أبى جعفر الطّحاوىّ، وكان ضريرا، روى عنه الطّحاوىّ، وغيره.
قال الخطيب: وقال لى القاضى أبو عبد الله الصّيمرىّ: أبو جعفر أحمد بن أبى عمران، أستاذ أبى جعفر الطّحاوىّ، وكان شيخ أصحابنا بمصر فى وقته، وأخذ العلم عن محمّد بن سماعة، وبشر بن الوليد، وأضرابهما.
وقال أبو سعيد بن يونس: أحمد بن أبى عمران الفقيه، يكنى أبا جعفر، واسم أبى عمران موسى بن عيسى، من أهل بغداد، وكان مكينا من العلم، حسن الدّراية بألوان من العلم كثيرة، وكان ضرير البصر، وحدّث بحديث كثير من حفظه، وكان ثقة، وكان قدم إلى مصر مع أبى أيّوب صاحب خراج مصر، فأقام بمصر إلى أن توفّى بها فى المحرّم، سنة ثمانين ومائتين. انتهى.
وذكره الحافظ جلال الدّين السّيوطىّ فى «حسن المحاضرة»، وقال: قاضى الدّيار المصرية. وأثنى عليه.
وهذا صريح فى أنه ولى القضاء بمصر، فكأنّه وليه/قبل أن أصيب ببصره، فليحرّر، والله أعلم.
***
١٥٩ - أحمد بن أبى الكرم
ابن هبة الله، الفقيه (¬*)
ذكره ابن العديم، فى «تاريخ حلب»، وقال: كان فقيها حسنا، ديّنا، كثير التّلاوة للقرآن.
стр. 333
وولى التدريس بالموصل، ومشيخة الرّباط، وطلب الحديث.
وقدم حلب مررا، رسولا إلى الملك النّاصر داود، فى سنة ثمان وأربعين وستمائة.
وورد بغداد رسولا أيضا فى هذه السّنة.
وتوفّى بالموصل سنة خمسين وستمائة.
قال ابن العديم: بلغنى وفاته وأنا ببغداد، فى هذا التاريخ. رحمه الله تعالى.
***
١٦٠ - أحمد بن أبى المؤيّد
المحمودىّ، النّسفىّ، أبو نصر (¬*)
كان إماما جليلا، فاضلا، زاهدا، أعجوبة الدنيا، وعلاّمة العلماء.
مصنّف «الجامع الكبير المنظوم» وهو فى مجلّد، و «شرحه» فى مجلّدين، رأيت بخطّ ابن طولون، أنّ كلّ باب منه قصيدة، وأن له قصيدة فى أصول الدين.
وبيت المحموديّة بمرو مشهور بالعلم (١)، وهذه النسبة إلى بعض أجداد المنتسب إليه، رحمهم الله تعالى.
***
١٦١ - أحمد بن أبى يزيد
ابن محمّد، شهاب الدّين بن زكىّ الدّين العجمىّ
السّرائىّ، المشهور بمولانا زاده
كان أبوه ناظر الأوقاف ببلاد السّراى، وكان معروفا بالزّهد والصّلاح، فتضرّع إلى الله
стр. 334
تعالى، أن يرزقه ولدا صالحا، فولد له أحمد هذا، فى يوم عاشوراء، سنة أربع وخمسين وسبعمائة.
ومات أبوه وله تسع سنين، فلازم الاشتغال حتى برع فى أنواع العلوم، وصار يضرب به المثل فى الذّكاء.
وخرج من بلده وله عشرون سنة، فطاف البلاد، وأقام بالشّام مدّة.
ودرّس الفقه والأصول، وشارك فى الفنون، وكان بصيرا بدقائق العلوم.
وكان يقول: أعجب الأشياء عندى البرهان القاطع، الذى لا يكون فيه للمنع مجال، والشكل الذى يكون فيه فكر ساعة.
ثم سلك طريق التصوّف، وصحب جماعة من المشايخ مدّة.
ثم رحل إلى القاهرة، وفوّض إليه تدريس الحديث بالظّاهريّة (١)، فى أوّل ما فتحت، ثم درّس الحديث بالصّرغتمشيّة (٢)، وقرأ فيها «علوم الحديث» لابن الصّلاح، بقوّة ذكائه حتى صاروا يتعجّبون منه.
ثم إن بعض الحسدة دسّ إليه سمّا، فمرض، وطال مرضه، إلى أن مات فى المحرّم، سنة إحدى وتسعين، وكثر الثناء عليه جدّا.
وترك ولدا صغيرا من بنت الأقصرائىّ (٣)، وأنجب بعده، وتقدّم، وهو محبّ الدّين، إمام السّلطان فى زمنه.
***
стр. 335
١٦٢ - أحمد بن بحارة
(١) بالباء الموحّدة، أو بالنون.
وإنما ذكرته هنا، مع وجود الشك فى اسم أبيه، لأنّى رأيته بخط بعضهم بالباء الموحّدة، فنقلته كما وجدته.
ذكره القاضى عمارة فى «تاريخ زبيد»، فقال (١): أبو العبّاس، الفقيه الحنفىّ.
كان مبرّزا فى علم الكلام والأدب واللغة، شاعرا يحذو طريق أبى نواس فى الاشتهار بالخلاعة، واجتاز ليلة بدار القاضى أبى الفتوح بن أبى عقامة وهو سكران، وكان فظّا فى ذات الله تعالى، ، وابن بحارة يخلط كلامه، فصاح عليه القاضى، وليس عنده أحد من الأعوان: إلى هذا الحدّ يا حمار!.
فوقف ابن بحارة مخاطبا للقاضى، وقال:
/سكرات تعتادنى وخمار … وانتشاء أعتاده ونعار (٢)
فملوم من قال إنّي ملوم … وحمار من قال إنّى حمار (٣)
***
١٦٣ - أحمد بن بدر الدّين بن شعبان (٤)
المشهور بجدّه شعبان المذكور.
أحد قضاة القضاة بالدّيار المصريّة، وأصله من الدّيار الشّاميّة.
وكان أبوه من القضاة المذكورين المشهورين.
وكانت سيرته كولده أحمد غير محمودة، وطريقته غير مشكورة، وقد شكى مرارا عديدة،
стр. 336
وفتّش (١) عليه وصودر، والأولى بنا أن نضرب صفحا عن ذكر ما هو شائع عنه بين العوامّ والخواصّ، من الأوصاف التى لا تليق بمن ينتمى إلى العلم وأهله أن يتلبّس بها، وفضل الله أوسع من ذنوبه.
وأمّا صاحب الترجمة، فإنّه قد اشتغل، ودأب، وحصّل، وصار ملازما من قاضى القضاة السّيّد الشريف محمّد، المعروف بمعلول أمير، كما يزعم هو، والله تعالى أعلم.
ثمّ صار مدرّسا فى بعض المدارس بديار العرب، وألقى بها يسيرا من الدّروس، بحضور من لا يعترضه، لا فى الخطأ، ولا فى الصواب.
ولم يزل طالبا للقضاء، راغبا فى تحصيله، طائرا إليه بأجنحة الطّمع الزائد، وحبّ الرياسة المفرطة، إلى أن بلغ منه مراده، وصار يتولاه تارة، ويعزل منه أخرى.
ومن جملة البلاد التى ولى قضاءها فوّة (٢)، والبحيرة، والجيزة، والخانقاه السّرياقوسيّة، وغيرها.
وكان يعامل الرّعايا بكلّ حيلة يعرفها، وكلّ خديعة يقدر عليها، ويتوصّل بذلك إلى أخذ أموالهم، والاستيلاء على أرزاقهم، فحصّل من ذلك أموالا جزيلة، لا تعدّ ولا تحصى، وأضافها إلى ما ورثه من مال أبيه، وهو فيما يقال عنه كثير جدّا، ومدّة عمره وجميع دهره ما رؤى، ولا سمع، أنّه تصدّق على فقير بكسرة ولا درهم نقرة، ولا أضاف غريبا، ولا وصل قريبا، وأمّا إخراج الزكاة فما أظنّ أنّه قرأ لها بابا، ولا رأت عينه لها أصحابا.
وأمّا الكتب النّفيسة فإن عنده منها ما ينوف على أربعين ألف مجلّد، وأكثرها من كتب الأوقاف، وضع يده عليها، ومنع أهل العلم من النّظر إليها، وطالت الأيام، ومضى عليها أعوام، ونسيت عنده، وغيّر شروطها، ومحا ما يستدلّ به من كونها وقفا من أوائلها وأواخرها، وزاد ونقص، وصارت كلّها ملكا له فى الظّاهر، ولم يخف الله ولا اليوم الآخر.
وقد شاع وذاع، وملأ الأفواه والأسماع، أن أجرة مسقّعات أملاكه وأوقافه تزيد كلّ يوم على عشرين أو ثلاثين دينارا ذهبا.
стр. 337
وقد وصل إلى دقّاقة الرّقاب وهو لا يزداد فى الدنيا إلاّ طمعا، وفى القضاء إلاّ حبّا وكانت نفسه الأمّارة تطمعه فى أن يصير قاضيا بخمسمائة عثمانىّ، فى مرتبة مصر، ويكون بذلك من جملة علماء الدّيار الرّوميّة، وداخلا فى زمرة مواليهم، وكان منه ما سنشرحه مفصّلا، إن شاء الله تعالى (١).
***
١٦٤ - أحمد بن بديل الكوفىّ، القاضى (¬*)
من أصحاب حفص بن غياث، حدّث عنه، وانتفع به.
وسمع أبا بكر بن عيّاش، وعبد الله بن إدريس، ومحمّد بن فضل، ووكيعا، وعبد الرحمن المحاربىّ /، وأبا معاوية الضّرير، ومفضّل بن صالح، وعبد الله بن نمير، وأبا أسامة، وغيرهم.
قال الخطيب: وكان من أهل العلم والفضل.
ولى (٢) قضاء الكوفة قبل إبراهيم بن أبى العنبس، وتقلّد أيضا قضاء همذان.
وورد بغداد، وحدّث بها، فروى عنه عبد الله بن إسحاق المدائنىّ، ويحيى بن محمد بن صاعد، وإبراهيم بن حمّاد القاضى، ومحمد بن عبيد الله بن العلاء الكاتب، وعلىّ بن عيسى الوزير، وغيرهم.
قال (٣) أحمد بن صالح الهمذانىّ: بلغنى أنّه كان يسمّى بالكوفة راهب الكوفة، فلما ولى القضاء قال: خذلت على كبر السّنّ، خذلت على كبر السّنّ!! مع عفّته وصيانته.
وحدّث أبو (٤) القاسم عبيد الله بن سليمان، قال: كنت أكتب لموسى بن بغا، وكنّا
стр. 338
بالرّىّ، وقاضيها إذ ذاك أحمد بن بديل الكوفىّ، فاحتاج موسى أن يجمع ضيعة هناك، كان له فيها سهام، ويعمّرها، وكان فيها سهم ليتيم، فصرت إلى أحمد بن بديل، أو فاستحضرت أحمد بن بديل، وخاطبته فى أن يبيع علينا حصّة اليتيم، ويأخذ الثّمن، فامتنع، وقال: ما باليتيم حاجة إلى البيع، ولا آمن أن أبيع ماله، وهو مستغن عنه، فيحدث على المال حادثة، فأكون قد ضيّعته عليه.
فقلت: إنا نعطيك من ثمن حصّته ضعف قيمتها.
قال: ما هذا لى بعذر فى البيع، والصّورة فى المال إذا كثر مثلها إذا قلّ (١).
قال: فأدرته بكلّ لون، وهو يتمنع، فأضجرنى، فقلت: أيّها القاضى، لا تفعل فإنّه موسى بن بغا.
فقال لى: أعزّك الله، إنّه الله ﵎.
قال: فاستحييت من الله أن أعاوده بعد ذلك، وفارقته.
فدخلت على موسى، فقال: ما عملت فى الضّيعة؟
فقصصت عليه الحديث، فلما سمع أنه الله ﵎ بكى، وما زال يكرّرها، ثم قال:
لا تعرض لهذه الضّيعة، وانظر فى أمر هذا الشيخ الصّالح، فإن كانت له حاجة فاقضها.
قال: فأحضرته، وقلت له: إن الأمير قد أعفاك من أمر الضّيعة، وذاك أنّى شرحت له ما جرى بيننا، وهو يعرض عليك حوائجك.
قال: فدعا له، وقال: هذا الفعل أحفظ لنعمته، ومالى حاجة إلا إدرار رزقى؛ فإنّه تأخّر منذ شهور، وأضرّنى ذلك.
قال: فأطلقت له جاريه.
وروى الخطيب بسنده، عن أحمد بن بديل، قال: بعث إلىّ المعتزّ رسولا بعد رسول، فلبست كمّى، ولبست نعل طاق، وأتيت بابه، فقال الحاجب: يا شيخ، نعليك.
стр. 339
فلم ألتفت إليه، ودخلت الباب الثانى، فقال الحاجب: نعليك.
فلم ألتفت إليه، فدخلت إلى الثالث، فقال: يا شيخ، نعليك.
فقلت: أبالواد المقدّس، فأنا أخلع نعلىّ.
فدخلت بنعلىّ، فرفع مجلسى، وجلست على مصلاّه، فقال: أتعبناك أبا جعفر.
فقلت: أتعبتنى، وأذعرتنى، فكيف بك إذا سئلت عنّي!
فقال: ما أردنا إلا الخير، أردنا نسمع العلم.
فقلت: وتسمع العلم أيضا، ألا جئتنى، فإن العلم يؤتى ولا يأتى.
قال: فأخذ الكاتب القرطاس، والدّواة، فقلت له: أتكتب حديث رسول الله ﷺ فى قرطاس بمداد!
قال: فبم نكتب؟.
قلت: فى رقّ.
فجاءوا برقّ وحبر، وأخذ الكاتب يريد أن يكتب، فقلت: اكتب بخطّك.
فأوما إليه أن لا تكتب، فأمليت عليه حديثين أسخن الله بهما عينيه. فسأله ابن البنّا أو ابن النّعمان: أىّ الحديثين؟
فقال: قلت/: قال رسول الله ﷺ : «من استرعى رعيّة فلم يحطها بالنّصيحة حرّم الله عليه الجنّة»، والثانى: «ما من أمير عشرة إلاّ يؤتى به يوم القيامة مغلولا». انتهى.
وكانت وفاته سنة ثمان وخمسين ومائتين. رحمه الله تعالى.
***
١٦٥ - أحمد بن البرهان (¬*)
ذكره فى «الجواهر»، وقال: هكذا هو معروف بهذه النّسبة.
стр. 340
الإمام شهاب الدّين المقرى.
له مشاركة فى فنون.
مات بحلب، سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة، فى ثامن عشر رجب الفرد. رحمه الله تعالى.
***
١٦٦ - أحمد بن بكر بن سيف، أبو بكر، الجصّينىّ (¬*)
بفتح الجيم وكسر الصّاد المهملة المشدّدة وسكون الياء آخر الحروف وفى آخرها النون، هذه النّسبة إلى جصين، وهى محلّة بمرو، اندرست، وصارت مقبرة، ودفن بها الصّحابة، (١) يقال لها تنّور كران (٢). هكذا ذكره السّمعانىّ (١)، وذكر الحازمىّ عن أبى نعيم الحافظ، أنه كان يقول: بكسر الجيم.
قال السّمعانىّ: وأحمد هذا ثقة، يروى عن أبى وهب، عن زفر بن الهذيل، عن أبى حنيفة، كتاب «الآثار».
وروى عن غيره فأكثر.
ترجمه فى «الجواهر»، ولم يذكر له وفاة، ولا مولدا، والله أعلم.
***
١٦٧ - أحمد بن جعفر بن أحمد
ابن مدرك، أبو عمر البكرآباذيّ،
المعروف بالكوسج (¬**)
من أهل جرجان.
стр. 341
سمع من أبى الحسن (١) أحمد بن محمد بن عمر الجرجانىّ، وغيره.
وروى عنه الحافظ أبو القاسم حمزة بن يوسف السّهمىّ، وذكره فى «تاريخ جرجان».
توفّى سنة أربع وسبعين وثلاثمائة، رحمه الله تعالى.
***
١٦٨ - أحمد بن حاجّ، أبو عبد الله،
العامرىّ، النّيسابورىّ، الفقيه (¬*)
صاحب محمد بن الحسن، تفقّه عليه.
وكان جليلا، سمع ابن المبارك، وسفيان بن عيينة.
وروى عنه أبو عبد الله أحمد بن حرب، وأحمد بن نصر اللبّاد، شيخ الحنفيّة بنيسابور.
ذكره الحاكم فى «تاريخها»، وقال: قرأت بخطّ أبى عمرو المستملى وفاته سنة سبع وثلاثين ومائتين. رحمه الله تعالى.
***
١٦٩ - أحمد بن الحسن بن أحمد بن الحسن
ابن أنوشروان،
الرّازىّ الأصل، ثم الرّومىّ، أبو المفاخر (¬**)
قاضى القضاة جلال الدّين، ابن قاضى القضاة حسام الدّين، ابن تاج الدين.
مولده سنة إحدى وخمسين وستمائة، بمدينة أنكوريّة (٢)، من بلاد الرّوم.
стр. 342
تفقّه على والده، وغيره، وقرأ التفسير والنحو على يزيد بن أيّوب الحنفىّ، وقرأ النحو أيضا على صدر الدين، تلميذ أبى البقاء العكبرىّ، وعلى قاضى سيواس، تلميذ ابن الحاجب فى النّحو والتّصريف، وقرأ «الجامع الكبير»، و «الزيادات» للعتّابىّ، على الشيخ شمس الدين الماردانىّ، وقرأ الخلاف على العلاّمة برهان الدّين الحنفىّ، بدمشق، والفرائض على أبى العلاء البخارىّ (١).
وكان قد ولى القضاء بخرت برت (٢)، وعمره سبع عشرة سنة.
قال القطب فى «تاريخ مصر»: اشتغل كثيرا، وكان جامعا للفضائل، ويحبّ (٣) أهل العلم، مع السّخاء، وحسن العشرة.
قال البرزاليّ: ولى قضاء الشام، وناب عن والده قبل ذلك، ودرّس بالخاتونيّة (٤)، والقصّاعيّة (٥).
وكانت له عناية ب «جامع الأصول» ألقاه درسا، ويحفظ منه كثيرا.
وكان محبوبا إلى الناس/، كثير الصّدقة، جوادا، متّع بحواسّه، إلا السّمع، وكتب الخطّ المنسوب، على الولىّ الذى كان ببلاد الرّوم.
ومات سنة خمس وأربعين وسبعمائة، وكان قد انحنى من الكبر، وإذا مرض يقول:
أخبرنى رسول الله ﷺ فى المنام، أنّى أعمّر. فكان كذلك، فإنه أكمل التّسعين وزاد.
وكان سمع الحديث من الفخر ابن البخارىّ، وكان يحفظ فى كلّ يوم من أيّام الدّروس ثلاثمائة سطر.
стр. 343
وقال الشهاب ابن فضل الله: كان كبير المروءة، حسن المعاشرة، سخىّ النّفس، فوق السّبعين سنة يدرّس بدمشق، وغالب رؤساء مذهبه من الحكّام، والمدرّسين، كانوا طلبة عنده، وقلّ منهم من أفتى ودرّس، بغير خطّه.
وقال ابن حبيب فى حقّه: إمام مذهبه، عارف بنقد فضّته وذهبه، حسن التّلطّف، كثير التعفّف، ذو نفس زكيّة، وسيرة مرضيّة، وأخلاق كريمة، ومناقب وجوهها وسيمة، معروف بالمكارم، موصوف بالهمم والعزائم.
باشر بدمشق تدريس عدّة مدارس، وزيّن بنجوم علومه مذولى القضاء بها آفاق المجالس، واستمرّ معدودا من الأكابر والأعيان، إلى أن فرّق الموت بينه وبين الأهل والأوطان. انتهى.
وذكر صاحب آكام المرجان (١)، عن الشّهاب ابن فضل الله العمرىّ، عنه، حكاية غريبة، لا بأس بذكرها هنا، قال: سفرنى أبى إلى الشّرق لإحضار اهله إلى (٢) الشام، فألجأنا المطر حتى نمنا فى مغارة، فبينا أنا نائم إذا شئ يوقظنى، فانتبهت، فإذا امرة لها عين واحدة مشقوقة، فارتعت، فقالت: لا تخف، إنّي رغبت أن أزوّجك ابنة لى كالقمر.
فقلت: على خيرة الله.
ثم نظرت فإذا برجال فى هيئة قاض وشهود، وكلّهم بصفة المرأة، (٣) فخطب أحدهم، وعقد، وقبلت، ونهضوا.
وعادت المرأة (٣)، ومعها جارية حسناء (٤) فتركتها عندى، وانصرفت، فارتعت، وخفت خوفا شديدا، ولم أقرب تلك الجارية، ورحلنا، وهى معنا.
فلما كان فى اليوم الرابع حضرت تلك المرأة، فقالت: كأنّ هذه الشّابّة ما أعجبتك؟
فقلت: نعم.
стр. 344
قالت: فناولنيها.
ففعلت، فأخذتها وانصرفت، فلم أرها بعد ذلك.
***
١٧٠ - أحمد بن الحسن بن أحمد
أبو نصر الدّرواحكىّ، الزاهد (¬*)
عرف بفخر الإسلام.
أستاذ العقيلىّ (١).
ولم يذكر السّمعانىّ هذه النسبة.
كذا فى «الجواهر».
***
١٧١ - أحمد بن الحسن بن إسماعيل
ابن يعقوب بن إسماعيل، الشّهاب، العينتابىّ،
ثم القاهرىّ (¬**)
والد الشمس محمّد ومحمود المعروف كلّ منهما بالأمشاطىّ.
ممّن اشتغل وفضل، وذكر بالخير.
ورافق ابن حجر فى السّماع على بعض شيوخه فى «المستخرج» وغيره، وأثبت اسمه فى «الطّباق» فشيّخه، ونسبه فى بعضها عجميّا، وفى بعضها كحكاويّا، وفى بعضها عين تابيّا.
مات سنة تسع عشرة وثمانمائة. رحمه الله تعالى.
стр. 345
ذكره السّخاوىّ، فى «الضّوء اللاّمع».
***
١٧٢ - أحمد بن حسن بن أبى بكر
ابن حسن الرّهاوىّ، ثم المصرىّ (¬*)
الملقّب بطبيق (١).
سمع من الحسن الكردىّ «المائة الشّريحيّة» ومن الوانىّ (٢)، والدّبوسىّ والختنىّ، وابن قريش، وغيرهم، وأكثر من السّماع، وحدّث.
وسمع منه الإمام جمال الدّين ابن ظهيرة، وغيره.
وناب فى الحكم بالقاهرة،/وولى الحسبة.
ووقع من سلّم، فمات، فى ذى القعدة، سنة ستّ وسبعين وسبعمائة. رحمه الله تعالى.
***
١٧٣ - أحمد بن الحسن بن أنوشروان،
الرّازىّ (¬**)
قاضى القضاة، أبو المفاخر، تاج الدّين.
والد قاضى القضاة حسام الدّين بن أبى الفضائل الحسن بن أحمد، الآتى ذكره فى محلّه إن شاء الله تعالى.
***
стр. 346
١٧٤ - أحمد بن الحسن
المعروف بابن الزّركشى، شهاب الدّين (¬*)
كان رجلا فاضلا، درّس بالحساميّة (١)، وأعاد.
ووضع «شرحا» على «الهداية»، وانتخب «شرح الصّغناقىّ»، وله مشاركة فى علوم.
مات فى ثامن عشرى رجب، سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة.
قال فى «الجواهر»: ورأيت بخطّى ثانى جمادى الأولى (٢)، سنة سبع وثلاثين.
وقال ابن الشّحنة، بعد نقله كلام صاحب «الجواهر» هذا: قلت، قوله «ووضع شرحا على الهداية، وانتخب شرح الصّغناقىّ». يشعر بأنهما كتابان، وقد اعتبرت ما وقفت (٣) عليه من شرحه، فوجدته يختصر كلام السّروجىّ، من غير زيادة عليه، ولم أر فيما وقفت عليه من كلامه شيئا من بحوث الصّغناقىّ، ولا حكاية لشئ من كلامه. انتهى.
***
١٧٥ - أحمد بن الحسن الزاهد (¬**)
عرف بدرواحة (٤).
أحد رواة «الأمالى»، من أقران البرهان.
стр. 347
ذكره فى «الجواهر».
***
١٧٦ - أحمد بن الحسن بن سلامة
ابن ساعد المنبجىّ الأصل،
البغدادىّ المولد، أبو العبّاس (¬*)
قرأ الفقه على أبيه الحسن، ودرّس مكانه بعد وفاته بالمدرسة الموفّقيّة على شاطئ دجلة.
وسمع أبا القاسم على بن أحمد (١) الكاتب، وحدّث عنه بكتاب «المغازى» لمحمّد بن مسلم الزّهرىّ.
سمع منه القاضى أبو المحاسن عمر بن علىّ القرشىّ.
وكان مولده سنة اثنتين وخمسمائة.
وتوفّى يوم الأربعاء، لثمان عشرة خلت من شعبان، سنة أربع وثمانين وخمسمائة. رحمه الله تعالى.
***
١٧٧ - أحمد بن حسن بن عبد المحسن الرّومىّ (¬**)
المدرّس بإحدى المدارس السّليمانيّة.
كان والده قاضيا بالعسكر المنصور، بولاية أناطولى.
وكان من عتقاء الوزير الأعظم رستم باشا، وقد جرى الاصطلاح عند الكتّاب أن من جرى عليه الرّقّ، وكان مسلما، يكتبون فى تعريفه فلانا ابن عبد الله، وكان والد صاحب
стр. 348
الترجمة يكتب حسن بن عبد المحسن، وهو بمعنى المصطلح عليه مع زيادة الإحسان، وعدّ ذلك من حسن ذوقه.
وكان قد ولى قبل قضاء العسكر، وقضاء الشام مرّتين، وقضاء مصر، وقضاء مكة، وقضاء قسطنطينيّة، وحاز، من الجاه والتقدّم والمروءة والكرم، ما فاق بسببه أبناء جنسه، وكان فيه يومه أحسن من أمسه، وقد مدحه شعراء الدّيار الشاميّة، والمصريّة، والرّوميّة، بقصائد طنّانة، وبالغوا فى مدحه وشكره؛ فإنه كان-رحمه الله تعالى-ملجأ لكل قاصد، ومقصدا لكلّ وارد.
ولد صاحب الترجمة فى حدود الستّين من المائة العاشرة.
واشتغل/من صغره، ودأب، وحصّل.
وأخذ الفقه وغيره، عن الإمام العلاّمة بقيّة السّلف، وبركة الخلف أبى السّعود العمادىّ، مفتى الدّيار الرّوميّة، وكان معيدا عنده بمدرسة السلطان بايزيد خان، عليه الرّحمة والرّضوان.
وأخذ عن الفاضل العلاّمة قاضى العساكر المنصورة بولاية أناطولى محمد بن عبد الكريم.
وأجاز له حين دخل مع والده الديار الشّاميّة والمصرية، جماعة من العلماء الأجلّة، منهم:
الإمام العلاّمة محمّد البرهمتوشيّ الحنفىّ، والشيخ الإمام المحدّث شمس الدّين العلقمىّ الشافعىّ، والشيخ البارع بقيّة الأفاضل، ومجمع الفضائل، ناصر الدّين الطّبلاوىّ، والإمام الجامع بين علمى الشّريعة والحقيقة، الولىّ العابد الزاهد العالم الرّبّانىّ الشيخ عبد الوهّاب الشّعراوىّ الشافعىّ، والشيخ العلاّمة أمين الدّين بن عبد العال الحنفىّ، مفتى الدّيار المصريّة، وحافظ العصر ومحدّث الدّيار المصريّة الإمام الجليل البارع الشيخ نجم الدّين الغيطىّ، والإمام الكبير المحدّث الحافظ المفنّن المتقن مفتى الدّيار الشاميّة الشيخ بدر الدّين ابن الشيخ رضىّ الدّين الغزّىّ العامرىّ الشافعىّ، رحمه الله تعالى، وغيرهم.
وهو الآن مكبّ على المطالعة، والمراجعة، والإشغال والاشتغال، وله الذّهن الوقّاد، والفكر النّقّاد، وعنده من الكتب النّفيسة ما لا يتيسّر لغيره جمعه فى العمر الطّويل، ولا بالمال الجزيل، هذا مع ما حواه من حسن الخلق والخلق، وكرم النّفس، وطرح التكلّف، وغير ذلك
стр. 349
من الأوصاف الجميلة، وأحسن معلوماته العلوم العربيّة، وهو من المكثرين لحفظ اللغة العربيّة، والاطّلاع على الكتب الأدبيّة.
وله شعر رقيق، ولكنه قليل، منه ما أنشدنا إيّاه ارتجالا، ونحن بحضرته، وهناك مسمع حسن النغمة، قبيح الصّورة، وهو:
يا لقومى من مغنّ … لحنه للوجد معرب
وجهه وجه قبيح … فهو فى الحالين مطرب
ومنه قوله، وقد ذكر عنده أنّ أناسا وجّه لهم بعض المناصب العليّة، وأنّ التّوجيه كان لهم ببذلهم لا بفضلهم، فأنكر ذلك، وقال مرتجلا بيتا مفردا، وهو:
يقولون بالفضل المناصب أعطيت … فقلت نعم لكن بفضل الدّراهم
وقد مدحه كثير من شعراء عصره، وأطنبوا فى مدحه وشكره، ومنهم بل من أجلّهم، الشيخ الفاضل العلاّمة عماد الدّين بن عماد الدّين الدّمشقىّ الحنفىّ، مدحه مكاتبة بقصيدة، قالها فى ليلة واحدة، وأرسلها إلى حضرته الشريفة، فى سنة ثمانين وتسعمائة، وهى هذه:
هل لصبّ قد هام فيك غراما … رشفة من لماك تشفى السّقاما
يا هلالا تحت اللّثام وبدرا … كاملا عند ما يميط اللثاما
وغزالا منه الغزالة غابت … عند ما لاح خجلة واحتشاما
/وبأوراقها الغصون توارت … منه لمّا انثنى وهزّ قواما
لك يا فاتر اللواحظ طرف … فتكه فى القلوب فاق الحساما
ذابل وهو فى الفؤاد رشيق … ناعس أحرم الجفون المناما
ومحبّا سبى بنمل عذار … زمر الحبّ عند ما خطّ لاما
عجبا من بقاء خالك فى الخدّ … ونيرانه تؤجّ ضراما
ومن الفرع وهو فوق جبين … مخجل الشّمس كيف مدّ ظلاما
يا بديع الجمال يا مالك الحس … ن ترفّق بمن غدا مستهاما
عبد رقّ ما حال عنك لواش … نمّق الزّور فى هواك ولاما
كم بكى طرفه إليك اشتياقا … وقضى بالبكاء عاما فعاما
شاع فى الناس حبّه لك لمّا … باح وجدا وحرقة وهياما
стр. 350
مثل ما شاع أن أحمد مولا … نا بديع الزمان أضحى الإماما
واحد صحّ فيه جمع المعانى … مفرد قد حوى الكمال تماما
وبه للعلوم شأو رفيع … شامخ المجد للسماء تسامى
وهو فى حلبة السّباق مجلّ … ومحلّ لكلّ أمر تعامى (١)
كم جلا مشكلا وحلّ عويصا … وكفى معضلا وأطفى أواما
يا بديع البيان منطقك العذ … ب المعانى فاق العقود نظاما (٢)
وإذا ما نثرت درّا تمنّت … زهر الأفق أن تكون كلاما
حزت مجدا وسؤددا وعفافا … وافتخارا ورفعة ومقاما
ألفت كفّك المكارم حتى … فقت كلّ الورى وفقت الكراما
فقت معنا بذلا وسحبان نطقا … وحبيبا شعرا وسدت عصاما
وأخذت العلوم عن خير أصل … لسماك السّما غدا يتسامى (٣)
قد حوى المجد والكمال جميعا … وامتطى غارب العلى والسّناما
وهو أعلى الورى مقاما وأوفا … هم عطاء جمّا وأرعى ذماما
يا رفيع الجناب يا حسن الوص … ف ويا من فاق الورى إعظاما
عش قريرا بفرعك الشّامخ الأص … ل ولازم شكر الإله دواما
واقبلن بنت ليلة منك جاءت … تتمنّى قبولها إنعاما
وأتت تلثم التراب وتهدى … لك منّى تحيّة وسلاما
فتجاوز عنها بحلمك واسلم … ما شدا بلبل وفاح خزامى
وقد مدحه العبد الفقير إلى الله تعالى، جامع هذه «الطبقات»، بقصيدة تائيّة، عندى أنها من الشّعر الجيّد أو المقبول، وإن لم تكن عند الغير كذلك؛ فقد شرفت بمن قيلت فيه، ونظمت لأجله، كما قلت فى هذا المعنى:
والشعر قد يرزق سعدا بمن … قد قاله أو قيل فى حقّه
стр. 351
وهى هذه:
لى فى الغرام بمن أهوى صبابات … لها نهايات من يهوى بدايات
وكلّ صبّ له فى الحبّ مرتبة … لى فوقها رتب فيه عليّات
بقدر من عاشق العشّاق منزلهم … وفى الجمال لمن أهوى مزيّات
وكلّ من شغلته الغانيات عن ال … أغنّ أشغاله عندى بطالات
حبّ المقرطق لا حبّ المقنّع لى … بالرّوح فيه وبالدّنيا مغالاة (١)
ظبى من التّرك إلاّ أنّ أعينه … مهنّدات لها بالرّوح فتكات
من الخطا ما خطا إلاّ وداخله … بالقدّ عجب وللأغصان شمخات
ما اهتزّ إلاّ وبزّ الناس أنفسهم … وهكذا شأنهنّ السّمهريّات
حذار يا قلب من ألحاظه فلها … سهام حتف لها بالقلب رشقات
ولا يغرّك ما يخطى وكن يقظا … ففى سهام الخطا تلفى إصابات
عذاره حجّة بالعذر قائمة … بها لقاضى قضاة الحسن إثبات
مسك على طرس كافور به كتبت … يد البديع وللبارى احتكامات
أو جنّة الحسن حول الخدّ قد نبتت … والخدّ نار وما للنار إنبات
لله ما قد رأت عيناى من عجب … نار بها نبتت للآس جنّات
كأنّ أصداغه للهائمين بها … سود العقارب أو للعطف واوات
والبدر طلعته والليل طرّته … إذ كان للوصل فى أخراه ميقات
وقبله ما رأت عينى ولا سمعت … أذنى بليل بهيم فيه قمرات
كأنما خاله تحت العذار فتى … قد زمّلته ثياب سندسيّات
أو بلبل برياض الخدّ مستتر … من خارج اللّحظ أخفته المخافات
أو سارق فى ظلام الليل أمّ إلى … كنوز ثغر بها تلفى السّعادات
أو راهب يقرأ الإنجيل من صحف … ما فى الحواشى بها للخطّ غلطات
سلطان حسن أعزّ الناس دان له … إلاّ الرّوادف فهى الخارجيّات
على القلوب خفيفات على ثقل … فيهنّ فهى الخفيفات الثقيلات
لله أوقاتنا اللاّتى مررن وفى … حال الحقيقة يا هذا حلاوات
стр. 352
نضمّ فيهنّ أغصان القدود كما … ضمّت حنوّا على الطفل الحنونات
ونحتسى من سلاف الثّغر ما عجزت … عنه العجوز وهاتيك المدامات
تمضى الليالى ولا ندرى لها عددا … كأنّ أعوامنا بالوصل ساعات
حتى رمانى زمانى عن حنيّته … سهام هجر وما عندى مجنّات
وصار روحى وروح الحبّ فى جسد … ودون نيل المنى منه مسافات
والهف قلبى على ما فات من فرص الزّ … مان إذ فرص الدّهر اختلاسات
/أخّرتها وهى لذّات بها سمح الدّ … هر البخيل وللتّأخير آفات (١)
يا نازلين الحشا فى صدّكم عجب … وللشّمائل باللّطف اشتمالات
علىّ قاضى الهوى أن الفؤاد لكم … قضى وما قضيت منك لبانات
بالله يا من يطيل اللوم فى قمر … أقصر عناك فما تجدى الملامات
تالله لو نظرت عيناك لا نظرت … جماله كان لى منك المعونات
للناس أكنى بسلمى والرّباب عسى … تلهى عذولى عن الحبّ الكنايات
لأنّنى بالهوى من لا يبوح وإن … جرى له من مآقى العين باحات
وما الخطا بمرادى فى النّسيب ولا … تغزّلى بالظّبا إلاّ الإشارات
فيمن هويت صفات الحسن أجمعها … كأحمد جمّعت فيه الكمالات
من مهده جاء مهديّا له أدب … فاق البرايا وأخلاق جميلات
بحر وما البحر إلاّ دون أنمله … غيث وما الغيث إلاّ منه قطرات
وما تقدّمه فى الفضل ذو أدب … إلاّ زمانا وإن فاتوا فما فاتوا
كأنما هو شمس فى مكارمه … ومكرمات الألى كانوا ذبالات
فى كلّ علم له باع يطول وما … لمدّعى علمه إلاّ الجهالات
يراعه بالمعانى والبيان له … على البديع وأهليه مقامات
حديثه حسن ألفاظه درر … مسلسلات صحاح جوهريّات
سنّ الإباحات فى أمواله فله … يد تقول خذوا لم تدر ما هاتوا
стр. 353
بنحو تصريفه نحو الصّواب له … من علّة النّقص أفعال سليمات
أبكار أفكاره الأقمار ساطعة … عنها بصائر من يدرى حسيرات
محاسن مالها فى العصر ذو شبه … كأنها فى خدود الحسن شامات (١)
يمنى عرابة عن يسراه قاصرة … إذا تبدّى لعزّ المجد رايات (٢)
به منار الهدى والدّين ذو شرف … كالنّجم لاحت لنا منه الهدايات
من بعد ما درست آثاره وعفت … رسومه وأبادته الضّلالات
وردّ شمس العلى من بعد ما غربت … فما ليوشع فى هذا اختصاصات
بالله أقسم والبيت العتيق ومن … سعى ولبّى وطابت منه نيّات
لو كان من آدم لليوم كلّ فتى … إلى قريش له تلفى انتسابات
ولازم المدح فى أوصافه عجزت … عن حصر أوصافه الغرّ العبارات
خذها إليك عروسا ما رأيت لها … كفؤا سواك ومن فيه المكافاة
فى حلّة من بديع الحسن رافلة … لها بأوج العلى فى التّية خطرات
تزهى على البدر إعجابا بمطلعها … فإنّ مطلعها فيه النّهايات
فلو رأى حسنها حسّان قبّح ما … أتى به حيث خانته السّجيّات
أو عامر مرّة فى العمر ما عمرت … فى حبّ ليلى لهم بالشّعر أبيات
/لها نظام به النّظّام بان له … عن سنّة الحسن فى النّظم اعتزالات
إلى ابن أوس تميم ينتهى نسبا … لها على البدر فى التّمّ الكمالات
صداقها صدق ودّ لا يزول وهل … ترجى سوى عند مولانا المودّات
وأن يؤهّلنى عبدا لخدمته … فإنّ أعبده للناس سادات
من أحمد الناس ترجو العفو إن خطرت … من غير عمد وقاها الله زلاّت
لا زال بالعفو موصوفا لكلّ فتى … أيّامه فى فم الدّهر ابتسامات
***
стр. 354
١٧٨ - أحمد بن حسن بن محمد
ابن أحمد، أبو العبّاس،
الحامدىّ، الدّامغانىّ، القاضى (¬*)
سمع من أبى الحسين بن سمعون (١)، وأبى إسحاق بن يزداد.
ذكره عبد الغافر، فى «تاريخ نيسابور» فقال: شيخ من أصحاب أبى حنيفة، ولى قضاء دامغان فأحسن سيرته، وسمع بالعراق، وخراسان.
قاله فى «الجواهر».
***
١٧٩ - أحمد بن الحسن بن محمد
ابن عبد العزيز بن محمد بن الفرات، الموقّع (¬**)
ولد سنة ثلاث وثمانين وستّمائة.
وسمع من الدّمياطىّ، والصّفىّ والرّضىّ الطّبريّين، فى آخرين.
قال ابن حجر: سمع منه شيخنا الحافظ أبو الفضل، وغيره. وأثنى عليه.
ومات فى عاشر (٢) ذى القعدة، سنة ست وخمسين وسبعمائة.
قال: وقرأت بخطّ القاضى تقىّ الدّين الزّبيرىّ: وكان (٣) رأسا فى صناعة التّوقيع، والكتابة، والحساب، وكان يقصد لذلك، ويعتمد عليه.
واستقر ولده مكانه، رحمهما الله تعالى.
***
стр. 355
١٨٠ - أحمد بن الحسن بن محمود
ابن منصور، أبو يعلى (¬*)
مولده سنة خمس، وقيل: ستّ وخمسين وأربعمائة.
ذكره أبو زكريّا يحيى بن أبى عمرو بن منده، وقال: حسن المعرفة، يرجع إلى ستر وصلاح.
كتب بأصبهان، وخراسان.
وكان من الحفّاظ، عالما بمذهب الكوفيّين. رحمه الله تعالى.
***
١٨١ - أحمد بن حسن شاه، الشهاب،
أبو الفضل، القاهرىّ، المعروف بابن حسن (¬**)
اشتغل بعد بلوغه، وحفظ كتبا، وبرع فى فنون، واختصّ بالشّمنّىّ، والأقصرائىّ.
وتوفّى ثامن عشر رجب، سنة ثلاث وسبعين وثمانمائة، قبل أن يكتهل (١).
قال السّخاوىّ: ونعم الشابّ فضلا، وديانة، وعقلا، وانجماعا. رحمه الله تعالى.
***
١٨٢ - أحمد بن الحسين بن سليمان
ابن فزارة بن عبد الله، قاضى القضاة، شرف الدّين
أبو العبّاس، المعروف بابن الكفرىّ، الدّمشقىّ (¬***)
قال الولىّ العراقىّ: تفقّه، وبرع، ودرّس، وأفتى.