فقال المريسىّ: أدخلك الله أعلى علّيّين، مع محمد وإبراهيم وموسى صلّى الله عليهم وسلم.
قال محمد بن إسحاق (١): فذكرت هذا الحكاية لبعض أصحابنا، فقال لى: لا تدرى أىّ شئ أراد المريسىّ بقوله؟ كان منه طنزا (٢)، لأنه يقول: ليس ثمّ جنة ولا نار.
وروى (٣) عن حميد الطّوسىّ، أنه دخل على أمير المؤمنين، وعنده بشر المريسىّ، فقال أمير المؤمنين لحميد: أتدرى من هذا يا أبا غانم؟
قال: لا.
قال: هذا بشر المريسىّ.
فقال حميد: يا أمير المؤمنين، هذا سيّد الفقهاء، هذا قد رفع عذاب القبر، ومسألة منكر ونكير، والميزان، والصّراط، انظره هل يقدر يرفع الموت؟.
ثم نظر إلى بشر، فقال: لو رفعت الموت كنت سيّد الفقهاء حقّا.
وروى (٣) أن يهوديّا مرّ على بشر، والناس مجتمعون عليه، فقال لهم: لا يفسد عليكم كتابكم، كما أفسد أبوه علينا التوراة، يعنى أن أباه كان يهوديّا.
وعن أبى مسلم صالح بن أحمد بن عبد الله بن صالح العجلىّ (٤)، قال: حدّثنى أبى، قال: رأيت بشر المريسىّ -عليه لعنة الله-مرّة/واحدة، شيخا قصيرا، ذميم (٥) المنظر، وسخ الثياب، وافر الشّعر، أشبه شئ باليهود، وكان أبوه يهوديا صبّاغا بالكوفة فى سوق المراضع، ثم قال: لا يرحمه الله، فقد كان فاسقا.
وكان أبو زرعة الرّازىّ، يقول (٦): بشر المريسىّ زنديق.
وكان أبو يوسف، يقول له (٦): طلب العلم بالكلام هو الجهل، والجهل بالكلام هو
стр. 667
العلم، وإذا صار الشخص رأسا فى الكلام، قيل: زنديق، أورمى بالزّندقة، يا بشر: بلغنى أنك تتكلّم فى القرآن، إن أقررت أنّ لله علما خصمت، وإن جحدت العلم كفرت.
وكان يزيد بن هارون يحرّض أهل بغداد على قتل بشر المريسىّ (١).
وروى (٢) عن بعض العلماء الصّلحاء (٣)، أنه قال: رأيت ليلة الجمعة، ونحن فى طريق خراسان فى مفازة (٤) إبليس فى المنام.
قال: وإذا بدنه ملبّس شعرا، ورأسه إلى أسفل، ورجلاه إلى فوق، وفى بدنه عيون مثل النار.
قال: فقلت له: من أنت؟ قال: أنا إبليس.
قال: فقلت له: وأين تريد؟.
قال: بشر بن يحيى. رجل كان عندنا بمرو يرى رأى المريسىّ.
قال: ثم قال: ما من مدينة إلاّ ولى فيها خليفة.
قلت: من خليفتك بالعراق؟.
قال: بشر المريسىّ، دعا الناس إلى ما عجزت عنه، قال: القرآن مخلوق.
وروى عن بشر (٥) أنه قال: القول فى القرآن قول من خالفنى، وغير مخلوق.
فقيل له: أما ترجع عنه (٦)؟.
قال: أرجع عنه! وقد قلته منذ أربعين سنة: وقد صنّفت (٧) فيه الكتب، واحتججت فيه بالحجج.
стр. 668
فنعوذ بالله تعالى من العناد، والإصرار على ما يؤدّى إلى البوار، ودخول النار.
وروى (١) أن بشرا دخل يوما على سفيان بن عيينة، وعنده أصحابه، فأخذ يتكلّم بمهملاته، فقال ابن عيينة: اقتلوه.
قال ابن خلاّد (٢): فأنا كنت ممّن ضربه بيده.
وقيل لسفيان بن عيينة: إن بشرا المريسىّ، يقول: إنّ الله تعالى لا يرى يوم القيامة.
فقال: قاتله الله، ألم يسمع الله يقول: ﴿كَلاّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ (٣)، فجعل احتجابه عنهم عقوبة لهم، فإذا احتجب عن الأولياء والأعداء، فأىّ فضل للأولياء على الأعداء؟!
وروى (٤) أن بشرا دخل على أبى يوسف، فقال له أبو يوسف: حدّثنا إسماعيل، عن قيس، عن جرير، عن النبىّ ﷺ ، فذكر حديث الرّؤية.
ثم قال أبو يوسف: إنّى والله مؤمن بهذا الحديث، وأصحابك ينكرونه، وكأنّى بك قد شغلت على الناس (٥) خشبة باب الجسر، فاحذر (٥).
وحدّث بعض الثّقات (٦)، أنه لمّا مات بشر المريسىّ لم يشهد جنازته من أهل العلم والسّنّة أحد إلاّ عبيد الشّونيزىّ (٧)، فلمّا رجع من جنازته أقبل عليه أهل السّنّة والجماعة، وقالوا: يا عدوّ الله تنتحل السّنّة، وتشهد جنازة المريسىّ؟
قال: أنظرونى حتى أخبركم، ما شهدت جنازة رجوت بها من الخير (٨) ما رجوت فى شهود جنازته، لمّا وضع فى موضع الجنائز، قمت فى الصّفّ، فقلت: اللهمّ عبدك هذا كان
стр. 669
لا يؤمن برؤيتك فى الآخرة، اللهم فاحجبه عن النّظر إلى وجهك الكريم يوم ينظر إليك المؤمنون، اللهم عبدك هذا كان ينكر الميزان، اللهم فخفّف ميزانه يوم القيامة، اللهم عبدك هذا كان لا يؤمن بعذاب القبر، اللهم، فعذّبه اليوم فى قبره عذابا لم تعذّبه أحدا من العالمين، اللهم عبدك هذا كان ينكر الشفاعة، اللهم فلا تشفّع فيه أحدا من خلقك يوم القيامة.
فسكتوا عنه،/وضحكوا.
وحدّث أحمد ابن الدّورقىّ (١)، قال: مات رجل من جيراننا شابّ، فرأيته فى الليل وقد شاب، فقلت: ما قصّتك؟
قال: دفن بشر فى مقابرنا، فزفرت جهنّم زفرة شاب منها (٢) كلّ من فى المقبرة.
وكانت وفاته سنة ثمان عشرة ومائتين، ويقال سنة تسع عشرة.
والمريسىّ، بفتح الميم وكسر الراء وسكون الياء آخر الحروف، وفى آخرها السين المهملة، نسبة إلى مريس (٣)، قرية بأرض مصر، قاله الوزير أبو سعد، فى كتاب «النّتف والطّرف» (٤).
ثم قال: وإليها ينسب بشر المريسىّ، وإليه تنسب الطّائفة المريسيّة.
قال فى «الجواهر»: وله أقوال فى المذاهب غريبة.
стр. 670
منها؛ جواز أكل لحم الحمار.
ومنها؛ وجوب التّرتيب فى جميع العمر، ذكره عنه صاحب «الخلاصة» فى باب قضاء الفوائت، قال: وربما شرط بعض التّرتيب فى جميع العمر، كقول بشر. هكذا أطلقه، وهو بشر المريسىّ هذا. انتهى.
***
٥٦٥ - بشر بن القاسم بن حمّاد بن عبد ربّه، أبو سهل
الفقيه، السّلمىّ، الهروىّ، النّيسابورىّ
المعروف ببشرويه (¬*)
والد الحسن، والحسين، وسهل، قضاة نيسابور، وفقهاء أصحاب أبى حنيفة بها، وسيأتى كلّ منهم فى بابه، إن شاء الله تعالى.
سمع بشر مالك بن أنس، والليث بن سعد، وابن لهيعة، وشريك بن عبد الله القاضى، وحمّاد بن زيد.
روى عنه بنوه الثلاثة المذكورون، وأيوب بن الحسن، فى آخرين.
مات فى آخر ذى القعدة، من سنة خمس عشرة ومائتين، وقبره فى مقبرة الحسين بن معاذ.
قاله فى «الجواهر»، نقلا عن الحاكم.
***
٥٦٦ - بشر بن المعلّى (¬**)
قال فى «الجواهر»: روى عن أبى يوسف أن الحجّ بعد اجتماع الشّروط، يعنى شروط الوجوب، يجب على الفور، حتى يأثم بالتّأخير، ذكره شمس الأئمّة فى «المبسوط».
***
стр. 671
٥٦٧ - بشر بن الوليد بن خالد، أبو الوليد
الكندىّ، الإمام (¬*)
أحد أعلام الأئمّة، المشهورين من علماء هذه الأمة.
سمع مالك بن أنس، وعبد الرحمن بن سليمان بن عبد الله بن الغسيل (١)، وحمّاد بن زيد، وصالحا المرّىّ (٢)، وحشرج بن نباتة، وشريك بن عبد الله، وأبا الأحوص سلاّم بن سليم، وأبا يوسف، وكان أحد أصحابه، وعنه أخذ الفقه.
وروى عنه الحسن بن علوية القطّان، وأحمد بن الوليد بن أبان، وأحمد بن القاسم البرتيّ، وأحمد بن على الأبّار، وغيرهم.
وكان جميل المذهب، حسن الطريقة، وولى القضاء بعسكر المهدىّ، من جانب بغداد الشّرقىّ، لمّا عزل عنه محمد بن عبد الرحمن المخزومىّ، وذلك سنة ثمان ومائتين، وأقام على ولايته سنتين (٣)، ثم عزل، وولى القضاء بمدينة المنصور، فى سنة عشر، فلم يزل متولّيا إلى أن صرف عنه، فى سنة ثلاث عشرة ومائتين.
حدّث طلحة بن محمد بن جعفر، قال (٤): لمّا عزل المأمون إسماعيل بن حمّاد بن أبى حنيفة استقضى على مدينة المنصور أبا الوليد بشر بن الوليد الكندىّ، وكان بشر علما من أعلام المسلمين، وكان عالما، ديّنا، خشنا، (٥) مهاب الحكم (٥)، واسع الفقه، وهو صاحب أبى يوسف، ومن المقدّمين عنده، وحمل الناس عنه من الفقه والمسائل ما لا يمكن جمعه.
وقال طلحة: حدّثنى عبد الباقى بن قانع، عن بعض شيوخه، أن يحيى بن أكثم شكا بشر بن الوليد إلى المأمون، وقال: إنه لا ينفذ قضائى./وكان يحيى قد غلب على المأمون،
стр. 672
حتى كان عنده أكبر من ولده، فأقعده المأمون على سريره، ودعا بشر بن الوليد، فقال له:
ما ليحيى يشكوك، ويقول: إنك لا تنفذ أحكامه.
قال: يا أمير المؤمنين، سألت عنه بخراسان فلم يحمد فى بلده، ولا فى جواره.
فصاح به المأمون، وقال: اخرج.
فخرج بشر، فقال يحيى: يا أمير المؤمنين، قد سمعت فاصرفه.
فقال: ويحك، هذا لم يراقبنى فيك، أصرفه!! فلم يفعل.
وعن أحمد بن الصّلت (١)، قال: سمعت بشر بن الوليد القاضى، يقول: كنّا نكون عند.
ابن عيينة، فكان إذا وردت عليه مسألة مشكلة يقول: ها هنا أحد من أصحاب أبى حنيفة؟ فيقال: بشر. فيقول: أجب فيها. فأجيب، فيقول: التّسليم للفقهاء سلامة فى الدّين.
وكان بشر (٢) يصلّى كلّ يوم مائتى ركعة، وكان يصلّيها بعد ما فلج.
وعن أبى قدامة (٣)، قال: لا أعلم ببغداد رجلا من أهل الأهواء والرّافضة، إلاّ كانوا معينين على أحمد بن حنبل، ما خلا بشر بن الوليد الكندىّ، رجل من العرب (٤).
وعن محمد بن سعد (٥)، قال: بشر بن الوليد الكندىّ، روى عن أبى يوسف القاضى كتبه وإملاءه، وولى القضاء ببغداد فى الجانبين جميعا، فسعى به رجل، وقال: إنه لا يقول:
القرآن مخلوق. فأمر به أمير المؤمنين أبو إسحاق المعتصم أن يحبس فى منزله، ووكّل ببابه الشّرط، ونهى أن يفتى أحدا بشئ، فلما ولّى جعفر بن أبى إسحاق الخلافة، أمر بإطلاقه، وأن يفتى الناس ويحدّثهم، فبقى حتى كبرت سنّه (٦).
وقد وثّقه أبو علىّ صالح بن محمد (٧)، ووثّقه الدّار قطنىّ أيضا، ونقل الخطيب عن بعضهم تضعيفه.
стр. 673
وقد مدح وهجى كغيره من الأفاضل المحسودين، فممّا هجى به قول بعضهم، حين ولى قضاء عسكر المهدىّ:
يا أيّها الرجل الموحّد ربّه … قاضيك بشر بن الوليد حمار
ينفى شهادة من يدين بما به … نطق الكتاب وجاءت الآثار
ويعدّ عدلا من يقول بأنّه … شيخ تحيط بجسمه الأقطار (١)
وممّن مدحه ربيعة بن ثابت الرّقّىّ، بأبيات حسنة، وهى هذه (٢):
بشر يجود بماله … جود السّحائب بالدّيم
وأبو الوليد حوى النّدى … لمّا ترعرع واحتلم
وأعزّ بيت بيته … بيت بنته له إرم
عمرته كندة دهرها … وبنى فأتقن ما انهدم
بشر يجود برفده … عفوا ويكشف كلّ غمّ
بشر يجود إذا قصد … ت تريد جدواه هلمّ
ما قال لا فى حاجة … لا بل يقول نعم نعم
وهو العفوّ عن المس … ئ وعن قبائح ما اجترم
نام القضاة عن الأنا … م وعين بشر لم تنم
وحكيم أهل زمانه … فيما يريد وما حكم (٣)
وكأنّه القمر المني … ر إذا بدا أجلى الظّلم (٤)
/وكأنّه البحر المطلّ … إذا تقاذف والتطم (٥)
وكأنّه زهر الرّبي … ع إذا تفتّح أو نجم
ختم الإله لبشرنا … بالخير منه إذا ختم
قال أحمد بن كامل القاضى (٦): مات بشر بن الوليد الكندىّ المفلوج صاحب أبى يوسف القاضى، فى سنة ثمان وثلاثين ومائتين، وبلغ سبعا وتسعين سنة، ودفن فى مقابر
стр. 674
باب الشّام. رحمه الله تعالى.
***
٥٦٨ - بشر بن يحيى المروزىّ (¬*)
قال نصير بن يحيى: سئل بشر بن يحيى المروزىّ عن ماء وقعت فيه نجاسة، فأرة أو نحوها، والماء قليل، فعجن به وخبز، قال: بيعوه من النّصارى، ولا أراهم يأكلونه إن علموا ذلك، فلا بدّ من الإعلام. ثم قال: بيعوه من اليهود، ولا أراهم يأكلونه إن علموا ذلك. ثم قال:
بيعوه من المجوس، ولا أراهم يأكلونه إن علموا ذلك. ثم قال: بيعوه من هؤلاء الذين يقولون:
الماء طاهر لا ينجّسه شئ. كذا فى «حيرة الفقهاء»، نقله صاحب «الجواهر».
قلت: وفيه من سوء الأدب، وبذاءة اللسان، ما لا يخفى، ومثل هذا لا يليق بشأن أهل العلم، سامحه الله تعالى، وغفر له بمنّه وكرمه.
***
٥٦٩ - بشر بن أبى الأزهر القاضى، واسم أبى الأزهر يزيد
النّيسابورىّ، وكنيته أبو سهل (¬**)
تفقّه على أبى يوسف، وسمع ابن المبارك، وابن عيينة، وأبا يوسف، وشريكا، وابن وهب، فى آخرين.
روى عنه الإمام على ابن المدينىّ، ومحمد بن يحيى الذّهلىّ.
ذكره الحاكم فى «تاريخ نيسابور»، وقال: من أعيان الفقهاء الكوفيّين، وأديانهم (١)، ومفتيهم، وزهّادهم، مات ليلة الأربعاء، السادس من رمضان، سنة ثلاث عشرة ومائتين.
رحمه الله تعالى.
***
стр. 675
٥٧٠ - بكّار بن الحسن بن عثمان بن زياد بن عبد الله، الفقيه
العنبرىّ، الأصبهانىّ، مفتيها (¬*)
حدّث عن أبيه، وعن ابن المبارك، وإسماعيل بن حمّاد بن أبى حنيفة.
امتحن فى أيّام الواثق، فلم يجب إلى ما يريدون، وقال: عيون الناس ممدودة إلىّ، فإن أجبت أخشى أن يجيبوا ويكفروا. وتجهّز ليخرج، فوكّل به، وعزم حبّان (١) بن بشر القاضى على نفيه من أصبهان، فجاء البريد بموت الواثق، فطرد الأعوان عن داره، فقال الناس: ذهب بكّار بن الحسن بالدّست، وخرى حبّان فى الطّست.
قال ابن أبى الشيخ: مات سنة ثمان وثلاثين ومائتين، رحمه الله تعالى.
وسيأتى أبوه الحسن فى بابه، إن شاء الله تعالى.
***
٥٧١ - بكّار بن قتيبة بن عبد الله بن أبى بردعة
ابن عبيد الله بن بشير بن عبيد الله بن أبى بكرة
أبو بكرة الثّقفى، البكراوىّ (¬**)
وفى هذا النّسب، من تقديم بعض الآباء على بعض، وإثبات البعض، وإسقاط البعض، خلاف، لا علينا أن نطيل به، لعدم الفائدة المهمّة فى ذلك.
ولد سنة اثنتين وثمانين ومائة، وأخذ الفقه والشّروط عن هلال بن يحيى، وعيسى بن أبان، وطلب الحديث، فأكثر عن أبى داود الطّيالسىّ، ويزيد بن هارون، وصفوان بن عيسى، وعبد الصمد بن عبد الوارث، ومؤمّل بن إسماعيل، وغيرهم من مشايخ البصرة.
стр. 676
وروى عنه أبو داود السّجستانىّ، خارج «السّنن» وابن خزيمة، وأبو عوانة، فى «صحيحيهما» والطّحاوىّ، أكثر/عنه جدّا، وخلائق كثيرون، وكان له اتّساع فى الفقه والحديث.
وعن أحمد بن سهل الهروىّ (١) قال: كنت الازم غريما لى، إلى (٢) بعد العشاء الآخرة، أو نحو هذا، وكنت ساكنا فى جوار بكّار بن قتيبة، فانصرفت إلى منزلى، فإذا هو يقرأ ﴿يا داوُدُ إِنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ (٣)، الآية، فوقفت أتسمّع عليه طويلا، ثم انصرفت فقمت فى السّحر، على أن أصير إلى منزل الغريم، فإذا هو يقرأ هذا الآية، ويردّدها، فعلمت أنه كان يقرؤها من أوّل الليل.
وكان كثيرا ما ينشد (٤):
لنفسى أبكى لست أبكى لغيرها … لعيبى فى نفسى عن الناس شاغل
قال أبو عمر الكندىّ (٥): قال محمد بن الرّبيع الجيزىّ: ولى بكّار قضاء مصر من قبل المتوكّل، فدخلها يوم الجمعة، لثمان ليال خلون من جمادى الآخرة، سنة ست وأربعين ومائتين.
ويقال: إنّه لقى وهو قاصد مصر محمد بن أبى الليث بالجفار (٦)، وهو الرّمل الذى بين غزّة والعريش، راجعا إلى العراق مصروفا، فقال له بكّار: أنا رجل غريب، وأنت قد عرفت البلد، فدلّنى على من أشاوره وأسكن إليه.
فقال له: عليك برجلين، أحدهما عاقل وهو يونس بن عبد الأعلى، فإنّنى سعيت فى سفك دمه وقدر علىّ فحقن دمى، والآخر موسى بن عبد الرحمن بن القاسم؛ فإنه زاهد.
стр. 677
قال: فصفهما لى.
فوصفهما له، فلمّا دخل بكار مصر، ودخل الناس إليه، رأى شيخا بالوصف الذى وصف له به يونس بن عبد الأعلى، فظنّ أنه هو، فأكرمه، فبينا هو فى الحديث معه، إذ قيل:
يونس بن عبد الأعلى. فأعرض عن الرجل، وتلقّى يونس فأكرمه، وأتاه موسى بن عبد الرحمن، فأعظمه، واستشاره، وأخذ برأيه.
واتّفق (١) أنه قال لموسى، بعد ما تخصّص به: يا أبا هارون، من أين المعيشة؟
قال: من وقف أبى.
قال: يكفيك؟
قال: قد تكفّيت به، وقد سأل القاضى، فأسأل؟
قال: سل.
قال: هل ركب القاضى دين بالبصرة لم يجد له وفاء حتى تولّى القضاء؟
قال: لا.
قال: فرزق ولدا أحوجه إلى ذلك؟
قال: لا.
قال: فعيال؟
قال: ما نكحت قطّ.
قال: فأجبره السلطان وخوّفه؟
قال: لا.
قال: فضربت آباط الإبل من البصرة إلى مصر لغير حاجة!! لله علىّ أن دخلت عليك أبدا.
قال: أقلنى.
قال: أنت ابتدأت.
ثم انصرف عنه، فلم يعد إليه.
стр. 678
قال ابن حجر (١): وقد استبعد صاحبنا جمال الدين (٢) صحّة هذه الحكاية (٣)، من جهة أنّ ابن أبى الليث كان حينئذ محبوسا بالعراق، ولأنّ خروجه من مصر كان فى سنة إحدى وأربعين، قبل مجئ بكّار بخمس سنين.
وأجرى المتوكّل على بكّار فى الشهر مائة وثمانية وستين دينارا.
وكان بكّار عارفا بالفقه، كثير البكاء والتّلاوة، وكان إذا فرغ من الحكم خلا بنفسه، وعرض من تقدّم إليه، وما حكم به، على نفسه، وكان يكثر الوعظ للخصوم، ولا سيّما عند اليمين، وكان يحاسب أمناءه فى كلّ وقت، ويسأل عن الشهود.
ودخل عليه أبو إبراهيم المزنّى (٤)، فى شهادة، ولم يكن رآه قبلها، لاشتغال المزنىّ بنفسه، وإنّما اضطرّ إلى أداء الشّهادة، فلمّا أدّاها، قال له: تسمّ.
فقال: إسماعيل بن يحيى المزنّى.
قال: صاحب الشّافعىّ؟.
قال: نعم.
فاستدعى من شهد عنده أنه هو، فقبل شهادته.
وقال الطّحاوىّ (٥): ما أدرى كم كان يجئ أحمد بن طولون إلى بكّار، وهو على الحديث، فما يشعر به بكّار إلاّ وهو جالس/إلى جنبه، فيقول: ما هذا أيّها الأمير، هلاّ تركتنى حتى أقضى حقّك، أحسن الله مجازاتك.
وقال أبو حاتم ابن أخى (٦) بكّار: قدم على بكّار رجل من أهل البصرة، ذكر أنه كان رفيقه فى المكتب، فأكرمه جدّا، ثم احتاج إلى شهادة، فشهد عند بكّار مع رجل مصرىّ،
стр. 679
فتوقّف عن الحكم، فظنّ أهل مصر أن توقّفه لأجل المصرىّ، فسئل فى خلوة عن ذلك، فقال: المصرىّ على عدالته، ولكن السّبب البصرىّ، وذكر منه أمرا رآه فى الصّغر، وقال:
لا تطيب نفسى إذا ذكرت ذلك أن أقبل شهادته.
وقيل (١): إنه ذكر أنه أكل معه أرزا فى سمن، فنفد العسل الذى من ناحية بكّار، ففتح من جهة صاحبه حتى جرى إليه، فقال له ﴿أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها﴾ (٢).
فقال: له بكّار: أتهزأ بالقرآن فى مثل هذا!
فبقيت فى نفسه عليه.
وكان بكّار (٣) فى غاية العفاف، وسلامة الصّدر، اتّفق أنه دخل عليه بعض أمنائه، وهو مخرّق الثّياب، فقال: بعثنى أحفظ تركة فلان، فصنع بى جاره هذا.
فقال: أحضروه.
فأحضره الأعوان، فقال له بكّار: أنت صنعت هذا بأمينى (٤)؟
قال: نعم.
فقال: خذوه.
فأخذه الأعوان، فسقط ميّتا، فدهش بكّار، فقال له أمناء القاضى: هذا عمله (٥) اليوم، مات مرتين.
فاستوى الرجل جالسا، فقال: كذبوا والله، ما متّ إلاّ الساعة. ورقد.
فجعل بكّار يرشّ عليه ماء الورد، ويشمّه (٦) الكافور، ويرفق به، ويعده، إلى أن قام فصرفه، وأقبل على أعوانه، فقال: هدّدتموه وجررتموه، فلو وافق أجله!.
стр. 680
وكان ابن طولون (١) إذا حضر جنازة لا يصلّى عليها غيره، إلاّ أن يكون بكّار حاضرا (٢).
ويقال (٣): إن بكّارا كان عثمانيّا، فجعل ينادى: ذهب الإسلام.
فقال له بكّار: يا هذا، نحر عثمان فما ذهب الإسلام، يذهب بسببك!
فلمّا وقع بينه وبين ابن طولون بكّته بها ابن طباطبا النّقيب (٤).
وقال الطّحاوىّ (٥): جاء رجل إلى أبى جعفر محمد بن العباس التّلّ الفقيه، فقال له: فى يدى دار لرجل غائب، وإنّي أريد إخراجها من يدى.
فقال له: صر إلى القاضى، فسلّمها له.
فمضى، وعاد، فقال: قلت له، فقال: أخرجوه. فقال له التّلّ: صدق، عد إليه، وسمّ له اسم صاحبها، وأنّه غائب. ففعل، فقال: أخرجوه. فقال له التّلّ: صدق، عد إليه (٦)، واذكر له موضعها وحدودها (٧). ففعل، فقال: أخرجوه، فقال له التّلّ: صدق، عد إليه، واذكر له أنّك لا ملك لك عليها، ولا على شئ منها بسبب من الأسباب. فقال: أخرجوه.
فقال التّلّ: صدق، عد إليه، وقل له: وأنا عاجز عن حفظها. فمضى، ثم عاد، فقال: عرّفته ذلك، فقال: اكتبوا عليه بما ذكرنا كتابا، وأعطوه نسخة، واقبضوا الدّار، وأقيموا لها أمينا، حتى يحضر صاحبها. فقال له التّلّ: ابتليت بقاض فقيه.
قال ابن حجر: والتّلّ هذا يسمّى محمد بن العباس، بصرىّ سكن مصر، ومات فى ذى الحجّة، سنة اثنتين وسبعين ومائتين.
стр. 681
وعن بكّار (١) أنه قال يوما فى مجلسه: ما حللت سراويلى على حلال قطّ.
فقال له رجل: ولا حرام؟ فقال: والحرام يذكر!!.
وكان بكّار (٢) يخالف أصحابه الحنفيّة فى تحليل قليل النّبيذ، ويذهب إلى تحريمه، وكان يعاتب صاحبه (٣) أبا جعفر التّلّ على الشّرب.
قال ابن زولاق (٤): كان لبكّار اتّساع فى العلم والمناظرة، ولمّا رأى «مختصر المزنىّ» وما فيه من الرّدّ على أبى حنيفة، شرع هو فى الرّدّ على الشّافعىّ، فقال/لشاهدين من شهوده:
اذهبا إلى المزنىّ، فقولا له: سمعت الشّافعىّ يقول ما فى هذا الكتاب؟.
فمضيا وسمعا «المختصر» كلّه من المزنىّ، وسألاه: أسمعت الشافعىّ يقول هذا؟.
قال: نعم.
فعادا إلى بكّار، فأخبراه بذلك، فقال: الآن استقام لنا أن نقول: قال الشافعىّ. ثم صنّف الرّدّ المذكور.
ومن قضايا بكّار (٥)، أن رجلا خاصم آخر شافعيّا فى شفعة جوار، فطالبه عند بكّار، فأنكر، فطاوله بكّار حتى عرف أنه من أهل العلم، فقال بكّار للمدّعى: ألك بيّنة؟.
قال: لا.
قال لخصمه: أتحلف؟.
قال: نعم.
فحلّفه، فحلف، فزاد فى آخر اليمين: أنه ما يستحقّ عليك هذه الشّفعة على قول من يعتقد شفعة الجوار، فامتنع، فقال له بكار: قم فأعطه شفعته.
فأخبر الرجل المزنىّ بقضيّته، فقال: صادفت قاضيا فقيها.
стр. 682
ولمّا غضب أحمد بن طولون (١) على بكّار سجنه، وكان السّبب فى ذلك أنه لمّا خرج إلى قتال الموفّق بسبب المعتمد، حين ضيّق وهو ولىّ العهد على أخيه المعتمد (٢)، وهو الخليفة حينئذ، حتى إنه لم يبق للمعتمد إلا الاسم، ضاق المعتمد بذلك، فكاتب أمراء الأطراف، فوافقه أحمد بن طولون، وواعده أن يحضر إليه، ويحمله معه إلى مصر، ويجعلها دار الخلافة، ويذبّ عنه من يخالفه فى ذلك، فتهيّأ المعتمد لذلك، واهتمّ أحمد بأمره، فبلغ الموفّق، فنصب لأحمد الحرب، وصرّح بعزله ولعنه، فصرّح أحمد بخلع الموفّق من ولاية العهد، وأمر بلعنه، وخرج أحمد بالعسكر من مصر، واستصحب بكّارا.
فلمّا كان بدمشق، جاء كتاب المعتمد إلى ابن طولون بخلع الموفّق من ولايته العهد، ففعل، وأجاب القضاة كلّهم إلى خلعه، وسمّاه بكّار النّاكث، وأشهد على نفسه هو وسائر قضاة الشّام والثّغور.
وطلب منهم أحمد أن يلعنوا الموفّق، فامتنع بكّار، فألحّ عليه، فأصرّ على الامتناع حتى أغضبه.
وكان قبل ذلك مكرّما معظّما عنده، عارفا بحقّه، وكان يجيزه فى كلّ سنة بألف دينار، فلمّا غضب عليه أرسل إليه: أين جوائزى؟
فقال: على حالها.
فأحضرها من منزله بخواتيمها ستة عشر كيسا، فقبضها أحمد منه (٣).
ثم لم يزل عليه فى لعن الموفّق، وهو يمتنع من إجابته، إلى أن قال يوما لأحمد: ﴿أَلا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظّالِمِينَ﴾ (٤).
فقال علىّ بن الحسين بن طباطبا نقيب الطالبيّين بمصر: أيّها الأمير، إنه عناك.
فغضب أحمد، وأمر بتمزيق ثيابه، وجرّوه برجله وليس عليه إلاّ سراويل وخفّان وقلنسوة، وهو مسلوب الثّياب (٥)، فضربه رجل بعود حديد على رجله الممدودة، فقال: أوه.
стр. 683
وضمّها، ثم حمل من بين يديه إلى السّجن، ثم أقامه للنّاس يطالبونه بمظالم يدّعونها عليه، فكان يحضر فى مجلس المظالم بين يدى أحمد قائما.
وكان الطّحاوىّ يقول: ما تعرّض له أحد فأفلح بعد ذلك، لقد تعرّض له غلام يقال له:
عامر بن محمد بن نجيح، وكان فى حجره، فرآه بكّار فى مجلس المظالم، فقال له: يا عامر ما تصنع ها هنا؟.
قال: أتلفت علىّ مالى.
فقال: إن كنت كاذبا فلا نفعك الله بعقلك.
قال: فأخبرنى من رآه وهو ذاهب العقل، يسيل لعابه، يسبّه الناس وهو يرميهم (١) بالحجارة، وهم يقولون: هذه دعوة بكّار.
قال (٢): وتقدّم إليه نصرانىّ، فقال: أيّها الأمير: إن هذا الذى يزعم أنه كان قاضيا جعل ربع أبى حبسا.
فقال بكّار: ثبت عندى أن أباه حبّس هذا الرّبع، وهو تملّكه، فأمضيت الحبس، فجاءنى هذا متظلّما،/فضربته، فخرج إلى بغداد، فجاءنى بكتاب هذا الذى تزعم أنّه الموفّق: «لا تمض أحباس النّصارى»، فعرفت أنه جاهل، فلم ألتفت إليه، وقد شهد عندى إسحاق بن معمر، بأن هذا كان أسلم ببغداد على يد الموفّق، فإن شهد عندى آخر مثل إسحاق ضربت عنقه.
فصاح أحمد بالنّصرانىّ: المطبق (٣)، المطبق. فأخرج وحبس.
قال الطّحاوىّ (٤): ولمّا قبض أحمد بن طولون يد بكّار عن الحكم وسجنه، أمره أن يسلّم القضاء لمحمد بن شاذان الجوهرىّ، كالخليفة له، ففعل.
стр. 684
ثم كان بكّار إذا حضر مجلس المظالم للمناظرة يعاد إلى السّجن إذا انقضى المجلس، وكان يغتسل فى كلّ يوم جمعة، ويلبس ثيابه، ويجئ إلى باب السّجن، فيردّه السّجّان، ويقول: اعذرنى أيّها القاضى، فما أقدر على إخراجك.
فيقول: اللهم اشهد.
فبلغ ذلك أحمد، فأرسل إليه: كيف رأيت المغلوب المقهور لا أمر له ولا نهى، ولا تصرّف له فى نفسه، لا يزال هكذا حتى يرد علىّ كتاب المعتمد بإطلاقك.
ولمّا طال حبس بكّار (١) طلب أصحاب الحديث إلى أحمد أن يأذن لهم فى السّماع منه (٢)، فكان يحدّثهم من طاق السّجن، فأكثر من سمع منه فى آخر عمره كان كذلك.
قال ابن زولاق: ثم أمر ابن طولون بنقل بكّار من السّجن إلى دار اكتريت له عند درب (٣) الصّقلّىّ، فأقام فيها.
فلمّا مات أحمد بن طولون بلغ بكّارا، فقال: ما للنّاس؟!
قيل: انصرف أيّها القاضى إلى منزلك، فقد مات أحمد.
فقال: الدّار بأجرة، وقد صلحت لى.
وعاش بعد ابن طولون أربعين يوما، ومات فى تلك الدّار، وكانت جنازة حافلة جدّا، وما رؤى أحد فيها راكبا، وصلّى عليه ابن أخيه محمد بن الحسن بن قتيبه، ودفن بطريق القرافة.
والدّعاء عند قبره مستجاب، ومات يوم الخميس، لخمس بقين من ذى الحجّة، سنة سبعين ومائتين، وقد قارب التسعين، وكانت مدة ولايته أربعا وعشرين سنة، رحمه الله تعالى، ورضى عنه، ونفعنا ببركاته، آمين.
***
стр. 685
٥٧٢ - بكر بن محمد بن أحمد بن مالك بن جمّاع بن عبد الرحمن
ابن فرقد، أبو أحمد، السّنجىّ، الورسنينىّ (¬*)
سكن سمرقند، وروى عن أبيه، فى آخرين، وكان فقيها، مناظرا، عقد له مجلس الإملاء.
ومات بسمرقند، سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة. قاله فى «الجواهر».
وقال السّمعانىّ: مات ببخارى، سنة إحدى وخمسين.
وسيأتى تحقيق النّسبة إلى سنج، وورسنين، فى باب الأنساب (١) مفصّلا، إن شاء الله تعالى.
***
٥٧٣ - بكر بن محمد بن على بن الفضل بن الحسن بن أحمد
ابن إبراهيم بن إسحاق بن عثمان بن جعفر بن جابر
ابن عبد الله الأنصارىّ، الزّرنجرىّ، أبو الفضائل (¬**)
الملقّب شمس الأئمّة، من أهل بخارى.
تفقّه على شمس الأئمّة الحلوانىّ، وغيره، وبرع فى الفقه، وكان يضرب به المثل فى حفظ مذهب أبى حنيفة، وكان مصيبا فى الفتاوى، وأجوبة الوقائع، وكانت له معرفة بالأنساب والتّواريخ، وكان أهل بلده يسمّونه أبا حنيفة الأصغر.
стр. 686
وكان نهاية فى الحفظ، بحيث إن المتفقّه إذا طلب منه إلقاء درس من أىّ محلّ كان، يلقيه من حفظه، ولا يحتاج إلى مراجعة كتاب.
وكانت الفقهاء إذا وقع لهم فى الرّواية إشكال يراجعونه، ويأخذون بقوله.
وأملى، وحدّث، وسمع أباه، وشيخه الحلوانىّ، وأبا مسعود البجلىّ، وكانت عنده كتب/عالية.
وذكره السّمعانىّ فى «مشيخته»، وحكى أنه أجازه مكاتبة، سنة ثمان وخمسمائة، وأنّ جماعة كثيرة بخراسان وما وراء النّهر رووا له عنه، وأنّ ولادته كانت سنة سبع وعشرين وأربعمائة، ووفاته فى شعبان سنة اثنتى عشرة وخمسمائة.
وقيل: إنه مات فى ربيع الأوّل، من هذه السّنة، رحمه الله تعالى.
***
٥٧٤ - بكر بن محمد العمّىّ (¬*)
تفقّه على محمد بن سماعة (١)، وتفقّه عليه القاضى أبو حازم، وكان من أعيان الأئمّة علما وعملا.
وسيأتى فى الأنساب بيان هذه النّسبة مفصّلا، إن شاء الله تعالى.
***
٥٧٥ - بكبرس، أبو الفضائل، وأبو شجاع (¬**)
الفقيه، الأصولىّ، الملقّب نجم الدّين التّركىّ، النّاصرىّ، مولى أمير المؤمنين النّاصر
стр. 687
لدين الله.
قال فى «الجواهر»: له «مختصر» فى الفقه على مذهب أبى حنيفة، رأيته نحوا من «القدورىّ» اسمه «الحاوى»، وله «شرح العقيدة» للطّحاوىّ، فى مجلّد كبير ضخم، فيه فوائد، رأيته أيضا، سمّاه ب «النّور اللاّمع، والبرهان السّاطع».
سمع منه الحافظ عبد المؤمن الدّمياطىّ ببغداد، وتوفّى بها بعد الخمسين وستمائة.
وذكره الصاحب ابن العديم، فى «تاريخ حلب»، وقال: فقيه حسن، عارف بالفقه والأصول، وكان يلبس لبس الأجناد القباء والشّربوش (١)، عرض عليه الإمام المستنصر قضاء القضاة ببغداد، وأن يلبس العمامة، فامتنع من ذلك.
قال ابن العديم: وبلغنى أنّ اسمه أوّلا منكوبرس، فسمّى بكبرس، وكان خيّرا فقيها، ورعا، فاضلا، حسن الطريقة، ولم يتّفق لى به اجتماع حين قدم حلب، ولا حين قدمت بغداد، وأخبرت أنه كان على الرّقّ، ولم يعتقه مواليه، وكذا عادة الخلفاء ببغداد، وأنّه تزوّج بامرأة حرّة لها ثروة، وولد له منها بنت، وماتت المرأة، وورثت ابنته منها مالا وافرا، وماتت البنت، فجمع جميع ما كان لابنته، وسيّره للإمام المستنصر، وقال: أنا عبد، ولا أرث من ابنتى شيئا، وهى حرّة. فردّه عليه، وأذن له فى التّصرّف فيه على حسب اختياره.
قال: وتوفّى ببغداد، فى أوائل شهر ربيع الأوّل، سنة اثنتين وخمسين وستمائة، ودفن إلى جانب قبر أبى حنيفة، فى القبّة، بالرّصافة.
كتب عنه الحافظ الدّمياطىّ، وذكره فى «معجم شيوخه»، رحمه الله تعالى.
***
٥٧٦ - بلبان بن عبد الله
ذكره قاضى القضاة علاء الدين فى «تاريخه»، فقال: أبو النّعمان، العلانىّ، الأصبحىّ، القاسمىّ، المعزّىّ، الحنفىّ، ذكره قطب الدين فى «تاريخ مصر». إلى أن قال
стр. 688
قطب الدين فى «تاريخه»: كتب عنه أبو القاسم ابن البقرىّ من شعره بالمحموديّة من القاهرة، فى ذى القعدة، سنة تسعين وستمائة، وسأله عن مولده، فقال: ولدت ببلاد آص، وهى علان من بلاد التّرك، سنة ثلاثين وستمائة.
فممّا أنشده لنفسه، وأجاز له ما تجوز عنه روايته:
لقد كملت أوصافك الغرّ فاستمع … مقالا يحاكيه الجمان المنضّد
ودامت لنا أيّامك الغرّ ما شدا … على عذبات الدّوح طير مغرّد
وصلّى على المختار ما طار طائر … وغرّد قمرىّ وأطرب منشد
كذا نقلت هذه الترجمة من خطّ أحمد بن محمد ابن الشّحنة، وهو نقلها من خطّ جدّه.
وذكره/ابن طولون فى «طبقاته»، وقال، نقلا عن شيخه أبى الحسن الحموىّ: ولعلها -يعنى لفظ ستمائة المذكورة فى تاريخ ولادة صاحب الترجمة-سبعمائة، فإن المحموديّة لم تكن عمّرت فى ذلك التاريخ، فإن محمودا الأستادار (١) فرغ من عمارتها فى نيّف وثمانين وسبعمائة، والله تعالى أعلم.
***
٥٧٧ - بهلول بن إسحاق بن البهلول بن حسّان بن سنان
أبو محمد، التّنوخىّ (¬*)
من البيت المشهور بالعلم والفضائل.
سمع إسماعيل بن أبى أويس، وإبراهيم بن حمزة، ومصعب بن عبد الله، الزّبيريّين، وسعيد بن منصور، وأبا مصعب الزّهرىّ، ومحمد بن معاوية النّيسابورىّ، وأحمد بن حاتم الطّويل، وأباه إسحاق بن البهلول، وغيرهم.
روى عنه أخوه أحمد، وابنا أخيه، يوسف الأزرق، وإسماعيل، ابنا يعقوب، وابن أخيه داود بن الهيثم بن إسحاق، وأبو طالب محمد بن أحمد، ابن البهلول، وعلى بن إبراهيم بن حمّاد
стр. 689
الأزدىّ، وأبو بكر الشافعىّ، وجماعة آخرهم أبو بكر الإسماعيلىّ الجرجانىّ.
وكان ثقة (١).
قال أحمد بن يوسف الأزرق (٢)، عن عمّه إسماعيل بن يعقوب: إن البهلول بن إسحاق أنبارىّ، ولد بها فى سنة أربع ومائتين، ومات بها فى شوّال، من سنة ثمان وتسعين ومائتين.
قال: وكان قد تقلّد القضاء والخطبة على المنابر بالأنبار وأعمالها مدّة طويلة، قبل سنة سبعين ومائتين، وكان حسن البلاغة، مصقعا فى خطبه، كثير الحديث، ثقة فيه، ضابطا لما يرويه، وحدّث بالأنبار.
***
٥٧٨ - بهلول بن حسّان بن سنان، أبو الهيثم
التّنوخىّ، الأنبارىّ (¬*)
جدّ الذى قبله. سمع ببغداد، والبصرة، والكوفة، والمدينة، ومكة، وحدّث عن شيبان بن عبد الرحمن التّميمىّ، وورقاء بن عمر اليشكرىّ، والفرج بن فضالة، وإسماعيل بن عيّاش، وأبى غسّان محمد بن مطرّف، وسعيد بن أبى عروبة، وشعبة بن الحجّاج، وحمّاد بن سلمة، وأبى شيبة القاضى، وشريك بن عبد الله، وغيرهم، كمالك بن أنس، وسفيان بن عيينة.
وروى عنه ابنه إسحاق بن بهلول حديث (٣): «يقول الله أنا عند ظنّ عبدى، وأنا معه حيث يذكرنى»، وغير ذلك من الأحاديث.
وكان البهلول قد طلب الحديث، والفقه، والتفسير، والسّير، وأكثر من ذلك، ثم تزهّد إلى أن مات بالأنبار، فى سنة أربع ومائتين، رحمه الله تعالى.
***
стр. 690
٥٧٩ - بهلول بن محمد بن أحمد بن إسحاق بن البهلول
ابن حسّان بن سنان، أبو القاسم
التّنوخىّ، الأنبارىّ (¬*)
أخو جعفر، وعلى، الآتى ذكرهما.
سكن بغداد، وحدّث بها عن أبيه.
قال الخطيب: حدّثنى عنه القاضى أبو القاسم التّنوخىّ (١)، وذكر لى أنه ولد ببغداد، لأربع بقين من شوّال، سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة.
قال: ومات يوم الثلاثاء، لسبع خلون من رجب، سنة ثمانين وثلاثمائة.
قال (٢): وسمعت منه شيئا يسيرا، وكان ينزل فى سكة بالمدينة، تعرف بسكة أبى العباس الطّوسىّ (٣).
***
٥٨٠ - بنيمان بن محمد بن الفضل بن عمر
المعروف بالصّفىّ (¬**)
من أهل أصبهان، وهو من شيوخ السّمعانىّ.
قال السّمعانىّ: كان فاضلا، متميّزا، حسن الخطّ، سمع الرئيس أبا عبد الله القاسم بن الفضل الثّقفىّ، وتوفّى يوم السبت، الثانى والعشرين من شوّال، سنة تسع وخمسين وخمسمائة.
رحمه الله تعالى.
***
стр. 691
٥٨١ - / بيبرس بن عبد الله الحلبىّ المجدىّ، العديمىّ
الشيخ علاء الدين، أبو سعيد (¬*)
ذكره ابن حبيب، وقال: مسند جليل، حسن السّمت نبيل، كبير السّكينة والوقار، معتاض فوده عن أدهم الليل بأشهب النهار، لمع سناء إسناده، وبعد عهد ميلاده، وذوت زهرته، حيث قدمت هجرته.
سمع الحديث من قديم، وامتاز بنسبته إلى بنى العديم، وأخذ عن الجمّ الغفير بإفادة مواليه، وتفرّد فى البلاد الحلبيّة بكثرة عواليه، وحدّث الناس سنين عديدة، ورحل الطلبة إليه رغبة فى رواياته المفيدة.
سمعت عليه حاضرا فى هذه السنة «جزء البانياسيّ» وغيره، وهو أوّل مشايخى الذين أرجو بركة كلّ منهم وخيره.
وكانت وفاته بحلب، سنة ثلاث عشرة وسبعمائة، وقد أناف على تسعين سنة. انتهى.
***
٥٨٢ - بيبرس المنصورىّ الخطائىّ، الدّاوادار (¬**)
صاحب «التاريخ» المشهور (١)، فى خمسة وعشرين مجلدا.
كان من مماليك المنصور، وتنقّل فى الخدم، وكان فاضلا فى أبناء جنسه، وكان السلطان يقوم له ويجلسه.
قال الذّهبىّ: كان عاقلا، وافر الهيبة، كبير المنزلة، ومات فى شهر رمضان، سنة خمس وعشرين وسبعمائة (٢)، وهو فى عشر الثمانين.
وقال غيره: كان كثير الأدب، حنفىّ المذهب، عاقلا، أجيز بالإفتاء، والتّدريس، وله
стр. 692
برّ ومعروف، كثير الصدقة سرّا، ويلازم الصلاة فى الجماعة، وغالب نهاره فى سماع الحديث، والبحث فى العلوم، وليله فى قراءة القرآن والتّهجّد، مع طلاقة الوجه، ودوام البشر. رحمه الله تعالى.
***
٥٨٣ - بيرم بن علىّ بن برستكين، أبو السّرور (¬*)
فقيه، محدّث، روى عن الضّياء ابن عساكر، وغيره، وسمع منه الحافظ الرّشيد، وأجاز له جميع ما يرويه.
وكان مولده تخمينا، سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة، وتوفّى بدمشق، سنة عشرين وستمائة. رحمه الله تعالى.
***
٥٨٤ - بايزيد خان بن سلطان مراد الغازى
الملقّب بيلدرم بايزيد (¬**)
بويع بالسّلطنة بعد وفاة أبيه، فى رابع شهر رمضان المبارك، من شهور سنة واحد وتسعين وسبعمائة، وكانت وفاته فى سنة خمس وعشرين وثمانمائة. تغمده الله تعالى برحمته.
***
٥٨٥ - بايزيد خان بن السلطان محمد خان (¬***)
بويع بالسّلطنة بعد وفاة أبيه، سنة ست وثمانين وثمانمائة، وكانت وفاته فى سنة ثمان
стр. 693
عشرة وتسعمائة. تغمده الله تعالى برحمته.
***
٥٨٦ - برهان الدين بن القطب الحنفىّ
قاضى القضاة.
ذكره ابن الحمص، فيمن توفّى سنة ثمان وتسعين وثمانمائة، وقال: دفن بالقاهرة، وكان مصادرا لأجل طلب مال منه، وكان عالما، عفيفا. تغمده الله برحمته.
***
٥٨٧ - بهاء الدين بن العارف بالله تعالى
لطف الله (¬*)
كان رجلا فاضلا، صالحا، زاهدا، عابدا.
قرأ على المولى خواجه زاده، وغيره.
ودرّس بإحدى الثّمان، وغيرها، وصار مدرسا بمدرسة السلطان بايزيد بأدرنة، إلى أن توفّى سنة خمس وتسعين وثمانمائة. تغمده الله تعالى برحمته.
***
стр. 694
حرف التاء المثنّاة من فوق
٥٨٨ - تغرى برمش بن يوسف بن عبد الله، أبو المحاسن
الزّين التّركمانىّ، القاهرىّ، الحنفىّ (¬*)
قدم القاهرة شابّا، وقرأ على الجلال التّبّانّى، وغيره، وداخل الأمراء الظّاهريّة.
وكان متعصّبا/لأهل مذهبه، مع محبّته لأهل الحديث، والتّعصّب لهم أيضا، محبّا للسّنّة، كثير الحطّ على ابن العربىّ (١) ونحوه، مبالغا فى ذلك، بحيث صار يحرق ما يقدر عليه من كتبه، بل ربط مرّة بكتاب «الفصوص» فى ذنب كلب، ونفق بذلك سوقه عند كثير من الناس، وكسد عند آخرين، وقام عليه بسبب ذلك جماعة من أضداده، فلم يكثرث بهم، ونصر عليهم، واستفتى فى ذلك البلقينىّ وغيره (٢) من أعيان علماء المذاهب الأربعة، فأفتوه بذمّه، وذمّ كتبه، وجواز إعدامها، وصار يعلن بذلك ويبالغ فيه، وجعله دأبه وديدنه.
وصحب جماعة من الأتراك بمصر، واستفاد بصحبتهم جاها وتعظيما عند أعيان الناس بالقاهرة وغيرها، فى دولة الظّاهر، وغيره، وكتب له مرسوم بإنكار المنكرات المجمع عليها، وأمر الحكّام بمعونته فى ذلك، فنالته بهذا السّبب ألسنة العوامّ، بل ربما أوقع بعضهم به الفعل، وكان الظّفر له عليهم.
وكان أكثر إقامته بالحرمين الشّريفين، وانتفع أهلها به كثيرا.
وكان قد اشتغل فى بلاده، وفى القاهرة، بفنون من العلم، وكان يستحضر كثيرا من المسائل الفقهيّة، وغيرها، لكنه ليس بالماهر.
ورتّبه السلطان المؤيّد مدرّسا بالجامع الذى بناه بالقلعة، وتخرّج به جماعة من الجراكسة.
стр. 695
مات ليلة الأربعاء، مستهلّ المحرّم، سنة ثلاث وعشرين وثمانمائة، ودفن فى صبيحتها، بالمعلاة. رحمه الله تعالى.
هكذا لخّصت هذه الترجمة من «الضوء اللامع»، والذى ظهر لى من كلامه، وكلام من نقل عنه، أن صاحب الترجمة كان من خيار الناس، وأنه لم يكن فيه عيب إلاّ أنه يصدع بالحقّ، ولا يحسن مداراة الفسّاق، فحصل له بذلك عند أهل عصره ما لا يليق من كلامهم فيه، وحطّهم عليه، وحسدهم له، والله تعالى يغفر للمسئ منهم، آمين.
***
٥٨٩ - تغرى برمش، سيف الدين الجلالىّ، النّاصرىّ
ثم المؤيّدىّ (¬*)
نائب القلعة بالقاهرة، ويعرف بالفقيه.
كان يزعم أنّ أباه كان مسلما، وأنّ بعض التّجّار اشتراه ممّن سرقه، فابتاعه منه الخواجا جلال الدين، وقدم به حلب، وتنقّلت به الأحوال، وصار يخالط أرباب الدّول فى أمورهم، ووجّه رسولا إلى الدّيار الرّوميّة، وعيّن لغزو رودس (١)، وحصل له من كثرة دخوله فيما لا يعنيه جفاء من السلطان، وانحراف عليه، ونفى إلى بيت المقدس، فأقام به بطّالا، إلى أن مات، فى ليلة الجمعة، ثالث شهر رمضان، سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة، وقد زاد على الخمسين.
وكان قد اعتنى بالحديث، وأخذ عن الحافظ ابن حجر، وناصر الدين الفاقوسىّ، والشمس ابن المصرىّ، والزّين الزّركشىّ، وطائفة.
ولقى بالشّام ابن ناصر الدين، وبحلب البرهان الحلبىّ، ووصفه ابن حجر بصاحبنا المحدّث الفاضل، ووصفه أيضا بالحافظ.
قال السّخاوىّ: وبالجملة، فكان فاضلا، ذاكرا لجملة من الرجال والتاريخ وأيّام الناس، مشاركا فى الأدب وغيره، حسن المحاضرة، حلو المذاكرة، جيّد الخطّ، فصيحا،
стр. 696
عارفا بفنون الفروسيّة، محبّا فى الحديث وأهله، مستكثرا من كتبه، فردا فى أبناء جنسه، مع زهو وإعجاب وتعاظم. انتهى.
وقد مدحه محمد بن حسن بن على النّواجىّ (١)، بقصيدة فريدة، لا بأس/بإيرادها هنا بتمامها، وهى:
أياديك أم بحر يجلّ عن النّهر … ولفظك درّ أم هو الكوكب الدّرّى
ووشى رقيم باليراع محبّر … بطرسك أم نوع بديع من السّحر
وغصن يراع ما نرى أم سحابة … تسير بأرزاق البريّة بل تسرى
وآراؤك الغرّ العلا أم كتائب … تسوق نفوس الملحدين إلى الحشر
فيا فارس الإسلام يا سيف دولة … به قطّعت أوصال داعية الكفر
يمينك فيها اليمن والأمن والمنى … ويسراك خصّت فى البريّة باليسر
وكم قد روينا من عواليك مسندا … بيوم نوال عن عطاء وعن بشر (٢)
لك الله من ملك ندى جود كفّه … يساجل موج البحر بالشّيم الغرّ
أصابعه عشر تزيد على المدى … فلا غرو أن أغنت عن النّيل فى مصر
فقم وارتشف يا صاح من فيض كفّه … لتروى حديث الجود من طرق عشر
وقل باسمه الله أعطى وأيّد ال … ممالك بالفتح المبين وبالنّصر (٣)
فيا جود تغرى برمش بعفاته … ترفّق لئلاّ تغرق الناس فى بحر
مقرّ كريم عالم ومحدّث … فصيح بليغ فارس النّظم والنّثر
محطّ رحال الطّالبين وملجأ ال … عفاة وأمن الخائفين من الفقر
فقيه إمام العصر شرقا ومغربا … سناه عشا كالصّبح والشمس فى الظّهر
أمير أطاع الله مالك أمره … وراقب ربّ الملك فى السّرّ والجهر
أمير يمير الناس عذب نميره … إذا ضنّت السّحب الهوامع بالنّزر
стр. 697
فكم سدّ من ثغر وكم شاد من علا … وكم شدّ من أزروكم حطّ من وزر
بأفق سماه قلعة الجبل ازدهت … فمدّت جناحا فوق قادمة النّسر (١)
وحفظا غدت ذات البروج وزيّنت … به من حلاه الغرّ بالأنجم الزّهر
حمى حوزة الإسلام بالبأس والنّدى … وجهّز جيش النّصر فى اليسر والعسر
بكلّ حديد الطّرف أسمر إن رنا … إلى مقتل أصماه بالنّظر الشّزر
ومن أبيض لا يعرف الصّفح إنّما … يقابلهم بالحدّ فى لبّة النّحر
مضاربه لا تنثنى عن ضريبة … إذا راح يحكى البحر فى المدّ والجزر
يريش ويبرى للعدى منه أسهما … وفى السّلم والجدوى يريش ولا يبرى
إذا اعتقل الخطّىّ كلّم خصمه … بطول لسان فى تلهّبه جهرى (٢)
يريهم يقين الموت بالشّكّ سرعة … ويستخرج الأضغان من داخل الصّدر
وإن جرّد الهندىّ عاينت شعلة … لها شرر ترمى به الدّهر كالقصر
يجرّهم للموت نون قسيّه … وما خلت أنّ النّون من أحرف الجرّ
مواظبة للخمس فى طوع ربّها … وخدمة باريها ملازمة الوتر
/لمدركة تنمى كنانة سهمه … وعامله الميّاد يعزى إلى النّضر
وأسيافه مشهورة فى عداته … تذيقهم بالنّكر عاقبة المكر
حماسته يوم اللّقا أم تغزّل … يريك افتنانا منه بالبيض والسّمر
فما اضطربت فى غير قلب سيوفه … ولا اختلجت أرماحه فى سوى الصّدر (٣)
فيا للسّجايا البرمكيّة عوّضت … من الكاف شينا كم به نلت من فخر
وكم حزت من أجر وأوليت من ندى … ويسّرت من عسر وأنقذت من أسر
ويا حافظ الإسلام من طعن جاهل … يصيب ويخطى فى الحديث ولا يدرى
مددت يد النّعما بجود قصرته … عليك لقد أبدعت فى المدّ والقصر
وكم لك فى الهيجاء من عربيّة … تباهى بها الأقران فى الكرّ والفرّ
لصهوتها يا فارسىّ زمانه … نحوت فلم تعبا بزيد ولا عمرو
منكّسة أعلامهم ورءوسهم … فلا غرو أن يبنى الجميع على الكسر
стр. 698
وأبديت فى فنّ الحروب معانى ال … بديع تردّ العجز منهم على الصّدر
خدمت سجاياك العلا بفضيلة … يتيمة فكر نخبة الدهر والعمر (١)
ومن بحرك العجّاج صغت قصيدة … كميت فحول الشّعر من خلفها تجرى
وأرسلتها منكم إليكم هديّة … ومن عجب أن تهدى الدّرّ للبحر (٢)
يلفّ حياء وجهها طيب نشرها … فيحلو طباق الحسن باللّفّ والنّشر
فخذها عروسا بنت أربع عشرة … أتت لك تجلى فى دجا النّقس كالبدر (٣)
وإن كنت قد أقلعت عن مدح غيركم … لما فيه من وزر فقد فزت بالأجر
وفى النّفس حاجات وفيك مكارم … يناجيك عن سرّى بها عالم السّرّ
فعش وابق واسلم واغن واغنم وجد وسد … ودم وارق واسعد بالهناء مدى العمر
ونل فوق هام الأنجم الغرّ رفعة … ليروى حديث الفضل منك عن الزّهر
ويا ربّ فاحرسه بجاه محمد … وأيّده بالمأمون من حادث الدّهر
(٤) انتهى ذلك، والله تعالى أعلم (٤).
***
٥٩٠ - تكش بن أرسلان بن أطسز بن محمد (¬*)
ذكره الملك المؤيّد صاحب حماة، فى «تاريخه»، وقال: كان عادلا، حسن السّيرة، يعرف الفقه على مذهب أبى حنيفة، والأصول.
قال: وتوفّى سنة ست وتسعين وخمسمائة. رحمه الله تعالى.
***
стр. 699
٥٩١ - تمّام بن إسماعيل بن تمام السّلمىّ الحنفىّ
الشيخ ظهير الدين، أبو كامل
سمع على أبى حفص بن طبرزد «جزء فصل التّواضع» للجوهرىّ، تخريج طاهر (١) النّيسابورىّ، سنة ثلاث وستمائة، بكلاّسة (٢) جامع دمشق، واشتغل، وحصّل، وبرع وتفقّه.
كذا قاله ابن طولون، فى «طبقاته».
ثم قال: وكتب لحجّة الإسلام الغزّالىّ:
قد كنت حرّا والهوى مالكى … فصرت عبدا والهوى خادمى
/وصرت بالوحدة مستأنسا … من دون أولاد بنى آدم
يا لائمى فى تركهم جاهلا … عذرى مكتوب على خاتمى
وكان المكتوب على خاتمه، رحمه الله تعالى، قوله : ﴿وَما وَجَدْنا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ﴾ (٣)، انتهى.
ومعنى قوله: «كتب لحجة الإسلام الغزالى»: كتب من شعره.
***
٥٩٢ - توبة بن سعد بن عثمان بن سيّار (¬*)
مولى حمدان، ولى قضاء مرو لجعفر بن محمد بن الأشعث، سنة سبعين.
أورده ابن ماكولا فى «كتابه»، وقال: أدرك أبا حنيفة، وصحب أبا يوسف، وسمع ابن جريج.
كذا فى «الجواهر» من غير زيادة.
***
стр. 700
٥٩٣ - تمر بن عبد الله الشّهابىّ
الأمير سيف الدين الحاجب (¬**)
أحد أمراء الطبلخانات، وفقهاء الحنفيّة، كان له معرفة بالفقه والأصول، وتصدّر للإقراء مدّة طويلة.
وكان شجاعا، فاضلا، عالما، ديّنا، خيّرا، مات سنة ثمان وتسعين وسبعمائة بالقاهرة، من جراحة حصلت له فى بعض أسفاره من العرب العصاة، ﵀.
كذا فى «الغرف العليّة، فى تراجم متأخّرى الحنفيّة» لابن طولون.
***
٥٩٤ - تمربغا، الظّاهر، أبو سعيد، الرّومىّ، الظّاهرىّ، جقمق (¬*)
أحد ملوك الأتراك بالدميار المصريّة، تسلطن فى آخر يوم السبت، سابع جمادى الأولى، سنة اثنتين وسبعين وثمانمائة، بعد خلع بلباى (١)، وسرّ جمهور الناس به لمزيد عقله، وتؤدته، ورئاسته، وفصاحته، وفهمه، ولم يلبث أن خلع فى يوم الاثنين، سادس رجب منها، بالأشرف قايتباى، وجرت له قبل السّلطنة وبعدها أمور يطول شرحها، ومات فى آخر الأمر بثغر إسكندريّة، فى يوم الجمعة، ثامن ذى الحجّة، سنة تسع وسبعين وثمانمائة، ودفن هناك.
وكان ملكا، فقيها فاضلا، يحفظ «المنظومة» للنّسفىّ، ويستحضر كثيرا من المسائل الفقهيّة، مع مشاركة حسنة فى فنون؛ كالتاريخ والشعر، وعنده حذق وذكاء، وعقل تامّ، وجودة رأى، وتدبير، وفصاحة باللغتين العربيّة والتّركيّة، وطهارة لسان، وحشمة، وأدب، وتجمّل زائد فى ملبسه، ومركبه، ومأكله، ومشربه، ومسكنه، وله فى ذلك اختراعات تنسب إليه، وعلى ذهنه الكثير من الصّنائع؛ كعمل القوس والسّهام، عارفا برمى النّشّاب معرفة تامّة إليه (٢) انتهت الرّئاسة فيه، بل وفى غيره من أنواع الفروسيّة والملاعب، ولكنه كان غير
стр. 701
عفيف فيما يقال، قائما فى أغراض نفسه جدّا، مع إثارة فتن ومكر وخداع، ومزيد تكبّر، ودخول فيما تقصر أمثاله (١) عن دونه، وتعرّض للخلاف بين الحنفيّة والشافعيّة، وربما نسب إليه التكلّم بما لا يليق.
قال السّخاوىّ: ممّا أظنّه السّبب فى سرعة انقضاء مدّته، مع أنه لمّا تسلطن تواضع جدّا، وأعرض عن كثير ممّا ينسب إليه، ولله عاقبة الأمور.
انتهى نقلا من «الضوء اللامع».
***
٥٩٥ - تنم الفقيه الحنفى (¬*)
أخذ عن ابن قديد النحو، والصرف، وغيرهما، وكذا عن ملاّ شيخ.
وتصدّر للإقراء، فانتفع به جماعة من التّرك، وأبنائهم، وغيرهم، وممّن أخذ عنه خضر بن شماف.
قال السّخاوىّ: ومنه استفدته. كذا فى «الضوء اللامع».
***
стр. 702
حرف الثاء المثلّثة
٥٩٦ - ثابت بن شبيب بن عبد الله، أبو محمد، التّميمىّ
البصروىّ، الفقيه، المعروف بالسّديد (¬*)
قال أبو القاسم عمر بن أحمد ابن العديم، فى «تاريخ حلب»: لقيته ببصرى عند عودى من الحجّ، سنة أربع وعشرين وستمائة، وأخبرنى أنه قدم حلب، ونزل بها بالمدرسة النّوريّة، وهو (١) شيخ حسن، صالح، مستور، فقيه.
كان يدرّس الفقه على مذهب أبى حنيفة بالمسجد النّبوىّ، بمدينة بصرى.
قال: وأخبرنى ابن أخيه داود بن علىّ بن شبيب الفقيه، بحلب، أنّ عمّه ثابت بن شبيب، توفّى فى شهر ربيع الآخر، سنة ثلاث وثلاثين وستمائة ببصرى. رحمه الله تعالى.
***
стр. 703
/ حرف الجيم
٥٩٧ - جابر بن محمد بن محمد بن عبد العزيز بن يوسف
الخوارزمىّ، الكاتىّ، ثم المصرىّ، افتخار الدين
أبو عبد الله (¬*)
ولد فى عاشر شوّال، سنة سبع وستين وستمائة.
وقرأ على خاله أبى المكارم [بن] (١) محمد بن أبى المفاخر، وقرأ «المفصّل» و «الكشّاف» على أبى عاصم الإسفندرىّ، عن سيف الدين عبد الله بن محمود الخوارزمىّ، عن أبى عبد الله البصرىّ، عن مؤلّفهما.
واشتغل ببلاده وتمهّر، وقدم القاهرة، فسمع من الدّمياطىّ، وولى بها مشيخة الجاوليّة (٢) التى بالكبش.
وكان يعرف العربيّة معرفة جيّدة.
وباشر الإفتاء، والتدريس بأماكن.
وله شعر حسن (٣).
ومات فى أوّل النّصف الثانى من المحرّم، سنة إحدى وأربعين وسبعمائة.
وقال الفاسىّ: قدم مكة، وقرأ «الصّحيح» على التّوزرىّ (٤)، وتكلّم على أماكن فيه من جهة العربيّة، ودرّس بالقدس، ومكة، وكان فاضلا، حسن الشّكل، مليح المحاضرة.
стр. 704
قال ابن حجر: وكات (١)، بالتاء المثنّاة أو المثلثة: من قرى خوارزم.
***
٥٩٨ - جار الله بن صالح بن أبى المنصور أحمد بن عبد الكريم
ابن أبى المعالى يحيى بن عبد الرحمن بن على بن الحسين
ابن على بن الحسين بن محمد بن شيبة بن إياد بن عمرو
ابن العلاء بن مسعود، جلال الدين الشّيبانىّ
الطّبرىّ الأصل، المكّى (¬*)
والد أحمد، وعلى، ومحمد.
سمع من خليل المالكىّ، والعزّ ابن جماعة، والموفّق الحنبلىّ، وغيرهم، وأجاز له إبراهيم بن محمد بن يونس بن القوّاس، وجماعة كثيرة.
وحدّث، وسمع منه الفضلاء، كالحافظ ابن حجر، والتّقىّ الفاسىّ، وغيرهما.
وكان خيّرا، عاقلا، تردّد إلى مصر مرارا، وأدركه أجله بها، فى آخر سنة خمس عشرة وثمانمائة، بخانقاه سعيد السّعداء، ودفن بمقبرة صوفيّتها، وقد بلغ السبعين، رحمه الله تعالى.
***
٥٩٩ - الجارود بن يزيد، أبو على، وقيل: أبو الضّحّاك
الفقيه، النّيسابورىّ، صاحب الإمام (¬**)
جاء من أولاده كثير من أهل العلم والفضل، فمنهم ابنه سلمة، والنّضر بن سلمة، ومحمد
стр. 705
ابن النضر، وسيأتى كلّ منهم فى محلّه، إن شاء الله تعالى.
وذكره الخطيب البغدادىّ، فى «تاريخه»، وقال: حدّث عن بهز (١) بن حكيم، وعمر بن ذرّ، روى عنه أهل نيسابور، وقدم بغداد، وحدّث بها، فروى عنه/من أهلها أبو طالب عبد الجبّار بن عاصم، ومحمد بن عبد الملك بن زنجويه، والحسن بن عرفة.
وروى (٢) من حديثه عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جدّه، قال: قال رسول الله ﷺ : «أتزعون (٣) عن ذكر الفاجر، اذكروه بما فيه يحذره النّاس».
ثم ذكر جماعة ممّن أنكر على الجارود رواية هذا الحديث عن بهز بن حكيم، وتكلّم فيه بسببه، وضعّفه، منهم أحمد بن حنبل، والبخارىّ، وابن المدينىّ، وغيرهم.
وروى (٤) عن مكّىّ بن إبراهيم، أنه قال، وقد أنكروا على الجارود هذا الحديث:
ما تنكرون من (٥) هذا، إن الجارود رجل غنىّ، كثير الصّدقة، مستغن عن الكذب، هذا معمر قد تفرّد عن بهز بن حكيم بأحاديث.
وكانت وفاة الجارود سنة ثلاث، وقيل: ست ومائتين، رحمه الله تعالى.
قلت: والذى يظهر من كلام الأئمّة فى حقّه أنه كان إماما عالما حافظا، وما أنكروا عليه إلاّ هذا الحديث، والله أعلم بحاله.
***
٦٠٠ - جامع الكشانىّ (¬*)
روى عن أبى حنيفة، فيما إذا قال: له علىّ كذا وكذا درهما. يلزمه أحد عشر، كما