← Тараджим

Тараджим · id 322

الطبقات السنية في تراجم الحنفية

تقي الدين ابن عبد القادر التميمي

Полный текст (1 429 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

عفيف فيما يقال، قائما فى أغراض نفسه جدّا، مع إثارة فتن ومكر وخداع، ومزيد تكبّر، ودخول فيما تقصر أمثاله (١) عن دونه، وتعرّض للخلاف بين الحنفيّة والشافعيّة، وربما نسب إليه التكلّم بما لا يليق. قال السّخاوىّ: ممّا أظنّه السّبب فى سرعة انقضاء مدّته، مع أنه لمّا تسلطن تواضع جدّا، وأعرض عن كثير ممّا ينسب إليه، ولله عاقبة الأمور. انتهى نقلا من «الضوء اللامع». *** ٥٩٥ - تنم الفقيه الحنفى (¬*) أخذ عن ابن قديد النحو، والصرف، وغيرهما، وكذا عن ملاّ شيخ. وتصدّر للإقراء، فانتفع به جماعة من التّرك، وأبنائهم، وغيرهم، وممّن أخذ عنه خضر بن شماف. قال السّخاوىّ: ومنه استفدته. كذا فى «الضوء اللامع». ***

стр. 702

حرف الثاء المثلّثة ٥٩٦ - ثابت بن شبيب بن عبد الله، أبو محمد، التّميمىّ البصروىّ، الفقيه، المعروف بالسّديد (¬*) قال أبو القاسم عمر بن أحمد ابن العديم، فى «تاريخ حلب»: لقيته ببصرى عند عودى من الحجّ، سنة أربع وعشرين وستمائة، وأخبرنى أنه قدم حلب، ونزل بها بالمدرسة النّوريّة، وهو (١) شيخ حسن، صالح، مستور، فقيه. كان يدرّس الفقه على مذهب أبى حنيفة بالمسجد النّبوىّ، بمدينة بصرى. قال: وأخبرنى ابن أخيه داود بن علىّ بن شبيب الفقيه، بحلب، أنّ عمّه ثابت بن شبيب، توفّى فى شهر ربيع الآخر، سنة ثلاث وثلاثين وستمائة ببصرى. رحمه الله تعالى. ***

стр. 703

/ حرف الجيم ٥٩٧ - جابر بن محمد بن محمد بن عبد العزيز بن يوسف الخوارزمىّ، الكاتىّ، ثم المصرىّ، افتخار الدين أبو عبد الله (¬*) ولد فى عاشر شوّال، سنة سبع وستين وستمائة. وقرأ على خاله أبى المكارم [بن] (١) محمد بن أبى المفاخر، وقرأ «المفصّل» و «الكشّاف» على أبى عاصم الإسفندرىّ، عن سيف الدين عبد الله بن محمود الخوارزمىّ، عن أبى عبد الله البصرىّ، عن مؤلّفهما. واشتغل ببلاده وتمهّر، وقدم القاهرة، فسمع من الدّمياطىّ، وولى بها مشيخة الجاوليّة (٢) التى بالكبش. وكان يعرف العربيّة معرفة جيّدة. وباشر الإفتاء، والتدريس بأماكن. وله شعر حسن (٣). ومات فى أوّل النّصف الثانى من المحرّم، سنة إحدى وأربعين وسبعمائة. وقال الفاسىّ: قدم مكة، وقرأ «الصّحيح» على التّوزرىّ (٤)، وتكلّم على أماكن فيه من جهة العربيّة، ودرّس بالقدس، ومكة، وكان فاضلا، حسن الشّكل، مليح المحاضرة.

стр. 704

قال ابن حجر: وكات (١)، بالتاء المثنّاة أو المثلثة: من قرى خوارزم. *** ٥٩٨ - جار الله بن صالح بن أبى المنصور أحمد بن عبد الكريم ابن أبى المعالى يحيى بن عبد الرحمن بن على بن الحسين ابن على بن الحسين بن محمد بن شيبة بن إياد بن عمرو ابن العلاء بن مسعود، جلال الدين الشّيبانىّ الطّبرىّ الأصل، المكّى (¬*) والد أحمد، وعلى، ومحمد. سمع من خليل المالكىّ، والعزّ ابن جماعة، والموفّق الحنبلىّ، وغيرهم، وأجاز له إبراهيم بن محمد بن يونس بن القوّاس، وجماعة كثيرة. وحدّث، وسمع منه الفضلاء، كالحافظ ابن حجر، والتّقىّ الفاسىّ، وغيرهما. وكان خيّرا، عاقلا، تردّد إلى مصر مرارا، وأدركه أجله بها، فى آخر سنة خمس عشرة وثمانمائة، بخانقاه سعيد السّعداء، ودفن بمقبرة صوفيّتها، وقد بلغ السبعين، رحمه الله تعالى. *** ٥٩٩ - الجارود بن يزيد، أبو على، وقيل: أبو الضّحّاك الفقيه، النّيسابورىّ، صاحب الإمام (¬**) جاء من أولاده كثير من أهل العلم والفضل، فمنهم ابنه سلمة، والنّضر بن سلمة، ومحمد

стр. 705

ابن النضر، وسيأتى كلّ منهم فى محلّه، إن شاء الله تعالى. وذكره الخطيب البغدادىّ، فى «تاريخه»، وقال: حدّث عن بهز (١) بن حكيم، وعمر بن ذرّ، روى عنه أهل نيسابور، وقدم بغداد، وحدّث بها، فروى عنه/من أهلها أبو طالب عبد الجبّار بن عاصم، ومحمد بن عبد الملك بن زنجويه، والحسن بن عرفة. وروى (٢) من حديثه عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جدّه، قال: قال رسول الله ﷺ : «أتزعون (٣) عن ذكر الفاجر، اذكروه بما فيه يحذره النّاس». ثم ذكر جماعة ممّن أنكر على الجارود رواية هذا الحديث عن بهز بن حكيم، وتكلّم فيه بسببه، وضعّفه، منهم أحمد بن حنبل، والبخارىّ، وابن المدينىّ، وغيرهم. وروى (٤) عن مكّىّ بن إبراهيم، أنه قال، وقد أنكروا على الجارود هذا الحديث: ما تنكرون من (٥) هذا، إن الجارود رجل غنىّ، كثير الصّدقة، مستغن عن الكذب، هذا معمر قد تفرّد عن بهز بن حكيم بأحاديث. وكانت وفاة الجارود سنة ثلاث، وقيل: ست ومائتين، رحمه الله تعالى. قلت: والذى يظهر من كلام الأئمّة فى حقّه أنه كان إماما عالما حافظا، وما أنكروا عليه إلاّ هذا الحديث، والله أعلم بحاله. *** ٦٠٠ - جامع الكشانىّ (¬*) روى عن أبى حنيفة، فيما إذا قال: له علىّ كذا وكذا درهما. يلزمه أحد عشر، كما

стр. 706

إذا قال: له علىّ (١) كذا كذا. بغير عطف. ذكره فى «الرّوضة» من كتب أصحابنا، قاله فى «الجواهر». *** ٦٠١ - جبارة بن المغلّس الحمّانىّ الكوفىّ (¬*) عمّ أحمد بن الصّلت، المذكور سابقا (٢). روى عن ابن ماجه، وتكلّموا فيه. ومات سنة إحدى وأربعين ومائتين، وهو فى عشر المائة، رحمه الله تعالى. *** ٦٠٢ - جبريل بن جميل بن محبوب القيسىّ، اللّواتىّ، البزّاز (¬**) أسمعه أبوه من السّلفىّ، ومن الضّياء بدر (٣)، وتفقّه على مذهب أبى حنيفة، وحدّث، وسمع منه المنذرىّ. وسيأتى له (٤) زيادة فى ترجمة ابنه يوسف. وكانت وفاته، كما قاله المنذرىّ، فى «التكملة»، سنة ستمائة، راجعا من الحج. ***

стр. 707

٦٠٣ - جبريل بن عبد الله الشيخ زين الدين الدّمشقىّ قرأ كتاب «الجمعة» لأبى عبد الرحمن النّسائىّ على أبى القاسم البوصيرىّ (١)، سنة أربع وتسعين وخمسمائة، واشتغل فى «الكنز»، وحصّل، ودرّس، وكان رزقه مقتّرا عليه وعلى عياله (٢). ذكره ابن طولون، فى «طبقاته». *** ٦٠٤ - جرير بن عبد الحميد بن قرط أبو عبد الله، الرّازىّ، الآبىّ (¬*) وآبة: قرية من قرى أصبهان، ولد بها صاحب الترجمة، ونشأ بالكوفة. وأخذ الفقه عن أبى حنيفة فى مسائل، منها: مسألة جناية المدبّر على سيّده. وسمع يحيى بن سعيد الأنصارى، ومالكا، والثّورىّ، والأعمش. وروى عنه ابن المبارك، وقتيبة، وأحمد، وابن المدينىّ. قال ابن سعد: ثقة، كثير العلم، يرحل إليه. وقال هبة الله الطّبرىّ: مجمع على ثقته. مات سنة ثمان و (٣) ثمانين ومائة، وهو ابن ثمان وسبعين سنة، وصلّى عليه ابنه عبد الله. قال جرير: ولدت سنة مات الحسن، سنة عشر ومائة. روى له الشّيخان. ***

стр. 708

٦٠٥ - جعفر بن أحمد بن إسماعيل بن شهريل، أبو محمد الأسترآباذيّ (¬*) رحل وسمع، وذكره أبو سعد الإدريسىّ، فى «تاريخ أسترآباذ»، وقال: كان من فقهاء أصحاب أبى حنيفة، حسن الطريقة فيهم، وكان يعرف بالزهد والعبادة، وحدّثنا عنه جماعة. قال: ومات سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة. وذكره السّهمىّ أيضا، فى «تاريخ جرجان»، وقال: كنيته أبو محمد، وربما نسب إلى جدّه. فيقول: جعفر بن شهريل (١)، روى عن عمّار بن رجاء، وإسحاق بن إبراهيم، وجعفر ابن/أحمد بن بهرام، وجماعة من أهل أسترآباذ، وجرجان، وكتب بمكة عن سعيد بن عبد الرحمن المخزومىّ، روى عنه أبو (٢) أحمد بن عدىّ. *** ٦٠٦ - جعفر بن أحمد بن بهرام الباهلىّ، أبو حنيفة الشّهيد، الأسترآباذيّ (¬**) قال السّهمىّ، فى «تاريخ جرجان»: كان من فقهاء الحنفيّة (٣) بإستراباذ، وإليه الفتيا. سعى به عند الحسن بن زيد العلوىّ، أنه يبغض أهل البيت، فحبسه فى سجنه حتى مات، ثم أمر به فصلب بجرجان، فذهب جماعة من أهل أسترآباذ وسرقوه ليلا، ودفنوه فى مقبرة جرجان، وأخفوا قبره. يروى عن محمد بن خالد الحنظلىّ، وجعفر بن عون، والفضل بن دكين، ويحيى بن هاشم، وداود بن سليمان الجرجانىّ.

стр. 709

روى عنه الحسن بن الحسين (١) بن عاصم، والحسين بن بندار المفسّر، وجعفر بن أحمد ابن إسماعيل بن شهريل (٢)، وأبو نعيم عبد الملك [بن محمد (٢)] بن عدىّ، الأستراباذيّون (٣). *** ٦٠٧ - جعفر بن أبى علىّ الحسن بن إبراهيم الدّميرىّ الأصل المصرىّ المولد والدّار (¬*) قرأ القرآن بالرّوايات على أبى الجيوش عساكر بن علىّ الشافعىّ، وتفقّه على الإمام جمال الدين عبد الله بن محمد بن سعد الله، وعلى الفقيه بدر الدين أبى محمد عبد الوهاب (٤) ابن يوسف. وسمع الحديث من أبى محمد عبد الله بن برّىّ، وأبى الفضل محمد بن يوسف الغزنوىّ الحنفىّ. ودرّس بالمدرسة السّيوفيّة (٥) بالقاهرة إلى حين وفاته، وكان حسن الصّمت، كثير العزلة عن (٦) الناس، حسن الخطّ.

стр. 710

سمع منه المنذرىّ، وقال: سألته عن مولده، فذكر ما يدلّ على أنه فى سنة خمس وخمسين وخمسمائة بالقاهرة. وتوفّى بها، ليلة الاثنين، مستهلّ ذى القعدة، سنة ثلاث وعشرين وستمائة، ودفن بالقرب (١) من تربة الإمام الشافعىّ، رحمه الله تعالى. *** ٦٠٨ - جعفر بن طرخان الأسترآباذيّ، أبو محمد (¬*) ذكره الحافظ السّهمىّ، فى «تاريخ جرجان»، فقال: كان من أجلّة (٢) فقهاء الرّأى، له تصانيف، روى عن أبى نعيم الفضل بن دكين، وأبى حذيفة موسى بن مسعود، وعثمان ابن الهيثم، ومحمد بن كثير، وجماعة. روى عنه ابنه محمد، وجعفر بن شهريل (٣)، والحسن بن الحسين بن عاصم، وأبو نعيم عبد الملك بن محمد بن عدىّ. مات سنة سبع وسبعين ومائتين، رحمه الله تعالى. *** ٦٠٩ - جعفر بن عبد الله بن محمد بن على بن محمد أبو منصور الدّامغانىّ، ابن أبى جعفر ابن قاضى القضاة أبى عبد الله (¬**) من البيت المشهور بالقضاء، والعدالة، والرّواية. كان شيخا نبيلا، حسن الأخلاق، لطيف الكلام، محمود السّيرة، مرضىّ الطريقة.

стр. 711

سمع الحديث الكثير من أبى الخطّاب محفوظ بن أحمد الكلوذانىّ (١)، وأبى زكريا يحيى ابن عبد الوهّاب بن منده الأصبهانىّ. وحدّث بالكثير، وكان صدوقا. وروى عنه أبو العباس ابن البندنيجىّ، وغيره. وكان مولده فى ليلة الثلاثاء، سادس عشر صفر، من سنة تسعين وأربعمائة. ووفاته سنة ثمان وستين وخمسمائة، رحمه الله تعالى. *** ٦١٠ - جعفر بن عبد الواحد بن أحمد بن محمد بن أحمد ابن حمزة، قاضى القضاة، أبو البركات/ابن قاضى القضاة أبى جعفر بن القاضى أبى الحسين (¬*) ناب فى قضاء العراق عن أبيه، واستقلّ به بعد وفاته، ولما مات الوزير عون الدين ناب أبو البركات عنه فى الوزارة، مضافا إلى قضاء (٢) القضاة. ومات سنة ثلاث وستين وخمسمائة، وله ست وأربعون سنة. وسمع منه أبو المحاسن القرشىّ. *** ٦١١ - جعفر بن عبد الوهّاب بن محمد ابن كامل البغدادىّ (¬**) حدّث عن محمد بن الحسن. ***

стр. 712

٦١٢ - جعفر بن محمد بن أحمد بن إسحاق بن البهلول أبو محمد التّنوخىّ، الأنبارىّ الأصل (¬*) من البيت المشهور. قال الخطيب: ذكر لى أبو القاسم التّنوخىّ أنه ولد ببغداد، فى ذى القعدة، من سنة ثلاث وثلاثمائة. قال: وكان أحد القرّاء للقرآن بحرف عاصم وحمزة والكسائىّ. وكتب هو وأخوه علىّ الحديث فى موضع واحد. قال: وأصل كلّ واحد منهما أصل الآخر، وشيوخ كلّ واحد منهما شيوخ الآخر. وحدّث عن عبد الله بن محمد البغوىّ، وأبى الليث الفرائضىّ، وجدّه أحمد بن إسحاق بن البهلول، وغيرهم. وعرض عليه القضاء والشهادة فأباهما، تورّعا وتقلّلا وصلاحا. قال الخطيب: قال لى علىّ بن المحسّن: مات جعفر بن أبى طالب ابن البهلول ببغداد، ليلة الأربعاء، لثمان وعشرين ليلة خلت من جمادى الآخرة، سنة سبع وسبعين وثلاثمائة، ودفن من الغد إلى جانب داره، بسكّة أبى العباس الطّوسىّ. قال-أعنى الخطيب-: وهو أخو علىّ والبهلول ابنى محمد بن أحمد بن إسحاق بن البهلول. رحمهم الله تعالى. *** ٦١٣ - جعفر بن محمد بن عمّار البرجمىّ القاضى (¬**) من أهل الكوفة، ولى القضاء بسرّمن رأى.

стр. 713

كذا فى «الجواهر»، من غير زيادة. *** ٦١٤ - جعفر بن محمد بن المعتزّ بن محمد بن المستغفر أبو العباس، النّسفىّ، المستغفرىّ (¬*) خطيب نسف. كان فقيها فاضلا، ومحدّثا مكثرا، وصدوقا حافظا، لم يكن بما وراء النّهر فى عصره مثله، وله تصانيف أحسن فيها. سمع أبا عبد الله محمد بن أحمد غنجار، وزاهر بن أحمد السّرخسىّ. روى عنه أبو منصور السّمعانىّ. وكانت ولادته سنة خمسين وثلاثمائة، ووفاته فى سلخ جمادى الأولى، سنة اثنتين وثلاثين وأربعمائة بنسف. رحمه الله تعالى. *** ٦١٥ - جعفر بن محمد، أبو محمد البويبىّ، الفقيه (¬**) من طبقة الإمام أبى بكر محمد بن الفضل (١) البخارىّ، رحمهما الله تعالى. ***

стр. 714

٦١٦ - جعفر بن يحيى بن خالد، أبو الفضل البرمكى (¬*) قال الخطيب: كان من علوّ القدر، ونفاذ الأمر، وعظم المحلّ، وجلالة المنزلة، عند هارون الرشيد، بحالة انفرد بها، ولم يشارك فيها، وكان سمح الأخلاق، طلق الوجه، ظاهر البشر، فأما جوده وعطاؤه فأشهر من أن يذكر، وأبين من أن يظهر، وكان أيضا من ذوى الفصاحة، المذكور (١) باللّسن والبلاغة، ويقال: إنه وقّع ليلة بحضرة الرشيد زيادة على ألف توقيع، نظر فى جميعها، فلم يخرج شئ منها عن موجب الفقه. قال: وكان أبوه يحيى بن خالد قد ضمّه إلى أبى يوسف القاضى، حتى علّمه وفقّهه. وقال ثمامة بن أشرس: ما رأيت رجلا أبلغ من جعفر بن يحيى والمأمون. /وحكى العباس بن الفضل، (٢) قال: اعتذر رجل إلى جعفر بن يحيى البرمكىّ، فقال له جعفر: قد أغناك الله بالعذر [منّا] (٣) عن الاعتذار إلينا، وأغنانا بالمودّة لك عن سوء الظّنّ بك. وحيث كان يروى عنه فى الكرم، وإسداء النّعم، وإكرام جلسائه، والإحسان إلى أوليائه، وتحقيق ظنّ آمليه، وتفريج كربة سائليه، ما تضيق عنه الدّفاتر، وتعجز عن ضبطه الأقلام والمحابر، وتغنّى به الرّكبان، وتتجمّل بذكره مجالس الأعيان، فلا بأس أن نذكر منها طرفا يسيرا يكون لأهل الكرم به قدوة، ولضعيف الهمّة باعثا على الجميل وموجدا له نحوه، وليعلم أن المرء لا يبقى له بعد موته إلاّ الذّكر الجميل، والثّناء الحسن الجزيل. فمن ذلك ما روى ابن عساكر، عن المهذّب صاحب العباس بن محمد، صاحب قطيعة العباس والعبّاسيّة، أنه أصابته ضائقة، وألحّ عليه المطالبون، وعنده سفط (٤) فيه جوهر،

стр. 715

مشتراه عليه ألف درهم، فحمله إلى جعفر ليبيعه منه، فاشتراه بثمنه، ووزن له ألف ألف، وقبض منه السّفط، وأجلسه عنده فى تلك الليلة، فلمّا رجع إلى أهله إذا السّفط قد بلغه إلى منزله، فلمّا أصبح غدا إليه ليتشكّر له، فوجده مع أخيه الفضل على باب الرشيد، يستأذن عليه، فقال له جعفر: إنّى قد ذكرت أمرك للفضل، وقد أمر لك بألف ألف، وما أظنّها إلاّ سبقتك إلى أهلك، وسأفاوض فيك أمير المؤمنين. فلمّا دخل ذكر أمره له، وما لحقه من الدّيون، فأمر له بثلاثمائة ألف دينار. وروى الخطيب (١) أن جعفرا كان ليلة فى سمره وعنده أبو علقمة الثّقفىّ صاحب الغريب، فأقبلت خنفساة إلى علقمة، فقال: أليس يقال: إن الخنفساء إذا أقبلت إلى رجل أصاب خيرا؟ قالوا: بلى. فقال جعفر: يا غلام أعطه ألف دينار. ثم نحّوها فعادت إليه، فقال: يا غلام، أعطه ألف دينار (٢). فأعطاه. وروى أيضا (٣) أن جعفرا حجّ مرّة مع الرشيد، فلما كانوا بالمدينة، قال لإبراهيم الموصلىّ: انظر لى جارية أشتريها، ولا تبق غاية فى حذاقتها بالغناء والضّرب والكمال، والطّرف، والأدب، وجنّبنى قولهم: صفراء. قال إبراهيم: فوصفتها (٤) على يد من يعرف، فأرشدت إلى جارية لرجل، فدخلت عليه، فرأيت رسوم النّعمة عنده، فأخرجها إلىّ، فلم أر أجمل منها ولا أصبح ولا آدب، قال: ثم تغنّت لى أصواتا فاجادتها، قال: فقلت لصاحبها: قل ما شئت، قال: أقول لك قولا لا أنقص منه درهما، قلت: قل. قال: أربعين ألف دينار. قال: قلت قد أخذتها، واشترطت عليك نظرة. قال: ذاك لك. قال: فأتيت جعفر بن يحيى، فقلت: قد أصبت حاجتك على غاية الكمال والظّرف والأدب والجمال ونقاء اللون وجودة الضّرب والغناء، وقد اشترطت نظرة فاحمل المال، ومرّ بنا. قال: فحملنا المال على حمّالين، وجاء جعفر مستخفيا، فدخلنا على الرجل، فأخرجها، فلما رآها جعفر أعجب بها، وعرف أن قد صدقته، ثم غنّته فازداد بها عجبا، فقال لى: اقطع

стр. 716

أمرها. فقلت لمولاها: هذا المال قد نقدناه ووزنّاه، فإن قنعت وإلاّ فوجّه إلىّ من شئت لينتقده. فقال: لا، بل أقنع بما قلتم. قال: فقالت الجارية: يا مولاى، فى أىّ شئ أنت؟ فقال: قد عرفت ما كنّا فيه من النّعمة، وما كنت فيه من انبساط اليد، وقد انقبضت عن ذلك لتغيّر الزمان/علينا، فقدّرت أن تصيرى إلى هذا الملك، فتنبسطى فى شهواتك وإرادتك (١). فقالت الجارية: والله يا مولاى لو ملكت منك ما ملكته (٢) منّى ما بعتك بالدنيا وما فيها، وبعد فاذكر العهد. وقد كان حلف لها أن لا يأكل لها ثمنا، فتغرغرت عين (٣) المولى، وقال: اشهدوا أنها حرّه لوجه الله تعالى، وأنّى قد تزوّجتها، وأمهرتها دارى. فقال لى جعفر: انهض بنا. فقال: فدعوت الحمّالين ليحملوا المال، قال: فقال جعفر: لا والله، لا يصحبنا منه درهم. قال: ثم أقبل على مولاها، فقال: هو لك مباركا (٤) لك فيه، أنفقه عليك وعليها. قال: وقمنا وخرجنا. وروى أنه لما حجّ اجتاز فى طريقه بالعقيق، وكانت سنة مجدبة، فاعترضته امرأة من بنى كلاب، وأنشدته: إنّى مررت على العقيق وأهله … يشكون من مطر الربيع نزورا ما ضرّهم إذ كان جعفر جارهم … أن لا يكون ربيعهم ممطورا فأجزل لها العطاء.

стр. 717

ذكر مقتل جعفر، وإيقاع الرشيد به وبأهل بيته وذكر السبب فى ذلك على وجه الاختصار، فإن فيه عبرة لمن يعتبر، وعظة لمن يتّعظ، وتنبيها لمن هو غافل عن غدر الدنيا لأربابها، وإساءتها بعد الإحسان لأصحابها، وقد نقلت ذلك من التواريخ المعتمدة، كتاريخ الخطيب، وتاريخ ابن كثير، وغيرهما. قال ابن كثير (١) رحمه الله تعالى: ثم دخلت سنة سبع وثمانين ومائة، فيها كان مقتل الرّشيد جعفر بن يحيى بن خالد البرمكىّ، ودمار ديارهم، واندثار آثارهم، وذهاب صغارهم وكبارهم، وقد اختلف فى سبب ذلك على أقوال، ذكرها أبو جعفر بن جرير، وغيره من علماء التاريخ، فممّا قيل: إن الرشيد قد سلّم يحيى بن عبد الله بن حسن إلى جعفر البرمكىّ، فسجنه عنده، قال: فما زال يحيى يترفّق له حتى أطلقه جعفر، فنمّ الفضل بن الربيع على جعفر فى ذلك، فقال له الرشيد: ويلك، لا تدخل بينى وبين جعفر، فلعلّه قد أطلقه على أمرى وأنا لا أشعر. ثم سأل الرشيد جعفر عن ذلك فصدقه الحال، فتغيّظ عليه الرشيد، وحلف ليقتلنّه، وكره البرامكة، ومقتهم، وقلاهم، بعد ما كانوا أحظى الناس عنده، وأحبّهم إليه، وكانت أمّ جعفر والفضل أمّه من الرّضاعة، وجعلهم من الرّفعة فى الدنيا وكثرة المال، بسبب ذلك فى شئ كثير لم يحصل لمن قبلهم من الوزراء، ولا لمن بعدهم من الأكابر والرّؤساء، بحيث إن جعفرا بنى دارا، وغرم عليها عشرين ألف ألف درهم، وكان ذلك (٢) من جملة ما كبر عليه بسببه (٢). ويقال: إن الرشيد كان لا يمرّ ببلد ولا إقليم فيسأل عن قرية أو مزرعة أو بستان، إلاّ قيل: هذا لجعفر. وقد قيل (٣): إن البرامكة كانوا يريدون إبطال خلافة الرشيد، وإظهار الزّندقة، ويؤيّد ذلك ما روى أنّ الرشيد أتى بأنس بن أبى شيخ، وكان يتّهم (٤) بالزّندقة، وكان مصاحبا

стр. 718

لجعفر، وذلك ليلة قتل، فدار بينه وبينه كلام، فأخرج سيفا من تحت فراشه، وأمر بضرب عنقه به، وجعل يتمثّل ببيت قيل فى أنس، قبل ذلك، وهو: /تلمّظ السيف من شوق إلى أنس … فالسيف يلحظ والأقدار تنتظر فضرب عنقه، فسبق السّيف الدّم، فقال الرشيد: رحم الله عبد الله بن مصعب. فقال الناس: إنّ السيف كان سيف الزّبير بن العوّام، رضى الله تعالى عنه. وقيل (١): إنه بسبب العبّاسة أخته، فإن جعفرا كان يدخل على الرشيد بغير إذن، حتى إنه كان ربما دخل عليه وهو فى الفراش مع حظاياه، وهذه وجاهة عظيمة، ومنزلة عالية، وكان من أحظى العشراء على الشّراب، فإن الرشيد كان يستعمل فى أواخر ملكه المسكر، (٢) وكان المخلف (٢). وكان أحبّ أهله إليه أخته العبّاسة بنت المهدىّ، وكان يحضرها معه، وجعفر البرمكىّ حاضر أيضا، فزوّجه بها، ليحلّ له النّظر إليها، واشترط عليه أن لا يطأها، فكان الرشيد ربما قام وتركهما وهما ثملان من الشّراب، فربما واقعها جعفر، فاتّفق حملها منه، فولدت ولدا بعثته مع بعض جواريها إلى مكة، وكان يربّى هناك. وذكر قاضى القضاة ابن خلّكان فى «الوفيات» (٣) صفة أخرى فى مقتل جعفر، وذلك أنه لمّا زوّج الرشيد جعفرا من العبّاسة أخته، أحبّته حبّا شديدا، فراودته عن نفسه، فامتنع أشدّ الامتناع من خشية أمير المؤمنين، فاحتالت عليه، وكانت أمّه تهدى إليه فى كلّ ليلة جمعة جارية حسناء بكرا، فقالت لأمّه: أدخلينى عليه فى صفة جارية من تلك الجوارى. فهابت من ذلك، فتهدّدتها (٤) حتى فعلت، فلمّا دخلت عليه، وكان لا يتحقّق وجهها من مهابة الرشيد، فواقعها، فقالت له: كيف رأيت خديعة بنات الملوك؟ فقال: ومن أنت؟ فقالت: أنا العبّاسة. وحملت منه (٥) تلك الليلة، فدخل على أمّه، فقال لها: بعتينى والله برخيص.

стр. 719

ثم إن والده يحيى بن خالد جعل يضيّق على عيال الرشيد فى النّفقة، حتى شكته زبيدة إلى الرشيد مرّات، ثم أفشت له سرّ العبّاسة، فاستشاط غضبا (١). ولمّا أخبرته أن الولد قد أرسلت به إلى مكة، حجّ عامه ذلك، حتى يتحقّق الأمر (٢)، ويقال: إن بعض الجوارى نمّت عليها إلى الرشيد، فأخبرته بما وقع من الأمر، وأنّ الولد بمكة، وعنده جوار ومعه أموال، وحلى كثير (٣)، فلم يصدّق حتى حجّ فى السنة الخالية، فكشف عن الحال، فإذا هو كما ذكرت الجارية. وقد حجّ فى هذه السنة يحيى بن خالد الوزير (٤)، وقد استشعر الغضب من الرشيد عليه، فجعل يدعو عند الكعبة: اللهمّ إن كان يرضيك عنّى سلب مالى وولدى وأهلى فافعل ذلك بى، وأبق عليهم منهم الفضل. ثم خرج، فلمّا كان عند باب المسجد رجع، فقال: اللهمّ والفضل معهم، فإنّى راض برضاك عنّى، ولا تستثن منهم أحدا. وقيل (٥): إنّ من المحرّضات على قتل البرمكة قول بعض الشعراء يخاطب الرشيد: قل لأمين الله فى أرضه … ومن إليه الحلّ والعقد إنّ ابن يحيى جعفرا قد غدا … مثلك ما بينكما حدّ (٦) أمرك مردود إلى أمره … وأمره ليس له ردّ /وقد بنى الدّار التى ما بنى ال … فرس لها مثلا ولا الهند الدّرّ والياقوت حصباؤها … وتربها العنبر والنّدّ وجدّك المنصور لو حلّها … لما اطّباه قصره الخلد (٧)

стр. 720

ساواك فى الملك فأبوابه … مأهولة يعمرها الوفد وما يساوى العبد أربابه … إلاّ إذا ما بطر العبد (١) ونحن نخشى أنّه وارث … ملكك إن غيّبك اللّحد وروى ابن الجوزىّ (٢) أن الرشيد سئل عن السّبب الذى من أجله أهلك البرامكة، فقال: لو أن قميصى هذا يعلم لأحرقته. قال ابن كثير (٣): فلمّا قفل الرشيد من الحجّ صار إلى الحيرة، ثم ركب فى السّفن إلى العمر (٤)، من أرض الأنبار، فلمّا كانت ليلة السبت، سلخ المحرّم من هذه السنة، أعنى سنة سبع وثمانين، أرسل مسرور الخادم، ومعه حماد بن سالم أبو عصمه، فى جماعة من الجند، فأطافوا بجعفر بن يحيى ليلا، فدخل عليه مسرور الخادم، وعنده بختيشوع المتطبّب، وأبو ركاز الأعمى المغنّى يغنّيه: فلا تبعد فكلّ فتى سيأتى … عليه الموت يطرق أو يغادى وكلّ ذخيرة لا بدّ يوما … وإن بقيت تصير إلى نفاد (٥) فو فوديت من حدث المنايا … فديتك بالطّريف وبالتّلاد وقيل: كان يغنّيه قول بعضهم: ما يريد النّاس منّا … ما ينام الناس عنّا إنّما همّهم أن … يظهروا ما قد دفنّا ولكن المشهور هو (٦) الأوّل. فقال الخادم (٧): يا أبا الفضل، هذا الموت قد طرقك، أجب أمير المؤمنين. فقام إليه،

стр. 721

فقبّل قدميه، وادّخل عليه أن يدخل إلى أهله فيوصى إليهم، فقال: أمّا الدّخول فلا سبيل إليه. فأوصى جعفر، وأعتق جماعة من مماليكه، وجاءت رسل الرشيد تستحثّ الخادم، فأخرجه إخراجا عنيفا يقوده حتى أتى إلى المنزل الذى كان فيه الرشيد، فحبسه وقيّده بقيد، وأعلم الرشيد بما فعل، فأمره بضرب عنقه، فجاء إلى جعفر، فقال: إن أمير المؤمنين أمرنى أن آتيه برأسك. فقال: يا أبا هاشم، لعلّ أمير المؤمنين سكران، فإذا صحا عاتبك على ذلك، فعاوده. فرجع إليه، فقال: يا أمير المؤمنين، لعلّك مشغول. فقال: ويحك يا ماصّ بظر أمّه، ايتنى برأسه. فكرّر عليه جعفر المعاودة، فقال له: برئت من المهدىّ لئن لم تأتنى برأسه لأبعثنّ من يأتينى برأسك ورأسه. فرجع إلى جعفر، وحزّ رأسه، وجاء به إلى الرشيد، فألقاه بين يديه. وأرسل الرشيد من ليلته البرد (١) فى الاحتياط على البرامكة جميعهم ببغداد وغيرها، ومن كان منهم بسبيل، فأخذوا كلّهم عن آخرهم، فلم يفلت منهم أحد، وحبس يحيى بن خالد فى منزله، وحبس الفضل بن يحيى فى منزل/آخر، وأخذ جميع ما كانوا يملكونه من الأموال والموالى والحشم والخدم، واحتيط على أملاكهم. وبعث الرشيد برأس جعفر وجثّته، ثم قطعت شقّين، فنصب الرّأس عند الجسر الأعلى، وشقّ الجثّة عند الجسر الأسفل، وشقّها الآخر عند الجسر الآخر، ثم أحرقت بعد ذلك (٢). ونودى فى بغداد: أن لا أمان للبرامكة، ولا لمن والاهم إلاّ محمد بن يحيى بن خالد (٣)، فإنه استثناه من بين البرامكة، لنصيحة الخليفة، وشحنت السّجون بالبرامكة، واستلبت أموالهم كلّها. وقد كان الرشيد (٤) فى اليوم الذى قتل فى آخره جعفر، هو وإياه راكبين فى الصّيد، وقد خلا به دون ولاة العهود، وطيّبه فى ذلك اليوم، ولمّا كان وقت المغرب، وودّعه الرشيد، ضمّه إليه، وقال: لولا أن الليلة ليلة خلوتى بالنّساء ما فارقتك، فاذهب إلى منزلك، فاشرب، واطرب لتكون على مثل حالى.

стр. 722

فقال: والله يا أمير المؤمنين لا أشتهى ذلك إلاّ معك. فانصرف (١) عنه جعفر، فما هو إلاّ أن ذهب من الليل بعضه حتى أوقع به الباس والنّكال، كما تقدّم ذكره، وكان ذلك ليلة السبت، آخر ليلة من المحرّم، وقيل: إنها كانت ليلة مستهلّ صفر، سنة سبع وثمانين، وكان عمر جعفر إذ ذاك سبعا وثلاثين سنة. ولما جاء الخبر إلى أبيه يحيى بقتله قال: قتل الله ابنه. ولما قيل له (٢): خربت دارك. قال: خرّب الله دوره. ويقال: إنه لمّا نظر إلى داره وقد هتكت (٣) ستورها، واستبيحت قصورها، وانتهب ما فيها، قال: هكذا تقوم الساعة. وقد كتب إليه بعض أصحابه (٤) يعزّ به فيما وقع، فكتب جواب التّعزية: أنا بقضاء الله راض، وبالجزاء منه عالم، ولا يؤاخذ الله العباد إلاّ بذنوبهم، وما الله بظلاّم للعبيد، وما يغفر الله أكثر، ولله الحمد. ولقد أكثر الشعراء المراثى فى البرامكة، فمن ذلك قول الرّقاشىّ، ويذكر أنه لأبى نواس (٥): ألان استرحنا واستراحت ركابنا … وأمسك من يحدى ومن كان يحتدى (٦) فقل للمطايا قد أمنت من السّرى … وطىّ الفيافى فدفدا بعد فدفد وقل للمنايا قد ظفرت بجعفر … ولن تظفرى من بعده بمسوّد وقل للعطايا بعد فضل تعطّلى … وقل للرّزايا كلّ يوم تجدّدى (٧) ودونك سيفا برمكيّا مهنّدا … أصيب بسيف هاشمىّ مهنّد

стр. 723

وقال الرّقاشىّ، وقد نظر إلى جعفر وهو مصلوب على جذعه (١): أما والله لولا خوف واش … وعين للخليفة لا تنام لطفنا حول جذعك واستلمنا … كما للناس بالحجر استلام فما أبصرت قبلك يا ابن يحيى … حساما فلّه السيف الحسام على اللّذّات والدنيا جميعا … لدولة آل برمك السّلام فاستدعى به الرشيد، وقال له: ويحك، ما حملك على ما فعلت؟ قال: تحرّكت نعمته بقلبى (٢) فلم أصبر. قال: كم كان يعطيك جعفر (٣) كلّ عام؟ قال: ألف دينار. فأمر له بألفى دينار. وروى الزّبير بن بكّار (٤)، عن عمّه مصعب بن الزبير، قال: لمّا قتل جعفر بن يحيى، وقفت امرأة على حمار فاره، فقالت/بلسان فصيح: والله لئن صرت اليوم آية، فلقد كنت فى الكرم غاية، ثم أنشأت تقول: ولمّا رأيت السيف خالط جعفرا … ونادى مناد للخليفة فى يحيى بكيت على الدنيا وأيقنت أنّما … قصارى الفتى يوما مفارقة الدنيا وما هى إلا دولة بعد دولة … تخوّل ذا نعمى وتعقب ذا بلوى إذا أنزلت هذا منازل رفعة … من الملك حطّت ذا إلى الغاية القصوى قال: ثم حرّكت حمارها، فكأنّها كانت ريحا، لا أثر لها، ولا يعرف أين ذهبت. وقيل: إن الأبيات هذه للعبّاس بن الأحنف (٥). وروى الخطيب (٦) أن أبا يزيد الرّياحىّ، قال: كنت قائما عند خشبة جعفر بن يحيى البرمكىّ أتفكّر فى زوال ملكه، وحاله التى صار إليها، إذا أقبلت امرأة راكبة لها رواء

стр. 724

وهيبة (١)، فوفقت على جعفر، فبكت وأحرقت (٢)، وتكلّمت فأبلغت، فقالت: أما والله لئن أصبحت للناس آية، لقد بلغت فيهم الغاية، ولئن زال ملكك، وخانك دهرك، ولم يطل به (٣) عمرك، لقد كنت المغبوط حالا، النّاعم بالا، يحسن بك الملك، وينفس بك الهلك، (٤) ولئن صرت (٤) إلى حالتك هذه، فلقد (٥) كنت الملك بحقّه، فى جلالته ونطقه، فاستعظم الناس فقدك، إذ لم يستخلفوا ملكا بعدك، فنسأل الله الصبر على عظم المصيبة (٥)، وجليل الرّزيّة، التى لا تستعاض بغيرك، والسلام عليك (٦) وداع غير قال، ولا ناس لذكرك. ثم أنشأت تقول: العيش بعدك مرّ غير محبوب … ومذ صلبت ومقنا كلّ مصلوب (٧) أرجو لك الله ذا الإحسان إنّ له … فضلا علينا وعفوا غير محسوب ثم سكتت ساعة وتأمّلته، ثم أنشأت تقول: عليك من الأحبّة كلّ يوم … سلام الله ما ذكر السّلام لئن أمسى صداك برأى عين … على خشب حباك بها الإمام فمن ملك إلى ملك برغم … من الأملاك أسلمك الهمام وروى الخطيب (٨)، أن أبا قابوس النّصرانىّ، قال: دخلت على جعفر بن يحيى البرمكىّ فى يوم، فأصابنى البرد، فقال: يا غلام، اطرح عليه كساء من أكسية النّصارى، فطرح عليه كساء خزّ قيمته ألف دينار، (٩) قال: فانصرفت إلى منزلى، فأردت أن ألبسه فى يوم عيد، فلم

стр. 725

أصب له فى منزلى ثوبا (١) يشاكله، فقالت لى بنيّة لى: اكتب إلى الذى وهبه لك حتى يرسل إليك بما يشاكله من الثّياب، فكتبت إليه هذه الأبيات: أبا الفضل لو أبصرتنا يوم عيدنا … رأيت مباهاة لنا فى الكنائس فلو كان ذاك المطرف الخزّ جبّة … لباهيت أصحابى به فى المجالس (٢) فلا بدّ لى من جبّة من جبابكم … ومن طيلسان من جياد الطّيالس ومن ثوب قوهىّ وثوب علائم … ولا بأس إن أتبعت ذاك بخامس (٣) إذا تمّت الأثواب فى العيد خمسة … كفتك فلم تحتج إلى لبس سادس /لعمرك ما أفرطت فيما سألته … وما كنت لو أفرطت فيه بآيس (٤) وذاك لأنّ الشّعر يزداد جدّة … إذا ما البلى أبلى جديد الملابس قال: فبعث إليه حين قرأ شعره بتخوت خمسة، من كلّ نوع تختا، قال: فو الله ما انقضت الأيّام حتى قتل جعفر وصلب، فرأينا أبا قابوس قائما تحت جذعه يزمزم، فأخذه صاحب الخبر، فأدخله على الرشيد، فقال له: ما كنت (٥) قائلا (٦) تحت جذع جعفر؟ قال: فقال أبو قابوس: أينجينى منك الصّدق؟ قال: نعم. قال: ترحّمت والله (٧) عليه، وقلت فى ذلك (٨): أمين الله هب فضل بن يحيى … لنفسك أيّها الملك الهمام وما طلبى إليك العفو عنه … وقد قعد الوشاة به وقاموا (٥) أرى سبب الرّضا فيه قويّا … على الله الزّيادة والتّمام

стр. 726

نذرت علىّ فيه صيام حول … فإن وجب الرّضا وجب الصّيام (١) وهذا جعفر بالجسر تمحو … محاسن وجهه ريح قتام أقول له وقمت لديه نصّا … إلى أن كاد يفضحنى القيام (٢) أما والله لولا خوف واش … وعين للخليفة لا تنام لطفنا حول جذعك واستلمنا … كما للنّاس بالحجر استلام قال: فأطرق هارون مليّا، ثم قال: رجل أولى جميلا، فقال فيه جميلا، يا غلام، ناد بأمان أبى قابوس، وأن لا يتعرّض (٣) له. ثم قال لحاجبه: إيّاك أن تحجبه عنّى، صر متى شئت إلينا فى مهمّك. وروى ابن عساكر (٤) بسنده، من طريق الدّار قطنىّ، أنه لمّا أصيب جعفر، وجدوا له فى جرّة ألف دينار، زنة كلّ دينار مائة دينار، مكتوب على صفحة الدينار الواحدة جعفر، ومكتوب على الصفحة الأخرى هذان البيتان: وأصفر من ضرب دار الملوك … يلوح على وجهه جعفر يزيد على مائة واحدا … متى يعطه معسر يوسر وروى الخطيب (٥) أن جعفرا أمر أن تضرب له دنانير فى كلّ دينار ثلاثمائة مثقال، ويضرب عليها صورة وجهه، فضربت، فبلع أبا العتاهية، فأخذ طبقا فوضع عليه بعض الألطاف، فوجّه به إلى جعفر، وكتب إليه رقعة، فى آخرها (٦): وأصفر من ضرب دار الملوك … يلوح على وجهه جعفر ثلاث مئين يرى وزنه … متى يلقه معسر يوسر (٧) فأمر بقبض ما على الطّبق، وصيّر عليه دينارا من تلك الدّنانير، وردّه إليه.

стр. 727

وعن ثمامة بن أشرس (١)، قال: بتّ ليلة مع جعفر بن يحيى بن خالد، فانتبه من منامه (٢) يبكى مذعورا، فقلت: ما شأنك؟ قال: رأيت شيخا جاء فأخذ بعضادتى هذا الباب، وقال (٣): كأن لم يكن بين الحجون إلى الصّفا … أنيس ولم يسمر بمكّة سامر قال: فأجبته: بلى نحن كنّا أهلها فأبادنا … صروف اللّيالى والجدود العواثر (٤) /قال ثمامة: فلمّا كان الليلة المقبلة، قتله الرشيد، ونصب رأسه على الجسر. قال (٥): ثم خرج الرشيد فى بعض الأيّام ينظر إليه وهو مصلوب، فأنشأ يقول: تقاضاك دهرك ما أسلفا … وكدّر عيشك بعد الصّفا فلا تعجبنّ فإنّ الزّمان … رهين بتفريق ما ألّفا قال: فنظرت إلى جعفر، فقلت: أما لئن أصبحت آية، فلقد كنت فى الخير غاية. قال: فنظر الرشيد كأنه جمل يصول (٦)، ثم أنشأ يقول: ما يعجب العالم من جعفر … ما عاينوه فبنا كانا من جعفر أو من أبوه ومن … كانت بنو برمك لولا نا ثم حوّل وجه فرسه، وانصرف.

стр. 728

وعن محمد بن عبد الرحمن الهاشمىّ (١) صاحب صلاة الكوفة، قال: دخلت على أمّى فى يوم أضحى، وعندها امرأة برزة (٢)، فى أثواب دنسة رثّة، فقالت لى: تعرف هذه؟ قلت: لا. قالت: هذه عبادة أمّ جعفر بن يحيى. فسلّمت عليها، ورحّبت لها، وقلت لها: يا فلانة، حدّثينى ببعض أمركم. قالت: أذكر لكم جملة كافية لمن اعتبر، وموعظة لمن فكّر، لقد هجم علىّ مثل هذا العيد، وعلى رأسى أربعمائة وصيفة، وأنا أزعم أن جعفرا ابنى عاقّ لى، ولقد أتيتكم فى (٣) هذا اليوم والذى يقنّعنى جلدا شاتين، أجعل أحدهما شعارا، والآخر دثارا. ولنختم أخبار البرامكة بحكاية عجيبة، وقصة غريبة، لا يسمع فى باب المكارم مثلها، ولا فى أخبار الوفاء بأعجب منها. ذكر أبو الفرج ابن الجوزىّ، فى كتابه «المنتظم» (٤)، أن المأمون بلغه أن رجلا يأتى فى كلّ يوم إلى قبور البرامكة، فيبكى عليهم، ويندبهم، فبعث من جاءه به، فدخل عليه وقد يئس من الحياة، فقال له: ويحك، ما حملك على صنيعك هذا؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إنّهم أسدوا إلى معروفا، وخيرا كثيرا، ولى خبر يطول. فقال: قل. قال: أنا المنذر بن المغيرة، من أهل دمشق، كنت فى نعمة عظيمة، فزالت عنّى، وأفضى بى الحال إلى أن بعت دارى، ولم يبق لى شئ، فأشار بعض أصحابى علىّ بقصد البرامكة، فأتيت بغداد ومعى نيّف وعشرون امرأة، فأنزلتهنّ فى مسجد، وقصدت مسجد الجامع، فدخلت، فإذا فيه جماعة لم أر أحسن منهم، فجلست إليهم، فجعلت أراود نفسى فى طلب قوت منهم لعيالى (٥)، فيمنعنى من ذلك ذلّ السّؤال، فبينا أنا كذلك، إذا بخادم قد أقبل فاستدعاهم، فقاموا كلّهم وقمت معهم، فدخلوا دارا عظيمة، فإذا الوزير يحيى بن خالد، فجلسوا حوله، وعقد عقد ابنته عائشة على ابن عمّ له، ونثروا علينا سحيق المسك، وبنادق العنبر، ثم جاءت الخدم إلى كلّ واحد من الجماعة بصينيّة من فضّة، فيها ألف دينار،

стр. 729

ومعها فتات المسك، فأخذها القوم ونهضوا، وبقيت الصّينيّة التى وضعوها بين يدى، وأنا أهاب (١) أن آخذها من عظمتها (٢) عندى، فقال لى بعض الحاضرين: ألا تأخذ وتقوم. فممدت يدى فأخذتها، وأفرغتها فى جيبى، وأخذت الصّينيّة تحت إبطى. وقمت وأنا خائف أن تؤخذ منّى، فجعلت ألتفت والوزير ينظرنى ولا أشعر، فلمّا بلغت السّتارة أمر بى فردّونى، فيئست من المال، فلما رجعت قال لى: ما شأنك؟ فقصصت عليه خبرى، وخبر عيالى، فبكى/وقال لأولاده: خذوا هذا فضمّوه إليكم. فجاءنى خادم، فأخذ منّى الذهب والصّينيّة، وأقمت عندهم عشرة أيام، من ولد إلى ولد، وخاطرى كلّه عند عيالى ولا يمكننى الانصراف. فلما انقضت العشرة، قال لى الخادم: ألا تذهب إلى أهلك، فقلت: بلى والله. فقام يمشى أمامى ولم يعطنى الذهب، فقلت فى نفسى: يا ليت هذا كان من قبل. فسار أمامى إلى دار لم أر أحسن منها، فإذا فيها عيالى يتمرّغون فى الذّهب والحرير، وقد وصل إليهم مائة ألف درهم وعشرة آلاف دينار، وكتاب فيه تمليك الدّار بما فيها، وتمليك قريتين جليلتين، فكنت مع البرامكة فى أطيب عيش، فلمّا أصيبوا أخذ منّى عمرو بن سعيد القريتين، وألزمنى بخراجهما، فكلّما لحقنى فاقة قصدت دورهم وقبورهم، فبكيت عليهم. فأمر المأمون بردّ القريتين عليه وخراجهما، فبكى الشيخ بكاء شديدا، فقال له المأمون: ألم أستأنف بك جميلا. قال: بلى، ولكن هو من البرامكة. فقال: امض مصاحبا للسّلامة، فإن الوفاء مبارك، (٣) وحفظ العهد (٣) من الإيمان. والله تعالى أعلم. ***

стр. 730

٦١٧ - جعفر الزّين العجمىّ (¬*) نزيل المؤيّديّة. ممّن قرأ عليه الشيخ (١) زكريّا قاضى القضاة، قرأ عليه «شرح الشّمسيّة»، وغالب «حاشيتها» للسّيّد، وكذا أخذ عنه الحكمة، ووصفه بالفضل والدّيانة. كذا نقله السّخاوىّ، فى «الضوء اللامع». *** ٦١٨ - الجنيد بن محمد بن المظفّر، الفقيه، الطّايكانىّ، الغزنوىّ أبو القاسم بن أبى بكر الخبّازىّ (¬**) من أهل سرخس، سمع بنيسابور أبا بكر بن عبد الغفّار الشّيرويىّ، وبسرخس ناصر بن محمد العياضىّ. قال أبو سعد: ورد بغداد حاجّا على كبر السّنّ، وسمع بها من أبى السّعادات أحمد بن محمد بن عبد الواحد المتوكّلىّ، وسمع منه أبو سعد (٢) السّرخسىّ. قال القفطىّ، فى «تاريخ النحاة»: له معرفة بالحديث واللغة. وقال أبو سعد: توفّى، رحمه الله تعالى، فى شهر ربيع الآخر، سنة أربعين وخمسمائة. زاد القفطىّ: بسرخس. والله تعالى أعلم. ***

стр. 731

٦١٩ - جنين بن الشيخ سيدر الحنفىّ، العلاّمة، زين الدين (¬*) له شرح على «الوقاية»، سمّاه «توفيق العناية»، فى مجلّد ضخم، قال الشيخ شمس الدين الخطيب المصرىّ: وقد وقفت عليه، وهو متأخّر. كذا ذكره ابن طولون فى «طبقاته» من غير زيادة إيضاح (١). *** ٦٢٠ - جلال الدين الرّومىّ (¬**) أحد فضلاء الرّوم، وأحد قضاتها. قرأ على ابن الحاجّ حسن، وغيره، ثم صار مدرّسا ببعض المدارس، وقاضيا ببعض النّواحى. وكان محمود السّيرة، مرضىّ الطّريقة. توفّى سنة أربع وثمانين وتسعمائة، تغمّده الله تعالى برحمته (٢) ورضوانه، آمين (٢). ***

стр. 732

آخر الجزء الثانى ويليه الجزء الثالث، وأوله: حرف الحاء والحمد لله حقّ حمده

стр. 733

حرف الحاء باب من اسمه حاتم وحامد ٦٢١ - حاتم بن إسماعيل (¬*) قال الواقدىّ: كتبت كتب أبى حنيفة عن حاتم بن إسماعيل، عنه. *** ٦٢٢ - حاتم بن علوان بن يوسف أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو محمد، الزّاهد الأصمّ (¬**) أحد أتباع الإمام الأعظم، وأحد أعلام الأئمّة، وصلحاء هذه الأمّة، كان مشهورا بالزهد والتقلّل، معروفا بالورع والتقشّف، وله كلام مدوّن فى الزهد والحكم، وأسند الحديث/عن شقيق بن إبراهيم البلخىّ، وغيره. وصحب عصام بن يوسف البلخىّ الإمام، وكان بينهما مباحث ومناظرات، وأهدى إليه عصام مرة شيئا فقبله، فقيل له: لم قبلته؟ فقال: وجدت فى أخذه ذلّى وعزّه، وفى ردّى عزّى وذلّه، فاخترت عزّه على عزّى، وذلّى على ذلّه. وقدم حاتم مدينة بغداد فى أيام أبى عبد الله أحمد ابن حنبل، واجتمع معه. حكى عنه أبو عبد الله الخوّاص (١)، وكان من علية أصحابه، قال: لمّا دخل حاتم

стр. 734

بغداد، اجتمع إليه أهلها، فقالوا له: يا أبا عبد الرحمن، أنت رجل عجمىّ، ليس يكلّمك أحد إلاّ قطعته، لأىّ معنى!! فقال حاتم: معى ثلاث خصال بها أظهر على خصمى. فقالوا: أىّ شئ هى؟ قال: أفرح إذا أصاب خصمى، وأحزن له إذا أخطأ، وأحفظ نفسى لا تتجاهل عليه. فبلغ ذلك أحمد ابن حنبل، فقال: سبحان الله، ما أعقله من رجل. وحدّث أبو جعفر الهروىّ (١)، قال: كنت مع حاتم وقد أراد الحجّ، فلمّا وصل إلى بغداد، قال لى: يا أبا جعفر، أحبّ أن ألقى أحمد ابن حنبل. فسألنا عن منزله، ومضينا إليه، فطرقت عليه الباب، فلمّا خرج قلت: يا أبا عبد الله، أخوك حاتم. قال: فسلّم عليه، ورحّب به، وقال بعد بشاشة به: أخبرنى يا حاتم، فيم التّخلّص من الناس؟ قال: يا أحمد، فى ثلاث خصال. قال: وما هى؟ قال: أن تعطيهم مالك ولا تأخذ من مالهم شيئا، وتقضى حقوقهم ولا تستقضى أحدا منهم حقّا لك، وتحتمل مكروههم ولا تكره أحدا منهم على شئ. قال: فأطرق أحمد ينكت بأصبعه (٢) على الأرض، ثم رفع رأسه. وقال: يا حاتم: إنّها لشديدة. فقال له حاتم: وليتك تسلم، وليتك تسلم، وليتك تسلم. وروى الخطيب (٣) بسنده إلى الحسن بن علىّ العابد، أنه قال: سمعت حاتما الأصمّ، وقد سأله سائل: على أىّ شئ بنيت أمرك؟ فقال: على أربع خصال، على أن لا أخرج من الدنيا حتى أستكمل رزقى، وعلى أنّ

стр. 735

رزقى لا يأكله غيرى، وعلى أنّ أجلى لا أدرى متى هو، وعلى أنى لا أغيب عن الله تعالى طرفة عين. قال (١): وسمعت حاتما يقول: لو أنّ صاحب خبر يجلس إليك ليكتب كلامك لاحترزت منه، وكلامك يعرض على الله فلا تحترز. وقال له رجل (٢): بلغنى أنّك تجوز المفاوز من غير زاد. فقال حاتم: بل أجوزها بالزّاد، وإنّما زادى فيها أربعة أشياء. قال: ما هى؟ قال: أرى الدنيا كلّها ملكا لله، وأرى الخلق كلّهم عباد الله وعياله، وأرى الأسباب والأرزاق كلّها بيد الله، وأرى قضاء الله نافذا فى كلّ أرض. فقال له الرجل: نعم الزّاد زادك يا حاتم، أنت تجوز به مفاوز الآخرة، فكيف مفاوز الدنيا!! وقال، ﵁ (٣): خرجت فى سفر ومعى زاد، فنفد زادى فى وسط البرّيّة، فكان قلبى فى البرّيّة والحضر واحدا. وذكر عن حاتم أنه قال (٤): لقينا التّرك مرّة، وكان بيننا جولة (٥)، فرمانى تركىّ بوهق (٦) فأقلبنى (٧) عن فرسى، ونزل عن دابّته، وقعد على صدرى، وأخذ بلحيتى هذه الوافرة، وأخرج من خفّه سكّينا ليذبحنى بها، فو حقّ سيدى ما كان قلبى عنده ولا عند سكّينه، إنما كان قلبى عند سيّدى، انظر ماذا ينزل به القضاء منه، فقلت: سيدى قضيت علىّ أن يذبحنى هذا فعلى الرّأس والعين، إنّما أنا لك وملكك، فبينا أنا أخاطب سيدى وهو قاعد على صدرى، آخذ/بلحيتى ليذبحنى، إذ رماه بعض المسلمين بسهم فما أخطأ حلقه، فسقط

стр. 736

عنّى، فقمت أنا إليه، فأخذت السّكّين من يده فذبحته، فما هو إلاّ أن تكون قلوبكم عند السّيّد حتى تروا من عجائب لطفه ما لا ترون من الآباء والأمّهات. وروى (١) أنّ رجلا جاء إليه، فقال: يا أبا عبد الرحمن، أىّ شئ رأس الزهد، ووسط الزهد، وآخر الزهد؟ فقال: رأس الزهد الثّقة بالله، ووسطه الصبر، وآخره الإخلاص. وكان أبو بكر الورّاق، يقول (٢): حاتم الأصمّ لقمان هذه الأمّة. والسّبب فى تسميته بالأصمّ (٣) أنّ امرأة جاءت إليه تسأله عن مسألة، فاتّفق أنه خرج منها فى تلك الحالة صوت، فخجلت، فقال حاتم: ارفعى صوتك. وأراها (٤) من نفسه أنّه أصمّ، فسرّت المرأة بذلك، وقالت: إنّه لم يسمع الصوت (٥). فغلب عليه اسم الأصمّ. ومحاسن حاتم وفضائله تجلّ عن الإحصاء. وتتجاوز حدّ الضّبط، وفيما ذكرناه أدلّ دليل على علوّ شأنه، وحسن اعتقاده، وخلوص إيمانه. وكانت وفاته بواشجرد (٦)، عند رباط يقال له: سروند، على جبل فوق واشجرد، سنة سبع وثلاثين ومائتين. وله ولد يقال له: حسن، وقيل: يقال له خشكدا، والله تعالى أعلم. وقد ذكر لحاتم الأصمّ هذا صاحب «مناقب الأبرار، ومحاسن الأخيار» ترجمة واسعة، ضمّنها شيئا كثيرا من زهديّاته وحكميّاته، لا بأس بإيرادها، أو إيراد خلاصتها، فإنّ غالبه ينبغى أن يكتب بماء الذهب على صفحات الخدود.

стр. 737

قال حاتم (١): من دخل فى مذهبنا هذا فليجعل فى نفسه أربع خصال من الموت، موت أبيض، وموت أسود، وموت أحمر، وموت أخضر؛ فالموت الأبيض الجوع، والأسود الاحتمال لأذى الناس، والأحمر مخالفة النفس، والأخضر طرح الرّقاع بعضها على بعض. وقال (١): العجلة من الشيطان إلاّ فى خمس: إطعام الطعام إذا حضر ضيف (٢)، وتجهيز الميّت إذا مات، وتزويج البكر إذا بلغت، وقضاء الدّين إذا وجب، والتّوبة من الذنب (٣) إذا أذنب (٣). وقال (١): من أصبح وهو مستقيم فى أربعة أشياء فهو يتقلّب فى رضا الله تعالى؛ أوّلها الثّقة بالله تعالى، ثم التّوكّل، ثم الإخلاص، ثم المعرفة، والأشياء كلّها تتمّ بالمعرفة، فالواثق (٤) برزقه لا يفرح بالغنى، ولا يهتمّ بالفقر، ولا يبالى أصبح فى عسر أو يسر. وقال (٥): أصل الطاعة ثلاثة أشياء: الخوف، والرجاء، والحبّ. وأصل المعصية ثلاثة أشياء: الكبر، والحرص، والحسد. فما (٦) يأخذه المنافق من الدنيا يأخذه بالحرص، ويمنعه بالشّكّ، وينفقه بالرّياء، والمؤمن يأخذ بالخوف، ويمسك بالشّدّة، وينفق فى الطاعة، خالصا (٧) لله تعالى (٧). وقال (٨): اطلب نفسك فى أربعة أشياء: العمل الصّالح بغير رياء، والأخذ بغير طمع، والعطاء بغير منّة، والإمساك بغير بخل.

стр. 738

وقال (١): ما من صباح إلاّ والشيطان يقول لى: ما تأكل، وما تلبس، وأين تسكن؟ فأقول: آكل الموت، وألبس الكفن، وأسكن القبر. وقال له رجل (١): ما تشتهى؟ فقال: أشتهى عافية يوم (٢) إلى الليل. فقيل له: أليست الايّام كلّها عافية؟ فقال: إنّ عافية يومى أن لا أعصى الله تعالى فيه. وقال (٣): أربعة يندمون على أربع (٤): المقصّر إذا فاته العمل، والمنقطع عن أصدقائه إذا نابته/نائبة، والممكّن منه عدوّه بسوء رأيه، والجريء على الذّنوب. وقال (٥): الزم خدمة مولاك تأتك الدنيا راغمة، والجنّة عاشقة، وتعهّد نفسك فى ثلاثة مواضع: إذا عملت فاذكر نظر الله تعالى إليك، وإذا تكلّمت فاذكر سمع الله تعالى إيّاك، وإذا سكتّ فاذكر علم الله تعالى فيك. وقال له رجل (٦): عظنى. فقال: إن كنت تريد أن تعصى مولاك فاعصه فى موضع لا يراك. يعنى أنّ الله تعالى يعلم السّرّ والجهر، ولا يخفى عليه شئ، ومن علم أنّ أفعاله وأقواله لا تخفى على الله تعالى، وأنّ الله مطّلع عليه، وناظر إليه، يقبح منه العصيان، واتّباع الشيطان، ويكون ذا جرأة على الله تعالى، وقليل الحياء منه، نعوذ بالله من ذلك. وقال (٧): من ادّعى ثلاثا بغير ثلاث فهو كذّاب: من ادّعى حبّ الله تعالى من غير ورع عن محارمه فهو كذّاب، ومن ادّعى حبّ الجنة من غير إنفاق ماله (١) فى طاعة الله

стр. 739

تعالى (١) فهو كذّاب، ومن ادّعى حبّ النبىّ ﷺ من غير محبّة الفقراء (٢) فهو كذّاب. وروى أنّ عصام بن يوسف مرّ بحاتم الأصمّ، وهو يتكلّم فى مجلسه، فقال له: يا حاتم، تحسن تصلّى؟ قال: نعم. قال: كيف تصلّى؟ قال حاتم: أقوم بالأمر، وأقف بالخشية، وأدخل بالنّيّة، وأكبّر بالعظمة، وأقرأ بالتّرتيل، وأركع وأسجد بالتّواضع، وأجلس للتشهّد بالتّمام، وأسلّم (٣) بالوقار والسّنّة، وأسلمها إلى الله تعالى بالإخلاص، وأرجع إلى نفسى (٣) بالخوف أن لا يقبلها منّى، وأحفظ بالجهد إلى الموت. فقال له: تكلّم، فأنت تحسن تصلّى. وروى أنّ شقيقا البلخىّ قال لحاتم الأصمّ: ما الذى تعلّمت منّى منذ صحبتنى؟ قال: ستّة أشياء: الأول، رأيت الناس كلّهم فى شكّ من أمر الرّزق، فتوكّلت على الله تعالى، لقوله تعالى: ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاّ عَلَى اللهِ رِزْقُها﴾ (٤) فعلمت أنّى من جملة الدّوابّ فلم أشغل نفسى بشئ قد تكفّل لى به ربّى. قال: أحسنت. والثانى، رأيت أنّ لكلّ إنسان صديقا يفئ إليه بسرّه، ويشكو إليه أمره، فاتّخذت لى صديقا يكون لى بعد الموت، وهو فعل الخير، فصادقته ليكون عونا لى عند الحساب، ويجوز معى على الصّراط، ويثبّتنى بين يدى الله تعالى. قال: أحسنت. والثالث، رأيت لكلّ أحد من الناس عدوّا، فقلت: انظر من عدوّى، فرأيت من اغتابنى أو أخذ (٥) من مالى أو ظلمنى فليس عدوّى، ولكن عدوّى الذى إذا كنت فى طاعة الله تعالى أمرنى بمعصيته، فرأيت أنّ ذلك إبليس اللّعين وجنوده، فاتّخذتهم أعداء، ووضعت

стр. 740

الحرب بينى وبينهم، ووترت قوسى، وفوّقت سهمى، ولا أدع أحدا منهم يقربنى. قال: أحسنت. والرابع، رأيت كلّ واحد من الناس له طالب، فرأيت أنّ ذلك الطالب ملك الموت، ففرّغت نفسى له، حتى إذا جاء بادرت معه بلا علاقة. قال: أحسنت. والخامس، نظرت فى الخلق، فأحببت واحدا وأبغضت واحدا، فالذى أحببته لم يعطنى شيئا، والذى أبغضته لم يأخذ منّى شيئا، فقلت: من أين أتيت؟ فنظرت، فإذا هو الحسد، فنفيته عنى، وأحببت الناس كلّهم، فكلّ شئ لم أرضه لنفسى لم أرضه لهم. قال: أحسنت. والسادس، رأيت كلّ واحد من الناس له بيت يسكنه ويأوى إليه، فرأيت مسكنى القبر، فكلّ شئ قدرت عليه من الخير قدّمته لنفسى، حتى أعمّر قبرى، فإنّ القبر إذا كان خرابا لا يمكن المقام فيه. فقال له شقيق:/يكفيك، ولست بمحتاج إلى غيره. وقال: الزّاهد يذيب كيسه قبل نفسه، والمتزهّد يذيب نفسه قبل كيسه، ولكلّ شئ زينة، وزينة العبادة الخوف، وعلامة الخوف قصر الأمل. وقال، رحمه الله تعالى، ما ينبغى أن يكتب بماء الذهب، وهو: لا تغترّ بموضع صالح، فلا مكان أصلح من الجنّة، لقى فيها (١) آدم (١) ﵊ (١) ما لقى، ولا تغترّ بكثرة العبادة، فإنّ إبليس بعد طول تعبّده لقى ما لقى، ولا تغترّ بكثرة العلم؛ فإنّ بلعام كان يحسن اسم الله الأعظم، فانظر ماذا لقى، ولا تغترّ برؤية الصّالحين، فلا شخص أكبر ولا أصلح من المصطفى ﷺ ، لم تنتفع بلقائه أقاربه وصاروا أعداءه. وعن أبى عبد الله الخوّاص، قال: دخلت مع أبى عبد الرحمن حاتم الأصمّ إلى الرّىّ،
следующие страницы →