أعلامهم، فى شرفه وحسبه وعلمه.
وقال ابن معين فى حقّه: ثقة، مأمون.
وقال ابن حبّان: كان فقيها حافظا، قليل الخطأ، كان أبوه/من أهل أصبهان.
وقال أبو نعيم: كان ثقة مأمونا، دخل البصرة فى ميراث أخيه، فتشبّث به أهل البصرة، فمنعوه الخروج منها.
وروى أنه قيل لوكيع: تختلف إلى زفر!
فقال: غررتمونا بأبى حنيفة حتى مات، تريدون أن تغرّونا عن زفر حتى نحتاج إلى أسيد (١) وأصحابه.
وقال مقاتل: سمعت أبا نعيم الفضل بن دكين، يقول: قال لى زفر: أخرج إلىّ حديثك حتى أغربله لك.
وتولّى زفر قضاء البصرة.
وكانت ولادته سنة عشر ومائة.
وكانت وفاته بالبصرة، سنة ثمان وخمسين ومائة، وله ثمان وأربعون سنة.
وعن أبى عمر: كان زفر ذا عقل ودين، وفهم وورع، وكان ثقة فى الحديث.
وعن الفضل بن دكين، قال: دخلت على زفر وقد احتضر، وهو يقول: فى حال لها مهر، وفى حال لها ثلثا مهر.
وروى أنّ زفر كان يجلس إلى أسطوانة، وأبو يوسف بحذاه، وكان زفر (٢) يلبس قلنسوة، فكانا يتناظران (٣) فى الفقه، وكان زفر جيّد اللّسان، وكان أبو يوسف مضطربا فى مناظرته، وكان زفر ربما يقول لأبى يوسف: أين تفرّ؟ هذه أبواب كثيرة مفتّحة، خذ فى أيّها شئت.
стр. 982
وعن أبى عاصم الضّحّاك بن مخلد، أنه كان يقول: ما خالفت أبا حنيفة فى قول إلاّ وقد كان أبو حنيفة يقول به.
قال ابن كثير: وكان زفر عابدا، اشتغل أوّلا بعلم الحديث، ثم غلب عليه الفقه والقياس.
وعن مليح: كان زفر يكنى بأبى خالد، وأبى الهذيل، وكان من أصبهان، ومات أخوه فتزوّج بعده بامرأته.
وعن محمد بن وهب: كان زفر من أصحاب الحديث، ثم نظر فى الرّأى، فغلب عليه، ونسب إليه.
وعن ابن المبارك، أنه كان يقول: نحن لا نأخذ بالرّأى ما كان الأثر، فإذا جاء (١) الأثر تركنا الرّأى.
وعن أبى مطيع، أنه كان يقول: زفر حجّة للناس فيما بينهم وبين الله تعالى، فيما يعملون بقوله، وأمّا أبو يوسف فقد غرّته الدنيا بعض الغرور.
وعن يحيى بن أكثم، عن أبيه أكثم، أنه كان يقول: كان وكيع (٢) فى آخر عمره يختلف (٢) إلى زفر بالغدوات، وإلى أبى يوسف بالعشيّات، ثم جعل كلّ اختلافه إلى زفر، لأنه كان أفرغ، وكان زفر يرفق به، ويصبر له، وكان وكيع يقول لزفر: الحمد لله الذى جعلك خلفا لنا من أبى حنيفة، رحمه الله تعالى.
وعن أبى نعيم الفضل بن دكين، قال: لمّا مات أبو حنيفة، وفاتنى ما فاتنى منه، لزمت أفقه اصحابه وأورعهم، فأخذت منه الحظّ الأوفر. يعنى زفر بن الهذيل.
وعن يحيى بن أكثم: سمعت أبى يقول: أكثر ما جالست بعد أبى حنيفة زفر بن الهذيل، لأنّه كان قد جمع إلى فقهه الورع والزهد فى الدنيا.
وعنه: سمعت أبى يقول: زفر كان أفقه أصحاب أبى حنيفة، وأجمعهم لخصال الخير.
стр. 983
وعن الحسن بن زياد: كان زفر وداود الطّائىّ متواخيين، فأمّا داود فقد ترك الفقه وأقبل على العبادة، وأمّا زفر فإنّه جمع بين الفقه والعبادة.
وعن مليح بن وكيع، عن أبيه، قال: كان زفر شديد الورع، شديد الاجتهاد والعبادة، حسن الرّأى، قليل الكتاب، يحفظ ما يسمعه، ولمّا مات أبو حنيفة أقبل الناس على زفر، فما كان يأتى أبا يوسف إلاّ نفر يسير.
وعن محمد بن وهب: كان زفر أحد العشرة الأكابر، الذين دوّنوا كتب/أبى حنيفة، وكان زفر رأس حلقته.
وعن الحسن بن زياد، قال: كان المقدّم فى أصحاب أبى حنيفة فى مجلسه زفر، وكان قلوبهم إليه أميل.
وعن بشر بن القاسم: سمعت زفر يقول: لا أخلّف بعد موتى شيئا أخاف الحساب عليه.
وقوّم ما فى منزله بعد موته، فلم يبلغ ثلاثة دراهم.
وعن وكيع: لمّا احتضر زفر، رحمه الله تعالى، دخل عليه أبو يوسف وغيره، فقالوا: ألا توصى يا أبا الهذيل؟.
فقال: هذا المتاع الذى ترونه لهذه المرأة، وهذه الثّلاثة آلاف (١) درهم لولد أخى، وليس لأحد علىّ شئ، ولا لى على أحد شئ.
وكان زفر يشبه وجهه وجوه (٢) العجم، ولسانه لسان العرب. ﵀.
وممّا مدح به الإمام زفر، رضى الله تعالى عنه، قول بعضهم (٣)
إنّ القياس جلا مرآته زفر … فمنكروه لما قدنا لهم زفروا (٤)
قوس القياس به كانت موتّرة … ما عاش فالآن لا قوس ولا وتر (٥)
стр. 984
لقد حوى فى قياس الفقه مرتبة … عليه [قد] حسرت من دونها الفكر (١)
قياسه قد صفا فى بحر خاطره … وحاسدوه لشؤم الحقد قد كدروا
غدا لكسر قياس الناس جابره … وهم بحقدهم من جبره انكسروا (٢)
مه لا يساويه فى أوقاته أحد … هل يستوى الذّهب الإبريز والحجر (٣)
وزفر: بضم الزاى المعجمة وفتح الفاء وبعدها را مهملة.
والهذيل: بضم الهاء وفتح الذال المعجمة وسكون اليا المثناة من تحتها وبعدها لام. والله تعالى أعلم.
***
٨٨٠ - زكريّا بن أبى زائدة، أبو يحيى (¬*)
واسم أبى زائدة ميمون بن وداعة.
كوفىّ، من كبار الرّواة. روى عن الشّعبىّ، وغيره.
وروى عنه الثّورىّ، وشعبة، وغيرهما. وروى له الشّيخان، وكان ثقة.
خرج فى البعوث إلى الدّيلم غازيا، ثم انصرف إلى الكوفة.
ذكره أبو القاسم الرّافعىّ، فى «تاريخ قزوين».
وروى فيه بسنده عنه، وعن مسعر، وسفيان، عن أبى إسحاق، عن البراء، رضى الله تعالى عنه، أنّ النبىّ ﷺ كان إذا نام يتوسّد يمينه، ويقول: «اللهمّ قنى
стр. 985
عذابك يوم تبعث عبادك» (١).
وروى أيضا بسنده عنه، أنّه قال: قرأت على محراب رجل بقزوين:
فلا تغرّنّك الآمال يا رجل … واعمل فليس وراء الموت معتمل
واعمل لنفسك لا تشقى بعيشتها … قبل الفراق إذا ما جاءك الأجل
واحذر فإنّ مجيء الموت مقترب … فلا يغرّنّك التّسويف والأمل
توفّى سنة تسع وأربعين ومائة. وقيل: ثمان. وقيل: سبع. رحمه الله تعالى.
حكى عنه ابنه يحيى، الآتى فى بابه إن شاء الله تعالى، أنه كان يقول له: يا بنىّ، عليك بالنّعمان بن ثابت، فخذ عنه قبل أن يفوتك.
قال يحيى: وربّما عرضت عليه فتياه فيعجب به.
والله تعالى أعلم.
***
٨٨١ - زكريّا بن بيرام بن زكريّا الرّومىّ (¬*)
أصله من ولاية أنكوريّة.
وكان مولده بدار/السّلطنة السّنيّة، قسطنطينيّة المحميّة، فى أوائل سلطنة السلطان سليمان خان (٢)، عليه الرحمة والرّضوان.
стр. 986
واشتغل، وحصّل، إلى أن صار من أعيان فضلاء الدّيار الرّوميّة، وصار (١) ملازما من المولى الفاضل العلاّمة محمد أفندى، المعروف بمعلول أمير، وكان جلّ انتفاعه به، وقد كان رفيقا فى الاشتغال عليه بالدّيار المصريّة للإمام العلاّمة مفتى الدّيار المصريّة الشيخ على القدسىّ.
ثم إنّ صاحب الترجمة صار مدرسا بمدارس متعدّدة؛ منها: إحدى المدارس الثّمان، ومدرسة السلطان سليم خان بمدينة قسطنطينيّة.
ثم ولى منها قضاء حلب، وأقام بها مدّة، وعزل منها لا إلى منصب.
ثم صار قاضيا بمدينة بروسة، ثم عزل، وصار بعد ذلك قاضيا بقسطنطينيّة.
ثم ولى قضاء العسكر بولاية أناطولى، ثم عزل منه، وعيّن له من العلوفة كلّ يوم مائة وخمسون درهما عثمانيّا، بطريق التّقاعد.
وكان فى ولاياته كلّها محمود السّيرة، مشكور الطريقة، والرّعايا راضون منه، داعون له، غير أنه كان محسودا على علمه وفضله وتقدّمه، وما عزل من (٢) منصب من هذه المناصب إلاّ بتحريك الأعداء، وتدبير الحسّاد، وسعى من لا يخاف الله تعالى.
وقد اجتمعت بحضرته العليّة، فى سنة (٣) اثنتين وتسعين وتسعمائة (٣) مرّات عديدة، وأوقفنى على بعض تحريراته وكتاباته، فرأيت من ذلك ما يبهج النّاظر، ويسرّ الخاطر، ويقول لسان حاله كم ترك الأوّل للآخر؛ فمن ذلك: «حاشية» على سورة الأعراف، و «حاشية» على «الهداية» من كتاب الوكالة إلى آخر «الهداية»، و «حاشية» على «صدر الشريعة» و «حاشية» على «شرح المفتاح» و «حاشية» على «حاشية التّجريد»، وله غير ذلك من الرّسائل المفيدة.
وله نظم بالعربيّة والفارسيّة والتركيّة.
وبالجملة فهو من مفاخر تلك البلاد، أدام الله النّفع بوجوده، آمين.
стр. 987
ثم بعد كتابة هذه الترجمة بمدّة مديدة قدمت إلى الدّيار الرّوميّة، فرأيته قد ولى قضاء العسكر بولاية روميلى (١)، وقضاة ولايته ومدرّسوها وملازموها راضون عنه، شاكرون منه، داعون له، لأنّه يعاملهم بالإنصاف، ويعطى كلّ ذى حقّ حقّه، لا تأخذه فى ذلك لومة لائم، ولا يصدّه عنه رهبة ظالم.
ثم بعد مدّة من الزمان فوّض إليه منصب الفتوى بالدّيار الرّوميّة، وسائر الممالك الإسلامية، وصار يكتب الفتاوى على الأسئلة كتابة جيدة، بعبارات رائعة فصيحة.
وكانت بدايته فى الكتابة نهاية كثير ممّن ولى هذا المنصب، لأنّ أكثرهم ما كانوا يحصّلون الرّسوخ فى الكتابة، ويسلمون من الخطأ، وسبق القلم، والمؤاخذة فى غالب فتاواهم، إلاّ بعد مدّة طويلة.
وأمّا صاحب الترجمة، فإنّ أوّل كتاباته كأواخرها، سالمة من الطّعن فيها، والمؤاخذة عليها، فحصل بولايته للعلماء والأفاضل والطلبة وسائر من ينتمى إلى العلم فرح كثير، وسرور زائد، وظنّوا أنّ الزمان تنبّه لهم، وأقبل عليهم، فما مضى إلاّ مدّة يسيرة، وأصابته عين الكمال، وتوفّى إلى رحمة الله تعالى فجأة، بدار السّلطنة السنيّة، وهو جالس على الصّفّة المتّصلة بالباب المعروف بباب همايون، الذى تدخل منه الوزراء، وقضاة العسكر، وأرباب الدولة، لعرض المهمّات على السلطان محمد خان، نصره الله تعالى، وكان المفتى المذكور ينتظر جلوس السلطان محمد خان، للسّلام عليه،/وتهنئته بالعيد، وهو عيد ....... (٢).
وخلّف، رحمه الله تعالى من الأولاد الكبار، المعدودين فى جملة السّادات الأخيار، عدّة لا تحضرنى الآن أسماؤهم، ولكن أعرف منهم قدوة الأفاضل، وكنز الفواضل، قاضى القضاة بالدّيار المصريّة، يحيى أفندى (٣)، متّع الله المسلمين بطول بقائه.
كان مولده فى سنة (٤) تسع وتسعين وتسعمائة (٤).
стр. 988
وربّى فى حجر العلم والعمل، والصّيانة عن ارتكاب الخطأ والزّلل، (١) إلى أن (١) صار ممّن يشار إليه بالأنامل، وتعقد عليه الخناصر (٢). انتهى.
***
٨٨٢ - زكريّا بن محمود بن زكرى، الشيخ، الإمام
الفقيه، زكىّ الدين، البصروىّ (¬*)
مدرّس الشّبليّة (٣).
كان قد درّس أوّلا بالمدرسة الفرّخشاهيّة (٤)، ثم إنه درّس أيّاما يسيرة فى آخر عمره بالشّبليّة، عوضا عن فصيح الدين الماردينىّ، وأخذت منه (٥) الفرّخشاهيّة، وكان ذلك فى جمادى الآخرة، سنة ثمان وتسعين وستمائة.
وتوفّى زكىّ الدين المذكور، فى سادس عشر شهر رجب، من السنة المذكورة.
فكانت مدّة (٦) الولاية أربعين يوما.
كذا ترجم له الصّلاح الصّفدىّ، فى «أعيان العصر، وأعوان النّصر». رحمه الله تعالى.
***
٨٨٣ - زكريّا بن يحيى بن الحارث، الإمام، النّيسابورىّ
المزكّى، أبو يحيى، البزّار، الفقيه (¬**)
أحد مشايخ أصحاب أبى حنيفة فى عصره، وأحد العبّاد.
стр. 989
سمع إسحاق بن راهويه بخراسان، وغيره.
قال الحاكم، فى «تاريخ نيسابور»: حدّثنا عنه، وله تصانيف كثيرة فى الحديث.
مات، رحمه الله تعالى، فى يوم السبت، لخمس ليال بقين من ربيع الآخر، سنة ثمان وتسعين ومائتين، وصلّى عليه الأمير أبو صالح.
***
٨٨٤ - زكريا بن يحيى بن هارون بن يوسف بن يعقوب بن عبد الحقّ
ابن عبد الله، بدر الدين، الدّشناوىّ -بالدال المهملة
والشين المعجمة والنون ومن بعدها
ألف وواو-التّونسىّ (¬*)
قال الصّفدىّ، فى «أعيان العصر»: كان فقيها، أديبا، نبيها، أريبا.
له نظم كأنّ قوافيه كئوس، وأزاهر روضه زاكية الغروس، حدّث بشئ منه، ورواه الأكابر عنه.
ولم يزل بالقاهرة إلى أن كمّل مدّته، وسكّن الموت شرّته وحدّته.
وتوفّى، رحمه الله تعالى، سنة ....... (١) وسبعمائة. انتهى.
وقال ابن حجر: كان أديبا فاضلا، أخذ عنه الحافظ أبو الفتح اليعمرىّ، وزين الدين عمر بن حسين بن حبيب، وغيرهما.
ومن شعره لغز فى اسم طيبرس (٢):
وما اسم له بعض هو اسم قبيلة … وتصحيف باقيه تلاقى به العدا
стр. 990
اسم القبيلة: طىّ، وتصحيف برس: ترس.
وإن قلته عكسا فتصحيف بعضه … غياث لظمآن تألّم بالصّدى (١)
وباقيه بالتّصحيف طير وعكسه … لكلّ الورى علم معين على الرّدى
اسم الطير: بطّ. والعلم هو: الطب.
وله في مغنّ راقص (٢):
يا من غدا الحسن إذ غنى وماس لنا … مقسّما بين أبصار وأسماع
قاسوك بالغصن رقصا والهزار غنا … وما تقاس بميّاس وسجّاع
/قد تسجع الورق لكن غير ناطقة … ويرقص الغصن لا فى حسن إيقاع (٣)
وله أيضا (٤):
لا تسلنى عن السّلوّ وسل ما … صنعت بى لطفا محاسن سلمى
أوقعت بين مقلتى ورقادى … وسقامى والجسم حربا وسلما
وأورد له الصّفدىّ، فى «أعيان العصر»، قوله فى مليح خطائىّ (٥):
فقال لى العذول أراك تبكى … فقلت له بكيت على خطائى
واعترض عليه، بأنّه أراد التّورية بالخطأ، مهموزا مقصورا، ضدّ الصّواب، عن الخطائىّ، وهو المليح التّركىّ الخطائىّ، وهو ممدود، فما قعدت معه التّورية.
ثم إنه اعترض على الأديب جمال الدين ابن نباتة، حيث استعمل ذلك فى شعره.
стр. 991
وأنشد الصّلاح لنفسه فى ذلك قوله:
أحببت من ترك الخطا ذا قامة … فضحت غصون البان لمّا أن خطا
إيّاكم وجفونه فأنا الذى … سهم أصاب حشاه من عين الخطا
وقوله أيضا:
يا قلب لا تقدم على … سحر الجفون إذا سطا
ومن العجائب أنّه … أضحى يصحّ مع الخطا
قلت: ويعجبنى إلى الغاية فى هذا المعنى قول الأديب المعمار (١)، وإن كان يرد عليه فى التّورية بالخطأ، ما أورده الصّفدىّ على صاحب الترجمة آنفا، فإنّ ذلك ممّا يسامح به غالبا:
أصاب قلبى خطائى … بلحظه لشقائى
فرحت من عظم وجدى … أشكو إلى الحكماء
قالوا أصبت بعين … فقلت من عظم دائى
إن كان هذا صوابا … فتلك عين الخطائى
وهو لغة.
فى هذا المعنى أيضا مع سلامته من الاعتراض السّابق، قوله (٢) من تائيّة نظمها فى مدح المولى الفاضل أحمد چلبى بن قاضى القضاة حسن بيك بن عبد المحسن، وقد تقدّمت فى ترجمته (٣):
ظبى من التّرك إلاّ أنّ أعينه … مهنّدات لها بالقلب فتكات (٤)
من الخطا ما خطا إلاّ وداخله … بالقدّ عجب وللأغصان شمخات
ما اهتزّ إلاّ وبزّ الناس أنفسهم … وهكذا شأنهنّ السّمهريّات
حذاريا قلب من ألحاظه فلها … سهام حتف لها بالقلب رشقات
стр. 992
ولا يغرّنك ما يخطى وكن يقظا … ففى سهام الخطا تلفى إصابات (١)
ومن نظم بدر الدين الدّشناوىّ موشّح لطيف، منه قوله (٢):
أيا من علىّ تجنّى … وقد حاز لطف المعنّى (٣)
اجعل لى من صدودك أمنا … وارحمنى وهب لى
وصلا به أتملّى
وكن للمكارم أهلا … هذا [أهنا] وأحلى (٤)
***
٨٨٥ - / زكريّا بن يحيى بن يحيى النّيسابورىّ (¬*)
جدّ أحمد بن سهل (٥).
كذا فى «الجواهر»، من غير زيادة.
***
٨٨٦ - زهير بن معاوية بن حديج-بالحاء المهملة المضمومة-
أبو خيثمة، الكوفىّ (¬**)
الحافظ، الحجّة، محدّث الجزيرة، من أصحاب الإمام، رضى الله تعالى عنه.
стр. 993
سمع الأعمش، وطبقته.
وروى عنه القطّان، وأبو داود، وأبو نعيم، وأبو جعفر العقيلىّ، وأحمد بن يونس، ويحيى بن يحيى التّميمىّ، وخلق سواهم.
وكان من علماء الحديث، وكان سفيان يقول: ما بالكوفة مثله.
ووثّقه ابن معين، وروى له الشّيخان.
قال شعيب بن حرب، وذكر حديثا لزهير وشعبة: زهير عندى أحفظ من عشرين مثل شعبة.
وقال أحمد ابن حنبل: زهير من معادن العلم.
وكان زهير إذا سمع الحديث من الشيخ مرّتين كتب عليه: فرغت.
وكان صاحب سنّة.
ونزل الجزيرة سنة أربع وستين، وأصابه الفالج هناك.
قال علىّ بن الجعد: كان رجل يختلف إلى زهير ثم فقده، فأتاه بعد ذلك فقال: أين كنت؟.
قال: ذهبت إلى أبى حنيفة.
فقال: نعم ما تعلّمت، لمجلس تجلسه مع أبى حنيفة خير لك من أن تأتينى شهرا.
مات سنة أربع وسبعين. وقيل: اثنتين وسبعين. وقيل: ثلاث وسبعين ومائة. رحمه الله تعالى.
***
٨٨٧ - زياد بن إلياس، أبو المعالى، ظهير الدين (¬*)
تلميذ الإمام أبى الحسن على بن محمد بن الحسين البزدويّ.
قال صاحب «الهداية»، فى «مشيخته» اختلفت إليه بعد وفاة جدّى، وقرأت عليه أشياء من الفقه والخلاف.
стр. 994
وكان مع غزارة العلم، ووفور (١) الفضل، متواضعا، جوادا، حسن الخلق، ملاطفا لأصحابه، وكان من كبار المشايخ بفرغانة.
قال أبو الحسن علىّ، صاحب «الهداية»: أنشدنى الإمام القاضى نجيب الدين محمد ابن الفضل الأصبهانىّ، بمرغينان، لنفسه أبياتا يمدح بها الأستاذ ظهير الدين، أوّلها (٢):
اسعد فقد نلت لقيا أفضل النّاس … أبى المعالى زياد نجل إلياس
قرم أخى ثقة لولا مكارمه … ما إن جرى قلم فى ظهر قرطاس
وانزل بناديه تلق المجد مبتسما … والفضل فى نفحات الورد والآس
ولذ به من زمان جائر نكد … فما لجرح اللّيالى غيره آس
إن لم تحط بهداه فى فضائله … فقسه فالشّئ قد يدرى بمقياس
جود البرامك فى نطق ابن ساعدة … فى حلم أحنف فى فضل ابن عبّاس
***
٨٨٨ - زياد بن على بن الموفّق بن زياد بن محمد بن زياد
أبو الفضل بن أبى القاسم بن أبى نصر
عرف بزين الحرمين (¬*)
من أهل هراة.
قال أبو سعد: مولده فى صفر، سنة إحدى وسبعين وأربعمائة.
سمع من جدّه أبى نصر بن زياد، وغيره.
قال: وقرأت عليه جزءا من سماعه من جدّه، وأجاز لى مشافهة.
وهو من بيت الرّئاسة والتّقدّم (٣).
ورد بغداد حاجّا.
стр. 995
وكتب إلىّ [أبو] (١) عبد الله محمد بن الفضل الدّهّان، وأنا ببخارى، أنّ أبا الفضل ابن زياد مات بهراة، يوم الأربعاء، الثالث من جمادى الآخرة، سنة ثمان وأربعين وخمسمائة. رحمه الله تعالى.
***
٨٨٩ - زيد بن أسامة (¬*)
كان يروى «الجامع الكبير» لمحمد بن الحسن، عن أبى سليمان الجوزجانىّ، عن محمد/بن الحسن.
رواه عنه إسحاق بن إبراهيم الشّاشىّ القاضى، المذكور سابقا، فى حرف الهمزة.
***
٨٩٠ - زيد بن بشير الأندلسىّ، الفقيه (¬**)
ذكره ابن يونس، فى «تاريخ مصر»، وقال: فقيه على مذهب الكوفيّين.
روى عنه سليمان بن عمران، قاضى الغرب (٢).
قال: ما وجدت أحدا يعرفه بمصر، غير أبى جعفر الطّحاوىّ.
***
стр. 996
٨٩١ - زيد بن الحسن بن زيد بن الحسن بن زيد بن الحسن بن سعيد بن عصمة
ابن حمير بن الحارث ذى رعين الأصغر
الإمام، العلاّمة، المفنّن الفهّامة
تاج الدين، أبو اليمن، الكندىّ (¬*)
النحوىّ، اللغوىّ، المقرى، المحدّث، الحافظ.
ولد ببغداد سنة عشرين وخمسمائة.
وحفظ القرآن وهو ابن سبع سنين، وأكمل القراءات العشر وهو ابن عشر، وكان أعلى أهل الأرض إسنادا فى القراءات.
قال الذّهبىّ: لا أعلم أحدا من الأئمّة عاش بعد ما قرأ القرآن ثلاثا وثمانين سنة غيره.
وقرأ العربيّة على أبى محمد سبط أبى منصور الخيّاط، وابن الشّجرىّ، وابن الخشّاب، واللّغة على موهوب الجواليقىّ.
وسمع من أبى بكر بن عبد الباقى، وخلائق.
وخرّج له أبو القاسم ابن عساكر «مشيخة» فى أربعة أجزاء.
وقدم دمشق، ونال الحشمة الوافرة والتقدّم، وازدحمت عليه الطلبة.
وكان حنبليّا فصار حنفيّا، وتقدّم فى مذهب أبى حنيفة، وأفتى ودرّس، وأقرأ القراءات والنحو واللغة والشعر.
وكان صحيح السّماع، ثقة فى النّقل، ظريفا فى العشرة، طيّب المزاج.
стр. 997
قرأ عليه جماعة، وآخر من روى عنه بالإجازة أبو حفص ابن القوّاس (١)، ثم أبو حفص العقيمىّ (٢).
واستوزره فرّوخ شاه.
ثم اتّصل بأخيه تقىّ الدين صاحب حماة، واختصّ به، وكثرت أمواله، وكتب الخطّ المنسوب.
وقرأ عليه المعظّم عيسى شيئا كثيرا من النحو ك «كتاب سيبويه»، و «شرحه» (٣) و «الإيضاح».
وله خزانة كتب بالجامع الأموىّ فيها كلّ نفيس.
وله «حواش» على «ديوان المتنبّى» و «حواش» على «خطب ابن نباتة»، أجاب عنها الموفّق البغدادىّ.
وحضر التّاج الكندىّ مرّة عند الوزير، وحضر ابن دحية (٤)، فأورد ابن دحية حديث الشّفاعة (٥)، فلمّا وصل إلى قول الخليل ﵊: «إنّما كنت خليلا من وراء وراء»، فتح ابن دحية الهمزتين (٦)، فقال الكندىّ: «وراء وراء» بضمّ الهمزتين، فعسر ذلك على ابن دحية، وصنّف فى المسألة كتابا سمّاه «الصّارم الهندىّ، فى الرّدّ على الكندىّ»، وبلغ ذلك الكندىّ، فعمل مصنّفا سمّاه «نتف اللّحية، من ابن دحية».
ورد على الكندىّ سؤال فى الفرق بين: طلّقتك إن دخلت الدّار، وبين: إن دخلت الدّار طلّقتك. فألّف فى الجواب عنه «مؤلّفا»، فردّ عليه محمد بن على بن غالب
стр. 998
الجزرىّ (١)، وسمّاه «الاعتراض المبدى، لوهم التّاج الكندى».
وتوفّى يوم الاثنين، سادس شوّال، سنة عشر وستمائة، وانقطع بموته إسناد عظيم.
وفيه يقول تلميذه الشيخ علم الدين السّخاوىّ، وكان يبالغ فى وصفه (٢):
لم يكن فى عصر عمرو مثله … وكذا الكندىّ فى آخر عصر (٣)
وهما زيد وعمرو إنّما … بنى النحو على زيد وعمرو
/وكتب أبو شجاع ابن الدّهّان الفرضىّ (٤)، إلى الشيخ تاج الدين الكندىّ، يمدحه (٥):
يا زيد زادك ربّى من مواهبه … نعمى يقصّر عن إدراكها الأمل
لا بدّل الله حالا قد حباك بها … ما دار بين النّحاة الحال والبدل
النحو أنت أحقّ العالمين به … أليس باسمك فيه يضرب المثل
وذكره ابن شاكر الكتبىّ، فى «عيون التّواريخ»، ونقل عنه أنه قال: كنت فى صغرى، وقت اشتغالى بالعلم، أبغض إخوتى إلى أبى، لأنه كان يريدنى أشتغل بالتجارة، وأنا أشتغل بالعلم، وكان ذلك سعادة منحنى الله تعالى بها، فإنى اكتسبت بالعلم مقدار أربعين ألف دينار، ووهبتها جميعا لمن يلوذ بى، حتى إنّ الدار التى كنت مقيما فيها وهبتها لهم.
قال ابن شاكر: وأقول: إنّ أحدا ما نال من السّعادة ما نال تاج الدين، فإنّ الملك المعظّم بن العادل كان صاحب الشام، وكان يقصد منزل تاج الدين بدرب العجم (٦) راجلا، وكتابه تحت إبطه، يقرأ عليه، ولا يكلّفه مشقّة المجئ إلى خدمته، وكان على بابه من المماليك الأتراك وغيرهم ما لا يكون إلاّ على باب ملك، وكان له من الأملاك والبساتين ما لا يحصى.
стр. 999
قال: وكان تاج الدين يكثر الجلوس على دكّان عطّار بباب حيرون، فجاءته امرأة طلبت منه حاجة، فأعطاها، وأخرى وأخرى إلى أن ضجر، فقال لها العطّار، فى كلام جرى بينهما: أخذتى (١) والله مخّى.
فقال له الكندىّ: لا تلمها، فإنّها محتاجة إليه، تريد أن تطعمه لزوجها.
ومن شعر التّاج الكندىّ قوله (٢):
لامنى فى اختصار كتبى حبيب … فرّقت بينه اللّيالى وبينى
كيف لى لو أطلت لكنّ عذرى … فيه أنّ المداد إنسان عينى (٣)
ومنه أيضا قوله (٤):
أرى المرء يهوى أن تطول حياته … وفى طولها إرهاق ذلّ وإزهاق
تمنّيت فى عصر الشّبيبة أنّنى … أعمّر والأعمار لا شكّ أرزاق
فلمّا أتانى ما تمنّيت ساءنى … من العمر ما قد كنت أهوى وأشتاق
عرتنى أعراض شديد مراسها … علىّ وهمّ ليس لى فيه إفراق
وها أنا فى إحدى وتسعين حجّة … لها فىّ إرعاد مخوف وإبراق
يخيّل لى فكرى إذا كنت خاليا … ركوبى على الأعناق والسّير إعناق (٥)
ويذكرنى مرّ النّسيم وروحه … حفائر يعلوها من التّرب أطباق
يقولون درياق لمثلك نافع … ومالى إلاّ رحمة الله درياق
ومنه أيضا (٦):
عجبت لمن ينتابه الموت غيلة … يروح به أو يغتدى كيف يبخل
وهب أنه من فجأة الموت آمن … مسرّته بالعيش لا تتبدّل
أليس يرى أنّ الذى خلق الورى … بأرزاقهم ما عمّروا متكفّل (٧)
стр. 1000
ومنه أيضا (١):
/دع المنجّم يكبو فى ضلالته … إذا ادّعى علم ما يجرى به الفلك (٢)
تفرّد الله بالعلم القديم فلا ال … إنسان يشركه فيه ولا الملك
أعدّ للرّزق من أشراكه شركا … فبئست العدّتان الشّرك والشّرك
ومنه أيضا (٣):
أنحلت جسمى السّنون إلى أن … صرت أخفى من نقطة فى كتاب
عرّقت أعظمى فليس عليها … بين جلدى وبينها من حجاب
من رآنى يقول هذا قناة … كسّرت ثم جمّعت فى جراب
لست أبكى تحت التّراب دفينا … بعد ما قد بليت فوق التّراب
يتناسى الجهول غائلة الشّي … ب زمان اغتراره بالشّباب
وله غير ذلك، وقد وقفت له على «ديوان» شعر، فى مجلّد لطيف.
وبالجملة فقد كان من فضلاء دهره، ومحاسن عصره. رحمه الله تعالى.
***
٨٩٢ - زيد بن محمد بن خيثمة بن محمد بن حاتم بن خيثمة
ابن الحسن بن عوف التّميمىّ، أبو سعد (¬*)
فقيه معروف.
سمع من الخفّاف، وطبقته.
وهو من بيت العلم والقضاء.
مات فى شهر ربيع الأوّل، سنة خمس وأربعين وأربعمائة. رحمه الله تعالى.
***
стр. 1001
٨٩٣ - زيد بن نعيم (¬*)
من أصحاب محمد بن الحسن، حدّث عنه ببغداد.
روى عنه أبو إسماعيل الفقيه محمد بن عبد الله بن إسماعيل بن منصور.
ذكره الخطيب البغدادىّ، ولم يؤرّخ وفاته.
***
٨٩٤ - زين بن إبراهيم بن محمد بن محمد بن محمد بن محمد
المشهور بابن نجيم (¬**)
وهو اسم لبعض أجداده.
كان إماما، عالما عاملا، مؤلّفا مصنّفا، ماله فى زمنه نظير.
واشتغل، ودأب، وحصّل، وجمع، وتفرّد، وتفنّن، وأفتى، ودرّس.
وصار زين الإخوان، وإنسان عين الأوان، وساعده الحظّ فى حياته، وبعد مماته، ورزق السعادة فى سائر مؤلّفاته ومصنّفاته، فما كتب ورقة إلاّ واجتهد الناس فى تحصيلها بالمال والجاه، وسارت بها الرّكبان فى سائر البلدان.
وكانت ولادته فى سنة ست وعشرين وتسعمائة.
ووفاته فى سنة سبعين وتسعمائة (١)، نهار الأربعاء، سابع رجب الفرد، تغمّده الله تعالى برحمته ورضوانه، وأسكنه فسيح جنانه، بمنّه وكرمه، ومزيد غفرانه.
стр. 1002
وقد أخبرنى أخوه الشيخ الفاضل عمر، الشهير كأخيه بابن نجيم، أنّ أخاه، صاحب الترجمة، أخذ عن جماعة من علماء الدّيار المصريّة؛ منهم: الشيخ العلاّمة أمين الدين بن عبد العال الحنفىّ، والشيخ أبو الفيض، وشيخ الإسلام ابن الحلبىّ، وغيرهم.
وأخذ العلوم العربيّة والعقليّة عن جماعة كثيرة؛ منهم: الشيخ العلاّمة نور الدين الدّيلمىّ المالكىّ، وكان من عباد الله الصالحين، وعلمائه العاملين، والشيخ العلاّمة شقير المغربىّ، أحد تلامذة الإمام العلاّمة الرّحلة الفهّامة، عالم الرّبع المعمور، كما هو فى أوصافه مشهور، الشيخ مغوش (١) المغربىّ، وغيرهم ممّن لم يحضرنى اسمه، ولا أخبرنى به أحد من الثّقات.
وله من التّصانيف: «البحر الرّائق، بشرح كنز الدّقائق»، وهو أكبر مؤلّفاته، وأكثرها نفعا، لكنّ حصول/المنيّة منعه من بلوغ الأمنيّة، فما أكمله، ولا بحلية التّمام جمّله، وقد وصل فيه إلى أثناء الدّعاوى والبيّنات.
و «شرح المنار»، فى أصول الفقه.
وله «الأشباه والنّظائر» وهو كتاب رزق السعادة التّامّة بالقبول عند الخاصّ والعامّ، ضمّنه كثيرا من القواعد الفقهيّة، والمسائل الدّقيقة والأجوبة الجليّة، والذى يغلب على الظّنّ أنه لا يخلو منه خزانة أحد قدر على تحصيله من العلماء بالدّيار الرّوميّة.
واختصر «تحرير الإمام ابن الهمام» فى أصول الفقه، وسمّاه «لبّ الأصول».
وله رسائل كثيرة، فى فنون عديدة، تزيد على أربعين رسالة.
وأمّا تعاليقه على هوامش الكتب وحواشيها، وكتابته على أسئلة المستفيدين، والأوراق التى سوّدها بالفوائد والأبحاث الرّائقة فى أكثر الفنون، ومات قبل أن يجمعها ويحرّرها ويخرجها إلى الوجود، فشئ لا يمكن حصره، ولا يوجد عند غالب علمائنا فى هذا العصر عشره، ولولا معاجلة الأجل، قبل بلوغ الأمل، لكان فى الفقه وأصوله خصوصا، وفى أكثر الفنون عموما، أعجوبة الدهر، ونادرة العصر.
وفى الجملة، كان من مفاخر الدّيار المصريّة. رحمه الله تعالى.
***
стр. 1003
آخر الجزء الثالث ويليه الجزء الرابع، وأوله:
حرف السين المهملة والحمد لله حقّ حمده
стр. 1004
حرف السّين المهملة
٨٩٥ - سالم بن سالم (¬*)
من أقران أبى مطيع، وأبى معاذ.
كذا فى «الجواهر» من غير زيادة.
***
٨٩٦ - سديد بن محمّد الخيّاطىّ،
علاء الدين، الملقّب بشيخ الإسلام (¬**)
تفقّه على الحافظ أبى إسحاق.
وروى عن فخر المشايخ، علىّ بن محمّد العمرانىّ (١).
وعنه نجم الدّين حسين بن محمد البارع.
كذا ذكره عبد القادر القرشىّ، فى الأنساب، من كتاب «الجواهر».
***
٨٩٧ - سعد بن خليل بن سليمان
الرّومىّ المرزبانىّ، الشيخ سعد الدين (¬***)
خازن الكتب بالشّيخونيّة (٢)، والخادم الكبير بها.
كان عالما، بارعا فاضلا، علاّمة فى الفقه والعربيّة، وغيرهما.
стр. 1005
قرأ عليه الشيخ ركن الدّين، عمر بن قديد (١)، وغيره، ونقل عنه أبحاثا فى «تعاليقه».
وله تصانيف فى التصريف، وغيره.
مات قتيلا بمدرسة رسلان بالمنشيّة، قتله اللّصوص بسكّين فى بطنه، فى حدود سنة أربع عشرة وثمانمائة، رحمه الله تعالى.
***
٨٩٨ - سعد الله بن سعد بن على بن إسماعيل
الهمدانىّ الأصل، العينتابىّ (¬*)
ذكره قاضى القضاة، علاء الدّين (٢)، فى «تاريخه»، وقال: قدم إلى حلب مع أبيه من عين تاب، وأقام بها، وكان شابّا فاضلا ديّنا، اشتغل بالفقه على مذهب أبى حنيفة، رضى الله تعالى عنه، واشتغل، ودرّس بالمدرستين الكتاويّة (٣) والأتابكيّة (٤).
توفّى، رحمه الله تعالى، ضحوة نهار الخميس، رابع جمادى الأولى، سنة إحدى وعشرين وثمانمائة، ودفن بمقابر الصّالحين، عند أبيه، خارج باب المقام، وكانت جنازته مشهودة، حضرها نائب البلد، والأعيان، والخاصّ، والعامّ.
***
٨٩٩ - سعد بن عبد الله بن أبى القاسم الغزنوىّ،
أبو نصر، الإمام (¬**)
له كتاب «الغرائب والغوامض والملتقطات».
-
стр. 1006
قال فى «الجواهر المضيّة»: رأيته بخطّه (١).
ولم أقف على ترجمة سوى ما هنا، وهو منقول من «الجواهر».
***
٩٠٠ - / سعد بن علىّ بن إسماعيل
الهمدانىّ، الشيخ سعد الدين (¬*)
نزيل حلب، قدمها من عين تاب.
وكان يشغل الطلبة بحلب، ويحسن إليهم، واستمرّ يفتى ويشغل.
وكان شيخا فاضلا، ذكيّا ساكنا، عنده عقل وحياء ودين.
وكتب بخطّه الكثير، على ما فيه من العجمة.
وناب عن ابن الشّحنة (٢) فى تدريس الكلتاويّة بحلب، وتصدّر بجامعها، وأعاد بمدارسها.
وتوفّى يوم الثلاثاء، مستهلّ شعبان، سنة سبع عشرة وثمانمائة.
ودفن بمقابر الصّالحين، خارج باب المقام، وهذه المقبرة تعرف قديما بمقابر الحنفيّة، رضى الله تعالى عنهم.
وذكره ابن حجر، فى «إنبائه» وأثنى عليه، فقال: كان فاضلا، عاقلا، ديّنا، له مروءة ومكارم أخلاق، وله وقع فى النفوس، لخيره ونفعه للطّلبة، وإحسانه إليهم، بعلمه وجاهه.
ثم قال: مات (٣) فى شعبان (٣)، وخلّف ولده سعد الدّين سعد الله، ولم تطل مدّته،
стр. 1007
بل مات فى سنة إحدى وعشرين وثمانمائة، ولم يكتهل (١).
***
٩٠١ - سعد بن علىّ بن القاسم الكتبى
الحظيرىّ، أبو المعالى (¬*)
والحظيرة: قرية بدجيل (٢).
كان فاضلا، لديه معارف، وله نظم جيّد، وأدب كثير، وكان دلاّل الكتب.
وصحب (٣) أبا القاسم علىّ بن أفلح الشاعر.
وجالس الشريف أبا السعادات الشّجرىّ، وأبا منصور الجواليقىّ، وابن الخشّاب.
وتفقّه على مذهب أبى حنيفة.
وأحبّ الخلوة والانقطاع، فخرج سائحا، (٤) وطاف البلاد (٤)، و (٥) رأى عجائب، وجال فى الأقطار، وحجّ، ثم (٥) عاد إلى بغداد، وكان وجيها عند أهلها.
قال ياقوت فى «معجم الأدباء (٦)»: وبلغنى أنّه اتّهم فى دينه، وسعى به أنه يرى رأى الأوائل، ونمى ذلك عنه، فخشى على مهجته، ففارق وطنه، وخرج بزىّ (٧) السيّاحة، وتغرّب فى البلاد مدّة، حتى سكنت الفتنة (٨)، ومات من كان يخافه، فرجع إلى بغداد، وبنى له بظاهر البلد صومعة، أقام بها مدة، (٩) حتى سكنت نفسه (٩)، ثم
стр. 1008
عاد إلى ما كان عليه من بيع الدّفاتر والكتب، والتّصنيف، إلى أن أدركته وفاته، فى (١) سنة ثمان وستين وخمسمائة.
وله (٢) من التصانيف: «لمح الملح (٣)»، جمع فيه ما وقع لغيره من الجناس نظما ونثرا (٤)، وكتاب «الإعجاز فى الأحاجى والألغاز»، وكتاب «صفوة الصّفوة»، وهو نظم كلّه فى الحكم (٥)، وكتاب «زينة الدّهر» (٦). ذيّله على «دمية القصر»، وله «ديوان» صغير الحجم، إلاّ أن أكثره مصنوع مجدول، تقرأ القصيدة منه على عدّة وجوه.
وذكره العماد الكاتب، فى «الخريدة»، فقال (٧): الشيخ أبو المعالى، سعد بن علىّ، الورّاق، الحظيرىّ، الكتبىّ، من الحظيرة، مجاورة عكبرا، أبو المعالى ذو المعانى، التى هى راحة للمعنّى (٨) المعانى، وفكاك الأسير (٨) العانى، ورّاق لفظه رقّ وراق، وكسا غصنه الأوراق، وهلال معناه الإشراق، ذو فنون غضّة الأفنان، وعيون تقرّ بها عيون الأعيان، ورهون يستبدّ بها عند الرّهان، ضاع عرفه، وما ضاع عرفه، وسبق فى إنشاء طرفه طرفه، وبخس حظّه الزّمان فجرّعه صرفه صرفه، فهو ببيع الكتب على يده متعيّش، وعلى القناعة عن غيره متكمّش، وعلى الأنس بالعلم لما سواه مستوحش. حظيرىّ ينال الصّادى من حظيرة ورده (٩) حظّ رىّ، ذكىّ ألمعىّ يذيق كلّ فصيح/ (١٠) ببراعته ألم دعىّ (١٠). كتبىّ يعرف الكتب وما فيها، والمصنّفات
стр. 1009
ومصنّفيها، والمؤلّفات ومؤلّفيها. له التّصانيف الحسنة، التى اتّفقت على إطرائها الألسنة، وثنت إليها من الفضلاء عنانها الأثنية المستعذبة المستحسنة. المسك فى الطّيب دون ذكره، والعنبر معرب عن برّه. وجوده بالعراق بين الطّغام، وجود الذّهب فى معدن الرّغام. جامع الكتاب النّفيس، المرسوم «بلمح الملح» فى التّجنيس، ومؤلّف كتاب «الإعجاز فى الأحاجى والألغاز». وقائل القول المستفاد، والشّعر المستجاد.
نظمه بديع صنيع، وخاطره فى إيداعه وإبداعه كلّ معنى حسن جرىّ سريع، فشعره مصرّع مرصّع، معلم بالعلم ملمّع. برده مفوّف (١)، وسهمه مفوّق (٢)، وعوده مطيّب (٣) مورّق، وشرابه مروّق، وبحره فيّاض، ودرعه فضفاض، وضرغامه للفضل فارس، ومقوله على طرف الفصاحة فارس، سمعت بسيره (٤) الحجاز وفارس. سوق الأدب قائمة بمكانه فى سوق الكتب، وإذا حاورته لا تسمع منه غير النّكت والنّخب.
قلبه قليب المعنى، ونحره بحره، وصدره مصدره، وسحره سحره، وخاطره غيثه الماطر، وليثه القاهر، وجناته من الجنان فإنّه معدن الغرّ الحسان، ولسانه كالسّنان، والعضب اليمان. عجيب الفنّ غريبه، غضّ الفنن رطيبه. مقطّعاته أكثر من قصائده؛ فإنّه يقع له معنى فينظمه بيتا أو بيتين فى فرائده. وقد ألّف كلّ مؤلّف ظريف، وأودعه كلّ كلام لطيف، ولا يكون اعتناؤه أكثر زمانه، إلاّ بالجمع والتّأليف، وتصريف القول فى التّصنيف. ولم يزل مجمع الفضلاء دكّانه، ومنبع الفضل مكانه.
قال العماد (٥): وكنت أحضر عنده، وأقدح زنده، وأستنشق بانه ورنده، وهو ينشدنى ما ينشيه، ويسرّح ناظرى فيما يوشّيه.
أنشدنى لنفسه فى وصف العذار مقطّعات أرقّ من الاعتذار، غاص على ابتكار معانيها بالافتكار.
فمنها قوله من الأبيات العذاريّات (٦):
стр. 1010
مدّ على ماء الشباب الذى … بخدّه جسر من الشّعر
صار طريقا لى إلى سلوتى … وكنت فيه موثق الأسر
وقوله أيضا (١):
إن لم ينم لك وهو أم … رد نام وهو معذّر
والنّوم يعسر فى النّها … ر وفى الدّجى يتيسّر
وقوله وقد شبّه العذار باللّجام (٢):
ومعذّر فى خدّه … ورد وفى فمه مدام (٣)
ما لان لى حتى تغشّ … ى صبح عارضه الظّلام (٤)
والمهر يجمع تحت را … كبه ويفطمه اللّجام (٥)
وقوله أيضا (٦):
أحدقت ظلمة العذار بخدّي … هـ فزادت فى حبّه زفراتى (٧)
قلت ماء الحياة فى فمه الآ … ن فطاب الدّخول فى الظّلمات (٨)
/وقوله أيضا (٩):
قالوا التحى فاصب إلى غيره … قلت لهم لست إذا أسلو
لو لم يكن من عسل ريقه … ما دبّ فى عارضه النّمل
стр. 1011
وقوله أيضا فى المعنى (١):
قلت وقد أبصرته مقبلا … وقد بدا الشّعر على الخدّ
صعود ذا النّمل على خدّه … يشهد أنّ الرّيق من شهد
وقوله أيضا (٢):
يا آمرى بالصّبر عن رشأ … قلبى يحنّ إلى مآربه
دعنى فصاد الصّبر قد قسمت … ما بين حاجبه وشاربه
وقوله فى غلام تحت شفته شامة صغيرة (٣):
قل لمن عاب شامة لحبيبى … دون فيه دع الملامة فيه
إنّما الشّامة التى خلت عيبا … فصّ فيروزج لخاتم فيه (٤)
وقوله فى ثقل الكفل (٥):
يقولون ما فيه شئ يحبّ … ويعشق إلاّ علوّ الكفل
فقلت وأيرى يحبّ البكا … ء للزّهد فى كهف ذاك الجبل
وقوله فى غلام ساع (٦):
وساع سريع إذا ما عدا … لقلبى سبى ولدمعى سفك
يسابق فى الجرى ريح الشّمال … ويزرى على دوران الفلك
وقوله فى الطّيف (٧):
стр. 1012
طيف خيال هاجرى … ألمّ بى وما وقف
وافقنى على الكرى … ثمّ نفاه وانصرف
وقوله أيضا (١):
ومستحسن أصبحت أهذى بذكره … وأمسيت فى شغل من الوجد شاغل (٢)
وعارضنى من سحر عينيه حبّه … فقيّدنى من صدغه بسلاسل
وقوله أيضا (٣):
وبيضاء مصقولة العارضين … تصيد بسهم اللّحاظ القلوبا
بدت قمرا ورنت جؤذرا … ومالت قضيبا وولّت كثيبا (٤)
وقوله فى مخضوبة الكفّ (٥):
وذات كفّ قد خضّبته … يسبق فى الوهم كلّ نعت (٦)
كأنّه فى البياض علمى … قد اختبا فى سواد بختى
وقوله أيضا (٧):
/يا من تغافل عنّى … وشفّنى فى التّجنّى (٨)
إن كنت أعجز عن بثّ (م) … بعض لوعة حزنى
فاسمع حديثى من الدّم … ع فهو أفصح منّى
وقوله أيضا (٩):
стр. 1013
يا غزالا فاتن النّظر … يا شبيه الشمس والقمر (١)
كيف يخفى ما أكتّمه … وزفيرى صاحب الخبر
وقوله أيضا (٢):
وقالوا لم بكيت دما ودمعا … وقد أولاك بعد العسر يسرا (٣)
فقلت لفرحتى برضاه عنّى … نثرت عليه ياقوتا ودرّا
وقوله فيما يكتب على مروحة (٤):
بدا يروّح جسمى … لمّا رأى ما ألاقى
وما ينفّس كربى … إلاّ نسيم التّلاقى
وقوله أيضا (٥):
بأبى مودّعة لوصلى إذ بدا … فى عارض بعد المشيب قتير
كالطّيف يطرق فى الظلام إذا دجا … وله إذا لاح الصّباح نفور
وقوله أيضا (٥):
نقصوه حظّه حسدا … لكمال فى خلائقه
وعلوّ النّجم أورثه … صغرا فى عين رامقه
وقوله أيضا (٦):
أرى ذا النّدى والطّول يغتاله الرّدى … ويبقى الذى ما فيه طول ولا منّ
كما الورد يبدو فى الغصون وينقضى … سريعا ويبقى الشّوك ما بقى الغصن
وقوله أيضا (٦):
стр. 1014
لا تحقرنّ وضيعا … يزرى بصدر شريف (١)
فربّما خفض اسم … عال بحرف ضعيف
وقوله يخاطب بعض الصّدور، وقد استخدم غلاما عيب به (٢):
لمّا أضفت إليك نجل مسرّة … حاربت نفسك بالحنوّ عليه (٣)
وبه انخفضت وكان قدرك عاليا … فعل المضاف بما أضيف إليه
وقوله أيضا (٤):
تعلّمت منه العلم ثم اطّرحته … وأوليته بعد الوصال له هجرا
وهل يقتنى الأصداف فى الناس حازم … إذا هو من أجوافها أخذ الدّرّا
وقوله يمدح (٥):
/بدأ الوزير بجوده متفضّلا … فنطقت فيه بأحسن الآداب
والرّوض ليس بضاحك عن ثغره … إلاّ إذا روّاه صوب سحاب
وقوله أيضا (٦):
أصخ لنظمى ففيه معنى … بلا شبيه ولا نظير
وقد بدا فى ركيك لفظى … كعالم فاضل فقير
وقوله أيضا (٧):
سمحت ببعض الذى أرتجى … وألقيت حبلى على غاربى
وإتمام نافلة المكرما … ت بعد الشّروع من الواجب
стр. 1015
وقوله فى الهجاء (١):
ما كان بخلك بالنّوال مؤثّرا … فيكون هجوى فيك باستحقاق
لكننى أبصرت عرضك أسودا … متمزّقا فقدحت فى حرّاق (٢)
وقوله أيضا (٣):
كم تدّعى كرم الجدو … د وأنت تحرم من شكر
وعلى فساد الأصل من … ك يدلّنى عدم الثّمر
وقوله فى الهزل (٣):
قال قمدّى وقد حظيت بمن … شقيت فى حبّها مدى عمرى (٤)
قد أسكنتنى لظى فقلت كما … عبدتها دون خالق البشر
وصمت عن غيرها وكنت تقو … م الليل فى حبّها إلى السّحر
فاصبر على قبح ما جنيت فلم … تظلمك إذ خلّدتك فى سقر
وقوله فى بعض عمّال السّواد (٥):
وما اسودّ فودك حتّى نزلت … من المقتفى فى سويدا الفؤاد (٦)
وردّك ناظره فى السّوا … د إذ كنت ناظره فى السّواد (٧)
ولمّا أراد اختبار الرّجا … ل ألفى مرادك فوق المراد
стр. 1016
وقوله فى صاحب المخزن، زعيم الدّين، أبى الفضل، يحيى، ابن جعفر (١)، يهنّيه بالحجّ الشريف (٢)
قد برّ حجّ وحجّ برّ … وضمّ بحر العراق برّ
عاد الزّعيم الكريم يطوى … أرضا لها من تقاه نشر
صدر نفى العجز عنه قلب … ثبت له همّة وصبر
إذا حبا واحتبى بناد … تقول بحر طما وبدر
غوث لمستصرخ وغيث … إن لم يكن فى السّماء قطر
يا من ضروب الورى غثاء … وخلقه للجميع بحر
أنت الذى دينه لباب … يبقى ودنياه منه قشر
قد طلت فرعا وطبت عرفا … وأصل علياك مستقرّ
فاقن لما لا يبيد ممّا … يبيد ذخرا فالخير ذخر
إن قلت شعرا ففيه شرع … والفكر فى المستحيل كفر
لكن سجاياك لحن غرّا … حقيقة لا كما تغرّ
/فصاغها منطقى عقودا … فوق جيوب العلا تزرّ
تضحى لنحر الولىّ حليا … وهى لنحر العدوّ نحر
كأنّما الشّخص منك فصّ … من المعالى عليه شطر (٣)
والشّعر كالشمع منه يقرا … بالسّمع والطّبع فيه شكر (٤)
ولست فيما أحوك إلاّ … حاك فما لي عليه أجر
هذا على أنّ لى زمانا … ما دار لى فى القريض فكر
لأنّه يستبيح منّى … حمى له بالعفاف ستر
وتسترقّ الأطماع منّى … حرّا ولا يسترقّ حرّ
فاستوجب الشّكر ربّ برّ … على جميع الورى مبرّ
قلّدنى منّه ابتداء … فاقتادنى والكريم غرّ
стр. 1017
ووقّفت دونه القوافى … وشفّ وزن وضاق بحر (١)
لكن خلعت العذار حبّا … وكان لى فى القصور عذر
ومن نظمه أبيات تقرأ على أربعة أقسام، وتقرأ عرضا وطولا، وهى (٢):
إنّ سؤلى بدر تمّ … إن تبدّى وهو حسبى
يا عذولى حين ولّى … وتجنّى لا لذنبى (٣)
مارنا إذ رام هجرى … وجفانى بعد حبّى (٤)
قلت عج بى بعد عتب … شفّ قلبى ملّ قربى (٥)
ومن شعره فى مليح أصفر (٦):
وأصفر يعجز عن وصفه … إذا رآه الفطن الحاذق
إذا بدا يصفرّ لونى له … فليس يدرى أيّنا العاشق
ومنه أيضا فى مليح أشقر (٧):
كأنّ خدّيه والصّدغين فوقهما … وقد غدا لعتابى مطرقا خجلا
تلهّب من لظى قلبى وزفرته … قد دبّت النار فى خدّيه فاشتعلا (٨)
ومنه أيضا (٩):
يقول لى حين وافى … قد نلت ما ترتجيه
فما لقلبك قد جا … ء خفقه يشتكيه (١٠)
стр. 1018
فقلت وصلك عرس … والقلب يرقص فيه
وقال فى ليلة طويلة شاتية (١):
أقول والليل فى امتداد … وأدمع الغيث فى انسفاح
أظنّ ليلى بغير شكّ … قد بات يبكى على الصّباح
وقوله أيضا (٢):
/يا بأبى ظبى غدا ثغره … مثل أقاحى الرّوض فى الابتسام
لا غرو أن أضحكه مدمعى … قد يضحك الرّوض بكاء الغمام
وقال فى الشّيب:
بدا الشّيب فى فودى فأقصر باطلى … وأيقنت قطعا بالمصير إلى قبرى
أيطمع فى تسويد صحفى يد الصّبا … وقد بيّضت كفّ النّهى حسبة العمر
وقال أيضا:
يقولون لا فقر يدوم ولا غنى … وما كربة إلاّ سيتبعها كشف
ولست أرى فقرى وضرّى ينقضى … كأنّى على هذين وحدهما وقف
***
٩٠٢ - سعد بن على بن محمد الأزرىّ (¬*)
بضمّ الألف والزّاى وكسر الرّاء؛ نسبة إلى الأزر، جمع إزار. ولعلّ هذا الرّجل كان يبيعها. كذا ذكره السّمعانىّ.
وقال ابن النّجّار: سمع النّقيب أبا الفوارس طراد بن محمد الزّينبىّ، وغيره.
وتوفّى، رحمه الله تعالى، فى حدود سنة ثلاثين وخمسمائة.
стр. 1019
وكان يكتب الشّروط، وكان به صمم.
حدّث باليسير، وسمع منه أبو محمد عبد الله بن أحمد بن الخشّاب. انتهى.
***
٩٠٣ - سعد بن محمد بن عبد الله بن سعد العيسى الدّيرىّ؛
نسبة إلى دير عثمان، المقدسىّ مولدا ومنشأ، الشيخ الإمام العلاّمة
سعد الدين، ابن قاضى القضاة شمس الدين، الحنفىّ (¬*)
ولد سنة ثمان وستين وسبعمائة.
وحفظ القرآن وهو صغير، وحفظ كتبا كثيرة، فى الفقه وغيره؛ منها «مختصر ابن الحاجب الأصلى»، وكان سريع الحفظ، مفرط الذكاء، فعنى به أبوه وأعانه هو بنفسه، وأكبّ على الاشتغال إلى أن فاق الأقران، واشتهر بمعرفة الفقه حفظا، وتنزيلا للوقائع، واستحضارا للخلاف، وكان والده يقدّمه على نفسه فى الفقه.
وولى عدّة وظائف ببلاده، وقدم القاهرة مرارا، وسمع الحديث على أبى الخير ابن الحافظ صلاح الدين العلائىّ، وعلى غيره، وحدّث عن العلائىّ بالسّماع والإجازة مرارا، وولى مشيخة المؤيّديّة بالقاهرة، عوضا عن أبيه، وباشرها. وانتفع به الناس فى الفتاوى والمواعيد والاشتغال، مع طلاقة اللسان، وحسن الوجه، وكثرة البشر، ولين الجانب، وفرط التّواضع، مع الوقار، والمهابة، والدّيانة، والصّيانة. وولى قضاء الدّيار المصرية، عوضا عن القاضى بدر الدين العينتابىّ، فباشر بمهابة وعفّة وصرامة، وأحبّه الناس ولا سيّما إذ شرط على نفسه أن يبطل استبدال الأوقاف، فدام ذلك إلى مضىّ ثالث سنة من ولايته، وحصل للأوقاف من ذلك رفق (١) كبير، وعمرت أوقاف الحنفيّة فى ولايته، وكثر متحصّلها بعد أن كان تلاشى أمرها، بكثرة ما بيع منها أنقاضا واستبدالا بالذهب أو الفضة.
стр. 1020
وذكره السّخاوىّ فى «ذيله» على «رفع الإصر»، وبالغ فى الثّناء عليه، ثم قال، بعد أن عدّد شيئا من محفوظاته، وعدّد جماعة ممن أخذ عنهم، أو لقيهم؛ كالشمس القونوىّ وصاحب «درر البحار»، والمولى حافظ الدين/البزّازىّ، صاحب «الفتاوى» المشهورة: وكانت ولايته لقضاء الحنفيّة بعد امتناع منه، وإلحاح عليه، وعزل نفسه غير مرّة، ثم ألزم وأعيد، وكان إماما عالما علاّمة، جبلا فى استحضار مذهبه، قوىّ الحافظة حتى بعد كبر سنّه، سريع الإدراك، شديد الرّغبة فى المباحثة فى العلم مع الفضلاء والأئمة، مقتدرا على الاحتجاج لما يرومه، ذا عناية تامّة بالتفاسير وبالمواعيد، يحفظ من متون الأحاديث ما يفوق الوصف، غير ملتزم للصّحيح من ذلك، وعنده من الفصاحة وطلاقة اللسان فى التّقرير ما يعجز عن وصفه، لكن مع الإسهاب فى العبارة، فصار منقطع القرين، مفخر المصرين، ذا موقع وجلالة فى النفوس، وارتفاع عند الخاصّ والعامّ على الرءوس، بحيث إنّه عرض على كلّ من الشيخ كمال الدّين ابن الهمام، والأمين الأقصرائىّ الاستقرار فى منصب القضاء عوضا عنه، (١) فامتنع، مصرّحا (١) بأنّه لا يحسن التّقدّم مع وجوده.
وقدم الكمال ابن الهمام مرة من الحج، فأوّل ما ابتدأ قبل وصوله الى بيته بالسّلام على السّعد فى المؤيّديّة، وعقد مرّة عنده مجلس فى الصّالحيّة، فسئل به الأمين الأقصرائىّ عن شئ كان أفتى فيه فى قضيّة تتعلّق بحكم حكم به القاضى سعد الدين، فأجاب بقوله: أنا (٢) أفتيت ولا شعور عندى بكون الاستفتاء يتعلّق بحكم مولانا قاضى القضاة، فالذى عندى أنّ مشايخنا المتأخّرين لو كانوا فى جهة، وهو فى جهة، كان عندى أرجح وأوثق.
وكان ابن حجر يثنى عليه، ويبالغ فى مدحه، وكذلك كان هو فى حقّ ابن حجر، رحمهما الله تعالى، فلقد كان للزمان بهما بهجة.
وقد حكى أنّهم سمعوا هاتفا يقول: بعد أحمد وسعد ما يفرح أحد.
قال السّخاوىّ: ولم يشغل نفسه بالتّصنيف، مع كثرة اطّلاعه وحفظه، ولهذا كانت