← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 32384

الرد على السبكي في مسألة تعليق الطلاق

ابن تيمية

Полный текст (1 081 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

أحدها: أنَّ القصة قصة واحدة ليست قصتين، فإذا كان سليمان وأشعث جزما بأنها قالت: كل مملوك لي حر، وقال جسر: حلفت بالهدي والعتاقة؛ وجب حمل رواية هذا بالمعنى على اللفظ الذي ذكره أولئك، لأنَّ الأصل اتفاق الروايات وتصادقها لا اختلافها وتناقضها. الثاني: أنه إذا قال: فلان حلف بالعتق والهدي؛ فالمفهوم منه: أنه حلف بلزوم العتق، كقوله: إن فعلت كذا فكل مملوك لي حر أو مملوك فلان حر ونحو هذا، وأما إذا قال: إن فعلت كذا فعليَّ أَنْ أُعتق، فهذا حالف بالنذر، بنذر العتق، لم يحلف بنفس العتق. الثالث: أن الحلف (١) [٨١/ ب] بالعتق الذي اعتاده الناس هو الحلف بإيقاعه لا بنذره. الرابع: أن حمله لذلك على قوله: (العتق يلزمني) حجةٌ عليه؛ فإنه قد قال في قوله: (الطلاق يلزمني)؛ أن هذا يراد به في العرف الحلفُ بوقوعِ الطلاق لا أنه يحلف بالالتزام لإيقاعه، فكذلك إذا قال: (العتق يلزمني) إنما يراد به في العرف الحلف بوقوع العتق لا الحلف بالتزام إيقاعه، لا فرق بين قول القائل: الطلاق يلزمني والعتق يلزمني. والمعروف عند الناس إذا قال القائل: العتق يلزمني والحرام يلزمني والطلاق يلزمني وأيمان المسلمين تلزمني؛ فإن هذا كله حلف بلزوم هذه الأمور له لا نذرٌ لهذه الأمور، ولكن هذا اللفظ قد يراد به: أنه يلزمني أن أعتق، كما قد يراد به: يلزمني أَنْ أُطَلِّقَ فهذا نذر، ولكن المعنى المعروف منه

стр. 387

عند الإطلاق إنما هو: يلزمني وقوع العتق ووقوع الطلاق، وهو بمنزلة يقع بي العتق إن فعلت كذا، أو يقع بي الطلاق إن فعلت كذا، أو وقوع الطلاق قد يلزمني إن فعلت كذا، أو وقوع العتق قد لزمني إن فعلت كذا. الخامس: أنه لو سلم أنَّ لفظ الحالف: (إِنْ فعلتُ كذا فعليَّ أَنْ أُعْتِقَ عبدي)؛ فسنبين ــ إن شاء الله ــ أنه ليس بين قوله (١): (فعليَّ أن أعتق)، وبين قوله: (فعبدي حر) فَرْقٌ معنوي في باب الأيمان، ولا يُعرف عن أحدٍ من الصحابة أنه فَرَّقَ بينهما، وقد ثبت النزاع في قوله: وكل مملوك لي حر، والروايةُ بالكفارة في ذلك عن الصحابة ﵃ أَثبتُ من الرواية بلزوم ذلك، وحينئذٍ؛ فهو حجة لنا على كل تقدير. ونحن إنما ذكرنا أَنَّ الأوزاعي إمامٌ يَعرف معاني الحديث لنبيِّن أَنَّ ضبطه ذكر العتاقة في الحديث مع علمه بما فيه من النزاع، ومع أَنَّ قوله يخالفه= لِيُعْلَمَ؛ فيكون هذا مما يقوي ذكر العتق في الحديث. وأما قوله: (فتمسك (٢) باللفظ الذي رواه) (٣). فيقال: لا يقول عاقل إنَّ اللفظ الذي رواه ظاهره أنه يحلف بنذر العتق [كـ] (٤) قوله: إن فعلت [فَعَلَيَّ] (٥) أن أعتق؛ فإنَّ عاقلًا لا يقول: إنَّ هذا ظاهر روايته، بل لا يُفْهَم هذا مِنْ هذا اللفظ.

стр. 388

وحينئذٍ؛ فإما أن يكون الحديث عامًّا في الصورتين: [٨٢/ أ] صورة الحلف بنذر العتق وصورة الحلف بالعتق، كما يدل عليه كلام المعترض حيث قال: (ولا نحمله على ما هو أخص منه) (١)، وإما أن يكون مختصًّا بإحداهما؛ فيكون اللفظ مشتركًا أو حقيقة ومجازًا. فإنْ كان اللفظ عامًّا لهما حصل المقصود، وَدَلَّ على أنهم أفتوا بالكفارة في كليهما (٢)، وذلك مثل أن تقول المستفتية للصحابة: حلفت بالهدي وبالعتاقة، وقولها: حلفتُ بالعتاقة؛ يتناول قولها: إن فعلت فمملوكي حر. وقولها (٣): فعلي أن أعتق مملوكي والعتق يلزمني ونحو ذلك. فإذا كان لفظ المستفتية يَعُمُّ هذا كله، وقد أجابها الصحابة بالكفارة في هذا= حصل مقصود المجيب، وأنهم أفتوها بالكفارة في صورة النزاع؛ إذ هي أحد أفراد اللفظ العام التي تتناولها الفتيا. فإنْ قيل: اللفظ إنما يدل على صورة واحدة دون أخرى؛ إما بطريق الاشتراك اللفظي وإما بطريق الحقيقة والمجاز، فمعلوم أَنَّ المجاز والاشتراك على خلاف الأصل (٤)؛ فَحَمْلُ اللفظ على ما ينفيهما أولى من

стр. 389

حمله على ما يثبتهما. وإن قيل: بل لفظ الحلف بالعتاقة يَعُمُّ، والسائلة إنما سألت بلفظٍ يدل على الخاص، ولم ينقل إلينا ذاك. قيل: إطلاق الناقل لهذا اللفظ والجواب دليلٌ على أَنَّ مناط الحكم هو القدر المشترك العام الموجود في الصورتين لا ما يختص به إحداهما. وحينئذٍ؛ فيكون الراوي لهذا الحديث فَهِمَ ممن حَدَّثَهُ أن الصحابة الذين أجابوا يسوون بين الصورتين، فتكون هذه الرواية موافقة لتلك لا مخالفةً لها. ولو قُدِّرَ أَنَّ هذا اللفظ محتمل، وتلك الرواية من طريقين قد بين أن السؤال كان عن قولها: (كل مملوك لي حر)، وهذا قال في روايته: (إنه حَلَفَ بالعتاقة) = كان حمل هذه الرواية على ما يوافق تلك أولى؛ فإنَّ الأصل اتفاق الرواة لا اختلافهم. فإنَّا لو (١) حملناه على أنها حلفت بالنذر لَزِمَ تغليطُ إحدى الروايتين، مع أنه لا دليل على غلطه بوجهٍ من الوجوه، وحمله على الموافقة يتضمن [نفي الغلط، والنافي] (٢) للغلط مُقَدَّمٌ على مثبته، لا سيما في حق مَنْ لم يُعْرَف غلطه، وأن الغلط في الرواية نادر جدًّا بالنسبة إلى عدمه حتى في حق المعروفين [بكثرة الغلط؛ فما] (٣) [٨٢/ ب] لا يغلطون فيه من الألفاظ أضعاف أضعاف ما يغلطون فيه. وحينئذٍ؛ فيلحق النادر بالغالب لا سيما من

стр. 390

محدث لم يعرف غلطه، وما يَحْمِل كلام المحدثين على الغلط بلا دليل أصلًا ولا شبهةِ دليلٍ إلا مَنْ هو أبعد الناس في العلم والدين (١). ثم بتقدير غلط أحدهما؛ تغليط جسر بن الحسن أولى من تغليط التيمي وأشعث الذين رويا أنها قالت: كل مملوك لي حر؛ وجسر يحتج بمتابعته على ذكر العتق، لا على لفظه الذي خالف فيه من هو أوثق منه وأكثر منه عددًا، هذا لو صرح بما يخالف لفظهما؛ فكيف والأمر بخلاف ذلك؟ وأيضًا؛ فقد بيَّنَّا أن الحلف بالعتاقة إنما يفهم منه عند الإطلاق: الحلف بوقوعه لا بنذره [ ... ] (٢)، فقول المعترض: (لفظ الحلف بالعتاقة متردد بين كذا وكذا) إنْ أراد أنه بطريق أن اللفظ لا يدل إلا على أحدهما، لأن دلالته على الآخر بطريق الاشتراك أو المجاز= كان هذا مناقضًا لقوله: (لا يحمله على ما هو أخص منه)، فإنَّ هذا يدل على أنَّ اللفظ الذي رواه الأوزاعي مشترك (٣) لا حقيقة ومجاز. وإن أراد أنَّ اللفظ عام؛ فالعام لا تردد فيه، وإن أراد أنه لا يعلم ماذا وقعَ في لفظ الراوي إذا كان عامًّا= كان دليلًا على أنه فهم أنَّ المعنيين سواء عند السائل للصحابة الذين أفتوه، وأن السائل فهم عن الصحابة التسوية، وتكفي الرواية بالمعنى لا سيما ومن هو أكثر عددًا وأفضل منه حفظًا وفهمًا ذكروا لفظ الحالِفَة: (كل مملوك لي حر إِنْ فعلت كذا).

стр. 391

وأما قوله: (وقد علمنا أَنَّ مذهب الأوزاعي وقوع العتق إذا حلف به) (١). فيقال: هذا حجة لنا؛ فإنه لمَّا رواه مع مخالفته لمذهبه دَلَّ على أَنَّ العتق محفوظ فيه مذكور في الحديث، وأما مخالفته له؛ فمعلومٌ أَنَّ المسألة فيها نزاع بين التابعين ومن بعدهم، وقد نُقِلَ النزاع فيها عن الصحابة أيضًا، وفقهاء الحديث الذين هم أعلم بالآثار وأتبع لها من الأوزاعي ــ كأحمد وإسحاق ومحمد بن نصر وغيرهم ــ رووا هذه الزيادة [من] (٢) طرقٍ أثبتُ من الطريق التي رواها الأوزاعي، ثم خالفوها لمعارضة [الأثر] (٣) بما عندهم؛ فالأوزاعي يخرج عن ذلك؟! (٤). وهذا مالك يروي أحاديث (٥). [٨٣/ أ] بعض الرواة عما ذكره بعضهم، ولو نفى حميد (٦) ما أثبته سليمان التيمي وأشعث لقضي لهذين على ذينك؛ فكيف إذا أثبتا ما لم يتعرض ذانك لا لنفيه ولا لإثباته؟ والمجيب لم يصحح رواية سليمان بهذه كما ادعاه المعترض (٧)، بل

стр. 392

بيَّن أنَّ سليمان لم ينفرد بهذه الرواية، فلا يجوز تعليل روايته بالانفراد؛ ولو قُدِّرَ أنَّ الانفراد علة فإنه لو تابعه عليه مَنْ فيه جرح لم (١) يكن منفردًا عند أهل العلم بالحديث؛ فكيف إذا تابعه أشعث بن عبد الملك الحمراني (٢) وهو إمام كبير، وجسر بن الحسن وهو شيخٌ لا نَعرف أحدًا جرحه (٣) بمعلوم (٤)؛ والرواية عن هذين ثابتة باتفاق أهل المعرفة بالحديث. ورواه عن الأشعث مثل: محمد بن عبد الله الأنصاري القاضي، وروح بن عبادة. ورواه عن جسر مثل: الأوزاعي؛ هذا مما يوجب القطع بأن سليمان التيمي لم ينفرد بذكر العتق = فبطل تعليل ذكر العتق بانفراد سليمان التيمي. وسليمان التيمي في نفسه ثقةٌ إمامٌ فقيهٌ، هو أَجَلُّ قدرًا في العلم والفقه والحفظ والدين مِن كل مَن روى هذا الحديث عن بكر بن عبد الله المزني. فإذا قيل: قد انفرد بذكر العتق؛ فعرفنا أنه قد تابعه هذا وهذا، علمنا قطعًا أنه لم ينفرد به؛ فبطل التعليل بهذا لو كان علة. وإذا عرفت أنه لم ينفرد، وقد

стр. 393

روى ذكر العتق، وفي لفظ الحالفة أنها قالت: وكل مملوك لي حر. وقال هذا: حلفت بالعتاقة؛ فهل ينازع عاقل أن حمل الروايتين على الائتلاف أولى من حملهما على الاختلاف؟! ولو كان لفظ الحلف بالعتاقة قد تساوى فيه الحلف بالعتق والحلف بنذر العتق، وإنْ قيل: إنه يَعُمُّ النوعين؛ فهو حجة لنا. وأما تخصيص هذا اللفظ بالحلف بالنذر؛ فهذا لا يقوله من (١) يدري ما يقول، فكيف يجوز حمله عليه؟! وهذا الشيخ المتابِع للتيمي [ ... ] (٢) يكفينا منه أنه يذكر العتاقة، فيصير متابعًا لمن ذكر العتق [ ... ] (٣) وحده يكفينا في لفظه حلفها؛ فكيف إذا تابعه أشعث؟ فإنْ ثبتَ (٤) ذكر الحلف بالعتاقة ثبت أَنَّ هؤلاء الثلاثة ذكروا الحلف بالعتق فوجب (٥) [٨٣/ ب] قطعًا تقديم روايتهم على رواية حميد وآخر دونه لم يذكر العتق، بل لو نفى هذان (٦) ذكر العتق وقالا: لم يذكر العتق، وقال أولئك الثلاثة: بل ذكر العتق = لوجب ترجيح روايتهم. وإذا ثبت أن فيه ذكر العتق؛ فقد عيَّن التيمي وأشعث أن لفظ الحالفة:

стр. 394

(وكل مملوك لي حر)؛ وجسر لم يخالفهما في ذلك، ولو خالفهما جسر وقال: بل لفظها (١): (وعليَّ أَنْ أعتق كل مملوك لي) (٢) لوجب تقديم رواية واحد منهما على رواية جسر فكيف بروايتهما جميعًا؟! فكيف وجسر لم يخالفهما البتة بل وافقهم؟! والله أعلم. * * * *

стр. 395

فصلٌ وأما قول المعترض: (ليس في لفظ ابن عمر في هذه الرواية الأمر بالتكفير، بل في لفظ حفصة وزينب خاصة) (١). فيقال له: هذه غفلةٌ ظاهرةٌ؛ ففي لفظ الرواية المذكورة أنَّ الزوج قال: فأتيت ابن عمر فذكرت له ذلك، فأرسل إليها أن كفري يمينك، فقام ابن عمر فأتاها، فقال: أرسلت فلانة زوج النبي ﷺ وزينب أَنْ تكفري يمينك فأبيتِ؟! قالت: يا أبا عبد الرحمن حَلَفتُ بالهدي والعتاقة. قال: وإنْ كنتِ حلفتِ (٢). فكأنَّ هذا المعترض نظر إلى قول ابن عمر حين أتاها، فقال: وإن كنتِ حلفت، فلم يقل: وكَفِّرِي، ولم ينظر إلى قوله في أثناء الحديث: أتيتُ فذكرت ذلك له، فأرسل إليها أنْ كفِّرِي يمينك فأبت؛ ففيه أن ابن عمر أرسل إليها ثم أتاها، وفيه أنَّ ابن عمر أرسل إليها بالتكفير، وذكر عن حفصة وزينب أنهما أمرتاها بالتكفير. وقد تقدم نقل هذا من طرق متعددة ثابتة تُبَيِّنُ غَلَطَ من قال: إنهما لم يأمراها بالتكفير؛ محتجين بعدم ذكر ذلك في بعض الروايات (٣). وأيضًا؛ فيقال: لو قُدِّرَ أنه لم يذكر في ذلك أمر ابن عمر بالتكفير، فقد اتفقت الروايات كلها على أَنَّ ابن عمر أمرها بالتكفير؛ كما ذكر ذلك حميد

стр. 396

والتيمي وأشعث وغالب وغيرهم؛ فالروايات كلها متفقةٌ (١) على أَنَّ ابن عمر أمرها بالكفارة، فلو قُدِّرَ أنَّ جَسرًا لم يذكر ذلك لم يكن هذا تعارضًا (٢)؛ فكيف وقد ذكره؟! * * * *

стр. 397

فصلٌ وأما قوله: (وبين الطريقين اختلاف أيضًا؛ يقرر هذا: أَنَّ في الأول أَنَّ حفصة وزينب جاءتا إليها، وفي [٨٤/ أ] هذا أنهما أرسلتا إليها) (١). فالجواب عنه أيضًا: أنَّ هذه غفلة ظاهرة؛ فليس في حديث سليمان التيمي أن حفصة جاءت إليها، وإنما فيه أن زينب جاءت إليها، وفيه أَنَّ حفصة ﵂ أرسلت، وهكذا ذكره المجيب (٢) في الطريق الذي رواه من رواية الأثرم: حدثنا عارم، حدثنا معتمر بن سليمان، حدثنا أبي فذكره. وفيه قال: فأتيت حفصة أم المؤمنين، فأرسلت إليها فأتتها. فقالت يا أم المؤمنين: جعلني الله فداك، إنها قالت: كل مملوك لها حر. وكذلك رواية يحيى بن سعيد عن التيمي، وكذلك في سائر الروايات، وإنما أتاها زينب وابن عمر، وأما أم المؤمنين ــ رضوان الله عليها ــ فلم تأتِ إليها. وهذا هو المناسب؛ فإنَّ أمهات المؤمنين قد أُمِرْنَ أنْ يَقَرْنَ في بيوتهن، فلم يَكُنَّ ليخرجنَ بخلاف غيرهنَّ، وأما زينب ﵂ ففيه أنها جاءت إليها. فقالت: في البيت هاروت وماروت؟! قالت: يا زينب إنها قالت: كل مملوك لها حر. فقد فصل (٣) في الحديث بين زينب وحفصة، وأنَّ زينب أَتتها وحفصة لم تأتِ إليها، بخلاف ما زعم هذا الذي يظن من يظنه من كلامه أنه يضبط ما

стр. 398

ينقله، فإذا تثبت فيما نقله وجد فيه تخليطًا كثيرًا، لا عذر لأحدٍ في الغلط فيه. فيغلط على لفظ الحديث ويجعله مضطربًا، وليس فيه اضطراب، ولم تختلف الروايات فيما ذكره، ولكن من حديث جسر أنَّ زينب أرسلت إليها، وفي رواية سليمان التيمي: أنها أتتها، وليس هذا اختلاف؛ بل ابن عمر أرسل إليها أولًا، ثم أتاها ثانيًا؛ فيمكن أن زينب فعلت كما فعل ابن عمر أرسلت إليها ثم أتتها. وَإِنْ قُدِّرَ أَنَّ هذا اختلافٌ؛ فمثل هذا لا يقدح في الرواية باتفاق أهل العلم بالحديث، بل الأحاديث التي في الصحيحين التي اتفق المسلمون على صحتها يقع فيها مثل هذا (١)، بل غزوة بدر وأحد والخندق وغيرها من الأمور المتواترة يقع فيها مثل هذا، بل [وفي أحاديث] (٢) رسول الله ﷺ يقع فيها مثل هذا الاختلاف الذي لا يضر؛ كاختلاف الرواة في مقدار ثمن بعير جابر، وحديثه مما اتفق (٣) [٨٤/ ب] العلماء على صحته، واختلفوا في قَدْرِ ثمنه (٤). * * * *

стр. 399

فصلٌ قال المعترض: (ثم إني نظرت في هذا الأثر وجمع طرقه من كتب عبد الرزاق وأبي بكر البيهقي وأبي عمر بن عبد البر وأبي محمد بن حزم لتبيين الحق في ذلك؛ وهاأنا أُلَخِّصُهَا ههنا: قال البيهقي (١): أخبرنا أبو بكر محمد بن إبراهيم الفارسي، أخبرنا إبراهيم بن عبد الله الأصفهاني، حدثنا أبو أحمد ابن فارس (٢)، حدثنا محمد بن إسماعيل البخاري (٣)، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا إياس بن أبي تميمة أبو مخلد صاحب البصري، حدثنا عبد الرحمن بن أبي رافع، عن أبيه أنه كان مملوكًا لابنة عم عمر بن الخطاب ﵁ فحلفت أنَّ مالها في المساكين صدقة. فقال ابن عمر: كَفِّرِي يمينك) (٤). والجواب: أما قوله: (فانظر هذا الاختلاف العظيم الذي وَقَعَ في هذا الأثر في سنده وفي متنه) (٥). فيقال: ليس فيه ــ ولله الحمد ــ اختلافٌ عظيمٌ؛ بل وأكثر ما سَمَّاهُ

стр. 400

اختلافًا ليس هو باختلافٍ أصلًا، والاختلاف اليسير الذي انفرد به بعض الرواة ليس بمؤثِّر، بل القدح بمثل هذا خلاف إجماع العلماء المتقدمين والمتأخرين، فإنهم كلهم تلقوا هذا الأثر بالتصديق والقبول وصححوه؛ فعامة علماء أهل الحديث عملوا به، والذين لم يعملوا به لم يطعنوا في صحته ولا قدحوا في ذلك، بل سَلَّمُوا صِحَّتَهُ، بل عارضوه؛ فالقادح فيه مخالف لإجماع علماء أهل الحديث العارفين بالمنقولات (١). الثاني: إنَّ رواة هذا الحديث من أَجَلِّ علماءِ المسلمين وثقاتهم (٢)؛ فقد رواه غير واحد عن أبي رافع مثل: ثابت البناني وبكر بن عبد الله المزني وهما هما، فإنهما من أجل ثقات المسلمين باتفاق العلماء، ومن أجل رجال الصحيحين، وقد تابعهما عبد الرحمن [بن أبي] (٣) رافع وعلي بن زيد بن جدعان. ورواه عن بكر غير واحد [من الثقات] (٤): سليمان التيمي وحميد الطويل وأشعث بن عبد الملك [الحمراني] (٥) وغالب القطان وجسر بن الحسن، وبعض هؤلاء يكفي لكونه [من رجال] (٦) الصحيحين الثقات. ورواه عن سليمان التيمي غير واحد من العلماء [٨٥/ أ] مثل: يحيى بن

стр. 401

سعيد القطان وابنه معتمر بن سليمان. وعن أشعث مثل: محمد بن عبد الله الأنصاري وروح بن عبادة والنضر. وعن حميد الطويل يحيى بن أيوب وغيره إلى غير ذلك من الطرق التي لم يذكرها؛ وبمثل هذه الطرق لو كان مرفوعًا= لكان من أَجَلِّ ما يرويه البخاري ومسلم، لكنهما إنما وضعا كتابيهما للمرفوعات لا للآثار، وإلا فبدون هذه الطرق يكون الحديث من أحاديث الصحيحين. فهل يطعن فيما يروى بمثل هذه الأسانيد إلا مَن هو مِن أبعد الناس عن طريقة أهل العلم والدين؟ إما لنقص علمه وإما لفساد قصده؛ وإلا فصاحب علم ودين لا يتصور أن يقدح في مثل هذا الحديث المروي بمثل هذه الطرق. وأبو رافع هو الصائغ، وهو من المخضرمين، من أكابر التابعين الثقات، من أجل رجال الصحيحين، وإنْ قُدِّرَ أنَّه مولى رسول الله ﷺ فهو من الصحابة، وهو أرفع قدرًا من الصائغ؛ فعلى كل تقدير قد اتفق العلماء على أنه من الثقات. الوجه الثالث: أنَّ قوله: (بعضهم قال في الحالفة: إنها الأنصارية، وبعضهم قال: إنها بنت عم عمر) (١). فيقال له: الرواية بأنها ابنة عمة (٢) لعمر أثبت من كونها بنت عمه، ولا منافاة بين كونها أنصارية وكونها بنت عمة عمر؛ هكذا في حديث ابن وهب:

стр. 402

عن يحيى بن أيوب، عن حميد، عن ثابت البناني. وبكر بن عبد الله المزني عن أبي رافع. وكان أبو رافع عبدًا لليلى بنت العجماء ابنة عمة لعمر بن الخطاب ﵁، وفي حديث عبد الرحمن بن أبي رافع عن أبيه أنه كان مملوكًا لابنة عم عمر بن الخطاب. وأما قوله: لامرأة من الأنصار، فهو من رواية جسر بن الحسن، وسائر الروايات قالوا: ليلى بنت العجماء، ولم يذكروا أنها أنصارية، ولا أنها ابنة عمه؛ وبكل حال: فالمرأة معروفة باسمها واسم أمها، ليلى بنت العجماء، وهو اسم غريبٌ لا يُعرف فيه اشتراك، مع كثرة الاشتراك في أسماء الأعلام، فهي متميزة بهذا الاسم معروفة عند العلماء لم تشتبه بغيرها (١). وأما كونها أنصارية [أو قرشية] (٢) وبنت عمة لعمر أو بنت عم له؛ فهذا لا يضر جهله والاختلاف [فيه وإنْ لم] (٣) نعرفها ونميزها عن غيرها، ولا يَجعل مثل هذا قدحًا في الحديث [إلا جاهل] (٤) أو معاند، فإنَّ كثيرًا (٥) من الناس المشهورين يختلف في بعض [أنسابهم] (٦) [٨٥/ ب] ولا يقدح ذلك

стр. 403

في معرفتهم. كما يقال في أبي رافع مولى رسول الله ﷺ أنه مولى النبي ﷺ ، وقيل: مولى العباس؛ فهل يقدح ذلك في معرفته التي يحتاج إليها في العلم؟ الرابع: أن هذه ليست هي الراوية (١) للحديث حتى يحتاج إلى معرفتها، بل هي المستفتية، وإنما الراوي مولاها أبو رافع، وهو معروف نفسه باتفاق أهل العلم، ولو لم يُسَمِّ هذه المرأة لم يَقدح ذلك في العلم بجواب الصحابة، ولهذا لا تُسَمَّى في بعض الروايات، فَذِكْرُ اسمها لا يُحتاج إليه ولا إلى معرفته. وحينئذٍ؛ فإذا قدر الاختلاف في ذلك كان اختلافًا عن أمر خارج عن المقصود، لا يقدح في العلم بالمقصود، وهذا كما أن الثلاثة الذين خُلِّفُوا المذكورين في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨] لا نحتاج [في] (٢) معرفة ما أخبر الله به من توبتهم إلى معرفة أسمائهم، ثم إذا عرفت أسماؤهم وأنهم: هلال بن أمية وكعب بن مالك ومرارة بن الربيع، والزهري قد ذكر في روايته أنَّ مرارة بن الربيع وهلال بن أمية (٣) شهدا بدرًا، وخالف الزهري غيره، وبعضهم يقول: مرارة بن ربيعة= فالاختلاف في مثل هذا لا يقدح في العلم بأسمائهم؛ فضلًا أن يقدح في العلم المقصود من قصتهم (٤).

стр. 404

وكذلك روي في الصحيح: أنَّ أعرابيًا جاء إلى النبي ﷺ فسأله عمَّا فرض الله عليه، فذكر الصلاة والزكاة والصيام، وهو لا يُسَمَّى في كثيرٍ من الروايات، وفي بعضها سُمِّيَ (١). فصلٌ وأما الراوي عنها؛ فهو أبو رافع الصائغ مولى ليلى بنت العجماء، من قدماء التابعين من رجال الصحيحين، كما ثبت ذلك في الروايات الثابتة، وكما ذكر ذلك عامة العلماء، وروى عنه: بكر وثابت وعلي بن زيد وغيرهم. وأبو رافع مولى رسول الله ﷺ ليس هو مولى ليلى بنت العجماء بلا ريب، فإنَّ ذاك مات قديمًا بُعَيْدَ قتل عثمان ﵁ سنة خمس (٢) وثلاثين، لم يدركه أحد من هؤلاء مثل: بكر وثابت وأمثالهما، وهذا [مجزومٌ به] (٣) قطعًا. قال الحافظ عبد الغني (٤): نفيع أبو رافع الصائغ [ ... ] (٥) أدرك الجاهلية

стр. 405

ولم ير النبي ﷺ ، انتقل إلى البصرة. روى عن: [٨٦/ أ] أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وأبي موسى، وأبي هريرة، وحفصة زوج النبي ﷺ . روى عنه: الحسن البصري، وبكر بن عبد الله المزني، وثابت البناني، وعلي بن زيد بن جُدْعان، ومروان الأصفر، وخلاس بن عمرو؛ وسمَّى آخرين. وقال أبو عبد الله بن منده في كتاب الكنى (١): أبو رافع الصائغ، بصري أدرك الجاهلية، روى عن: عمر بن الخطاب، روى بإسناده عن ثابت عن أبي رافع قال: [إنَّ أطيبَ شيءٍ أكلتُهُ] (٢) في الجاهلية نَبِيْشَةُ (٣) سَبُع، روى عنه: الحسن وقتادة. ثم قال (٤): أبو رافع مولى عمر بن الخطاب حَدَّثَ عن عمر (٥)، ويقال: مولى ليلى بنت العجماء.

стр. 406

أخبرنا خيثمة، أخبرنا إسحاق، عن عبد الرزاق، عن ابن التيمي، عن أبيه، عن بكر بن عبد الله المزني، حدثني أبو رافع مولى ليلى بنت العجماء. أخبرنا محمد بن يعقوب، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثنا أبي قال: سألته عن أبي رافع مولى عمر. فقال روى عنه: الحسن، وبكر بن عبد الله المزني، وثابت البناني، وخلاس بن عمرو، ومروان الأصفر وعلي بن زيد. قلت لأبي: روى بكر أنه مولى ليلى أراه أبو رافع (١) مولى عمر. فقال: أحسب [أنَّ] (٢) ليلى اشترته من عمر، وهما عندي واحد (٣). وكذلك سائر العلماء المصنفين لم يذكروا أبا رافع الذي يروي عنه بكر بن عبد الله وعلي بن زيد و (٤) ثابت البناني ونحوهم من البصريين إلا أبا رافع الصائغ واسمه نفيع. وقالوا: إنه انتقل من المدينة إلى البصرة، ولهذا كان المفتون له عن هذه القصة هم من أهل المدينة، والرواة عنه من أهل البصرة. قال عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتابه (٥): نفيع أبو رافع الصائغ؛ روى عن: أبي بكر وابن مسعود. روى عنه: الحسن وثابت البناني وعلي بن زيد.

стр. 407

سمعت أبي يقول ذلك، [و] (١) سألته عنه. فقال: ليس به بأس. وقال النسائي في كتاب الكنى: أبو رافع نفيع الصايغ؛ روى عنه: ثابت. وقال أبو القاسم اللالكائي (٢) في رجال البخاري: نفيع أبو [رافع] (٣) الصايغ البصري روى (٤) عن أبي بكر وابن مسعود. روى عنه: الحسن وثابت [٨٦/ ب] البناني، تحول إليها من المدينة. يقال: إنه أدرك الجاهلية سمع أبا هريرة، روى عنه: الحسن وبكر بن عبد الله المزني وثابت البناني وقتادة. وقال أبو بكر ابن منجويه في رجال مسلم (٥): نفيع الصائغ أبو رافع البصري. [روى] (٦) عن أبي هريرة. روى عنه: الحسن البصري وبكر بن عبد الله المزني وثابت البناني وخلاس بن عمرو وحميد بن هلال وذكر آخرين. والرواية التي في تاريخ البخاري (٧) عن عبد الرحمن بن أبي رافع أنه

стр. 408

كان مملوكًا لابنة عم عمر بن الخطاب. قال ابن عمر: كَفِّرِي يمينك. تُبيِّن (١) أنه ليس هو أبا رافع مولى النبي ﷺ ، فإنَّ ذاك لم يكن مملوكًا لليلى بنت العجماء التي يقال: إنها ابنة عم عمر باتفاق العلماء. وإذا قال قائل: يحتمل أن يكون هو أبا رافع مولى رسول الله ﷺ . قيل له: هذا إن كان حقًا لا يقدح في الحديث بل يزيده قوة، فإنَّ أبا رافع مولى رسول الله ﷺ من الصحابة، فهو أجل من أبي رافع الصائغ، وإن كان مَنْ جعله أبا رافع مولى النبي ﷺ قد غلط في ذلك، فغلط هذا الظان لا يقدح في صحة الحديث. فتبيَّن أَنَّ الحديث صحيحٌ ثابتٌ على كل تقدير؛ وليس لنا حاجة [في] (٢) الكلام على ما ذكره البخاري في تاريخه؛ فإنه ــ أولًا ــ لم يصرِّح بأنَّ هذا المذكور في حديث العتق: عبد الرحمن بن أبي رافع صاحب النبي ﷺ ، وإنما ذكر الروايات في هذا الباب؛ ليعرف ما روى، ويميَّزَ بينَ ذلك؛ ولهذا ذكر ابن أبي رافع عن أبيه مولى لحفصة، ومعلوم أنَّ هذا ليس أبا رافع مولى النبي ﷺ ، بل يمكن أن يقال: إنه الصائغ، وأنه نسبه (٣) إلى حفصة كما نسبه إلى أبيها، ولو قُدِّرَ أَنَّ بعض الناس ظن أنه ذاك؛ فهذا الظن خطأٌ (٤) قطعًا، ولو قُدِّرَ أنه صواب لم يقدح في صحة الحديث. وأما قول القائل: (إِنَّ أبا رافع الصائغ لا يكون مملوكًا لها ومولى النبي

стр. 409

- ﷺ ) (١)؛ [فكلامٌ صحيحٌ] (٢)، وهو يدل على خطأ من جعله الصاحب، وعامة العلماء على أنه [التابعي] (٣) كما تقدم كلامهم، وما علمت أحدًا صرَّحَ بنقيض هذا، وَإِنْ قُدِّرَ أنه قال ذلك فقد غلط. وأما قوله: (إنَّ أبا رافع الصائغ لا يُعرف في ولده من اسمه [٨٧/ أ] عبد الرحمن) (٤)؛ فهذا نفي ما لم يعلمه الرجل، فقد يكون له ولد اسمه عبد الرحمن ولم يعرفه، وإنْ قُدِّرَ أنه لم يكن له ولد؛ فغايته أن تكون رواية إياس بن أبي تميمة عن عبد الرحمن غلطًا، فيكون وجودها كعدمها، وهذا لا يقدح في رواية الثقات الأثبات الذين ذكروا أنه كان مولى لليلى بنت العجماء وأنَّ مولاته حلفت، ومثل هذه القصة يحفظها صاحبها، لأنه هو كان المبتلى بها، وهو الذي أرادت سيدته أَنْ تفرق بينه وبين امرأته، وهو الذي ذهب إلى من ذهب إليه من الصحابة وأمهات المؤمنين لِيَنْهَيْنَهَا عن ذلك، ويأمرنها بما يخرجها من يمينها؛ فمثل هذه القصة يضبطها العامي إذا وقعت له؛ فكيف لا يضبطها مَنْ هو معروف بحمل العلم ونقله؟! وقد أخرجا له في الصحيح ما أخرجوه، مثل حديثه عن أبي هريرة ﵁ (٥).

стр. 410

فصلٌ وأما قوله: (إنهم اختلفوا في صيغة اليمين) (١) فهذا غلط؛ فلم يختلفوا في صيغة اليمين، فإنَّ قول بكر وأشعث إنها قالت: كل مملوك لها حر إن لم تفرق، لا ينافي رواية جسر أنها حلفت بالعتاقة؛ فإنَّ هذا يسمى حلفًا بالعتاقة بلا ريب، وإذا كان الثقات ذكروا زيادة لم يذكرها غيرهم لم يُعَدَّ هذا من الاختلاف القادح في الحديث عند أهل العلم، بل كثير من أحاديث الصحيحين وغيرهما بهذه المثابة (٢). وكذلك الأمر بالتكفير لم ينفه أحد من الرواة (٣)، بل كلهم ذكروه، لكن بعضهم يختصر الحديث فيذكره عن ابن عمر لكونه راجعها أكثر من غيره، وبعضهم يستوفيه فيذكره عن الثلاثة. وقد تقدم أنَّ عامة العلماء بينوا ذكر التكفير فيه عن الصحابة كلهم، ولو قُدِّرَ أنه أسقط عن بعضهم، فلا خلاف أَنَّ بعض الصحابة أَمَرَ بالتكفير، وبذلك يحصل المقصود، ومثل هذا يقع كثيرًا في أحاديث النبي ﷺ يقع في الأحاديث المتفق على صحتها من تنوع الألفاظ أكثر من هذا، كما في حديث ابن عمر: فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر على كل صغير وكبير، ذكر وأنثى [وحُرٍّ وعبد] (٤). زاد مالك وغيره: من المسلمين (٥)، ولم يُجعل

стр. 411

ذلك علة في أصل الحديث [مع زيادة] (١) [٨٧/ ب] مالك (٢). فصلٌ وقوله: (إنَّ هذا الاختلاف والاضطراب يوجب التوقف في هذا الأثر) (٣)؛ عنه أجوبة: أحدها: أَنَّ هذا باطل قطعًا باتفاق أهل العلم؛ فكلهم متفقون على تلقي هذا الأثر بالقبول، كما يتلقى أمثاله من الأخبار الثابتة، وكلهم يَحكي ما فيه عن هؤلاء الصحابة، لم يتنازعوا في شيء من ذلك إلا في ذكر العتق، لكون الإمام أحمد لم يبلغه إلا طريق التيمي، وأما الذين بلغهم طريق أشعث بن عبد الملك مع التيمي فلم يطعن أحد منهم في ذكر العتق، بل جزموا بنقل الإفتاء بالعتق عمن ذكر فيه من الصحابة؛ حتى صرح بصحة ذلك من لا يقول به: كابن حزم، وثبتَّه من لا يقول به: كابن جرير الطبري. الثاني: أنه إذا رُويَ الأثر بهذه الأسانيد الثابتة التي هي من أجلِّ شروط البخاري ومسلم، مع تعدد الطرق وشهرة الرجال بالصدق والدين، بل والعلم والفقه؛ فيكف يجوز أن يتوقف فيه لمجرد كون المرأة المستفتية لم تُعلم قبيلتها؟! أو لكون أبا رافع لم يعلم مولاه إِنْ قُدِّرَ ذلك؟! أو لكون بعض

стр. 412

الرواة ظنها أنصارية وبعضهم ظنها قرشية؟! فإنَّ مثل هذا لا يضر لا جهله ولا الاختلاف فيه في الرواية، ثم جمهور الثقات الأثبات لم يذكروا قبيلتها البتة، فلم يذكروا أنها أنصارية ولا أنها قرابة لعمر، بل ذكروا اسمها ليلى بنت العجماء، وفيهم من لم يُسَمِّهَا. فلو قُدِّرَ طرح رواية أولئك لم يكن هذا قادحًا في رواية هؤلاء الثقات الأثبات، حتى إنه لا يجوز القدح بمثل ذلك في الشهادة، فلو شهد عدد من الشهود وقُدِّرَ أنَّ بعضهم اختلفوا اختلافًا يقدح في شهادتهم، لم يقدح ذلك في شهادة من لم يختلفوا ولم يذكروا ما يقدح في شهادتهم؛ مع العلم بأنَّ باب الرواية أوسع من باب الشهادة (١). الثالث: أنه إِنْ كان هذا الاختلاف موجبًا للتوقف في حديث ليلى بنت العجماء؛ فالتوقف في حديث عثمان بن (٢) حاضر بالاختلاف الكثير الذي فيه، وبمخالفته ما رواه الثقات الأثبات عن الصحابة = أولى وأحرى، بل لا يَستريب عالم أنَّ القوادح في حديث عثمان بن حاضر أعظمُ بكثيرٍ من القوادح في حديث ليلى [٨٨/ أ] بنت العجماء. وحينئذٍ؛ فقول القائل: (إِنَّ الأئمة لم يعتنوا بالآثار كما اعتنوا بأخبار النبي ﷺ في ذكر عللها والاختلاف فيها وتحقيق الصواب فيه، لأنهم رأوا أَنَّ

стр. 413

الخطب في نقل مذاهب العلماء يسير) (١) = هو حجةٌ عليه في احتجاجه بحديث عثمان بن (٢) حاضر على مذاهب الصحابة، مع كثرة اضطرابه وعدم معرفة شهرة رواته بالعلم والضبط، ومخالفته لما هو الثابت المعروف عن الصحابة، واتفاق أهل العلم على عدم اتباعه؛ فما ذكره بكونه طعنًا في حديث عثمان بن حاضر أولى من كونه طعنًا في حديث ليلى، وغاية ما يقال: إنه لم يَثبت لا هذا ولا هذا، فلا يثبت عن الصحابة ﵃ في الحلف بالعتق شيء، لا إلزام ولا القول بالتكفير، كما لم يثبت ذلك عنهم في الحلف بالطلاق. وأما التابعون: فقد ثبت عنهم النزاع في الحلف بالعتق من وجوهٍ ثابتة ــ كما تقدم ــ، وحينئذٍ؛ فثبت النزاع في العتق وهو المطلوب؛ إذ (٣) المقصود أنَّ الأمة لم تتفق على أن العتق المحلوف به يلزم؛ فمتى ثبت النزاع عن الصحابة أو عن التابعين إذا لم يكن عن الصحابة في ذلك شيءٌ= حصل المقصود. وإذا لم يكن إجماعٌ؛ فما تنازع فيه المسلمون وَجَبَ رَدُّهُ إلى الله والرسول. وأيضًا؛ فما ذكره من عدم الاعتناء بنقل الآثار لأنهم رأوا أن الخطب في نقل مذاهب العلماء يسير، يَسُدُّ عليه طريق المعرفة بإجماع العلماء، فإنه إذا كان قول الواحد والاثنين والثلاثة من الصحابة لم يثبت عنده مع نقله بهذه الطرق المشهورة المتصلة؛ فكيف يَثبت عنده قول كل واحد من علماء الصحابة أو علماء التابعين أو تابعي التابعين مع أنه ليس معه نقل بسند عن جمهورهم؛ بل غاية ما عنده نقل عن بعضهم، وأكثر النقل هو دون هذا النقل في الصحة، وما

стр. 414

كان أقوى من هذا فغايته أنْ يثبت النقل فيه عن عدد من أهل العلم، ليس معه نقل عن كل واحدٍ واحد، والعلماء عنده لم يعتنوا بنقل مذاهب السلف. فإذا كان معرفة أقوال بعضهم مما يتوقف فيه عنده [فلماذا] (١) لا يتوقف في نقل مذاهبهم كلهم مع انتفاء النقل المسند في ذلك، بل [والنقل] (٢) المرسل؟! فإنه ليس أحدٌ ممن ينقل الإجماع يسمي كلَّ واحدٍ من علماء الصحابة والتابعين [٨٨/ ب] [ ... ] (٣) فأما أن يجعل قوله ما رواه عثمان بن حاضر فوق ما رواه [مَنْ هو أوثقُ] (٤) منه = فهذا لا يقوله عالم. فتبين أنَّ ما قاله العلماء قاطبة [موافق للذي] (٥) تضمنه ذكر الحلف بالعتق في حديث ليلى بنت العجماء هو إفتاؤها (٦) بالكفارة في قولها (٧): إنْ فعلت كذا فكل مملوك لي حر، وأَنَّ من أثبت هذه (٨) الرواية وزعم أنهم لم يفتوها بالكفارة إلا في غير العتق، فهو مع مخالفته (٩) لعلماء المسلمين المتفقين على خلاف هذا = قولُهُ ظاهرُ الخطأ.

стр. 415

وهذا ــ أيضًا ــ مما يُظهر خطأ التأويل الآخر، وهو قوله: (يحتمل أنه لم يكن لها مملوك حين الحلف) (١)، فإنَّ هذا مع مخالفته لمدلول الحديث، هو خلاف ما اتفق العلماء على فهمه من هذا الحديث، وخلاف ما نقلوه عن هؤلاء الصحابة. الجواب الرابع (٢): أنَّ المستفتية خاطبها واحد بعد واحد من الصحابة، وهي تخبر كل واحد منهم بيمينها، وتقول: قلتُ: إنْ لم أفعل كذا فكل مملوك لي حر، ولم يسألها أحد منهم: هل لك مملوك أم ليس لك مملوك؟ ولا قال لها: كَفِّرِي يمينك إلا العتق، وترك الاستفصال في حكاية الحال مع قيام الاحتمال يُنَزَّلُ منزلة العموم في المقال (٣).

стр. 416

وهذا لا يناقض قولنا: حكاية الحال إذا تطرق إليها الاحتمال كساها ثوب الإجمال وسقط بها الاستدلال (١)، بل كلاهما حق كما قاله العلماء (٢)؛ فالأول إذا سأل سائل بكلمة مطلقًا فأطلق له الجواب كان السؤال كالمعاد في الجواب، فيعم صوره إذا لم يكن هناك ما يدل على أنه عرف اختصاص السؤال ببعض الوقائع؛ كالذي قال للنبي ﷺ : إِنِّي أحرمت بعمرة، وعليَّ جُبَّة، وأنا متضمخ بخلوق. فقال: «انزع عنك الجبة، واغسل عنك أثر الخلوق، واصنع في عمرتك ما كنت صانعًا في حجك» (٣). فقوله: أحرمتُ بالعمرة؛ مطلق لا يخص الإحرام دون الميقات وقبله، وقوله: وعليَّ جُبَّةٌ؛ مطلق لا يخصُّ جبة بيضاء من صفراء، فكان ترك استفصال النبي ﷺ له في حكاية حاله حين سأله مع قيام الاحتمال يتنزل منزلة قوله: مَنْ أحرم بعمرة وعليه جبة فلينزعها، سواء أحرم قبل الميقات أو بعده، وعلى أيِّ لونٍ كانت الجبة (٤). [٨٩/ أ] وكذلك الأعرابي لما سأله فقال: إني وقعت على أهلي في

стр. 417

رمضان [فأمره] (١) بالكفارة (٢)، ولم يسأله هل أنزلت أم لم تنزل= دَلَّ على عموم الجواب (٣). [وكذلك لمَّا] (٤) سئل عن فأرة وقعت في سمن، فقال: «ألقوها وما حولها، وكلوا سمنكم» (٥)، [ولم] (٦) يسأل هل كان جامدًا أو مائعًا = دَلَّ على عموم الجواب (٧)، لا سيما مع أن الغالب بالمدينة أنه يكون مائعًا، ورواية من روى: «إنْ كان جامدًا ... وإنْ كان مائعًا ... » (٨)؛ ضعيفة ــ كما قد

стр. 418

بُيِّنَ في موضع آخر ــ (١). وأما تطريق الاحتمال إلى حكاية الأحوال فهي ما يحكى من حال النبي ﷺ أنه فعل فعلًا يحتمل وجهين، مثلما روى بلال أنه صلى في البيت ركعتين (٢)، والمصلي تارة يصلي فرضًا وتارة يصلي نفلًا، والصلاة الواحدة لا تكون نفلًا وفرضًا، فإنَّ الفعل لا يعم كما يعم القول، فلا يمكن أن يقال: كانت الركعتان فرضًا وكانتا نفلًا. فهؤلاء الصحابة لما ذكرت يمينها وأنها قالت: إنْ لم أُفَرِّق بينك وبين امرأتك فمالي هدي وكل مملوك لي حر وأنا يومًا يهودية ويومًا نصرانية؛ وأمرها كل واحد بكفارة يمينها مطلقًا، وهي يمين واحدة حلفت بها على فعل واحد بهذه اللوازم، ولم يسألها أحد منهم هل لك مملوك أم لا؟ = كان هذا مما يدل دلالة من أقوى الدلالات؛ بل دلالة قطعية على أنهم أفتوها بالكفارة في الجميع، وسواء كان لها مملوك أم لم يكن.

стр. 419

الجواب [الخامس]: أن هذه مولاة أبي رافع، وأبو رافع كان مملوكها، وليس في الحديث أنها كانت قد أعتقته. [الجواب السادس]: أن من ليس له مملوك لا يقول في يمينه: وكل مملوك لي حر؛ ولا جرت في عادة الناس بذلك، كما أن من ليس له امرأة لا يقول في يمينه: كل امرأة لي طالق. ومن ليس له ماشية لا يقول: وكل بعير لي هدي. ومن ليس له دار لا يقول: كل دار لي وقف. ومعلومٌ أَنَّ المرجع في دلالة الألفاظ واللغات إلى عادة الناس التي اعتقدوها في خطابهم فإذا حملنا كلام المتكلم على ما لم تجر عادة مثله بإرادته = فسد الاستدلال باللغات (١)، وانسدَّ باب البيان الذي امتن الله ــ عزو جل ــ به على عباده حيث (٢) [٩٥/ ب] [يقول] (٣): ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾ (٤) [الرحمن: ١ - ٣]. فصلٌ وأما (٥) قول القائل: (أو يكون المُفْتُون تركوا ذكر العتق لها لعلمها به، وذكروا لها حكم اليمين المقرونة (٦) به وهو التكفير) (٧).

стр. 420

فمثل هذا الكلام وأمثاله لولا أن المعترض سطَّره لم يكن بنا حاجة إلى أن نذكره ونجيب عنه، فإنه وأمثاله من كلامه مما يظهر فيه أنه من جنس كلام القرامطة، الذين يحرفون كلام المتكلم عن مواضعه، ويحملونه على ما لم يخطر ببال أحد من المستمعين أنه أراده! فإنَّ هذه المرأة كانت تعتقد أنه يلزمها ما حلفت به من الهدي والعتق والكفر، ولهذا جعلت ذلك عذرًا لها في الإصرار على اليمين، وصارت تقول لكل واحد من أولئك السادة: حلفتُ بالهدي والعتاق، فيقولون: وإنْ كنتِ حلفت بالهدي والعتاق، وتستعظم أن تحنث في يمينها لِظَنِّهَا لزوم تلك الأمور التي عَلَّقَتْهَا بالشرط؛ وتقول لابن عمر: بأبي أنت وبأبي أبوك! قلت: كذا وكذا، تُظْهِرُ له عظيم ما جعلته لازمًا لها من الهدي والعتق والكفر وغير ذلك، ثم مع هذا يقولون لها: كَفِّرِي يمينك، لا يأمرونها بغير هذا. أفتظنُّ أنَّ هذه كانت تُفَرِّق بين الحلف بالعتق وغيره، وترى العتق يلزم والهدي والكفر لا يلزم؟! أم كان الجميع عندها سواء في اللزوم، لأنَّ ذلك موجب عقدها؟ وهي لم تكن تَعرف أَنَّ الله جعل لهذا العقد تحلة، فأفتاها الصحابة بالكفارة وحدها ولم يأمروها بشيء غير ذلك، ولا قالوا لها إنه يعتق كل ما في ملكك من الرقيق مع الكفارة. فلو قال بعض الناس: كان الأمر بالكفارة في الحلف بالكفر وحده، والباقي لازم ــ كما يقوله بعض أصحاب أبي حنيفة ــ كان قوله من جنس قول من قال: بل الكفارة في النذرِ، والعتقُ لازم؛ وكلاهما باطل قطعًا، وبطلانه أظهر من بطلان قول من يقول: بل الكفارة كانت في العتق والهدي، وأما الكفر؛ فلا كفارة فيه.

стр. 421

وأما من قال: الكفارة عن النذر، وأما العتق فلازم، والكفر لا شيء فيه ــ كما يقوله من يقوله من نحو المعترض ــ [٩٦/ أ] فمعلومٌ أنَّ قول هؤلاء من أبعد الأقوال عن أقوال هؤلاء [الصحابة] (١)؛ فإنهم ــ رضوان الله عليهم ــ أفتوا بالكفارة في الحلف بهذه [الأيمان] (٢) الثلاثة أو برابع معها وخامس، فأفتاها الصحابة في الحلف بذلك بكفارة يمين، وقالوا: كَفِّرِي يمينك. فقول القائل: إِنَّ الكفارة عن بعض ما حلفت به، وبعض ذلك يلزمها ولا يؤثر فيه التكفير، وبعض ذلك لا يلزم ولا حاجة فيه إلى تكفير = مما يُعلم يقينًا أن أولئك الصحابة لم يفتوا به، بل ولا نقل عن أحد من الصحابة أنه أفتى به، بل هذا القول وأمثاله مخالف لكل ما نقل عن الصحابة في التعليق الذي يقصد به اليمين، مع مخالفته لدلالة الكتاب والسنة والقياس الجلي. * * * *

стр. 422

فصلٌ قال المعترض: (ثم على تقدير ألا يكون شيء من الاحتمالات المذكورة، وأنهم كانوا يعتقدون التكفير في العتق، لا يلزم منه اعتقادهم ذلك في الطلاق، لأنَّ العتق قربة (١) والحالف لم يقصد التقرب بعتقه، بخلاف الطلاق فإنه ليس بقربة فلا يشترط فيه ذلك). قال: (وهذا الفرق وإن كنا لا نعتقده إلا أنه لا يمتنع أَنَّ بعض الصحابة يعتقده؛ فلا يجوز أنْ نلزمهم قياس ما يحتمل أنهم يُفَرِّقُونَ فيه) (٢). والجواب من وجوه: أحدها: إنا نحن في الجواب الذي اعترض عليه لم نَذكر عن الصحابة في الطلاق نقلًا؛ فهذا الكلام لا يستحق الجواب. الثاني: أن يقال: لا يجوز لأحد أن يحكي عن الصحابة قولًا يَحكم فيه بخطئهم من غير أن يكون في كلامهم ما يدل على ذلك. وحينئذٍ؛ فإذا جعل قول هؤلاء الصحابة هو الفرق بين الطلاق والعتاق، مع الحكم بأن ذلك خطأ = كان هذا القائل قد قَوَّلَ أصحاب رسول الله ﷺ من الخطأ الباطل عنده ما لم يقولوه، ولا نقله أحد عنهم لا بإسناد صحيح ولا ضعيف.

стр. 423

ومعلومٌ أَنَّ مثل هذا لو [٩٣/ ب] فَعَلَهُ (١) الإنسان بمن هو دون الصحابة = لكان فيه من القول بلا علم وتقويل الأكابر من الخطأ ما لم يقولوه (٢) ما فيه من حَقِّ الله وحقهم، وما يتصل بذلك من الكلام في الدين بالباطل ما يكون أقل أحواله: أن يكون مردودًا على قائله. الوجه الثالث: أن هذا القول لم يُعرف عن أحدٍ من المسلمين قبل أبي ثور، ولا نقله أَحَدٌ عن أَحَدٍ قبل أبي ثور، ولولا أَنَّ أبا ثور قاله لم يعرف به قائل في الإسلام، فلا يعرف في الإسلام من جعل في الحلف بالنذر والعتق: الكفارة، وألزم الحالف بالطلاقِ الطلاقَ إلا أبا ثور، ولو كان هذا مما يعرف عن أحد من الصحابة أو يفهم من كلامهم = لكان هذا مما يتوفر نقل العلماء له عنهم، ولكان نقل ذلك عنهم أولى من نقله عن أبي ثور. وإذا قيل: هذا النقل تركب من نقل الإجماع على الطلاق والنزاع في العتاق. قيل: أول من حكى هذا الإجماع من العلماء هو أبو ثور، وأبو ثور قد صَرَّحَ عن نفسه بأنَّ مرادي في الإجماع الذي أحكيه: عدمُ العلمِ بالمنازع؛ فليس معه عن هؤلاء الصحابة إلا عَدَمُ علمِهِ بقولهم في الطلاق (٣). وإذا لم أعلم قول قائل في مسألة وقد أفتى في نظيرها = لم يجز أنْ أجزم عنه بأنَّ فتياه في نظيرها مخالف فتياه فيها، بل إما أنْ أجعل قوله في

стр. 424

نظيرها كقوله فيها، أو أسكت عن التخريج، فأما أَنْ أجعل قوله في نظيرها مخالفًا لقوله فيها، ثم أحكم بخطئه = فهذا لا يفعله أحد من العلماء بأحد ممن هو دون الصحابة فضلًا عن الصحابة، ولا يُجَوِّزُ مثلَ هذا مَنْ يدري ما يقول، وما علمتُ عالمًا فعل هذا بالصحابة. فإنَّ أبا ثور وإن ظن الإجماع، فهو يقول بالفرق بين الطلاق والعتق؛ فعلى قول أبي ثور: يكون هؤلاء الصحابة فَرَّقُوا بين الطلاق والعتق، والفرق صحيح، [و] (١) هو حكم الله ــ ــ ورسوله ﷺ ، لا يقول أبو ثور: إنهم فرقوا وأخطأوا في الفرق. ومن جعل هذا الفرق باطلًا وسَوَّى بين العتق والطلاق إما في اللزوم وإما في عدمه كسائر العلماء من الأئمة كأبي حنيفة ومالك [٩٤/ أ] والأوزاعي والثوري والشافعي وأحمد بن حنبل، بل داود [بن علي] (٢) وغيره=لم يحك أَحَدٌ من هؤلاء إجماعًا لا على وقوع الطلاق ولا [العتاق] (٣). والذين جاؤوا بعد أبي ثور مثل: محمد بن نصر وابن عبد البر نقلوا الإجماع الذي ظَنَّهُ أبو ثور مع تسويتهم بين الطلاق والعتاق، ومع نقلهم لأقوال الصحابة الذين أفتوا في الحلف بالعتق بكفارة يمين؛ فهؤلاء يلزمهم أَنْ يُخَطِّئُوا الصحابة، وأَنْ يُقَوِّلُوهم ما لم يقولوه، ويقولوا مع ذلك إنهم أخطأوا فيه، ولا علم عندهم بذلك إلا تقليد أبي ثور في إجماعٍ ليس عنده فيه إلا عدم العلم.

стр. 425

ومن جزم بخطأ الصحابة ولا مستند له إلا عدم علمه كان هو أحق بالخطأ من الصحابة، ولا ريب أن من ظن إجماعًا في هذه المسألة فهو مخطئ قطعًا، لا سيما من ظن إجماعًا على وقوع الطلاق، فإن النزاع في وقوع الطلاق معروف عن غير واحد من العلماء قديمًا وحديثًا؛ منهم من يقول الطلاق المعلَّق بالصفة لا يقع بحال، ومنهم مَنْ يُفَرِّق بين التعليق الذي يقصد به اليمين والذي يقصد به الإيقاع؛ وعلى هذا القول فإذا قصد به اليمين لم يلزمه، وهل عليه كفارة؟ على قولين؛ فهذه ثلاثة أقوال أخر للمسلمين وهي أقوال [معروفة] (١)، فخطأ من لم يعلم النزاع معلوم قطعًا. وأما الصحابة الذين خَطَّأهم هؤلاء فلم يقولوا قولًا يظهر فيه خطؤهم، بل الكتاب والسنة والاعتبار يدل على صواب أقوال الصحابة ﵃، فكيف يحكم بخطئهم دون خطأ الذين قد علمنا قطعًا أن في نقلهم خطأ عليهم، بل وعلى غيرهم من الصحابة والتابعين؟! فإنه من لم يُنقل عنه من الصحابة فتيا لا بالتكفير ولا باللزوم لا يجوز أن يقول: هو كان يعتقد لزوم الطلاق أو الطلاق المحلوف به؛ فكيف إذا كان مِنْ قوله: أَنَّ العتقَ المحلوف به لا يلزم بل يجزئ فيه كفارة يمين؟ كيف يجوز مع ذلك أن يحكم عليه أنه [اعتقد] (٢) فرقًا يعلم أنه خطأ وهو لم يفرق؟ الوجه الرابع: أن نقل المذاهب بالاستنباط والاستدلال (٣). (٤)
следующие страницы →