← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 32384

الرد على السبكي في مسألة تعليق الطلاق

ابن تيمية

Полный текст (1 081 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

وأما من قال: الكفارة عن النذر، وأما العتق فلازم، والكفر لا شيء فيه ــ كما يقوله من يقوله من نحو المعترض ــ [٩٦/ أ] فمعلومٌ أنَّ قول هؤلاء من أبعد الأقوال عن أقوال هؤلاء [الصحابة] (١)؛ فإنهم ــ رضوان الله عليهم ــ أفتوا بالكفارة في الحلف بهذه [الأيمان] (٢) الثلاثة أو برابع معها وخامس، فأفتاها الصحابة في الحلف بذلك بكفارة يمين، وقالوا: كَفِّرِي يمينك. فقول القائل: إِنَّ الكفارة عن بعض ما حلفت به، وبعض ذلك يلزمها ولا يؤثر فيه التكفير، وبعض ذلك لا يلزم ولا حاجة فيه إلى تكفير = مما يُعلم يقينًا أن أولئك الصحابة لم يفتوا به، بل ولا نقل عن أحد من الصحابة أنه أفتى به، بل هذا القول وأمثاله مخالف لكل ما نقل عن الصحابة في التعليق الذي يقصد به اليمين، مع مخالفته لدلالة الكتاب والسنة والقياس الجلي. * * * *

стр. 422

فصلٌ قال المعترض: (ثم على تقدير ألا يكون شيء من الاحتمالات المذكورة، وأنهم كانوا يعتقدون التكفير في العتق، لا يلزم منه اعتقادهم ذلك في الطلاق، لأنَّ العتق قربة (١) والحالف لم يقصد التقرب بعتقه، بخلاف الطلاق فإنه ليس بقربة فلا يشترط فيه ذلك). قال: (وهذا الفرق وإن كنا لا نعتقده إلا أنه لا يمتنع أَنَّ بعض الصحابة يعتقده؛ فلا يجوز أنْ نلزمهم قياس ما يحتمل أنهم يُفَرِّقُونَ فيه) (٢). والجواب من وجوه: أحدها: إنا نحن في الجواب الذي اعترض عليه لم نَذكر عن الصحابة في الطلاق نقلًا؛ فهذا الكلام لا يستحق الجواب. الثاني: أن يقال: لا يجوز لأحد أن يحكي عن الصحابة قولًا يَحكم فيه بخطئهم من غير أن يكون في كلامهم ما يدل على ذلك. وحينئذٍ؛ فإذا جعل قول هؤلاء الصحابة هو الفرق بين الطلاق والعتاق، مع الحكم بأن ذلك خطأ = كان هذا القائل قد قَوَّلَ أصحاب رسول الله ﷺ من الخطأ الباطل عنده ما لم يقولوه، ولا نقله أحد عنهم لا بإسناد صحيح ولا ضعيف.

стр. 423

ومعلومٌ أَنَّ مثل هذا لو [٩٣/ ب] فَعَلَهُ (١) الإنسان بمن هو دون الصحابة = لكان فيه من القول بلا علم وتقويل الأكابر من الخطأ ما لم يقولوه (٢) ما فيه من حَقِّ الله وحقهم، وما يتصل بذلك من الكلام في الدين بالباطل ما يكون أقل أحواله: أن يكون مردودًا على قائله. الوجه الثالث: أن هذا القول لم يُعرف عن أحدٍ من المسلمين قبل أبي ثور، ولا نقله أَحَدٌ عن أَحَدٍ قبل أبي ثور، ولولا أَنَّ أبا ثور قاله لم يعرف به قائل في الإسلام، فلا يعرف في الإسلام من جعل في الحلف بالنذر والعتق: الكفارة، وألزم الحالف بالطلاقِ الطلاقَ إلا أبا ثور، ولو كان هذا مما يعرف عن أحد من الصحابة أو يفهم من كلامهم = لكان هذا مما يتوفر نقل العلماء له عنهم، ولكان نقل ذلك عنهم أولى من نقله عن أبي ثور. وإذا قيل: هذا النقل تركب من نقل الإجماع على الطلاق والنزاع في العتاق. قيل: أول من حكى هذا الإجماع من العلماء هو أبو ثور، وأبو ثور قد صَرَّحَ عن نفسه بأنَّ مرادي في الإجماع الذي أحكيه: عدمُ العلمِ بالمنازع؛ فليس معه عن هؤلاء الصحابة إلا عَدَمُ علمِهِ بقولهم في الطلاق (٣). وإذا لم أعلم قول قائل في مسألة وقد أفتى في نظيرها = لم يجز أنْ أجزم عنه بأنَّ فتياه في نظيرها مخالف فتياه فيها، بل إما أنْ أجعل قوله في

стр. 424

نظيرها كقوله فيها، أو أسكت عن التخريج، فأما أَنْ أجعل قوله في نظيرها مخالفًا لقوله فيها، ثم أحكم بخطئه = فهذا لا يفعله أحد من العلماء بأحد ممن هو دون الصحابة فضلًا عن الصحابة، ولا يُجَوِّزُ مثلَ هذا مَنْ يدري ما يقول، وما علمتُ عالمًا فعل هذا بالصحابة. فإنَّ أبا ثور وإن ظن الإجماع، فهو يقول بالفرق بين الطلاق والعتق؛ فعلى قول أبي ثور: يكون هؤلاء الصحابة فَرَّقُوا بين الطلاق والعتق، والفرق صحيح، [و] (١) هو حكم الله ــ ــ ورسوله ﷺ ، لا يقول أبو ثور: إنهم فرقوا وأخطأوا في الفرق. ومن جعل هذا الفرق باطلًا وسَوَّى بين العتق والطلاق إما في اللزوم وإما في عدمه كسائر العلماء من الأئمة كأبي حنيفة ومالك [٩٤/ أ] والأوزاعي والثوري والشافعي وأحمد بن حنبل، بل داود [بن علي] (٢) وغيره=لم يحك أَحَدٌ من هؤلاء إجماعًا لا على وقوع الطلاق ولا [العتاق] (٣). والذين جاؤوا بعد أبي ثور مثل: محمد بن نصر وابن عبد البر نقلوا الإجماع الذي ظَنَّهُ أبو ثور مع تسويتهم بين الطلاق والعتاق، ومع نقلهم لأقوال الصحابة الذين أفتوا في الحلف بالعتق بكفارة يمين؛ فهؤلاء يلزمهم أَنْ يُخَطِّئُوا الصحابة، وأَنْ يُقَوِّلُوهم ما لم يقولوه، ويقولوا مع ذلك إنهم أخطأوا فيه، ولا علم عندهم بذلك إلا تقليد أبي ثور في إجماعٍ ليس عنده فيه إلا عدم العلم.

стр. 425

ومن جزم بخطأ الصحابة ولا مستند له إلا عدم علمه كان هو أحق بالخطأ من الصحابة، ولا ريب أن من ظن إجماعًا في هذه المسألة فهو مخطئ قطعًا، لا سيما من ظن إجماعًا على وقوع الطلاق، فإن النزاع في وقوع الطلاق معروف عن غير واحد من العلماء قديمًا وحديثًا؛ منهم من يقول الطلاق المعلَّق بالصفة لا يقع بحال، ومنهم مَنْ يُفَرِّق بين التعليق الذي يقصد به اليمين والذي يقصد به الإيقاع؛ وعلى هذا القول فإذا قصد به اليمين لم يلزمه، وهل عليه كفارة؟ على قولين؛ فهذه ثلاثة أقوال أخر للمسلمين وهي أقوال [معروفة] (١)، فخطأ من لم يعلم النزاع معلوم قطعًا. وأما الصحابة الذين خَطَّأهم هؤلاء فلم يقولوا قولًا يظهر فيه خطؤهم، بل الكتاب والسنة والاعتبار يدل على صواب أقوال الصحابة ﵃، فكيف يحكم بخطئهم دون خطأ الذين قد علمنا قطعًا أن في نقلهم خطأ عليهم، بل وعلى غيرهم من الصحابة والتابعين؟! فإنه من لم يُنقل عنه من الصحابة فتيا لا بالتكفير ولا باللزوم لا يجوز أن يقول: هو كان يعتقد لزوم الطلاق أو الطلاق المحلوف به؛ فكيف إذا كان مِنْ قوله: أَنَّ العتقَ المحلوف به لا يلزم بل يجزئ فيه كفارة يمين؟ كيف يجوز مع ذلك أن يحكم عليه أنه [اعتقد] (٢) فرقًا يعلم أنه خطأ وهو لم يفرق؟ الوجه الرابع: أن نقل المذاهب بالاستنباط والاستدلال (٣). (٤)

стр. 426

[٨٩/ ب] [ ... ] (١) ابن عباس. فقال: إني نذرت لأنحرنَّ نفسي. فقال ابن عباس: ﴿[لَقَدْ كَانَ] (٢) لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، ثم تلى ابن عباس: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧]. قال البيهقي: هذا يدل على أنه أراد برسول الله إبراهيم. قال (٣): قد روي عن ابن عباس فيمن نذر أن يذبح نفسه فَتْوى أخرى، وروى بإسناده الثابت عن الأعمش، عن سالم بن أبي الجعد، عن كريب، عن ابن عباس قال: أتاه رجل، فقال: إني نذرت أن أنحر نفسي. قال: وعند ابن عباس رجل يريد أن يخرج إلى الجهاد ومعه أبواه، وابن عباس مشتغل به يقول له: أقم مع أبويك. قال: فجعل الرجل يقول: إني نذرت أَنْ أنحر نفسي. فقال له ابن عباس: ما أصنع بك؟! اذهب فانحر نفسك! فلما فرغ ابن عباس من الرجل وأبويه، قال: عليَّ بالرجل. قال: فذهبوا فوجدوه قد بَرَكَ على ركبتيه يريد أن ينحر نفسه، فجاؤوا به إلى ابن عباس فقال له: ويحك! لقد أردت أنْ تُحِلَّ ثلاث خصال: أَنْ تُحِلَّ بلدًا حرامًا، وتقطع رحمًا حرامًا ــ نفسُك أقرب الأرحام إليك ــ، وأن تسفك دمًا حرامًا. أتجد مائة من

стр. 427

الإبل؟ قال: نعم. قال: اذهب فانحر في كل عام ثلثًا، لا يَفْسُدِ اللحمُ. وفي رواية: ابن نمير (١) عن الأعمش. قال كريب: فترصدته (٢) عامين، فأما الثالث فلا أدري ما فعل. قال (٣): ورواه الثوري، عن الأعمش بمعناه، وزاد: قال الأعمش: فبلغني عن ابن عباس أنه قال: لو اعتلَّ عليَّ (٤) لَأَمَرْتُهُ بكبشٍ. قال البيهقي (٥): وقد روي من وجه آخر عن ابن عباس: أنه أمر في هذه المسألة بكبش. وروى البيهقي من حديث إسحاق الأزرق، حدثنا ابن عون، حدثني رجل أَنَّ رجلًا سأل ابن عمر عن رجل نذر ألا يكلم أخاه فإن كلمه فهو ينحر نفسه بين المقام والركن في أيام التشريق. فقال: يا ابن أخي أبلغ من وراءك أنه لا نذر في معصية الله، لو نذر ألا يصوم رمضان (٦) فصامه كان خيرًا له، ولو نذر ألا يصلي فصلى كان خيرًا له؛ مُرْ صاحبك فليكفر عن يمينه، وليكلم أخاه (٧).

стр. 428

فهذه الآثار ثابتة عن ابن عباس باتفاق أهل العلم، وقد تبع ابن عباس جمهور العلماء، كمالك وأبي حنيفة وأحمد وغيرهم. وقال مالك: من حلف فقال: أنا أنحر ابني إن فعلت كذا، فحنث فعليه كفارة يمين (١). [٩٠/ أ] وقال مرة: إن كان نوى بذلك الهدي؛ عليه هدي، وإن كان لم [ينو فيها؛ لا] (٢) شيء عليه، لا هدي ولا كفارة (٣). وقال مرة: إن نذر ذلك عند مقام [إبراهيم] (٤) فعليه هدي، وإن لم يقل عند مقام إبراهيم فكفارة يمين (٥). وقال أبو حنيفة: من نذر ذبح ولده فعليه شاة (٦)، وطائفة لم تتبعه، بل قالوا: لا شيء في ذلك، كالشافعي ويذكر هذا رواية عن أحمد، وظاهر مذهبه كما قال ابن عباس، لكن أفتى أحمد في غير موضع بكفارة يمين، كما روي عن ابن عباس من رواية القاسم (٧)، وهو اختيار طائفة من أصحاب

стр. 429

أحمد كأبي الخطاب وأبي محمد قالوا: لأنَّ هذا نذر معصية، ونذر المعصية فيه كفارة يمين في ظاهر مذهب أحمد، كما نقل عن الصحابة في ذلك، وأفتى في مواضع بكبش، كما نقل عطاء وعكرمة عن ابن عباس، وهو اختيار كثير من أصحابه: كالقاضي أبي يعلى وأتباعه، وطائفة من أصحابه كالخرقي وغيره قالوا عن أحمد فيمن حلف ينحر ولده روايتان: إحداهما يلزمه كفارة يمين، والأخرى يذبح كبشًا (١). لكن أكثر نصوص أحمد تُفرِّق بين أن يحلف بذلك وبين أن ينذر ذلك؛ وهو القول الرابع في مذهبه، وهذا مقتضى نصوصه بالجواب بكفارة يمين فيمن حلف بذلك، وبالكبش فيمن نذر ذلك، لأنَّ من أصله أن من حلف بالنذر الواجب فعليه كفارة يمين. فكيف إذا حلف بالنذر الذي لا يجب بعينه بل يجب بدله؟! ونظير هذا لو قال: إنْ فعلت كذا فعليَّ أنْ أصوم يوم العيد، فهنا تجزئه كفارة يمين ولا يحتاج إلى صوم لا نزاع فيه، فإنه لو قال: إِنْ فعلت كذا فلِلّه عليَّ أَنْ أصوم؛ أجزأته كفارة يمين، وكذلك لو قال: إِنْ فعلت كذا فلله عليَّ أَنْ أهدي بدنة أو مائة من الإبل؛ أجزأته كفارة يمين بلا خلاف في مذهبه، فكيف لا تجزئ هنا كفارة يمين؟! وأما إذا نذره على وجه التبرر يعتقد أن ذبح ابنه أو نفسه قربة يتقرب بها إلى الله، فهنا يكون الجواب بأنه يذبح كبشًا، كما قال ابن عباس ويقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] وهو إبراهيم، فإنَّ

стр. 430

الله يقول: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الممتحنة: ٤]، وإبراهيم ﷺ [٩٤/ ب] لَمَّا أُمِرَ بذبح ابنه، ثم حرم عليه ذلك، فداه الله بِذَبْح كبش (١)، وجعل هذا بدلًا مما أوجبَ أولًا من ذبح الابن. والواجب بالنذر كالواجب بالشرع، إذا تعذر الأصل انتقل إلى البدل؛ كما لو نذر أن يصوم يومًا فأفطر لعذر فإنه يصوم يومًا مكانه، ولهذا إذا أبدل المنذور بخيرٍ منه أجزأه، كما لو نذر أن يصلي بالمسجد الأقصى فصلى في أحد المسجدين ــ المسجد الحرام، أو مسجد المدينة ــ أجزأه ذلك (٢). ولهذا كان ظاهر مذهب أحمد وأبي حنيفة وغيرهما أنه يجوز إبدال الهدي والأضحية بخير منهما (٣)؛ وهذا بخلاف تعيين الشارع، فإنه لا يعين الشيء إلا وهو أفضل من غيره، وأما الناذر فقد يُعَيِّنُ الشيءَ وغيرُهُ أفضل منه. ولهذا جاز أن يفعل عن الميت كل نذر لم يفعله حتى الاعتكاف والصلاة في أصح الروايتين عن أحمد، فإنَّ النبي ﷺ جعل النذر كالدين الذي في ذمة الميت، والدين يقبل فيه قضاء الغير فالله أحق بالقضاء (٤)، ويقبل فيه أداء خير منه، لكن الغير لا يفعل عنه العبادات البدنية إلا مع العجز، لأنه غير بدنه وليس بدن غيره أفضل؛ فصار كما إذا نَذَرَ عبادة فاضلة

стр. 431

ليس له أن يبدل ذلك إلا إذا تعذر الأصل. ولذلك أفتى ابن عباس فيمن نذر أَنْ يطوف على أربع، فقال: يطوف طوافًا ليديه وطوافًا لرجليه (١)، واتبعه أحمد فإنه لما نذر أن يطوف على اليدين وليس ذلك بمشروع أمره أن يبدل ذلك بالطواف على رجلين. وقد روى ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه أمر أخت عقبة بن عامر: أَنْ تهدي هديًا لِمَا تعجز عنه من المشي في الحج. رواه أبو داود في سننه (٢) من حديث همام، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس أَنَّ أخت عقبة بن عامر نذرت أَنْ تمشي إلى البيت، ولأنها لا تطيق ذلك فأمرها النبي ﷺ أَنْ تركب وأَنْ تهدي هديًا. ورواه [ ... ] (٣) حدثنا همام، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس أَنَّ عقبة بن عامر قال للنبي ﷺ أن أخته نذرت أن تمشي إلى البيت. فقال: «إن الله غني عن نذر أختك؛ لتحج راكبة، وتهدي بدنة» (٤). قال البيهقي (٥) [٩٥/ أ]: ورواه هشام الدستوائي ولم يذكر الهدي، بل

стр. 432

قال: «إنَّ الله غنيٌ [عن] (١) نذرها؛ فمرها فلتركب». وكذلك رُوِيَ عن خالد الحذاء، عن عكرمة دون ذكر الهدي. ورواه ابن أبي عروبة عن قتادة فأرسَلَهُ، ولم يذكر الهدي فيه. قال أبو داود (٢): ورواه خالد عن عكرمة بمعناه، وقيل (٣): عن عكرمة عن عقبة بن عامر دون ذكر الهدي فيه. قلتُ: وقد روي من طريق ثابتة، عن عكرمة، عن ابن عباس. وفيه ذكر الهدي؛ وقد رواه أحمد في المسند (٤). ورواه البيهقي (٥) بالإسناد الثابت من حديث إبراهيم بن طهمان، عن مَطَرٍ الورَّاق، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: إنَّ أختَ عقبة نذرت أَنْ تَحُجَّ ماشية، وإنها لا تُطيق ذلك [فقال رسول الله ﷺ : «إنَّ الله لغنيٌ عن مشي أختك؛ فلتركب، ولتُهْدِ بدنة»] (٦).

стр. 433

ولفظ أحمد عن [قتادة، عن عكرمة] (١) عن ابن عباس، أنَّ عقبة بن عامر سألَ النبي ﷺ فقال: إنَّ أخته نذرت أنْ تمشي إلى البيت، وَشَكَى ضعفها. فقال النبي ﷺ : «إِنَّ الله غنيٌ عن نَذْرِ أختك، فلتركب ولتُهْدِ بدنه». وروى ــ أيضًا ــ (٢) من طريق ابن عباس في مثل ذلك الأمر بالكفارة. وروى ــ أيضًا ــ [دون] (٣) ذكر الهدي: أحمدُ وأبو داود (٤) من حديث شريك، عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة، عن كريب، عن ابن عباس قال: جاءت امرأةٌ إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله! إنَّ أُختي نذرت أنْ تحجَّ ماشيةً. فقال: «إنَّ الله لا يصنع بشقاء أختك شيئًا، لِتَخرج راكبةً، ولتكفِّر يمينها». وقال البيهقي (٥): تفرد به شريك. وروى (٦) من حديث عقبة بن عامر ــ ولفظه في الصحيحين (٧) ــ عن عقبة بن عامر قال: نَذَرَت أختي أنْ تمشي إلى بيتِ الله، فأمرتني أن أستفتي لها النبي ﷺ فاستفتيته. فقال: «لتمشِ ولتركب».

стр. 434

وفي رواية لمسلم جاء فيه: غير مختمرة (١). وفي رواية لأحمد (٢): نذرت أختي أنْ تمشي إلى الكعبة. فقال رسول الله ﷺ : «إنَّ الله لغنيٌ عن مشيها؛ لتركب، ولتهد بدنة». وفي رواية لأهل السنن (٣): أنَّ أخته نذرت أنْ تمشي ــ جاء فيه ــ غير مختمرة. وفي لفظ (٤): أنْ تحجَّ لله ماشيةً غير مختمرة، فَسَأَلَ النبي ــ صلى الله [٩٠/ ب] عليه وسلم ــ، فقال: «إنَّ الله لا يصنع بشقاء أختك شيئًا؛ مُرْهَا فلتختمر، ولتركب، ولتصم ثلاثة أيام» رواه أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه من حديث يحيى بن سعيد، عن عبيد الله (٥) بن [زحر] (٦)، عن أبي سعيد الرُّعَيْنِي، عن عبد الله بن مالك، عن عقبة بن عامر الجهني. وقد اختلف الناس في حديث عقبة وفي حكمه؛ منهم مَنْ ثَبَّتَ ذكر [كفارة] (٧) اليمين دون الهدي، ومنهم من عكس، ومنهم من ضعفها.

стр. 435

قال البخاري (١): لا يصح فيه ذكر الهدي. وهذا أشهر الروايتين عن أحمد، اختارها أكثر أصحابه كالخرقي وغيره، أوجب فيمن نذر المشي إلى مكة وعجز عنه= كفارة يمين مع الركوب. والقول بترجيح (٢) رواية من ذكر الهدي هو إحدى الروايتين عن أحمد وأبي حنيفة، يَلْزَمُهُ دمٌ وهو قول الشافعي، وأفتى به عطاء وهو قول مالك وأبي حنيفة. وأبو حنيفة يقول: عليه هديٌ سواء عجز [عن] (٣) المشي أو قدر عليه، وأقلُّ الهدي شاة، وهذا مأثورٌ عن ابن عباس نفسه أنه أفتى بالهدي، وهذا يؤيد روايته عن النبي ﷺ . والقول الثالث: تضعيف الروايتين جميعًا، وأنه لا يلزمه مع العجز شيء، وهو القول الثاني للشافعي. قال: لا يلزمه مع العجز كفارة بحال إلا أن يكون النذر مشيًا إلى بيت الله الحرام، فهل يلزمه هدي؟ فيه قولان، وأما غيره فلا يلزمه مع العجز شيء؛ وحجةُ هذا: أَنَّ ذكر البدنة والكفارة ليس في واحد من الصحيحين، بل في الصحيحين (٤) ــ أيضًا ــ عن ثابت [عن أنس] (٥). قال: مَرَّ شيخٌ كبيرٌ يُهادَى بين ابنيه. فقال ﷺ : «ما بال هذا؟». قالوا: نذر يا رسول

стр. 436

الله أَنْ يمشي. قال: «إنَّ الله عن تعذيب هذا نفسَهُ لغنيٌ»، وأمره أنْ يركب فركب. هكذا هو في الصحيحين من حديث مروان الفزاري وغيره، عن حميد، عن ثابت، عن أنس. ورواه عبد الوارث، عن حميد فذكر البدنة، وصحح هذا محمد بن جرير الطبري، فقال: صحَّ الخبر عن النبي ﷺ بما حدثني به عمرو بن بحر (١)، حدثنا [٩١/ أ] عبد الوراث، حدثنا حميد الطويل، عن أنس قال: رأى رسول الله ﷺ رجلًا يُهادى بين رجلين. قال: «إنَّ الله لَغَنِيٌ عن تعذيب نفسه». قالوا: يا رسول الله، إنه نذر. قال: «اركب، وعليك بدنة» (٢). قال (٣): وصحَّ الخبر بما حدثني به سهل بن محمد السجستاني، حدثنا أبو عبد الرحمن المقري (٤)، حدثنا همام، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن عقبة بن عامر أَنَّ أخته نذرت أَنْ تمشي إلى البيت فأتى النبي ﷺ عقبة بن عامر، فسأله. قال: «إِنَّ الله غنيٌ عن نذر أختك؛ فلتركب ولتهد بدنة» (٥).

стр. 437

قال ابن جرير: (فإنْ قيل: كيف استجزت أنْ تجعل حديث حميد عن أنس في ذلك حجة يعتمد عليها، وقد عَلِمْتَ ما حدثكم به ابن بشار، حدثنا ابن أبي عدي، عن حميد، عن أنس قال: رأى رسول الله ﷺ رجلًا يُهادى بين ابنيه. فقال: «ما هذا؟» قالوا: نذر أن يمشي. قال: «إنَّ الله لغنيٌ عن تعذيب هذا نفسه» فأمره أن يركب (١)، وليس فيه ذكر الأمر بهدي ولا غيره. قيل: إنَّ زيادة العدل واجب قبولها، وعبد الوارث ثقة، وزيادته مقبولة) (٢). قلت: ورواه مسلم ــ أيضًا ــ من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ أدرك شيخًا يمشي بين ابنيه يتوكأ عليهما، فقال النبي ﷺ : «ما شأنُ هذا الشيخ؟» قالوا: كان عليه نذر. فقال النبي ﷺ : «اركب ــ أيها الشيخ ــ فإنَّ الله غنيٌ عنك، وعن نذرك» (٣). وهذه حجة مَنْ قال: إنه لا كفارة في نذر المعصية، لأنَّ النبي ﷺ قال: «مَنْ نذر أَنْ يطيع الله فليطعه، ومَنْ نذر أَنْ يعصي الله فلا يعصه» رواه البخاري (٤)، وليس في الصحيح ذكر كفارة، وكذلك لم يذكر الكفارة في حديث أبي إسرائيل الذي نذر أن يقوم في الشمس ولا يستظل ولا يتكلم (٥)،

стр. 438

وفي حديث المرأة التي نذرت أن تذبح ناقة النبي ﷺ ، فقال النبي ﷺ : «لا نذر فيما لا يملك، ولا في معصية» (١). والمأثور عن الصحابة ــ رضوان الله عليهم ــ في نذر المعصية والنذر المعجوز عنه: الإفتاء إما ببدل وإما بكفارة يمين، كما في حديث عقبة بن عامر الذي رواه أهل السنن من حديث ابن عباس ومن حديث عقبة (٢). قال الشافعي (٣): عن ابن علية، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن علي في الرجل يحلف عليه المشي. قال: يمشي، فإنْ عجز ركب وأهدى بدنة. وروى أبو داود الطيالسي (٤): حدثنا أبو عامر صالح بن رُسْتُم، عن كثير بن شِنْظِير، عن الحسن، عن عمران بن حصين قال: قَلَّمَا قام فينا رسول الله ﷺ إلا حثنا فيه على الصدقة ونهانا عن المثلة. وقال: «إِنَّ من المثلة أَنْ يخرم أنفه، ومن المثلة أن ينذر أن يحج ماشيًا، فإذا نذر أحدكم أن يحج ماشيًا فليهد هديًا وليركب» (٥).

стр. 439

[٩١/ ب] قال البيهقي (١): ورواه محمد بن عبد الله (٢) الأنصاري، عن صالح. وقال [في] (٣) الحديث: «فليهد بدنة وليركب». وقد روي عن ابن عمر ﵄ أنه أمرها أن تركب ما مشت، فجعل ذلك البدل كافيًا. وروي عن ابن عباس ﵄ أنه أمرها بذلك، وبالهدي أيضًا. قال ابن وهب (٤): أخبرني مالك بن أنس وعبيد الله (٥) بن عمر، عن عروة بن أُذَيْنَة. قال: خَرَجْتُ مع جَدَّةٍ (٦) لي عليها مشي، حتى إذا كُنَّا ببعض الطريق عجزت، فأرسلت مولًى لها إلى عبد الله بن عمر يسأله، فَخَرَجْتُ معه، فسألَ ابن عمر، فقال: مُرْهَا فلتركب، ثم لتمش من حيثُ عجزت. وقال ابن وهب (٧): أخبرني سفيان الثوري، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن عبد الله بن عباس قال: قال ابن عباس: وتنحر بدنة. وروى البيهقي (٨) بإسناد جيد عن إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي أنه

стр. 440

سُئِلَ عن رجلٍ نَذَرَ أَنْ يمشي إلى الكعبة، فمشى نصف الطريق ثم ركب. قال ابن عباس: إذا كان عامُ قابلٍ فليركب ما مشى، وليمش ما ركب، وينحر بدنة. وقد روي عن ابن عباس موقوفًا ومرفوعًا فيمن نذر نذرًا لا يطيقه كفارة يمين. رواه أبو داود وغيره (١). ورواه البيهقي (٢) من حديث (٣) ابن جريج، عن ابن أبي هند، عن بكير بن عبد الله الأشج، عن كريب (٤)، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «من نذر نذرًا لم يسمه فكفارته كفارة يمين، [ومن نذر نذرًا لم يطقه فكفارته كفارة يمين] (٥)، ومن نذر نذرًا فأطاقه، فَلْيَفِ به». قال البيهقي (٦): وهكذا روي عن طلحة بن يحيى؛ تارة عنه عن عبد الله بن سعيد (٧) بن أبي هند [عن بكير] (٨)، وتارة عنه عن الضحاك بن عثمان عن عبد الله بن [سعيد] بن أبي هند.

стр. 441

قال (١): ورواه وكيع بن الجراح، عن عبد الله بن [سعيد] موقوفًا على ابن عباس. قال (٢): وروي من وجه آخر [ضعيف] (٣) عن ابن عباس، وروى بإسناده (٤) عن عبد الكريم، عن عطاء، عن ابن عباس، عن النبي ﷺ : «[إنَّ النذر نذران] (٥): فما كان لله فكفارته الوفاء به، وما كان للشيطان فلا وفاء له، وعليه كفارة يمين». قلت: وقد روى [ابن] (٦) جرير، حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو نعيم، عن أبي أسامة [٩٢/ أ] ــ وهو زيد الحجام ــ (٧)، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: مَنْ نذر لله فالوفاء أو كفارة، [ومن] (٨) نذر للشيطان فلا وفاء ولا كفارة (٩).

стр. 442

ورواها بإسناد ثابت [عن] (١) مسروق أنه قال: النذر نذران؛ فنذرٌ لله ونذرٌ للشيطان، فما لله فأوفِ به، وما كان للشيطان فلا وفاء ولا كفارة (٢). وقول ابن عباس: ما كان لله (٣)؛ ففيه الوفاء أو كفارة، مع سائر الروايات الثابتة المستفيضة عن ابن عباس تدل على أنه لا بُدَّ عنده فيمن نذر شيئًا لله أن يفي به أو يكفر. والوفاء تارة يكون بفعل المنذور، وتارة بفعل بدله، وسواء كان المنذور طاعة أو معصية، وسواء قدر أو عجز. وأما قوله في هذا الحديث: «فما كان للشيطان فلا وفاء ولا كفارة» فالنذر الذي ينذر لغير الله كالنذر للطواغيت وللكنائس والبِيَع وقبور الأنبياء والصالحين وغير ذلك= فإن النذر لها نذر لغير الله، فهو كالحلف بغير الله. فإنَّ عقبة بن عامر قال: النذر حَلِفٌ (٤)، وهو الذي روى عن النبي ﷺ قصة أخته، وروى عنه أنه قال: كفارة النذر كفارة يمين. رواه مسلم في صحيحه (٥). ومن حلف بالمخلوقات لم تكن يمينه محترمةً ولا كفارة فيها (٦)، كذلك من نذر للمخلوقين، بخلاف من نذر لله ما يعتقده قربة يتقرب به إلى

стр. 443

الله، (١) وهو معصية كذبح نفسه، أو نذر المعصية على سبيل الحض والمنع له لا على سبيل التقرب، فهذا بمنزلة اليمين فكفارته كفارة يمين. وبهذا يظهر الفرق بين هذا وبين البحيرة والسائبة ونحو ذلك، فإنَّ مِنَ الفقهاء مَنْ شَبَّهَ نذرَ المعصية بالبحيرة، وتلك لا كفارة فيها، كما أَنَّ منهم من شَبَّهَ الوقف بالبحيرة والسائبة، كما قال ابن سريج (٢): لا حبس عن فرائض الله (٣). ويروى أن أبا يوسف ومالكًا تناظرا في الحبس بحضرة الرشيد، فقاسه أبو يوسف على السوائب التي كان أهل الجاهلية يسيبونها، فأجابه مالك: بأنَّ أولئك كانوا يُسَيِّبُون لغير الله، وهذا الحبس لله؛ فلا يُشَبَّهُ ما حُبِسَ لغير الله بما حبس لله (٤) = كذلك هنا قال الشافعي (٥) في نذر المعصية: أصلُ معقولِ قول

стр. 444

عطاء في هذا: أنه ذهب إلى [٩٢/ ب] [أنه لم يكن] (١) عليه قضاء ولا كفارة. قال الشافعي (٢): وإنما أبطل الله النذر [في] (٣) البحيرة والسائبة أنها معصية، ولم يذكر في ذلك كفارة، وبذلك جاءت السنة. والجمهور الذين يخالفون هذا يقولون: النذر في البحيرة والسائبة نذر لغير الله كما أنها حبس لغير الله، وهذا بخلاف النذر لله فإنه كاليمين بالله، ولو حلف بالله ليفعلن معصية ولم يفعل = لزمه كفارة يمين عند الأربعة والجمهور كما قال النبي ﷺ : «مَنْ حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها؛ فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه» (٤). و النذر لله أقوى من الحلف باسمه ؛ فإذا كان من حلف به إذا لم يُوفِّ فلا بُدَّ له من الكفارة؛ فالناذر له إذا لم يوف فلا بُدَّ له من الكفارة بطريق الأولى، لأنَّ هذا التزم لله وذاك التزم به، والذم لتارك النذر أعظم من ذم الحالف الحانث. ومن قال: لا شيء في نذر المعصية، فقوله من جنس قول من قال: لا شيء في الحلف على فعل المعصية وأضعف، والنبي ﷺ قد قال: «لا نذر ولا يمين في معصية، ولا فيما لا يملك ابن آدم» (٥) مراده: أنه لا وفاء بذلك،

стр. 445

ليس مراده أنه لا كفارة في ذلك؛ فكذلك ما روي من الحديث: «لا نذر فيما لا يملك ولا في معصية» فالمراد به: أنه لا وفاء بذلك، ليس مراده أنه لا كفارة في ذلك. والمعروف عن الصحابة الأمرُ بالكفارة لمن لم يوف بنذره مطلقًا سواء كان المنذور معصية أو معجوزًا عنه؛ كما رواه أحمد وغيره (١)، ورواه البيهقي (٢) بالإسناد الثابت عن همام، حدثنا قتادة، عن الحسن، عن هَيَّاج بن عمران البُرْجُمِي أَنَّ غلامًا لأبيه أَبَقَ، فجعل لله عليه لئن قدر عليه ليقطعنَّ يده، فلما قَدَرَ عليه بعثني إلى عمران بن حصين فسألته، فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يحث في خطبته على الصدقة، وينهى عن المثلة. فقال: قل لأبيك: فليكفر عن يمينه، وليتجاوز عن غلامه. قال: وبعثني إلى سمرة بن جندب فقال: سمعت رسول الله ﷺ يحث في خطبته على الصدقة وينهى عن المثلة. فقال: قل لأبيك: فليكفِّر عن يمينه وليتجاوز عن غلامه. قال البيهقي: وهذا إسناد [موصول] (٣) [٩٣/ أ] إلا أن الأمر بالتكفير فيه موقوف على عمران ابن حصين وسمرة (٤).

стр. 446

قلت: [قد] (١) قال البيهقي ذلك، لأنه قد روى عن عمران مرفوعًا: «لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين» (٢)، وروي ذلك من وجوه (٣)؛ وفيه للناس كلام مبسوط في غير هذا الموضع (٤). والمقصود هنا: ذكر ما تقدم من رواية ابن عباس عن النبي ﷺ في نذر أخت عقبة في أمره لها بالهدي وفي أمره لها بكفارة يمين، كما روي هذا وهذا جميعًا عن عقبة بن عامر، ولا منافاة بين الروايتين؛ فإنها نذرت أن تحج ماشية غير مختمرة، وروي حافية وعجزت عن الركوب، فاشتمل نذرها على معصية وهو ترك الاختمار وعلى معجوز عنه، فإن المرأة مأمورة بالاختمار= فأوجب في نذر المعصية كفارة يمين كما لو قالت: والله لأحُجَّنَّ غير مختمرة، كما قال: «مَنْ حلف على يمين، فرأى غيرها خيرًا منها؛ فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه» (٥). وأما المشي فهو طاعة، فأمرها أن تمشي ما قدرت وتركب ما عجزت

стр. 447

وتهدي هديًا، لأنَّ هذا لما نذرته صار واجبًا في النسك، ومن ترك شيئًا من النسك الواجب كان عليه هدي. والمقصود هنا: أنَّ ابن عباس ﵄ قد ثبت عنه أنه أفتى بالكبش لمن نذر ذبح نفسه، وجعل ذلك بدلًا، لأنَّ الله جعله بدل الذبح الواجب على إبراهيم ﷺ ، وكما جعل النبي ﷺ الهدي بدلًا عما تركه الناذر من الركوب الذي أوجبه. وأما فتيا ابن عباس بكفارة يمين فيحتمل أنه أفتى بذلك فيمن حلف بذبح ابنه، فقال: إِنْ فعلتُ كذا فلله عليَّ أن أذبح ابني، وهذا موافقٌ لأصل ابن عباس، وهو أن الحالف بالنذر عليه كفارة يمين، والناذر عليه [فعل] (١) المنذور أو بدله، وهو أصل أحمد بن حنبل، وهو المأثور عن أصحاب النبي ﷺ (٢). وإذا عُرِفَ هذا؛ عُرِفَ أَنَّ رواية عثمان بن حاضر التي فيها أَنَّ ابن عباس قال: أما الجارية فتعتق، وأما المال المنذور فأدِّ زكاته، وأما نحر نفسك فانحري بدنة= هو (٣) مخالف للروايات الثابتة عن ابن عباس التي لم يتنازع أهل العلم في صحتها عنه؛ فإن كانت هذه الرواية ــ أيضًا ــ محفوظة، فغاية ذلك أَنْ يكون [ ... ] (٤).

стр. 448

[٩٦/ ب] بطريق الأولى والأحرى. وأما قول القائل: (العتقُ قربةٌ، والحالف لم يقصد التقرب بعتقه، بخلاف الطلاق فإنه ليس بقربة، فلا يشترط ذلك فيه) (١). فيقال له: لا ريب أَنَّ النزاع في اشتراط القصد في إيقاع الطلاق أظهر من النزاع في اشتراط التقرب في إيقاع العتق؛ فإنَّ طائفة ذهبوا إلى أنَّ طلاق الهازل لا يقع، وضعفوا الحديث المأثور فيه (٢)، وقالوا: لا يقع الطلاق إلا بالنية، وذكر أبو بكر عبد العزيز عن أحمد في اشتراط النية في الطلاق روايتين (٣). وأيضًا؛ فلا ريب في اشتراط قصد المتكلم به، فلو أراد أن يقول: طاهر، فسبق بطالق، لم يلزمه فيما بينه وبين الله شيء بلا نزاع. وأما كون العتق لا يقع إلا إذا قصد به المعتق التقرب إلى الله، فهذا من

стр. 449

أغرب الأقوال! وما علمتُ هذا القول منقولًا عن أحد من العلماء المعروفين المعتبرين، وإنما يحكى هذا عن بعض الرافضة، وبكل حال فهو قولٌ معلومُ الفسادِ (١)، فإنَّ عتق الكافر يصح بسنة رسول الله ﷺ الثابتة عنه، فغير واحد من الكفار أعتق مملوكًا له وأنفذ النبي ﷺ عتقهم، كما أنفذ ما فعلوه من العطية التي قصدوا بها الصدقة (٢). وقد قال عمرو بن العاص: إنَّ العاص بن وائل نَذَرَ أن يعتق [ ... ] (٣). وما يشترط فيه التقرب إلى الله كالصلاة والحج لا يصح من كافر، وإِنْ قيل: إِنَّ الكفار كانوا يقصدون بعتقهم التقرب إلى الله ولهذا يثابون على ذلك إذا أسلموا في أظهر القولين؛ كما في الصحيح من حديث حكيم بن حزام قال: قلت: يا رسول الله، أرأيت أمورًا كنت أتحنث بها في الجاهلية من

стр. 450

صدقة وعتاقة [وصلة رحم] (١) هل لي فيها من أجر؟ فقال: «أسلمتَ على ما أسلفتَ من خيرٍ» (٢). ولا ريب مع ذلك أنهم كانوا يعتقون لأسباب أخر، والكتابة جائزة بالنص والإجماع وهي معاوضة، ولو قال السيد لعبده: إِنْ أعطيتني ألفًا فأنت حر، فأعطاه عَتِقَ ــ أيضًا ــ، والمعاوضة تمنع أن تكون قربة محضة. وفي الجملة؛ جَعْلُ العبد حرًّا إعادة له إلى [٩٧/ أ] الأصل، وهذا أَمْرٌ لازمٌ في الشرع، سواء قصد أن يعتقه لله أو يعتقه لغرض آخر، لكن إن أعتقه لله أثابه الله على ذلك، وإذا عمل لغير الله لم يثبه الله، كما إذا أعطى غيره مالًا يُمَلِّكُهُ، وإن كان أعطاه لغرض يناله منه من [مالٍ] (٣) وَنَفْعٍ لم يعطه لله، لكن إن أعطاه لله كان صدقة لله يثيبه الله عليها، وأما حصول الملك للمعطى فلا يشترط فيه قصد التقرب، ولهذا لو عَلَّقَ العتق تعليقًا يقصد به الإيقاع عند الصفة= لوقع وإن لم يقصد به التقرب، وقد ذكر الإجماع على ذلك غير واحد (٤). وفي الجملة؛ فهذا مما لا يعرف فيه نزاع بخلاف الطلاق المعلق بالصفة، فإنَّ النزاع فيه معروف، وهو في التعليق الذي يقصد به اليمين أظهر

стр. 451

وأظهر، فيمتنع أن يحمل كلام الصحابة على خلاف الإجماع الذي لا يعلم فيه نزاع، ولا يحمل على خلاف ما ظُنَّ من الإجماع الذي عرف فيه النزاع. فَمَن حَمَلَ كلامَ الصحابة على أنهم أفتوا بالكفارة لكون العتق لا بُدَّ أن يقصد به التقرب، فقد حَمَلَ كلامهم على خلاف إجماعٍ، اعتقادُ كونِهِ إجماعًا= أظهر من اعتقاد كون الطلاق المعلَّق بالصفة ــ فضلًا عن المحلوف به ــ إجماعًا؛ فكان حَمْلُ كلامهم على ما لا يخالف ذلك الإجماع ــ وإن خالف الثاني ــ أولى من حمل كلامهم على ما يخالف الإجماع الأول دون الثاني. وأيضًا؛ فالصحابة رتَّبوا الحكم على كون التعليق يمينًا، فقالوا: كَفِّرِي يمينك، وسَوَّوَا في ذلك بين جميع ما علقه على وجه اليمين، والحكم المعلَّق باسم مشتق مناسب: يدل على أن ذلك المعنى هو المؤثر في الحكم، فدلَّ على أن المؤثر عندهم كونه قصد بالتعليق اليمين، لا كونه لم يقصد التقرب بالعتق. وأيضًا؛ فلو كان المانع كونه لم يقصد التقرب بالعتق لكان ذلك يوجب إبطال العتق لا يوجب الكفارة، والصحابة أوجبوا كفارة يمين، وكفارة اليمين لا تجب في إيقاع العتق الذي لم يقصد به القربة عند أحدٍ من المسلمين، كما أَنَّ الكفارة لا تجب في إيقاع الطلاق الذي لم يقع، فلم يَقُلْ أَحَدٌ أَنَّ مَنْ أوقعَ [٩٧/ ب] الطلاق فلم يقع يلزمه كفارة يمين، ولا أَنَّ من أوقع العتق فلم يقع تلزمه كفارة يمين، فضلًا عن أَنْ يقال: إنَّ مَنْ قصد إيقاع العتق لغير الله، فلم يقع يلزمه كفارة يمين، بل لو نذر نذرًا لغير الله لم يلزمه كفارة يمين بلا ريب، فلو نذر نذرًا لبعض المخلوقات لم ينعقد ولا كفارة فيه.

стр. 452

فإنَّ الناذر إما أن يقصد التقرب إلى الله، وإما أن يقصد التقرب إلى غيره، وإما أن يقصد معنى اليمين لا يقصد التقرب إلى أحد؛ فهذه الأقسام الثلاثة التي تسمى نذرًا؛ فإنْ قصد التقرب به إلى الله لزمه الوفاء، وإنْ قصد التقرب إلى غيره كان شركًا، كما لو حلف بغير الله، وعليه أن يتوب إلى الله من عقد هذا النذر ويستغفر، ويؤمر أن يفعل حسنة تمحو هذا النذر، كما يؤمر الحالف بغير الله، كما في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ قال: «مَنْ حلف فقال في حلفه باللات والعزى، فليقل: لا إله إلا الله، ومن قال لصاحبه: تعالَ أقامرك؛ فليتصدق» (١). وفي سنن النسائي وغيره عن أبي إسحاق السبيعي، عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه قال: حلفتُ باللات والعزى. فقال لي أصحاب رسول الله ﷺ : بئسَ ما قلتَ، اِئتِ رسول الله ﷺ فإنا لا نراك إلا قد كفرت، فلقيته فأخبرته، فقال: «قل: لا إله إلا الله وحده ثلاث مرات، وتعوَّذَ من الشيطان ثلاث مرات، واتفل عن شمالك ثلاث مرات، ولا تَعُدْ (٢) له» (٣). وفي لفظ النسائي وغيره (٤) ــ أيضًا ــ فقال: «قل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، واتفل عن شمالك ثلاث مرات، وتعوَّذ بالله من الشيطان، ثم لا تعد».

стр. 453

وأما إِنْ قصد معنى اليمين: إما بالنذر المفرد، كقوله: لله عليَّ أَنْ أقتل فلانًا إن ظفرت به، وعَليَّ أَنْ أُغِيْرَ على بني فلان ونحو ذلك، وإما بأنْ يُعَلِّقَ على الفعل ما يلزم إذا قصده، ويقصد بالتعليق اليمين لا لزومه، كقوله: إِنْ فعلت كذا فعليَّ الحج وعليَّ عتق رقبة، فهذا النوع يمين. ومعلومٌ أنه إذا قصد النذر لغير الله ولم يقصد به اليمين لم يكن عليه كفارة يمين، فلو كان الصحابة قد أبطلوا [٩٨/ أ] العتق لكونه لم يقصد التقرب به إلى الله لا لكون الحالف قصد اليمين = لم يكن عليه كفارة يمين، فلما أفتوه بكفارة يمين دَلَّ على أنهم جعلوا هذا يمينًا، لم يجعلوه من باب مَنْ قصد أن ينذر لغير الله أو يتقرب إلى غير الله أو يعتق لغير الله. وأيضًا؛ لو كان العلة ما ذكره (١) لم تجب كفارة لا في النذر ولا في العتق، كمن نذر لغير الله، فإنه من المعلوم أن النذر لغير الله لا يلزم، بل يشترط في النذر اللازم أن يكون الناذر قصد التزامه لله؛ فإنَّ النذر أن يلتزم لله وإن كان قد التزمه على سبيل المقابلة لِمَا حصل له من النعمة، وهذا أحد الأسباب التي علل بها كراهة النذر. قال أبو جعفر محمد بن جرير بعد أَنْ ذَكَرَ حديثي ابن عمر وأبي هريرة في النذر أنه لا يأتي بخير وأنه لا يَرُدُّ القَدَرَ (٢) قال (٣): (لا ينبغي لأحدٍ ثَبَتَ عنده

стр. 454

نهي النبي ﷺ أن ينذر؛ فيكون جامعًا بذلك من فعله خلالًا ضارة غير نافعة؛ منها: تغريمه ما نذره من ماله؛ إذ كان يلزمه بنذر ما نذر الوفاء به من غير اعتياض منه بذلك عوضًا من ثواب الآخرة ولا من عرض الدنيا). قلت: وهذا فيه نظرٌ وكلامٌ ليس هذا موضعه. قال (١): (ومنها: التقدمُ على نهي النبي ﷺ عما نهى عنه من النذر، وغير مأمون عليه بذلك من فعله العقوبة من الله إما عاجلة وإما آجلة. ومنها: الاستخفاف بحق الله، إذ جعلَ لِمَا سَأَلَه من حاجته أن يصيب عوضًا من ماله، أو من عمل بدنه، ولم يتمحض ما كان منه من ذلك لله خالصًا لوجهه إلا بعوضٍ يُعَجَّلُ له منه، وقد ذَمَّ الله قومًا عبدوه على هذا المعنى في كتابه فقال: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ الآية [الحج: ١١] غير أن الأمر وإن كان كذلك، فإنَّ على الناذر نذرًا في طاعة الله الوفاءَ به لإجماع الجميع نقلًا عن رسول الله ﷺ أن الواجب عليه ذلك، وقد روي عنه بذلك من جهة نقل الآحاد آثار يستغنى بنقل الجميع عنها، غير أنا سنذكر بعضها)، ثم ذكر حديث القاسم عن عائشة (٢)، وحديث عمر في نذره الاعتكاف (٣).

стр. 455

فصلٌ وأما قول القائل: (فلا يجوز أن يَلزمهم قياس [٩٨/ ب] ما يحتمل أنهم يفرقون) (١)؛ فعنه أجوبة: أحدها: أنا لا نحتاج أن نلزمهم ذلك، ولم نكن ادعينا أن الصحابة قالوا ذلك حتى يقال: فلا يجوز إلزامهم بذلك. الثاني: أَنَّ المفرق هو الذي يُلزمهم القول الذي هو عنده خطأ، وأما نحن فلو ألزمناهم لم نلزمهم إلا ما هو عندنا صواب؛ فأيُّ الفريقين أولى بالحق واتباع الصحابة وتعظيمهم؟! الثالث: أنه لا بُدَّ إذا كانوا يقولون: إنَّ مَنْ قال: إِنْ فعلت كذا فكل مملوك لي حر، أنه يكفر يمينه. إما أَنْ يكون قولهم في الحلف بالطلاق إنه لا يلزم أيضًا، أو إنه يلزم أَنْ يكون الفرق هو الصواب، أو إنه يلزم ويكون قولهم خطأ. ومعلوم أَنَّ إلزامهم بالأول أولى من الثاني والثالث، فإنهم إذا كانوا يسوون بين تعليق الطلاق والعتاق المقصود به اليمين = كان هذا قول الأمة خلفًا عن سلف قبل أبي (٢) ثور، فكان هذا القول هو الذي تدل عليه الأدلة الشرعية: الكتابُ والسُنة والقياس الجلي، ولم يكن هناك ما يُخافُ وقوعه، فليس قبل الصحابة إجماع حتى يقال إنهم خالفوه، كما يقول ذلك من يقوله

стр. 456

من المتأخرين. وأما إنْ علمنا أنهم فَرَّقُوا مع صحة الفرق؛ فهذا باطل قطعًا، فإنه لا يمكن أحدًا أَنْ يأتي بفرق مؤثِّرٍ بينهما، حتى أبو ثور ومحمد بن جرير وغيرهما لم يُفَرِّق أَحَدٌ منهم بين الحلف بالطلاق والحلف بالعتق بفرق مؤثر أصلًا، بل جعلوه من مواضع الاستحسان المردودة عند جمهور العلماء، وهو تخصيص العلة بدون فوات شرط ووجود مانع، والتفريق بين المتماثلين بلا سبب يخص أحدهما (١). وإِنْ قيل: بل فرقوا مع الخطأ في الفرق؛ كان هذا إلزامًا لهم بالخطأ من غير أن يكون في كلامهم دليل عليه، وكان في هذا خلافُ إجماعِ الأمة قبل أبي ثور، فإنَّ حُكمنا بأنه لم يفرق أحد من العلماء بين الحلف بالطلاق والحلف بالعتاق قبل أبي ثور= حُكْمٌ لم نعلم أحدًا نازع فيه، ولا نُقِلَ فيه خلافٌ لا شاذ ولا غير شاذ، بخلاف حُكمنا بأنَّ وقوع الطلاق مجمع عليه، فإن هذا مما قد نقل فيه النزاع قديمًا قبل أبي ثور، فكيف يُلزم الصحابة [٩٩/ أ] بهذا دون ذاك؟ وأيضًا؛ فهذا المعترض عمدته فيما نقل عن الصحابة على ما ذكره

стр. 457

البخاري (١) عن نافع قال: طَلَّقَ رجل امرأته البتة إِنْ خَرَجَتْ، فقال ابن عمر: إِنْ خَرَجَتْ فقد بُتت منه، وإن لم تخرج فليس بشيء. ولم يذكر عن الصحابة في الطلاق المعلق الذي يمكن أن يكون يمينًا غير هذا. وإن قيل: بل نعلم قول الصحابة في الحلف بالعتقِ، والحلفُ بالطلاق ليس لهم فيه قول؛ فهذا يبطل أن يكونوا أفتوا في الحلف بالطلاق بالوقوع، ثم لما تكلم التابعون في هذه المسألة وأفتى بعض التابعين بوقوع الطلاق المحلوف به، فهؤلاء لم ينقل عن أحد منهم ــ أيضًا ــ أنهم فَرَّقُوا بين الحلف بالعتاق والحلف بالطلاق مطلقًا، بل يكون قولهم هذا بناء على أَنَّ الحلف بالعتاق يلزم. وإنْ قيل: منهم من نُقِلَ عنه أَنَّ الحلف بالعتق لا يلزم، كما نُقِلَ عن الحسن وعطاء. قيل: ونقل عنهما أن الحلف بالعتق يلزم؛ فيحتمل أن يكون قولهما بلزوم الطلاق على هذا القول، ويحتمل أن يكون هؤلاء أفتوا في صور لا يتمحَّض فيها الحلف بالطلاق، بل يستعمل في الحلف وفي الإيقاع إما لظنهم أَنَّ ذلك كله إيقاع، وإما لأنَّ بعض ذلك لما كان يقصد فيه الإيقاع كثيرًا جعلوا الباب واحدًا لِعُسْرِ الفَرْق، فلا يجوز أن يلزمهم التعليق الذي يتمحض فيه الحلف عند الحض والمنع، كما تمحَّض الحلف بالنذر والعتق. فإنَّ النوع الذي يظهر فيه أَنَّ قصده اليمين دون الإيقاع، ليس مثل النوع

стр. 458

الذي يخفى فيه الفرق بين قصد الأيمان وقصد الإيقاع، فإذا كان قد اشتبه على العالم الخفي لم يلزم أن يشتبه عليه الجلي. وذلك: أَنَّ تعليق الطلاق فيه ما ليس فيه حَضٌّ ولا منع ولا تصديق ولا تكذيب، كتعليقه على الطُّهْرِ وعلى دخول الشهر ونحو ذلك، فهذا ليس بيمين مكفَّرة عند أحد من المسلمين، وفيه ما فيه حض ومنع لكن قد يقصد إيقاع الطلاق عند إيقاع الصفة، فإذا قصد إيقاع الطلاق عند إيقاع الصفة= لم يكن هذا يمينًا مكفَّرة عند أحد من المسلمين، بل هذا النوع والذي قبله قد قال بعض الناس إنه لا طلاق فيهما؛ كما قال أبو عبد الرحمن [٩٩/ ب] الشافعي (١) وابن

стр. 459

حزم وكثيرٌ من الشيعة مثل: المفيد (١) والطوسي (٢) والموسوي (٣) وغيرهم، ونقلوا هذا عن علماء أهل البيت. وهؤلاء رأوا بعض الأجوبة المنقولة عن بعض أهل البيت في بعض التعليقات، ويكون ذلك مما يقصد به اليمين، فلم يتفطنوا لهذا الفرق، ونقلوا عن أولئك العلماء من أهل البيت أنهم يُسَوُّون بين التعليق الذي يقصد به اليمين والذي يقصد به الإيقاع، وغلطوا عليهم في هذا النقل، كما غلط هذا المعترض وأمثاله فيما ينقلونه عن بعض الصحابة والتابعين من التسوية بين هذين التعليقين، ومن الفرق بين التعليق الذي يقصد به اليمين وبين تعليق

стр. 460

الطلاق وتعليق العتق. وذلك: أَنَّ عامة الآثار المنقولة عن السلف من الصحابة والتابعين وتابعيهم من أهل البيت وغيرهم إنما هي أجوبة في قضايا معينة، لم يُنْقَل عن أحد من الصحابة أن كل من حلف بالطلاق يلزمه، بل ولا نقل هذا عن التابعين، ولا نقل عن أحد منهم ولا التابعين أَنَّ كل من عَلَّقَ الطلاق بصفة فإنه لا يقع، بل ولا كُلَّ مَنْ حَلَفَ بالطلاق فإنه يقع، كما أنه لم ينقل عنهم أنه لا يقع الطلاق بأحدٍ عَلَّقَهُ، بل المنقول عنهم في تعليقات لا يقصد بها اليمين الإيقاع، أو في تعليقات يقصد بها اليمين عدم الوقوع، وفي بعض ذلك نقل عنهم الوقوع. وما علمت لفظًا عامًّا منقولًا عن الصحابة والتابعين في النفي والإثبات إلا ما ذَكَرَ ابن طاووس عن أبيه أنه كان يقول: (ليس الحلف بالطلاق شيئًا)؛ فهذا أفتى فتيا عامة في كل حالف بالطلاق أنه لا يلزمه، كما قد ذكرنا ألفاظه في هذا الباب في موضع آخر (١). وأما المنقول عن السلف من الصحابة والتابعين في تعليق الطلاق أو الحلف به، فما علمتُ أحدًا نَقَلَ عن أحدٍ من الصحابة أو التابعين أنه قال: كُلُّ طلاقٍ معلَّقٍ بصفة فإنه يقع، بل ولا من قال: كل مَنْ حَلَفَ بالطلاق فإنه يلزمه، بل نقل عنهم في كثير من صور التعليق وبعض صور الأيمان، فجعل الباقي مثله بالقياس على ما ذكره. فإنْ كان نقل المذاهب بالقياس باطلًا؛ لم يكن لأحدٍ أَنْ ينقل عن أحدٍ
следующие страницы →