← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 32384

الرد على السبكي في مسألة تعليق الطلاق

ابن تيمية

Полный текст (1 081 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

من المتأخرين. وأما إنْ علمنا أنهم فَرَّقُوا مع صحة الفرق؛ فهذا باطل قطعًا، فإنه لا يمكن أحدًا أَنْ يأتي بفرق مؤثِّرٍ بينهما، حتى أبو ثور ومحمد بن جرير وغيرهما لم يُفَرِّق أَحَدٌ منهم بين الحلف بالطلاق والحلف بالعتق بفرق مؤثر أصلًا، بل جعلوه من مواضع الاستحسان المردودة عند جمهور العلماء، وهو تخصيص العلة بدون فوات شرط ووجود مانع، والتفريق بين المتماثلين بلا سبب يخص أحدهما (١). وإِنْ قيل: بل فرقوا مع الخطأ في الفرق؛ كان هذا إلزامًا لهم بالخطأ من غير أن يكون في كلامهم دليل عليه، وكان في هذا خلافُ إجماعِ الأمة قبل أبي ثور، فإنَّ حُكمنا بأنه لم يفرق أحد من العلماء بين الحلف بالطلاق والحلف بالعتاق قبل أبي ثور= حُكْمٌ لم نعلم أحدًا نازع فيه، ولا نُقِلَ فيه خلافٌ لا شاذ ولا غير شاذ، بخلاف حُكمنا بأنَّ وقوع الطلاق مجمع عليه، فإن هذا مما قد نقل فيه النزاع قديمًا قبل أبي ثور، فكيف يُلزم الصحابة [٩٩/ أ] بهذا دون ذاك؟ وأيضًا؛ فهذا المعترض عمدته فيما نقل عن الصحابة على ما ذكره

стр. 457

البخاري (١) عن نافع قال: طَلَّقَ رجل امرأته البتة إِنْ خَرَجَتْ، فقال ابن عمر: إِنْ خَرَجَتْ فقد بُتت منه، وإن لم تخرج فليس بشيء. ولم يذكر عن الصحابة في الطلاق المعلق الذي يمكن أن يكون يمينًا غير هذا. وإن قيل: بل نعلم قول الصحابة في الحلف بالعتقِ، والحلفُ بالطلاق ليس لهم فيه قول؛ فهذا يبطل أن يكونوا أفتوا في الحلف بالطلاق بالوقوع، ثم لما تكلم التابعون في هذه المسألة وأفتى بعض التابعين بوقوع الطلاق المحلوف به، فهؤلاء لم ينقل عن أحد منهم ــ أيضًا ــ أنهم فَرَّقُوا بين الحلف بالعتاق والحلف بالطلاق مطلقًا، بل يكون قولهم هذا بناء على أَنَّ الحلف بالعتاق يلزم. وإنْ قيل: منهم من نُقِلَ عنه أَنَّ الحلف بالعتق لا يلزم، كما نُقِلَ عن الحسن وعطاء. قيل: ونقل عنهما أن الحلف بالعتق يلزم؛ فيحتمل أن يكون قولهما بلزوم الطلاق على هذا القول، ويحتمل أن يكون هؤلاء أفتوا في صور لا يتمحَّض فيها الحلف بالطلاق، بل يستعمل في الحلف وفي الإيقاع إما لظنهم أَنَّ ذلك كله إيقاع، وإما لأنَّ بعض ذلك لما كان يقصد فيه الإيقاع كثيرًا جعلوا الباب واحدًا لِعُسْرِ الفَرْق، فلا يجوز أن يلزمهم التعليق الذي يتمحض فيه الحلف عند الحض والمنع، كما تمحَّض الحلف بالنذر والعتق. فإنَّ النوع الذي يظهر فيه أَنَّ قصده اليمين دون الإيقاع، ليس مثل النوع

стр. 458

الذي يخفى فيه الفرق بين قصد الأيمان وقصد الإيقاع، فإذا كان قد اشتبه على العالم الخفي لم يلزم أن يشتبه عليه الجلي. وذلك: أَنَّ تعليق الطلاق فيه ما ليس فيه حَضٌّ ولا منع ولا تصديق ولا تكذيب، كتعليقه على الطُّهْرِ وعلى دخول الشهر ونحو ذلك، فهذا ليس بيمين مكفَّرة عند أحد من المسلمين، وفيه ما فيه حض ومنع لكن قد يقصد إيقاع الطلاق عند إيقاع الصفة، فإذا قصد إيقاع الطلاق عند إيقاع الصفة= لم يكن هذا يمينًا مكفَّرة عند أحد من المسلمين، بل هذا النوع والذي قبله قد قال بعض الناس إنه لا طلاق فيهما؛ كما قال أبو عبد الرحمن [٩٩/ ب] الشافعي (١) وابن

стр. 459

حزم وكثيرٌ من الشيعة مثل: المفيد (١) والطوسي (٢) والموسوي (٣) وغيرهم، ونقلوا هذا عن علماء أهل البيت. وهؤلاء رأوا بعض الأجوبة المنقولة عن بعض أهل البيت في بعض التعليقات، ويكون ذلك مما يقصد به اليمين، فلم يتفطنوا لهذا الفرق، ونقلوا عن أولئك العلماء من أهل البيت أنهم يُسَوُّون بين التعليق الذي يقصد به اليمين والذي يقصد به الإيقاع، وغلطوا عليهم في هذا النقل، كما غلط هذا المعترض وأمثاله فيما ينقلونه عن بعض الصحابة والتابعين من التسوية بين هذين التعليقين، ومن الفرق بين التعليق الذي يقصد به اليمين وبين تعليق

стр. 460

الطلاق وتعليق العتق. وذلك: أَنَّ عامة الآثار المنقولة عن السلف من الصحابة والتابعين وتابعيهم من أهل البيت وغيرهم إنما هي أجوبة في قضايا معينة، لم يُنْقَل عن أحد من الصحابة أن كل من حلف بالطلاق يلزمه، بل ولا نقل هذا عن التابعين، ولا نقل عن أحد منهم ولا التابعين أَنَّ كل من عَلَّقَ الطلاق بصفة فإنه لا يقع، بل ولا كُلَّ مَنْ حَلَفَ بالطلاق فإنه يقع، كما أنه لم ينقل عنهم أنه لا يقع الطلاق بأحدٍ عَلَّقَهُ، بل المنقول عنهم في تعليقات لا يقصد بها اليمين الإيقاع، أو في تعليقات يقصد بها اليمين عدم الوقوع، وفي بعض ذلك نقل عنهم الوقوع. وما علمت لفظًا عامًّا منقولًا عن الصحابة والتابعين في النفي والإثبات إلا ما ذَكَرَ ابن طاووس عن أبيه أنه كان يقول: (ليس الحلف بالطلاق شيئًا)؛ فهذا أفتى فتيا عامة في كل حالف بالطلاق أنه لا يلزمه، كما قد ذكرنا ألفاظه في هذا الباب في موضع آخر (١). وأما المنقول عن السلف من الصحابة والتابعين في تعليق الطلاق أو الحلف به، فما علمتُ أحدًا نَقَلَ عن أحدٍ من الصحابة أو التابعين أنه قال: كُلُّ طلاقٍ معلَّقٍ بصفة فإنه يقع، بل ولا من قال: كل مَنْ حَلَفَ بالطلاق فإنه يلزمه، بل نقل عنهم في كثير من صور التعليق وبعض صور الأيمان، فجعل الباقي مثله بالقياس على ما ذكره. فإنْ كان نقل المذاهب بالقياس باطلًا؛ لم يكن لأحدٍ أَنْ ينقل عن أحدٍ

стр. 461

من الصحابة والتابعين [١٠٠/ أ] أنه قال: كل طلاق معلَّقٍ يقع، ولا كل طلاق محلوف به يقع. وإن كان النقل بالقياس جائزًا؛ فإنه يجوز أن يُنقل عنهم أن التعليق الذي يُقْصَد به اليمين هو يمين، ليس هو طلاقًا ولا عتاقًا ولا نذرًا ولا كفرًا، بل فيه كفارة يمين، فإنهم نَصُّوا على صورٍ متعددة من هذا النوع، وجعلوا هذا التعليق يمينًا مكفرة، وأمروا فيه بالكفارة التي تجب في اليمين (١). فكان النقل عن الصحابة والتابعين الذين جعلوا التعليق الذي يقصد به اليمين يمينًا مكفرة أنهم يفتون في ذلك بكفارة يمين، سواء حلف بالعتاق أو الطلاق أو غيرهما، لا سيما مع تسويتهم بين الحلف بالعتق وغيره = أولى من أن ينقل عنهم أنهم قالوا: كُلُّ مَنْ عَلَّقَ طلاقًا بصفة فإنه يلزم، أو كل من حلف بالطلاق فإنه لم يلزم، مع أنه لم ينقل عن أحد منهم هذا العموم، وإنما نقله مَنْ نَقَلَهُ من إفتائهم في بعض صور ذلك، وجعل المسكوت كالمنطوق بالقياس، ثم قد يكون الذي أفتوا فيه من التعليق الذي لا يقصد به اليمين، فجعل هذا الناقل قولهم في التعليق الذي يقصد به اليمين كذلك، وهذا غلط عليهم. وكذلك مَنْ نَقَلَ عن أحد من الصحابة الفرق بين الحلف بالطلاق والعتاق وغيرهما فقد غلط عليه، ومن نَقَلَ عن أحد منهم الفرق بين الحلف بالعتق والطلاق فغلطه واضح، لا سيما مع اعترافه بفساد هذا الفرق.

стр. 462

وكل من نقل إجماعًا في التعليق أو الحلف فهو أولًا إنما يَعلم قول بعض المجتهدين في تلك الأقوال، ليس فيها لفظ عام لا في التعليق ولا في الحلف، بل قاس المسكوت على المنطوق، ولم يعلم عن غيرهم نزاعًا؛ فكان نقله مبنيًا على مقدمتين: إحداهما: نقل مذاهبهم بالقياس الصحيح تارة والفاسد أخرى. والثانية: عدم علمه بالمنازع لا علمه بعدم المنازع؛ فأيُّ النقلين أَحَقُّ بالاتباع؟ هذا أو من ينقل ألفاظهم بأعيانها الدالة على أنهم يجعلون التعليق الذي يقصد به اليمين يمينًا مكفرة، ويجعل ما سكتوا عنه من الأيمان بمنزلة ما أفتوا فيه، مع أنه موجود عن بعضٍ لفظٌ [١٠٠/ ب] عام في الحلف بالطلاق؛ كقول طاووس: (ليس الحلف بالطلاق بشيءٍ)، ومع أنه قد ثبت عن طاووس في تعليق العتق الذي يقصد به اليمين وتعليق النذر وما كان من هذا النحو: أنه يمين مكفرة؛ فعنه نَصٌّ عامٌّ في الحلف بالطلاق، ونصٌّ في الحلف بالعتق والنذر وما كان مثله: أنه يمين مكفرة. ومعلومٌ لمن تدبر هذه (١) الأقوال: أَنَّ من نقل عن هؤلاء الصحابة والتابعين أنهم يقولون في تعليق الطلاق الذي يقصد به اليمين أنه يمين ليس بطلاق لازم = كان نقله أصح وأثبت مِنْ نَقْلِ مَنْ نَقَلَ عن أحد من الصحابة والتابعين أن كل طلاق معلَّق بالصفة أو كل طلاق محلوف به يلزم. * * * *

стр. 463

فصلٌ قال المعترض: (قال ــ يعني المجيب (١) ــ: وأما ابن عباس فقد ذكر البخاري عنه في صحيحه (٢) أنه كان يقول: لا طلاق إلا عن وطر، ولا عتق إلا ما ابتغي به وجه الله. فهذا يُبيِّن أن الحلف بالعتق والطلاق لا يقع به ذلك، فإنَّ هذا لم يكن له وطر في الطلاق، ولا الآخر قَصَدَ عتقًا يبتغي به وجه الله، وإنما حلف به قصدًا ألا يقع به العتق، [قلتُ: مقصودُهُ بهذا رَدُّ الرواية التي نقلها أحمد عن ابن عباس بوقوع العتق] (٣) ومعارضتها بما نقله عنه البخاري كما ذكر. واعلم أن البخاري لم ينقله عن ابن عباس بهذا اللفظ الذي ذكره، بل لفظه: (وقال ابن عباس: الطلاق عن وطر، والعتاق ما أريد به وجه الله). فَنَقَلَهُ هو بالمعنى وزاد عليه، فإنَّ لفظ البخاري ليس فيه حصر، ولا صريحًا في العموم، بخلاف اللفظ الذي نقله هو عنه، وشَرْطُ النقلِ بالمعنى: المساواةُ في الجَلاء والخفاء. وإنما ذكر البخاري ذلك في باب الطلاق في الإغلاق والمكره والسكران والمجنون وأمرهما (٤) والغلط والنسيان في الطلاق والشرك

стр. 464

وغيره؛ ومقصوده ــ والله أعلم ــ: ما إذا قام مانع من الأشياء المذكورة في الترجمة يمنع من قَصْدِ الطلاق، ولم يسق الكلام في معرض حلف ولا نذر، فكيف يجعل ذلك معارضًا لما رواه أحمد عن ابن عباس صريحًا أنه إذا حلف بعتق مملوكه؛ فحنث= يعتق (١). وفي هذا الباب نقل البخاري أثر ابن عمر الذي قدمناه عنه في الطلاق، وهو يوافق ما نقله أحمد من رواية عثمان بن حاضر عن ابن عمر [١٠١/ أ] وابن عباس) (٢). والجواب من وجوه ــ بعد أن نذكر لفظ البخاري وما نقله في هذا الباب ــ، فإنَّ هذا المعترض قد حَرَّف الكلم عن مواضعه، وحَمَلَ كلام البخاري على غير مراده، فإذا ذُكِرَ لفظه وسياقه تبين مراد البخاري ومعنى ما نقله عن السلف. قال البخاري (٣): باب الطلاق في الإغلاق والكره (٤) والسكران والمجنون وأمرهما (٥) والغلط والنسيان في الطلاق والشرك وغيره، كقول النبي ﷺ : «الأعمال بالنية، ولكل امرئ ما نوى». وتلى الشعبي: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. وما لا يجوز من إقرار الموسوس.

стр. 465

قال النبي ﷺ للذي أقرَّ على نفسه: «أَبِكَ جنون؟». وقال علي ﵁: بَقَرَ حمزةُ خواصر شَارِفَيَّ، فطفق النبي ﷺ يلوم حمزة، فإذا حمزة قد ثَمِلَ محمرةٌ عيناه، ثم قال حمزة: هل أنتم إلا عبيد لأبي، فعرف النبي ﷺ أنه قد ثَمِلَ، فخرج وخرجنا معه. وقال عثمان ﵁: ليس لمجنون ولا سكران طلاق. وقال ابن عباس ﵄: طلاق السكران والمستكره ليس بجائز. وقال عقبة بن عامر ﵁: لا يجوز طلاق الموسوس. وقال عطاء ــ رحمة الله عليه ــ: إذا بدا بالطلاق فله شرطه. وقال نافع ــ رحمة الله عليه ــ: طَلَّقَ رجل امرأته البتة إن خرجت. فقال ابن عمر ﵄: إِنْ خَرَجَت فقد بُتَّتْ منه، وإن لم تخرج فليس بشيءٍ. وقال الزهري فيمن قال: إِنْ لم أفعل كذا وكذا فامرأتي طالق ثلاثًا: يُسْأَل عَمَّا قال وَعَقَدَ عليه قلبه حين حلف بتلك اليمين، فإن سَمَّى أجلًا أراده وعقد عليه قلبه حين حلف= جُعِلَ (١) ذلك في دينه وأمانته. وقال إبراهيم: إِنْ قال لا حاجة لي فيك (٢) نيته، وطلاق كل قوم بلسانهم. وقال قتادة: إذا قال: إذا حملتِ فأنت طالق ثلاثًا، يغشاها عند كل طهر

стр. 466

مرة، فإن استبان حملها فقد بانت منه. وقال الحسن: إذا قال: الحقي بأهلك؛ نِيَّتُهُ. وقال ابن عباس: الطلاق عن وطر، والعتق ما ابتغي به وجه الله. قال الزهري: إِنْ قال: ما أنتِ بامرأتي؛ نِيَّتُهُ، وإن نوى طلاقها؛ فهو ما نوى [١٠١/ ب]. وقال علي بن أبي طالب ﵁: ألم تعلم أنَّ القلم رفع عن ثلاثة: عن المجنون حتى يُفيق، وعن الصبي حتى يُدرك، وعن النائم حتى يستقيظ. وقال عليٌّ: كل الطلاق جائز إلا طلاقَ المعتوه. ثم أسند البخاري حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «إِنَّ الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تكلم». وقال قتادة: إذا طَلَّقَ في نفسه فليس بشيء. وأسند عن الزهري، عن أبي سلمة، عن جابر أَنَّ رجلًا من أسلم أتى النبي ﷺ وهو في المسجد، فقال: إنه قد زنا، فأعرض عنه، فتنحى لشقه الذي أعرض، فشهد على نفسه أربع شهادات، فدعاه فقال: «هل بك جنون؟ هل أحصنت؟». قال: نعم؛ فأمر به أن يرجم بالمصلى، فلما أذلقته الحجارة جَمَزَ حتى لحق بالحرة فقتل. وأسند ــ أيضًا ــ عن الزهري، أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن وسعيد بن المسيب أَنَّ أبا هريرة قال: أتى رجل من أَسْلَم رسول الله ﷺ وهو في المسجد فناداه فقال: يا رسول الله، إِنَّ الأَخِرَ قد زنا ــ يعني: نفسه ــ

стр. 467

فأعرض عنه، فتنحى لشق وجهه الذي أعرض قِبَلَه. فقال (١): يا رسول الله! [إنَّ] الأَخِرَ قد زنا فأعرض عنه، فتنحى لشق وجهه الذي أعرض قبله، فعاد فقال له ذلك، فأعرض عنه، فتنحى الرابعة؛ فلما شَهِدَ على نفسه أربع شهادات دعاه فقال: «هل بك جنون؟». قال: لا. فقال النبي ﷺ : «اذهبوا به فارجموه» وكان قد أحصن. وعن الزهري قال: فأخبرني من سمع جابر بن عبد الله قال: فكنت فيمن رجمه، فرجمناه بالمصلى بالمدينة، فلما أذلقته الحجارة جمز، حتى أدركناه بالحرة، فرجمناه حتى مات. فهذا مقصود البخاري في الترجمة يُبيِّنُ أَنَّ مراده اعتبار نية المطلِّق، وحينئذٍ؛ فالجواب من وجوه: أحدها: قوله: (مقصوده بهذا رَدُّ تلك الرواية بهذه الرواية). فيقال له: ليس الأمر كذلك؛ لا في كلام المجيب ما يدل على ذلك ولا هو قصد ذلك، وإنما ذكر هذا لِيُبيِّنَ أنه عن ابن عباس ما يبين أَنَّ الطلاق والعتاق المحلوف به لا يقع، كما قدمناه عنه وعن غيره من الصحابة [١٠٢/أ] أَنَّ التعليق الذي يقصد به اليمين يمين، وأنَّ تعليق العتق الذي يقصدُ به [اليمين] (٢) يمينٌ مكفرة. وذكرنا أَنَّ ما يعارض هذا عنه من رواية عثمان بن حاضر؛ إما أن تكون

стр. 468

باطلة، وإما أن تكون عنه روايتان، وكذلك ذكرنا هذا الأثر عنه موافقًا لما ثبت عنه مما يؤيد ذلك، وإذا ثبت هذا عنه = كان أحد الأمرين لازمًا: إما ترجيح الروايات الثابتة عنه على الرواية الضعيفة، وإما أن يكون عنه روايتان، لا أَنَّا بمجرد نقل هذا الجواب نرد تلك الرواية، فإنَّ هذا ليس بطريق صحيح. فإنه إذا ثبتت تلك الرواية وثبتت هذه= لم يكن رَدُّ إحداهما بالأخرى بأولى من العكس، بل بَيَّنَّا أَنَّ تلك الرواية ليس فيها ولا في غيرها أَنَّ ابن عباس أو غيره من الصحابة فَرَّقُوا بين الحلف بالعتق وبين الحلف بالنذر، كما يقوله من يقول بذلك من يحتج بقولهما ممن قال: إن قوله موافق لقول أحد من الصحابة من الفرق بين الحلف بالعتق والنذر، فقوله لم يُنقل عن أحد من الصحابة. وأحمد لم يَنقل عن أحد من الصحابة أنه فرق بين العتق وغيره لا هو ولا غيره من العلماء، بل لما نُقِلَ له عن بعضهم القول في العتق ولم تبلغه تلك الرواية إلا من طريق واحد عللها، فلم يثبت عنده عن الصحابة في العتق إفتاء بالتكفير، ثم رأى في هذه الرواية إفتاء بعضهم بلزومه إذا حلف به، فأفتى هو بلزومه ولزوم الطلاق دون لزوم النذر، كما قال ذلك أمثاله من العلماء كالشافعي وإسحاق وأبي عبيد وغيرهم، وليس في هؤلاء مَنْ نَقَلَ قوله عن الصحابة، بل ولا من بعدهم كمحمد بن نصر المروزي وأمثاله مع موافقتهم لهم= لم يَنْقُلْ أَحَدٌ من هؤلاء عن أحدٍ من الصحابة أنهم فَرَّقُوا بين الحلف بالعتق والنذر، ولا بين الحلف بالطلاق والعتاق والحلف بالنذر، ولا بين الحلف بالطلاق والحلف بالعتق، ولا بين الحلف بالطلاق والحلف بالنذر = فهذه الفروق لم ينقلها أحد من العلماء عن أحد من

стр. 469

الصحابة بإسناد (١) صحيح ولا ضعيف. ولكن نقل بعضهم ما نقله [١٠٢/ ب] أحمد من أثر عثمان بن حاضر أنهم أفتوا بلزوم العتق، ولكن إنما أفتوا بذلك مع إفتائهم بلزوم الصدقة وذبح النفس، وجعلهم في الصدقة الزكاة وفي ذبح النفس بدنة، وهذا القول إنْ كان هؤلاء الصحابة قالوه: ففيه التسوية بين الحلف بالعتق والحلف بالنذر في لزوم الجميع لا في لزوم العتق وحده وتكفير الباقي، فأمَّا أَنْ يجعل لمجرد هذه الرواية أنهم أفتوا بلزوم العتق وتكفير غيره = فهذا كذبٌ صريحٌ عليهم، بل لو قُدِّرَ أنه لم يُنقل عنهم في حديث ليلى بنت العجماء ذكر العتق بحال= لم يجز أن يقال: إنهم يفتون في العتق باللزوم وفي غيره بالتكفير بحديث عثمان بن حاضر، فإنه ليس فيه إلا الإفتاء بلزوم الجميع، بل أفتوا بأن العتق وغيره يلزم. وحينئذٍ؛ فمقصود مَنْ نصر قول أحمد في هذا الجواب: إما أَنْ يكون مقصوده أَنْ يحكي عنهم الإفتاء بلزوم العتق وتكفير غيره؛ فهذا كذبٌ صريحٌ عليهم، وأحمد ﵁ لم يقل هذا، ومن هو دون أحمد لا يستجيز مثل هذا الكذب الظاهر عليهم؛ فكيف بأحمد وأمثاله؟ وإما أَنْ يكون مقصوده أَنْ يعارض رواية التيمي برواية عثمان بن حاضر، ويقول: قد اختلف النقل عنهم في العتق؛ فهذا متوجه يسلكه أحمد ومثله من العلماء، لكن يقال: المعارضة ثبتت في العتق وفي غيره؛ فعثمان نقل في الجميع اللزوم، والتيمي نقل في حديث ليلى بنت العجماء في الجميع الكفارة، وهو ومن اتبعه وأنتم وجميع العلماء تُقَدِّمُون حديث ليلى

стр. 470

بنت العجماء في الصحة والثبات (١). وأحمد مع الشافعي وإسحاق وأبي عبيد وأبي ثور ومحمد بن نصر وغيرهم من فقهاء الحديث مع أكثر السلف يقولون بحديث ليلى بنت العجماء في الحلف بالنذر، ولم يقل أحد من العلماء بما في حديث عثمان بن حاضر، فإذا قلتم بموافقته في العتق دون النذر= لم يكن ما قلتموه قول أحد من الصحابة، فلا يجوز لأحدٍ منكم أَنْ يجعلَ قوله في العتق قول أحد من الصحابة. وقد تكلم العلماء فيما إذا اختلف الصحابة في مسألتين على قولين وسَوَّوا بينهما؛ هل لمن بعدهم [١٠٣/ أ] أَنْ يُحدث قولًا ثالثًا بموافقة هؤلاء في قول وموافقة هؤلاء في قول؟ (٢). ومَثَّلُوا ذلك باختلاف الصحابة في العمريتين: زوج وأبوين، وزوجة وأبوين؛ فإن الجمهور من الخلفاء الراشدين وغيرهم كعمر (٣) وعثمان (٤)

стр. 471

وعلي (١) وابن مسعود (٢) وزيد بن ثابت (٣) ﵃ قالوا: بأن الباقي بعد فرض الزوجين للأم ثُلُثُهُ والباقي للأب، جعلًا لما يَبقى بعد فرضهما بمنزلةِ أصلِ التركة إذا لم يكن وارث غيرهما، وجعلًا لذلك بمنزلة ما تَبَقَّى بعد الوصايا وقضاء الديون. وقال ابن عباس ﵄ وطائفة: بل للأم الثلث فيهما (٤).

стр. 472

فقال بعض التابعين ــ إما مروان وإما ابن سيرين (١) ــ بقول عمر في زوج وأبوين، وبقول ابن عباس في زوجة وأبوين (٢)، لئلا يُفَضِّلَ أُمًّا على أب، فالزوج إذا أخذ النصف وأخذت الأم الثلث يبقى للأب السدس، بخلاف ما إذا كانت زوجة فإنها تأخذ الربع والأم الثلث يبقى ثلث وزيادة (٣) = فهذا تنازع الناس في جوازه، والأكثرون لا يُجَوِّزونه. وقد اختلف الناس من أصحاب أحمد وغيرهم في جواز مثل هذا، فقيل: لا يجوز، وقيل: يجوز، وقيل: إِنْ صَرَّحُوا بالتسوية بين المسألتين لم يجز الفرق وإلا جاز. وهذا في مسألتين يكون مأخذهما واحدًا كاختلافهم في الرَّدِّ وذوي الأرحام؛ فقيل: بالرد وتوريث ذوي الأرحام، وقيل: بنفيهما، ولم يقل أحد بالرَّدِّ دون توريث ذوي الأرحام والمأخذ واحد. ولم يقل أحد من العلماء بأنه يجوز أن ينقل عن الصحابة الفرق الذي قاله بعض التابعين= فثبت أنه لا يجوز أن ينقل عن أحد من الصحابة الفرق

стр. 473

بين الحلف بالعتق وغيره باتفاق العلماء، ولم يَحْكِ هذا عنهم لا أحمد ولا غيره، ولكن فعله الشافعي وأحمد وإسحاق وأبو عبيد وهؤلاء الأئمة ــ رضوان الله عليهم ــ إذا كان النقل عنهم بتكفير الحلف بالعتق وغيره ثابتًا وباللزوم وغيره ثابتًا هو نظير ما فعله بعض التابعين من الفرق بين العمريتين. فإنَّ الصحابةَ نُقِلَ عنهم في الحلف بالعتق والنذر جوابان: أحدهما: تكفير الجميع، والثاني: الإلزام بالجميع [١٠٣/ ب]؛ فهؤلاء فَرَّقُوا بين العتق وغيره؛ فألزموا الحالف بالعتق دون غيره، كما فَرَّقَ ابن سيرين بين العمريتين. والصحيح في مثل هذا: أنه لا يجوز التفريق بين ما سَوَّى الصحابة بينه مع اتحاد المأخذ؛ فإنَّ المأخذ أَنَّ التعليق الذي يقصد به اليمين هل هو يمين أم لا؟ فإنْ كان يمينًا فهو يمين في الجميع، وإن لم يكن يمينًا فليس بيمين في الجميع، والصحابة نُقِلَ عنهم هذا وهذا، لكن النقل عنهم بأنه يمين أثبت وأكثر طُرُقًا، وهو منقول عنهم في قضايا متعددة بخلاف هذا. وبتقدير صحة الجوابين: فالصواب موافقتهم؛ إما في هذا وإما في هذا، وأما التفريق بين ما جمعوا بينه مع اتحاد المأخذ فهذا (١) يُضَعَّفُ كضعف قول من فَرَّق بين العمريتين، وهذا المفرِّق ذهب إلى ما لم يذهب إليه أَحَدٌ من الصحابة من التعليل بمجرد تفضيل الأم على الأب. كما أَنَّ هؤلاء المفرِّقين بين العتق وغيره ذهبوا إلى ما لم يذهب إليه أَحَدٌ من الصحابة من تعليل الحلف بالعتق بأنه وقوعٌ معلَّقٌ بالصفة، بخلاف النذر

стр. 474

فإنه وجوب معلَّقٌ بالصفة؛ فإن هذا الفرق لم يذهب إليه أحدٌ من الصحابة بل ولا من التابعين، فهو فَرْقٌ مسبوق بالإجماع على خلافه، ودعوى الإجماع القديم على إلغاء هذا الفرق أولى من دعواه على وقوع كُلِّ طلاق معلق بصفة أو محلوف به، مع أَنَّ هذا اللفظ لم يُنقل عن أحد منهم فضلًا عن أن يكون إجماعًا، وما نقل عن بعضهم من الإفتاء في بعض ذلك فإنه وإِنْ عُلِمَ مأخذه فلم يُعلم موافقة الباقين له، بل عُلِمَ أَنَّ الناس يخالفونه فامتنع عن (١) هذا المأخذ؛ ومع العلم بالنزاع يمتنع دعوى الإجماع، بخلاف ما لم يعلم فيه نزاع فإنَّ دعوى الإجماع فيه أظهر. وأما إذا قيل: لم يثبت عنهم في العتق شيءٌ لا نفيًا ولا إثباتًا؛ لم يكن ما فعلوه مخالفًا لما قاله الصحابة، وإِنْ ثبتَ النقل عنهم في أحدهما ــ كما بَيَّنَّاهُ مِنْ أَنَّ الثابتَ عنهم في العتق هو التكفير دون نقيضه ــ فهذا أقوى من قوة هذا القول. وأحمد ﵁ لَمَّا لم يَعْرِف ثبوت الحلف بالعتق عنهم، لم يكن فيما علمه مخالفًا لأحد منهم، وذكر الأثر الآخر [١٠٤/ أ] عنهم، وأما العتق فيلزم، وفيه التسوية بينه وبين غيره باللزوم؛ فتبيَّن أنه قد نقل عنهم في الجملة الإلزام بالعتق، وإن كانوا سووا بينه وبين غيره، فهو إذا فَرَّقَ بينه وبين غيره لم يكن فيما علمه مخالفًا لإجماعهم، وإنما يكون مخالفًا لهذا الأثر أثر عثمان، فالنفي في الموضعين واحد. الجواب الثاني: قوله: (إن البخاري لم ينقله بهذا اللفظ، بل لفظه: وقال

стр. 475

ابن عباس: الطلاق عن وطر والعتق ما ابتغي به وجه الله. فَنَقَلَهُ هو بالمعنى وزاد عليه، فإنَّ لفظ البخاري ليس فيه حصر، ولا هو صريحًا [في العموم] (١)، بخلاف اللفظ الذي نقله هو عنه، وشَرْطُ النقلِ بالمعنى المساواةُ في الجلاء والخفاء). فيقال: أمَّا نقله بالمعنى: فالمذاهب إنما تُنقل بالمعنى، وحديث الرسول يجوز نقله بالمعنى عند الجماهير، وأما مذاهب العلماء فما زال العلماء ينقلونها بالمعنى، وما علمت طائفة معتبرة نازعت في هذا، كما نازعت في نقل حديث الرسول ﷺ . وإن لم يكن نقل المذاهب بالمعنى جائزًا فعامة ما في كتب الناس من نقل مذاهب الأئمة الأربعة وغيرهم غير جائز؛ بل نقلها بالمعنى الذي عُرِفَ أَنَّ المتكلمَ أراده أولى من نقلها بلفظ يحتمل ذلك المعنى وغيره؛ فإنَّ المتكلم قد يكون تكلم بلفظٍ معناه معروفٌ عنده، ثم يُغَيَّر العرف والاصطلاح في ذلك اللفظ؛ فمن نقل لفظه ولم ينقل عُرْفَه وعادَته فيه = أفهمَ الناس خلافَ مراده وجعلهم يكذبون عليه، ومَنْ نقله بالمعنى الذي عُرِفَ أنه أراده = جَعَلَ الناس يصدقون عليه (٢). وأما قوله: (إن الناقل زاد على المعنى) فغلطٌ. وقوله: (لفظ البخاري ليس فيه حصر ولا عموم) غلطٌ منه، فإنَّ قول ابن

стр. 476

عباس: الطلاق عن وطر والعتق ما ابتغي به وجه الله = يفيد الحصر والعموم؛ كقول النبي ﷺ : «الماء من الماء» (١)، وقوله أو قول بعض السلف: «الشفعة فيما لم يقسم» (٢). وقوله: «الأعمال بالنيات» فإنه هكذا في الصحيح (٣)، [١٠٤/ ب] وروي ــ أيضًا ــ: «إنما الأعمال بالنية» (٤)، وقد روي ــ أيضًا ــ: «إنما الأعمال بالنيات» (٥)، وهذه الألفاظ الثلاثة في الصحيح، ويروى في غير الصحيح: «الأعمال بالنيات» (٦)، والناس إنما رووه تارة بحرف «إنما»، وتارة بدون هذا الحرف، لأنَّ المعنى عندهم في الموضعين سواء. وكذلك ما عُرِّفَ بالإضافة كقوله ﷺ : «مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم» (٧)، فإنَّ هذا يفيد الحصر والعموم؛

стр. 477

أي: لا مفتاح لها إلا الطهور، ولا تحريم لها إلا التكبير، ولا تحليل لها إلا التسليم. ومن المُعرَّف باللام قول النبي ﷺ : «المؤمنُ مَنْ أَمِنَه الناس على دمائهم وأموالهم، والمسلم مَنْ سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه، والمجاهد مَنْ جاهد نفسه في ذات الله» (١)، فهذا نظير قوله

стр. 478

تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية [الحجرات: ١٥]، وقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ [النور: ٦٢]، ومثله قولهم: العالِمُ مَنْ يخشى الله، فإنه مثل قولهم: إنما العالم من يخشى الله، وما يؤثر عن الله ــ ــ أنه قال: «عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو ملاقٍ قِرْنَه» (١)، فإنه كقوله: إنما عبدي كل عبدي، ومثل هذا كثير (٢).

стр. 479

والقول بأن مثل هذا يفيد الحصر والعموم قول جماهير أهل العلم، وهو معروف من قول أصحاب الشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهما (١)، لكن تنازعوا: هل يفيده بطريق المنطوق أو بطريق المفهوم؟ على قولين، ومن قال: إنه بطريق المفهوم= جَعَلَهُ أعلى مراتب المفهوم، أعلى من مفهوم الغاية وغيره، وجعل الخلاف في ذلك شاذًا ليس كالخلاف في مفهوم الصفة والعدد. والصحيح: أنه يفيده بطريق المنطوق لا بطريق المفهوم الذي هو دليل الخطاب، فإنَّ ذلك إنما يكون فيما سكت عنه المتكلم، فيدل المنطوق على المسكوت إما لتخصيصه بالذكر مع تمام المقتضي للتعميم، وقصد التخصيص بالحكم يتضمن نفي حكم المنطوق عن المسكوت، سواء انتفى عن جميع أفراده أو كان في نفيه عن بعضها [١٠٥/ أ] تفصيل وتقييد، فقصد تخصيص المذكور بالحكم= يبين أنه ليس حكم المسكوت كحكم المنطوق، ويكفي في ذلك الخلاف من بعض الوجوه. فقوله: «مطل الغني ظلم» (٢) و «لَيُّ الواجدِ يُحِلُّ عرضه وعقوبته» (٣)

стр. 480

يدل على أنَّ مطل الفقير ليس كذلك، وأَنَّ لَيَّ الفاقد ليس كذلك. وقوله: «في السائمة الزكاة» (١) يدل على أَنَّ المعلوفة ليست كذلك، فلا يجب فيها ما يجب في السائمة، ثم إذا قيل: إنه يجب فيها زكاة التجارة، لم يكن في هذا مخالفة لدلالة المفهوم، فإن المفهوم لا عموم له؛ فهو لا يقتضي انتفاء حكم المنطوق عن جميع صور المسكوت في جميع الأحوال، إذ كانت دلالته إنما هي من جهة أن المنطوق قُصِدَ تخصيصه بذلك الحكم، فإذا كان ذلك الحكم لا يثبت في المسكوت كثبوته في المنطوق = حصل الاختصاص، وهذا يحصل بألا تكون الزكاة في غير السائمة كالزكاة في السائمة. فكذلك قوله: «لَأَنْ يمتلئ جوف أحدكم قيحًا حتى يَرِيَهُ خيرٌ له مَنْ أَنْ يمتلئ شعرًا» (٢) يقتضي أَنَّ ما دون الامتلاء ليس كذلك (٣). وقد تكون دلالة المفهوم من جهة العلة؛ فإن الحكم إذا عُلِّقَ باسم مشتق مناسب كان موضع الاشتقاق علة للحكم (٤)، وكذلك مع عدم ظهور المناسبة عند الأكثرين، وهو أشهر القولين لأصحاب أحمد وغيرهم، وإذا

стр. 481

كان الوصف عِلَّة للحكم= انتفى ذلك الحكم لانتفاء علته؛ فهذان الوجهان: قصد التخصيص، والتعليل= هما وجه دلالةِ مفهومِ الخطاب الذي يسمى مفهوم المخالفة، ويسمى دليل الخطاب (١). وأما مفهوم الموافقة فَأَنْ يظهر أن الحكم في المسكوت أولى منه في المنطوق (٢)؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾ [الإسراء: ٣١]، فإذا حرم قتلهم مع خوف الفقر فتحريمه مع الغنى أولى. وقد يكون التخصيص بالذكر لسبب اقتضاه، فلا يدل على المسكوت لا موافقة ولا مخالفة؛ فهذه الأقسام الثلاثة موجودة، بل تُعلم الموافقةُ والمخالفةُ بدليلٍ منفصلٍ؛ فالموافقة هو: قياس الجمع (٣)، والمخالفة: قياس الفرق. وأما قوله: «إنما الماء من الماء» (٤)، و «إنما الأعمال بالنيات» (٥) فصيغة «إنما» تفيد الحصر [١٠٥/ ب] كقوله: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النساء: ١٧١] كما يفيد الاستثناء من النفي، كقوله: ﴿وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [المائدة: ٧٣]،

стр. 482

وقوله: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران: ١٤٤]، ومثل هذا يفيد نفي كونه زائدًا على حَدِّ الرسالة، فليس بملك من الملائكة، وليس بمخلد؛ بل هو رسول يجوز عليه ما يجوز على الرسول كقوله: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ﴾ [المائدة: ٧٥] أي: لا يَتَعَدَّى حَدَّ الرسالة، فلا يكون إلهًا، وأمه صديقة ليست رسولًا ولا نبيًّا، فضلًا عن أن تكون إلهًا. فدلالة «إنما» على النفي والإثبات بطريق اللفظ، وكذلك الدلالة بأدلة التعريف مع حذف «إنما» إذا قيل: «الماء من الماء» (١) و «تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم» (٢) فإنَّ اسم الجنس المعرَّف بلام الجنس يقتضي الاستغراق عند جماهير السلف من الصحابة والتابعين وتابعيهم، ولا يعرف في ذلك نزاع بين القرون الثلاثة، وإنما أنكر العموم في مثل هذا طائفة من المتأخرين من أهل البدع (٣)، كما ذكر غير واحد من العلماء قالوا: إنكار صيغ العموم بدعةٌ حدثت بعد القرون الثلاثة (٤). والنزاع في الاسم المفرد الذي له جمع كالإنسان نزاعٌ شاذٌ، وأما اسم

стр. 483

الجنس الذي يتناول الواحد والكثير؛ كالماء والطلاق والعتاق فليس فيه نزاع، اللهم إلا أَنْ يكونَ عند من لا يرى صيغ الجمع ــ كالمسلمين والمشركين ــ للعموم، وهذا ــ أيضًا ــ شاذٌ؛ وليس هذا موضع بسط ذلك (١). لكن بَيَّنَّا (٢) أَنَّ قول ابن عباس ﵄: (الطلاق عن وطر، والعتق ما ابتغي به وجه الله) من هذا الباب، وإذا كان هذا مفيدًا للحصر والعموم بطريق اللفظ عند السلف وجماهير الخلف، كما يفيده إذا قال: «إنما الماء من الماء» (٣)، وإنما الطلاق عن وطر، وإنما العتق ما ابتغي به وجه الله. وإنْ كان الحصر والعموم قد يظهر لبعض الناس في هذا أكثر من هذا؛ فلا ريب أَنَّ مراد ابن عباس وأمثاله باللفظين واحد. وأيضًا؛ فيمتنع ألا يكون مراد ابن عباس الحصر والعموم، بل مراده أَنَّ بعض الطلاق يكون عن وطر وبعضه يُبتغى به [١٠٦/ أ] وجه الله، فإنَّ هذا معلومٌ لكل أحد، وهو كلام لا فائدة فيه، وإنما يفيد إذا قصد الحصر والعموم لينفي أن يكون ما سوى ذلك طلاقًا وعتاقًا. الجواب الثالث: قوله: (شرط النقل بالمعنى المساواة في الجلاء والخفاء).

стр. 484

فيقال: هذا في نقل مذاهب العلماء غلط باتفاق العلماء، بل وفي نقل كلام النبي ﷺ ؛ بل الصحابي إذا عَلِمَ مُرادَ النبي ﷺ بلفظه الذي تعوَّد (١) الخطاب به = كان له أن يبين للتابعين مراد النبي ﷺ بلفظ آخر يفهمون به مراده، وإذا كان هذا اللفظ أوضح في الدلالة كانت الرواية به أولى، وإنما يتحرى اللفظ إذا لم يعلم مراده، فيؤدي اللفظ بعينه. والله ــ تعالى ــ قد حكى أقوال الأمم قبلنا باللفظ العربي الذي هو أتم في البيان والدلالة من الألفاظ التي كانوا يتخاطبون بها، لا سيما لنا، فإنَّ البيان لنا أَجَلُّ بلا ريبٍ، والجلاء والخفاء أمر نسبي، ومعلوم أن ما ذكره الله ــ تعالى ــ من قول موسى ــ ﵇ ــ وفرعون، ويعقوب ــ ﵇ ــ وبنيه وغيرهم ممن كانت لغته غير عربية، بل إما عبرية وإما قبطية وإما سريانية وإما غير ذلك = ذكرها الله ــ تعالى ــ باللغة العربية، وهكذا كل مُتَرْجَمٍ يترجم كلام غيره بعبارة أجلى من تلك العبارة للمستمعين. ثم العربية متفوقة (٢)، فليس بين عبارة القرآن وغيره نسبة في البلاغة؛ ومع هذا فالله ــ ــ حكى أقوالهم بهذه الألفاظ البليغة. والصحابة والتابعون بعدهم مازالوا يحكون كلام بعضهم بلفظٍ آخر يَبِين به المعنى المراد للمستمعين، إن (٣) كان ذلك أجلى لهم. وهذا المعترض قد حكى أقوال الصحابة والتابعين أقوالًا لم يقولوها،

стр. 485

وَقَوَّلَها لهم، ونقلها بحسب فهمه وقياسه مع خطئه؛ فكيف يُنْكِرُ على غيرِهِ نَقْلَ قولِ قائلٍ منهم مع القطع بأنه أراد المعنى الذي نقله؟! ومع أَنَّ حذف «إنما» وإثباتها في هذا الموضع مما لا فرق بينهما في المعنى، بل التسوية بينهما قول أهل العلم قديمًا وحديثًا، وإن كان في ذلك نزاعٌ فهو شاذ فاسد. الجواب الرابع: قوله: (إنما ذكر البخاري ذلك في باب الطلاق في [١٠٦/ ب] الإغلاق والمكره والسكران والمجنون وأمره والغلط والنسيان في الطلاق والشرك وغيره، ومقصوده ــ والله أعلم ــ: ما إذا قام مانع من الأشياء المذكورة في الترجمة يمنع من قصد الطلاق، ولم يَسُقِ الكلامَ في معرض حَلِفٍ ولا نذر). فيقال: لا ريب أن هذا مقصود البخاري، وهو أنه ما مَنَعَ من قصد الطلاق مَنَعَ من وقوعه، كالإكراه والسُكر والإغلاق؛ والإغلاق يُفَسَّرُ بالغضب وبالإكراه وبالجنون (١). وذكر قول ابن عباس: الطلاق عن وطر، والعتق ما ابتغي به وجه الله؛

стр. 486

والوَطَرُ: واحد أوطار النفس، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ [الأحزاب: ٣٧]، وهو: ما يقصده الإنسان ويريده، وهو غَرَضُهُ ومقصوده. وهو إما أَنْ يريد نفس المصدر، وإما أن يريد به المفعول به؛ فإما أَنْ يقال: لا طلاق إلا عن إرادةٍ وغرضٍ في الطلاق، وإما أَنْ يقال: لا طلاق إلا عن أمرٍ مراد، مراد ذلك المراد وهو وطر الإنسان، وذلك المراد يوجب له إرادة الطلاق؛ وعلى التقديرين فلا بُدَّ أن يكون مريدًا للطلاق. بَيَّن البخاري ــ رحمة الله عليه ــ أَنَّ ابن عباس ﵁ حَصَرَ الطلاق فيما كان عن أَمْرٍ مرادٍ للإنسان أوجب أَنْ يُطَلِّق، فإنَّ إرادة الطلاق لا تكون إلا بسببٍ أوجبَ تلك الإرادة، وإلا فالمرأة كانت زوجته ولم يكن يريد طلاقها، فلا يكون مريدًا للطلاق إلا بسبب اقتضى إرادته وهو الوطر، مثل إرادته أن يتزوج غيرها ولا يحصل ذلك إلا بطلاقها؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: ٢٠]، أو عن إرادة سكنى بلد آخر لا يمكن نقلها إليه، أو طلب مال أو ولاية أو غير ذلك مما لا يحصل إلا بطلاقها، فيطلقها لذلك الوطر، أو عن بُغْضٍ منه لها إما لخَلقها أو لخُلقها أو دينها، ويكون بُغْضُهُ لذلك داعيًا له إلى طلاقها، وإما لطلب أبيه لطلاقها فيطلِّقها طاعةً لأبيه؛ كما طَلَّقَ ابن عمر ﵄ امرأته لَمَّا أَمَرَهُ أبوه عمر ﵁ بطلاقها، فسأل النبي ﷺ عن ذلك، فقال: «أطع أباك» (١)، فإرادته [١٠٧/ أ] لطاعة أبيه وبِرِّهِ اقتضت أَنْ

стр. 487

يُطَلِّقَ امرأته (١). فهذا ونحوه هو الطلاق عن وطر، والحالف كاره لطلاقها، ليس هناك سبب يدعوه إلى طلاقها، فلا يريد الطلاق، ولا يريد شيئًا يقتضي إرادة الطلاق، بل هو كاره للطلاق كراهةً أقوى وأثبت من كراهته للشرط الذي عَلَّقَ به الطلاق، ولكون كراهته للطلاق أقوى وأثبت عَلَّقَهُ بذلك الأمر الذي كراهته له دون كراهته للطلاق، وَجَعَلَ الطلاقَ لازمًا له ليكون امتناعه من الطلاق مانعًا له من ذلك الشرط، فلا يكون لا الطلاق ولا ذلك الشرط. فالحالف كاره للجزاء المعلق ــ كالطلاق ــ كراهة ثابتة، سواء وجد الشرط أو لم يوجد، وكاره للشرط الذي علق به الطلاق كراهة دون ذلك؛ ولهذا جعل الطلاق له ليكون امتناعه من اللازم موجبًا لامتناعه من الملزوم، ثم تزول كراهته للشرط فيريد فعله ويريد أن لا يوجد الطلاق اللازم؛ فإما أن يحنث وإما أن يندم على اليمين، كما قال عمر بن الخطاب ﵁: اليمين حنث أو مندمة (٢)، ويروى هذا مرفوعًا (٣).

стр. 488

وأما قوله: (فكيف يجعل هذا معارضًا لما رواه ابن عباس صريحًا أنه إذا حلف بعتق مملوكه فحنث يعتق). فالجواب: أنه لم يذكر هذا وحده معارضًا، بل المعارض ما ثبت عن ابن عباس ﵄ صريحًا في التعليق الذي يقصد به اليمين أنه يمين (١)، وفي بعض الروايات عنه في الحلف بالعتق (٢)، وأما الحلف بالنذر فثابت عنه من غير وجه (٣)، والذي رواه أحمد ــ وهو: حديث عثمان بن حاضر ــ لم يروه في العتق وحده، ولا في الفرق بين العتق والنذر، بل فيه أنه جعل على الحالف بالعتق وبالنذر لزوم الجميع، ثم إنه جعل في المال الزكاة وفي ذبح النفس بدنة؛ فهذا الأثر قد ثبت عن ابن عباس آثار صالحة صريحة أَصَحُّ منه باتفاق أهل العلم أنه جعل في ذلك الكفارة دون اللزوم. ولم يفرق ابن عباس ولا غيره من الصحابة بين الحلف بالعتق وغيره، ولا روى ذلك عنه لا أحمد ولا غيره؛ فذاك النقل [١٠٧/ ب] الصحيح الصريح هو المعارض لحديث عثمان بن حاضر الذي رواه أحمد، وهذا الذي ذكره البخاري موافق لتلك الآثار، وفيه ذكر الطلاق والعتق جميعًا؛

стр. 489

ففيه أن ابن عباس لا يوقع لا الطلاق ولا العتاق بالحالف به، لأنه لا وَطَرَ له في الطلاق، ولا هو مريد له، بل هو كاره له، ممتنع من إرادته = فكان قولُ ابن عباس ﵄ نصًّا في أنه لا يقع. وأما الأثر الذي نقله البخاري ــ رحمة الله عليه ــ عن ابن عمر ﵄ فليس مقصود البخاري به أنَّ الطلاق المحلوف به يقع، ولكن مقصوده أَنَّ الطلاق المعلَّق بشرطٍ لا يقع بدون وقوع الشرط، سواء قَدَّمَ الشرط أو أَخَّرَه خلافًا لشريح إذا أخر الشرط (١). وفيه: أن الطلاق المعلق قد يقع به الطلاق، أو يقع إذا قصد إيقاعه عند الصفة، وليس فيه أنَّ السائل لابن عمر ﵄ كان حالفًا يكره وقوع الطلاق وإن وجد الشرط، بل ترجمة البخاري تبين أنه لم يفهم من حديث ابن عمر أنه يقع إلا إذا قصد إيقاع الطلاق؛ فالمعلِّق له بشرطٍ يَقصدُ إيقاعَه عنده قَصْدَ إيقاعه عند الصفة فيقع تبعًا لقصده، وإن كان الشرط يتأخر فإنه لم يقصد إيقاعه إلا عند الشرط، والحالف لم يقصد إيقاعه سواءٌ وُجِدَ الشرط أو لم يوجد. وأما أثر عثمان بن حاضر فهو في الحلف بالنذر والعتق، وهو يقتضي أَنَّ المعلِّق إذا قصد اليمين يلزمه ما علقه من نذر وعتق، ولكن في نذر المال زكاته، وفي نذر ذبح النفس البدنة، وهذا الأثر لم يقل به أحد من علماء المسلمين لا أحمد ولا غيره من الأئمة الأربعة، ولا غيرهم من أئمة المسلمين، والفرق بين العتق وغيره لم يُنقل عن أحدٍ من الصحابة.

стр. 490

ولكن إن كان أثر عثمان بن حاضر ثابتًا عن هؤلاء الصحابة، فيمكن أن يكون قولهم في الطلاق المعلق بقصد اليمين أنه يلزم كما يلزم العتق والنذر، ونحن لم نَدَّعِ إجماعًا في عدم لزوم الطلاق والعتاق والنذر لا عن الصحابة ﵃ ولا عن التابعين به، كما يدَّعي [١٠٨/ أ] غيرنا إجماعات باطلة، فغاية ما في هذا إثبات نزاع عن الصحابة في ذلك، وهذا لا يضرنا بل ينفعنا. مع أنَّ من ادعى أنَّ الصحابة قد تفرق بين العتق والطلاق مع خطئهم في الفرق. يقال له: لا يلزم إذا جعلوا العتق واقعًا أن يجعلوا الطلاق واقعًا، فإن العتق قربة وطاعة، وهو لو عَلَّقَ وجوبه على وجه النذر= لزمه بالنص والإجماع. فلو قال: إِنْ شفى الله مريضي فعليَّ أَنْ أُعتق عبدًا، أو عبدي فلان؛ لزمه. ولو قال: فعليَّ أَنْ أُطَلِّق امرأتي أو نسائي؛ لم يلزمه الطلاق الذي ليس بطاعة لله بالنص والإجماع، ولكن إن كان الطلاق قربة لسبب أوجب كونه قربة لزم من هذه الجهة، وإذا لم يلزمه الطلاق لزمته كفارة يمين ــ نصَّ عليه أحمد وهو قول أبي حنيفة والخراسانيين من أصحاب الشافعي ــ إذا قصد بذلك اليمين. وأحمد يوجب الكفارة وإن لم يقصد اليمين، بل قصد التقرب إلى الله ــ تعالى ــ بالطلاق معتقدًا أنه قربة، مثل أَنْ يعتقد أَنَّ الترهُّبَ دين مشروع كمن ينذر لله أنه لا يأكل ولا يشرب الماء ولا يتزوج النساء ولا يأكل اللحم، أو أَنْ يطلق نساءه، أو أَلا يلبس القطن والكتان، أو لا ينام على جَنْبٍ، أو ألا يتكلم = فإذا نذر هذه الأمور التي ليست عبادة وهو يعتقدها عبادة، لم يلزمه

стр. 491

الوفاء بها بالاتفاق، ولكن عليه كفارة يمين في مذهب أحمد وغيره، وعند الشافعي لا كفارة فيها إلا إذا قصد اليمين على نزاع في مذهبه؛ فوجوب العتق يلزم بالنذر، ووجوب الطلاق لا يلزم بالنذر. فإذا قيل: إن نذر اليمين المسمى نذر اللجاج والغضب كنذر التبرر ــ كالأثر المروي في حديث عثمان بن حاضر ــ كان يوجب هذا أنه إذا نذر وجوب العتق لزمه، وإذا نذر وجوب الطلاق لم يلزمه. فلو قال: إن فعلت كذا كان عليَّ أَنْ أُعتق عبدي لزمه، ولو قال: كان عليَّ أَنْ أُطَلِّقَ امرأتي لم يلزمه، فإذا عَلَّقَ الوقوع على وجه اليمين، فقال: إِنْ فعلت كذا فعبدي حر وقع به العتق. كما يلزمه النذر على هذا القول المأثور في حديث عثمان بن حاضر، ولا يلزم [١٠٨/ ب] ــ حينئذٍ ــ أَنْ يقع به الطلاق، لأن الطلاق لم يلزم وجوبه في نذر التبرر ولا في نذر اليمين، كما يلزم وجوب العتق، فلا يلزم ــ حينئذٍ ــ إذا كان العتق يقع حيث يجب (١) أن يقع الطلاق حيث لا يجب. بل لو قال قائل: إنه إذا لزم وجوب العتق لزم وقوعه، وإذا لم يلزم أحدهما لم يلزم الآخر، والطلاق لا يلزم وجوبه بالاتفاق فلا يلزم وقوعه = كان هذا أوجه وأشبه مِنْ أَنْ يقال عن الصحابة إنهم قالوا: لا يلزم العتق المحلوف به ويلزم الطلاق، فإن هذا القول في غاية الفساد والمناقضة لأصل الشرع ومقاصده ونصوص الشارع. والعتق يصح تعليقه بالشرط كما ذكر غير واحد الإجماع على ذلك ولا

стр. 492

يعرف فيه نزاع (١)، والطلاق قد عرف فيه النزاع، فلو علق وقوع العتاق (٢) بشرط محض وقع، لأنَّ قصده إيقاعه عند ذلك الشرط، وكذلك إذا علق وجوبه كما لو قال: إذا جاء رأس الحول لله عليَّ أَنْ أُعتق عبدي، فإنَّ هذا نذرٌ لازم، إذ النذر المجرد عن الشرط يلزم، والمعلق على حدوث نعمة واندفاع نقمة يلزم، فإذا عُلِّقَ بشرطٍ محض لزم ــ أيضًا ــ، بخلاف ما عُلِّقَ تعليقًا يقصد به اليمين؛ فهذا مورد النزاع. فإذا قيل: إنَّ بعض الصحابة أوقع العتق المحلوف به كما يوجب النذر المحلوف به، ولم يوقع الطلاق المحلوف به = كان هذا أبعد عن ثلبِ الصحابة ــ رضوان الله عليهم أجمعين ــ ونسبتهم إلى عدم الفقه من أن يقال عنهم: إنهم ألزموا الطلاق المحلوف به دون العتق المحلوف به. وأيضًا؛ فالعتق والنذر طاعة لله وقربة إليه، فإذا ألزمَ الصحابةُ الحالفَ بذلك جعلًا لتعليق اليمين كتعليق التبرر = كان هذا قولًا قد ذهب إليه كثير من العلماء، وأما الطلاق فليس بقربة ولا طاعة لله. فلا يلزم إذا قال أحدهم: إنَّ العتق والنذر المحلوف به يلزم أَنْ نلتزم أنْ نحكي نحن عن هذا القائل أنه قال: إنَّ الطلاق المحلوف به يلزم، إلا أَنْ يُعلم من أصوله أو نصوصه ما يقتضي [١٠٩/ أ] التسوية بينهما. وأما حكاية ذلك عنهم لمجرد قياس لم يَعلم صحته على أصل المعنى،

стр. 493

مع أنه لا يَحكي عنهم بالقياس ما دَلَّ كلامهم وتعليلهم عليه ــ كما يفعل هذا المعترض وأمثاله ــ؛ فهذا قلبٌ للحقائق، فإنه إن لم يجز نقل المذاهب بالقياس والتعليل والألفاظ العامة، لم يجز أن ينقل عنهم في الحلف بالطلاق شيء، لا سيما عن ابن عباس ﵄؛ وإنْ جاز ذلك كان النقل عنهم أن الطلاق المحلوف به لا يلزم أولى من النقل عنهم أنه يلزم، فإنَّ تعليق الحكم بكونه قصد اليمين يتناول الحلف بالطلاق وغيره. وقول ابن عباس ﵄: (الطلاق عن وطر)؛ يقتضي تعليله وعمومه أن الطلاق المحلوف به لا يقع، وليس عن ابن عباس حرف واحد يدلُّ على وقوع الطلاق المحلوف به، وما نقل عنه في العتق إن كان ضعيفًا فلا حجة فيه، وإنْ كان صحيحًا فقد ثبت عنه ما يناقضه، وبتقدير أن يكون هذا رواية عنه؛ فإلحاق الطلاق بالعتاق في اللزوم أضعف من إلحاق الطلاق بالعتاق في عدم اللزوم. فإذا قال قائل: إذا كان العتق المحلوف به لا يلزم، فالطلاق كذلك وأولى. وقال آخر: إذا كان العتق المحلوف به يلزم، فالطلاق المحلوف به كذلك وأولى، ولا ريب أَنَّ كلام الأول أصح وأشبه بالأصول التي دَلَّ عليها الكتاب والسنة والإجماع. فإنَّ وقوع العتق ونفوذه أقوى من وقوع الطلاق ونفوذه، وهذا يحبه الله ويأمر به ويوجبه على مَنْ نذره، وهذا لا يحبه ولا يأمر به ولا يوجبه على من نذره، وهذا محرم في مواضع بالنص والإجماع كما يحرم طلاق الحائض وطلاق الموطوءة بالنص والإجماع، والعتق لا يحرم مع تمام الملك، والعتق يجب تكميله ويسري إلى ملك الغير، والطلاق لا يتصور ذلك فيه،

стр. 494

والعتق جعله الله من الكفارات كما جعل الصيام والصدقة والهدي؛ فأنواع الكفارات [١٠٩/ ب] أربعةٌ: أحدها العتق، والطلاق لم يجعله الله تكفيرًا لشيء من السيئات، والطلاق رفعٌ للنكاح الذي يحبه الله ويأمر به، والعتق إزالة للرق عن ابن آدم الذي خلقه الله حرًّا، فهو إعادة له إلى أصله؛ ولهذا كان سبب الرق الكفر فالحر المسلم لا يسترق بحال (١)، وأما المرأة فإنما خُلِقَتْ لأن تكون منكوحة لا أن تكون مطلَّقة، والحرة المسلمة بقاؤها مع زوجها خيرٌ لها في أكثر الأحوال من أن تكون مطلَّقة متضررة (٢)، فالعتق نفعٌ للعبد بالتحرير ونفعٌ للسيد بالثواب، والطلاق المحلوف به في الغالب ضررٌ على المرأة وضررٌ على الزوج بلا ثواب. فإذا قال قائل من الصحابة أو غيرهم: إنَّ الطلاق المحلوف به لا يلزم بخلاف العتق كان هذا أوجه من أَنْ يقول: إنه يلزم الطلاق دون العتق (٣)؛ ولهذا ذهب بعض العلماء إلى أَنَّ الطلاق المعلق لا يقع طلاقًا، وأما العتق المعلق إذا قصد إيقاعه فإنه يقع بلا نزاع، وهذا القول أقوى من قول أبي ثور بوقوع الطلاق المحلوف به دون العتاق المحلوف به، وقد قاله أبو عبد الرحمن الشافعي وهو في عصر أبي ثور، وكلاهما من أصحاب الشافعي البغداديين، ووافقه عليه ابن حزم وطائفة. فإنْ قيلَ: هذا مخالفٌ للإجماع؛ فقول أبي ثور أولى أن يكون مخالفًا للإجماع، وإنْ جعلَ ذلك خلافًا سائغًا حتى يحمل عليه قول بعض

стр. 495

الصحابة، فهذا أولى أن يكون خلافًا سائغًا يحكى عن بعض الصحابة. وبالجملة؛ فأبو ثور ــ مع علمه وفقهه ــ حكى إجماعًا معناه عنده عدم العلم بالمنازع، وقد عُلِمَ المنازع في عصره وقبل عصره، فإنَّ النزاع في الطلاق المعلَّق بالصفة أعم من الطلاق المحلوف به، فكلُّ مَنْ نازع في الأول نازع في الثاني ولا ينعكس. فإنَّ التعليق قد يكون تعليق يمين، وقد يكون تعليق إيقاع؛ فمن نازع في المعلق مطلقًا فإنه ينازع في التعليق الذي يقصد به اليمين بطريق الأولى، وإذا حلف بصيغة القسم فهو أولى بالنزاع من المعلق بالصفة، وأبو ثور لم يعلم نزاعًا في تكفير الطلاق [١١٠/ أ] المحلوف به، وركَّبَ على ذلك أنه يقع، والنزاع واقع في وقوعه وفي لزوم الكفارة إذا لم يقع. وأما القول بوقوع الطلاق دون العتاق فهو الذي يُقطع بأنَّ مخالفته للإجماع أظهر من مخالفة من لم يوقع الطلاق ولا العتاق المحلوف به، وحجة من لم يوقعهما أظهر من حجة مَنْ فَرَّقَ بينهما. وحينئذٍ؛ فإنْ كان القول عن بعضهم بلزوم العتق صحيحًا وجاز أَنْ يُحكى عنهم الفرق بين العتق والطلاق = جاز أَنْ يُحكى عنهم القول بلزوم العتق دون الطلاق، وإذا كان القول بلزوم العتق ليس صحيحًا بطل قول المعترض، وقد عُلِمَ أَنَّ القول بتكفيره أصح عنهم، فقد ثبت النزاع عنهم في العتق على هذا التقدير. وحينئذٍ؛ فإنْ كان قولهم التسوية بينهما فقد لزم أن يكون من قولهم أنه لا يقع عتق ولا طلاق محلوف به، وإنْ كان من قولهم الفرق بينهما فالفرق بأنهم إذا ألزموا بالعتق لم يلزموا بالطلاق أظهر من الفرق بأنهم إذا ألزموا
следующие страницы →