الوفاء بها بالاتفاق، ولكن عليه كفارة يمين في مذهب أحمد وغيره، وعند الشافعي لا كفارة فيها إلا إذا قصد اليمين على نزاع في مذهبه؛ فوجوب العتق يلزم بالنذر، ووجوب الطلاق لا يلزم بالنذر.
فإذا قيل: إن نذر اليمين المسمى نذر اللجاج والغضب كنذر التبرر ــ كالأثر المروي في حديث عثمان بن حاضر ــ كان يوجب هذا أنه إذا نذر وجوب العتق لزمه، وإذا نذر وجوب الطلاق لم يلزمه.
فلو قال: إن فعلت كذا كان عليَّ أَنْ أُعتق عبدي لزمه، ولو قال: كان عليَّ أَنْ أُطَلِّقَ امرأتي لم يلزمه، فإذا عَلَّقَ الوقوع على وجه اليمين، فقال: إِنْ فعلت كذا فعبدي حر وقع به العتق.
كما يلزمه النذر على هذا القول المأثور في حديث عثمان بن حاضر، ولا يلزم [١٠٨/ ب] ــ حينئذٍ ــ أَنْ يقع به الطلاق، لأن الطلاق لم يلزم وجوبه في نذر التبرر ولا في نذر اليمين، كما يلزم وجوب العتق، فلا يلزم ــ حينئذٍ ــ إذا كان العتق يقع حيث يجب (١) أن يقع الطلاق حيث لا يجب.
بل لو قال قائل: إنه إذا لزم وجوب العتق لزم وقوعه، وإذا لم يلزم أحدهما لم يلزم الآخر، والطلاق لا يلزم وجوبه بالاتفاق فلا يلزم وقوعه = كان هذا أوجه وأشبه مِنْ أَنْ يقال عن الصحابة إنهم قالوا: لا يلزم العتق المحلوف به ويلزم الطلاق، فإن هذا القول في غاية الفساد والمناقضة لأصل الشرع ومقاصده ونصوص الشارع.
والعتق يصح تعليقه بالشرط كما ذكر غير واحد الإجماع على ذلك ولا
стр. 492
يعرف فيه نزاع (١)، والطلاق قد عرف فيه النزاع، فلو علق وقوع العتاق (٢) بشرط محض وقع، لأنَّ قصده إيقاعه عند ذلك الشرط، وكذلك إذا علق وجوبه كما لو قال: إذا جاء رأس الحول لله عليَّ أَنْ أُعتق عبدي، فإنَّ هذا نذرٌ لازم، إذ النذر المجرد عن الشرط يلزم، والمعلق على حدوث نعمة واندفاع نقمة يلزم، فإذا عُلِّقَ بشرطٍ محض لزم ــ أيضًا ــ، بخلاف ما عُلِّقَ تعليقًا يقصد به اليمين؛ فهذا مورد النزاع.
فإذا قيل: إنَّ بعض الصحابة أوقع العتق المحلوف به كما يوجب النذر المحلوف به، ولم يوقع الطلاق المحلوف به = كان هذا أبعد عن ثلبِ الصحابة ــ رضوان الله عليهم أجمعين ــ ونسبتهم إلى عدم الفقه من أن يقال عنهم: إنهم ألزموا الطلاق المحلوف به دون العتق المحلوف به.
وأيضًا؛ فالعتق والنذر طاعة لله وقربة إليه، فإذا ألزمَ الصحابةُ الحالفَ بذلك جعلًا لتعليق اليمين كتعليق التبرر = كان هذا قولًا قد ذهب إليه كثير من العلماء، وأما الطلاق فليس بقربة ولا طاعة لله.
فلا يلزم إذا قال أحدهم: إنَّ العتق والنذر المحلوف به يلزم أَنْ نلتزم أنْ نحكي نحن عن هذا القائل أنه قال: إنَّ الطلاق المحلوف به يلزم، إلا أَنْ يُعلم من أصوله أو نصوصه ما يقتضي [١٠٩/ أ] التسوية بينهما.
وأما حكاية ذلك عنهم لمجرد قياس لم يَعلم صحته على أصل المعنى،
стр. 493
مع أنه لا يَحكي عنهم بالقياس ما دَلَّ كلامهم وتعليلهم عليه ــ كما يفعل هذا المعترض وأمثاله ــ؛ فهذا قلبٌ للحقائق، فإنه إن لم يجز نقل المذاهب بالقياس والتعليل والألفاظ العامة، لم يجز أن ينقل عنهم في الحلف بالطلاق شيء، لا سيما عن ابن عباس ﵄؛ وإنْ جاز ذلك كان النقل عنهم أن الطلاق المحلوف به لا يلزم أولى من النقل عنهم أنه يلزم، فإنَّ تعليق الحكم بكونه قصد اليمين يتناول الحلف بالطلاق وغيره.
وقول ابن عباس ﵄: (الطلاق عن وطر)؛ يقتضي تعليله وعمومه أن الطلاق المحلوف به لا يقع، وليس عن ابن عباس حرف واحد يدلُّ على وقوع الطلاق المحلوف به، وما نقل عنه في العتق إن كان ضعيفًا فلا حجة فيه، وإنْ كان صحيحًا فقد ثبت عنه ما يناقضه، وبتقدير أن يكون هذا رواية عنه؛ فإلحاق الطلاق بالعتاق في اللزوم أضعف من إلحاق الطلاق بالعتاق في عدم اللزوم.
فإذا قال قائل: إذا كان العتق المحلوف به لا يلزم، فالطلاق كذلك وأولى. وقال آخر: إذا كان العتق المحلوف به يلزم، فالطلاق المحلوف به كذلك وأولى، ولا ريب أَنَّ كلام الأول أصح وأشبه بالأصول التي دَلَّ عليها الكتاب والسنة والإجماع.
فإنَّ وقوع العتق ونفوذه أقوى من وقوع الطلاق ونفوذه، وهذا يحبه الله ويأمر به ويوجبه على مَنْ نذره، وهذا لا يحبه ولا يأمر به ولا يوجبه على من نذره، وهذا محرم في مواضع بالنص والإجماع كما يحرم طلاق الحائض وطلاق الموطوءة بالنص والإجماع، والعتق لا يحرم مع تمام الملك، والعتق يجب تكميله ويسري إلى ملك الغير، والطلاق لا يتصور ذلك فيه،
стр. 494
والعتق جعله الله من الكفارات كما جعل الصيام والصدقة والهدي؛ فأنواع الكفارات [١٠٩/ ب] أربعةٌ: أحدها العتق، والطلاق لم يجعله الله تكفيرًا لشيء من السيئات، والطلاق رفعٌ للنكاح الذي يحبه الله ويأمر به، والعتق إزالة للرق عن ابن آدم الذي خلقه الله حرًّا، فهو إعادة له إلى أصله؛ ولهذا كان سبب الرق الكفر فالحر المسلم لا يسترق بحال (١)، وأما المرأة فإنما خُلِقَتْ لأن تكون منكوحة لا أن تكون مطلَّقة، والحرة المسلمة بقاؤها مع زوجها خيرٌ لها في أكثر الأحوال من أن تكون مطلَّقة متضررة (٢)، فالعتق نفعٌ للعبد بالتحرير ونفعٌ للسيد بالثواب، والطلاق المحلوف به في الغالب ضررٌ على المرأة وضررٌ على الزوج بلا ثواب.
فإذا قال قائل من الصحابة أو غيرهم: إنَّ الطلاق المحلوف به لا يلزم بخلاف العتق كان هذا أوجه من أَنْ يقول: إنه يلزم الطلاق دون العتق (٣)؛ ولهذا ذهب بعض العلماء إلى أَنَّ الطلاق المعلق لا يقع طلاقًا، وأما العتق المعلق إذا قصد إيقاعه فإنه يقع بلا نزاع، وهذا القول أقوى من قول أبي ثور بوقوع الطلاق المحلوف به دون العتاق المحلوف به، وقد قاله أبو عبد الرحمن الشافعي وهو في عصر أبي ثور، وكلاهما من أصحاب الشافعي البغداديين، ووافقه عليه ابن حزم وطائفة.
فإنْ قيلَ: هذا مخالفٌ للإجماع؛ فقول أبي ثور أولى أن يكون مخالفًا للإجماع، وإنْ جعلَ ذلك خلافًا سائغًا حتى يحمل عليه قول بعض
стр. 495
الصحابة، فهذا أولى أن يكون خلافًا سائغًا يحكى عن بعض الصحابة.
وبالجملة؛ فأبو ثور ــ مع علمه وفقهه ــ حكى إجماعًا معناه عنده عدم العلم بالمنازع، وقد عُلِمَ المنازع في عصره وقبل عصره، فإنَّ النزاع في الطلاق المعلَّق بالصفة أعم من الطلاق المحلوف به، فكلُّ مَنْ نازع في الأول نازع في الثاني ولا ينعكس.
فإنَّ التعليق قد يكون تعليق يمين، وقد يكون تعليق إيقاع؛ فمن نازع في المعلق مطلقًا فإنه ينازع في التعليق الذي يقصد به اليمين بطريق الأولى، وإذا حلف بصيغة القسم فهو أولى بالنزاع من المعلق بالصفة، وأبو ثور لم يعلم نزاعًا في تكفير الطلاق [١١٠/ أ] المحلوف به، وركَّبَ على ذلك أنه يقع، والنزاع واقع في وقوعه وفي لزوم الكفارة إذا لم يقع.
وأما القول بوقوع الطلاق دون العتاق فهو الذي يُقطع بأنَّ مخالفته للإجماع أظهر من مخالفة من لم يوقع الطلاق ولا العتاق المحلوف به، وحجة من لم يوقعهما أظهر من حجة مَنْ فَرَّقَ بينهما.
وحينئذٍ؛ فإنْ كان القول عن بعضهم بلزوم العتق صحيحًا وجاز أَنْ يُحكى عنهم الفرق بين العتق والطلاق = جاز أَنْ يُحكى عنهم القول بلزوم العتق دون الطلاق، وإذا كان القول بلزوم العتق ليس صحيحًا بطل قول المعترض، وقد عُلِمَ أَنَّ القول بتكفيره أصح عنهم، فقد ثبت النزاع عنهم في العتق على هذا التقدير.
وحينئذٍ؛ فإنْ كان قولهم التسوية بينهما فقد لزم أن يكون من قولهم أنه لا يقع عتق ولا طلاق محلوف به، وإنْ كان من قولهم الفرق بينهما فالفرق بأنهم إذا ألزموا بالعتق لم يلزموا بالطلاق أظهر من الفرق بأنهم إذا ألزموا
стр. 496
بالعتق يلزمون بالطلاق.
ومعلومٌ أنه لم ينقل عن ابن عباس ولا عائشة ولا حفصة ﵃ ولا غيرهم ممن أفتى بتكفير العتق والنذر حرفٌ واحد بوقوع الطلاق المحلوف به، بل المنقول عنهم يقتضي عمومُهُ وتعليلُهُ أنه لا يقع طلاق محلوف به كما ذكرناه عن ابن عباس، وكما نقل عن عائشة ﵂ مِنْ جعلها التعليق الذي يقصد به اليمين يمينًا، وما نقل عنها من أنها قالت: كُلُّ يمينٍ ــ وإِنْ عَظُمَتْ ــ فكفارتها كفارة يمين بالله تعالى (١).
وأما ابن عمر ﵄ فقد ثبت عنه ما يناقض ما نقله عنه عثمان بن حاضر ــ أيضًا ــ، وأنه جعل التعليق الذي يقصد به اليمين يمينًا مُكفَّرة، وهذا في العتق أثبت عنه من ابن عباس؛ فإنَّ جميع الرواة الذين نقلوا حديث ليلى بنت العجماء ذكروا فيه أن ابن عمر كان من المفتين لها بعدم اللزوم، وأما ابن عباس فإنما ذكر من طريق أشعث بن عبد الملك الحمراني.
وابن عمر (٢) قد روي عنه ــ من غير طريق عثمان بن حاضر ــ من طريق
стр. 497
سالم أَنَّ الحلف بالنذر [١١٠/ ب] يلزم؛ فقد ثبت عنه في الحلف بالنذر روايتان (١)، ولكن الذي يظهر أنَّ (٢) المتأخرة هي رواية التكفير، وأما الطلاق فالجواب المنقول عنه يحتمل أنه فيمن قصد إيقاع الطلاق فلا يكون قوله مناقضًا للرواية الأخرى عنه.
وأما رواية عثمان بن حاضر فهي مخالفة لما رُوِيَ عنه (٣) من الوجهين الثابتين (٤)؛ فإنْ كانت صحيحة فهي رواية ثالثة، ومضمونها أنه يلزمه ما علقه، لكن جَعَلَ في المال الزكاة، وحينئذٍ؛ فيكون هذا موافقًا لرواية عثمان بن حاضر ــ أيضًا ــ وهي إحدى الروايتين عنه؛ هذا إنْ جُعِلَ مُسَوِّيًا بين الطلاق والعتاق، وإِنْ جعل مفرِّقًا بينهما فقوله بإيقاع العتق دون الطلاق إذا أوقع العتق أولى من التفريق بوقوع الطلاق دون العتق إذا لم يوقع العتق كما تقدم.
وكثيرٌ من أئمة أصحاب الشافعي وأحمد يجعلون الصحابة مجمعين على أن التعليق الذي يقصد به اليمين تجزئ فيه الكفارة.
ثم منهم مَنْ يطعن في رواية عثمان بن حاضر؛ كما فعل القاضي أبو الطيب الطبري (٥)
والماوردي والقاضي أبو يعلى وأبو الخطاب.
стр. 498
ومنهم من يقول: إما أن نسقط من اختلف قوله أو نُقدِّم الرواية الموافقة لغيره من الصحابة؛ وهذه طريقة الشيخ أبي حامد الإسفراييني قال في مسألة نذر اللجاج والغضب: قال الشافعي: ولو قال: مالي في سبيل الله أو صدقة على معاني الأيمان؛ فمذهب عائشة وعدد من أصحاب رسول الله ﷺ وعطاء والقياس أن عليه كفارة يمين.
قال أبو حامد (١): (قد اختلف الناس في موجب هذا النذر على ستة مذاهب، فذهب الشافعي إلى أنه يشبَّه بالأيمان، وأنه إذا نذر نذر لجاج وغضب لم يلزمه أن يفي بما نذره إذا وجد الشرط، وهو إذا كَلَّمَ زيدًا وقد منع نفسه منه لأنَّ الكلام يقع منه، وهو إذا نَذَرَ نَذْرَ لجاج ألا يكلمه ثم كلمه إذا علقه بشرط وقد وجد؛ فعندنا: أنه مخيَّر بين أن يفي بما نذره أو يكفر كفارة يمين).
قال: (وبه قال عمر وابن عمر وابن عباس وعائشة وحفصة وزينب بنت أم سلمة ربيبة النبي ﷺ [١١١/ أ]، ومن التابعين عطاء وطاووس والحسن، ومن الفقهاء أبو عبيد القاسم بن سلام وأحمد وإسحاق وأبو ثور، ثم ذكر قول النخعي والحكم وحماد إنه لا يتعلق بهذا النذر حكم، وقول ربيعة إنه يلزمه زكاة ماله).
قال: (وروي نحو ذلك عن ابن عمر وابن عباس، وقال مالك: يلزمه الصدقة بثلثه، وقال أبو حنيفة: يلزمه أن يتصدق بالمال الزكوي، وقال البَتِّي:
стр. 499
يلزمه أن يتصدق بجميع ماله).
قال: (وقد روي هذا عن ابن عمر ﵄).
ثم قال في حجة الشافعي ومن وافقه: (ولأنه إجماع روي عن ستة من الصحابة ﵃ ذكرناهم؛ فأما أربعة فقد صرحوا وقالوا: كفارة النذر كفارة يمين، وهم: عمر وعائشة وحفصة وزينب، واثنان اختلفت الرواية عنهما وهما: ابن عمر وابن عباس، لأن ابن عباس رويت عنه روايتان فيه إحداهما مثل قولنا، والأخرى مثل قول ربيعة.
وابن عمر عنه ثلاث روايات؛ فإما أن نقول قد تعارضت تلك الروايات وسقطت جملة، حتى كأنه لم يوجد منها شيء، وتجرد لنا قول أربعة من الصحابة لا مخالف لهم، أو نقول: إنَّ الرواية التي توافق قول غيرهما من الصحابة مقدمة على الرواية التي تخالفها، لأنَّ وفاق غيرهما يعضد ما روي عنهما في مثل ذلك) (١).
ومعلوم أن هذا النقل الذي فيه عن حفصة وزينب وعن ابن عمر من التكفير هو في حديث ليلى بنت العجماء، فإنه لم يُنقل عنهم ذلك في غير هذا، بخلاف عائشة وابن عباس فإنَّ التكفير معروفٌ عنهما من غير هذا الوجه.
وهؤلاء هم الذين أشار إليهم الشافعي (٢) بقوله: فمذهب عائشة وعدد من أصحاب رسول الله ﷺ وعطاء والقياس أن عليه كفارة يمين.
стр. 500
ثم إن أبا حامد ذكر رواية عثمان بن حاضر عن ابن عمر وابن عباس أن في المال زكاته، وذكر عن ابن عمر رواية ثالثة أنه يخرج جميعه وهي رواية سالم، ثم أجاب إما بالتساقط وإما بالترجيح.
وهذا بعينه موجود في الحلف بالعتق، فإنه إنما نقل في حديث عثمان [١١١/ ب] ابن حاضر، وفي حديث ليلى بنت العجماء عن عدد من الصحابة القول بالتكفير منهم ابن عمر وابن عباس؛ فإما أن تتساقط الروايتان (١) عن ابن عمر وابن عباس ويَسلم قول حفصة وزينب ومن معهما بلا نزاع، وإما أن يرجح قول ابن عمر وابن عباس الموافق لقول غيرهما.
وإذا ثبت قولهم في العتق فالطلاق بطريق الأولى، وليس عن أحد منهم في الطلاق ما يخالف ذلك ولا حرف واحد إلا اللفظ المحتمل عن ابن عمر، وحينئذٍ؛ فإذا قُدِّرَ أن ابن عمر ثبت عنه ذلك في الطلاق فهو على إحدى الروايتين عنه في العتق، فإنه قد اختلف عنه فيه على روايتين، وإنْ قُدِّرَ أن ابن عمر يفرق بين الطلاق والعتاق فقد يكون ذلك لظنه أن الطلاق المعلق حضًّا ومنعًا يُقصَد إيقاعه.
فإنَّ كثيرًا من الطلاق الذي يقصد به الحض والمنع يقصد به الإيقاع، بخلاف العتق والنذر المعلق تعليقًا يقصد به الحض والمنع، فإنَّ هذا إنما يراد به اليمين في العادة الغالبة، فيظهر قصد اليمين في هذا كما ظهر في قصة ليلى بنت العجماء، بخلاف قوله لامرأته: إِنْ خرجت من منزلي فأنت طالق؛ فإنه كثيرًا ما يقصد بهذا الإيقاع عند الصفة.
فإن كان ابن عمر ﵄ إنما أفتى لمن قصد الإيقاع اِطَّرَدَ قوله: إنَّ
стр. 501
كل من قصد اليمين لا يقع لا طلاق ولا عتق، وإن كان أفتى مطلقًا فلأن هذا التعليق يكثر قصد الإيقاع به، فقد يكون ابن عمر ﵄ اعتقد أنه لا يراد به إلا الإيقاع، إذ كان الحلف بذلك في عهدهم غير معروف، وقد يكون ابن عمر لما رأى مثل هذا التعليق يقصد به الإيقاع في العادة جعلها تعليقًا.
وإِنْ قيلَ: إِنَّ ابن عمر غَلِطَ؛ فغلطه في مثل هذا الأمر الخفي، وأنه لم يتفطن لكونه قد يقصد به اليمين أولى مِن أَن يُظَنَّ بأنه مع علمه بأنه يقصد اليمين يجعله غير حالف، ويجعل المعلق للعتق إذا قصد اليمين حالفًا مع علمه بأنَّ كليهما (١) قصد اليمين، فإنَّ هذا مما يظهر أنه خطأ لعموم الناس.
* * * *
стр. 502
فصلٌ
قال المعترض:
(ومن العجب [١١٢/ أ] أَنَّ المصنِّف عَارَضَ بأثر ابن عباس الذي رواه البخاري هذا، واعتمد على ما فهمه منه، وقال بعد ذلك بورقة: وقد ذكر البخاري عن ابن عمر أثرًا في الطلاق يحتمل أَنْ يكون من هذا الباب، ويحتمل ألا يكون منه؛ يشير إلى أثر ابن عمر الذي قَدَّمْنَاهُ، وكلاهما مذكور في البخاري في هذا الباب الذي أشرنا إليه.
ولفظ ابن عمر وما [سئل عنه] (١) مبينٌ لا يحتمل أمرًا آخر، إلا أَنْ يقول مُتَعَسِّفٌ في غاية التعنت إنه لم يقصد الحلف بل التعليق المجرد، وذلك في غاية البُعْد لإطلاق ابن عمر الجواب، ويعضده رواية أحمد الصريحة في الحلف، ورواية مالك في الموطأ (٢) عن عمر وابن عمر وغيرهما ــ كما تقدم ــ كانوا يقولون: إذا حلف الرجل بطلاق امرأة قبل أن ينكحها، ثم أَثِم؛ إنَّ ذلك لازم له [إذا نكحها] (٣). رواه بلاغًا.
فإذا كان هذا قول ابن عمر قبل النكاح، فما ظنك فيما بعده؟ فهذه الآثار الثلاثة تبين لنا مذهب ابن عمر، وأنه من القائلين بوقوع الطلاق والعتق عند
стр. 503
الحنث) (١).
والجواب: أما قوله: (المصنِّف) فلم يكن ذلك الجواب مصنَّفًا، وإنما كان جواب سؤال في فتيا، ولهذا لم يستوعب المجيب القول فيه، كما استوعبه بعد ذلك.
وقوله: (إِنَّ المصنف عارض بأثر ابن عباس الذي رواه البخاري هذا ــ يعني: حديث عثمان بن حاضر ــ) فقد تقدم أنه لم يقصد معارضته بهذا، بل إنما عارضه بما يدل على بطلانه، ويجب تقديمه عليه باتفاق أهل العلم، وإنما ذكر هذا لأنه مما يعرف به مذهب ابن عباس في الطلاق والعتاق المحلوف بهما.
وقوله: (واعتمد على ما فهمه منه). فيقال: هذا هو المفهوم لعامة أهل العلم، وهو الذي يدل عليه اللفظ، وهو الذي قصده البخاري، بل هذا الذي لا يحتمل اللفظ سواه، فإنه إما أن يريد به الحصر، وإما أن يراد به أن بعض الطلاق والعتاق يكون كذلك، وهذا مما لا فائدة في ذكره.
وأما قوله: (وقال بعد ذلك بورقة، وقد ذكر البخاري عن ابن عمر أثرًا في الطلاق يحتمل أَنْ يكون من هذا الباب، ويحتمل ألا يكون منه؛ يشير إلى (٢) أثر ابن عمر الذي قدمناه، وكلاهما مذكور في البخاري [١١٢/ ب] في هذا الباب الذي أشرنا إليه، ولفظ ابن عمر وما سئل عنه مبين لا يحتمل أمرًا آخر).
стр. 504
فيقال: هذا غلطٌ بَيِّنٌ؛ فإنه إذا قيل: طَلَّقَ رجلٌ امرأته البتة إِنْ خَرَجَتْ؛ فهذا اللفظ يراد أنه أراد وقوع طلاقها إذا خرجت، ويراد به اليمين، وهذا مستعمل في كلام الناس في هذا وهذا، يقولون: طَلَّقَ إن فعل كذا؛ لمن قصد إيقاع الطلاق ولمن قصد اليمين.
فالذي يقصد إيقاع الطلاق يقصد أن يطلقها إما عقوبة لها على مخالفته، وإما كراهة لمقامه مع امرأةٍ تخالفه أو مع امرأة تخرج، لأنَّ خروجها فيه من الضرر عليه ما لا يحتمل المقام معه.
والذي يقصد اليمين لا يريد طلاقها إذا خرجت، بل يريد منعها وزجرها، وهو لا يريد طلاقها خرجت أو لم تخرج، بل هو ممتنع من ذلك؛ كما لو قال: الطلاق يلزمني ما تخرجين، وكما لو حلف عليها بيمين أخرى أنها لا تخرج، وكما لو قال: إن خرجت فعبيدي أحرار ومالي صدقة وأنت وسائر نسائي طوالق ونحو ذلك مما يقصد به في العادة اليمين، لا يراد به وقوع هذه اللوازم.
وقد ذكرنا أَنَّ قصد الإيقاع بمثل هذا اللفظ كان أظهر في زمن ابن عمر والصحابة من قصد اليمين بذلك، فإنهم لم يكونوا قد اعتادوا الحلف بالطلاق، وابن عمر ﵄ أجابه بأنها تطلق إذا خرجت؛ إما لأنَّ اللفظ الذي ذكره بَيَّنَ فيه ذلك، أو لأنه ظهر له ذلك من دلالة، أو لأنَّ هذا اللفظ لما كان المعتاد عندهم قصد إيقاع الطلاق به لا قصد الحلف = فهم ابن عمر منه ذلك وإن كان الحالف قصد اليمين، ولم يعرف ابن عمر أنه قصد اليمين، أو لأنه لما كان قصد اليمين خلاف الظاهر لم يستفصله: هل أردت (١) خلاف
стр. 505
الظاهر؟ لكونه لا يقبل منه دعوى إرادة خلاف الظاهر.
ومثل هذا إذا كان مذهبًا لابن عمر فهو أحد قولي العلماء، وإذا كان قول ابن عمر يحتمل هذا وغيره احتمالًا بينًا، كان الجزمُ بأنه عَلِمَ أنه قصد اليمين، وأنه جعل التعليق الذي يقصد به اليمين كالتعليق الذي يقصد به الإيقاع، وجعل هذا قولًا واحدًا لابن عمر [١١٣/ أ] مع علمنا بأنه قد ثبت عنه ــ أيضًا ــ التفريق بين هذا التعليق وهذا التعليق= جزمًا بما لا يجوز الجزم به.
ولو قُدِّرَ أَنَّ ابن عمر لم يختلف كلامه في أن التعليق الذي يقصد به اليمين كالتعليق الذي لا يقصد به اليمين، فكلام أكثر الصحابة يخالف قوله في ذلك.
وقول المعترض: (إلا أن يقول متعسف في غاية التعنت أنه لم يقصد الحلف بل التعليق المجرد، وذلك في غاية البعد لإطلاق ابن عمر الجواب).
فيقال له: الذي هو في غاية البعد أن يكون قصده أَنْ يعلق الطلاق على الخروج من غير منع منه لها عن الخروج ولا كراهة له، بل يُعَلِّقُ الطلاقَ بالخروجِ كما يُعلقه بطلوع الهلال ودخول الحول وبالطهر وبغير ذلك مما يجعله وقتًا للطلاق لا يكون هو السبب الموجب للطلاق.
وهذا المعترض يريد بالتعليق المجرد هذا، فإنه يجعل كل من قصد المنع حالفًا، وإن كان مقصوده وقوع الجزاء عند الشرط، حتى يجعل قوله: إِنْ تزوجتُ فلانة فهي طالق حالفًا، ويجعل ذلك من صور النزاع التي نازع فيها المجيب ويقول فيها بالتكفير، ويجعل أقوال الصحابة والتابعين الذين
стр. 506
لم يفتوا في مثل ذلك بالتكفير حجة على المجيب، كما تقدم في ذلك غير مرة، حتى جعل تعليق الوعيد كقوله: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨] مما يدخل في صور النزاع، وأنه يجب أن يكون يمينًا عند الحنث، وأن يجب في مثله التكفير.
وقد تقدم أن هذا سوء فهم منه، لم يخطر ببال المجيب أن أحدًا يفهم من كلامه هذا، فإنه لم يقل ما يدل على ذلك، ولو خَطَرَ لَهُ أَنَّ أَحدًا يَفْهَمُ هذا لَبَسَطَ الكلامَ في ذلك الجواب المختصر الذي اعترض عليه المعترض، وإنْ كان المجيب قد بسط الكلام في ذلك في مواضع أُخَر (١)، وبَيَّنَ الفرق فيما يقصد به الحض والمنع وبين أن يقصد الإيقاع كما تقدم، وبَيَّنَ أَنَّ من قصد الإيقاع فليس بحالف، ولا قال أحد من أهل العلم إن هذا يمين مكفرة، لا المجيب ولا غيره، ولا سَمَّى أحدٌ من الصحابة هذا حالفًا، بل ولا من التابعين في الأقوال المعروفة عنهم [١١٣/ ب] بأسانيدها، مثل الأقوال التي جمعها المعترض، وطالع عدة كتب حتى جمعها، واجتهد في جمع ما أمكنه من كلام الصحابة والتابعين في هذا الباب ليجعله حجة على المجيب، ومع هذا فلم يذكر عن أحد منهم لفظًا أنه جعل من قصد الإيقاع عند الشرط حالفًا.
وإنما سَمَّى مثل هذا حالفًا من الفقهاء مَنْ لا فرق عنده بين أن يقصد الإيقاع وبين ألا يقصده، فلما استويا عنده في الحكم نقل اسم أحدهما إلى
стр. 507
الآخر؛ فمنهم من يسمي كل من قصد الحض والمنع حالفًا وإن قصد الإيقاع، ومنهم من يُسمي كُلَّ مَنْ عَلَّقَ الطلاق حالفًا وإن كان تعليقًا محضًا ليس فيه حض ولا منع، ومنهم من يستثني المعلَّق بالطهر والحيض والسفر لأن له أسماء تخصه، والأقوال الثلاثة لمتأخري أصحاب أحمد، والأول لأصحاب الشافعي، والثالث لأبي حنيفة.
وسواء على ذلك ما إذا قال: إِنْ حلفتُ بطلاقكِ فعبدي حر، أوقال: إنْ حلفتُ بطلاقك فأنت طالق، أو فضرتك طالق، أو والله لا أحلف بطلاقك.
فاختلفوا فيما يدخل في قوله: إِنْ حلفتُ؛ على هذه الأقوال الثلاثة، وأما أحمد وقدماء أصحابه ومالك وغيرهما فإنهم يرجعون في مثل هذا بعد نِيَّةِ الحالف وسبب اليمين إلى عُرْفِهِ نفسه وما يفهمه هو من هذا اللفظ؛ فمن العامة مَنْ يُسمِّي كُلَّ مُطَلِّقٍ حالفًا، فهذا إذا قال: والله لا أحلف بطلاقك فطلقها حنث، وعلى تلك الأقوال جميعها لم يحنث، فإنه نجَّز الطلاق ولم يعلقه.
ومِنَ الناس مَنْ يجعل الحلف هو التعليق، والحلف بصيغة القسم، ومنهم من يجعل التعليق الذي يقصد به الحض والمنع، ومنهم من يقصد به المعنى اللغوي العقلي الذي كان يقصده الصحابة، وهو أن تعليقه مع كراهته لوقوعه عند الصفة كما يحلف به بصيغة الجزاء.
ولما كان هذا المعترض قد ظنَّ أنَّ المجيب يَجعل كل تعليق قصد به المنع فهو حلف، لا يفرق بين قصد الإيقاع وقصد اليمين وأن التعليق المجرد عنده لا يكون إلا في شرط لا يقصد وجوده ولا عدمه تولد له من هذا الغلط غَلَطٌ [١١٤/ أ] كبير في فهم كلام الصحابة والتابعين والعلماء،
стр. 508
وغلطه هذا يلزم كُلَّ مَنْ فرق بين تعليق اليمين وتعليق الوعيد وأمثاله، فسموا الأول يمينًا ولم يسموا الثاني يمينًا.
فإنه من المعلوم أن أحدًا لم يسم مثل قوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٨] يمينًا، وسموا مثل قوله: إِنْ فعلتُ فكل مملوك لي حر وكل امرأة لي طالق يمينًا، وإن كان كلاهما فيه منع من الفعل، لكن الحالف يقصد منع نفسه أو منع غيره ممن (١) يرى أنه يَبَرُّ قَسَمَه فيعلق بالفعل ما يكره أن يلزمه، ويكون المحلوف عليه لا يرى أن يوقعه فيما يكره، فلا يحلف على من يعلم أنه يفعل الشرط فيقع الجزاء.
ولا يقول الأسير لمن أسره وهو لا يبالي أَطَلَّقَ امرأته أم لم يطلقها، ولا لعدوِّه ولا لقاهرٍ يظلمه ولا يبالي بطلاق امرأته، ولا لمن هو خارج عن طاعته ولا يعرفه ولا يبالي أَطُلِّقَت نساؤه وعتق عبيده وذهب ماله أم لم يكن كذلك = لا يقول: لا تفعل كذا وإن فعلته فنسائي طوالق وعبيدي أحرار ومالي صدقة؛ لا سيما إذا كان ذلك الشخص يريد ذلك الفعل.
ولا يقول للمحارب الذي يريد أخذ ماله: إِنْ أخذت مالي فمماليكي أحرار ونسائي طوالق، بل يقول إن أخذت شيئًا عاقبتك وانتقمت منك وقاتلتك أو شكوتك إلى ولي الأمر.
ولا يقول المسلمون لعدوهم المحاربين لهم أو أمير المسلمين: الطلاق يلزمني ما تفعلون كذا أو إن فعلتم كذا فنسائي طوالق وعبيدي أحرار، بل يقول: إنْ فعلتم كذا فسوف تعلمون ما أفعل بكم، إن قتلتم أحدًا
стр. 509
من أَسْرَانا قتلنا وفعلنا كذا وكذا، يتوعدهم بأمر يشق على أولئك.
وفي كلا الموضعين المقصود بالتعليق: المنع من فعل، لكن إذا عَلَّق به ما يكرهه المعلِّق وإنْ وجد الشرط كان يمينًا، وحَلِفُهُ به على نفسه وعلى مَنْ يرى أنه لا يُحَنِّثُهُ ويُلْزِمُهُ ما يكره لزومه له، فإنه قد عُلِمَ أنه إذا حلف كره وقوع ما لزمه ولو أنه الكفارة، فيحلف على من يظن أنه لا يلزمه بهذا الذي يكرهه، وأما من يرى أنه يقصد إيذاءه وإلزامه بما يكره ويقصد إيذاءه لا يبالي أحلف أم لم يحلف، بل إذا حلف كان ذلك مما يغريه بتحنيثه (١)، فإنَّ مثل [١١٤/ ب] هذا لا يحلف عليه في العادة، ولكن إذا منع مثل هذا منعه بالوعيد الذي يكرهه الممنوع، فيقول: إِنْ فعلتَ كذا فعلتُ بك كذا وكذا، لا يمنعه بمجرد اليمين التي يكون الحالف هو الذي ألزم بالحنث فيها ما يكرهه هو.
ولَمَّا كان الطلاق تارة يكرهه الرجل، وتارة تكرهه المرأة، وتارة يكرهانه جميعًا، وتارة لا يكرهه واحدٌ منهما = اختلفت الأحوال في تعليقه؛ فتارة يقول لها: إن فعلتِ كذا فأنت طالق يقصد اليمين فقط، لأنه يكره الطلاق عند الصفة، وهي ــ أيضًا ــ تكره أَنْ يلزم الطلاق؛ إما لكونها تكره تحنيثه لرغبتها إليه ورهبتها منه وإن كانت لا تكره نفس الطلاق، وإما لكونها تكره أَنْ يطلقها وإن كانت لا تكره تحنيثه بغير هذه اليمين، وتارة لكونها تكره هذا وهذا؛ تكره تحنيثه إكرامًا له وتكره أن يطلقها لما عليها في الطلاق من الضرر.
وقد يظن الرجل بالمرأة أنها تكره الطلاق وتكره تحنيثه، ولا يكون
стр. 510
كذلك، فيحلف عليها بالطلاق فتحنثه وتفعل، ولو عَلِمَ أنها لا تَبَرُّ قَسَمَهُ لم يحلف، كما يحلف على غير امرأته ظانًّا أنه يبرُّ قسمه.
وقد يكون قصده إيقاع الطلاق إذا خالفته؛ فيكون طلاقها يشبه الوعيد من بعض الوجوه لا من جنس الأيمان، وقد لا يقصد به عقوبتها، بل يقصد دفع مضرة عنه بالطلاق إذا وجد الشرط الذي منع منه، كما يقول: إِنْ خنتني، إِنْ سرقتِ مالي، إِنْ فعلتِ فاحشة فأنت طالق؛ وقد يقول هذا مَنْ يظن أنها تكره هذا الطلاق، ويجعله زاجرًا لها مع قصده للطلاق إذا فعلته، ويكون هو لا يكره الطلاق، بل قد يختاره ويريده؛ إما مطلقًا، وإما إذا وجد الشرط وهو لا يعلم، مثل أن تكون مائلة إلى غيره، فيقول لها: إنْ فعلتِ كذا فأنت طالق، يقصد طلاقها إذا فعلته، فتفعله ليقع الطلاق لتنال غرضها إذا طلقت، ومثل هذا: قَصْدُ الإيقاعِ عند شرطٍ اعتقدَ أنه لا يكون؛ وفي وقوع الطلاق بهذا نزاع.
والمعترض لما ظن أن المجيب يقول: إِنَّ كل تعليق [١١٥/ أ] منع منه أو حض عليه هو يمين، وأن التعليق المجرد ما ليس فيه حض على الشرط ولا منع منه بحال = كان مراده بقوله: إلا أن يقول متعسف في غاية التعنت في قول نافع: طَلَّقَ رجلٌ امرأته البتة إِنْ خَرَجَت؛ أنه لم يقصد الحلف بل التعليق المجرد، أي: لم يقصد المنع من الخروج البتة، بل قصد الطلاق مجردًا بلا قَصْدِ مَنْعٍ، كما يقصده في قوله: إذا جاء رأس الشهر، أو إذا طَهُرْتِ فأنتِ طالق، أو إذا قَدِمَ الحجاج فأنت طالق.
ومَنْ حَمَلَ كلام ابن عمر على هذا فقد تعسف؛ فإن عادة الناس لم تجر في تعليق الطلاق بأفعال النساء إلا أنهم يقصدون منع النساء من ذلك، فإذا
стр. 511
قال: إِنْ خرجتِ فأنتِ طالقٌ، إِنْ دخلتِ دار فلان فأنتِ طالق، إِنْ أَخذتِ من مالي شيئًا بغير إذني فأنت طالق، إِنْ ضربتِ ابني فأنت طالق، إِنْ أنكرت ما أعطيتك فأنت طالق، إِنْ كتمتِ ما أعطيتك فأنت طالق، إِنْ لم تَرُدِّي المال الذي أخذتيه فأنت طالق، ونحو ذلك = كان مراده منعها من ذلك الفعل ونهيها عنه، أو حضها عليه وأمرها به، لكن مع ذلك قد يقصد الطلاق إذا خالفته فلا يكون حالفًا، وقد لا يقصد إلا مجرد الحض والمنع وتوكيد ذلك باليمين مع كراهته للطلاق مطلقًا وإن خالفته= فهذا هو الحالف.
ومعلوم أن الذي ذكر عنه نافع أنه طَلَّقَ امرأته إِنْ خَرَجَت وإن كان مانعًا لها عن الخروج، فلا يعلم أنه كان كارهًا لطلاقها إذا خرجت، كما في قول القائل: إِنْ فعلتِ كذا فكل نسائي طوالق وكل عبيدي أحرار ومالي صدقة وعليَّ ثلاثون حجة ونحو ذلك أنه كاره للزوم هذه الأمور، وإذا كان لا يعلم أنه كاره احتمل أن يكون غير حالف، واحتمل أن يكون حالفًا.
ولهذا قال المجيب: وقد ذكر البخاري عن ابن عمر أثرًا يحتمل أن يكون من هذا الباب، ويحتمل ألا يكون منه؛ وإذا عُرِفَ مراد المجيب لم ينازع في الاحتمال إلا معاند.
وقول المعترض ــ حينئذٍ ــ أنه مبيَّن لا يحتمل أمرًا آخر؛ كلامٌ باطلٌ، نعم لا يحتمل إلا المنع من الفعل لا يحتمل أنه جعله تعليقًا لا منع فيه، بل مع المنع من الفعل يحتمل (١) أنه أراد طلاقها إذا خرجت، ويحتمل أنه لم يرد إلا الحلف عليها مع كراهته [١١٥/ ب] للطلاق وإِنْ خَرَجَتْ، كما لو قال: إِنْ
стр. 512
خَرَجْتِ فكل مملوك لي حر ومالي صدقة وعليَّ ثلاثون حجة، فإن هذا فيه المنع، ومع هذا فهو لا يريد أَنْ يَعتق عليه عبيده ويخرج عن (١) ماله ويبقى في ذمته ثلاثون حجة، بل هذا لا يقصده عاقل، وإنما عَلَّقَه لأنه في غاية الامتناع والكراهة له، لا أنه يريده عند الشرط.
وقوله: (لإطلاق ابن عمر الجواب).
فيقال له: يا سبحان الله! هَلَّا ذكرت من إطلاق ابن عمر وحفصة وزينب وغيرهم الجواب في حديث ليلى بنت العجماء مع تصريح المرأة بأنها حلفت بقولها: وكل مملوك لي حر؟! وهلَّا جعلت الجواب هناك يتناول هذه اليمين كما اتفق على ذلك أئمة أهل العلم في نقل هذا عن ابن عمر وغيره لما ثبت عندهم ذكر العتق؟ وإطلاق الجواب هناك أَدَلُّ على إرادة ابن عمر للحلف بالعتق من كون إطلاقه هنا يتناول الحلف بالطلاق.
ثم يقال ثانيًا: نحن نُسَلِّمُ أنه لم يُجِبْ إلا مِنْ منع امرأته من الخروج لا أنه لم يمنعها من الخروج، لكن إطلاق الجواب مع هذا يحتمل أن يكون السائل سأله بلفظ أظهرَ به أنه يقصد الإيقاع لا اليمين، ونافع لم يذكر لفظه، ويحتمل أنه ظهر مع اللفظ من حاله ما دلَّ على أنَّ قصده الإيقاع، ويحتمل أنه لما كان الغالب عليهم إذا علقوا الطلاق إنما يقصدون الإيقاع لا اليمين، لأنهم لم يكونوا قد اعتادوا الحلف به وإنما اعتادوا أن يطلقوا عند وجود أمور يكرهون بقاء النكاح على تلك الحال، ويختارون الطلاق إذا وقعت فيوقعون الطلاق لتلك الأحوال، وليس في هذا أن ابن عمر لو علم أنه لو
стр. 513
كان مع المنع يمتنع من إيقاع الطلاق [الذي] (١) يكرهه وإن خالفته= كان يوقعه به، ويحتمل أَنَّ ابن عمر لم يكن يظن أَنَّ (٢) مراده بهذه الصيغة اليمين وقد أراد بها اليمين، ويحتمل أنه مع علمه بإرادة اليمين يوقع الطلاق على قوله بأن التعليق الذي يقصد به اليمين كالتعليق الذي لا يقصد به اليمين، لا على الرواية الأخرى التي هي أشهر الروايتين عنه بل وآخرهما: أن التعليق الذي يقصد به اليمين [يمين مكفرة] (٣).
ومع هذه الاحتمالات الظاهرة لا يجعل ابنَ عمر يوقع الطلاق المحلوف به على كُلٍّ من الروايتين عنه إلا جاهلٌ أو [١١٦/ أ] معاندٌ.
وأما قوله: (ويعضده رواية أحمد الصريحة في الحلف)؛ فتلك إنما هي في الحلف بالعتق مع غيره، وقد أجاب في الجميع باللزوم، وهذا خلاف الرواية المشهورة الثابتة عنه، وخلاف رواية سالم عنه؛ وعلى هذه الرواية فيجوز أن يكون ابن عمر ﵄ يُفتي بوقوع الطلاق المحلوف به كما قال، ويحتمل أن يفرق بينهما فيفتي بوقوع العتق دون الطلاق كما تقدم.
وأما على الرواية المشهورة عنه في الإفتاء في أن التعليق الذي يقصد به اليمين يمين مكفرة دون اللزوم، فالطلاق أولى ألا يلزم، وهذه الرواية المشهورة عنه في أنَّ التعليق الذي يقصد به اليمين يمين مكفرة، لا سيما مع دخول الحلف بالعتق في ذلك يعضد الاحتمال الآخر، وهو أن هذا المعلِّق كان قصده الإيقاع دون اليمين، فالرواية الثابتة المشهورة تعضد عدم وقوع
стр. 514
الطلاق المحلوف به، والرواية الضعيفة المرجوحة التي لم توافق تعضد القول بوقوع الطلاق.
وقد قدمنا أن هذه الرواية لم يقل بجميع ما فيها أحد من علماء المسلمين؛ فهذا العاضد هو مخالف لإجماع المسلمين، والعلم بعدم النزاع في ذلك أظهر من العلم بعدم النزاع في الطلاق.
وأما قوله: (ويعضده رواية مالك في الموطأ عن عمر وابن عمر وغيرهما ــ كما تقدم (١) ــ كانوا يقولون: إذا حلف الرجل بطلاق امرأته قبل أن ينكحها، ثم أَثِمَ أن ذلك لازم له. رواه بلاغًا. وإذا كان هذا قول ابن عمر قبل النكاح، فما ظنك بما بعده؟).
فقد تقدم جواب ذلك؛ وأنه من المعلوم الفرقُ بينَ أَنْ يُعَلِّقَ الطلاق على النكاح وبين أن يحلف بذلك، فالأول أَنْ يقول: إن تزوجت فلانة فهي طالق، أو يقال له: تَزَوَّج. فيقول: كل امرأة أتزوجها فهي طالق. وأما الثاني: فمثل التحليف في أيمان البيعة وغيرها مثل أَنْ يقول: إن فعلت كذا فكل امرأة أتزوجها فهي طالق، أو فكل امرأة أتزوجها إلى ثلاثين سنة فهي طالق.
والآثار المروية عن الصحابة ﵃ في ذلك إنما هي فيمن عَلَّقَ الطلاق على النكاح؛ فأما الحلف بذلك فلم يَنقل أحد عن الصحابة في ذلك شيئًا، فإنهم لم يكونوا قد اعتادوا الحلف بالطلاق الذي يقع بالاتفاق؛ فكيف بالحلف بالطلاق على الملك؟ والحلف بالطلاق كان نادرًا؛ فكيف بالحلف بنادر النادر؟!
стр. 515
وأصحُّ شيءٍ روي في وقوع الطلاق المعلَّق بالملك قول ابن مسعود ﵁ (١)، وإنما كان فيمن قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق. وكذلك الرواية عن عمر ﵁ مع ضعفها (٢)، وأما رواية ابن عمر ﵄ فلم يعرف إسنادها (٣)، ومن تتبع الآثار المنقولة عن الصحابة ﵃ في هذا تبين له أنه لم يُنقل عنهم الجواب إلا فيمن علق الطلاق على الملك لا فيمن حلف بالطلاق المعلق بالملك (٤).
ولكن لما كان الأمران سواء عند مالك ومن تلقى عنه من شيوخه حيث كان الحلف بالطلاق وإيقاع [١١٦/ ب] الطلاق عندهم سواء، ومالك ــ رحمة الله عليه ــ لم يذكر إسنادًا ولا لفظ الصحابة ﵃، وإنما ذكر ما بَلَّغُوه (٥) أولئك الذين كان الأمران عندهم سواء، فكانوا قد سمعوا عن
стр. 516
هؤلاء الصحابة أَنَّ مَنْ عَلَّقَ الطلاق بالملك يقع به في الخصوص، فكان هذا كمن عَلَّقَ الطلاق بعدُ بالملك، وهم في الجميع يقولون: من حلف بالطلاق وحنث لزمه الطلاق؛ كما ذكره أبو مصعب (١) من أقوالهم في مصنفه الذي صنفه في مذهبهم (٢)، وهو إجماع المتأخرين من أهل المدينة.
قال أبو مصعب في مختصره: قد أجمع أهل المدينة ودار الهجرة وبلد رسول الله ﷺ على أقوال في الحلال والحرام لم يختلفوا في ذلك، واختلفوا في أمر فتناظروا فيه وبحثوا عن أصله حتى انتهى بهم الحق إلى ما كتبت في كل باب مما يحتاج إلى علمه؛ فكان من ذلك ما أجمعوا عليه وذكروه من السنة، وذَكره على أبواب الفقه، وذَكَرَ فيه مسائل من الحلف بالطلاق؛ منها: ومَنْ حَلَفَ بالطلاق لا تخرج زوجته إلى أهلها فخرجت إليهم فقد طلقت مكانها ولا ينتظر بذلك بلوغها إياهم، وكذلك لو رَدَّهَا بعد ذهابها لطلقت عليه، وكذلك لو حَلَفَ لا تحج فخرجت وأحرمت من الميقات فهي طالق، وإِنْ رَدَّهَا بعد إحرامها فهي طالق.
فأبو مصعب يذكر مثل هذه المسائل عن أهل المدينة، ومعلوم أَنَّ مراده بذلك أهل المدينة المتأخرون ــ ربيعة وابن هرمز وأمثالهما ــ لا الصحابة ولا أكابر التابعين، فإنَّ مثل هذه المسائل لا يمكن نقلها عن أحد من الصحابة
стр. 517
وأكابر التابعين، بل أكثر العلماء يخالفون ما ذكره أبو مصعب في ذلك، وَيَرُدُّونَ ذلك بعد اعتبار النيةِ، وبعدَ اعتبارِ سببِ اليمينِ وناقلها (١) ــ عند من يقول بذلك كمالك وأحمد بن حنبل ــ إلى عُرْفِ المتكلم في الخروج إلى أهلها وفي الحج.
ولو حلف لا يصلي ولا يصوم ولا يحج هل يحنث بالشروع؟ فيه نزاع مشهور.
والمقصود: أنه لَمَّا كان مشهورًا عند متأخريهم أَنَّ الحالف كالمُوقِع حتى في الحلف بالنذر كما ذكره مالك في موطئه ولم يذكر في ذلك أثرًا عن أحد من الصحابة، مع أنه من عادته إذا كان في الباب أثر عن النبي ﷺ أوعن الصحابة ذكره، [١١٧/ أ] بل ويذكر ما روي عن التابعين.
ولَمَّا ذكر قولهم في الحلف بالمشي وصدقة المال والحلف بالطلاق والعتاق ونحو ذلك وأنه يلزمه ما حلف به =لم يذكر في ذلك أثرًا عن أحد من الصحابة كعادته، فدلَّ على أَنَّ ذلك من رأي متأخريهم؛ كربيعة وابن هرمز وأمثالهما (٢).
وهذا مما يعلم قطعًا؛ لا سيما في مثل مَنْ حَلَفَ على شيءٍ لا يجزم (٣) به فإنهم يلزمونه الطلاق وإن ظهر صدقه، كمسألة [في اللوزة حبتين] (٤)
стр. 518
ونحو ذلك، ومثل هذه المسائل لم ينقلها أَحَدٌ من العلماء لا هم ولا غيرهم عن أحد من الصحابة، بل ولا عن أكابر التابعين = فعلم أنها من الرأي المتأخر الذي ليس إجماعًا يجب اتباعه عند عامة علماء الإسلام من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم، حتى أئمة أصحاب مالك فإنهم مُصَرِّحُونَ بأنَّ الإجماع المدني المتأخر ليس بحجة يجب اتباعها على علماء المسلمين (١) وكلام مالك يدل على ذلك (٢)، ولكن كان هذا مشهورًا عندهم، فنقل مالك أقوالهم بحسب ما بَلَّغَهُ هؤلاء ذلك، وهم لا يُفَرِّقون بين الأمرين، فصار هذا كلفظ الحلف والتطليق عند مَنْ يرى أَنَّ كل تعليق حلفًا أو كل تعليق فيه حض ومنع حلفًا وهو تطليق عنده، فلا فَرْقَ عنده بين أَن يُقال بعد وجود الصفة: طَلَّقَهَا أو حَلَفَ بطلاقها وحنث.
وفي عُرْفِ كثيرٍ من العامة يجعلون لفظ الطلاق مطلقًا ولفظ الحلف بالطلاق سواء حتى في الطلاق المنجز، فيقولون لكل مَنْ طَلَّقَ امرأته: حَلَفَ بطلاقها وحنث، ويقولون: حنث فيها بطلقة ونحو ذلك.
ومعلوم أن الصحابة والتابعين لم يكونوا يتكلمون بهذه العبارات والاصطلاحات الحادثة، ولا يجوز نقل مذاهبهم بمثل هذه العادات (٣)،
стр. 519
والمنقول المسند عنهم إنما هو فيمن عَلَّقَ الطلاقَ بالملك لا مَنْ حَلَفَ بهذا التعليق ــ كما تقدم ــ.
والنقل المسند عن عمر من وجهين؛ من رواية ابن المسيب عنه، ومن رواية مجاهد؛ وكلاهما إمام ثقة مِنْ أَخْبَرِ الناس بقول عمر أَنَّه كان يُفَرِّقَ بين التعليق الذي يقصد به اليمين، والتعليق الذي يقصد به لزوم الجزاء، وقد رَوَى ذلك أبو داود (١).
وعامة العلماء يحتجون بما ينقله ابن [١١٧/ ب] المسيب عن عمر، ما علمتُ أحدًا من المتقدمين طعن في هذا، وروي أن ابن عمر كان يسأل ابن المسيب عن قضايا عمر (٢).
وَمَنْ عَلَّلَ ذلك بأنه مرسل، لكون سعيد لم يسمع من عمر إلا على المنبر = لم يكن له أن يحتج بالإجماعات المرسلة التي ينقلها مثل: أبي ثور ومحمد بن نصر وابن جرير وابن عبد البر وأمثالهم، فإن ذلك نقل عن عمر وحده شيئًا مع قرب العهد، فهؤلاء لو نقلوا قول واحد من الصحابة لم ينبغي أَنْ يُقبل مجرد نقلهم إذا رُدَّ نقل سعيد بن المسيب؛ فكيف إذا نقلوا ما لا يمكن حصره من إجماع العلماء؟
ولم يَنْقُل أحدٌ عن عمر خلاف ذلك كما ثبت مثل ذلك عن حفصة ابنته
стр. 520
وزينب وعائشة ولم يَنْقُل أحد عنهن خلاف ذلك إلا ما ذَكَرَ ابن عبد البر عن عائشة بلا إسناد من الفَرْقِ بين الطلاق والعتاق وغيرهما (١)، والمأثور عنها بالإسناد خلاف ذلك فلو كان بائنًا لكان قصدًا مثل النقل عن ابن عمر وابن عباس، وأما ابن عمر فنقل عنه هذا وهذا.
وأما قوله: (فهذه الآثار تُبَيِّنُ لنا مذهب ابن عمر، وأنه من القائلين بوقوع الطلاق والعتاق عند الحنث).
فيقال له: إِنْ أردت أَنَّ ابن عمر ﵄ كان يُفرق بين الحلف بالطلاق والعتق وبين غيرهما، فهذا لم ينقله أحدٌ عنه لا بإسناد صحيح ولا ضعيف، ولا نقله نقلًا مرسلًا ولا بلاغًا، وكذلك إِنْ أردتَ أنه كان يوقع الطلاق دون العتق.
وإن أردت أن ابن عمر كان يقول بوقوع الطلاق والعتق كما يقول بلزوم النذر المحلوف به فَيُسَوِّي بين الجميع في اللزوم؛ فلا ريب أَنَّ حديث عثمان بن حاضر إِنْ كان صحيحًا ففيه أنه كان يفتي بلزوم العتق ولزوم النذر جميعًا إذا عَلَّقَه بقصد اليمين، لكن فيه أنه كان يجعل في نذر المال زكاته، وفي نذر ذبح النفس بدنة، وهذا خلاف النقول الثابتة عنه؛ فعنه في المال روايتان أصح من هذا إحداهما: أنه كان يلزم به، والرواية الأخرى أنه كان لا يلزم به ولا بالعتق ولا غيره مما يحلف به، بل يجعل في ذلك كفارة يمين.
فإنْ كان أثر عثمان [١١٨/ أ] صحيحًا، أمكن أن يكون قوله في الطلاق كقوله في العتق والنذر، وتكون فتياه فيمن طَلَّقَ إِنْ خرجت، محتملًا أن
стр. 521
يكون في الحالف، ويحتمل مع هذا أنه كان يفرق بين الحلف بالطلاق والعتق، لكن التسوية أظهر.
فإنْ نَقَلَ مذهبَ ابن عمر على تقدير رواية عثمان بن حاضر وجعلَ ذلك روايةً عنده، فهذا متوجِّهٌ يُسَلَّم ظهوره، ولكن رواية مَنْ روى أنه لا يلزم لا بهذا ولا بهذا بل يجعل فيه كفارة يمين = أثبتُ وأصحُّ باتفاق أهل العلم، وهي المتأخرة كما تقدم.
وحينئذٍ؛ فإذا حُكِيَ قولُهُ على تلك الرواية في الطلاق بالقياس فَيُحْكَى قوله على هذه الرواية بقياس أصح من ذلك، ويكون قوله على أصح الروايتين أنه لا يلزم الطلاق المحلوف به ولا العتق المحلوف به ولا النذر، بل يُجزئ في جميع ذلك كفارة يمين.
وعلى هذا؛ فيكون قولُهُ فيمن طلق امرأته إن خرجت هو فيمن قصد طلاقها عند الصفة لا فيمن قصد الحلف وهو يكره طلاقها؛ فتبين أن النقل عنه بالتكفير للحالف بالنذر والعتاق والطلاق أقوى من لزوم ذلك عنه، وهو الرواية المتأخرة.
وبالجملة؛ فلا تنازع في أنه روي عنه روايتان، لكن الباطل عنه قطعًا التفريق بين الحلف بالطلاق والعتاق وبين الحلف بالنذر، كما ينصره المعترض وأمثاله، ويذكرون عن ابن عمر أو ابن عباس أو غيرهما ما يوهم أنهم قالوا ذلك، وهذا التفريق لم ينقله أَحَدٌ لا نقلًا مرسلًا ولا نقلًا مسندًا، لا عن ابن عمر ولا عن ابن عباس، بل هذا القول مخالفٌ لكل ما نقل بالإسناد عن الصحابة.
стр. 522
ولم أجد أحدًا قط نقل هذا نقلًا مسندًا عن أحد من الصحابة، لكن ابن عبد البر نَقَلَه مرسلًا عن عائشة، والمسندُ عن عائشة في حديث ليلى بنت العجماء أنها جعلت تعليق العتق الذي قصد به اليمين كتعليق النذر، وأفتت في الجميع بكفارة وتعليلها في سائر أجوبتها في التعليق الذي يقصد به اليمين يوافق ذلك، فإنه قد ثبت عنها من غير وجه أنها كانت تجعل التعليق الذي [١١٨/ ب] يقصد به اليمين يمينًا مكفَّرة، وروي عنها ألفاظ عامة توافق ذلك، فَنَقْلُ مذهبها في مثل هذا أولى ــ بلا ريب ــ من نقل مذهبها في قول لم يسنده أحد، ولو قُدِّرَ ثبوته لكان عنها روايتان.
وطائفة من الفقهاء ذكروا قول عائشة مسندًا (١) عن النبي ﷺ واحتجوا به، منهم: الشيخ أبو حامد والماوردي والقاضي أبو الطيب والقاضي أبو يعلى وأبو الخطاب.
قال الشيخ أبو حامد الإسفراييني: وروي عن عائشة أَنَّ النبي ﷺ قال فيمن حلف أَنْ يجعل ماله في رتاج الكعبة أو في سبيل الله أو في المساكين: «إنما هي كفارة يمين» (٢). قال أبو حامد: وهذا نص.
стр. 523
وكذلك قال الماوردي (١): روت عائشة عن النبي ﷺ أنه قال: «مَنْ حلف بالمشي أو الهدي أو جعل ماله في سبيل الله أو في المساكين أو في رتاج الكعبة؛ فكفارته كفارة يمين».
وقال القاضي أبو الطيب والقاضي أبو يعلى وأبو الخطاب: روى إسماعيل بن أبي زياد (٢) في تفسير القرآن عن عائشة، عن النبي ﷺ أنه قال ذلك.
ومعلومٌ أن هذا النقل أجود من النقل عنها أنها كانت تُفَرِّقُ بين الطلاق والعتاق وغيرهما، فإنَّ ذاك لم يُذكر له إسناد، ولا عُزِيَ إلى كتاب، وهذا فيه أنَّ النبي ﷺ سمى هذا التعليق حلفًا، وأوجب فيه كفارة يمين؛ ومع هذا فنحن لم نعتمد على هذا، لأنه ليس بثابت عند أهل العلم بالحديث، والمعروف عندهم أَنَّ هذا من كلام عائشة لم ترفعه.
وأضعف منه ما رواه ابن حبيب: عن النبي ﷺ أنه قال: «لا تحلفوا بالطلاق ولا بالعتاق، فإنهما مِنْ أيمان الفُسَّاق» (٣) فهذا في غاية السقوط.
стр. 524
وابن حبيب مع براعته في العلم والفقه، وكثرة ما يرويه من الآثار، فإنه قليل المعرفة بالحديث، فكثيرًا ما يحتج بآثار ضعيفة بل موضوعة، وبعض الناس يطعن فيه نفسه، والرجل جليل القدر، لكنه كان يتناول الكتب من شيوخه كأسد بن موسى وغيره ويقول: فيها حدثنا وأخبرنا، وقد يغلط؛ [١١٩/ أ] وأما تعمد الكذب ــ كما ترميه به طائفة مثل ابن حزم وغيره ــ= فهذا بعيدٌ جدًا من مثله (١).
стр. 525
وقد ثبت عن عائشة ﵂ بالإسناد المرضي أنها سُئِلَت عَمَّن جعل ماله في المساكين أو في رتاج الكعبة إِنْ فعل كذا فقالت: يكفر يمينه. وفي لفظٍ: هي يمين يكفرها ما يكفر اليمين.
وهذا معروفٌ من حديث منصور بن عبد الرحمن الحُجُبِي، عن أمه صفية بنت شيبة عنها. رواه مالك (١) والثوري (٢) ويحيى بن سعيد (٣)، وثبت ذلك عنها ــ رضوان الله عليها ــ من حديث عطاء ــ أيضًا ــ، كما رواه شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن عطاء، عن عائشة ﵂ في رجل جَعَلَ ماله في المساكين صدقة قالت: كفارة يمين. رواه البيهقي وغيره (٤).
وروى الأثرم عن أبي نعيم: حدثنا حسن ــ يعني: ابن صالح ــ، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن عائشة قالت: مَنْ قال: مالي في ميزاب الكعبة وكل مالي فهو هدي وكل مالي في المساكين؛ فليكفر يمينه (٥).
وقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يُسْأَل عن رجل قال: ماله في رتاج الكعبة. فقال: كفارة يمين، واحتج بحديث عائشة (٦).
стр. 526
وكذلك الشافعي ذَكَرَ أنه مذهب عائشة وعددٍ من الصحابة وعطاء، وأنه القياس؛ أَنَّ هذا من باب الأيمان المكفَّرَة لا من باب النذور اللازمة (١).
وروى البيهقي (٢) بإسناده إلى قتيبة: حدثنا حبيب، عن العوام، عن مجاهد قال: قال عمر بن الخطاب وعائشة في الرجل يحلف بالمشي أو ماله في المساكين أو في رتاج الكعبة: إنها يمين يكفرها إطعام عشرة مساكين.
وروى مالك (٣): عن هشام بن عروة، عن أبيه.
ورواه البيهقي وغيره (٤) من طريقه أَنَّ عائشة كانت تقول: أيمان اللغو ما كان في المِرَاء والهزل وَمُزَاحَةِ الحديث الذي لا يعتمد (٥) عليه القلب، وإنما الكفارة في كل يمين حلفتَها على جِدٍّ من الأمر، في غضب أو غيره؛ لتفعلنَّ أو لتتركنَّ، فذلك عَقْدُ الأيمان التي فرض الله فيها الكفارة.
فقولها: وإنما الكفارة في كل يمين حلفتَها، مع تصريحها بأن التعليق الذي يقصد به اليمين هو يمين مكفرة = يدل على دخول ذلك في كلامها.
وقد روي عنها دخول العتق بعينه ــ أيضًا ــ [١١٩/ ب] في الأيمان المكفرة من وجهين:
стр. 527
أحدهما: حديث ليلى بنت العجماء من رواية أشعث.
والثاني: ما رواه ابن أبي حاتم في كتاب التفسير له (١): حدثنا أبي، حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل، حدثنا يحيى بن سلمة بن كهيل، عن أبيه، عن عطاء قال: جاء رجلٌ إلى عائشة، فقال: يا أم المؤمنين! إني نذرت إِنْ كلمتُ فلانًا، فإنَّ كل مملوك لي عتيق لوجه الله ــ تعالى ــ وكل مالي (٢) سِتْرٌ للبيت. فقالت: لا تجعل مملوكيك عتقًا لوجه الله، ولا تجعل مالك سترًا للبيت، فإنَّ الله يقول: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا﴾ الآية [البقرة: ٢٢٤]. قالت: تُكَفِّر عن يمينك.
وهذا الإسناد كلهم ثقات مشاهير إلا يحيى بن سلمة فإنَّ فيه ضعفًا، وهو ممن يكتب حديثه ويعتضد به لا ممن يحتج به إذا انفرد. قال أبو أحمد بن عدي (٣): وهو مع ضعفه يكتب حديثه.
ومعلومٌ أَنَّ هذين الإسنادين عن عائشة في العتق المحلوف به مع عموم كلامها وتعليلها أولى أَنْ يُحكى عنها من روايةٍ لا يُعرف لها إسناد لا صحيح ولا ضعيف.
وقد تبين بهذا: أنه ليس عن ابن عمر ولا عن ابن عباس نقلٌ أصلًا (٤) بالفرق بين الطلاق والعتاق وغيرهما، ولا نقل ذلك عن أحد من الصحابة إلا
стр. 528
رواية مرسلة عن عائشة روي عنها مسندًا ما هو أثبت منها، وعموم كلامها المعروف عنها يناقضها.
وتبين بهذا أَنَّ قول المعترض: فهذه الآثار الثلاثة تبين لنا مذهب ابن عمر، وأنه من القائلين بوقوع الطلاق والعتاق المحلوف به = تلبيسٌ وغلطٌ.
أما التلبيس: فإنَّ هذا يوهم أن ابن عمر كان يُفَرِّق بين الحلف بالطلاق والعتاق وبين النذر، وهذا لم ينقله أحد عن ابن عمر لا مرسلًا ولا مسندًا، لا بإسناد صحيح ولا ضعيف، بل المنقول عنه التسوية بين الحلف بالعتق والنذر إما في تكفير الجميع وإما في لزوم الجميع، فالمفرقون مخالفون لابن عمر على كل قولٍ، كما هم مخالفون لغيره من الصحابة.
وأما الغلط: فإنَّ هذا غايته أَنْ تكون رواية عن ابن عمر، والرواية الثانية عنه: أنه كان يأمر بالتكفير في الحلف بالعتق، وهو قد جعل مذهبه أنه يقع العتاق والطلاق المحلوف به قولًا واحدًا، فهو غالط؛ بل كاذب عليه.
* * * *
стр. 529
[١٢٠/ أ] فصلٌ
وأما قوله: (وترجمة البخاري لا تشير إلى تأويل لأثر ابن عمر بخلاف أثر ابن عباس، فكيف يجعل أثر ابن عباس القابل للتأويل القريب من هذا الباب وأثر ابن عمر الصريح أو كالصريح [فيه ليس منه]؟ ولكن الميل إلى مذهبٍ يَصُدُّ عن النظر فيما سواه) (١).
فيقال له: هذا كما يقال في المثل: (رمتني بدائها وانسلت) (٢)،
فإنَّ المجيب لم يكن هذا القول مما تربى عليه، ولا له فيه غرض يميل لأجله إليه، بل كان يعتقد خلافه ويفتي دائمًا بخلافه، لكن لما نظر ورأى الحق لم يجز له أن يقول خلاف ما تبين له، والله ــ ــ يعلم وعباده المؤمنون الذين هم شهداء الله في الأرض أنه لم يمل (٣) إلى قول إلا قصدًا لاتباع الحق الذي بعث به الرسول ﷺ من جهة قيام الحجة به، وإيجاب الله ورسوله عليه ألا يقول على الله إلا الحق، وأن يرد ما تنازع فيه المسلمون إلى الله والرسول؛ بخلاف مَنْ تربى على قول تَقَلَّدَه أولًا بلا حجة، ثم لما نوزع فيه أخذ يلفق حججًا لم يذكرها أصحابه الذين هم أحق بمعرفة تلك الحجج لو كانت صحيحة، بل يحتج له بمنقولات لا دلالة في شيء منها، وبأقيسةٍ
стр. 530
ومعانٍ (١) هي أضعف في الحجة من تلك المنقولات التي لا حجة فيها، فليس معه دلالة لا من كتاب ولا من سنة ولا إجماع الأمة المعلوم ولا من قياس صحيح، بل معه ظن كاذب للإجماع، وظنٌّ مخطئ في معرفة مسمى الطلاق والعتاق والنذر والظهار، والفَرْقِ بينَ هذه الأمور وبين مسمى اليمين؛ حيث أخرجَ ما هو يمين عند الله ورسوله ﷺ وأصحاب رسوله ﷺ وجمهور السلف عن كونه يمينًا وجعله عتقًا ونذرًا وطلاقًا.
وأما قوله: (ترجمة البخاري لا تشير إلى تأويل أثر ابن عمر بخلاف أثر ابن عباس).
فيقال: هو لا يشير إلى تأويل لا لهذا ولا لهذا، بل البخاري ذكر كلًّا منهما مقرًّا له على ظاهره.
وأما قوله: (كيف يجعل أثر ابن عباس القابل للتأويل القريب من هذا الباب وأثر ابن عمر الصريح أو كالصريح ليس منه؟).
فيقال له: بل أثر ابن عباس ﵄ هو الصريح في مدلوله، وأما أثر ابن عمر ﵄ [١٢٠/ ب] فهو المحتمل، بل كونه غير يمين أظهر من كونه يمينًا.
فإنَّ قول ابن عباس بَيِّنٌ في الحصر، وأنه عنده لا طلاق إلا عن وطر ولا عتق إلا ما ابتغي به وجه الله، ولو حمل على أنه لم يرد الحصر بل أراد أنَّ الطلاق يكون عن وطر وغير وطر، والعتق يكون مما ابتغي به وجه الله ويكون بخلاف ذلك= لم يكن في هذا الكلام فائدة، ولم يكن لحكاية