← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 32384

الرد على السبكي في مسألة تعليق الطلاق

ابن تيمية

Полный текст (1 081 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

وكذلك الشافعي ذَكَرَ أنه مذهب عائشة وعددٍ من الصحابة وعطاء، وأنه القياس؛ أَنَّ هذا من باب الأيمان المكفَّرَة لا من باب النذور اللازمة (١). وروى البيهقي (٢) بإسناده إلى قتيبة: حدثنا حبيب، عن العوام، عن مجاهد قال: قال عمر بن الخطاب وعائشة في الرجل يحلف بالمشي أو ماله في المساكين أو في رتاج الكعبة: إنها يمين يكفرها إطعام عشرة مساكين. وروى مالك (٣): عن هشام بن عروة، عن أبيه. ورواه البيهقي وغيره (٤) من طريقه أَنَّ عائشة كانت تقول: أيمان اللغو ما كان في المِرَاء والهزل وَمُزَاحَةِ الحديث الذي لا يعتمد (٥) عليه القلب، وإنما الكفارة في كل يمين حلفتَها على جِدٍّ من الأمر، في غضب أو غيره؛ لتفعلنَّ أو لتتركنَّ، فذلك عَقْدُ الأيمان التي فرض الله فيها الكفارة. فقولها: وإنما الكفارة في كل يمين حلفتَها، مع تصريحها بأن التعليق الذي يقصد به اليمين هو يمين مكفرة = يدل على دخول ذلك في كلامها. وقد روي عنها دخول العتق بعينه ــ أيضًا ــ [١١٩/ ب] في الأيمان المكفرة من وجهين:

стр. 527

أحدهما: حديث ليلى بنت العجماء من رواية أشعث. والثاني: ما رواه ابن أبي حاتم في كتاب التفسير له (١): حدثنا أبي، حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل، حدثنا يحيى بن سلمة بن كهيل، عن أبيه، عن عطاء قال: جاء رجلٌ إلى عائشة، فقال: يا أم المؤمنين! إني نذرت إِنْ كلمتُ فلانًا، فإنَّ كل مملوك لي عتيق لوجه الله ــ تعالى ــ وكل مالي (٢) سِتْرٌ للبيت. فقالت: لا تجعل مملوكيك عتقًا لوجه الله، ولا تجعل مالك سترًا للبيت، فإنَّ الله يقول: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا﴾ الآية [البقرة: ٢٢٤]. قالت: تُكَفِّر عن يمينك. وهذا الإسناد كلهم ثقات مشاهير إلا يحيى بن سلمة فإنَّ فيه ضعفًا، وهو ممن يكتب حديثه ويعتضد به لا ممن يحتج به إذا انفرد. قال أبو أحمد بن عدي (٣): وهو مع ضعفه يكتب حديثه. ومعلومٌ أَنَّ هذين الإسنادين عن عائشة في العتق المحلوف به مع عموم كلامها وتعليلها أولى أَنْ يُحكى عنها من روايةٍ لا يُعرف لها إسناد لا صحيح ولا ضعيف. وقد تبين بهذا: أنه ليس عن ابن عمر ولا عن ابن عباس نقلٌ أصلًا (٤) بالفرق بين الطلاق والعتاق وغيرهما، ولا نقل ذلك عن أحد من الصحابة إلا

стр. 528

رواية مرسلة عن عائشة روي عنها مسندًا ما هو أثبت منها، وعموم كلامها المعروف عنها يناقضها. وتبين بهذا أَنَّ قول المعترض: فهذه الآثار الثلاثة تبين لنا مذهب ابن عمر، وأنه من القائلين بوقوع الطلاق والعتاق المحلوف به = تلبيسٌ وغلطٌ. أما التلبيس: فإنَّ هذا يوهم أن ابن عمر كان يُفَرِّق بين الحلف بالطلاق والعتاق وبين النذر، وهذا لم ينقله أحد عن ابن عمر لا مرسلًا ولا مسندًا، لا بإسناد صحيح ولا ضعيف، بل المنقول عنه التسوية بين الحلف بالعتق والنذر إما في تكفير الجميع وإما في لزوم الجميع، فالمفرقون مخالفون لابن عمر على كل قولٍ، كما هم مخالفون لغيره من الصحابة. وأما الغلط: فإنَّ هذا غايته أَنْ تكون رواية عن ابن عمر، والرواية الثانية عنه: أنه كان يأمر بالتكفير في الحلف بالعتق، وهو قد جعل مذهبه أنه يقع العتاق والطلاق المحلوف به قولًا واحدًا، فهو غالط؛ بل كاذب عليه. * * * *

стр. 529

[١٢٠/ أ] فصلٌ وأما قوله: (وترجمة البخاري لا تشير إلى تأويل لأثر ابن عمر بخلاف أثر ابن عباس، فكيف يجعل أثر ابن عباس القابل للتأويل القريب من هذا الباب وأثر ابن عمر الصريح أو كالصريح [فيه ليس منه]؟ ولكن الميل إلى مذهبٍ يَصُدُّ عن النظر فيما سواه) (١). فيقال له: هذا كما يقال في المثل: (رمتني بدائها وانسلت) (٢)، فإنَّ المجيب لم يكن هذا القول مما تربى عليه، ولا له فيه غرض يميل لأجله إليه، بل كان يعتقد خلافه ويفتي دائمًا بخلافه، لكن لما نظر ورأى الحق لم يجز له أن يقول خلاف ما تبين له، والله ــ ــ يعلم وعباده المؤمنون الذين هم شهداء الله في الأرض أنه لم يمل (٣) إلى قول إلا قصدًا لاتباع الحق الذي بعث به الرسول ﷺ من جهة قيام الحجة به، وإيجاب الله ورسوله عليه ألا يقول على الله إلا الحق، وأن يرد ما تنازع فيه المسلمون إلى الله والرسول؛ بخلاف مَنْ تربى على قول تَقَلَّدَه أولًا بلا حجة، ثم لما نوزع فيه أخذ يلفق حججًا لم يذكرها أصحابه الذين هم أحق بمعرفة تلك الحجج لو كانت صحيحة، بل يحتج له بمنقولات لا دلالة في شيء منها، وبأقيسةٍ

стр. 530

ومعانٍ (١) هي أضعف في الحجة من تلك المنقولات التي لا حجة فيها، فليس معه دلالة لا من كتاب ولا من سنة ولا إجماع الأمة المعلوم ولا من قياس صحيح، بل معه ظن كاذب للإجماع، وظنٌّ مخطئ في معرفة مسمى الطلاق والعتاق والنذر والظهار، والفَرْقِ بينَ هذه الأمور وبين مسمى اليمين؛ حيث أخرجَ ما هو يمين عند الله ورسوله ﷺ وأصحاب رسوله ﷺ وجمهور السلف عن كونه يمينًا وجعله عتقًا ونذرًا وطلاقًا. وأما قوله: (ترجمة البخاري لا تشير إلى تأويل أثر ابن عمر بخلاف أثر ابن عباس). فيقال: هو لا يشير إلى تأويل لا لهذا ولا لهذا، بل البخاري ذكر كلًّا منهما مقرًّا له على ظاهره. وأما قوله: (كيف يجعل أثر ابن عباس القابل للتأويل القريب من هذا الباب وأثر ابن عمر الصريح أو كالصريح ليس منه؟). فيقال له: بل أثر ابن عباس ﵄ هو الصريح في مدلوله، وأما أثر ابن عمر ﵄ [١٢٠/ ب] فهو المحتمل، بل كونه غير يمين أظهر من كونه يمينًا. فإنَّ قول ابن عباس بَيِّنٌ في الحصر، وأنه عنده لا طلاق إلا عن وطر ولا عتق إلا ما ابتغي به وجه الله، ولو حمل على أنه لم يرد الحصر بل أراد أنَّ الطلاق يكون عن وطر وغير وطر، والعتق يكون مما ابتغي به وجه الله ويكون بخلاف ذلك= لم يكن في هذا الكلام فائدة، ولم يكن لحكاية

стр. 531

البخاري له في الترجمة معنى. فإنَّ البخاري ذكر في هذا الباب ما يدل على أَنَّ القصد معتبر في الطلاق، فلا يقع طلاق السكران والمكره والناسي وطلاق الإغلاق، وهذا إنما يناسب ذكر قول ابن عباس إذا كان مراده الحصر. وأما أثر ابن عمر؛ فالاحتمال فيه ظاهر، لا ينازع فيه عاقل يفهم الفرق بين من يقصد بالتعليقِ الإيقاعَ تارةً واليمينَ أخرى. وهذا المعترض لَمَّا لم يفهم هذا الفرق، وجعل الجميع يمينًا عند المجيب، وظنه أنه لا يخرج عن اليمين إلا التعليق الذي ليس فيه حض ولا منع كالتعليق بطلوع الشمس = صار أثر ابن عمر عنده صريحًا أو كالصريح، ونحن نُسَلِّم له أنه صريح أو كالصريح في التعليق الذي يقصد به المنع من الخروج. فإنَّ قولَ نافعٍ: (طَلَّقَ رجلٌ امرأته البتة إِنْ خَرَجَتْ)؛ يقتضي أنه عَلَّقَ طلاقها بالخروج، وهذا لا يكون في العادة إلا إذا كان مانعًا لها من الخروج، لكن مع هذا: قد يريد طلاقها إذا خرجت فيكون مطلقًا، وقد يكون يكره الطلاق وإن خرجت فيكون حالفًا. ومعلومٌ أَنَّ الناس تارة يقصدون هذا وتارة يقصدون هذا، والغالب على أهل زماننا قصد اليمين، وأما في زمن الصحابة ــ رضوان الله عليهم ــ فكان الغالب عليهم قصد الإيقاع عند الصفة، كما نُقِلَ مِثْلُ ذلك عن غير واحد من الصحابة في تعاليق متعددة يراد بها الإيقاع عند الصفة وإن كان فيها حض أو منع.

стр. 532

ومما غَلَّطَ المعترضَ: ظَنُّهُ أَنَّ الحالف يريد الطلاق والعتاق والنذر عند الصفة، ولهذا قال: (وقوله: إِنَّ الحالف ليس له وطر في الطلاق ولا في العتق؛ ممنوعٌ، بل هو قاصد للطلاق على تقدير وقوع شرطه، فإنَّ ذلك [١٢١/ أ] مقتضى الربط الذي رَبَطَ بين (١) الشرط وجزائه؛ نعم (٢) مقصوده ألا يقع الشرط، وذلك لا يمنع من قصد وقوع المشروط على تقدير وجود الشرط) (٣). فيقال له: الغلطُ في هذا الموضع هو من أعظم ما أوقع المعترض ونحوه في التسوية بين تعليق اليمين وتعليق الإيقاع، وما ذكره مما يَعْلَمُ فسادَهُ جميعُ الناس إذا رجعوا إلى ما يجدونه في أنفسهم عند قصد اليمين وما يعلمونه من غيرهم. فإنَّ الناس يعلمون أَنَّ المعلِّق إذا قال: إِنْ سافرتُ معكم، إِنْ كلمتُ فلانًا، إِنْ زَوَّجْتُهُ ابنتي؛ فكل نسائي طوالق وعبيدي أحرار ومالي صدقة وعليَّ ثلاثون حجة وصيام عشرة أعوام وأنا يهودي ونصراني وبريءٌ من الإسلام وقطع الله يدي ورجلي ولا أماتني على الإسلام ولا خَتَم لي بخير وذبح أولادي على صدري، وقد يقول: إِنْ غلبتني ركبتني، وإِنْ غلبتني أكون مخنثًا، أو أكون ولد زنا إِنْ لم أفعل كذا، أو لست ابن فلان إن لم أفعل كذا ونحو ذلك وأمثال ذلك مما يُعلِّقه على الفعل الذي منع منه نفسه وعَلَّقَ به هذا الجزاء يقصد به اليمين، فإنه يعلم من نفسه والناس يعلمون منه أنه لا

стр. 533

يريد قط أن يهلكه الله ولا أَنْ يميته على غير الإسلام ولا أن يختم له بالشر ولا أن يقطع يديه ورجليه ويذبح أولاده على صدره ولا أن يخرج عن ماله ولا يبقى له مملوك ولا امرأة ولا أَنْ يبقى في ذمته ثلاثون حجة وصيام ثلاثة أعوام وأمثال ذلك مما يُعلِّقه بالفعل. فالناس كلهم يعلمون علمًا يقينًا من أبلغ العلوم الضرورية أَنَّ المعلق هذا التعليق لا يريد أَنْ يحصل له هذا الشر العظيم والضرر الزائد على الحد الذي لا يقصده قط أَحدٌ لنفسه سواء وجد الشرط أو لم يوجد. فمن قال: إنَّ هذا قاصد لهذه اللوازم ــ الطلاق وما معه ــ على تقدير وجود الشرط؛ فهو ضالٌّ ضلالًا مبينًا يعرفه جميع الناس، وهو يخبر عما في قلوب بني آدم ونفوسهم بنقيض ما يعلمونه ويجدونه في قلوبهم ونفوسهم، وما يعلمونه من غيرهم أيضًا. وإذا انتهى البحث إلى هذا؛ كان صاحبه مسفسطًا [١٢١/ ب] إما جهلًا وإما عمدًا، وليس من شرط السفسطة أَنْ يتعمد الكذب، بل من أنكر الحقائق المعلومة للناس علمًا ضروريًا فهو سوفسطائي (١). فمن قال: إِنَّ الجائع والعطشان لا يجد أَلَمًا، والآكل والشارب لا يجد

стр. 534

لَذَّةً فهو مسفسط، ومن قال: إن الإنسان لا يكون قط مريدًا للنكاح والطلاق فهو مسفسط، ومن قال: إن كل مَنْ عَلَّقَ الطلاق بصفة لا يريد إيقاع الطلاق عند الصفة فهو مسفسط، ومن قال: إن كل من قصد بتعليقه اليمين فهو مريد للطلاق والعتاق والنذر والدعاء على نفسه بالشرور العظيمة وسائر ما علقه بالشرط، كما يريد ذلك إذا لم يكن قصده اليمين= فهو مسفسط. فإنه من المعلوم بالضرورة أَنَّ المعلق الذي يقصد الحض والمنع تارة يريد وقوع الجزاء عند الشرط وتارة يكره ذلك مطلقًا، وهذا الثاني هو الحالف دون الأول؛ فالحالف لا يريد الشرط ولا يريد الجزاء وإن وجد الشرط، بل هو كارهٌ للجزاء ممتنع من قصد إيقاعه وجد الشرط أو لم يوجد، وإنما عَلَّقَهُ مع امتناعه من وقوعه لئلا يقع إذا وقع الشرط، والفرق ظاهر بين أن يقصد وقوعه إذا وقع الشرط وإِنْ كره الشرط وبينَ ألا يقصد وقوعه بحال، بل لا يقصد إلا عدم الشرط، فلا يقصد لا الشرط ولا الجزاء. والحالف لا يكون حالفًا إلا إذا لم يرد لا هذا ولا هذا، وأما إذا لم يرد الشرط وهو يريد الجزاء بتقدير وجود الشرط؛ فهذا مُوْقِعٌ ليس بحالف. وحينئذٍ؛ فيعلم بالاضطرار أن الحالف ليس له وطر في الطلاق والعتاق، كما أنه ليس له وطر أن يدعو الله ألا يختم له بخير وأن يقطع يديه ورجليه ويذبح أولاده على صدره، وليس له وطر في أَنْ يخرج من جميع أهله وماله فيبقى لا زوجة له ولا مملوك ولا مال ينتفع به، بل يكون قد وتر أهله وماله، ومع ذلك ففي ذمته عبادات لا يطيقها مثل: ثلاثين حجة وصوم عشرة أعوام وأمثال ذلك.

стр. 535

فمعلومٌ أنه ليس له وطر في أَنْ تزول عنه نعمة الله في دينه ودنياه، ويحل به بأس الله في دينه ودنياه، فإذا لم يبق له زوجة [١٢٢/ أ] ولا مملوك ولا مال زالت عنه نعم الله في دينه ودنياه، وإذا مات على الكفر فقد زالت عنه نعمة الله في دينه ودنياه، وإذا كان مع ذلك قد قطع الله يديه ورجليه وأهلكه وذبح أولاده على صدره وزنا بأمه في كعبة المسلمين ونحو ذلك من الأمور المفسدة لدينه ودنياه = فنحن نعلم أنه ليس له وطر في هذا قطعًا، فَعُلِمَ قطعًا أَنَّ الحالفَ بالطلاق ليس له وطر في الطلاق، وأَنَّ قولَ ابن عباس: الطلاق عن وطر؛ يُبيِّن أن الحالف بالطلاق لا يلزمه الطلاق عند ابن عباس ﵄. وقول القائل: (بل هو قاصد للطلاق على تقدير وقوع شرطه فإنه مقتضى الربط). فنقول: نحن لا نسلم أَنَّ مقتضى الربط وقوع الطلاق، وأن الحالف قصد الربط والتعليق، لكن فَرْقٌ بين قصد الربط والتعليق وبين قصد وقوع الجزاء المعلق، فإنه قَصَدَ الربط والتعليق للكفر ودعاءه على نفسه بالعظائم وخروجه من أهله وماله وأمثال هذه اللوازم، ولم يقصد وقوع هذه المعلقات المربوطة بالفعل مع قصد الربط = هو ممتنع غاية الامتناع من قصد هذه التعليقات، كارهٌ غاية الكراهة لوقوعها وإنْ وجد الشرط، وقَصْدُهُ بربطها وتعليقها أن تكون لازمة للفعل الذي قَصَدَ منع نفسه منه ليمنعه هذا الربط من ذلك الفعل، لامتناعه هو وكراهته من الجزاء المعلق اللازم، وإذا كان كارهًا ممتنعًا من اللازم= صَار كارهًا ممتنعًا من الملزوم، فهذا هو مقصوده بالربط والتعليق؛ لم يقصد قط أن يوجد اللازم المعلق سواء وجد الملزوم أو لم يوجد، بل إنما جعله لازمًا حين كان كارهًا ممتنعًا من الملزوم الذي هو الشرط.

стр. 536

وإذا جعله لازمًا مع كراهته للملزوم ومع كراهته للازم وإن وجد الملزوم = لم يجب أن يكون قد أراده إذا وجد الملزوم، فإنه في حال كونه كارهًا للازم كراهة تامة مانعة من قصد الفعل لا يكون مريدًا له، وهو كاره له كراهة تامة وإن وجد الملزوم أو لم يوجد، فلا يكون مريدًا له إذا وجد الملزوم. وإذا قيل للحالف الذي قال: إِنْ سافرتُ معكم فعل الله بي [١٢٢/ ب] كذا وكذا؛ أتريد إذا سافرت معهم أن يسلبك الله نعمته عليك في الدين والدنيا ويعذبك بهذه اللوازم؟ لقال: لا والله؛ ما أريد ذلك قط، سافرتُ أو لم أسافر، لكن جعلت هذه الأمور التي لا أريدها قط لازمةً للسفر لئلا أسافر، فليس قصدي إلا منع نفسي من السفر، ووكدت ذلك بالتزام هذه المكروهات العظيمة الكراهة التي يمتنع أن أريدها على تقدير الفعل، لِأَنْ أَمتنع بذلك من ذلك التقدير، ولاعتقادي أَنَّ ذلك التقدير لا يقع، ولو اعتقدت أن ذلك التقدير يقع لم ألتزم هذا، ولم أجعل هذا لازمًا له. والقائل قد يلتزم على التقدير الممتنع ما لا يقصده البتة، بل ما يمتنع كونه في خبره وفي إنشائه؛ ففي الخبر كقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] فهو جعل الفساد لازمًا للآلهة ليخبر بوجود الفساد بتقدير وجود الآلهة؛ فإن هذا التقدير ممتنع، فلا يكاد يتصور أَنْ يكون ليكون عنده الفساد، بل المقصود: نفي هذا وهذا؛ أي: فلا فساد فيهما، فليس فيهما إله غير الله.

стр. 537

وقد قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨]، وقال: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] مع علمه تعالى أن أنبياءه معصومون من الشرك، فالمعلِّق للجزاء بالشرط إذا كان مخبرًا وقصده نفيهما، أو كان منشئًا وقصده عدمهما = لا يكون قصده أَنْ يقع الجزاء البتة إذا كان منشئًا، ولا قصده أَنْ يخبر بوقوعه البتة إذا كان مخبرًا، بل المخبر (١) يعلم أنه منتف في نفس الأمر لا يقع بحال، فلا يقع الفساد ولا يقع شرك الأنبياء ولا يقع عَوْدُ الكفار إلى ما نُهوا عنه، لأنَّ الشرط لا يقع فلا يقع الجزاء المعلق به، وإن كان مضمون التعليق أنه لو وقع الشرط لوقع الجزاء، لكن مع هذا التعليق فهو مخبر بعدم الشرط، ومع إخباره بعدمه لا يكون مخبرًا بثبوت الجزاء البتة. كذلك المعلِّق بقصد اليمين هو ينشئ التعليق لقصد ألا يكون الشرط، وَجَعَلَ الجزاء اللازم الذي لا يقصد وقوعه البتة لازمًا لوجود الشرط لئلا يكون الشرط، لم يقصد [١٢٣/ أ] وجود الشرط بحال، ولا قصد إذا وجد أن يكون الجزاء، بل الجزاء مكروه له على كل حال، بخلاف من يكره الشرط ولا يكره الجزاء إذا وجد، كما لو قال: إِنْ خرجتِ من داري بغير إذني أو سرقتِ مالي أو زنيتِ أو ضربتِ أمي أو ابني فأنتِ طالق، وهو يقصد إذا فَعَلَت هذه الذنوب أَنْ يطلقها، فإنَّ هذا ليس بحالف، بل هو ناهٍ لها عن هذه الأفعال، وتوعدها بوقوع الطلاق إذا فعلتها. وقد يتوعدها بإيقاع الطلاق كما لو قال: إِنْ فعلتِ كذا فلأطلقنَّك أو لله

стр. 538

عليَّ أَنْ أطلقك، لكن هذا التزام لأن يطلقها، والطلاق لا يلزم بالنذر والالتزام، فإنْ شاءَ طَلَّقَ وإن شاء لم يطلق، لكن قد يكون عليه كفارة يمين إذا نذر أن يفعله ولم يفعله، وإِنْ حلف ليفعلنه ولم يفعله. وقد يتوعدها بوقوع الطلاق فيقول: إِنْ فعلتِ كذا فأنت طالق، فالوعيد هنا وقوعه لا قصد إيقاعه، كما في قوله: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] فالوعيد هنا: حبوط العمل؛ فمتى أشرك ومات مشركًا حبط عمله لا محالة، ليس هذا من الوعيد الذي يمكن إيقاعه وعدم إيقاعه، كذلك الطلاق المعلق إذا جعله عقوبة لها إذا خالفت فقال: إِنْ خالفتني فأنت طالق، فهنا إذا وجد الشرط وقع الطلاق الذي قصده عند الشرط، وإن كان كارهًا له عند عدم الشرط، وإن كان كارهًا للشرط. فهذه الصور وما أشبهها يسلمها المجيب أنه يقع بها الطلاق خلافَ ما ظَنَّ المعترض عليه أنه يجعل هذه أيمانًا مكفرة، فإنَّ أحدًا من المسلمين لم يجعل هذه أيمانًا مكفرة، ومَنْ حكى إجماع العلماء على عدم الكفارة في الطلاق فكلامه صحيح في هذا وأمثاله، فإنَّ الطلاق المنجز لم يقل أحد أن فيه كفارة، وكذلك المعلَّق إذا قصد إيقاعه عند الشرط لم يقل أحد إنَّ فيه كفارة. وإنما النزاع فيما إذا كان قصده اليمين، وهذا لا بُدَّ أن يكون كارهًا للجزاء وإن وجد الشرط، وهو ــ أيضًا ــ كاره للشرط، فيجتمع في الحال كراهةُ كلٍّ من الشرط ومن الجزاء، [١٢٣/ ب] بخلاف الموقِع فإنه لا يكره وقوع الجزاء عند الشرط بل يريده، وإن كانت نفسه تبغض الطلاق لكنه يريده عند الشرط، كما يريد تنجيز الطلاق وإن كانت نفسه تبغضه لأمرٍ

стр. 539

أوجب له أن يريد الطلاق ويرجح إرادته على عدم إرادته، لكون المكروه الذي يحصل به مع الطلاق أهون عليه من المكروه الذي يحصل إذا لم يُطَلِّق، مثل أَنْ يكون طلاقه إياها أهون عليه من مقامه مع بَغِيٍّ ومفسدةٍ لمالِهِ ودينِهِ وعرضِهِ ونحو ذلك، وإن كانت نفسه تحبها. وهذا الطلاق المعلَّق إذا قصد وقوعه عند الصفة؛ قد قال بعض الناس: إنه لا يقع، لكن لم يقل أحد إن فيه كفارة إذا لم يقع، بخلاف ما [لا] (١) يقصد وقوعه وإنما عُلِّقَ لقصد اليمين؛ فهذا فيه الأقوال الثلاثة: هل يقع، أو لا يقع ولا كفارة فيه، أو لا يقع وفيه الكفارة؟ ولَمَّا كانت الكفارة إنما تلزم في بعض صور الحض والمنع لا في سائر صور الحض والمنع ولا في غير ذلك من صور التعليق = خَفِيَ حكمها على كثير من العلماء، فإن أكثر تعليقات الطلاق لا كفارة فيها باتفاق العلماء، وإنما يقع في التعليق الذي يقصد به اليمين، وهو أن يكون الشرط مكروهًا والجزاء مكروهًا. وبهذا يظهر أَنَّ قول المعترض: (نعم (٢) مقصوده ألا يقع الشرط، وذلك لا يمنع من قصد وقوع المشروط على تقدير وجود الشرط) (٣) كلامُ مَنْ يَظُنُّ أَنَّ كُلَّ مَنْ لم يقصد الشرط فهو حالف، وأنه يقال فيه بالكفارة، وليس الأمر كذلك، بل الحالف هو الذي لا يقصد الشرط ولا يقصد الجزاء وإن وجد

стр. 540

الشرط، فإنْ قَصَدَ وجود المشروط ــ الذي هو الجزاء ــ على تقدير وجود الشرط = فليس بحالف، لم يقل المجيبُ أَنَّ مجردَ قَصْدِ عدم الشرط مانعٌ من قصد المشروط، بل قد ذَكَرَ في غير موضعٍ من كتبه أن الذي لا يقصد الشرط تارة يقصد المشروط فيكون موقعًا لا حالفًا، وتارة لا يقصده فهذا هو الحالف، فمع عدم قصد [١٢٤/ أ] الشرط يكون حالفًا تارة وموقعًا أخرى (١). لم نقل إِنَّ عدم قَصْدِ الشرطِ مستلزمٌ لعدم قصد الجزاء، كما يظنه هذا الغالط الذي بنى كلامه على هذا الأصل الفاسد، وجعل ما نُقِلَ عن الصحابة والتابعين في وقوع الطلاق عند كل شرط يقصد عدمه = يقتضي أَنَّ اليمين لا كفارة فيها، بل جعل ما يُعَلَّقُ من الوعيد وغيره لكون المعلِّق قَصَدَ ألا يكون الشرط = موجبًا أن يكون الوعيد من الأيمان المكفَّرة عند من يقول: إِنَّ تعليق النذر والطلاق والعتاق تارة يكون يمينًا وتارة يكون إيقاعًا، وإذا كان يمينًا فهو يمين مكفَّرة في أظهر القولين، وهو الثابت عن الصحابة وجمهور التابعين وأكثر العلماء، وقيل: بل لغو، فلما ظَنَّ هذا الغالط أَنَّ المناط الذي جعله هؤلاء يمينًا هو مجرد عدم قصد الشرط = صار يُدْخِلُ في ذلك كُلَّ من لم يقصد الشرط وإن كان مُتَوَعِّدًا وإنْ كان مُطَلِّقًا. ولو تدبر كلام الصحابة ــ رضوان الله عليهم ــ والتابعين وسائر العلماء الذين فَرَّقُوا بين التعليق الذي يقصد به اليمين والذي لا يقصد به اليمين= لتبين له أَنَّ الحالف عندهم الذي أمروه بالكفارة إنما كان حالفًا لأنه كاره للشرط وكاره للجزاء وإن وجد الشرط، وأن الناذر نذر اللجاج والغضب إذا

стр. 541

قال: إِنْ فعلتُ كذا فعليَّ الحج ماشيًا أو عليَّ ثلاثون حجة أو مالي صدقة ومالي في سبيل الله ونحو ذلك؛ لم يقصد قط أن ينذر هذه العبادات ولا أن تلزمه وإن وجد الفعل، بل هو ممتنع من نذرها ومن إلزام نفسه بها غايةَ الامتناع، كارهٌ للزومها له غايةَ الكراهة، ولكن جعل هذا الأمر المكروه عنده الذي هو ممتنع من وقوعه غاية الامتناع = جعله لازمًا لذلك الأمر الذي أراد المنع منه. * * * *

стр. 542

فصلٌ قال: (وقوله: إنه لم يقصد عتقًا يبتغي به وجه الله، فالشرط قصد العتق، وهو حاصل على تقديرٍ ــ كما قلناه ــ لا قَصْدُ القربةِ؛ بدليلِ أَنَّ مَنْ نجز عتق عبده [١٢٤/ ب] غيرَ قاصدٍ التقرب إلى الله يصح (١) عتقه، وكذلك صح عتق الكافر المشرك الذي لا يصح منه قَصْدُ التقرب؛ فقد أعتق حكيم بن حزام في الجاهلية مائة رقبة، وقال له النبي ﷺ في ذلك: «أسلمت على ما أسلفت لك من خير» (٢)، ولم يحكم بأن ذلك العتق لم يقع) (٣). والجواب: أَنَّ المجيب فَسَّرَ كلام ابن عباس، لم ينظر لكون العتق لا يصح إلا بشرط ابتغاء الله، فاحتجاجه بصحة العتق وإن لم يقصد به وجه الله ــ إِنْ صح ــ فإنما هو حجة على ابن عباس لا على المجيب. ثم هذا المعترض قد قال قَبْلَ هذا ما يُناقض هذا! أو هذا الحديث حجةٌ عليه؛ حيث ذكر في الفرق بين نذر اللجاج والغضب والطلاق، فقال: (الثالث عشر: أَنَّ المشي ــ مثلًا ــ إنما يلزم (٤) في نذر اللجاج لأنه غير قاصد للتقرب، وأما الطلاق فالطلاق قصده فقط، وأما (٥) قصد التقرب فلا يشترط) (٦).

стр. 543

ثم قال: (فإنْ قلتَ: فيلزم أن العتق المنجز لا يقع إذا لم ينو التقرب به، وأن النذر المنجز أو المعلق إذا لم يقصد التقرب به لا يقع) (١). وقال: (قلتُ: أما الأول: فإما أَنْ يلتزم (٢) ذلك على مذهب أبي ثور وَيُفَرِّق بين الطلاق والعتق، وإما أَنْ يقول: قصد التقرب لا يشترط إلا للثواب (٣)) (٤)، ولم يُجِبْ عن قصد النذر؛ وقد تقدم الكلام على ما في هذا الكلام من الفساد (٥)، والمقصود هنا الإشارة. ثم نقول جوابًا عن ابن عباس ﵁: أن ابن عباس تَكَلَّمَ بصيغةِ حصر، وصيغةُ الحصر يُنفى بها ما كان من جنس المثبت، لا يُنفى بها كل ما سوى المثبت؛ كقوله: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد: ٧] ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢١ - ٢٢]، فهو لم ينف جميع الصفات سوى الإنذار، فإنه مبشر مع كونه منذر، وهو شاهد وداعٍ إلى الله ــ تعالى ــ كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٦] فوصفه [١٢٥/ أ] بأربع صفات، وكونه نذيرًا واحد منها فليس مراده بقوله: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾ لست ببشيرٍ ولا شاهدٍ ولا داعٍ إلى الله، وإنما مقصوده: نَفْيُ كونه يهدي من يشاء ويضل من يشاء،

стр. 544

ولهذا قال: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾ [الرعد: ٧]، [فأخبر عن] (١) ما طلبه المشركون حيث قال: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ [الرعد: ٧]، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾ [الرعد: ٧] لست الذي ينزل الآيات، بل هذا إلى الله. وكذلك قوله: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢١ - ٢٢] فقوله: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ لم ينفِ كونه مع التذكير مبشرًا وهاديًا وداعيًا. ولَمَّا كان من عادة المسلمين إذا أَعتقوا أَنْ يَبتغوا بذلك وجه الله = صار هذا لازمًا لعتق المسلمين، فنفى اللازم لقصد نفي الملزوم، ومراده: لا عتق إلا لمن قَصْدُهُ العتق، وقاصد العتق من عادة المسلمين يبتغي به وجه الله، ليس مراده: إِنْ أَعتَقَ (٢) ولم يقصد وجه الله لا يصح عتقه، وهذا كما قال عطاء والشافعي في نذر التبرر. قال الشافعي (٣): ومن حلف بالمشي إلى بيت الله ففيها قولان؛ أحدهما: معقولُ معنى قولِ عطاء: أَنَّ كل مَن حلف بشيءٍ مِن النسك صومٍ أو حجٍّ أو عمرةٍ فكفارته كفارة يمين إذا حنث، ولا يكون عليه حجة ولا عمرة ولا صوم؛ ومذهبه: أَنَّ أعمالَ البِرِّ لله لا تكون إلا لفرض يؤديه من فروض الله عليه، أو تبررًا يريد به الله، فأما على غلق الأيمان فلا يكون تبررًا، وإنما يعمل

стр. 545

التبرر لغير الغَلْقِ. فقد بين الشافعي قول عطاء الذي يوافقه عليه الشافعي، وهو: أَنَّ الناذر نذر اللجاج والغضب ــ وهو غلق الأيمان ــ لا يكون تبررًا يريد اللهَ بِهِ، وإنما يعمل التبرر لغير الغلق، وجعل كونه لا يراد الله به هو الموجب لكونه يمينًا مكفرة = فهكذا ابن عباس ﵄؛ مع أن عطاء والشافعي لا يشترطون في نقل الملك قصد التقرب، بل مقصودهم أَنَّ الناذر هو الذي يقصد التزام ما يتقرب به إلى الله، وهذا لم يقصد التقرب إلى الله فليس بناذر، والمسلم من شأنه أن يفعل القربة تقربًا إلى الله بها، فيعتق ويهدي ويضحي ويتصدق تقربًا إلى الله ــ تعالى ــ. فإذا حلف بلزوم العتق والصدقة والهدي والأضحية لم يكن قصده التقرب إلى الله بذلك، لأنه لم يقصد أن يلزمه ذلك فيمتنع أن يقصد التقرب بشيء لم يقصد لزومه، فلو قَصَدَ لزومه لَقَصَدَ التقرب به في عادة المسلمين، ولكن انتفى قصد لزومه فانتفى قصد التقرب به؛ فلهذا قال ابن عباس وعطاء والشافعي وغيرهم: إنه إذا لم يقصد التبرر لم يلزمه، بل هو حالف لا لأنه عندهم قصد لزومه ولم يقصد التقرب به، بل لم يقصد لزومه بحال، ثم إذا جعله لازمًا وفعله يفعله لكونه لزمه بالحنث لا لقصد التقرب به. ومن الناس كابن جرير من يجعل المنذور نذر التبرر لا يقصد [١٢٥/ ب] به التقرب إلى الله، لكنه قصد المكافأة، وهو مع هذا لازم عندهم وهم ذكروا الإجماع على ذلك، وهذا أرادوا به الفرق بين من يفعله لأنه نذره فيلزمه وبين من يفعله ابتداءً، وأما الحالف به فلم يقصد لزومه لا لله ولا لغير

стр. 546

الله، فإذا قيل: يلزمه؛ أُلْزِمَ بفعلِ ما لم يقصد لزومه بحال، ولا كان له نية في فعله لله حين عقد اليمين بخلاف نذر التبرر، فإنه كان له قصد أن يلتزمه لله لكن إذا حصل غَرَضُهُ. * * * *

стр. 547

فصلٌ قال: (وقوله: (وإنما حلف به قصدًا ألا يقع العتق به)؛ كلامٌ بعيدٌ عن الإنصاف، فإنَّ الدعاوى ثلاث: أحدها: ما نَدَّعِيه نحن أَنَّ الحالف قاصد للعتق على ذلك التقدير وغير قاصد لذلك التقدير الآن. الثانية: ما أشار هو إليه ــ أولًا ــ أنه غير قاصد للشرط ولا للمشروط؛ وقد منعناه. وأما هذه الثالثة وهو: أَنَّ قَصْدَهُ بالحلف ألا يقع العتق على ما دَلَّ هذا اللفظ، فإنه دَالٌّ على أَنَّ العلة في حلفه قصد عدم العتق ضرورة أنه جعله مفعولًا لأجله= فهذا في غاية المكابرة؛ والله أعلم) (١). والجواب: أنَّ معنى الكلام: أنه حلف قاصدًا ألا يقع العتق به، لِيُبَيِّنَ أَنَّ الحالف لم يقصد وقوع العتق المعلق، لم يرد أَنَّ قصده بيمينه كان منع نفسه عن العتق كما توهمه المعترض، فإن هذا مما تكرر كلام المجيب فيه (٢)، وبَيَّنَ أَنَّ الحالف لم يقصد وجود الجزاء، بل هو مكروه له سواء وجد الشرط أو لم يوجد، وإنما قصده بيمينه مَنْعَ نفسهِ عن الشرط، فهو يقصد عدم الشرط

стр. 548

وعدم الجزاء، بل قصده عدم الجزاء كان موجودًا قبل عقد اليمين، وهو موجود عند عقد اليمين، وهو موجود عند الحنث. فَظَنَّ المعترض أَنَّ الحالف إنما عقد اليمين لقصد منع الجزاء، وهذا لا يقوله عاقل، ولا يَظُنُّ بالمجيب أنه أراد هذا مَنْ فيه نوعٌ من الإنصاف، فإنَّ المجيب قد بَيَّنَ حقائق ما في نفوس الناس من الإرادات والكراهات بيانًا شافيًا، وبَيَّنَ أَنَّ الحالف لم يزل كارهًا للجزاء، وإنما عَلَّقَهُ بالشرط لئلا يقع الشرط؛ فكيف يُظَنُّ به [أنه إنما أراد] (١) عقد اليمين لئلا يقع الجزاء = إلا مَنْ هو عديم الإنصاف. ولو كان الحالف قد جَدَّدَ قصد منع الجزاء باليمين لكان ذلك مما يفيد كونه حالفًا، بل قصده عدم الجزاء أمر لازمٌ له، ثابتٌ قبل اليمين وبعدها، ولكن قال: إن الحالف لم يقصد عتقًا يبتغي به وجه الله، وإنما حلف به قصدًا ألا يقع العتق، أي: حلف به قاصدًا ألا يقع العتق لا قاصدًا لوقوع العتق، ومن لم يقصد العتق لم يبتغ به وجه الله. وإذا قيل: الحالف بالنذر والطلاق والعتاق والكفر والظهار (٢) لم يقصد هذه الأمور، وإنما حلف بها قصدًا ألا تقع. فالمراد: أنه حلف به قاصدًا أن [١٢٦/ أ] لا يقع (٣)، وهو ــ أيضًا ــ باليمين قصده أنها لا تقع، فكان قبل اليمين غير مريد لوقوعها، وقد يعزب عن قلبه حضور إرادتها بقلبه نفيًا وإثباتًا، وأما عند اليمين فهو يكره وقوعها،

стр. 549

ويقصد ألا تقع، ليس المراد أن العلة في حَلِفِهِ قصد عدم العتق ضرورة أنه جعله مفعولًا لأجله؛ فإنَّ المجيب قد دل كلامه كله على أنه لم يقصد هذا، وهذا اللفظ لو كان ظاهره أنه أراد ذلك = لكان الواجب أن يحمل المتشابه من كلامه على المحكم المعروف، بل لو أراد المجيب هذا المعنى فَسَدَ كلامه وفسد دليله، فإنه لو كانت العلة في حلفه قصد عدم العتق لكان الحامل له على اليمين هذا القصد، والعلة وإن كانت متقدمة في العلم والقصد فهي متأخرة في الوجود والحصول؛ فأول البغية آخر الدرك، وأول الفكرة آخر العمل (١). وحينئذٍ؛ فكان عدم العتق لا يحصل إلا باليمين فيكون متأخرًا عن اليمين، ولو كان ذلك= لامتنع أن يحلف به، فإنه يكون محلوفًا لأجله لا محلوفًا به، كما لو قال: والله لا أعتق العبد وإن أعتقته فنسائي طوالق؛ فهنا قصد بيمينه مَنْعَ نفسه من العتق، وهذا المنع وكَّده بيمينه. وأما إذا قال: إِنْ فعلتُ كذا فعبدي حر؛ فهنا العتق محلوفٌ به، وهو كارهٌ له ممتنعٌ منه، غيرُ قاصدٍ له عند اليمين، وإنما حلف به ليمنع به نفسه من شيءٍ آخر، وهو الفعل الذي عَلَّقَ به العتق، وهذا أَمْرٌ واضحٌ يفهمه العام والخاص، لا يُظَنُّ بأقلِّ الناسِ أنه يفهم خلافه.

стр. 550

فَظَنَّ هذا المعترض أَنَّ المجيب قصدَ نقيضَ هذا، ونسبه إلى قلة الإنصاف وغاية المكابرة = هو من قلة إنصافه ومكابرته، حيث جعل المجيب يقصد هذا، ومن نظر في كلام المجيب مثل نظره، أو كان له به خبرة متوسطة يعلم علمًا ضروريًّا أَنَّ المجيب لا يقصد هذا، وأَنَّ مَنْ جعله قاصدًا لهذا فهو المكابر القليل الإنصاف، هذا لو كان لفظه يدل على ذلك دلالة ظاهرة، فكيف وليس اللفظ ظاهرًا في ذلك؟! فإنَّ قوله: (حلف به قصدًا ألا يقع)؛ يجوز أن يكون نصبًا على الحال أي: قاصدًا ألا يقع العتق، والمصدر يكون حالا كثيرًا، فإنَّ التعبير بالمصدر عن الفاعل كثير جدًا؛ كقولهم: رجل عدل (١)، ويجوز أن يكون المعنى فعله لقصده ألا يقع؛ أي: لقصده اللازم الدائم ألا يقع، كما يقول: قعدت عن الحرب جبنًا، أي: الجبن دعاني إلى ذلك، وكذلك قَصْدُهُ ألا يقع دَعَاهُ إلى الفعل، ومنه قوله تعالى: ﴿يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٦٥]، وقوله: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ [الليل: ٢٠]، فإنَّ ابتغاء وجه الرب هو الذي دعاهم إلى الفعل، وهذا الابتغاء موجود قبل الفعل، ويجوز أن يكون المعنى: أنه عند اليمين يؤكد قصده ألا يقع، ويجدد حصوله في قلبه مع قصده ألا يحصل الجزاء، فإنه قبل اليمين قد يكون ذاهلًا عن هذا القصد، وعند اليمين يحصل في قلبه؛ وحينئذٍ فهو باليمين قصد منع نفسه من الشرط، وهو ــ أيضًا ــ قاصد [١٢٦/ ب] الامتناع من الجزاء، وَقَصْدُ هذا الامتناع يحصل عند اليمين، وإن (٢) كان ذاهلًا عنه قبل اليمين، ويكون قصده باليمين

стр. 551

ألا يقع العتق ولا يقع الفعل، وكلاهما مقصود باليمين، لكن الباعث الداعي إلى اليمين هو قصد المنع من الشرط، وهو مع ذلك لا بُدَّ أَنْ يقصد عدم الجزاء ــ أيضًا ــ ليكون هذا القصد مانعًا من الشرط الملزوم، فإنه لولا قصد عدم الجزاء لم يصر الشرط مقصود العدم. وبالجملة؛ فلا يجوز أَنْ يراد أن الحالف لم يحلف إلا لقصد المنع من الجزاء لا لقصد المنع من الشرط، فإنَّ هذا لا يقوله عاقل، ولا يَظُنُّ عاقلٌ أَنَّ المجيبَ قَصَدَهُ، وغايتُهُ أنه استدراكٌ لفظيٌّ لا فائدةَ في الإطالة فيه، والمجيب يُعْرِضُ عن مثل هذه الاستدراكات في كلام المعترض وأمثاله، إذ لو فُتِحَ هذا الباب طال الخطاب بما لا فائدة فيه عند أولي الألباب. فإن ظَنَّ المعترض أَنَّ المجيب قصد أن اليمين لم تُعقد (١) إلا لقصد منع الجزاء = فهذا من الظن الذي هو أكذب الحديث، وهو من الظنون السيئة التي يزع عنها العقل والدين، وإن ظن أنه أراد أنه باليمين قصد ألا يقع الجزاء مع قصده باليمين ألا يقع الشرط، فإن الحالف قصده ألا يقع العتق المحلوف به ولا الفعل المحلوف عليه. * * * *

стр. 552

فصلٌ قال المعترض: (قال ــ يعني المجيب ــ: (وقد تبيَّن أَنَّ هذا القول مُخَرَّجٌ على أصول أحمد من عدة أوجهٍ؛ منها: أنه قد جعل التكفير والاستثناء متلازمين، وهذه اليمين ينفع فيها الاستثناء في أحد القولين عنه، بل في الصحيح من قوليه؛ فكذلك الكفارة). قلتُ (١): شَرَعَ في تعديد الأوجه التي يُخَرَّجُ القول الثالث على أصول أحمد منها، فذكر هذا الوجه الأول وقد تقدم الجواب عنه، وأنه يجب تقديم النص الخاص على العام، ولا يجوز القياس مع وجود النَّصِّ الصريح، لا سيما المذكور على وجه الاستثناء، فإنَّ أحمد قد صَرَّحَ باستثناء الطلاق والعتاق من الأيمان المكفَّرة ــ كما تقدم ــ) (٢). والجواب: أنه قد تقدم الجواب عن [١٢٧/ أ] جوابه، وأن (٣) تقديم الخاص على العام إنما يكون في العمومات اللفظية إذا كان المتكلم ليس له قولان؛ كالنبي المعصوم، وأما حيث كان العموم مرادًا (٤) إما لكونه علة معنوية يمنع تخصيصها بدون فوات شرط ولا وجود مانع، أو (٥) لكون المتكلم قصد

стр. 553

العموم= فلا يحمل العام على الخاص. ولهذا تنازع العلماء في العام المتأخر هل يُبْنَى عليه الخاص المتقدم في خطاب الشارع على قولين (١)، هما روايتان عن أحمد؛ إحداهما: يُبْنَى عليه؛ وهو قول الشافعي ﵁ بناءً على أَنَّ العام لو أريد به الخاص لكان ناسخًا للخاص، وإذا لم يرد به لم يلزم النسخ. والثانية: لا يُبْنَى عليه؛ بناءً على أَنَّ العام يدل [على] (٢) إرادةِ أفراده به إذا لم يقترن به المخصص، وحينئذٍ؛ فيكون ناسخًا للخاص فيما خالفه فيه. وقد تقدم أَنَّ أحمد ﵁ له روايتان في الاستثناء في الحلف بالطلاق والعتاق، وأنه نَصَّ في غير موضع أن الاستثناء والتكفير متلازمان، وأنه جعل ذلك حجة له في أنه لا يكفر في الطلاق والعتاق، واختلف قوله في الاستثناء في الحلف بهما، ونَصُّهُ على استثناء الطلاق والعتاق إذا أريد به استثناء الحلف بهما فإنما يتوجه على إحدى الروايتين عنه، وأما على الرواية الأخرى فلا يجوز أَنْ يُستثنى من التكفير إلا إيقاعهما لا الحلفُ بهما، وإلا فلو استثنى الحلف بهما من التكفير مع قوله بالاستثناء في الحلف بهما، وقوله إن التكفير والاستثناء متلازمان، واحتجاجه بذلك على أن ما لا كفارة فيه لا استثناء فيه = كان هذا تناقضًا يفسد حجته وأصله ومذهبه.

стр. 554

وأحمد وغيره من الأئمة ليسوا أنبياء، بل هم متبعون للرسول ﷺ ، ومقصودهم اتباع ما جاء به الرسول ﷺ ، وليس لأحدهم أَنْ يعم ما أراد ويستثني منه ما أراد، وإنما يعممون ما عمَّمه الرسول الله ﷺ ويخصون ما خصه الرسول ﷺ ، وأحمد يخبر عن الرسول ﷺ بما قاله، فيمتنع أن يخبر [١٢٧/ ب] عنه بكلام متناقض، لامتناع التناقض في كلام الرسول ﷺ . ولهذا إذا احتج أحد العلماء بحجة ونقضها؛ قيل: هذه فاسدة وعلة فاسدة، لم يجز أن يقال في كلامه عام وخاص، كما يقال ذلك في كلام المعصوم ﷺ . فلو قال أحدهم: إنما حرم الله ــ تعالى ــ الخمر لأنها مسكرة، ثم أباح بعض المسكرات؛ لكان هذا تناقضًا يفسد علته وحجته، لا يجوز أن يقال: هذا من باب الخاص والعام. فإذا قال أحمد وغيره من العلماء: لا يجوز الاستثناء في الطلاق والعتاق لأنه لا كفارة فيهما، والاستثناء إنما يكون فيما يكفر لا فيما لا يكفر، وقال مع هذا: إنَّ الحلف بالطلاق يجوز فيه الاستثناء دون التكفير = لكان هذا تناقضًا يقتضي فساد قوله، ليس هذا من باب العام والخاص. فَعُلِمَ أَنَّ ما قاله أحمد ــ رحمة الله عليه ــ إنما يتوجه على إحدى الروايتين، وهو قوله: إنه لا استثناء لا في إيقاعه ولا في الحلف، وأما على الرواية التي يقول فيها إنه يجوز الاستثناء في الحلف به دون إيقاعه؛ فلا بُدَّ على هذه الرواية من أن يقول بجواز التكفير فيما جاز فيه الاستثناء، أو يَبْطُلَ قولُهُ: لا استثناء إلا فيما فيه كفارة، لكن هذا الأصل أصل مذهبه الذي بَنَى

стр. 555

عليه مذهبه، وعليه دل الكتاب والسنة، فإنْ كان هذا صحيحًا لزمه جواز التكفير [في] (١) الحلف بالطلاق إذا قيل بجواز الاستثناء فيه، وهذا أَمْرٌ واضحٌ كما تقدم (٢). * * * *

стр. 556

فصلٌ قال المعترض: (قال ــ يعني المجيب ــ: الوجه الثاني: أنه أخذ بحديث أبي رافع، وقد ثبت فيه ذكر العتق. قلنا: هذا الوجه الثاني من التخريج، وقد تقدم الجواب عنه في سنده ومتنه؛ فإنه يشير إلى حديث جسر بن الحسن) (١). فيقال له: قد ثبت ذكر العتق في حديث جسر بن الحسن، وفي حديث أشعث بن عبد الملك ــ أيضًا ــ، وإن كان الجواب الأول المختصر لم يذكر فيه طريق أشعث بن عبد الملك، وهذا الطريق [١٢٨/ أ] هو الذي بلغ عامة العلماء؛ كأبي ثور ومحمد بن نصر ومحمد بن جرير وابن المنذر وابن عبد البر وابن حزم وغيرهم، وصحح هؤلاء وغيرهم من العلماء ذكر العتق فيه، ولم يُعْلَم أحدٌ من العلماء بلغه هذا الطريق فطعن في ذكر العتق. وأحمد لم يبلغه هذه الطريق، ولا طريق جسر بن الحسن، وإنما بلغه طريق التيمي خاصة، ونحن نعلم منه أنه لو بَلَغَهُ طريق أشعث بن عبد الملك وطريق جسر = لم يقل إنَّ التيمي انفرد به، بل كان يعلم أن للتيمي متابِعًا، وهو مُتَّبع لحديث ليلى بنت العجماء، وإنما لم يأخذ بذكر العتق لتعليله بانفراد التيمي، فإذا زالت هذه العلة وجب على أصله العمل به.

стр. 557

وأما قول المعترض: (ثبت فيه حكم العتق باللفظ المتنازع فيه أو بغيره) (١) فعنه أجوبة: أحدها: أَنَّ أحمد بل وسائر أهل العلم لا يلتفتون إلى مثل هذه السفسطة، بل لا علة له عند أحمد إلا أنه لم يذكر فيه العتق، فإذا ثبت فيه ذكر العتق زالت العلة، ولم يقل أحمد ولا غيره: إن ذكر العتق في هذه الرواية يراد به نذر العتق، وفي الأخرى يراد به الحلف به، فإنَّ مثل هذا ليس من أصول أهل العلم كأحمد وأمثاله، بل هو من جنس السفسطة التي هي تشكيك في المعلومات. الثاني: أنه قد ثبت ذكر العتق باللفظ المتنازع فيه في حديث أشعث بن عبد الملك الحمراني، وقد ذكره المعترض، ورواه أبو ثور ومحمد بن نصر المروزي والدارقطني والبيهقي بالأسانيد الثابتة، ولفظه: (فقالت: هي يومًا يهودية ويومًا نصرانية وكل مملوك لها حر وكل مال لها في سبيل الله)؛ فصرحت باللفظ المتنازع فيه، وهو قولها: (حر) (٢). الثالث: أَنَّ ذكر ذلك اللفظ، وهو قوله: (حلفت بالهدي والعتاقة)؛ يحصل المقصود من عدة أوجه، كما تقدم بيانه. * * * *

стр. 558

فصلٌ قال المعترض: (قال ــ يعني المجيب ــ: الثالث: أنه قد اختلفت الرواية عنه فيما إذا حلف بعتق عبد غيره، مثل أَنْ يقول: عبد فلانٍ حرٌ لا أفعل كذا، [أو] إِنْ فعلتُ كذا فعبد فلانٍ [١٢٨/ ب] حر؛ هل يلزمه بذلك كفارة أم لا؟ على روايتين. إحداهما: أنه لا يلزمه شيء، كما لو قال: عبد فلان حر، لقول النبي ﷺ : «لا عتق لابن آدم فيما لا يملكه» (١). والثانية: عليه كفارة يمين، كما لو قال: عليَّ أن أعتقه إِنْ فعلت كذا، أو إن فعلت كذا فعليَّ أَنْ أعتقه، لأنه حَلَفَ بعتقٍ لم يقع، وهذه الرواية تقتضي أن الحلف بالعتق يكون فيه كفارة إذا لم يقع العتق، وحينئذٍ؛ فإذا حَلَفَ بعتق عبده لم يجز أن يقول: يقع العتق، لأنه لا كفارة فيه؛ فإنَّ هذا دور. فإنا إنما قلنا: تثبت الكفارة إذا لم يقع العتق، فلو عَلَّلنا وقوع العتق بعدم الكفارة = لزم أن يكون كلٌّ منهما علةً للآخر؛ وهذا دور ممتنع. قلت: الدور أَنْ يتوقف كلٌّ منهما على الآخر، فإنما يصح الدور ههنا ــ كما زعم ــ لو كان ثبوت الكفارة معللًا بعدم وقوع العتق، وعدم وقوع

стр. 559

العتق معللًا بثبوت الكفارة، وحينئذٍ؛ يلزم الدور، أما على ما ذكر هو في المقدمة الثانية أن وقوع العتق معللٌ بعدم الكفارة، فكلُّ واحدٍ منهما معلل بعدم الآخر، وهذا ليس بدور، فإنَّ كلًا من الضدين مشروطٌ بعدم الآخر) (١). والجوابُ أَنْ يقال: وجه الدور: أنه على هذه الرواية قد أفتى في الحلف بالعتق الذي لا يقع، وهو حلفه بعتق عبد غيره بكفارة يمين، وحينئذٍ؛ فيقال: إذا حلف بعتق عبده لم يجز أن يقال يقع العتق، لأنَّ الحلف بالعتق لا كفارة فيه، لأنه قد أجاب بأنَّ في الحلف بالعتق كفارة يمين. فإذا قيل: هناك لَزِمَتِ الكفارة، لأن العتق لم يقع. فيقال: فبطلَ قولُ القائلِ: الحلفُ بالعتق لا كفارة فيه مطلقًا، وإنما الواجب أَنْ يقال: الحلف بالعتق إذا وقع العتق فلا كفارة فيه، وإذا لم يقع (٢) ففيه الكفارة. وحينئذٍ؛ فيقال: لم لا يجوز أن يكون في الحلف بالعتق في محل النزاع كفارة يمين؟ فإذا قيل: لأنَّ الحلف بالعتق لا كفارة فيه = بطلت هذه العلة، فإنَّ العلة إنما هي [١٢٩/ أ] إذا حلف بالعتق ولم يقع العتق، ففيه كفارة يمين؛ فيحتاج أن يقيم الدليل على أن العتق هنا لم يقع. فإذا قلنا: يقع العتق لأن الحلف بالعتق لا كفارة فيه = كانت هذه العلة

стр. 560

باطلة على هذا القول، لأنه ــ أعني الحلف بالعتق ــ لا كفارة فيه مطلقًا، بل إذا كان الحلف بالعتق لا يقع ففيه الكفارة. وحينئذٍ؛ فلا يجوز أن يقال: يقع العتق هنا لأنه لا كفارة في الحلف. يقال: هناك وجبت الكفارة في الحلف به لأنه لم يقع، فنكون قد عللنا وقوع العتق بانتفاء الكفارة في الحلف به، وعللنا وجوب الكفارة في الحلف به بانتفاء الوقوع، فيكون عدم التكفير هو الموجب لوقوع العتق. وإذا قيل هناك: لم يقع العتق لكونه غير مالك. قيل: المنجِّزُ لعتقِ عبد غيرِهِ غيرُ مالكٍ ولا كفارةَ عليه، وإنما وجبَت هنا لكونه حالفًا مع أنَّ العتقَ لم يقع، لا لكونه أعتقَ عبد غيرِهِ، وفي صورة النزاع هو حالف ــ أيضًا ــ. فإذا قيل: فالعتق هنا واقع. قيل: إنما قلتم يقع مع كونه حالفًا؛ كقولكم الحلف بالعتق لا كفارة فيه، وقد انتقض هذا الأصل، وأوجبتم في الحلف به الكفارة في بعض الصور؛ فإذا قلتم هناك لم يمكن إيقاع العتق = فلم يكن بُدٌّ من الكفارة لأنه حالف. قيل: فهذا يدل على أن الحلف به مقتضٍ لوجوب الكفارة، وفي صورة النزاع الحلف قائم فيلزم وجوب الكفارة. فإذا قلتم: لكن العتق هنا قد وقع، فلا تجب الكفارة مع وقوعه. قلنا: هذا محل النزاع؛ فلا يجوز الاحتجاج به، فما دليلكم على أن العتق يقع وأنتم تقولون فيمن عَلَّقَ تعليقًا يقصد به اليمين أنه يكفر إلا في العتق والطلاق؟ فلم قلتم لأن العتق والطلاق لا كفارة فيهما؟ فإنما عللتم

стр. 561

وقوعهما بعدم الكفارة فيهما، ومع قولكم بالكفارة في بعض الصور لا يصح ذلك، بل يقال: قد ثبتت (١) الكفارة في الحلف بذلك في بعض الصور = فلا يصح قولكم: يقع؛ لأنه لا كفارة فيه، مع قولكم هنا: إنه يكفر في الحلف به. فإنه إذا قيل بأن العتق المحلوف به تدخله الكفارة في الجملة = لم يصح أَنْ يقال: يقع هنا، لأنه [١٢٩/ ب] لا كفارة فيه إلا إذا قيل مع ذلك: إنه واقع، ومع وقوعه لا تجب الكفارة، وأنتم لم تذكروا حجةً في وقوعه، وهذا وحده كافٍ. وحينئذٍ؛ فليس لكم أن تقولوا هنا: يكفر، لأن العتق لم يقع، وتقولوا هناك: يقع العتق، لأنه لا كفارة فيه، فإنَّ هذا تعليلٌ لوقوع العتق المحلوف به بانتفاء الكفارة فيه، وأنتم تقولون في العتق المحلوف به الكفارة في بعض الصور، فإذا قلتم هناك لم يقع لانتفاء شرطه وهو الملك. قيل: وهنا ــ أيضًا ــ لا يقع لانتفاء شرطه، وهو قصد الإيقاع، فإنه لا بُدَّ في وقوعه من أن يكون إيقاعًا في مَحَلٍّ قابلٍ، فكما أنه ينتفي لانتفاء محله، فإنه ينتفي لانتفاء إيقاعه كما أنَّ طلاقَ المرأة ينتفي تارة لكونها ليست زوجة، وتارةً لانتفاء الإيقاع مثل: طلاق المجنون والسكران والمكره فإنَّ الإيقاع انتفى لانتفاء قصده، وكذلك في اليمين، وأنتم على هذا القول [قد أوجبتم] (٢) الكفارة فيما إذا حلف بعتق عبد الغير مع أنه غيرُ واقعٍ، ولم يلتزم شيئًا في ذمته = فعلم أنَّ الحلف بالعتق مقتضٍ لوجوب الكفارة إذا لم تتم شروط الإيقاع؛ وفي محل النزاع لم تتم شروط الإيقاع= فتجب الكفارة.

стр. 562

فإنْ قلتم في محل النزاع: يقع ولا كفارة، لأنه لا كفارة في الحلف به = كانت هذه علةً منتقضةً باطلةً، فلا بُدَّ أنْ تقولوا: بل الحلف به يوجب الكفارة إذا لم يقع، وهنا قد وقع، لأن الحلف بعتق عبد الغير (١) لم يقع؛ فلهذا وجبت الكفارة في الحلف به، أو تقولوا: هنا أمكنه أن يوقع العتق بخلاف عبد الغير فإنه لا يمكنه إعتاقه. فيقال: ولو حلف: إِنْ فعلتُ كذا فعليَّ عتقُ عبدي؛ هنا يمكنه إعتاقُ عبده ولم يوجبوه؛ فَعُلِمَ أَنَّ إمكان الإعتاق وصف عديم التأثير، وإنما المؤثر عندكم في وجوب الكفارة كونه قصد اليمين، وهذا المعنى مشترك في الجميع. نعم؛ هناك كونه ملكًا للغير مانع من أن يعتقه، فتتعين الكفارة، وفيما إذا قال: إِنْ فعلته فعبدي حر يمكنه إعتاقه [١٣٠/ أ] فلا تتعين الكفارة، بل يخير بين أَنْ يُعتِقَهُ وبينَ أَنْ يُكفِّر. ومما يوضح هذا: أنهم ذكروا الروايتين في لفظ القَسَم، وهو أَنْ يقول: غلام فلانٍ حر لأفعلنَّ كذا؛ هذا لفظها في الكتب الكبار والصغار، حتى في هداية أبي الخطاب ومقنع أبي محمد ومحرر أبي البركات (٢)؛ وهذه صيغة قسم. ووجه الدور: أَنَّا إذا قلنا: يقع العتق المعلَّق المحلوفُ به، لأنَّ هذا لا كفارة فيه بخلاف تعليق النذر المحلوف به = كان هذا تعليلًا لوقوع العتق بعدم الكفارة.

стр. 563

فإذا قيل: وَلِمَ لَمْ تجب فيه الكفارة مع أنه قصد اليمين؟ فقال القائل: لأنَّ هذا التعليق يقع فيه العتق فلا كفارة فيه؛ كان هذا دورًا ممتنعًا، فإنه جَعَلَ علةَ وقوعِ العتق امتناعَ الكفارة فيه، وجعلَ علةَ امتناع الكفارة فيه أنه يقع فيه العتق فلا تقع الكفارةُ؛ فعلل كليهما (١) بالآخر، وهذا دور ممتنع. ثم هنا طريقان من الكلام: أحدهما: أَنْ يُقالَ: إذا قلتم على إحدى الروايتين: إنَّ الحالف بعتقِ عبد الغير يلزمه الكفارة = بطل قولكم العام: إنَّ الحلف بالعتق ليس فيه كفارة، وثبت أنه قد يكون فيه كفارة. والثاني: أنكم إذا قلتم: الحلفُ بالعتق لا يكفَّر، لأنَّ العتق لا كفارة فيه، وقلتم العتق لا كفارة فيه، لأنه قد وقع فلم يكفر = كان هذا دورًا ممتنعًا، ولكن هذا الثاني يدل على بطلان القول، فلم يُخَرِّج منه قولًا في مذهب أحمد بخلافه، وإنما يخرَّج مذهب الرجل من كلامه لا مما يبطل كلامه، بخلاف الوجه الأول فإنه إذا قال على إحدى الروايتين: إنَّ الحلف بعتق عَبْدِ الغير يكفر يمينه دَلَّ على أنه يرى في الحلف بالعتق التكفير، وحينئذٍ فلا يمكن في صورة النزاع أَنْ يُقالَ: العتقُ وقعَ، لأنه لا كفارة في الحلف بالعتق لنصِّهِ على نقيض ذلك في هذه الرواية، والتخريج إنما هو عليها. وحينئذٍ؛ فنحن إذا أثبتنا الكفارة إذا لم يقع العتق المحلوف به وإلا فلو ثبت لم تجب كفارة، فلو قلنا: العتق المحلوف به يقع لأنه لا كفارة فيه = كُنَّا

стр. 564

قد جعلنا [١٣٠/ ب] عدم الكفارة سببًا لوقوعه، والمقتضي للكفارة قائمٌ وهو الحلف، ولهذا أثبتناها هناك لوجود الحلف فلا بُدَّ أَنْ يفرق بينهما: بأنه هنا وقع العتق فانتفت الكفارة، وهناك لم يقع فوجبت. وحينئذٍ؛ فيقال: وقوعه إنما يكون إذا لم يمكن التكفير، وإلا فمع إمكان التكفير لا يقع، فلو نفينا الكفارة لوقوعه وأثبتنا وقوعه لانتفاء التكفير = لزم الدور. وكذلك ــ أيضًا ــ إذا علَّلنا ثبوتَ الكفارةِ بعدمِ العتقِ، وعَلَّلنا وقوع العتق بعدم الكفارة ــ كما في الجواب ــ لزم الدور، فإنَّ ثبوتَ التكفير وثبوت العتق ضدان لا يجتمعان، بل ولا يرتفعان في هذه الصورة، بل إِنْ ثبتَ العتقُ انتفت الكفارة وإن انتفت الكفارة ثبت العتق، والضدان وإِنْ كان كل منهما مشروطًا (١) بعدم الآخر، لكن لا يجوز أن يكونَ كلٌ منهما هو العلة في عدم الآخر، ولا عَدَمُ كلٍ منهما هو العلة في وجود الآخر. فلا يجوز أَنْ يقالَ: وُجِدَ هذا لعدم هذا وعُدِمَ هذا لوجود هذا، بل إِنْ كان وجود ذاك هو العلة لعدم هذا = امتنع أن يكون عَدَمُ هذا عِلَّةَ وجود ذاك، وإِنْ كان شرطًا له، فليس كلُّ ما كان شرطًا كان علة، فلا يجوز أَنْ نجعل ثبوت الكفارة بعدم وقوع العتق، ونقول: وقع العتق لعدم وجوب الكفارة، فإنه يلزم تعليل وجود هذا بعدم ذاك، وتعليل وجود ذاك بعدم هذا، وهذا النوع من الدور ليس هو دور في الأنواع، والأول دور في الأعيان. فدور الأعيان: أَنْ يتوقف كلٌّ من الشيئين المعيَّنين على الآخر، وأما

стр. 565

الدور في الأنواع فمثل أَنْ يقال: الموجِبُ للسواد هو عدم البياض، والموجب للبياض هو عدم السواد؛ فهذا نظير قولنا: يقع العتق لعدم الكفارة، وتَلزم الكفارة لعدم العتق، يجعل وجود كُلٍّ من الضدين لأجل عدم الآخر؛ وهذا باطل. بل الواجب أَنْ يقال: السواد موجبٌ لعدم البياض، والبياضُ موجب لعدم السواد؛ فيقال: وقع العتق فلا كفارة، أو لزمت الكفارة فلا عتق؛ فيكون وجود أحدهما هو المانع من الآخر، لا أَنَّ عدمَ أحدِهما هو الموجب لوجود الآخر، فإن العدم لا يقتضي وجودًا، بل الوجود [١٣١/ أ] يقتضي العدم، وكان هذا دورًا في التعليل والاستدلال، لأنه إذا كان عَدَمُ كلٍّ منهما هو المقتضي لوجود الآخر، وأحدهما لا يُعْدَم إلا مع وجود ضده، فلا يثبت وجود هذا الضد حتى يُعدم الآخر، ولا يُعدم ذاك حتى يوجد هذا، ولا يوجد هذا حتى يعدم ذاك = وهذا هو الدور. كما إذا قيل: لا تجب الكفارة إلا إذا عدم العتق، ووجود الضدِّ وإن كان ثابتًا مع عدم الآخر، لكن لا يجوز أن يكون عدم كل منهما هو علة وجود الآخر، لأنَّ العلة لا بُدَّ أن تتقدم المعلول، وعَدَمُ أحدِهما هنا لا يكون إلا مع وجود الآخر، لا يجوز أن يتقدم عليه بوجهٍ من الوجوه لا تقدمًا عقليًا ولا وجوديًا = فامتنع أن يكون علةً له، فإذا جُعِلَ علةً له لزم الدور. وبهذا ظهر الجواب عن قول المعترض: (الدورُ أَنْ يتوقف كلٌّ منهما على الآخر؛ فإنما يصح الدور هنا ــ كما زعم ــ لو كان ثبوت الكفارة معللًا بعدم وقوع العتق، وعدم وقوع العتق معللًا بثبوت الكفارة؛ وحينئذٍ يلزم الدور، إما على ما ذَكَرَ هو من المقدمة الثانية أَنَّ وقوع العتق يعلل بعدم
следующие страницы →