وقوعهما بعدم الكفارة فيهما، ومع قولكم بالكفارة في بعض الصور لا يصح ذلك، بل يقال: قد ثبتت (١) الكفارة في الحلف بذلك في بعض الصور = فلا يصح قولكم: يقع؛ لأنه لا كفارة فيه، مع قولكم هنا: إنه يكفر في الحلف به.
فإنه إذا قيل بأن العتق المحلوف به تدخله الكفارة في الجملة = لم يصح أَنْ يقال: يقع هنا، لأنه [١٢٩/ ب] لا كفارة فيه إلا إذا قيل مع ذلك: إنه واقع، ومع وقوعه لا تجب الكفارة، وأنتم لم تذكروا حجةً في وقوعه، وهذا وحده كافٍ.
وحينئذٍ؛ فليس لكم أن تقولوا هنا: يكفر، لأن العتق لم يقع، وتقولوا هناك: يقع العتق، لأنه لا كفارة فيه، فإنَّ هذا تعليلٌ لوقوع العتق المحلوف به بانتفاء الكفارة فيه، وأنتم تقولون في العتق المحلوف به الكفارة في بعض الصور، فإذا قلتم هناك لم يقع لانتفاء شرطه وهو الملك. قيل: وهنا ــ أيضًا ــ لا يقع لانتفاء شرطه، وهو قصد الإيقاع، فإنه لا بُدَّ في وقوعه من أن يكون إيقاعًا في مَحَلٍّ قابلٍ، فكما أنه ينتفي لانتفاء محله، فإنه ينتفي لانتفاء إيقاعه كما أنَّ طلاقَ المرأة ينتفي تارة لكونها ليست زوجة، وتارةً لانتفاء الإيقاع مثل: طلاق المجنون والسكران والمكره فإنَّ الإيقاع انتفى لانتفاء قصده، وكذلك في اليمين، وأنتم على هذا القول [قد أوجبتم] (٢) الكفارة فيما إذا حلف بعتق عبد الغير مع أنه غيرُ واقعٍ، ولم يلتزم شيئًا في ذمته = فعلم أنَّ الحلف بالعتق مقتضٍ لوجوب الكفارة إذا لم تتم شروط الإيقاع؛ وفي محل النزاع لم تتم شروط الإيقاع= فتجب الكفارة.
стр. 562
فإنْ قلتم في محل النزاع: يقع ولا كفارة، لأنه لا كفارة في الحلف به = كانت هذه علةً منتقضةً باطلةً، فلا بُدَّ أنْ تقولوا: بل الحلف به يوجب الكفارة إذا لم يقع، وهنا قد وقع، لأن الحلف بعتق عبد الغير (١) لم يقع؛ فلهذا وجبت الكفارة في الحلف به، أو تقولوا: هنا أمكنه أن يوقع العتق بخلاف عبد الغير فإنه لا يمكنه إعتاقه.
فيقال: ولو حلف: إِنْ فعلتُ كذا فعليَّ عتقُ عبدي؛ هنا يمكنه إعتاقُ عبده ولم يوجبوه؛ فَعُلِمَ أَنَّ إمكان الإعتاق وصف عديم التأثير، وإنما المؤثر عندكم في وجوب الكفارة كونه قصد اليمين، وهذا المعنى مشترك في الجميع.
نعم؛ هناك كونه ملكًا للغير مانع من أن يعتقه، فتتعين الكفارة، وفيما إذا قال: إِنْ فعلته فعبدي حر يمكنه إعتاقه [١٣٠/ أ] فلا تتعين الكفارة، بل يخير بين أَنْ يُعتِقَهُ وبينَ أَنْ يُكفِّر.
ومما يوضح هذا: أنهم ذكروا الروايتين في لفظ القَسَم، وهو أَنْ يقول: غلام فلانٍ حر لأفعلنَّ كذا؛ هذا لفظها في الكتب الكبار والصغار، حتى في هداية أبي الخطاب ومقنع أبي محمد ومحرر أبي البركات (٢)؛ وهذه صيغة قسم.
ووجه الدور: أَنَّا إذا قلنا: يقع العتق المعلَّق المحلوفُ به، لأنَّ هذا لا كفارة فيه بخلاف تعليق النذر المحلوف به = كان هذا تعليلًا لوقوع العتق بعدم الكفارة.
стр. 563
فإذا قيل: وَلِمَ لَمْ تجب فيه الكفارة مع أنه قصد اليمين؟
فقال القائل: لأنَّ هذا التعليق يقع فيه العتق فلا كفارة فيه؛ كان هذا دورًا ممتنعًا، فإنه جَعَلَ علةَ وقوعِ العتق امتناعَ الكفارة فيه، وجعلَ علةَ امتناع الكفارة فيه أنه يقع فيه العتق فلا تقع الكفارةُ؛ فعلل كليهما (١) بالآخر، وهذا دور ممتنع.
ثم هنا طريقان من الكلام:
أحدهما: أَنْ يُقالَ: إذا قلتم على إحدى الروايتين: إنَّ الحالف بعتقِ عبد الغير يلزمه الكفارة = بطل قولكم العام: إنَّ الحلف بالعتق ليس فيه كفارة، وثبت أنه قد يكون فيه كفارة.
والثاني: أنكم إذا قلتم: الحلفُ بالعتق لا يكفَّر، لأنَّ العتق لا كفارة فيه، وقلتم العتق لا كفارة فيه، لأنه قد وقع فلم يكفر = كان هذا دورًا ممتنعًا، ولكن هذا الثاني يدل على بطلان القول، فلم يُخَرِّج منه قولًا في مذهب أحمد بخلافه، وإنما يخرَّج مذهب الرجل من كلامه لا مما يبطل كلامه، بخلاف الوجه الأول فإنه إذا قال على إحدى الروايتين: إنَّ الحلف بعتق عَبْدِ الغير يكفر يمينه دَلَّ على أنه يرى في الحلف بالعتق التكفير، وحينئذٍ فلا يمكن في صورة النزاع أَنْ يُقالَ: العتقُ وقعَ، لأنه لا كفارة في الحلف بالعتق لنصِّهِ على نقيض ذلك في هذه الرواية، والتخريج إنما هو عليها.
وحينئذٍ؛ فنحن إذا أثبتنا الكفارة إذا لم يقع العتق المحلوف به وإلا فلو ثبت لم تجب كفارة، فلو قلنا: العتق المحلوف به يقع لأنه لا كفارة فيه = كُنَّا
стр. 564
قد جعلنا [١٣٠/ ب] عدم الكفارة سببًا لوقوعه، والمقتضي للكفارة قائمٌ وهو الحلف، ولهذا أثبتناها هناك لوجود الحلف فلا بُدَّ أَنْ يفرق بينهما: بأنه هنا وقع العتق فانتفت الكفارة، وهناك لم يقع فوجبت.
وحينئذٍ؛ فيقال: وقوعه إنما يكون إذا لم يمكن التكفير، وإلا فمع إمكان التكفير لا يقع، فلو نفينا الكفارة لوقوعه وأثبتنا وقوعه لانتفاء التكفير = لزم الدور.
وكذلك ــ أيضًا ــ إذا علَّلنا ثبوتَ الكفارةِ بعدمِ العتقِ، وعَلَّلنا وقوع العتق بعدم الكفارة ــ كما في الجواب ــ لزم الدور، فإنَّ ثبوتَ التكفير وثبوت العتق ضدان لا يجتمعان، بل ولا يرتفعان في هذه الصورة، بل إِنْ ثبتَ العتقُ انتفت الكفارة وإن انتفت الكفارة ثبت العتق، والضدان وإِنْ كان كل منهما مشروطًا (١) بعدم الآخر، لكن لا يجوز أن يكونَ كلٌ منهما هو العلة في عدم الآخر، ولا عَدَمُ كلٍ منهما هو العلة في وجود الآخر.
فلا يجوز أَنْ يقالَ: وُجِدَ هذا لعدم هذا وعُدِمَ هذا لوجود هذا، بل إِنْ كان وجود ذاك هو العلة لعدم هذا = امتنع أن يكون عَدَمُ هذا عِلَّةَ وجود ذاك، وإِنْ كان شرطًا له، فليس كلُّ ما كان شرطًا كان علة، فلا يجوز أَنْ نجعل ثبوت الكفارة بعدم وقوع العتق، ونقول: وقع العتق لعدم وجوب الكفارة، فإنه يلزم تعليل وجود هذا بعدم ذاك، وتعليل وجود ذاك بعدم هذا، وهذا النوع من الدور ليس هو دور في الأنواع، والأول دور في الأعيان.
فدور الأعيان: أَنْ يتوقف كلٌّ من الشيئين المعيَّنين على الآخر، وأما
стр. 565
الدور في الأنواع فمثل أَنْ يقال: الموجِبُ للسواد هو عدم البياض، والموجب للبياض هو عدم السواد؛ فهذا نظير قولنا: يقع العتق لعدم الكفارة، وتَلزم الكفارة لعدم العتق، يجعل وجود كُلٍّ من الضدين لأجل عدم الآخر؛ وهذا باطل.
بل الواجب أَنْ يقال: السواد موجبٌ لعدم البياض، والبياضُ موجب لعدم السواد؛ فيقال: وقع العتق فلا كفارة، أو لزمت الكفارة فلا عتق؛ فيكون وجود أحدهما هو المانع من الآخر، لا أَنَّ عدمَ أحدِهما هو الموجب لوجود الآخر، فإن العدم لا يقتضي وجودًا، بل الوجود [١٣١/ أ] يقتضي العدم، وكان هذا دورًا في التعليل والاستدلال، لأنه إذا كان عَدَمُ كلٍّ منهما هو المقتضي لوجود الآخر، وأحدهما لا يُعْدَم إلا مع وجود ضده، فلا يثبت وجود هذا الضد حتى يُعدم الآخر، ولا يُعدم ذاك حتى يوجد هذا، ولا يوجد هذا حتى يعدم ذاك = وهذا هو الدور.
كما إذا قيل: لا تجب الكفارة إلا إذا عدم العتق، ووجود الضدِّ وإن كان ثابتًا مع عدم الآخر، لكن لا يجوز أن يكون عدم كل منهما هو علة وجود الآخر، لأنَّ العلة لا بُدَّ أن تتقدم المعلول، وعَدَمُ أحدِهما هنا لا يكون إلا مع وجود الآخر، لا يجوز أن يتقدم عليه بوجهٍ من الوجوه لا تقدمًا عقليًا ولا وجوديًا = فامتنع أن يكون علةً له، فإذا جُعِلَ علةً له لزم الدور.
وبهذا ظهر الجواب عن قول المعترض: (الدورُ أَنْ يتوقف كلٌّ منهما على الآخر؛ فإنما يصح الدور هنا ــ كما زعم ــ لو كان ثبوت الكفارة معللًا بعدم وقوع العتق، وعدم وقوع العتق معللًا بثبوت الكفارة؛ وحينئذٍ يلزم الدور، إما على ما ذَكَرَ هو من المقدمة الثانية أَنَّ وقوع العتق يعلل بعدم
стр. 566
الكفارة، فكلٌ منهما معللٌ بعدم الآخر، وهذا ليس بدور، فكلٌ من الضدين مشروطٌ بعدم الآخر).
فيقال له: الدور الممتنع أعمُّ من هذا، فإذا كان توقف ثبوت الشيء على نفسه كان دورًا ممتنعًا، وإنما جعل توقفُ كلٍّ منهما على الآخر دورًا لهذا المعنى، فإنه إذا كان كلٌ منهما علةً للآخر = لزمَ ألا يوجد الشيء إلا بعد وجود علته، فلا يوجد ذاك إلا بعد هذا، ولا هذا إلا بعد ذاك، فيلزم ألا يوجد واحد منهما حتى يوجد، فلزم توقف كلٍّ منهما على نفسه وهذا المعنى موجودٌ هنا، فالدور حاصل، لكن التوقف قد يكون بواسطة وقد يكون بغير واسطة؛ فإذا كان وجود أحدهما معللًا بعدم الآخر، والمعلول بعد علته، وعدمُ أحدِهما لا يكون إلا مع وجود الآخر ــ إذ التقدير هذا ــ فإنَّ هذين الضدين لا يجتمعان ولا يرتفعان، بل لا بُدَّ في الحلف بالعتق؛ إما من العتق وإما من الكفارة، فلا يجتمعان ولا يرتفعان، بل هذا الذي يقال فيه: مانعة (١) الجمع والخلو (٢).
فالحالف بالعتق إما أَنْ يُعتق وإما أَنْ يُكفِّر؛ كما يقال: العددُ إما شفعٌ وإما وتر، فإنْ وَجَبَ العتقُ لم تجب الكفارة، وإن وجبت (٣) [الكفارة لم يجب
стр. 567
العتق، وإن لم يجب العتق وجبت الكفارة، وإن لم تجب الكفارة وجب العتق، فاستثناء عينِ كلٍّ منهما يستلزم نقيض الآخر، واستثناء نقيضِ كلٍّ منهما يستلزم عين الآخر، كما إذا قيل: إن كان شفعًا لم يكن وترًا وإن كان وترًا لم يكن شفعًا، وإن لم يكن شفعًا كان وترًا وإن لم يكن وترًا كان شفعًا.
وإذا كان كذلك: امتنع في مثل هذا أَنْ يُجعل عدمُ كلٍّ منهما علةً لوجود الآخر، أو وجود كل منهما علة للآخر، لأنَّ العلة تتقدم المعلول، فلا يوجد أحدهما إلا في حال عدم الآخر، فلا يكون متقدمًا عليه، ولا يعدم أحدهما إلا في حال وجود الآخر، فلا يكون متقدمًا عليه (١).
فإذا قلنا: عدم هذا علةُ وجود ذاك، وعدم ذاك علة وجود هذا = كان وجود ذاك بعدَ عَدَمِ هذا وعَدَمُ هذا قبل وجود ذاك، وكان وجودُ هذا بعد عدم ذاك وعدم ذاك قبل وجود هذا.
ومعلومٌ أَنَّ وجود كلٍّ منهما وعدم الآخر متلازمان، لا يسبق أحدهما الآخر، وحينئذٍ؛ فإذا جُعِلَ وجودُ ذاك بعد عدم هذا وعدم هذا مع وجود ذاك، فقد جعل وجود الشيء بعد وجوده، وقيل: إنه لا يوجد حتى يوجد.
وقوله: (إذا كان كل منهما معللًا] بعدم الآخر فليس هذا بدور، فإنَّ كلًا من الضدين مشروط بعدم الآخر) كلام من لم يفهم الدور [١٣١/ ب] الممتنع والجائز، والفرق بين العلة والشرط؛ فإن العلة غير الشرط، فإن الشرط يقارن المشروط، بخلاف العلة فإنها تتقدم المعلول (٢).
стр. 568
والدور في الشروط جائز وهو الدور الاقتراني، والدور في العلل غير جائز وهو الدور السبقي (١)، فإذا قيل: لا يوجد هذا إلا بعد ذاك ولا يوجد ذاك إلا بعد هذا = كان هذا ممتنعًا، بخلاف ما إذا قيل: لا يوجد ذاك إلا مع هذا ولا هذا إلا مع ذاك، فإنَّ هذا جائزٌ، كما إذا قيل: لا توجد الأبوَّة إلا مع البنوة ولا البنوة إلا مع الأبوة، فإنَّ هذا جائزٌ، بخلافِ ما إذا قيل: لا توجد الأبوة إلا بعد البنوة ولا البنوة إلا بعد الأبوة، فإنَّ هذا ممتنع، وهنا لو قيل: لا يكون وجوب الكفارة إلا مع عدم العتق ولا العتق إلا مع [عدم] (٢) وجوب الكفارة= كانَ صحيحًا.
وأما إذا قيل في تعليق الحلف بالعتق: الكفارة واجبة، لأنَّ العتقَ لم يقع، وقيل: العتق واقع لأن الكفارة لم تجب؛ فهذا باطل، فإنَّ الحلف بالعتق، إما أَنْ تكون الكفارة فيه مشروعة وإما أن [١٣١/ ب/ ب] (٣) لا تكون، فإنْ لم تكن مشروعة = كان الواجب أَنْ يقال: يقع العتق لامتناع الكفارة، وقيل: تجب الكفارة لامتناع العتق؛ مع أنَّ وقوع العتق وامتناع الكفارة متلازمان لا يسبق أحدهما الآخر = كان هذا دورًا باطلًا، لأنَّ امتناع الكفارة
стр. 569
لا يكون إلا مع وقوع العتق، فكأنه قيل: يقع العتق لوقوع العتق، فَجَعَلَ وجودَ الشيء متقدمًا لوجود نفسه، بل علةً لوجود نفسه؛ وهذا من أظهر الدور الممتنع.
* * * *
стр. 570
فصلٌ
قال المعترض:
(ولا نُسَلِّمُ أَنَّ مرادَ أحمد تعليلَ وقوع العتق بعدم الكفارة، وكيف تَخَيَّلَ ذلك؟ بل علةُ وقوعِ العتق: التعليقُ، وإنما أشار أحمد إلى أَنَّ الوقوع والكفارة مما لا يجتمعان؛ فحيث كانت اليمين مما تَقْبَلُ وقوعَ المعلَّق ــ كالطلاق والعتق المعلقين في المملوك ــ فلا كفارة فيهما، فحينئذٍ يَحكمُ بوقوعِ العتقِ، وحيث كانت اليمين مما لا يقبل الوقوع كالحلف بعتقِ عبد غيره [١٣٢/ أ] فيحكم بالكفارة لعدم المانع منها؛ وهو وقوع العتق) (١).
والجواب أَنْ يقالَ له:
مراد أحمد ﵁ في ذلك ظاهر؛ فإنه قد تقدم في كلامه غير مرة أنه علل وقوع الطلاق والعتاق بأنهما لا يكفران، ولا يجوز أَنْ يعلل بكونه تعليقًا ــ كما ذكره ــ، فإنَّ نذرَ اللجاج والغضب تعليق ــ أيضًا ــ وفيه الكفارة عند أحمد وجمهور السلف والخلف؛ فأحمد لم يعلل وجوب الكفارة بكونه تعليقًا، والتعليل بذلك لا يصح، بل يظهر فساده فإنه أجاب في أكثر صور التعليق الذي يقصد به اليمين بالكفارة، وفَرَّقَ بينَ تعليقِ النذر وتعليق العتق، فلا بُدَّ أَنْ يُفَرِّقَ بوصف يخص العتق والطلاق، فكيف يقوِّلُهُ ما لم يقله ــ وهو قول باطلٌ ظاهر البطلان ــ وَيَدَعُ قولَهُ المنصوص عنه؟!
وأما قوله: (وإنما أشار إلى أنَّ الوقوع والكفارة مما لا يجتمعان؛ فحيث كانت اليمين مما (٢) تقبل وقوع المعلَّق ــ كالطلاق والعتق المعلَّقين في
стр. 571
المملوك ــ فلا كفارة فيهما، فحينئذٍ نحكم بوقوع العتق، وحيث كانت اليمين مما لا يقبل الوقوع كالحلف بعتق عبد غيره نحكم بالكفارة لعدم المانع منهما وهو وقوع العتق).
فيقال له: كون الوقوع والكفارة مما لا يجتمعان ظاهرٌ معروف لا يحتاج إلى تبيينه (١) أحمد، وأما الذي يحتاج إلى البيان انتفاء الكفارة تارة وثبوتها أخرى، وقد علل ذلك بأنَّ العتق واقع، وإذا وقع امتنعت الكفارة بخلاف الحلف بعتق عبد الغير فإنه لا يقع؛ فلهذا كفر.
فيقال ــ حينئذٍ ــ: إذا كان الحلف بالعتق يقبل التكفير، فلماذا لم يكفر الحالف بعتق عبده؟ ولم قلتم: إنه وقع فلا يقبل التكفير؟ ولا يجوز تعليل وقوعه بعدم التكفير، لأنه قد علل وجوب الكفارة في الحلف بالعتق بعدم وقوع العتق فيما إذا حلف بعتق عبد الغير = فصار عدم وقوع العتق في الحلف علة لوجوب الكفارة.
وأعني بالعلة: ما هو [١٣٢/ ب] أعم من العلة القاصرة (٢)، أو جزء العلة وهو: السبب الذي يضاف إليه الحكم.
فإنَّ الكفارة إنما وجبت لكونه عقد يمينًا بعتقٍ وإنه لم يجعل العتق يوجب الكفارة لمجموع الأمرين، ودَلَّ ذلك على أَنَّ الحلف بالعتق مما يسوغ فيه الكفارة، فلا يقال: الحلف بالعتق لا كفارة فيه بحال، لكن إنما
стр. 572
وجبت الكفارة مع عدم حصول العتق فإنهما لا يجتمعان.
وحينئذٍ؛ فلا يجوز أن يقال في صورة النزاع: يقع العتق المحلوف به، لأنَّ العتق لا كفارة فيه.
وأما الفَرْقُ بكون العتق هنا ممكنًا لكونه صادفَ ملك العتق، بخلاف تلك الصورة فإنه واقع في ملك الغير.
فيقال: هذه علة صحيحة تقتضي وقوع العتق في ملكه دون ملك الغير، لا تقتضي ثبوت الكفارة (١) في الحلف بعتق عبد الغير، ولا تقتضي وقوع العتق في الحلف بعتق عبده إنْ لم يثبت أَنَّ الحلفَ بالعتق إعتاق، وهذا محل النزاع.
وإنْ قيل: بل الحلف بالعتق يقتضي العتق إِنْ أمكن وإلا فالتكفير.
قيل: اقتضاؤه للتكفير يوجب أَنْ يكون يمينًا، وحينئذٍ؛ فمقتضى اليمين التكفير، والحكم الواحد يكون له علتان (٢)؛ فعتق عبد الغير المحلوفِ به أوجب الكفارة لكونه محلوفًا به، فلو كان الحلف بالعتق ليس سببًا للكفارة لامتنع (٣) وجوب الكفارة.
فَعُلِمَ أنه على هذا القول لا بُدَّ إما من الإعتاق وإما من الكفارة، وحينئذٍ؛ فلا يقال في صورة النزاع: العتق لا كفارة فيه.
стр. 573
وإن قيل هنا: العبد مملوك له.
قيل: هب أنه مملوك له؛ لكن أين السبب التام المقتضي لإعتاقه إنما وجد يمين؟
فإنْ قلت: اليمين إعتاق؛ لزم إذا كانت بعبد الغير ألا تقع ولا كفارة فيها، لأن إعتاق عبد الغير لا كفارة فيه.
وإِنْ قلتَ: هي يمين، واليمين لا كفارة فيها = انتقضت بهذه الصورة.
وإِنْ قلتَ: هي يمين بعتق، فقيل: العتقُ وملك غيره (١) عقد لا يقبل العتق، قيل: وكونه قابلًا للعتق يقتضي [١٣٣/ أ] أنَّ الحالف يمكنه أَنْ يعتقه وأَنْ يكفر، لا يقتضي وقوع العتق، وهذا فرقٌ صحيح؛ فإنه هنا يخير بين الإعتاق والتكفير، وهناك يتعين التكفير على هذه الرواية، فأما أَنْ يقال: كونه قابلًا للعتق وصفٌ موجب لوقوع العتق= فليس كذلك.
ونكتة المسألة: أَنَّ الحلف إن كان إعتاقًا فلا كفارة فيه إذا لم يقع، وإن كان يمينًا ففيه الكفارة مطلقًا، لكن إِنْ أمكنَ إيقاعُهُ خُيِّرَ بين التكفير والإيقاع، وإِنْ تَعَذَّرَ تعيَّن (٢) التكفير؛ فهذا مقتضى الأصول لمن تَدَبَّرَ ذلك؛ والله أعلم.
стр. 574
فصلٌ
قال: (ثم إِنَّ غاية هذا الوجه ــ لو صح ــ إثبات التناقض بين كلامَي إمامه، ولزوم الدور له في تعليله، وهذا ليس دأب المخرِّجين، بل التخريج استنباطٌ مما يدل عليه كلام الإمام؛ والله أعلم) (١).
والجواب عنه من وجوه:
أحدها: أَنْ يقال: هذا التناقض كما أنه لازمٌ لأحمدَ ﵁ فهو لازمٌ لسائر الأئمة ﵃ ألزم وألزم، فإنه ليس من الفقهاء أحدٌ إلا وهو يجعل هذا التعليق يمينًا في بعض الأحكام؛ فمنهم من يجعله يمينًا في الإيلاء، والإيلاء هو اليمين، قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ الآية [البقرة: ٢٢٦]، وجمهورهم يقولون: الحالف بهذه مولٍ، ثم منهم مَنْ يدرجها في لفظ الإيلاء، ومنهم مَنْ يقولُ الحكمُ فيها يثبت قياسًا؛ وعلى التقديرين يلزمهم مثل ذلك في الكفارة، فإنْ كانَ لفظ الإيلاء يعم هذا، فكذلك لفظ اليمين.
وإن قالوا: أثبتنا به حكم الإيلاء بمعنى المشترك، فالمعنى المشترك هو الموجب للكفارة؛ فإنهم إذًا نظروا إلى المعنى الموجب للكفارة.
فإنهم إذا قالوا: حكمُ الإيلاء ثبت لرفع الضرر عن المرأة إذا امتنع من جماعها باليمين، وامتناعه بما يلزمه من الطلاق أشد.
قيل لهم:
أولًا: إذا جعلتموه موليًا لزمكم أَنْ تحكموا فيه بخلاف حكم الله ــ
стр. 575
تعالى ــ في المولي، فإنَّ الله ــ ــ خَيَّرَ المولي بين إمساكٍ بمعروف وتسريحٍ بإحسان؛ [١٣٣/ ب] فهو مخيرٌ بين أَنْ يفيءَ ويكفِّر وبين أَنْ يطلِّق، وإذا آلى (١) بالطلاق الثلاث لزمه الطلاق عندكم سواء فاء أو لم يف، فإنه إِنْ فاءَ بوطءٍ طلقت عندكم، وإِنْ انقضت المدة لزمه عندكم أَنْ يطلق أو يفيء فيطلق امرأته، فلزمه الطلاق على كل حال، وهذا خلاف حكم القرآن.
وأيضًا؛ فعلى هذا التقدير: لا يَبقى في تربص أربعة أشهر فائدة لا للرجل ولا للمرأة، فإنَّ الرجلَ يلزمه الطلاق بكل حال، والمرأة ليس لها فائدة في مقامها معه مع لزوم الطلاق، ولا يحصل لها إلا وطأة واحدة على أحد قوليهم، فإنه إذا آلى بالطلاق المحرم؛ فهل يجوز له وطؤها؟ على قولين مشهورين، وهما روايتان عن أحمد، أحدهما: يجوز كقول الشافعي ﵁، والثاني: لا يجوز كقول مالك ﵁؛ ومأخذهما: أنَّ النزع هل هو محرم أو ترك للمحرم؟
وأيضًا؛ فإنْ آلى بالعتق وقيل يلزمه ذلك أو آلى بغيره؛ فمعلومٌ أنه إنما لزمه حكم الإيلاء لأجل رفع الضرر عن المرأة، وهذا هو المعنى الموجود في الإيلاء باسم الله ــ تعالى ــ.
ومعلومٌ أن الله ــ ــ إنما شرع للمسلمين تحلة أيمانهم لما عليهم من الحرج من الإلزام بمقتضى اليمين من غير تحلة، فإنَّ الناسَ يحلفون على ترك حاجاتٍ (٢) يتضررون بتركها، وعلى ترك بِرٍّ يفوتُ مصلحة دينهم ودنياهم
стр. 576
بتركه، ولهذا نهاهم أن يجعلوا اليمين مانعةً من فعل الخير بقوله: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا [وَتَتَّقُوا] (١) وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ٢٢٤]، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢]، وهذه نزلت في أبي بكر ﵁ وكان قد حَلَفَ ألا ينفق على مِسْطَح بن أثاثة لما خاض في أمر الإفك (٢).
والنهي عن الإيلاء نهيٌ عن الإصرار على اليمين إذا كان قد عقدها، وأَمْرٌ له بالتكفير؛ ومعلومٌ أَنَّ هذا كله [١٣٤/ أ] لئلا تمنعهم الأيمان من فعل الطاعات والمباحات، فشرعت الكفارة لذلك، وهذا المعنى موجود في جميع الأيمان، فلو كان من الأيمان ما لا يخرج منها ولا كفارة فيها = لامتنعوا بها من فعل الطاعات والمباحات، وحصل بذلك من المفسدة في الحلف باسم الله.
فإنَّ الناس يكرهون طلاق نسائهم وعتق عبيدهم ونحو ذلك أعظم مما يكرهون غيره، فيكون امتناعهم بهذه الأيمان ــ إِنْ لم تكن مكفرة ــ عن (٣) البر والتقوى والإصلاح بين الناس أعظم، ويكون امتناعهم إذا ابتلوا بها أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله أعظم، والفساد الحاصل إذا لم تكن هذه الأيمان مكفرة في امتناع الناس بها مما يحبه الله أعظم
стр. 577
وأعظم، والشارع قصده زوال ذلك الفساد.
وكما أَنَّ المولي امتنع بيمينه من وطء امرأته، فالحالفون يمتنعون بأيمانهم من حقوقٍ لله ولعباده أعظم من وطء المرأة، يحلف أحدهم ألا يقضي حقوقًا واجبة عليه لله ــ تعالى ــ ولأبويه ولغيرهما؛ فإذا كان دفع الضرر عن امرأةٍ أَثبتَ حكم الإيلاء في جميع الأيمان، فقصد دفع الضرر عن جميع الخلق أولى أَنْ يُثبِتَ حكمَ التكفير في جميع الأيمان؛ وبسط هذا له موضع آخر (١).
والمقصود هنا: أَنَّ جميع العلماء أعطوا هذه التعليقات حكم الأيمان في بعض المواضع، ومن ذلك: أَنَّ جمهورهم يجوِّزُون فيها الاستثناء، ومن ذلك أَنَّ التعليق الذي يحلف فيه بالكفر جعله جميعهم يمينًا لا تعليقًا موجبًا للكفر، ثم منهم مَنْ قال: هو يمين مكفَّرة لأنه التزم (٢) هتك حرمة أيمانه، ومنهم من قال: ليس يمينًا (٣) مكفرة.
ومنها: أَنَّ جمهور العلماء يقولون: إِنَّ تعليق النذر الذي يقصد به اليمين يمين تجري فيها الكفارة، وهذا المعنى موجود في الحلف بالعتق والطلاق.
ومنها: أَنَّ أكثرهم ــ أيضًا ــ كأبي حنيفة ﵁ وأصحاب الشافعي الخراسانيين ــ رضي الله [١٣٤/ ب] عنهم ــ فَرَّقُوا بين تنجيز الشيء وبين تعليقه على وجه اليمين، كما في نذر المعصية والمباح، فإذا نذر ذلك لا على
стр. 578
وجه اليمين لم يلزموه بشيءٍ، وإذا قال: إِنْ فعلتُ كذا فلله عليَّ أَنْ أُطلِّقَ امرأتي؛ ألزموه بكفارة يمين، ففرَّقُوا بين أَنْ يقول: عليَّ أَنْ أُطلِّقَ، وبين أنْ يقول: إِنْ فعلتُ فعليَّ أَنْ أُطلِّق.
كما فرَّق أحمد في إحدى الروايتين بين أَنْ يقول: غلامُ فلان حر، وبين أَنْ يقول: غلام فلان حر لأفعلن كذا؛ فجعلوا التعليق الذي يقصد به اليمين يمينًا مكفرة وإنْ كان المعلَّق لا يَلزم بِهِ شيء إذا كان منجزًا غير معلق بحيث لم يقصد به اليمين؛ فَعُلِمَ أَنَّ قصد اليمين مؤثر عندهم في لزوم الكفارة.
وأيضًا؛ فالشافعي وغيره يلزمه من التناقض أكثر مما (١) يلزم أحمد، فإنه جعل هذا التعليق الذي يقصد به اليمين من باب الأيمان، وأَنَّ القياس يقتضي أن فيه كفارة يمين كما هو قول عائشة ﵂ وعدد من أصحاب رسول الله ﷺ ، وهذا قالوه في قصة ليلى بنت العجماء وفيها العتق، ومعنى اليمين موجود في ذلك.
والشافعي ــ أيضًا ــ يقول: إنَّ الطلاق والعتاق لا يكفران، لا إيقاعًا ولا حلفًا، كما قال أحمد مع وجود معنى اليمين في الحلف بهما؛ فالتناقض في هذا لازمٌ لكلِّ مَنْ خالف القول الثابت عن الصحابة الذي دل عليه الكتاب والسنة والاعتبار.
والجواب الثاني أَنْ يقالَ: التخريجُ هو: استنباطٌ مما دَلَّ عليه كلام الإمام، لكن إن لم يكن له في صورةِ التخريج نصٌّ جُعِلَ ذلك قياس قوله ومقتضاه، وإنْ كان خلاف نَصِّهِ جُعِلَ ذلك قولًا مخرجًا له خلاف
стр. 579
المنصوص؛ كما يفعل ذلك كبراء أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما إذا وجدوا للإمام نصًّا في مسألة، ووجدوا له نصًّا في أخرى مثلها بخلاف ذلك= خَرَّجُوا له فيهما قولين، والقولان متناقضان، ولا يمنع تناقض قول الإمام أَنْ يكون في ذلك قولان مخرجان، كما لو نَصَّ على قولين متناقضين (١).
فالأئمة كلهم ــ الأربعة وغيرهم ــ يكون لأحدهم في المسألة الواحدة قولان [١٣٥/ أ] صريحان متناقضان، ولا يمنع تناقضهما أَنْ يكونا قولين له، لأنَّ العلماء ليسوا بأنبياء معصومين، وإنما هم مجتهدون، وإذا لم يكن في المسألة إلا قولان = كان القول الموافق لحكم الله ورسوله أحدهما دون الآخر، وصاحب القول الآخر مأجورٌ على اجتهاده وخطؤه مغفورٌ له؛ فمن يجعل تناقض أقوال العلماء مانعًا من حكاية الأقوال المتناقضة عنهم = كان هذا مخالفًا لما عليه عامةُ العلماء في حكايتهم عن العالم الواحد عدة أقوال متناقضة.
ومعلومٌ أنه لا يعتقد القولين المتناقضين في وقت واحد، بل يعتقد هذا في وقت وهذا في وقت، وقد يقول في الوقت الواحد قولان، ويكون معنى ذلك التوقف؛ هل يقول بهذا أو بهذا؟ وأَنَّ المسألة تحتمل هذا وهذا، ليس مراده الجزم بأنَّ هذا قوله وهذا قوله؛ فإنَّ هذا لا يقوله عاقل، وهذا معنى قول الشافعي في المسألة قولان، وهذا يقوله أحمد ــ أيضًا ــ، وقد يذكر الأقوال ولا يرجح واحدًا منها، وإذا توقف جَعَلَ أصحابُهُ المسألةَ على
стр. 580
وجهين (١).
والتوقف إذا كان مع المعرفة بالقولين ودليلهما ومَنْ قالهما كانَ هذا من علم العلماء المجتهدين، وأما إنْ كان مع عدم العلم بشيء من ذلك فهذا توقف الجاهل، وإن كان مع المعرفة بالنقل فيهما دون المعرفة بأدلتهما كان هذا مِنْ علم الحافظين لأقوال العلماء ومذاهبهم، وهو ــ أيضًا ــ علمٌ يستفاد وإن كان دون المعرفة بدليل كلٍّ من القولين (٢).
الجواب الثالث أَنْ نقول:
قوله: (غاية هذا إثبات التناقض بين كلامَي إمامه) إما أَنْ يكون مقصوده الطعن في التخريج (٣).
стр. 581
وكلاهما باطل؛ أما الأول فلأنَّ الأقوال الصريحة المتناقضة المنقولة عن الأئمة لا توجب الطعن فيهم بالاتفاق، بل تدل على تغيُّرِ اجتهادهم، وكثرة نظرهم، واتباعهم الحق إذا ظهر لهم، وإذا كان التناقض الصريح على هذا الوجه ليس طعنًا؛ فالتناقض المستنبط أولى.
وأما التخريج؛ فهذا حالُ كُلِّ مَنْ خَرَّجَ لإمامٍ من الأئمة قولًا مخالفًا لقوله [١٣٥/ ب] المنصوص، فإنه إنما يخرجه من نَصٍّ آخر يناقض النص الأول؛ فقول المعترض: (ليس دأب المخرجين) إما جهلٌ بالتخريج وإما تجاهل.
وقوله: (إنَّ التخريج استنباطٌ مما يدل عليه كلام الإمام) كلامٌ صحيح، لكنه استنباط مما يدل عليه كلامه، مع أَنَّ له كلامًا آخر يخالف ذلك الكلام، فهو تخريج من ذلك الكلام المخالف لهذا الكلام.
وأحمد ــ رحمه الله تعالى ــ قد اختلف كلامه في الحلف بالطلاق والعتاق؛ هل هما من الأيمان أم لا؟ فتارةً يجعلهما من الأيمان فيجوِّز فيهما الاستثناء، وتارةً لا يجوِّز فيهما الاستثناء، وتارة يقول: إنه ينعقد بها الإيلاء، وتارة يقول: لا ينعقد بهما الإيلاء، ولما ذكر أن الحالف بعتقِ عبد غيره يكفر كفارة يمين = دَلَّت هذه الرواية على أنه جعل الحلف بالعتق من الأيمان؛ وهو المطلوب، ولهذا صار مثل هذا يجعل قولًا مخرجًا مخالفًا للقول المنصوص.
стр. 582
وقد اختلف أصحاب أحمد وغيرهم من العلماء؛ هل يُحكى المذهب عن العالم بالقياس والتعليل؟ فمن أصحاب أحمد مَنْ يُثبت له أقوالًا بالقياس على قوله؛ كالأثرم والحربي وابن حامد والقاضي وأكثرهم، ومنهم مَنْ لا يُثبت ذلك؛ كما ذكره ابن حامد عن الخلال وصاحبه، وذكر القاضي أَنَّ هذا مبنيٌ على مسألة تخصيص العلة (١).
* * * *
стр. 583
فصلٌ
قال المعترض:
(قال المجيب:
الوجه الرابع: أَنَّ أحمد قد أطلق في مواضع كثيرة أنَّ كل ما قُصِدَ به اليمين ففيه الكفارة.
قال الكرماني: سمعت أحمد قال في رجل قال: عليَّ المشيُ إلى بيت الله وهو مُحْرِمٌ بحجةٍ وأهدى فلانًا ونحو هذا. قال: أَنَا أذهبُ إلى أنه كل ما أراد به عقد اليمين يريد بها يمينًا = فهي يمينٌ تُكَفَّر (١).
وقال إسماعيل بن سعيد: سألت أحمدَ عن النذور والأَيمان، فقال: كل من عقد شيئًا من اليمين فهو على ما أراد من ذلك، حتى يكون معناه معنى النذور، فإذا كان معناه معنى النذور وجهة القربة = فعلى ما قال أبو لبابة للنبي ﷺ إِنَّ مِنْ توبتي أَنْ أَنخلع من مالي صدقة لله وأهجر دار قومي، فقال النبي [١٣٦/ أ] ﷺ : «يجزئك من ذلك الثلث» (٢)؛ فَمَنْ عَقَدَ يمينًا يريد اليمين فهو
стр. 584
على ما عقد وإن كان من جهة النذر، كأخت (١) عقبة بن عامر قال النبي ﷺ : «مُرْهَا فلتكفر (٢)، وتصوم ثلاثة أيام» (٣) فأمرها بالتكفير لتعذيبها نفسها، وبإنفاذ ما أوجبت على نفسها (٤).
فقد بَيَّنَ أحمد: أَنَّ الاعتبار في لفظ الأيمان والنذور بقصد الرجل ومراده؛ فكل مَنْ عَقَدَ شيئًا من اليمين فهو على ما أراد من اليمين، وإن كان صيغته صيغة الشرط والجزاء؛ كقوله: إِنْ فعلتُ كذا فعليَّ كذا؛ حتى يكون مراده معنى النذر والتقرب إلى الله ــ تعالى ــ لا الحلف بذلك، كحديث أبي لبابة، فهذا يلزمه الوفاء، لكن إذا نذر الصدقة بماله كُلِّهِ أجزأه الثلث، وأما إن كان مراده اليمين فهو على ما عقد (٥) يكون يمينًا، وإذا كان نذرًا فإنه يُكَفِّرُ مع العجز، كحديث أخت عقبة بن عامر.
وهذا الكلام يقتضي [أنَّ] (٦) الاعتبار في باب الأيمان والنذور بمراد الإنسان ومقصوده (٧)، فإذا كانت صيغته صيغة الشرط والجزاء، فتارة يقصد النذر وتارة يقصد الحلف؛ فالأول كقوله: إِنْ شَفَى الله مريضي تصدقت بكذا،
стр. 585
والثاني كقوله: لا أكلم فلانًا وإِنْ كلمتُهُ فعليَّ كذا، وكذلك إِنْ كانت صيغتُهُ صيغةَ القسم ومقصوده اليمين أجزأته الكفارة، وإِنْ كان مقصوده النذر لزمه الوفاء لقوله [تعالى]: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ الآية [التوبة: ٧٥].
وعلى هذا؛ فإذا حَلَفَ على أفعال بِرٍّ ليفعلنَّها فقد نذرها، فإنَّ القَسَمَ زادها توكيدًا؛ فإذا قال: إِنْ سَلَّمَ الله مالي تصدقت، أو قال: والله لإنْ سَلَّمَ الله مالي لأتصدقنَّ = كان هذا نذرًا مؤكدًا، كالذين ذكرهم الله في كتابه.
وإذا قال: إِنْ شَفَى الله مريضي، أو سَلَّمَ غائبي فعليَّ صدقة = كان هذا نذرًا.
وإِنْ قال: إِنْ كلمتُ فلانًا أو زَوَّجْتُ فلانًا ونحو ذلك فعليَّ صدقة = فهذا حالفٌ لا ناذرٌ.
قال (١): قلتُ: قد طَوَّلَ في هذا الوجه؛ وملخَّصُهُ وملخَّصُ النصوص المنقولة فيه عن أحمد تُبيِّن ما يكون يمينًا وما يكون نذرًا، ويتحصَّلُ له من ذلك: أَنَّ تعليق الطلاق والعتق على وجه [١٣٦/ ب] الحث أو المنع داخلٌ في قسم اليمين ولا نزاع في ذلك؛ فقد تقدم استثناء أحمد لهما من الأيمان التي يجب فيها الكفارة، والاشتغال بعد ذلك بتقرير ما يدل من كلامه على أنهما من الأيمان لا يُجدي؛ غايته: أنْ يضم إليه أَنَّ كُلَّ يمين مكفَّرة، وهو الوجه الذي نازعناه في إرادة العموم منه، وأَنَّ النصوص الخاصة عن أحمد مُقَدَّمَةٌ عليه.
ثم إِنَّهُ في هذا الفصل لم يمثِّل اليمين بعد التلخيص من كلام أحمد إلا
стр. 586
بقوله: لا أُكَلِّم فلانًا وإِنْ كلمته فعليَّ كذا؛ ولا نزاع في هذين المثالين أنه يتخلص (١) بالكفارة إلا عند القائلين بوجوب الوفاء بما نذر، وهو قول ضعيف.
وسكت عن الصيغة التي هي محل النزاع؛ وهي قوله: إِنْ فعلتُ كذا فعبدي حر، وأحمد ــ رحمه الله تعالى ــ لم يُرِد هذه الصورة؛ فإنَّ النصوص التي نقلها عنه في هذا الفصل مشعرةٌ بأنه إنما أراد تقسيم ما يلتزمه الشخص إلى ما هو يمين وإلى ما هو نَذْرٌ، وتعليق الطلاق والعتاق ليس بالتزام على ما سنبينه، فلم يدخل في مورد التقسيم) (٢).
والجواب من وجوه:
أحدها: قوله: (وَيَتَحَصَّلُ له من ذلك أن تعليق الطلاق والعتاق على وجه الحث والمنع داخلٌ في قسم اليمين ولا نزاع في ذلك).
فيقال له: ليس كُلُّ من علَّق الطلاق والعتاق على وجه الحث والمنع يكون حالفًا، بل ولا يسمى حالفًا إلا إذا كان كارهًا للزوم الجزاء عند الشرط، وكذلك في تعليق النذر المعين لا يكون التعليق يمينًا إلا إذا كان كارهًا للزوم ما عَلَّقَهُ.
وأحمد لم يقل كل من قصد الحث والمنع كان حالفًا، فلا وجه لحكاية ذلك عنه، وإنما قال: أنا أذهب إلى أنه كل ما أراد به عقد اليمين فهي يمين مكفرة، وقال: كل من عقد شيئًا من اليمين فهو على ما أراد حتى يكون معناه
стр. 587
معنى النذر، فإذا كان معناه معنى النذر وجهة القربة فعلى حديث أبي لبابة، فَمَنْ عَقَدَ يمينًا يريد اليمين فهو على ما عقد، وإن كان من جهة النذر؛ كقول أخت عقبة بن [١٣٧/ أ] عامر أمرها بالتكفير لتعذيبها نفسها وبإنفاذ ما أوجبت على نفسها؛ فأحمد اعتبر قصده اليمين.
والقاصد لليمين لا يكون قاصدًا لليمين حتى يكون كارهًا للزوم ما عَلَّقَهُ وإِنْ وُجِدَ الشرط، فالحالف يريد الحض والمنع، ولا يريد لزوم ما عَلَّقَهُ، بل عَلَّقَهُ ليكون حاضًّا ومانعًا، وأما الناذرُ فيريد ما علَّقه، كذلك تعليق الطلاق والعتاق إذا كان حالفًا لم يكن مريدًا لهما، وإن كان موقعًا كان مريدًا لهما.
الثاني: قوله: (ولا نزاع في ذلك).
فيقال له: بل أنت تُنازع في كون هذه التعاليق أيمانًا في الشرع واللغة، وتَزعم أن تسمية ذلك أيمانًا اصطلاح، فقولك: لا نزاع في ذلك من العجائب!
وإِنْ أراد أنه لا نزاع في ذلك في مذهب أحمد، فليس الأمر كذلك؛ بل نقول:
الوجه الثالث: أَنَّ أحمد قد اختلف كلامه كما اختلف كلام غيره من الأئمة؛ فتارة يجعل تعليق الطلاق والعتاق الذي يقصد به اليمين يمينًا، وتارة لا يجعله يمينًا.
وأما تعليق النذر الذي يقصد به اليمين: فعامة نصوصه على أنه يمين، فإنه جعله يمينًا في الكفارة بلا نزاعٍ عنه، وكذلك في الاستثناء هو يمين بلا ريب.
стр. 588
وأما في الإيلاء فلأصحابه طريقان: فأبو بكر (١) عبد العزيز يجعل ذلك إيلاءً عنده؛ فإنَّ الإيلاءَ في المشهور عنه [ملحقٌ] (٢) باليمين المكفرة، وهذا يمين مكفَّرةٌ عنده بلا نزاع فيكون إيلاء، وأما الخرقي والقاضي وغيرهما فلا يجعلون الإيلاء إلا ما كان باسم الله ــ تعالى ــ خاصة (٣).
وقد نقل عن أحمد ــ رحمة الله عليه ــ ما يدل على كل واحدةٍ من الطريقتين، بل عنه روايتان صريحتان في الإيلاء بالظهار والحرام وهل تكفر (٤)، لكن يكفر على المنصوص عنه بالكفارة الكبرى لا بكفارة اليمين، ولم أجد عنه نصًّا صريحًا في الحلف بالنذر أنه ليس بإيلاء، لكن نُقِلَ عنه أَنَّ الإيلاءَ إنما يكون في الحلف بالله ــ تعالى ــ، ونقل عنه: إنما يكون في الأيمان، والطلاق والعتاق ليسا من الأيمان لأنهما لا يكفران، ولهذا ذُكِرَ عنه [١٣٧/ ب] في الإيلاء ثلاث روايات: رواية: أنه يكون بكل يمين، وثانية: بكل يمين مكفرة، وثالثة: بالحلف باسم الله، وفي كلامه ما يقتضي رواية رابعة: أنه بما يكون فيه كفارة يمين.
وقد جَعَلَ في الحلف بالطلاق الاستثناء تارة لأنه من الأيمان، وتارة قال: ليس من الأيمان فلا استثناء فيه؛ فكيف يقال: إنه لا نزاع في مذهبه أنهما من الأيمان؟!
стр. 589
وإذا كان النزاع عنه بذلك معروفًا فَذَكَرْنَا من كلامه ما يؤيد إحدى الروايتين، وهي أَنَّ أصوله ونصوصه المذكورة تؤيد القول بأنهما من الأيمان، لأنَّ المرجع في الفرق بين اليمين والنذر عنده إلى مقصود المعلِّق، وأن كل ما قصد به اليمين فهو عنده يمين؛ وهذا المعنى عام وهو القول الذي نصرناه، وإذا كان جميع ذلك أيمانًا، فكل يمين فهي مكفرة، وهذا هو الذي نصره المجيب وبَيَّنَ أَنَّ الذي دل عليه الكتاب والسنة أن جميع أيمان المسلمين مكفرة، وأَنَّ تقسيم أيمان المسلمين إلى مكفرة وغير مكفرة = تقسيمٌ مخالف للكتاب والسنة والاعتبار، وهي مكفرة بكفارة الأيمان.
الوجه الرابع: قوله: (تقدم استثناء أحمد لهما من الأيمان التي تجب فيها الكفارة) إنما يدل على أن المنصوص عنه أنه لا كفارة فيهما، وهذا مما قد بينه المجيب، ولكن لا يمنع أَنْ يُخرَّج له قول آخر من نصوصه وأصوله بالكفارة، كسائر المسائل التي يجيب العالم فيها بجواب ويكون له نص في مسألة أخرى يقتضي قولًا آخر (١).
فلو كان المجيب ادعى أَنَّ أحمد نَصَّ على الكفارة لكان كلام المعترض مُوَجَّهًا، وأما مع ذكره أن منصوصه هو عدم الكفارة، ولكن القول الآخر مخرج (٢) من أصوله ونصوصٍ له أخرى خروجًا لازمًا؛ فهذا إنما يكون جوابه بأنْ يبين أَنَّ ذلك لا يلزم من تلك النصوص؛ فإذا قال أحمد ــ رحمة الله عليه ــ: الطلاق والعتاق لا استثناء فيهما إنما الاستثناء فيما يكفر، وما لا استثناء فيه لا كفارة فيه، وقال مع ذلك في إحدى الروايتين: إنَّ
стр. 590
الحلف بالطلاق فيه استثناء = عُلِمَ قطعًا أنه يلزم من ذلك أن يكون [١٣٨/ أ] الحلف بالطلاق إذا قيل فيه بالاستثناء أَنْ يكون فيه الكفارة؛ فالمانع من التخريج أَنْ يُبَيِّنَ صحة قوله: (لا استثناء إلا فيما فيه الكفارة) مع صحة قوله: (إن الحلف بالطلاق فيه استثناء)، وأَنَّ هذين (١) القولين يصحان، ولا يلزم من صحتهما تكفير الحلف فيه = كان كلامه مستقيمًا، وإلا كان كلامه مردودًا.
ومعلوم بالاضطرار أنه يلزم من صحة قوله: (لا استثناء إلا فيما فيه الكفارة) مع صحة قوله: (إن الحلف بالطلاق فيه الاستثناء) = أَنْ يكونَ الحلف بالطلاق يكفر، لأنه (٢) إذا لم يكن الاستثناء إلا فيما يكفر = لزم من نفي الاستثناء نفي الكفارة، فما لا ستثناء فيه لا كفارة فيه، ولزم من نفي الكفارة نفي الاستثناء، ولزم من ثبوت الاستثناء ثبوت الكفارة، فما فيه الاستثناء ففيه الكفارة، لأنه لو لم يكن كذلك لكان فيه استثناء ولم يكن فيه كفارة، فيكون الاستثناء جائزًا فيما لا كفارة فيه، وهذا يناقض قولنا: لا يكون الاستثناء إلا فيما فيه كفارة فإنه جعل نفي الاستثناء حيث ينفي الكفارة، فلو انتفت الكفارة هنا لانتفى الاستثناء، لكن الاستثناء ثابت فالكفارة ثابتة، وذلك لأنه جعل الاستثناء ملازمًا للكفارة فنفاه حيث انتفت الكفارة، واللازم ينتفي إذا انتفى الملزوم، فإذا ثبتت (٣) الكفارة ثبت الاستثناء، وهذا ــ أيضًا ــ
стр. 591
نصه في غير موضع أَنَّ كل ما فيه كفارة ففيه استثناء؛ ولهذا جعل في الظهار الاستثناء لأن فيه كفارة، وما لا كفارة فيه لا استثناء فيه، فإذا كان الحلف بالطلاق غير مكفر؛ لزم ألا يكون فيه استثناء، فإذا كان فيه استثناء؛ لزم أن يكون فيه الكفارة.
وسبب هذه الدلالة: صيغة الحصر؛ فإن قوله: إنما الاستثناء فيما فيه كفارة، ولا يكون الاستثناء إلا فيما فيه كفارة ونحو ذلك = تضمَّن نفيًا وإثباتًا؛ تضمن أنه حيث انتفت الكفارة انتفى الاستثناء، وحيث وجد الاستثناء وجدت الكفارة، هذا مدلول الحصر واللزوم، حيث جعل الأول وهو الاستثناء محصورًا [١٣٨/ ب] في الثاني وهو التكفير (١) لا توجد الكفارة بدونه، بل متى وجد الأول وجد الثاني، فيكون ملزومًا له، فمتى وجد اللزوم ــ وهو الاستثناء ــ وجد اللازم ــ وهو التكفير ــ، وإذا انتفى اللازم ــ وهو التكفير ــ انتفى الملزوم ــ وهو الاستثناء ــ.
ثم إن كان اللزوم من الجهة الأخرى كان متى جازت الكفارة جاز الاستثناء، وإذا امتنع الاستثناء امتنع التكفير وإلا لم يجب ذلك؛ وأحمد يقول بهذا واحتج به في الظهار، وجعل تكفيره موجبًا لصحة الاستثناء فيه، وقد خالفه طائفة من أصحابه في ذلك؛ كما قد بسط في موضعه (٢).
الوجه الخامس: قوله: (والاشتغال بعد ذلك بتقرير ما يدل من كلامه على أنها يمين لا يجدي).
стр. 592
فيقال له: بل ذلك يجدي؛ لِمَا تقدَّمَ من أَنَّ كلامه وكلام غيره في إثبات الاستثناء فيهما والإيلاء بهما ونحو ذلك = كان لاختلاف اجتهاده؛ هل هو من الأيمان أم لا؟ وكذلك الاختلاف في تكفيرها هو مبني على ذلك.
الوجه السادس: (قوله: غايته (١) أن يضم إلى ذلك أَنَّ كل يمين (٢) مكفرة).
فيقال: بل بَيَّنَّا من نصوصه وأصوله على أنها يمين مكفرة ــ كما تقدم التنبيه عليه ــ، لم نكتفِ بما يدل على أنها يمين؛ بل بيَّنَّا أنَّ في نصوصه وأصوله ما يوجب أنهما يمين مكفرة، وقد تقدم ذكر بعض ألفاظه في ذلك.
قوله: (وهو الوجه الذي نازعناه في إرادة العموم منه، وأن النصوص الخاصة عن أحمد مقدمة عليه).
فيقال له: هو لم يَدَّعِ أَنَّ أحمد أراد بلفظه أن الطلاق يكفر، بل هو صرح بأنه لا يكفر، وإنما ذكر أَنَّ مقتضى نَصٍّ آخر وتعليلٍ آخر واستدلالٍ آخر؛ وذلك النصُّ والاستدلالُ والتعليلُ لا يمكن تخصيصه ونقضه، بل ذلك يفسده فلا بُدَّ فيه من أحد وجهين: إما أَنْ يقال بموجبه فيلزم تكفير الحلف بالطلاق، وإما أَنْ يكون باطلًا؛ فأمَّا مع القول بصحته فيلزمه القول بتكفير الحلف بالطلاق، وهذا هو التخريج والاستنباط من النصوص والأصول.
فإنْ قلتَ: فلازم المذهب هل هو مذهب [١٣٩/ أ] أم لا؟ (٣).
стр. 593
قيل: لازم المذهب إذا عَرَفَ به صاحب المذهب ولم يلتزمه كان تناقضًا، ولمَّا كان الإنسان يجوز عليه التناقض، وكان لو عَرَفَ لازم قوله لرجع عن ذلك القول الملزوم؛ لهذا قيل: لازم المذهب ليس بمذهب.
والكلام إنما هو في لازمِ قولٍ صحيح، ولازم الحقِّ حَقٌّ، أو في لازمِ قولٍ يسوغ فيه الاجتهاد، واللازم لذلك، وفي لازمٍ دَلَّ عليه لفظه وتعليله، وفي اللوازم التي لا تقدح في أصحابها بل تجملهم (١).
ومن قال: لازم المذهب ليس بمذهب؛ أرادَ بِهِ دفع الشناعات والتكفيرات عن أصحاب المذاهب الأصولية التي يلزم أحدهم لوازم فيها من مخالفة الكتاب والسنة والإجماع والمعقول ما يوجب ضلال من التزمها، فيريد خصومهم أن يشنعوا عليهم بتلك اللوازم فيقال لهم: لازم المذهب ليس بمذهب.
فكل مَنْ قال قولًا له لوازم لم تخطر على قلبه = فيجب أن يلتزمها إذا خطرت بقلبه وعَلِمَ ما فيها من الفساد، لكن إذا لم يلتزمها مع لزومها دَلَّتْ على فساد الملزوم، وأما مع القول بصحة الملزوم فلا بُدَّ مِنَ القول بصحة اللازم، فإنَّ صحة الملزوم توجب صحة اللازم قطعًا؛ إذ يمتنع تحقيقه بدون تحقيق اللازم.
стр. 594
فصلٌ
قوله: (ثم إنه في هذا الوجه لم يُمثِّل إلا بالمسألتين المذكورتين، وهما من نذر اللجاج والغضب، لم يمثِّل بمحل النزاع، وهو قوله: إِنْ فعلتِ فعبدي حر) (١).
فيقال: لأنَّ هذا هو مراد أحمد قطعًا، كما ذكره هو، وأحمد ــ رحمة الله عليه ــ لم يرد العتق، بل عنده أَنَّ العتق يقع، لكن المقصود أَنَّ الأصل الذي بَنى عليه مذهبه: النظر إلى مقصود المتكلم ومراده، فإذا قَصَدَ معنى اليمين جعله حالفًا لأجل قصد اليمين ولم يجعله ناذرًا، مع أن الصيغة صيغة نذر، وهذا المعنى موجود في كل مَنْ قَصَدَ معنى اليمين سواء كان قصدُهُ تعليقَ الطلاق والعتاق أو الظهار أو الحرام، أو قصده تعليق (٢) وجوب الحج والصوم والهدي وغير ذلك.
وقوله: (إن أحمد لم يرد هذه الصورة؛ [١٣٩/ ب] فإنَّ النصوص التي نقلها عنه في هذا الفصل مشعرةٌ بأنه إنما أراد تقسيم ما يلتزمه الشخص إلى ما هو يمين وإلى ما هو نذر، وتعليق الطلاق والعتاق ليس بالتزام على ما سنبينه، فلم يدخل في مورد التقسيم) (٣).
يقال له: لم يذكر أن أحمد قصد دخوله في مورد التقسيم، بل المُدَّعَى أَنَّ الفرق المعنوي الذي فَرَّقَ به بين تعليق النذر وتعليق اليمين= موجودٌ في
стр. 595
تعليق الطلاق والعتاق، فيجب طرد هذا الأصل والتعليل، وأَنْ يُرْجَعَ (١) في كل تعليق إلى قصد المعلق؛ فإنْ كان قصده اليمين وهو كاره للزوم الجزاء عند الشرط فتعليقه يمين، وإلا فهو نذرٌ أو طلاق أو عتاق أو ظهار أو تحريم بحسب ما عَلَّقَه من ذلك.
ونحن نعلم أَنَّ أحمد وغيره فَرَّقُوا بين تعليق الطلاق والعتاق وقصد تعليق النذر، لكن المعنى الذي لأجله فرقوا وجعلوا ذلك التعليق يمينًا = موجودٌ في تعليق الطلاق والعتاق الذي قصد به اليمين؛ فكان موجب أصلهم ومقتضاه أَنْ يكون كل هذا يمينًا وألا يفرقوا بين تعليق الطلاق والعتاق وغيرهما.
والتسوية بينهما هو المنقول عن الصحابة ﵃ في جميع الروايات؛ فالثابت عن غير واحد منهم أنهم جعلوا هذا التعليق الذي يقصد به اليمين يمينًا، وروي عن بعض هؤلاء أنهم جعلوه تعليقًا لازمًا، ولم يُفَرِّق أحدٌ من الصحابة بين تعليق الطلاق والعتاق وغيرهما، ولا بين الطلاق وغيره.
بل هذه الفروق مسبوقة بالاتفاق على خلافها، فإنه إِنْ كان القول الذي لم يعلم بين السلف فيه نزاع إجماعًا = فقد انعقد إجماعهم على أنه لا فرق بين الطلاق والعتاق، بل وانعقد إجماع الصحابة على أنه لا فَرْقَ في التعليق الذي يقصد به اليمين بين تعليق وتعليق، بل صَرَّحُوا بأنه لا فرق بين الحلف بالعتق وغيره نفيًا وإثباتًا، واتفق السلف كلهم على أنه لا فرق بين الحلف بالطلاق والعتاق؛ هذا إِنْ كانَ عدم العلم بالنزاع إجماعًا، وإِنْ لم يكن إجماعًا فلا إجماع لا على وقوع طلاق ولا عتق ولا غيرهما.
стр. 596
فَعُلِمَ [١٤٠/ أ] من عدم العلم بالنزاع بين السلف إِنْ جُعِلَ إجماعًا يُحتجُّ به، فإنه يلزم من ذلك التسوية بين الطلاق والعتق وغيرهما، وهذا مع ثبوت القول بالتكفير عن أعيان الصحابة، فيلزم تكفير الجميع كما دل عليه الكتاب والسنة، وإِنْ لم يُجعل إجماعًا يحتج به= بطل دعوى الإجماع على لزوم ذلك، فثبت بطلان حجتهم على التقديرين.
فصلٌ
قال: (وقوله: (وإذا حلف على أفعال بِرٍّ ليفعلها فقد نَذَرَهَا؛ فإنَّ القَسَمَ زادها توكيدًا)؛ ظاهره: أَنَّ مجرد الحلف على أفعال البر تُصَيِّرُهَا منذورة وهو ممنوع، فإنَّ حقيقة اليمين غير حقيقة النذر، وكون القسم زادها توكيدًا لا يلزم منه أَنْ يكون جعلها منذورة، ولو كان كذلك= لوجب الوفاء بكلِّ ما يحلف عليه مِنْ أفعال البر، ولا يجوز التخلص منه بالكفارة، ولكان الحلف على ذلك مكروهًا، لأنه حينئذٍ يدخل في النذر، وقد نهى النبي ﷺ عن النذر (١)، وقد حلف النبي ﷺ على أفعال البر مثل قوله: «والله لأغزونَّ قريشًا» (٢).
стр. 597
وإنْ كان مراده ما إذا اقترن بذلك نية النذر؛ كما أَشْعَرَ بِهِ (١) قوله قبل ذلك وتقسيمه صيغة القسم إلى ما يقصد به اليمين وإلى ما يقصد به النذر، فَيُسَلِّمُهُ مَنْ يقول بصحة النذر بالنية، ومن لا يقول بذلك فللبحث فيه مجال، وفي كلامه [في] (٢) هذا الفصل ما يقتضي أنه لا يعتبر في قول (٣) النذر صيغة الالتزام، وسنتعرض له فيما بعد؛ والله أعلم) (٤).
والجواب: أنَّ الحالف ليفعلنَّ بِرًّا؛ نوعان:
أحدهما: أَنْ يقصد مع ذلك التزامه لله (٥)؛ فهذا ناذرٌ حالف كالذين ذكرهم الله ــ تعالى ــ في قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [التوبة: ٧٥ - ٧٦].
ولو قال الرجل: إِنْ شَفَى الله مريضي فوالله لأصومنَّ لله شهرًا، أو فوالله لأتصدقنَّ لله بألفِ درهم = لم يكن هذا دون قوله: فلأصومنَّ لله شهرًا، ولأتصدقنَّ بألف درهم، أو قوله: إِنْ شَفَى الله مريضي صمت لله شهرًا أو تصدقت له بألف، أو قوله [١٤٠/ ب]: إِنْ شفى الله مريضي صمت شهرًا
стр. 598
وتصدقت بألف، أو إِنْ شَفَى الله مريضي فثلث مالي صدقة وبعيري هدي وهذه الشاة أضحية ونحو ذلك؛ وإذا كان إذا تكلم بهذه الصيغ بدون الحلف بالله كان ناذرًا = فمع اليمين أوكد، كما أنه إذا قال: إِنْ شفاني الله فعليَّ صوم شهر = كان ناذرًا وإن لم يقل: (لله عليَّ) عند جمهور العلماء؛ وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم.
وقال ابن عمر ﵄ في الرجل يقول: عليَّ المشي إلى الكعبة. قال: هذا نذر [فليمش] (١).
ولو قال: عليَّ نذرٌ؛ لزمه بلا نزاع نعرفه.
وصيغة النذر المذكور في القرآن هي قوله: ﴿لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [التوبة: ٧٥].
والنذر لا يشترط له لفظ معين؛ بل كل لفظ اقتضى أنه التزم لله شيئًا فهو نذر (٢).
واختلفوا: هل يثبت ذلك بدون القول؟ مثل: أَنْ يشتري أضحية وينوي أنها لله، وفيه قولان معروفان.
وأما قول المعترض: (هذا يُسَلِّمُهُ مَنْ يقول بصحة النذر بالنية، ومَنْ لا يقول بذلك فللبحث فيه مجال) فليس الأمر كذلك، فإنَّ النذر هنا لم يحصل
стр. 599
بمجرد النية، بل بلفظ (١) تضمن التزامه ذلك، ونوى أنه لله، وحَلَفَ عليه باسم الله.
فإنَّ قولَه: إِنْ شَفَى الله مريضي فوالله لأفعلنَّ كذا = تضمن التزام هذا الفعل؛ فإذا قَصَدَ أَنْ يلتزمه لله فهذا هو النذر كما دَلَّ عليه القرآن.
وأَمَّا إِنْ قَصَدَ مجرد حَضَّ نفسه على الفعل من غير أَنْ يقصد التزامه لله بل قصد حض نفسه ومنعها فقط؛ كرجل قصد الحج فطلب منه أهله ألا يحج فحلف لَيَحُجَّنَّ؛ فهذا لم يقصد باليمين أن يلتزم لله، بل قصد توكيد عزمه عليه لما نهاه الناهون.
وكلام المجيب تضمن القسم الأول، فإنه قال: (وكذلك إِنْ كانت صيغته صيغة القسم ومقصوده اليمين أجزأته الكفارة، وإِنْ كان مقصوده النذر لزمه الوفاء، لقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ [التوبة: ٧٥]).
وعلى هذا؛ ف إذا حلف على أفعال بر ليفعلنها فقد نذرها ، يدخل فيه ما إذا حلف [١٤١/ أ] ليفعلنها لله متقربًا بها إليه فيكون قد نذرها لله ووكَّد نذره بالقسم، كما إذا قال: إِنْ سَلَّمَ الله مالي تصدقت، أو والله إِنْ سَلَّمَ الله مالي لأتصدقنَّ.
ولو قال: إِنْ سَلَّمَ الله مالي فعليَّ صدقة، وإِنْ كلمت فلانًا أو زَوَّجْتُ فلانًا ونحو ذلك فعليَّ صدقة؛ فهذا حالف لا ناذر.
وإِنْ قال: والله لأتصدقنَّ؛ يقصد حَضَّ نفسه على الفعل فقط لا يقصد أن يلتزم ذلك لله؛ فهذا ــ أيضًا ــ حالفٌ.
стр. 600
فصلٌ
قال المعترض:
(قال ــ يعني: المجيب ــ:
الوجه الخامس: أَنَّ أحمد ــ رحمة الله عليه ــ في إحدى الروايتين عنه يقول فيمن قال: إن فعلت كذا فامرأتي طالق أو عبدي حر ثم فعله ناسيًا: لا يقع به طلاق ولا عتاق (١)، كقول المكيين والشافعي في أظهر قوليه، وهذا يقتضي أَنَّ هذا يمين لا تعليق محض، لأنه لو كان تعليقًا محضًا لوجد بوجود الصفة سواء كان ناسيًا أو لم يكن، فلمَّا لم يحنثه في إحدى الروايتين دَلَّ على أنه جعله حالفًا بذلك لا معلقًا له، وإذا كان حالفًا فالحنث لا يوجب وقوع المعلق به وإنما يوجب التكفير كسائر صور الأيمان.
وقوله في الرواية التي فَرَّقَ فيها بين الطلاق والعتاق واليمين المكفَّرة؛ مأخذه: أَنَّ العتق والطلاق فيه حَقٌّ لآدمي فلا ترتفع بالكفارة بخلاف الأيمان بغير ذلك؛ وهذا الفرق ضعيف، فإنه لو قال: فعليَّ أَنْ أُعْتِق أو أُطَلِّق أو فمالي صدقة ونحو ذلك أجزأته الكفارة، ولم يحنث مع النسيان، مع أَنَّ هذا مبسوطٌ في موضعه.
والمقصود هنا: أَنَّ هذا القول يُخَرَّجُ (٢) على أصول أحمد من وجوه متعددة.