← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 32384

الرد على السبكي في مسألة تعليق الطلاق

ابن تيمية

Полный текст (1 081 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

فَعُلِمَ [١٤٠/ أ] من عدم العلم بالنزاع بين السلف إِنْ جُعِلَ إجماعًا يُحتجُّ به، فإنه يلزم من ذلك التسوية بين الطلاق والعتق وغيرهما، وهذا مع ثبوت القول بالتكفير عن أعيان الصحابة، فيلزم تكفير الجميع كما دل عليه الكتاب والسنة، وإِنْ لم يُجعل إجماعًا يحتج به= بطل دعوى الإجماع على لزوم ذلك، فثبت بطلان حجتهم على التقديرين. فصلٌ قال: (وقوله: (وإذا حلف على أفعال بِرٍّ ليفعلها فقد نَذَرَهَا؛ فإنَّ القَسَمَ زادها توكيدًا)؛ ظاهره: أَنَّ مجرد الحلف على أفعال البر تُصَيِّرُهَا منذورة وهو ممنوع، فإنَّ حقيقة اليمين غير حقيقة النذر، وكون القسم زادها توكيدًا لا يلزم منه أَنْ يكون جعلها منذورة، ولو كان كذلك= لوجب الوفاء بكلِّ ما يحلف عليه مِنْ أفعال البر، ولا يجوز التخلص منه بالكفارة، ولكان الحلف على ذلك مكروهًا، لأنه حينئذٍ يدخل في النذر، وقد نهى النبي ﷺ عن النذر (١)، وقد حلف النبي ﷺ على أفعال البر مثل قوله: «والله لأغزونَّ قريشًا» (٢).

стр. 597

وإنْ كان مراده ما إذا اقترن بذلك نية النذر؛ كما أَشْعَرَ بِهِ (١) قوله قبل ذلك وتقسيمه صيغة القسم إلى ما يقصد به اليمين وإلى ما يقصد به النذر، فَيُسَلِّمُهُ مَنْ يقول بصحة النذر بالنية، ومن لا يقول بذلك فللبحث فيه مجال، وفي كلامه [في] (٢) هذا الفصل ما يقتضي أنه لا يعتبر في قول (٣) النذر صيغة الالتزام، وسنتعرض له فيما بعد؛ والله أعلم) (٤). والجواب: أنَّ الحالف ليفعلنَّ بِرًّا؛ نوعان: أحدهما: أَنْ يقصد مع ذلك التزامه لله (٥)؛ فهذا ناذرٌ حالف كالذين ذكرهم الله ــ تعالى ــ في قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [التوبة: ٧٥ - ٧٦]. ولو قال الرجل: إِنْ شَفَى الله مريضي فوالله لأصومنَّ لله شهرًا، أو فوالله لأتصدقنَّ لله بألفِ درهم = لم يكن هذا دون قوله: فلأصومنَّ لله شهرًا، ولأتصدقنَّ بألف درهم، أو قوله: إِنْ شَفَى الله مريضي صمت لله شهرًا أو تصدقت له بألف، أو قوله [١٤٠/ ب]: إِنْ شفى الله مريضي صمت شهرًا

стр. 598

وتصدقت بألف، أو إِنْ شَفَى الله مريضي فثلث مالي صدقة وبعيري هدي وهذه الشاة أضحية ونحو ذلك؛ وإذا كان إذا تكلم بهذه الصيغ بدون الحلف بالله كان ناذرًا = فمع اليمين أوكد، كما أنه إذا قال: إِنْ شفاني الله فعليَّ صوم شهر = كان ناذرًا وإن لم يقل: (لله عليَّ) عند جمهور العلماء؛ وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد وغيرهم. وقال ابن عمر ﵄ في الرجل يقول: عليَّ المشي إلى الكعبة. قال: هذا نذر [فليمش] (١). ولو قال: عليَّ نذرٌ؛ لزمه بلا نزاع نعرفه. وصيغة النذر المذكور في القرآن هي قوله: ﴿لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [التوبة: ٧٥]. والنذر لا يشترط له لفظ معين؛ بل كل لفظ اقتضى أنه التزم لله شيئًا فهو نذر (٢). واختلفوا: هل يثبت ذلك بدون القول؟ مثل: أَنْ يشتري أضحية وينوي أنها لله، وفيه قولان معروفان. وأما قول المعترض: (هذا يُسَلِّمُهُ مَنْ يقول بصحة النذر بالنية، ومَنْ لا يقول بذلك فللبحث فيه مجال) فليس الأمر كذلك، فإنَّ النذر هنا لم يحصل

стр. 599

بمجرد النية، بل بلفظ (١) تضمن التزامه ذلك، ونوى أنه لله، وحَلَفَ عليه باسم الله. فإنَّ قولَه: إِنْ شَفَى الله مريضي فوالله لأفعلنَّ كذا = تضمن التزام هذا الفعل؛ فإذا قَصَدَ أَنْ يلتزمه لله فهذا هو النذر كما دَلَّ عليه القرآن. وأَمَّا إِنْ قَصَدَ مجرد حَضَّ نفسه على الفعل من غير أَنْ يقصد التزامه لله بل قصد حض نفسه ومنعها فقط؛ كرجل قصد الحج فطلب منه أهله ألا يحج فحلف لَيَحُجَّنَّ؛ فهذا لم يقصد باليمين أن يلتزم لله، بل قصد توكيد عزمه عليه لما نهاه الناهون. وكلام المجيب تضمن القسم الأول، فإنه قال: (وكذلك إِنْ كانت صيغته صيغة القسم ومقصوده اليمين أجزأته الكفارة، وإِنْ كان مقصوده النذر لزمه الوفاء، لقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ [التوبة: ٧٥]). وعلى هذا؛ ف إذا حلف على أفعال بر ليفعلنها فقد نذرها ، يدخل فيه ما إذا حلف [١٤١/ أ] ليفعلنها لله متقربًا بها إليه فيكون قد نذرها لله ووكَّد نذره بالقسم، كما إذا قال: إِنْ سَلَّمَ الله مالي تصدقت، أو والله إِنْ سَلَّمَ الله مالي لأتصدقنَّ. ولو قال: إِنْ سَلَّمَ الله مالي فعليَّ صدقة، وإِنْ كلمت فلانًا أو زَوَّجْتُ فلانًا ونحو ذلك فعليَّ صدقة؛ فهذا حالف لا ناذر. وإِنْ قال: والله لأتصدقنَّ؛ يقصد حَضَّ نفسه على الفعل فقط لا يقصد أن يلتزم ذلك لله؛ فهذا ــ أيضًا ــ حالفٌ.

стр. 600

فصلٌ قال المعترض: (قال ــ يعني: المجيب ــ: الوجه الخامس: أَنَّ أحمد ــ رحمة الله عليه ــ في إحدى الروايتين عنه يقول فيمن قال: إن فعلت كذا فامرأتي طالق أو عبدي حر ثم فعله ناسيًا: لا يقع به طلاق ولا عتاق (١)، كقول المكيين والشافعي في أظهر قوليه، وهذا يقتضي أَنَّ هذا يمين لا تعليق محض، لأنه لو كان تعليقًا محضًا لوجد بوجود الصفة سواء كان ناسيًا أو لم يكن، فلمَّا لم يحنثه في إحدى الروايتين دَلَّ على أنه جعله حالفًا بذلك لا معلقًا له، وإذا كان حالفًا فالحنث لا يوجب وقوع المعلق به وإنما يوجب التكفير كسائر صور الأيمان. وقوله في الرواية التي فَرَّقَ فيها بين الطلاق والعتاق واليمين المكفَّرة؛ مأخذه: أَنَّ العتق والطلاق فيه حَقٌّ لآدمي فلا ترتفع بالكفارة بخلاف الأيمان بغير ذلك؛ وهذا الفرق ضعيف، فإنه لو قال: فعليَّ أَنْ أُعْتِق أو أُطَلِّق أو فمالي صدقة ونحو ذلك أجزأته الكفارة، ولم يحنث مع النسيان، مع أَنَّ هذا مبسوطٌ في موضعه. والمقصود هنا: أَنَّ هذا القول يُخَرَّجُ (٢) على أصول أحمد من وجوه متعددة.

стр. 601

قلت (١): استنبط من كلام إمامه في إحدى الروايتين عنه أَنَّ هذا يمين لا تعليق محض؛ وذلك ليس محل النزاع. ثم قال: فلما لم يحنثه في إحدى الروايتين دَلَّ على أنه جعله حالفًا بذلك لا معلقًا له. قلنا: لا مُعَلِّقًا له محضًا أو لا معلقًا له مطلقًا؟ الأول: مُسَلَّم ولا يفيدك، والثاني: ممنوع. قوله: وإذا كان حالفًا فالحنث لا يوجب [١٤١/ ب] وقوع المعلق به. قلنا: متى؟ في الحلف المحض أو في الحلف الذي في ضمن التعليق؟ الأول: مُسَلَّم وليس محل النزاع، والثاني: ممنوع. قوله: وإنما يوجب التكفير كسائر صور الأيمان. قلنا: ما الجامع؟ فإنَّ الأيمان بالله ــ تعالى ــ وصفاته مَدركُ وجوب الكفارة فيها انتهاك الاسم المعظم وأنه غير موجود ههنا، وفي نذر اللجاج والغضب التزم شيئًا أوجبه على نفسه فأشبه اليمين بالله ــ تعالى ــ، وههنا ليس كذلك كما أشرنا إليه فيما تقدم، وسنزيده بيانًا ــ إن شاء الله ــ) (٢). والجواب: قوله: (استنبط من كلام الإمام أحمد في إحدى الروايتين عنه أَنَّ هذا يمين لا تعليق محض، وذلك ليس محل النزاع). فيقال: بل أصل محل النزاع أَنَّ الطلاق والعتاق المعلق الذي يقصد به

стр. 602

اليمين هو من الأيمان حكمه حكم الأيمان، أم هو من باب الطلاق والعتاق المعلق على شرط؟ وأحمد ــ رحمة الله عليه ــ قد اختلف كلامه في ذلك كما اختلف كلام غيره، واختلف في ذلك السلف والخلف، لكن الثابت المشهور عن الصحابة ــ رضوان الله عليهم ــ أَنَّ هذا التعليق من باب الأيمان حكمه حكم الأيمان المكفَّرة، والمجيب لم يقصد تسمية هذا أيمانًا، فإنَّ هذا قد سلمه من ينازع في حكم هذه اليمين، بل قصده أَنَّ أحمد في إحدى الروايتين جعل حكمه حكم الأيمان لا حكم التعليقات التي ليست أيمانًا؛ فإنه لما فَرَّقَ بين أن يفعل المحلوف عليه ناسيًا أو جاهلًا وبين أن يفعل عمدًا = كان هذا [هو] (١) الفرق، لأنَّ الحض والمنع في الأيمان كالطاعة والمعصية في الأمر والنهي لا يكون عاصيًا إذا فعل المحلوف عليه ناسيًا = فكذلك لا يكون حانثًا، فلو كان تعليق الأيمان كالتعليق المحض لم يصح هذا، وإنما يصح إذا كان معنى اليمين معتبرًا في التعليق. لكن لقائل أَنْ يقول: المعتبر هنا أنه قصد الحض والمنع ولم تحصل المخالفة عمدًا، وهذا أمر مشترك بين اليمين والوعيد وسائر صور الأمر والنهي، فلو قال: إن فعلتَ كذا فعلتُ بك وصنعتُ؛ لم يكن هذا يمينًا، ومع [١٤٢/ أ] هذا إذا فعله ناسيًا لم يستحق الوعيد. وإذا كان المؤثِّر هنا هو أمرًا أعم من كونه يمينًا وهو الحض والمنع ــ وهو الذي يظنه المعترض معنى اليمين ــ لم يكن في هذا ما يدل على أَنَّ أحمد اعتبر في ذلك خصوص اليمين، وهو التزامٌ يكره لزومه له، لكن هذا

стр. 603

يقتضي أَنَّ أحمد فَرَّقَ بين التعليق الذي فيه معنى الحض والمنع وما ليس كذلك، فجعل النسيان مؤثرًا في الأول دون الثاني، وليس في هذا أنه إذا فعل المحلوف عليه عمدًا لا [يلزمه به] (١)، فإنما فيه أنه عَذَرَهُ عند النسيان ولم يعذره عند العمد، ثم إذا لم يعذره فقد يجعل التعليق من جنس التعليق الذي يقصد به الحض والمنع مع قصده الوقوع عند وجود الشرط، وهذا ليس بيمين مكفرة عند أحد من العلماء، وإنْ ظَنَّ هذا المعترض ونحوه أنه مما يقول المجيب فيه بالكفارة = فهذا غلط كما تقدم غير مرة. فهذا القسم يعذر أحمد فيه بالنسيان والجهل على إحدى الروايتين، وليست يمينًا مكفرة عند المجيب = فعلم أَنَّ عذر الناسي والجاهل لكونه ممنوعًا ومحضوضًا لا لكون ذلك من باب الأيمان المكفرة، فلو ذكر المعترض مثل هذا الكلام لكان فيه منع التخريج من هذا الوجه على أصل أحمد، لكنه لا يمكنه ذكر ذلك، فإنه لا يفرق في التعليق الذي يقصد به الحض والمنع بين من يقصد وقوع الجزاء وبين [من يكره] (٢) وقوع الجزاء، بل يظن الجميع من الأيمان التي نازع فيها المجيب. ومع هذا؛ فقد يقال: أحمد لما راعى قصد المعلق في الشرط فينبغي ــ أيضًا ــ أَنْ يُرَاعِيَ قصده في الجزاء؛ فإذا كان قَصْدُهُ الحض والمنع جعله كالآمر الناهي يعذر المنهي إذا خالفه ناسيًا، فكذلك في الجزاء إذا قصد إيقاع الجزاء كان موقعًا وإن كان كارهًا لإيقاع الجزاء كان حالفًا، فأصوله ونصوصه تقتضي أنه يعتبر المقاصد والنيات في جميع العقود، ويكون بهذا

стр. 604

المعلق إذا كان إنما قصد اليمين وهو كارهٌ لوقوع الجزاء، فهو من الحالفين حكمه حكم الحالفين ليس من الموقعين، وعلى هذا الوجه فيتم التخريج [١٤٢/ ب] على أصول أحمد ﵀ ونصوصه من هذا الوجه ــ أيضًا ــ. فصلٌ قال: (قال المجيب: فلمَّا لم يحنثه في إحدى الروايتين دَلَّ على أنه جعله حالفًا بذلك لا معلقًا له). قال المعترض: قلنا: لا معلقًا له محضًا ولا معلقًا له مطلقًا؛ الأول مُسَلَّم ولا يفيدك، والثاني ممنوع). فيقال: بل المراد هو المسَلَّم، وهو أنه ليس تعليقًا محضًا بل تعليقًا فيه معنى الحض والمنع، وهذا حالف إذا كان كارهًا لوقوع الصفة عند المخالفة، وإلا فهو معلقٌ حاضٌّ مانعٌ وليس بحالف يمينًا مكفرة. قال: (قوله: وإذا كان حالفًا فالحنث لا يوجب وقوع المعلق به (١). قلنا: متى؟ في الحلف المحض أو في الحلف الذي في ضمن التعليق؛ الأول مُسَلَّم وليس محل النزاع، والثاني ممنوع). قلنا: بل في كل حالف؛ سواء كان حالفًا بصيغة التعليق أو صيغة القسم، كما أَنَّ أصحاب رسول الله ﷺ جعلوا التعليق الذي يقصد به اليمين يمينًا مكفرة، وكذلك جمهور التابعين، ولأنَّ الصحابة والتابعون جميعهم سَمَّوا هذا التعليق يمينًا، ولم يسموا ما يقصد به الإيقاع يمينًا، فيدخل في قوله

стр. 605

تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، ولأنه في معنى النذر. = سَلَّمَ الجمهور الفرق بين التعليق الذي يقصد به اليمين فجعلوا فيه الكفارة، والتعليق الذي يقصد به لزوم المنذور فلم يُجَوِّزوا تكفيره، بل جعلوا المعلَّق فيه لازمًا، وهذا المعنى موجود في تعليق الطلاق والعتاق، فَإِنْ قَصَدَ به اليمين كانت فيه الكفارة وإن قصد به وقوع المعلق لم يكن فيه كفارة، ولأنَّ المعنى الذي جُعِلَ لأجله هذا يمينًا مكفرة موجود في هذا، وهو أنه التزم عند المخالفة ما يكره لزومه له، بخلاف من يقصد الإيقاع فإنه لم يلتزم عند المخالفة ما يكره لزومه، بل ما يريد لزومه كتعليق الإيقاع وتعليق الوعيد، ولأنَّ القرآن والسنة إنما عَلَّقا (١) التكفير بمسمى حلف المؤمنين وأيمانهم، وهذا المعنى موجود في أي صورة [١٤٣/ أ] كانت. وأيضًا؛ فالمنازع لا يخص الكلام بصورة التعليق، بل لو حلف عنده بصيغة القسم، فقال: الطلاق يلزمني لأفعلنَّ كذا، أو امرأتي طالق لأفعلنَّ كذا؛ فهذا صيغة قسم تُلُقِّيَ (٢) الجواب فيه بلام القسم، ومع هذا لا يجعله يمينًا مكفرة. فإنْ قال: هذا معنى كلامه معنى كلام المعلق، وإن كانت صفته صفة القسم؛ فألحقته بالمعلق. قيل له: عكست الشريعة؛ فإنَّ الواجب أَنْ تجعل المنصوص أصلًا

стр. 606

وتلحق به غير المنصوص، والنص ورد في أيمان المسلمين، فالواجب أَن تثبت الحكم في جميع أيمان المسلمين، والصيغة التي يظن أنها ليست صيغة يمين إذا كان معناها معنى اليمين ألحقتها (١) بها، وأنتَ جعلتَ صيغةَ التعليق هي الأصل وألحقت بها صيغة القسم. وصيغة التعليق لم يعلِّق الله بها ولا رسوله ﷺ حكمًا من الأحكام، لا نفيًا ولا إثباتًا، بل يُرَدُّ إلى معناها؛ فإن كان معناها نذرًا فهي نذر، وإن كان جعالة فهي جعالة، وإن كان وكالة فهي وكالة، وإن كان عتقًا أو طلاقًا فهي عتق أو طلاق، وإن كان خلعًا فهي خلع (٢). فقولنا: صيغة تعليق مثل قولنا صيغة خبر وأمر، وجملة شرطية وسلبية وثبوتية ونحو ذلك؛ هو: اسم لصورة اللفظ المتضمن تعليق الثاني بالأول، وهذا المعنى ليس وصفًا مؤثرًا في الأحكام الشرعية، ولا عَلَّقَ الشارع بذلك حكمًا من الأحكام، بل تختلف أحكامه بحسب تنوع أقسامه ومعانيه. ولهذا؛ لَمَّا كان تعليق النذر تارة نذرًا وتارة يمينًا جعل النذر نذرًا واليمين يمينًا؛ كذلك تعليق الطلاق إذا كان تارة يمينًا وتارة تطليقًا، فاليمين يمين والطلاق طلاق = فتبين صحة قول المجيب. وإذا كان حالفًا؛ فالحنث لا يوجب وقوع المحلوف به، وإنما يوجب التكفير كسائر صور الأيمان.

стр. 607

قول المعترض: (متى لا يوجب الحنث وقوع المحلوف به في الحلف المحض أو في الحلف الذي في ضمن التعليق؟). يقال له: ليس معك في كتاب ولا [١٤٣/ ب] سنة ولا إجماع ولا قياس أَنَّ الحانث يلزمه طلاق ولا عتاق، بل النصوص كلها تدل على أَنَّ الحالف الحانث إنما عليه التكفير، وتفريقك بين حانث وحانث بمجرد حكاية مذهب وقولك: إنَّ هذا ممنوع = لا فائدة لك فيه، فإنه قد علم أنك تمنعه، لكن الشأن في أن تجيب عن أدلة المستدل أو تقيم (١) دليلًا على هذا الفرق إما مُعَارِضًا به وإما مبتدئًا به، وكلا الأمرين منتفٍ، فلا ينفعك مجرد المنع مع قيام حجة المنازع من الكتاب والسنة والاعتبار على أن التكفير بالحنث في أيمان المسلمين. قال تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، وقال تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢]، فجعل التَّحِلَّة لمسمى أيمان المسلمين؛ فَعُلِمَ أَنَّ المعنى [المؤثر في تحلة (٢) اليمين] (٣) كونها يمينًا من أيمان المسلمين. وكذلك قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ يقتضي أَنَّ هذا كفارة لما هو من أيمان المسلمين، فالمؤثر في جواز الكفارة = كون العقد يمينًا من أيمان المسلمين، والكفارة في اليمين له أن يكفر قبل الحنث وبعده، ولهذا سماه الله تحلة، وتحليلها قبل الحنث أوكد، لكن إنما يجب إذا حنث.

стр. 608

ولا تحتاج الآية إلى إضمار كما يقوله بعضهم (١): إذا حلفتم فحنثتم، فإنه لم يوجب الكفارة لمجرد اليمين، بل بَيَّنَ أن هذا كفارة اليمين المحلوف بها، وهي كفارة لها سواء كَفَّرَ أو لم يكفر، لكن إِنْ كَفَّر انحلت يمينه وإلا فهي معقودة. والمكفِّر إنما يكفر يمينه، فيزيل بالكفارة ما كانت اليمين سببًا له من الإثم الذي أوجبه عقدها إذا حنث، والحنث شرط في وجوب الكفارة، كما أَنَّ العَوْدَ شرطٌ في استقرار كفارة الظهار. وقول المجيب: إنما يوجب الحنثُ التكفيرَ كسائر صور الأيمان؛ لم يذكره لمجرد القياس، بل لأن نصوص الكتاب والسنة بينت أَنَّ الحنث في الأيمان إنما يوجب التكفير في جميع صور أيمان المسلمين، لم تفرق النصوص بين يمين ويمين، ولا بين صيغة وصيغة إذا كانت الأيمان من أيمان المسلمين المعقودة [١٤٤/ أ] المحترمة، وهي ما يقصد بها تعظيم الله بعقدها به أو له، دون ما يقصد بها تعظيم المخلوق بأن يعقد به أو له، فإنه يمين غير محترمة ولا كفارة في الحنث فيها؛ فصارت هذه الأيمان داخلة في نصوص الكتاب والسنة لفظًا ومعنى. وأيضًا؛ فلو ذكر ذلك قياسًا، فالجامع بينهما هو الجامع بين نذر اليمين وبين الحلف باسم الله، وهو أنه هَتَكَ حرمة أيمانه بالله بالحنث حيث عقد لله أو بالله عقدًا ولم يوف به، وهذا المعنى هو المؤثر في الشرع بدليل ثابت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «كفارة النذر كفارة يمين» رواه مسلم (٢)،

стр. 609

وقال عقبة بن عامر ــ راوي الحديث ــ: النذر حَلْفَةٌ (١). وحينئذٍ؛ فقوله: «كفارة النذر كفارة يمين» إما أَنْ يراد به أن النذر نوع من اليمين؛ فيكون لفظ اليمين المكفَّرة يتناول الالتزام لله والالتزام بالله، وإما أن يراد به أن النذر كاليمين في أنه كفارته كفارة اليمين بالله = فهذا دليل على أَنَّ المعنى المشترك بين اليمين والنذر هو الموجب للكفارة؛ فإنَّ النبي ﷺ جَعَلَ النذر كاليمين في ذلك، فلو لم يكن المشترك هو الموجب للكفارة لكان الموجب ما يختص باليمين، ولو كان الموجب مختصًا باليمين لم تكن كفارة النذر كفارة اليمين؛ فَعُلِمَ أَنَّ الموجب يشترك بينهما. وحينئذٍ؛ فقول القائل: فحروف القسم مختصة بالقسم، فلا يجوز أن يكون شرطًا في التكفير، بل المؤثر في التكفير معنى يشترك فيه النذر واليمين؛ وحينئذٍ فما يذكره المعترض وغيره من خصائص اليمين المكفرة عندهم هي منتفية في النذر؛ فعلم أنها عديمة التأثير، وأنها ليست شرطًا في التكفير، بل المقتضي له أعم منها. ومعلوم أَنَّ النذر يكون بصيغة التعليق بالنص والإجماع؛ فعلم أَنَّ كون الصيغة تعليقًا لا يمنع من كونه مكفرًا كفارة اليمين إذا وجد فيه المعنى المشترك بين النذر واليمين، ومن المعلوم أنهما يشتركان في المعنى المشترك بين العقد لله وبالله، [١٤٤/ ب] وإن شئت قلت: في التزام العقد لله أو بالله، فيكون العقد إما لله وإما بالله لا بُدَّ أَنْ يوجد في النذر واليمين. وأما قول المعترض: (فإنَّ الأيمان بالله وصفاته مَدْرَكُ وجوب الكفارةِ

стр. 610

انتهاكُ الاسم المعظَّم، وأنه غير موجود هاهنا). فيقال: هذه دعوى مجردة، لم يذكر عليها حجة أصلًا، لا بينة ولا شبهة، ويكفي في ذلك المنع؛ فيقال: لا نسلِّم أنَّ هذا مدرك وجوب الكفارة. ثم نقول: من المعلوم أَنَّ جمهور العلماء، بل جميعهم على خلاف ذلك، وأَنَّ الكفارة تجب بدون انتهاك الاسم المعظم. أما مالك وأبو حنيفة وأحمد في منصوصه وظاهر مذهبه؛ فإن اليمين بالله تنعقد عندهم بالكنايات، فلو قال: أُقسم أو أَحلف ولم يذكر اسم الله البتة كانت يمينًا عند الثلاثة وأكثر العلماء، لكن عند مالك وأحمد في إحدى الروايتين هي كناية فلا بُدَّ أن ينوي اليمين، وعند أبي حنيفة وأحمد في الرواية الأخرى هي يمين عند الإطلاق، فهي صريح في اليمين. ولو قال: إِنْ فعلت كذا فعليَّ نذر أو يمين وحنث وجبت الكفارة أيضًا. ولو قال: عليَّ نذر لزمته كفارة يمين أو أكثر منها عند عامة السلف والخلف، وذكر بعضهم هذا إجماعًا، وفي [ ... ] (١) عن النبي ﷺ أنه قال: «من نذر نذرًا ولم يُسَمِّهِ، فكفارته كفارة يمين» (٢) وإنما نازع في هذا الشافعي. ثم الشافعي ﵁ يوجب كفارة اليمين من غير انتهاكٍ لاسم الله

стр. 611

ــ تعالى ــ كما يوجبها في نذر اللجاج والغضب، وكما يوجبها في تحريم أمته، وكما ذكر أصحابه ــ رحمة الله عليهم ــ إيجابها فيما إذا قال: إِنْ فعلت كذا فعليَّ أَنْ أُطَلِّق امرأتي، وفيما إذا قصد بالنذر اليمين فقال: عليَّ أَنْ أشرب أو أقتل فلانًا = فذكر الخراسانيون أَنَّ عليه كفارة يمين، فهو الذي اشترط من بين الأئمة أَنْ تكون اليمين المكفَّرة بصريح اسم الله، وجعل العلة انتهاك حرمة الاسم [١٤٥/ أ] المعظَّم، ومع هذا فجعل هذا الوصف عديم التأثير، فأوجب الكفارة ــ كفارة اليمين ــ في غير موضع بدون هذا. = فتبيَّن أَنَّ جَعْلَ كفارة اليمين مختصةً بهذا خلافُ إجماعِ الأئمة، بل خلاف إجماع الأمة، وهو خلاف نص الرسول ﷺ فإنه قال: «كفارة النذر كفارة يمين» (١) فأوجب فيه كفارة يمين وإن لم يذكر هناك اسمٌ معظَّمٌ. وأيضًا؛ فنحن نُسَلِّم أنه إذا انتهك حرمة الاسم المعظَّم بالحنث كان عليه كفارة يمين؛ لكن لخصوص انتهاك حرمة الاسم، أو لِمَا في ذلك من انتهاك حرمة المسمى؟ ومعلوم أَنَّ الاسم إنما صار له حرمة لحرمة المسمى سبحانه، فإنَّ هذا هو المقصود الأصلي، وانتهاك حرمة الاسم تابعة له (٢). ولهذا كان الذي أفتى به الصحابة ﵃ وهو قول الأكثرين أنه إذا قال: إِنْ فعلتُ كذا فأنا يهودي أو نصراني وحنث= أنه يلزمه الكفارة، لأنه لما التزم الكفر عند الحنث ــ وفي الكفر من انتهاك حرمة الإيمان بالله أعظم

стр. 612

مما في مجرد انتهاك اسمه ــ = كان وجوب (١) الكفارة بهذا الانتهاك أولى من وجوبها بانتهاك حرمة الاسم. و إذا قال: وايم الله وايمن الله؛ فهي يمين مكفرة مع النية بلا ريب، وفي الإطلاق قولان مشهوران، وهذا جَمْعُ يمين، فإنما حَلَفَ بأيمان الله لا باسم الله. ولو قال: عَلَيَّ عَهْدُ الله وميثاقه لأفعلنَّ؛ كان يمينًا باتفاق الأئمة، أو قال: عليَّ عهد الله وميثاقه لأفعلنَّ (٢)؛ كان يمينًا عند الجمهور. وإِنْ أَطْلَقَ ذلك؛ فقال: العهد والميثاق لأفعلنَّ؛ كان يمينًا مع النية، وإِنْ أَطْلَقَ ففيه قولان هما روايتان عن أحمد، كما في قوله: أَحلف وأُقْسِمُ ولم يحلف هنا باسم من أسمائه. وعائشة ﵂ حَلَفَت بالعهد ألا تُكَلِّمَ ابن الزبير ﵄، فلمَّا كَلَّمَته أعتقت أربعين رقبة، وكانت إذا ذكرته تبكي وتقول: واعهداه (٣). وقال أحمد بن حنبل ــ رحمة الله عليه ــ: العهد شديد، في عشرة مواضع من كتاب الله (٤).

стр. 613

وقوله: عليَّ عهد الله وميثاقه؛ ليس من صيغ القسم التي يذكرها النحاة، [١٤٥/ ب] ولا هو حَلِفٌ بالاسم المعظم. وأيضًا؛ ف الحلف بصفات الله يمين مكفرة بالنص والإجماع ، فلو قال: وعزة الله؛ انعقدت يمينه ولم يحلف باسم الله، وإنما حَلَفَ بصفةٍ من صفاته. فإذا قيل: الحلف بالصفة يتضمن الحلف بالموصوف. قيل: فهذا يدل على أنه عقد يمينه بالله، فهي يمين مكفرة وإن لم يذكر اسم الله، وإذا عقدها لله فهو أوكد وأوكد (١). وقوله: عليَّ نذر؛ فيه كفارة يمين بالنص وقول عامة العلماء، وليس فيه ذكر اسم الله ــ تعالى ــ، وعن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : «كفارة النذر إذا لم يُسَمَّ كفارةُ يمين» رواه الترمذي (٢)، وقال: حديث حسن صحيح غريب.

стр. 614

وهذا منقول عن ابن مسعود وابن عباس وجابر وعائشة ﵃، وهو قول عامة السلف والخلف. قال أبو محمد (١): (لا أعلم فيه مخالفًا إلا الشافعي قال: لا ينعقد نذره ولا كفارة فيه، لأنَّ من النذور ما لا كفارة فيه، ثم إنه قال: إذا فعلت كذا فعليَّ نذر، فعليه كفارة يمين؛ فأوجب الكفارة في هذه اليمين بدون ذكر اسم الله ــ تعالى ــ). وأما قول المعترض: (وفي نذر اللجاج والغضب التزم شيئًا أوجبه على نفسه فأشبه اليمين بالله ــ تعالى ــ، وهاهنا ليس كذلك). فيقال له: فهذا الكلام ينقض قولك: (ما الجامع؟ فإنَّ الأيمان بالله وصفاته مدرك وجوب الكفارة فيها انتهاك الاسم المعظَّم، وإنه غير موجود هنا). فيقال لك: إذا كان هذا هو مدرك الوجوب فحيث انتفى الوجوب وجب أن تنتفي الكفارة في نذر اللجاج والغضب لانتفاء هذا القول، ثم إذا قِسْتَ نذر اللجاج والغضب على اليمين بجامعٍ بينهما، وهو أنه التزم شيئًا أوجبه على نفسه كان مدرك الوجوب أنه التزم شيئًا أوجبه على نفسه، وهذا المدرك أعم من ذاك؛ فتناقضتَ في كلامٍ واحدٍ قليلٍ متصلٍ بعضه ببعض. وأيضًا؛ فإنه إذا التزم شيئًا أوجبه على نفسه، فهذا معنى النذر لا معنى اليمين، فكان يجب جعل هذا نذرًا موجِبًا على [١٤٦/ أ] نفسه ما أوجبه لا يجعل فيه كفارة، وهذا الكلام يناسب قول من يجعل نذر اليمين نذرًا واجبًا

стр. 615

لا من جعله يمينًا مكفرة، ولكن هؤلاء متناقضون تناقضًا بينًا، فإنهم جعلوا نذر اللجاج والغضب من الأيمان المكفرة، ولم يجعلوا الحلف بالطلاق والعتاق كذلك، بل جعلوا هذا التعليق كتعليق النذر اللازم؛ فصاروا إذا ناظروا من يقول بلزوم نذر اللجاج والغضب ينصرون أنه يمين، وإذا ناظروا من يقول بتكفير الحلف بالطلاق والعتاق ينصرون أنه ليس بيمين، ويقولون: إِنَّ نذر اللجاج والغضب أشبه اليمين، ويذكرون مِنْ شَبَهِهِ ما يوجب أن يكون نذرًا لازمًا؛ وهذا غلطٌ بَيِّنٌ. وإنما الذي ذكره الصحابة ﵃ والسلف والأئمة الشافعي وأحمد وغيرهما ــ رحمة الله عليهم ــ أن قصد صاحبه قصد الحالف لا قصد الناذر، وأنه من باب الأيمان لا من باب النذور، وهذا المعنى يوجب أن يكون الطلاق والعتاق المحلوف بهما كذلك، ليس بينهما فرق مؤثر؛ فليتدبر اللبيب هذا التناقض العظيم، والكلام في هذه المسائل بلا أصل يعتمد عليه من نص ولا قياس = يعللون حكم الأصل بعلة مختصة، ثم يثبتون الحكم بعلة أخرى، وتلك العلة توجب ضد ذلك الحكم، وهذا كلام مَنْ لم يُحْكِم الأصل الذي بنى عليه قوله، وهم معذورون في مثل هذا الموضع الذي اضطرب فيه أكثر الناس. فإنْ قلت: بل ذاك مدرك وهذا مدركٌ ثانٍ؛ فالكفارة تجب لهذا ولهذا، فقد سلمتَ أَنَّ الكفارة تجب حيث لم يذكر الاسم المعظم، وحينئذٍ؛ فإنْ لم تذكر مدركًا يمنع دخول الحلف بالطلاق والعتاق = لم يكن معك فرق أصلًا، لا مؤثر ولا غير مؤثر، وليس معك إلا حكاية المذهب.

стр. 616

ثم يقال: إذا كان هنا مدركٌ ثانٍ وهو أنه التزم شيئًا أوجبه على نفسه = لزمك أَنْ توجب الكفارة في كل من أوجب شيئًا ولم يفعله، فيلزمك وجوب الكفارة [١٤٦/ ب] في نذر المباحات والمعاصي، وهذا مذهب أحمد وغيره دون الشافعي. وأيضًا؛ فيقال: إذا وجبت الكفارة لأنه التزم شيئًا أوجبه على نفسه، فإنَّ اليمين تكون تارة حضًّا وتارة منعًا؛ فالحض فيها إيجاب والمنع فيها تحريم؛ فكما (١) قِسْتَ على اليمين من الإلزام ما كان فيه إيجاب على نفسه = فقس عليها ما كان فيه تحريم على نفسه. ومعلومٌ أنه إذا عَلَّقَ الظهار والحرام والطلاق والعتاق على وجه اليمين، فقد حَرَّمَ على نفسه بهذا التعليق كما أوجب بذاك التعليق، وكل من الإيجاب والتحريم يكون موجب اليمين. فإنْ قلتَ: قوله: «كفارة النذر كفارة يمين» محمولٌ عندنا على نذر اللجاج والغضب (٢). قيل: المذاهب تتبع الأدلة الشرعية، [والأدلة الشرعية] (٣) لا تتبع مذهبًا، وليس لأحد أن يتأول كلام الله ورسوله على ما يوافق مذهبه إِنْ لم يقم عنده

стр. 617

دليلٌ شرعيٌ على أَنَّ الله ورسوله أراد ذلك الكلام؛ فإنَّ المقصود بالتأويل: معرفة مراد المتكلم بكلامه، فإنْ لم نَعرف ذلك ولم يَقم على مراده دليلٌ= كُنَّا قائلين على الله ما لا نعلم، ثم جاعلين كلام (١) الله ورسوله تبعًا لكلامنا. وقوله: «كفارة النذر كفارة يمين» لفظٌ عامٌّ لا وجه لتخصيصه. ونذر اللجاج والغضب ليس بنذر في الحقيقة، بل هو يمين داخل في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، وموجَب هذا النص: أَنَّ كل نذر لم يوف به ففيه كفارة يمين، وهذا مذهب أحمد وغيره؛ كما أن كل يمين لم تَبرَّ فيها ففيها كفارة يمين، لكن الوفاء بالنذر واجب ليس كاليمين، فإذا قُدِّرَ أنه لم يف به= كان فيه كفارة يمين، ثم إيجاب كفارة يمين في النذر إذا لم يوف به يدل على أن نذر اليمين فيه كفارة يمين أيضًا، لأنه قصد بنذره اليمين = فكان أولى بالتكفير. ولهذا كان هذا لا يجب فيه فعل المنذور، بل تُجزئُهُ الكفارة بخلاف الناذر المحض، فإنَّ عليه الوفاء، فإنْ لم يفِ كان عليه كفارة يمين. وتَبيَّن بالنص والإجماع أَنَّ [١٤٧/ أ] كفارة اليمين تجب في أعم مما ذكره من الحلف بالاسم المعظم، وحينئذٍ؛ فالحالف بالطلاق والعتاق والحالف بالنذر كل منهم قصد بما عَلَّقَهُ لله الحلف، وهو كاره للزوم ما عَلَّقَه، لم يقصد لا وجوبًا ولا وقوعًا. وما ذكرتَه في أنه لا حنث على الحالف في أظهر قولي الشافعي ﵁ فهو كما ذكرت، فإنَّ هذا اختيار أئمة أصحابه العراقيين

стр. 618

والخراسانيين (١). وما ذكرتَ من توقف المصريين والماوردي ليس مما يعارض هذا (٢)،

стр. 619

وهؤلاء أعلم بمذهبه وأصوله من غيرهم، ولم يكن مقصودنا هنا ترجيح هذا القول على غيره حتى نبسط القول فيه، بل المقصود ما يلزم أصحابه. فصلٌ قال: (وما ذكره ــ يعني: المجيب ــ من تضعيف الفرق بأنَّ العتق والطلاق [فيه] حقٌّ لآدمي فلا يرتفع بالكفارة، بخلاف الأيمان بغير ذلك، وضَعَّفَهُ بإجزاء الكفارة فيما إذا قال: فعليَّ أَنْ أُعتق أو أُطَلِّق. قلنا: الفرق بينهما أَنَّ هذا التزام بخلاف ذلك كما أشرنا، ويرشد (١) إلى هذا قول الفارق فلا يرتفع، فإنه يؤذن بالوقوع؛ أي: فلا يرتفع بعد ذلك) (٢). والجواب: أن الذين فَرَّقُوا في مسألة الناسي بين الحلف باليمين المكفَّرة وغير المكفَّرة، وهو الحلف بالطلاق والعتاق بناءً على اعتقادهم أَنَّ هذه غير مكفرة = فَرَّقُوا بأنْ قالوا: اليمين التي ليست مكفرة يتعلق بها حَقُّ آدمي فتعلق به مع النسيان كالإتلاف، ولأنه حكمٌ عُلِّقَ على شرط فوجد بوجدان الشرط؛ كالمنع من الصلاة بعد العصر. فيقال لهم بعد المنع من تقسيم الأيمان إلى مكفرة وغير مكفرة: حَقُّ الآدمي يتعلق بالوجوب المعلق كتعلقه بالوقوع المعلق. فإذا قال: إِنْ فعلتُ كذا فعليَّ أَنْ أعتق عبدي وأُطَلِّقَ امرأتي؛ فقد تعلق به حق آدمي، وهو لو نَذَرَ عتق عبد مُعيَّن تعيَّن ووجب عليه عتقه؛ فإن كان الموجِب للفرق تَعَلُّقُ حق الآدمي فيجب في مثل هذه الأيمان ألا يعذر الناسي والجاهل، وهم يعذرونه

стр. 620

لأنها عندهم يمين مكفرة وإِنْ تعلق بها حق آدمي، وهي مع [١٤٧/ ب] هذا عندهم يمين مكفرة. وقول المُفَرِّق: إِنَّ العتق والطلاق فيه حق لآدمي فلا يَرتفع بالكفارة؛ بناه على أصله في أنه وقع فلا يرتفع بالكفارة، وهذا كقول مَنْ يُلزم بالوفاء في نذر اللجاج والغضب، ويقول: قد وجب في ذمته فلا يرتفع بالكفارة، وإلا فمن يقول: إنه لم يحنث لا يُسَلِّم أن العتق والطلاق وقع، وكذلك مَنْ يقول بإجزاء الكفارة لا يقول: إنه وقع واحد منهما، ولو وقع لم يرتفع بعد وقوعه، بل ما قَصَدَ به اليمين لم يقصد به الإيقاع فلا يقع، بل تجزئه كفارة يمين، وإن أوقعه لم يكن عليه شيء غير ذلك. وكذلك مَنْ لا يُحَنِّث الناسي والجاهل يقول: وجود فعلهما وعدمه (١) لم يأتيا بالمخالفة. وأيضًا؛ فالناسي والجاهل إنما عُذِرَ في اليمين المكفرة لأنه لم يقصد المخالفة، فصار كمن فعل المنهي عنه ناسيًا، وهذا المعنى موجود في جميع الأيمان. ولكن أحمد ــ على قوله بلزوم ذلك ــ قطع شَبَهَ ذلك بالأيمان وجعله إيقاعًا، كما منع من الاستثناء في ذلك في إحدى الروايتين عنه، وكما جعل الحلف بهما ليس بإيلاء؛ وقد تقدم أَنَّ أحمد تارة كان يجعل الحلف بهما من باب الإيقاع لا اليمين، وتارة يجعله من باب اليمين.

стр. 621

فقوله: فالفرق يَتوجَّه على أنه لم يجعلهما من الأيمان إذ كان لا كفارة فيهما عنده ولا استثناء في إحدى الروايتين عنه؛ فيوجَّه هذا: أنه طلاق وعتق معلَّق (١) بصفة= فيقع إذا وجدت، لكن قد تبين بالدليل أَنَّ جَعْلَهُ لهما أيمانًا هو الصواب الذي يدل عليه الكتاب والسنة، وأَنَّ الواجب إثبات حكم الحلف بهما إذا حلف بهما في جميع الأيمان، لا يجعل ذلك في حكمٍ يمينًا وفي حكمٍ غير يمين، مثل أَنْ يقال: الحلف بهما في الاستثناء يمين، وفي الكفارة ليس بيمين، وفي الإيلاء ليس بيمين؛ فإنَّ هذا تناقض بَيِّنٌ، بل الواجب أَنْ يقال في الحلف بهما ما قيل في الحلف بالنذر = وهو أنه يمين في الكفارة وفي الاستثناء، وكذلك الإيلاء على القول الصحيح الذي هو ظاهر مذهب أحمد كما ذكره أبو بكر عبد العزيز [١٤٨/ أ] وغيره، وعامة نصوص أحمد تدل عليه. وأما كون الحلف بالنذر ليس بإيلاء، وإنما كان الإيلاء ما كان باسم الله كما يختاره الخرقي والقاضي وطائفة؛ فهو قول ضعيف جدًا مثل قول الشافعي القديم، وهذا يناسب قول من لا يجعل الحلف بالنذر يمينًا مكفرة ولا نذرًا، بل لا يجعله موجبًا لشيء كطائفة من السلف، وهو مذهب داود وابن جرير الطبري (٢). فإذا قيل: الحلف بالنذر ليس يمينًا ولا نذرًا، فإنَّ هذا يناسب ألا ينعقد به الإيلاء، وأما مع إيجاب الكفارة فيه أو إلزامه النذر فالقول بأنه لا ينعقد به الإيلاء = قولٌ ضعيف جدًا ليس فيه شيء من الفقه.

стр. 622

وأما قولهم في الحلف بالطلاق والعتاق: إنه حكم معلق بشرط يوجد عند وجود شرطه؛ فينتقض بنذر اللجاج والغضب، فإنه معلق بشرط، وهو مع هذا يعذر فيه الناسي والجاهل لأنه يمين مكفرة. وأيضًا؛ فالحكم المعلق بشرط تارة يقصد به اليمين وتارة لا يقصد به اليمين، وقد ثبت بالنص والآثار والقياس أَنَّ قصد اليمين وصفٌ مؤثرٌ، وهم يُسلِّمون ذلك، وحينئذٍ فلا يجوز إلغاؤه، والواجب أَنْ يُلحق الحالف بالطلاق والعتاق إذا فعل المحلوف عليه ناسيًا أو جاهلًا بسائر الحالفين؛ كما هو مذهب جماهير السلف والخلف، فإن المشهور قولان: إما الحنث في الجميع، وإما عدم الحنث في الجميع. وأما التفريق ــ فهو وإن اختاره طائفة كبيرة من أصحاب أحمد ــ فهو ضعيف، والذين نقلوا عن أحمد التسوية بمنزلة الذين نقلوا الفرق فيما وجدته من كلام أحمد، فلم يكن جوابه بالفرق أكثر من جوابه بالتسوية، ولكن اختار الفرق من اختاره من أصحابه كما يختارون أقوالًا وغيرُها أكثر في أجوبته، كما اختار الخرقي والقاضي وغيرهما أن الماء المتغير بالطاهرات ليس بطهور، وأكثر أجوبة أحمد على أنه كالمتغيِّر بأصل الخِلْقَة [١٤٨/ ب] وبما يشق صونه عنه (١). وأما تفريق المعترض بين ما عورضوا به وبين ما يحلف بالعتق والطلاق، بأنَّ الأول التزام بخلاف هذا. فيقال له: أولًا: التضعيف وارد على فرقهم بأن هذا فيه حق لآدمي

стр. 623

بخلاف هذا، فكونه حقًّا لآدمي يتناول ما إذا التزم حقًّا لآدمي أو أوقع ما يتضمن حقًّا لآدمي، وفي كون أحدهما التزامًا لا يقدح في كون كل منهما حقًا لآدمي، فعلم أن كونه حقًّا لآدمي وصفٌ غير موجِب للوقوع. بل ثَمَّ جوابٌ آخر، وهو: أَنَّا لا نُسَلِّم أَنَّ الطلاق والعتاق حق لآدمي، بل هما حقان لله؛ أما الطلاق فباتفاق الأئمة، ولهذا لو شهد به شهود من غير تقدم دعوى أحدٍ صَحَّت شهادتهم به باتفاق الأئمة، وحقوق الآدميين ليست كذلك. وأما العتق؛ فإذا شهدوا به ابتداءً صحت شهادتهم عند الأكثرين وهو مذهب الشافعي وأحمد وأبي يوسف ومحمد وأصحاب أحمد وغيرهم، وقال أبو حنيفة: لا تقبل، لأنَّ فيها حقًّا للعبد، والأكثرون قالوا: المُغَلَّب فيه حق الله، فالطلاق قد اتفقوا على أنه حق لله. وأيضًا؛ فلو كان الطلاق حقًّا لآدمي = لوجب بالنذر إذا قال: لله عليَّ أَنْ أُطلقك، كما يجب العتق إذا قال: لله عليَّ أَنْ أعتقك؛ ولَمَّا لم يجب بالنذر= عُلِمَ أنه ليس فيه حق لآدمي، وليس هو قربة إلى الله؛ فلهذا لم يجب بالنذر، وإن كان فيه له حَقُّ التحريم الذي يوجبه الطلاق، فإنَّ حرمة الفروج حق لله ــ تعالى ــ، ليس للعباد إحلال ما حرمه الله من الفروج، كتحريم الخبائث وذوات المحارم فإنها حق محض لله، ليس لأحد إحلال ما حرمه الله، بخلاف ما حُرِّمَ لحق الآدميين كالأموال والدماء، فإنه يجوز الإبراء والعفو عنها، ويجوز بذل المال ابتداءً وإن لم يجز بذل الدم، بخلاف الفروج فإنها لا تباح بالإباحة، ولا يسقط إثمها وعقوبتها بالعفو.

стр. 624

فصلٌ قال: (قال المجيب: والمقصود هنا: أَنَّ هذا القول يُخَرَّجُ على أصل أحمد من وجوهٍ متعددةٍ. قلنا: لم يُبيِّن ذلك من وَجْهٍ من الوجوه الخمسة يَسلم من النزاع) (١). فيقال: إِنْ أراد نزاعًا قادحًا [١٤٩/ أ] فلا ريب أَنَّ الوجه الأول والثاني الأمر (٢) فيهما ظاهر، وليس في ذلك نزاع يَقدح، وأما الثالث فالأمر فيه أخفى ولكن هو متوجِّهٌ، وكذلك الرابع، وأما الخامس ففيه نزاع أقوى من ذلك ولكن يمكن توجيهه ــ أيضًا ــ كما تقدم، وثَمَّ وجوهٌ أُخَر. * * * *

стр. 625

فصلٌ قال المعترض: (قال المجيب: وكذلك يُخَرَّج على أصل الشافعي وغيره [ممن يوافقه على مسألة نذر اللجاج والغضب]. قلتُ: فَرَغَ من تخريجه على مذهب أحمد، وَشَرَعَ في تخريجه على مذهب الشافعي وغيره ــ كما زعم ــ ظانًّا أَنَّ ذلك فَرْدٌ من أفراد مسألة اللجاج والغضب. وحُقَّ لنا الآن أَنْ نُبدي الفرق بينهما؛ فنقول: تصرفات الشخص التي يستقل بها: تارةً تكون في نفسه خاصة كالنذر، فإنَّ موجَبه التزام شيء في الذمة ولا أثر له في غيره، وتارة تكون في غيره ويَرِدُ على مَحَلٍّ خارجٍ يباشر (١) به؛ كالطلاق والعتق الواردين على الزوجة والمملوك. فإنَّ معنى الطلاق: قَطْعُ العصمة لا التزام قطعها، ومعنى العتق: قَطْعُ ملك اليمين لا التزام قطعه، وكلٌّ من التصرفين يكون مُنَجَّزًا ومعلقًا؛ فتارة يكون النذر منجزًا كقوله: لله عليَّ؛ فهو التزام في الحال، وتارة يكون معلقًا كقوله: إِنْ شفى الله مريضي فعليَّ كذا؛ فهو التزام مُعَلَّقٌ بصفة. وكذلك الطلاق والعتق تارة يكون منجزًا، وهو: إيقاع الطلاق في الحال، وتارة يكون معلقًا وهو: إيقاعٌ بتلك الصفة، فالمعلِّقُ للطلاق موقعٌ له؛ غايته: أنه ما أوقعه مطلقًا وإنما أوقعه مقيدًا بصفة، فيقع بتلك الصفة، ويتأخر الوقوع إلى أَنْ توجد تلك الصفة.

стр. 626

فقد تبيَّن أَنَّ تعليق الطلاق من باب التصرف الذي يوقعه الشخص؛ إما بأنْ ينجزه في الحال، وإما أَنْ يجعله منوطًا بتلك الصفة الذي هو أَحَدُ نوعي التطليق الممكن منه شرعًا، ويُسَمَّى الأول: الطلاق المباشر، ويسمى: إيقاعًا، والثاني يُسَمَّى: عقد طلاق بصفة، ويسمى: عقد صفة. فعقد الطلاق والعتاق بالصفة مزيلٌ للنكاح والملك، وَيَتَوَقَّفُ الزوال على الصفة، كما أَنَّ عقد الهبة مزيلٌ للملك ويتوقف على القبض، والبيع ناقلٌ للملك ويتوقف على انقضاء الخيار عند من يقول به، [١٤٩/ ب] بل الإيجاب مقتضٍ لذلك، ويتوقف على القبول. إذا تقرر ذلك؛ فنقول: نذر اللجاج والغضب معناه: التزامُ أمرٍ على تقديرِ ثبوتِ أمرٍ يُقْصَدُ عدمه، أو عَدَمُ أَمرٍ يُقصد ثبوته؛ فكل ما كان كذلك فهو في معنى نذر [اللجاج والغضب] (١) كقوله: العتق يلزمني لأفعلنَّ كذا؛ فإنه التزم العتق على تقدير عَدَمِ ذلك الفعل، أو: العتقُ يلزمني لا فعلتُ كذا؛ فإنه التزم العتق على تقدير ذلك الفعل، ومقتضاه أنه لو حصل الشرط المذكور = لزمه إنشاء العتق لا وقوع العتق على عبيده لما قلناه: إنَّ مورد النذر هو الذمة لا غير. وكذلك جميع أمثلة نذر اللجاج والغضب من هذا الباب، كقوله: إن فعلتُ كذا فعليَّ أَنْ أعتق أو أتصدق أو أحج أو أُطَلِّق؛ إن لم يشترط القربة، وما أشبه ذلك حتى لو قال: إِنْ فعلتُ كذا فعليَّ أَنْ أُعتق عبدي فلانًا كان من نذر اللجاج، لأنَّ المشروط التزام إنشاء عتقه لا وقوع عتقه، والملتزم للإنشاء

стр. 627

قد يفي بما وجب عليه وقد لا يفي، وأما المعلق للوقوع فغير متمكن من الرجوع عن مقتضاه. والمعلِّقُ للطلاق والعتق؛ المشروطُ في كلامه صيرورةُ المرأة طالقًا والعبد حرًا، لا أنه ينشئ لهما طلاقًا وعتقًا، هذا مقتضى كلامه ومقصوده، وبين المعنيين بونٌ عظيم؛ فقد لاح الفرق بين هذا وبين نذر اللجاج. نعم؛ هو فيه شَبَهٌ من جهة أَنَّ كلًّا منهما مَنَعَ نفسه من الشرط المذكور أو حَثَّهَا (١)، ولكنه بسببين (٢) مختلفين؛ في نذر اللجاج بسبب خوفه من لزوم ما التزمه على ذلك التقدير، وهنا بسبب خوفه من وقوع ما أوقعه على ذلك التقدير، وما حصل الحث والمنع إلا بهذا الاعتبار؛ فهذا فَرْقٌ جليٌّ واضح يُبين أَنَّ هذا ليس من نذر اللجاج في ورد ولا صَدَر. ومن هنا ــ والله أعلم ــ كان الإمام أبو الفتح محمد بن محمود الطوسي (٣) ــ أحد الأئمة من متأخري الشافعية ــ يفتي في قوله: الطلاق يَلزمني؛ بعدم الحنث، ويقول: التزام ما لا يلزم فلا يلزم، وذلك مستفيضٌ عنه (٤).

стр. 628

وممن أخبرني به: أبو العباس أحمد بن الرفعة (١) عنه [١٥٠/ أ] مرسلًا. وأخبرني به متصلًا أبو عمرو عثمان بن محمد بن أبي سعد (٢) أنه سمعه من ضياء الدين ابن [القصنطين] (٣) ــ أحد أصحابه ــ عنه، وأنه كان يقول: إِنَّ الطلاق وُضِعَ لِحَلِّ قَيْدِ النكاح ولم يوضع لليمين، وفي هذه الحكاية عنه إشعارٌ لا يوجب به شيئًا، وكذلك المنقول عنه؛ حتى قال لي ابن الرفعة: إنه كان الشخص يأتي إليه وهو على باب منازل العز يقصد الركوب، فيقول: قلت: الطلاق يلزمني ما أفعل كذا، أو فعلته؟ فيقول: وأنا أقول: الطلاق يلزمني ما أركب هذه البغلة ثم يركبها، كأنه يلمح (٤) أَنَّ المعلق ههنا التزام الطلاق وهو لا يلزم. على أَنَّ هذه الفتوى في هذا الزمان لا يمكن القول بها لشهرة هذا اللفظ في معنى التعليق، حتى إنه ما صار يُفهم منه إلا ذلك، وكأنَّ هذه القضية

стр. 629

منقولة عرفًا إلى هذا المعنى، وإلا فليس لها دلالة من حيث اللغة على التعليق ولا على الحلف. وتوسعوا في ذلك حتى طردوه في قوله: الطلاق يلزمه لا فعلت؛ كذا حُكِيَ عن أبي سعيد أحمد بن محمد بن نمير الخوارزمي الضرير (١) ــ وأبو سعيد هذا كان معاصرًا للقاضي (٢) أبي الطيب، ومات قبل أبي الطيب، يقال: لم يكن في وقته بعد أبي الطيب أفقه منه (٣) ــ أنه قال في الجواب عن قولهم: أَنتِ طالق لا دخلت الدار: ليست (لا) بدلًا من حرف الشرط، وإنما وقع الطلاق بالدخول، لأنَّ قوله: أنت طالق يصلح أَنْ تقام مقام أُقْسِمُ أو أَحْلِفُ؛ الدليل عليه: أنه لو قال: أَنتِ طالقٌ إِنْ [حلفتُ، ثم قال: أنتِ طالقٌ إنْ] (٤) دخلتِ الدار طلقت (٥)) (٦).

стр. 630

والجواب (١): أَنَّ ما ذكره من الفرق الصوري بين النذر وبين تعليق العتق والطلاق، وهو أن النذر لا بُدَّ أَنْ يتضمن التزامَ فعلٍ يُنشئه، فيكون مضمون النذر: إيجابُ فِعلٍ يفعل لله ــ تعالى ــ وإن كان في عينٍ معينة، فإذا قال: لله عليَّ أَنْ أعتق هذا العبد، أو قال: هذه الشاة هدي أو أضحية، أو قال: إِنْ شَفى الله مريضي فثلث مالي صدقة ونحو ذلك = ففي جميع هذه المواضع: عليه أَنْ يفعل فعلًا؛ فيعتق العبد، ويذبح الأضحية والهدي، بل ويفرق لحم ذلك، ويقسم الصدقة بين [١٥٠/ ب] الفقراء. وهذا الفعل الواجب بالنذر هو متمكن من فعله وتركه، بخلاف العتق والطلاق المعلق، فإنه وقوع مجرد؛ فإذا عُلِّقَ وَقَعَ عند الصفة بغير فعل منه، والوقوع لا يوجب عليه فعلًا يفعله، وإنما يوجب عليه ترك ما كان مباحًا له قبل العتق والطلاق من الاستمتاع والحبس وما يتبع الملك؛ فإذا زال ملكه حرم عليه ما يحرم على غير المالك من غير أن يجب عليه فعلٌ في الذمة ينشئه. فيقال له: أولًا: الجواب من وجوه: منع لزوم ما ذكره من النذر، ومنع انتفائه مطلقًا في العتق والطلاق، ثم بيانُ عدم تأثيره، ثم بيان أن هذا يوجب عدم الطلاق والعتق المحلوف به بطريق الأولى. الوجه الأول: أَنْ يقال: ليس مِنْ شَرْطِ كُلِّ نذر أن يلزمه فعل يفعله بعد النذر، بل قد لا يوجب المنذور عليه إلا مجرد الكف والإمساك، فلو قال: إِنْ شفى الله مريضي فداري وقف على الفقراء والمساكين= صارت وقفًا بوجود

стр. 631

الشرط، ولا يتوقف ذلك على فعل، وكذلك في قوله: فبعيري هدي وأضحية لله، أو قال: إِنْ شَفَى الله مريضي ففرسي حبسٌ في سبيل الله ونحو ذلك؛ يلزم ذلك بوجود الشرط، وليس له رَفْعُهُ بعد وجود الشرط، وإنما عليه فعل آخر يفعله بعد ذلك، وهذا زيادةٌ في الوجوب بخلاف قوله: لله عليَّ أنْ أُعتق؛ فإنه لا يَصير حُرًّا حتى يعتقه. وأيضًا؛ فلو قال: إِنْ شفى الله مريضي فداري وقفٌ على الفقراء والمساكين ونَظَرُهَا لفلان، أو قال: فمالي صدقة وولايةُ قَسْمِهِ لفلان، أو قال: فبعيري هدي أو أضحية وأمره إلى فلان؛ فهنا إذا وجد الشرط يلزم النذر، ولم يبق عليه فعل يفعله، بل إنما عليه الكَفُّ عن التصرف في ذلك المال حتى يتسلمه مَنْ له النظر فيصرفه في مصارفه الشرعية. فعلم أنه ليس من شرط النذر أن يكون المنذور التزام عمل في الذمة، بل قد يكون حقًّا متعلقًا بعينٍ من الأعيان لا يمكنه رفعه بعد وقوعه؛ بل إما أَنْ يوجب عليه فعلًا في العين، أو لا يوجب عليه إلا كما يوجبه [١٥١/ أ] العتق من امتناعه من تصرف المالك. وكذلك لو قال: إِنْ شفى الله مريضي فعليَّ أَنْ أبرئ الناس من الديون التي لي عليهم؛ فالإبراء إسقاطٌ محضٌ كالعتق. ولو قال: إِنْ شَفَى الله مريضي فزيد وعمرو برآء مما لي عليهما من الدين= كان هذا بمنزلة قوله: فعبدي فلان حرٌّ؛ أي: قد برئ مما لي عليه من الملك. وكذلك لو قال: إِنْ شَفَى الله مريضي فقد عفوت عن القَوَد الذي أستحقه على فلان؛ فهذا المنذور إسقاط حق مال أو قود لا يثبت في الذمة، ولا

стр. 632

يحتاج إلى إنشاء تصرف يتصرف فيه. فإذا قال على وجه اللجاج والغضب: إِنْ سافرتُ معكم فقد برئ الناس من جميع أموالي، أو فكلُّ مالٍ لي على الناس صدقة عليهم؛ فهو بمنزلة: كُلُّ عبد لي حر، ومع هذا ليس هذا بعتق ولا طلاق، بل فيه كفارة يمين. فعلم أَنَّ التكفير في نذر اللجاج والغضب ليس موقوفًا على أن يكون المنذور التزام فعل يفعله، بل هذه الصور إيقاعٌ للإسقاطِ والإبراء، أو إيقاعٌ للوقف والهدي والأضحية؛ كما أَنَّ العتق إيقاع أيضًا، ليس ذلك التزام شيءٍ في الذمة. ثم منها ما لا يوجب عليه إلا الكف والإمساك كالعتق والطلاق، ومنها ما يوجب عليه أفعالًا أخر مع وقوع ما عَلَّقَهُ؛ فيكون هذا أبلغ من العتق. فإذا قال: فبعيري هدي وهذه الشاة أضحية، بل إذا قال: فثلث مالي صدقة = كان قد أوقع حكمًا في غيره، وأوجب فعلًا آخر، وهذا أبلغ من مجرد إيقاع حكم في معين. فإذا كان قصد اليمين يمنع ثبوت الإيقاع وما أوجبه من الفعل، فمنع ثبوت الإيقاع وما اقتضاه من الترك= أولى وأحرى. ولو قال: إِنْ شفى الله مريضي فعليَّ صوم شهر أو صوم يوم الاثنين والخميس= كان الواجب عليه إمساكًا في وقت بعينه، لم يجب عليه أفعال يفعلها. وإذا قال: فعبدي حر؛ وجب عليه اعتقاد زوال الملك والامتناع من استعباده وتخلية سبيله.

стр. 633

الوجه الثاني (١): أَنْ يقال: بل في تعليق العتق والطلاق قد يجب عليه فعلٌ (٢) في الذمة، فإنه إذا زال الملك وجب عليه أَنْ يُبَيِّنَ للعبد والمرأة زوال [١٥١/ ب] ملكه عنهما، وأن يخلي سبيلهما فيرفع الموانع المانعة لهما من الانطلاق، ويمتع المرأة ــ والمتعة واجبة عند الجمهور ــ؛ إما لِكُلِّ مطلقة، وإما لكل مطلقة سوى المطلقة بعد المسيس، وإما للمطلقة قبل الفرض والمسيس؛ وهي ثلاث روايات عن أحمد، الأُولى اختيار طائفة من السلف والخلف، والثانية مذهب الشافعي وهو مروي عن ابن عمر ﵄ (٣)، والثالثة مذهب أبي حنيفة واختيار كثير من أصحاب أحمد (٤). وبالجملة؛ فعليه أَنْ يُسَرِّحَ المطلقة بإحسان؛ كما قال تعالى: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٩] فأمر بالتمتع والتسريح، وهما فعلان يثبتان في الذمة يمكنه أن يفعلهما وألا يفعلهما. وقال تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] فعليه في الطلاق الرجعي أَنْ يمسك بمعروف أو يُسَرِّحَ بإحسان،

стр. 634

وكلاهما فعلٌ يفعله. وأيضًا؛ فاعتقاده زوال الملك وامتناعه من الاستعباد والاستمتاع فعلٌ يَقصده وينشئه من حين وقوع الطلاق، وهذا كالصوم فإنه مأمور به وإن كان كفًّا وإمساكًا. فلو قال: إِنْ فعلتُ كذا فلله عليَّ صومُ شهرٍ، أو إِنْ شفى الله مريضي فعليَّ صوم شهر = لم يكن الواجب بهذا النذر إلا إمساكًا يمسكه، ولو قال: لله عليَّ صومُ يوم الاثنين والخميس أو صوم الشهر الفلاني = كان الواجب صوم زمانٍ معيَّنٍ، وذلك إمساكٌ في ذلك الزمان، والصوم هنا ليس في الذمة ولا يحتاج إلى إنشاء فعل، بل إنما عليه الإمساك عن الفطر مع النية، وإذا وقع العتاق والطلاق فعليه الإمساك عن الاستعباد والاستمتاع مع اعتقاد زوال الملك، وهو لو حلف بنذر صوم معين أو مطلق أجزأته كفارة يمين. فتبيَّن أَنَّ العتق والطلاق قد يوجب أفعالًا من جنس ما يوجبه النذر، وأَنَّ النذر قد يوجب إيقاعَ حكمٍ في عينٍ مِنْ جِنْسِ ما يوجبه الإعتاق والتطليق؛ وظهر بهذا أَنَّ ما ذكر من [١٥٢/ أ] أن النذر إنما موجِبه شيء في الذمة لا أثر له في غير الناذر = كلامٌ باطل، بل من النذر ما يكون موجِبه ثبوتَ حكمٍ في شيء غيره، وَيَرِدُ على محلٍّ خارجٍ عنه يتأثر به كالطلاق والعتاق الواردين على الزوجة والمملوك، مثل: ورود الوقف على العين الموقوفة، وورود جعل المال المعيَّن هديًا وأضحية وصدقة على العين المعينة، وهذا مما اتفق عليه العلماء؛ اتفقوا على أَنَّ النذر ينقسم إلى مطلق في الذمة ومُعيَّن، كما أَنَّ الهدي والأضحية تنقسم إلى مطلق في الذمة ومعين، فليس من شرط المنذور أَنْ يكون مطلقًا في الذمة يمكنه فعله وتركه.

стр. 635

وقول المعترض: (الفرقُ: نذر اللجاج والغضب معناه: التزام أمر على تقدير ثبوت أمر يقصد عدمه، أو عَدَمُ أَمرٍ يقصد ثبوته) ليس بحدٍّ جامع، بل منه ما يكون إثبات حكم في عين معينة خارجة عنه، يرد النذر على ذلك المحل الخارج المعين. فقوله: (إِنَّ مورد النذرِ الذمةُ لا غير) خطأٌ محض باتفاق العلماء، وليست أمثلة نذر اللجاج والغضب منحصرة في قوله: فعليَّ أَنْ أتصدق أو أعتق أو أحج أو أطلق ونحو ذلك من الصيغ الذي تُثْبِت وجوب فعلٍ في الذمة، بل من أمثلته ما يقتضي إثبات حكم في عين معينة، كقوله: إِنْ فعلت فثلث مالي صدقة، وفرسي وقف على الفقراء والمساكين، وماشيتي هدي في سبيل الله أو أَضَاحِيْ لله، ومالي الذي في ذمم الناس فهم برآء منه، وقاتل أبي وأخي بريءٌ من القَوَد الذي لي عليه وأمثال ذلك؛ فهذا ونحوه مُعَلَّقُ الوقوعِ كمعلَّق الطلاق والعتاق، وهو لو علَّقَهُ تعليق نذر لوقع، ولم يكن متمكنًا من الرجوع عن مقتضاه، كما لا يتمكن المطلِّق والمعتِق الذي شرط في كلامه صيرورة المرأة طالقًا والعبد حرًّا من غير أن ينشئ لهما طلاقًا وعتقًا. وكذلك هنا؛ عَلَّقَ مصيرَ المال وقفًا وهديًا وأضحية وصدقةً من غير أن ينشئ لها وقفًا وهديًا وأضحية ولا إبراء من الدين والقود ونذر تصدق، بل قد يجب عليه موجَب [١٥٢/ ب] كونه هديًا ووقفًا وصدقة، وذاك زيادة عملٍ واجبٍ في الذمة من غير أن يتمكن من رَفْع (١) ما أوقعه من هذه الأعيان، وهو مع هذا إذا كان قصده بالتعليق اليمين أجزأته الكفارة، ولم يصر ذلك وقفًا ولا هديًا ولا أضحية، ولا تَبرأ ذمة المعين إذ كان قصده اليمين لم يقصد
следующие страницы →