← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 32384

الرد على السبكي في مسألة تعليق الطلاق

ابن تيمية

Полный текст (1 081 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

الشرط، ولا يتوقف ذلك على فعل، وكذلك في قوله: فبعيري هدي وأضحية لله، أو قال: إِنْ شَفَى الله مريضي ففرسي حبسٌ في سبيل الله ونحو ذلك؛ يلزم ذلك بوجود الشرط، وليس له رَفْعُهُ بعد وجود الشرط، وإنما عليه فعل آخر يفعله بعد ذلك، وهذا زيادةٌ في الوجوب بخلاف قوله: لله عليَّ أنْ أُعتق؛ فإنه لا يَصير حُرًّا حتى يعتقه. وأيضًا؛ فلو قال: إِنْ شفى الله مريضي فداري وقفٌ على الفقراء والمساكين ونَظَرُهَا لفلان، أو قال: فمالي صدقة وولايةُ قَسْمِهِ لفلان، أو قال: فبعيري هدي أو أضحية وأمره إلى فلان؛ فهنا إذا وجد الشرط يلزم النذر، ولم يبق عليه فعل يفعله، بل إنما عليه الكَفُّ عن التصرف في ذلك المال حتى يتسلمه مَنْ له النظر فيصرفه في مصارفه الشرعية. فعلم أنه ليس من شرط النذر أن يكون المنذور التزام عمل في الذمة، بل قد يكون حقًّا متعلقًا بعينٍ من الأعيان لا يمكنه رفعه بعد وقوعه؛ بل إما أَنْ يوجب عليه فعلًا في العين، أو لا يوجب عليه إلا كما يوجبه [١٥١/ أ] العتق من امتناعه من تصرف المالك. وكذلك لو قال: إِنْ شفى الله مريضي فعليَّ أَنْ أبرئ الناس من الديون التي لي عليهم؛ فالإبراء إسقاطٌ محضٌ كالعتق. ولو قال: إِنْ شَفَى الله مريضي فزيد وعمرو برآء مما لي عليهما من الدين= كان هذا بمنزلة قوله: فعبدي فلان حرٌّ؛ أي: قد برئ مما لي عليه من الملك. وكذلك لو قال: إِنْ شَفَى الله مريضي فقد عفوت عن القَوَد الذي أستحقه على فلان؛ فهذا المنذور إسقاط حق مال أو قود لا يثبت في الذمة، ولا

стр. 632

يحتاج إلى إنشاء تصرف يتصرف فيه. فإذا قال على وجه اللجاج والغضب: إِنْ سافرتُ معكم فقد برئ الناس من جميع أموالي، أو فكلُّ مالٍ لي على الناس صدقة عليهم؛ فهو بمنزلة: كُلُّ عبد لي حر، ومع هذا ليس هذا بعتق ولا طلاق، بل فيه كفارة يمين. فعلم أَنَّ التكفير في نذر اللجاج والغضب ليس موقوفًا على أن يكون المنذور التزام فعل يفعله، بل هذه الصور إيقاعٌ للإسقاطِ والإبراء، أو إيقاعٌ للوقف والهدي والأضحية؛ كما أَنَّ العتق إيقاع أيضًا، ليس ذلك التزام شيءٍ في الذمة. ثم منها ما لا يوجب عليه إلا الكف والإمساك كالعتق والطلاق، ومنها ما يوجب عليه أفعالًا أخر مع وقوع ما عَلَّقَهُ؛ فيكون هذا أبلغ من العتق. فإذا قال: فبعيري هدي وهذه الشاة أضحية، بل إذا قال: فثلث مالي صدقة = كان قد أوقع حكمًا في غيره، وأوجب فعلًا آخر، وهذا أبلغ من مجرد إيقاع حكم في معين. فإذا كان قصد اليمين يمنع ثبوت الإيقاع وما أوجبه من الفعل، فمنع ثبوت الإيقاع وما اقتضاه من الترك= أولى وأحرى. ولو قال: إِنْ شفى الله مريضي فعليَّ صوم شهر أو صوم يوم الاثنين والخميس= كان الواجب عليه إمساكًا في وقت بعينه، لم يجب عليه أفعال يفعلها. وإذا قال: فعبدي حر؛ وجب عليه اعتقاد زوال الملك والامتناع من استعباده وتخلية سبيله.

стр. 633

الوجه الثاني (١): أَنْ يقال: بل في تعليق العتق والطلاق قد يجب عليه فعلٌ (٢) في الذمة، فإنه إذا زال الملك وجب عليه أَنْ يُبَيِّنَ للعبد والمرأة زوال [١٥١/ ب] ملكه عنهما، وأن يخلي سبيلهما فيرفع الموانع المانعة لهما من الانطلاق، ويمتع المرأة ــ والمتعة واجبة عند الجمهور ــ؛ إما لِكُلِّ مطلقة، وإما لكل مطلقة سوى المطلقة بعد المسيس، وإما للمطلقة قبل الفرض والمسيس؛ وهي ثلاث روايات عن أحمد، الأُولى اختيار طائفة من السلف والخلف، والثانية مذهب الشافعي وهو مروي عن ابن عمر ﵄ (٣)، والثالثة مذهب أبي حنيفة واختيار كثير من أصحاب أحمد (٤). وبالجملة؛ فعليه أَنْ يُسَرِّحَ المطلقة بإحسان؛ كما قال تعالى: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٩] فأمر بالتمتع والتسريح، وهما فعلان يثبتان في الذمة يمكنه أن يفعلهما وألا يفعلهما. وقال تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩] فعليه في الطلاق الرجعي أَنْ يمسك بمعروف أو يُسَرِّحَ بإحسان،

стр. 634

وكلاهما فعلٌ يفعله. وأيضًا؛ فاعتقاده زوال الملك وامتناعه من الاستعباد والاستمتاع فعلٌ يَقصده وينشئه من حين وقوع الطلاق، وهذا كالصوم فإنه مأمور به وإن كان كفًّا وإمساكًا. فلو قال: إِنْ فعلتُ كذا فلله عليَّ صومُ شهرٍ، أو إِنْ شفى الله مريضي فعليَّ صوم شهر = لم يكن الواجب بهذا النذر إلا إمساكًا يمسكه، ولو قال: لله عليَّ صومُ يوم الاثنين والخميس أو صوم الشهر الفلاني = كان الواجب صوم زمانٍ معيَّنٍ، وذلك إمساكٌ في ذلك الزمان، والصوم هنا ليس في الذمة ولا يحتاج إلى إنشاء فعل، بل إنما عليه الإمساك عن الفطر مع النية، وإذا وقع العتاق والطلاق فعليه الإمساك عن الاستعباد والاستمتاع مع اعتقاد زوال الملك، وهو لو حلف بنذر صوم معين أو مطلق أجزأته كفارة يمين. فتبيَّن أَنَّ العتق والطلاق قد يوجب أفعالًا من جنس ما يوجبه النذر، وأَنَّ النذر قد يوجب إيقاعَ حكمٍ في عينٍ مِنْ جِنْسِ ما يوجبه الإعتاق والتطليق؛ وظهر بهذا أَنَّ ما ذكر من [١٥٢/ أ] أن النذر إنما موجِبه شيء في الذمة لا أثر له في غير الناذر = كلامٌ باطل، بل من النذر ما يكون موجِبه ثبوتَ حكمٍ في شيء غيره، وَيَرِدُ على محلٍّ خارجٍ عنه يتأثر به كالطلاق والعتاق الواردين على الزوجة والمملوك، مثل: ورود الوقف على العين الموقوفة، وورود جعل المال المعيَّن هديًا وأضحية وصدقة على العين المعينة، وهذا مما اتفق عليه العلماء؛ اتفقوا على أَنَّ النذر ينقسم إلى مطلق في الذمة ومُعيَّن، كما أَنَّ الهدي والأضحية تنقسم إلى مطلق في الذمة ومعين، فليس من شرط المنذور أَنْ يكون مطلقًا في الذمة يمكنه فعله وتركه.

стр. 635

وقول المعترض: (الفرقُ: نذر اللجاج والغضب معناه: التزام أمر على تقدير ثبوت أمر يقصد عدمه، أو عَدَمُ أَمرٍ يقصد ثبوته) ليس بحدٍّ جامع، بل منه ما يكون إثبات حكم في عين معينة خارجة عنه، يرد النذر على ذلك المحل الخارج المعين. فقوله: (إِنَّ مورد النذرِ الذمةُ لا غير) خطأٌ محض باتفاق العلماء، وليست أمثلة نذر اللجاج والغضب منحصرة في قوله: فعليَّ أَنْ أتصدق أو أعتق أو أحج أو أطلق ونحو ذلك من الصيغ الذي تُثْبِت وجوب فعلٍ في الذمة، بل من أمثلته ما يقتضي إثبات حكم في عين معينة، كقوله: إِنْ فعلت فثلث مالي صدقة، وفرسي وقف على الفقراء والمساكين، وماشيتي هدي في سبيل الله أو أَضَاحِيْ لله، ومالي الذي في ذمم الناس فهم برآء منه، وقاتل أبي وأخي بريءٌ من القَوَد الذي لي عليه وأمثال ذلك؛ فهذا ونحوه مُعَلَّقُ الوقوعِ كمعلَّق الطلاق والعتاق، وهو لو علَّقَهُ تعليق نذر لوقع، ولم يكن متمكنًا من الرجوع عن مقتضاه، كما لا يتمكن المطلِّق والمعتِق الذي شرط في كلامه صيرورة المرأة طالقًا والعبد حرًّا من غير أن ينشئ لهما طلاقًا وعتقًا. وكذلك هنا؛ عَلَّقَ مصيرَ المال وقفًا وهديًا وأضحية وصدقةً من غير أن ينشئ لها وقفًا وهديًا وأضحية ولا إبراء من الدين والقود ونذر تصدق، بل قد يجب عليه موجَب [١٥٢/ ب] كونه هديًا ووقفًا وصدقة، وذاك زيادة عملٍ واجبٍ في الذمة من غير أن يتمكن من رَفْع (١) ما أوقعه من هذه الأعيان، وهو مع هذا إذا كان قصده بالتعليق اليمين أجزأته الكفارة، ولم يصر ذلك وقفًا ولا هديًا ولا أضحية، ولا تَبرأ ذمة المعين إذ كان قصده اليمين لم يقصد

стр. 636

إيقاع ذلك عند الشرط. الجواب الثالث: أنه بتقدير أن يكون النذر وجوب فعل في الذمة؛ فيقال له: لا ريب أَنَّ المعلَّق في النذر وجوب تلك الأفعال، كما أن المعلَّق هناك وقوع العتق والطلاق، ولو كان التعليق نذرًا محضًا ــ وهو نذر التبرر ــ للزم ثبوت هذا الوجوب المعلق في الذمة، ولم يمكنه رفع وجوب هذه الأفعال عن ذمته بكفارة ولا غيرها، ولم يكن متمكنًا من رفع هذا الوجوب، كما لا يتمكن من رفع وقوع الطلاق والعتاق، فالوجوب كالوقوع. ثم إذا قصد بالنذر اليمين لم يثبت هذا الوجوب عند الشرط، بل تجزئه كفارة يمين إلا أَنْ يَلزم مقتضى التعليق، وهو فعل ما أوجبه؛ كذلك في تعليق الطلاق والعتق على وجه اليمين لا يثبت هذا الوقوع عند الشرط، بل تجزئه كفارة يمين إلا أن يلزم مقتضى التعليق ــ وهو وقوع الطلاق والعتق ــ فينشئ حينئذٍ إعتاقًا وطلاقًا، وإذا فعل ذلك لم يكن عليه كفارة يمين هنا، كما ليس عليه كفارة يمين إذا فعل ما عَلَّقَ وجوبه؛ هذا مذهب الجمهور. وذكر أحمد بن حنبل أَنَّ هذا إجماعًا، وفيه قولٌ للشافعي اختاره طائفة من الخراسانيين، وذُكِرَ ذلك رواية عن أحمد حكاها جماعة من أصحابه أنه لا بُدَّ من الكفارة. والمقصود: أنَّ ثبوت الوجوب في الذمة بالتعليق القَسَمِيِّ والإيقاعي كثبوت الوقوع بالتعليق القسمي والإيقاعي، ليس بينهما فرق مؤثر أصلًا البتة، فإذا كان قصد اليمين مانعًا من ثبوت الوجوب = كان ــ أيضًا ــ مانعًا من ثبوت الوقوع.

стр. 637

الجواب الرابع: أَنَّ قولَ المفرِّقِ بينهما: إنه إذا قال: (إِنْ فعلتُ كذا فعليَّ أَنْ أُعتق عبدي [١٥٣/ أ] فلانًا؛ كان هذا من نذر اللجاج والغضب، لأنَّ المشروط التزام إنشاء عتقه لا وقوع عتقه، والملتزم للإنشاء قد يفي بما وجب عليه وقد لا يفي، وأما المعلِّقُ للوقوع فغير متمكن من الرجوع عن مقتضاه، والمعلِّق للطلاق والعتاق المشروط في كلامه (١) صيرورة المرأةِ طالقًا والعبد حرًّا؛ لا أنه ينشئ لهما طلاقًا وعتقًا، هذا مقتضى كلامه ومقصوده، وبينَ المعنيين بَونٌ عظيم؛ فقد لاحَ الفرق بين هذا وبين نذر اللجاج والغضب). يقال له: الفَرْقُ كالجمع؛ فلا يجوز أَنْ يُجْمَع بين فرعٍ وأصلٍ ولا يفرق بينهما في الأحكام الشرعية إلا بالصفات المؤثِّرة في الشرع التي عَلَّقَ بها الشارع الأحكام لا بغير ذلك من الصفات، وإِنْ كانت من أظهر الأمور (٢)، وَمَنْ جَمَعَ بينَ ما فَرَّقَ الله بينه كان بمنزلة الذين قالوا: إنما البيع مثل الربا، وقالوا: تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتل الله= فقاسوا الميتة على المُذَكَّى، والربا على البيع.

стр. 638

ومَنْ فَرَّقَ بين ما جمع الله بينه كان بمنزلة من يقول: الميراث للابن الكبير الذي يَرُدُّ الغَارةَ دون النساء والصبيان، فَيُفَرِّق في الميراث بين ما جمع الله بينه، فإنَّ الله ــ تعالى ــ سَوَّى في الميراث بين الصغير والكبير، والغني والفقير، وإِنْ كان قد فَرَّقَ بينهما في أحكام أخرى. ومن الأول (١) أَنْ يقول: إِنَّ البُضْعَ كالمال، فإذا مات الإنسان ورث وليه امرأته كما يرث ماله، أو يقول: الظهار كالطلاق، لأنه لفظٌ قُصِدَ به الطلاق، فيكون كنايةً فيه كسائر الكنايات؛ ونحو ذلك من الأقيسة التي تتضمن الجمع بين ما فَرَّقَ الله ــ تعالى ــ بينه. ومن الثاني أَنْ يقول: إذا كان الحانث في يمينه غنيًّا فينبغي أَنْ يؤمر بكفارة الظهار، فإنَّ فيه تغليظًا (٢) عليه بخلاف الفقير، فيريد أَنْ يفرق بين ما جمع الله ــ تعالى ــ بينه، وكذلك إذا قال: يجوز للإنسان أَنْ يعتق عبد غيره ويؤدي ثمنه، لأنَّ هذا قربة إلى الله ــ تعالى ــ بخلافِ الطلاق، والنبي ﷺ قد سَوَّى بينهما حيث قال: [١٥٣/ ب] «لا عِتْقَ لابن آدم إلا فيما يملك، ولا طلاق لابن آدم إلا فيما يملك» (٣)، ونظائر هذا كثيرة (٤). فإنَّ كثيرًا من الصفات التي يَظُنُّ كثير من الناس أَنَّ لها ما يؤثر (٥) في الجمع والفرق، وهي ملغاة عند الله ــ تعالى ــ ورسوله ﷺ ، وما ذكره هذا

стр. 639

المُفَرِّق وأمثاله من هذا الباب. فيقال له: المعلَّق في النذر إذا كان هو وجوب فعل يلتزمه في ذمته، والمعلَّق في الطلاق والعتاق هو وقوع حكم في محل معين لا يحتاج إلى إنشاء طلاق وعتاق= عديم التأثير، فإنه إذا عَلَّق فعل ما يقصد به النذر، كقوله: إِنْ شفى الله مريضي أو سَلَّم مالي الغائب فعليَّ أَنْ أحج حجة أو أتصدق بألف درهم أو أصوم شهرًا أو عليَّ أن أعتق عبدي فلانًا = فالمعلَّقُ هنا: وجوب فعل في ذمته قد التزمه عند الشرط، وقد يَفي بما وجب عليه وقد لا يفي، وليس المشروط عتقًا بل إنشاءُ عتق، ومع هذا فلما كان تعليقًا لازمًا ثبت الوجوب في ذمته، ولم يكن مخيَّرًا بين الفعل والترك بالنص والإجماع. قال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: ٧٥ - ٧٧] وهذا نذرٌ في الذمة لا شيء معين. وقال النبي ﷺ : «مَنْ نَذَرَ أَنْ يطيع الله فليطعه» (١)، وقال في ذم القَرْنِ الرابع: «ويَنذرون ولا يُوفون» (٢)، وقال: «آية المنافق ثلاث: إذا حَدَّثَ كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان» (٣)، والناذر قد وعد الله ــ تعالى ــ وعدًا يجب عليه الوفاء به، كما قال تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ

стр. 640

يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: ٧٧]. وبالجملة؛ هذا النذر لازمٌ بالإجماع، وقد ذكر بعضهم أنه يجزئ فيه الكفارة، وذكر بعضهم هذا عن أحمد، وهذا غلط على أحمد، وما عُلِمَ بهذا القول قائلٌ معين، وبكل حال؛ فهو يوجب إما المنذور وإما الكفارة. ولكن ذُكِرَ هذا عن بعض أهل الحديث محتجين بقوله ﷺ : «كفارة النذر كفارة يمين» (١)، وليس لهذا القول أصل معروف عن أحمد، والوفاء بنذر الطاعة واجب بالكتاب والسنة والإجماع. وبالجملة؛ فهذا مُسَلَّمٌ بين طوائف الأمة، وإذا كان كذلك مع أن الناذر التزم في ذمته فعل أشياء وقد وجبت عليه لما كان قادرًا = عُلِمَ أَنَّ كون المنذور التزامُ فعلٍ في الذمة ليس هو وصفًا مانعًا من لزوم الجزاء وثبوتِ الوجوب في الذمة إذا حصل التعليق الموجب لذلك، فلما سقط هذا في نذر اللجاج والغضب عُلِمَ أَنَّ المُسْقِطَ ليس هو هذا الوصف المشترك بين نذر التبرر ونذر اللجاج والغضب، بل وصف مختص بنذر اللجاج والغضب إذ لو كان المُسْقِطُ مشتركًا لم يجب شيء من المنذورات، وهو خلاف ما اتفقوا عليه، وخلاف ما سَلَّمه كل منازع، وخلاف النص. ويتبين بذلك أَنَّ هذا المُفَرِّق فَرَّقَ بوصفٍ مُهْدَرٍ مُلغًى في الشرع، وجعل هذا الوصف مانعًا من الوجوب وليس بمانع منه، بل الوجوب ثابت معه إذا حصل النذر الموجب، وأَنَّ الوجوب إنما لم يحصل في نذر اليمين لانتفاء (٢) النذر الموجب، لا لكون المنذور فيه التزام فعلٍ في الذمة.

стр. 641

فالفرق الشرعي هو: فَرْقٌ يعود إلى نفس عقد التعليق، وقصدِ المعلِّق الناذر والحالف، لا فَرْقٌ يعود إلى نفس المعلَّق؛ هل هو التزام فعل في الذمة أو إيقاع حكم في عين؟ ومعلومٌ أَنَّ الفرق العائد إلى عقد النذر وقصد المعلِّق الناذر الحالف المطلق المعتق، غيرُ الفرق العائد إلى الأمر المعلَّق هل هو إلزام أم إيقاع؟ والشارع إنما اعتبر الفرق العائد إلى العقد والعاقد، لا الفرق العائد إلى المعقود عليه؛ فليتدبر اللبيب هذا، يتبين له غلط من أَلغى الصفات الشرعية التي ناط الشارع بها (١) الأحكام، واعتبرَ صفاتٍ بدعيةً ما أنزل الله بها من سلطان، ويتبين له أن العقد الموجب للأمر المعلَّق موجَبه، وإِنْ كان المعلَّق وجوب فعل في الذمة، وأنه إِنْ [١٥٤/ ب] كان غير موجَب لم يوجِبه، وإن كان المعلَّق وقوع حكم في عين. ويقال لهذا المُفَرِّقِ بالفروقِ الجاهلية التي ما أنزل الله بها من سلطان، المعرضِ عن الفروق الشرعية الدينية التي أنزل الله بها سلطانه ــ وهو كتابه وسنة رسوله ﷺ [ ... ] (٢) ــ: الوقوعُ المعلَّق هنا كالوجوب المعلَّق هناك، وأنت تجعل الوجوب لازمًا في نذر التبرر، ولا تجعله لازمًا في نذر اليمين، وكلاهما قد اقتضى تعليقُهُ التزامَ فعلٍ في الذمة، فلو كان كونه التزام فعل في الذمة هو المانع من وجوبه = لم يجب بالنذر شيءٌ في الذمة، وليس الأمر كذلك؛ بل يجب في الذمة ما أوجبه النذر، وإنما لم يجب في نذر اليمين لأنه لم يقصد النذر، بل قصد اليمين، وهو كارهٌ للزوم الجزاء وإِنْ وُجِدَ الشرط، وهذا المعنى بعينه موجود في تعليق الطلاق والعتاق، فإنْ كان

стр. 642

المعلِّق قاصدًا للوقوع وقع ولم يرتفع، وإِنْ كان قاصدًا لليمين لم يقع طلاق ولا عتاق، كما لم يجب هناك حج ولا صلاة ولا صيام ولا صدقة. وقوله: (الملتزم للإنشاء قد يَفِي بما وَجَبَ عليه وقد لا يفي). يقال له: له (١) اختيار في الفعل، لكن لا اختيار له في وجوب الفعل عليه، بل هو في تعليق النذر يجب عليه الفعل، وإِنْ كان قد يفي وقد لا يفي، ثم هذا الوجوب انتفى في تعليق اليمين المسمى بنذر اللجاج والغضب، وأما وقوع الطلاق والعتاق فلا اختيار له في رَفْعِهِ إذا أوقعه منجَّزًا أو معلقًا تعليقًا يَقصد به إيقاعه. وأما إذا كان قصده اليمين فلا نُسَلِّم أنه وقع، بل ولا يمكن وقوعه مع هذا القصد، كما لا يمكن ثبوت وجوب تلك الأفعال مع قصد اليمين، لكن إِنْ وَفَّى بموجب التعليق فأوقعه وقع بإيقاعه لا بنفس التعليق ولا كفارة عليه، كما أنه هناك إِنْ وَفَّى بفعل ما أوجبه التعليق من العبادات برئت ذمته ولا كفارة عليه، لأنه فعل ما أوجبه التعليق، كما أنه هنا أوقع ما أوجبَ التعليقُ وقوعه، لكن هناك يبرأ بالفعل الذي عَلَّقَ وجوبه ولم يجب، وهنا يبرأ [١٥٥/ أ] بإيقاع العتاق والطلاق الذي علق وقوعه ولم يقع، فإنَّ المقصودَ من وجوب الفعل نفس الفعل، والمقصود من الإيقاع الوقوع؛ [فالوقوع المعلق لا يقع بحال لا بذلك التعليق، وقد علق الوجوب ومع قصد اليمين إلا بإيقاعه لا يحصل الوجوب] (٢)، لكن انعقد سبب الوجوب، فإذا فعل ما انعقد سبب وجوبه برئت ذمته، كما لو فعله بعد الوجوب، فإنَّ غايةَ سبب

стр. 643

الوجوب إِنْ ثبتتْ الوجوب، ولو أثبته لبرئ بفعل الواجب. وأما تعليق الإيقاع فمقصوده المتضمن للوقوع، فإذا قصد اليمين لم يحصل إيقاع ولا وقوع، لكن إذا أوقعه فقد فعل ما انعقد سبب وقوعه، وغايته: سبب (١) الوقوع أن يكون موجبًا للوقوع، فإذا أوقعه فقد برئ، فإنه فعل ما يقتضيه التعليقُ الموجِبُ للإيقاعِ؛ فكيف بما هو سبب للإيقاع من غير إيقاع؟ الوجه الخامس: قوله: (فقد لاح الفرق بين هذا وبين نذر اللجاج والغضب). فيقال له: بل قد تبين أنهما سواء عند الله ورسوله ﷺ ، وأن الفرق بينهما من جنس فرق الجاهلية، وإنما فرق الشارع بين مَنْ يقصد اليمين ومن يقصد النذر، ولم يفرق بين من عَلَّقَ شيئًا في الذمة وعلق حكمًا في عين. فالشارع فَرَّقَ بين نذر اللجاج والغضب ونذر التبرر؛ فأوجب نذر التبرر مع ما ذكره من الوصف المانع من لزومه، وهو كونه التزم أمرًا في الذمة، فهذا الوصف جعله المفرِّق هو المانع من وجوب المنذور، والشارع لم يجعله مانعًا من وجوب المنذور، بل جعل المانع هو قصد اليمين، وقصد اليمين هو المشترك بين اليمين بالنذر واليمين بالطلاق والعتاق، وأما التزام فعل في الذمة فهو مشترك بين نذر التبرر ونذر اليمين، والشارع فَرَّقَ بالوصف الأول الذي ألغاه هذا المفرق، وجَمَعَ بالوصف الثاني الذي اعتبره هذا المفرق، فَفَرَّقَ بين ما جمع الله ورسوله بينه، [١٥٥/ ب] وَجَمَعَ بين ما

стр. 644

فَرَّقَ الله ورسوله بينه، حيث اعتبر بالوصف المشترك بين نذر التبرر ونذر اليمين، وهذا وصفٌ ملغًى عند الشارع (١)، وألغى الوصف المشترك بين الحلف بالنذر والحلف بالطلاق والعتاق، وقد اعتبر الشارع هذا الوصف = فكان في جمعه وفرقه جامعًا مُفَرِّقًا بوصفٍ لم يجمع الله به ولا رسوله، وتاركًا للجمع والفرق الذي اعتبره الله ورسوله. = جَعَلَ المؤثِّر في نذر اللجاج كونه إلزامًا في الذمة، وهذا الوصف منتفٍ في الحلف بالطلاق والعتاق، موجودٌ في تعليق النذر، وَقَصَدَ بذلك أَنْ يُفَرِّقَ بين الحلف بالنذر والحلف بالطلاق والعتاق، ولو كان ما قاله صحيحًا لم يجب نذر شيءٍ في الذمة لوجود هذا الوصف، والشارع إنما جعل المؤثر في التعليق الذي يقصد به اليمين= كونه قصد اليمين، لا لكونه التزم شيئًا في الذمة، وهذا الوصف موجود في الحلف بالعتاق والطلاق؛ فيجب التسوية بينهما في ذلك. الجواب السادس: قوله: (نعم؛ هو فيه شَبَهٌ منه من جهة أَنَّ كلًّا منهما منع نفسه من الشرط المذكور أو حثها). يقال له: ليس الشبه بينهما مجردَ ما ذكرتَهُ من الحثِّ والمنع من الشرط، فإنَّ هذا المعنى موجود في تعليق الوعيد؛ كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]، فإنَّ هذا فيه حَثٌّ على الشرط وَمَنْعٌ منه، وليس هو من الأيمان في شيء، ولا يُسَمِّي أحد هذا يمينًا، ولا حُكْمُهُ حُكْمُ اليمين.

стр. 645

وكذلك إذا عَلَّقَ الطلاق بصفة يكرهها، ولكن يختار الطلاق إذا وقعت، كقوله: إذا تزوجتُكِ فأنتِ طالق؛ فإنَّ هذا وإن كان مقصوده المنع من الشرط، فلم يقل أحد من الصحابة أَنَّ هذا يمين، بل ولا من التابعين، ولا قال مُسْلِمٌ أَنَّ هذا يمين مكفرة، وإنما النزاع فيما إذا حلف بمثل ذلك. ولكن وجه الشبه بينهما: أَنَّ كلًّا منهما فيه حضٌّ ومنع، مع أَنَّ المعلِّقَ لا يريد الجزاء عند الشرط، فالمعلِّق لا يريد الشرط ولا الجزاء إذا وجد الشرط، [١٥٦/ أ] فهما مشتركان في كراهة الشرط وكراهة الجزاء وإن وجد الشرط. الجواب السابع: قوله: (ولكنه بسببين مختلفين؛ في نذر اللجاج بسبب خوفه من لزوم ما التزمه على ذلك التقدير، وهنا بسبب خوفه من وقوع ما أوقعه على ذلك التقدير، وما حصل الحث والمنع إلا بهذا الاعتبار). فيقال له: هذا القدر المشترك بينهما، وهو أن كلًّا منهما منع نفسه أو حثَّهَا بسبب خوفه من المحذور الذي علَّقه وهو يكره لزومه إياه، وهو معنى اليمين الذي به فُرِّقَ بين نذر اللجاج والغضب وبين نذر اليمين، وكون الخوف هنا من لزوم ما التزمه، والخوف هنا وقوع ما أوقعه = فَرْقٌ عديمُ التأثير، وكما أن لزوم ما التزمه على ذلك التقدير لا يثبت مع قصد اليمين فكذلك وقوع ما أوقعه لا يثبت على ذلك التقدير مع قصد اليمين، فدعوى المدعي أن قصد اليمين مانع من اللزوم وليس مانعًا من الوقوع تفريق بين المتماثلين، وليس هنا فرق شرعي أصلًا.

стр. 646

الجواب الثامن: قوله: (فهذا فرقٌ جليٌّ واضحٌ). يقال له: فَرْقٌ بين كون هذا المعلَّق لزومًا والمعلَّق هنا وقوعًا، وقد تبين أن هذا الفرق ليس له تأثير في الشرع، بل قد يكون المعلق لزومًا ولا يجب (١) إذا كان قصده اليمين، وإنما امتنع اللزوم لقصد اليمين لا لكونه لزومًا، وقصد اليمين موجود في تعليق الوقوع؛ فدعواه أن نذر اليمين لا تَلزمه (٢) لكونه لزوم أمرٍ التزمه = كلامٌ باطلٌ، فإنَّ هذا الوصف ثابت في نذر التبرر وقد لزمه فيه ما التزمه؛ فعلم أن هذا الوصف تارة يثبت معه اللزوم وتارة لا يثبت، فلم يكن له أثر في إثباته ونفيه، وإنما المؤثر في نفي اللزوم كونه قَصَدَ اليمين، وهذا المعنى موجود في تعليق الوقوع إذا قصد به اليمين؛ فالفرق الواضح في دين المسلمين يوجب الفرق بين ما جَمَعَ بينه والجمع بين ما فَرَّقَ بينه بخلاف ما ذكره. وأما قوله: إِنَّ هذا بَيِّنٌ؛ أَنَّ هذا ــ يعني: تعليق الطلاق والعتاق ــ ليس من نذر [١٥٦/ ب] اللجاج والغضب في وِرْدٍ ولا صَدَر = فكلامُ من لا معرفة له بما في هذه المسألة من المنقولات، ولا بما فيها من الأدلة الشرعية. فإنْ قَصَدَ أَنَّ تعليق الطلاق والعتاق إذا قُصِدَ به اليمين ليس معناه معنى نذر اللجاج والغضب في أن كلًّا منهما قصد به اليمين لم يقصد به لزوم الجزاء = فهذه مكابرة، وإِنْ أراد أَنَّ المعلَّق في هذا التزامٌ لفعلٍ، وفي هذا إيقاع لحكم؛ فقد قدمنا أَنَّ هذا الوصف ممنوع في الأصل والفرع، وأنه لو كان كذلك لكان فرقًا عديم التأثير، وأَنَّ المؤثِّرَ في الفرق إنما هو قصد اليمين، وأما كونه التزامًا لفعل فثبت لزومه إذا قصد النذر.

стр. 647

وأيضًا؛ فقد ثبت عن غير واحد من الصحابة ﵃ التسويةَ بين تعليقِ النذر وتعليقِ العتق إذا قصد به اليمين، بل لم يُنقل عن الصحابة ﵃ إلا التسوية بين تعليق العتق وتعليق النذر إذا قصد به اليمين، لم يُنقل عن أحدٍ منهم لا بإسنادٍ صحيح ولا ضعيف أنه فَرَّقَ بين نذر العتق والطلاق وبين تعليق النذر إذا قصد بهما اليمين. فإذا كان الصحابة ﵃ لم يُنقل عنهم إلا التسوية بينهما سواء قالوا هما يمين يُكفرها أو قالوا بلزوم ما التزمه = كان المُفَرِّقُ بينهما مخالفًا لإجماع الصحابة الذي لم يعلم فيه نزاع بينهم، وكان مُفرِّقًا بين ما سوّى الصحابة بينهما، وكان ــ أيضًا ــ ملغيًا للمعنى الذي اعتبره الله ــ ــ ورسوله ﷺ وهو معنى اليمين، ومعلِّقًا للحكم بوصف ملغًى عند الله ــ تعالى ــ ورسوله ﷺ وهو كونه التزامُ فعلٍ مع أَنَّ هذا الملتزم يلزمه ما التزمه إذا كان ناذرًا؛ فالوصف منتقضٌ عديم التأثير، والفرق بمثل هذا في غاية الفساد. فإنَّ الوصفَ يَبطلُ بالنقض ويَبطلُ بعدم التأثير؛ فكيف إذا اجتمعا جميعًا؟! فإنه لا يكون مطردًا ولا منعكسًا، بل يثبت والحكم منتفٍ، وينتفي الحكم وهو ثابت، فقد يكون الالتزام موجودًا والحكم ــ الذي هو الكفارة ــ منتفٍ، ويثبت الحكم ــ الذي هو الكفارة ــ والالتزام في الذمة منتفٍ. وقوله: (ليس من نذر اللجاج والغضب [١٥٧/ أ] في وِرْدٍ ولا صَدَر)؛ فكلامٌ يستلزم إسرافًا (١) إما من (٢) قلة العلم والفقه، وإما من قلة العدل والإنصاف.

стр. 648

فإنَّ جماهير علماء المسلمين من السلف والخلف يُسَوون بين تعليق الطلاق والعتاق وبين تعليق النذر؛ إما في لزوم المعلَّق، وإما في القول بالتكفير، وإما في نفي هذا وهذا. والمنقول عن الصحابة ــ رضوان الله عليهم ــ في هذا الباب بالإسناد الصحيح والضعيف ليس في شيء منه التفريق، بل إنما فيه التسوية بينهما؛ إما في الكفارة ــ وهي النقل الثابت بلا ريب عنهم ــ، وإما في الإلزام بالجميع، وأَمَّا الفرق (١) بينهما فلم ينقله أَحَدٌ علمناه عنهم بإسنادٍ صحيح ولا ضعيف. وأيضًا؛ فلا يستريب عاقل أَنَّ بَيْنَ التعليقين إذا قُصِدَ بهما اليمين قَدْرًا مشتركًا، وهو قصد اليمين، فإنَّ هذا معلوم بالضرورة، ولا يستريب عاقل أَنَّ كونَ المعلِّق قصد بتعليقه اليمين وصفٌ مؤثر عند جمهور علماء المسلمين من السلف والجمهور، وهو الثابت عن الصحابة وعامة التابعين = مِنْ جنس التعليق الذي يقصد به اليمين، ثم جمهورهم يقولون: هي يمين مكفرة، ومنهم مَنْ قال: هي يمين غير محترمة، وليست من أيمان المسلمين، فلا كفارة فيها. وأما القول بأنَّ القاصد قصد يمينًا لازمًا (٢) بقوله بل (٣) يلزمه ما علَّقه= فليس هو قولًا مشهورًا عن الصحابة والتابعين، وإنما اِشْتَهَرَ بعد ذلك، ثم القائلون به يسوون بين تعليق النذر وتعليق الطلاق في لزوم الجميع، والذين

стр. 649

فَرَّقُوا بين التعليقين من المتأخرين كالشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبي عبيد ومَنْ قد يُنقل عنه ذلك من السلف، كرواية منقولة عن الحسن البصري (١) بأنهما يشتركان في وصف بظن (٢) المجتهد= فهؤلاء يعترفون أنه مؤثر، ولهذا يذكرون ما يذكرونه من الفرق؛ لا يقول عالمٌ منصفٌ: إِنَّ هذا ليس من وِرْدٍ ولا صَدَر. ومعلومٌ أَنَّ التصريح بالفرق بين تعليق الطلاق والعتاق كما أنه ليس منقولًا بإسناد عن الصحابة فليس هو مما كثر نقله عن التابعين، بل لست أعلم نقلًا مصرحًا إلا في رواية الحسن البصري روي عنه بخلافها، وخلافُهَا أثبت عنه؛ روي ذلك من وجهين، لكن قد [١٥٧/ ب] يقال ذلك بطريق التخريج، كما يقال نقيضه بطريق التخريج، فإنه قد تنقل (٣) عنهم أجوبة قليلة في مسائل من تعليق الطلاق الذي يحلف به أنه يلزمه الطلاق؛ وحينئذٍ فيكون قولهم في العتق كذلك لعدم الفرق. ومِنْ هؤلاء مَنْ نُقِلَ عنه في تعليق النذر أنه تجزئ فيه الكفارة (٤)؛ كما نُقِلَ هذا وهذا عن عطاء وبعض التابعين. وحينئذٍ؛ فهذا التخريج يقابَل بمثله من وجهين: أحدهما: أَنْ يقال: بل يخرج عنهم في تعليق النذر ــ أيضًا ــ أنه يَلزم، كما قالوا في تعليق الطلاق الذي يقصد به اليمين، أو أَنْ يقال: بل مِنْ هؤلاء

стр. 650

مَنْ قال في تعليق العتق إن فيه كفارة وإنه لا يلزم الحالف به؛ وحينئذٍ فالطلاق لا يلزم الحالف به بطريق الأولى. ومِنْ هؤلاء مَنْ عُرِفَ قولُهُ في تعليق النذر ولم يُعرف قوله في تعليق الطلاق والعتاق، ولكنهم علقوا الحكم بكونها يمينًا، وهذا معنًى موجود في كل تعليق يقصد به اليمين، فيكون قولهم في تعليق الطلاق والعتاق إذا قصد به اليمين أنه يكفر. ففي الجملة؛ [فمنهم] (١) مَنْ لم يُعرف مِنْ قولِهِ أنه يفرق بين تعليق الطلاق الذي يقصد به اليمين وبين تعليق النذر، لكن كثيرٌ منهم عُرِفَ قوله في تعليق النذر الذي يقصد به اليمين أنه لا يلزمه ولم يُعرف قوله في تعليق الطلاق والعتاق، ومنهم مَنْ عُرِفَ قولُهُ أَنَّ تعليق العتاق عنده كتعليق النذر ولم يُعرف قوله في تعليق الطلاق، ومنهم مَنْ نُقل عنه في بعض مسائل تعليق الطلاق أنه يلزم ولم يُعرف قوله في تعليق العتق والنذر أو في أحدهما، ومنهم مَن اختلفتِ الروايةُ عنه في بعض ذلك. فإنْ لم يجز نقل قول أحد بالتخريج والاستنباط والقياس= لم يجز أن ينقل عن أحد منهم الفرق بين تعليق الطلاق والعتاق، وفي تعليق النذر نقلٌ شاذٌ كروايةٍ عن الحسن نُقِلَ عنه من وجهين، أَثبتُ منها ما يخالفها. وإِنْ جاز نقل أقوالهم بالتخريج والاستنباط والقياس؛ فمعلومٌ أَنَّ القولَ الذي عُرِفَ أَنَّ الجمهورَ يقولونه من التسوية بين تعليق الطلاق [١٥٨/ أ] والعتاق وبين النذر؛ إما في لزوم المعلق وإما في لزوم التكفير وإما في

стр. 651

عدمهما = أولى أن ينقل عنهم من الفرق؛ فإن الجميع من التعليقات التي يقصد بها اليمين إما في اللزوم وإما في الإلغاء وإما في التكفير = أظهر من الفرق بين تعليق وتعليق، فإنَّ هذا لم يُؤْثَر عن الصحابة، ولا عُرِفَ أنه قولُ واحدٍ من التابعين لم يُختلف عنه فيه، وهو ضعيف جدًّا متناقض، حيث جَعَلَ قصد اليمين تارة يجعل التعليق يمينًا وتارة لا يجعله يمينًا، بل وجعل قصد اليمين مانعًا من اللزوم في الذمة ولم يجعله مانعًا من اللزوم في الأعيان، واللزوم في الذمة أقوى من اللزوم في الأعيان، فإنَّ التصرف في الذمة أوسعُ وألزم من التصرف في الأعيان، وشروط لزومه أيسر بخلاف التصرف في الأعيان فإنها أضيق وشروط لزومها أكثر (١). ولهذا؛ قد ينفذ تصرف المحجور عليه لحق الغير كالمفلس والعبد في الذمة لعدم الضرر في ذلك على السيد والغرماء، ولا ينفذ في العين لتعلق حق الغير بها، والصبي والمجنون تثبت الحقوق في ذممهما ولا تثبت في أبدانهما؛ ولهذا يجب في ذممهما ديون الآدميين كثمن المبيع وبدل القرض بتصرف الولي، ويثبت في ذممهما كثير من حقوق الله ــ تعالى ــ كالخراج والعُشْرِ وصدقة الفطر والزكاة عند أكثر العلماء، ولا يجب على أبدانهما حَدٌّ ولا حَجٌّ ولا صلاة ولا صيام. ويثبت في الذمة ما يتعلق بحق الغير، فلو قال: إِنْ شفى الله مريضي فلله عليَّ أَنْ أشتري عبد فلان لأعتقه= لزم ذلك، وكان عليه فعل ذلك إن استطاعه. ولو قال: فعبد فلانٍ حر= لم يلزم أن يصير حرًّا باتفاقهم، بل غاية

стр. 652

ما يقال: إنه يلزمه أَنْ يشتريه ويعتقه أو إنه يكفر كفارة يمين، لم يقل أحد: إنه يصير حرًّا لأن التصرف في الأعيان له شروط متعددة يقف عليها، بخلاف التصرف في الذمة فإنه أسرع لزومًا. ولهذا؛ لما كان إيجاب الشارع إنما هو على أعيان العباد لم يوجب ما لا يطيقونه، ولما كان النذر يوجبه العبد في ذمته فقد يوجب ما لا يطيقه، ولهذا جَعَلَ الشارعُ النذرَ كالدين الذي في [١٥٨/ ب] الذمة، يفعل عن الميت بغير إذنه، بخلاف ما يوجبه الرب بالصلاة المفروضة، لا يصليها أحد عن أحد حيًّا ولا ميتًا بلا نزاع نَعرفه (١). وكذلك الصوم المفروض عند جماهير العلماء إنما بدله عند العجز أن يطعم عن كل يوم مسكينًا، كما كان كذلك في الكفارة جعل الله الإطعام بدلًا عن الصيام في حقِّ المكفِّر بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ [المجادلة: ٤]، وكما خَيَّرَ الله ــ ــ في أول الإسلام بين الصيام وبين إطعام مسكين، ثم قال: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤]، فجعل صيام يوم خير من إطعام مسكين، ولهذا كان جمهور السلف والخلف على أَنَّ العاجز عن صيام رمضان يطعم عن كل يوم مسكينًا، ولا يأمر أحدًا يقضي عنه الصوم باتفاق

стр. 653

العلماء (١). وأما الصوم المنذور فيفعل عن الميت (٢)، كما ثبت ذلك في الصحيح عن النبي ﷺ من غير وجه (٣)، وهو مذهب ابن عباس وغيره من السلف، وقول فقهاء الحديث كأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وغيرهما. وابن عباس ﵄ نفسه الذي روى عن النبي ﷺ أنه يصوم عن الميت وليُّهُ [روي عنه أنه] (٤) يفرق بين صيام النذر وصيام الفرض، واتبعه أحمد وإسحاق وغيرهما، وصومُ الفرض لم يدخل في قول النبي ﷺ : «من مات وعليه صيام صام عنه وليه» (٥)؛ فإنَّ الله ــ سبحانه ــ لم يوجب الصيام على مَنْ يَعجز عنه، والميت عاجز بخلاف [الميت الناذر] (٦) فإنه أوجبه في ذمة نفسه، وذلك يتناول ما يقدر عليه وما يعجز عنه. ولهذا كان مذهب فقهاء الحديث أن جميع العبادات المنذورة تفعل عن الميت حتى الاعتكاف والصلاة كما نقل عن الصحابة، وهو أصح

стр. 654

الروايتين عن أحمد، لأن النذر المطلق في الذمة، والله ــ تعالى ــ أحق بقبول قضاء (١) الدين الذي في ذمة الميت من العباد؛ كما بين النبي ﷺ لما سئل عن ذلك، فجاءته امرأة فقالت: يا رسول الله، إِنَّ أمي ماتت وعليها صوم نذر؛ أفأصوم عنها؟ قال: «أرأيتِ لو كان على أمك دين [١٥٩/ أ] فقضيتيه، أكان يؤدي ذلك عنها؟» قالت: نعم. قال: «فصومي عن أمك»، وفي لفظ: «فدين الله أحق أَنْ يقضى»، وفي رواية: «أحق بالقضاء» رواه ابن عباس في الصحيحين (٢)، وفي لفظ: جاء رجل (٣)، وبهذا اللفظ وصل البخاري سنده. فالله ــ ــ أرحم، ودينه أوجب، ولم يأت في مباني الإسلام ما يُفعل عن الغير إلا الحج، فإنه أَذِنَ للولد أن يحج عن أبيه الشيخِ الكبيرِ، لأنَّ العاجز لا يَقدر أَنْ يحج بنفسه ولا ماله بدون بدن غيره فدخلته النيابة للحاجة، بخلاف الصلاة المفروضة فإنه يقدر أَنْ يصلي بنفسه، والصوم المفروض يمكنه أن يطعم عن نفسه (٤). فالشارع أوجب مباني الإسلام على بدنه، فإنْ عجز ففي ماله، فإن عجز عنهما قام غيره مقامه؛ ولهذا قام ولي الصبي والمجنون عنهما مقامهما في الزكاة عند الجمهور، وأما العاقل البالغ فلا بُدَّ أَنْ يؤديها إما بنفسه وإما بنائبه، فيقصد إخراجها؛ فإنْ أَخَذَهَا الإمامُ كُرْهًا سقطت عنه في الظاهر كسقوط الديون التي توفى عنه، ولكن لا يثاب على ذلك إذا لم يقصد

стр. 655

إخراجها؛ فدخلت النيابة فيما هو حق للعباد دون ما هو حق لله ــ تعالى ــ، فالشارع عليم حكيم رحيم يوجب العبادات بحسب طاقة العباد، وأما الناذر فهو الموجِب على نفسه، وقد نُهِيَ عن النذر، لكن قد يوجب على نفسه ما يعجز عنه؛ فمن رحمة الشارع به أنه جَوَّزَ له أن يأتي ببدل النذر إذا عجز عن المنذور، وإقامة غيره مقامه إذا فات (١)، وحيث عجز عن الأصل والبدل جُوِّزَ له أن يكفر كفارة يمين. ولهذا كان ظاهر مذهب أحمد أَنَّ ما حَلَفَ عليه الإنسان وعَجَزَ عنه يكفر كفارة يمين، كما يكفر ما عجز عنه من المنذور بكفارة يمين، فإنَّ اليمين سبب للإيجاب، فلا بُدَّ من فعل المحلوف عليه أو الكفارة، كما في النذر، وقد قال النبي ﷺ : «كفارة النذر كفارة يمين» (٢). ولهذا كان مذهب أحمد أن إيجاب العبد على نفسه لا يخلو عن فعل الواجب أو بدله أو كفارة يمين، وكذلك تحريمه على [١٥٩/ ب] نفسه فيه الكفارة، بخلاف إيجاب الشارع، فإنه لا يوجب إلا ما يقدر العبد عليه، فما عجز عنه سقط بغير كفارة، كما يسقط عنه واجبات الصلاة التي يعجز عنها، وكذلك ما له بدل إذا عجز عن الأصل؛ وهذه المسائل لبسطها موضع آخر. والمقصود: أَنَّ الوجوب في الذمة أوسع وأيسر في الشرع، وشروطه أقل، وموانعه أقل، والوقوع أكثر شروطًا وأكثر موانع، ومع هذا فالتعليق الذي يُقصد به اليمين يَمنع الوجوب في الذمة، فإذا كان مانعًا من ثبوت الوجوب واللزوم في الذمة= فَلَأَنْ يكون مانعًا من ثبوت الوقوع واللزوم في

стр. 656

الأعيان بطريق الأولى والأحرى، فإن كل ما منع اللزوم في الذمة منع اللزوم في الأعيان ولا ينعكس؛ فمن جعل قصد اليمين يمنع اللزوم في الذمة ولا يمنع اللزوم في الأعيان فقد عكس الشريعة، فإن جاز أن تُنقل أقوال الصحابة والتابعين بالتخريج والقياس والاستنباط، فَنَقْلُهُ لما يوافق أصول الشرع ويدل عليه كلامهم أولى من نقله على وَجْهٍ لا يدل عليه كلامهم ويلزمهم مع ذلك مخالفتهم لأصول الشرع. فصلٌ وأما ما ذكره المعترض عن أبي الفتح الطوسي أنه كان يفتي في قوله: الطلاق يلزمني بعدم الحنث، ويقول: إلزام ما لا يلزم فلا يلزم، وأن ذلك مستفيضٌ عنه (١)؛ فهذا القول منقول صريحًا عن أبي حنيفة نفسه. قال أبو الحسين القدوري في شرح مختصر الكرخي: قال محمد في الأصل (٢): إذا قال رجل: عليَّ المشي إلى بيت الله وكل مملوك لي حر وكل امرأة لي طالق إذا دخلت الدار. فقال رجلٌ: عليَّ مثلما جعلتَ على نفسك إِنْ دخلتُ الدار، ثم دخل الثاني الدار، فإنه [يلزمه المشي] (٣)، ولا يلزمه العتاق والطلاق. ثم قال: ألا ترى أنه لو قال: عليَّ طلاق امرأتي، فإن الطلاق لا يقع عليه.

стр. 657

قال: وهذا يُستدل به على أَنَّ مَنْ قالَ: الطلاقُ عليَّ واجب أَوْ لِيْ لازم لا يقع طلاقه. وكان أصحابنا بالعراق يقولون فيمن قال: الطلاق لي لازم: إنه يقع طلاقه لِعُرْفِ الناس أنهم يريدون به الطلاق، وكان محمد بن مسلمة (١) يقول: إِنَّ الطلاق يقع [١٦٠/ أ] بكل حال. وحكى الهندواني: عن علي ابن (٢) أحمد، عن (٣) [نصر] (٤) بن يحيى، عن محمد بن مقاتل أنه قال: المسألة على الخلاف. قال أبو حنيفة ــ رحمه الله تعالى ــ إذا قال: الطلاق لي لازم أو عليَّ واجب لم يقع. وقال محمد: يقع في قوله لازم ولا يقع في قوله واجب. وحَكَى [ابن] (٥) سماعة عن أبي يوسف في نوادره في رجل قال: أَلزمتُ نفسي طلاق امرأتي، أو ألزمت نفسي عتق عبدي هذا؛ إِنْ أرادَ الطلاق والعتاق فهو واقع، وإلا لم يلزمه. وكذلك لو قال: ألزمت نفسي طلاق امرأتي هذه إنْ دخلتُ الدار، أو عتق عبدي هذا فدخل الدار وقع الطلاق والعتاق إِنْ نوى ذلك، وإذا لم ينو فليس بشيء (٦). وهذا القول المنقول عن أبي حنيفة هو قول طائفة من أصحاب الشافعي

стр. 658

الخراسانيين كالقفال وصاحب التتمة (١)، ويفتي به طائفة من أصحاب الشافعي في زماننا من أهل خراسان والجزيرة وبعض أهل تَبريز (٢) وغيرهم (٣). وحجة هذا القول: أَنَّ قولَ القائلِ: الطلاقُ يلزمني، أو العتق يلزمني، أو أيمان المسلمين تلزمني، أو أيمان البيعة تلزمني = صيغةُ نذر لا صيغة إيقاع، وهذا اختيار بعض المالكية مثل أبي [عمر] (٤) بن القطان، ذكر ذلك في الحلف بأيمان المسلمين. وقد تنازع الناس في هذه الصيغ: هل هي صريح في الإيقاع، أو كناية فيه، أو ليست صريحًا فيه ولا كناية؟ على ثلاثة أقوال، وهي ثلاث أقوال في

стр. 659

مذهب أبي حنيفة والشافعي، وأما أصحاب مالك وأحمد فعندهم أنها صريحة في الإيقاع إلا ما ذكرته عن ابن القطان، وهذا ظاهر مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي، ولكن يحتمل النذر فإن نوى بها ذلك جاز. ومنشأ النزاع: أَنَّ لفظ الطلاق يراد به الإيقاع ويراد به الوقوع، يقال: طلقها تطليقًا وطلاقًا، فطلقت المرأة طلاقًا، فلفظ الطلاق يراد به ما يراد بالتطليق، ويراد به ما يراد بالمصدر طلقت طلاقًا؛ وهذا كما يقال: أنبتَ الله الزرعَ إنباتًا ونباتًا، ويقال: نَبَتَ نباتًا. فإذا قال: الطلاقُ والعتقُ يلزمني؛ فقد يراد به: يلزمني أَنْ أُطَلِّق أو أُعْتِق [١٦٠/ ب]، وكذلك إذا قال: أيمان المسلمين أو البيعة تلزمني؛ فقد يراد به: يلزمني أَنْ أحلف بأيمان المسلمين والبيعة، فيكون معنى كلامه: عليَّ أَنْ أُطَلِّق، وعليَّ أن أعتق، وعليَّ أن أحلف بأيمان المسلمين والبيعة. ولو قال: عليَّ أن أطلق كان نذرًا، والنذر لا يجب الوفاء به إن لم يكن طاعة، فإذا لم يكن مأمورًا بالطلاق لم يثبت في ذمته، ولم يجب عليه أن يطلق باتفاق العلماء. ولكن تنازعوا في لزوم الكفارة؛ والمنصوص عن أحمد أَنَّ عليه الكفارة إذا نذر الطلاق، وكذلك قال أصحاب أبي حنيفة [و] (١) الخراسانيون من أصحاب الشافعي إذا قصد بذلك اليمين يكون مراده: والله لأطلقنك. وقد يراد به: وقوعُ الطلاقِ يلزمني، أو وقوع العتق يلزمني، والحلف بأيمان البيعة وأيمان المسلمين تَلزمني؛ قال هذا على سبيل قصد الأيمان=

стр. 660

كان بمنزلة قوله: أَنتِ مُطَلَّقة، وأَنتِ طالق، ونحو ذلك من الصيغ التي يقصد بها الإنشاء، وقد يراد بها الإخبار بتقديرِ أنتِ (١) مُطَلَّقَةٌ قبل هذا، أو أَنتِ طالق قبل هذا؛ إما مني وإما من غيري، كما يقول الرجل عن امرأة غيره: هي طالق، وهي مطلَّقة؛ يقصد الإخبار بأنَّ زوجها طلَّقَهَا لا أنه هو أنشأ طلاقها. لكن لو قال لزوجته: أَنتِ أو هي أو فلانة طالق أو مُطَلَّقَة وقصد به إنشاء الطلاق لا الإخبار عن طلاقٍ متقدم = كان تطليقًا بلا نزاع. فكذلك قوله: الطلاق لازمٌ لي أو العتق لازمٌ لي إذا قصد به أَنَّ وقوعه لازمٌ لي في الحال أو يلزمني في الحال = كان إيقاعًا ولم يكن نذرًا، ولكن كثيرًا ما يستعمل ذلك في اليمين، بل هو الغالب؛ فيقول: الطلاق يلزمني أو لازم لي لأفعلنَّ كذا؛ كما يقول: الحرام يلزمني لأفعلنَّ كذا، والحج يلزمني لأفعلنَّ كذا، والظهار يلزمني لأفعلنَّ كذا، أو إِنْ لم أفعل كذا؛ فهنا قد جعل ذلك لازمًا له إذا حنث، والحنث مستقبل، ولم يجعل ذلك لازمًا له في الحال. وصيغة المضارع واسم الفاعل تصلح للحال والاستقبال (٢)؛ فلهذا يراد بها هذا تارة وهذا تارة. وإذا قال: أيمان المسلمين أو أيمان البيعة تلزمني لأفعلنَّ كذا، أو إِنْ لم [١٦١/ أ] أفعل كذا؛ فقد يحتمل: يلزمني الحلف بها، وقد يحتمل: يلزمني الحنث فيها مع الحلف؛ فإنَّ الحالف هو الذي يلتزم عند الحنث ما يكره

стр. 661

لزومه له، والذي يكرهه هو الحنث فيها، وأما مجرد الحلف بها إذا لم يرد الحنث فيها= فلا محذور عليه فيه. فمقصود القائل بقوله: أَيمان المسلمين أو أَيمان البيعة [تلزمني] (١) إن فعلت كذا؛ أي: يلزمني ما يلزم الحالف بأيمان المسلمين إِنْ فعلتُ كذا، وإِنْ أرادَ: يلزمني ما يلزم الحالف بأيمان المسلمين إِنْ فعلت كذا = كان مراده قد حَلَفْتُ بالأيمان التي يحلف بها المسلمون لا أفعل كذا، وإذا حَلَفَ بأيمان المسلمين لا يفعل كذا= كان مقتضاه أنه عند الحنث يلزمه ما يلزم الحالف بيمينِ يمينٍ منها، لكنَّ اللفظ هنا عامٌّ، وإِنْ لم ينطق بكل يمين بخصوصها، بخلاف ما إذا قال: والله لأفعلنَّ، والطلاق لي لازم لأفعلنَّ، وعليَّ الحج لأفعلنَّ ونحو ذلك، فإنَّ هذا حلف بيمينِ يمينٍ منها على سبيل التخصيص والتفصيل. والمعترض قد قال عن الطوسي: كأنه لمح أن المعلق ههنا التزام الطلاق وهو لا يلزم، وهذا معنى قولنا: إنه نذر الطلاق؛ فإنَّ النذر التزام المنذور كما يلزم الضامن دين المدين مع بقائه عليه، والضمان يلزم بالنص والإجماع. وأما النذر إذا لم يُعَلَّق بشرط فقد ذهب الصيرفي وأبو إسحاق من أصحاب الشافعي إلى أنه لا يلزم كالوعد عندهم. قالوا: ولأنه عقد تبرع، والتبرعات لا تَلزم بالعقد، بل بالقبض بخلاف المعاوضات، كما إذا قال: إِنْ شفى الله مريضي فعليَّ أَنْ أُعتق؛ فهذا فيه شوب المعاوضة.

стр. 662

والجمهور على خلاف هذا القول، ونقضوا عليهم بالضمان، فإنَّ الضمان التزام للمدين قضاء دينه بدون المعاوضة وقد لزمه، والناذر التزم لله عبادة، وكلاهما ملتزم، لكن هذا التزم لله ــ تعالى ــ طاعة وهذا التزم للمخلوق قضاء دينه؛ والوعد فيه نزاعٌ وتفصيلٌ ليس هذا موضعه (١). وقد سمى الله النذر وعدًا (٢)، فلا نقول: إِنَّ كل وعد لا يلزم الوفاء به؛ ولكن النزاع هل نفس الوعد يوجب أو لا يوجب إلا في صورٍ [١٦١/ ب] مخصوصة كالنذر والضمان؟ وقوله: (إِنَّ الفتوى في هذا الزمان لا يمكن القول بها) كلامٌ صحيح، بل ولا في غير هذا الزمان، اللهم إلا أَنْ يكون قد كان بعض الناس يقصد بها النذر، ولعل هذا قد كان في زمن أبي حنيفة، ولهذا جعل هذا نذرًا، وإلا فالذي يعرف من عامة من يتكلم بهذه الصيغة أنه يقصد بذلك الإيقاع لا النذر، فيحمل كلامهم على ما هو المعروف من معناه عندهم. وأما تعليله بقوله: (لشهرةِ هذا اللفظ في معنى التعليق) فهذا تعليلٌ باطلٌ، فإنَّ هذا اللفظ يستعمل منجزًا ومعلقًا، فيقول الرجل: الطلاق يلزمني منك، أو الطلاق لازمٌ لي.

стр. 663

وقد يقول: الطلاق يلزمني ثلاثًا؛ ومراده: إيقاع الطلاق بها وأنها تصير مطلقةً منه، ليس مراده: أنه قد لزمني أَنْ أطلقك فيما بعد، واللفظ يحتمل أن يراد به ذلك المعنى الآخر. وكذلك اللفظ المعلق؛ إذا قال: إِنْ فعلت كذا فالطلاق لازم لي أو يلزمني؛ فإنه ظاهر في أنه يلزمه وقوعه، ويحتمل أَنْ يراد به النذر؛ أي: يلزمني أَنْ أُطَلِّق فيما بعد؛ فكلٌّ من التعليق والتنجيز ظاهر في لزوم الوقوع، ويحتمل أَنْ يرادَ به النذر وليس لكونه معلقًا تأثير، بل هو عديم التأثير وجودًا وعدمًا. فإنَّ النذر قد يُعَلَّق كما يُعَلَّقُ الإيقاع، والإيقاعُ قد ينجز كما قد ينجز النذر، بل التعليق في النذر يصح بالإجماع، وفي الطلاق نزاع؛ والطلاق المنجَّز يقع بالإجماع، وفي النذر المنجَّز نزاع. فقول القائل: (لشهرة هذا اللفظ في معنى التعليق حتى إنه ما صار يفهم منه إلا ذلك؛ وكأنَّ هذه القضية منقولة عرفًا إلى هذا المعنى) تعليلٌ باطلٌ، وكلامٌ باطلٌ؛ فإنَّ اللفظ مشهورٌ في قصد الإيقاع لا في قصد النذر، سواء كان منجزًا أو معلقًا، وهذا هو العلة في وقوع الطلاق، فإنَّ معناه عند الإطلاق هو: إيقاع الطلاق لا نذر الطلاق، ثم إذا قصد به النذر؛ فقد يكون منجزًا ومعلقًا، فليس كونه تعليقًا هو المشهور، ولو كان هو المشهور لم يصلح أن يكون ذلك علة في وقوع الطلاق المنجز بهذا اللفظ والجملة الواحدة، كقوله: (الطلاق يلزمني منك) لا تعليق فيها (١) [١٦٢/ أ].

стр. 664

فإنْ قيل: المعترضُ إنما قصدَ بقولِهِ: (لشهرة هذا اللفظ في معنى التعليق) أي (١): إذا تكلم به معلقًا، كقوله: إِنْ سافرتُ فالطلاق يلزمني، وجعل صيغة القسم كصيغة التعليق. قيل: نعم؛ ونحن نُسَلِّم أنه أراد ذلك، لكن احتمال اللفظ لمعنًى في حالِ تعليقه كاحتماله له في حال تنجيزه، فليس المؤثر في وقوع الطلاق في حال التعليق كونه (٢) تعليقًا، بل لأنه تعليق لوقوع الطلاق، وإلا فلو قصد بالتعليق النذر = كان تعليقًا للنذر لا للطلاق، فلم يقع به طلاق، ولا يجب عليه إذا لم يكن الطلاق طاعة لله أَنْ يُطَلِّقَ، بل إنما يجب عليه (٣) إذا حلف ليفعله أو نذر ليفعلنَّه= كفارة يمين، وإنما المؤثر في وقوعه: كون الصيغة مشهورة في معنى إيقاع الطلاق لا في نذره. وأما قوله: (وإلا فليس لها دلالة من حيث اللغة على التعليق ولا على الحلف)؛ فلم يُرِدْ به الصيغة المنجَّزَة، فإنَّ تلك ليست تعليقًا وحلفًا؛ فالمشهور من معناها هو: الإيقاع، وهذا موافقٌ للغة؛ كما تقدم من أَنَّ لفظ الطلاق يراد به اسم مصدر التطليق (٤)، ويراد به مصدر الفعل المطاوع له، وهو طَلُقَتْ طلاقًا، فإنه يقال: طَلَّقْتُهَا فَطَلُقَت، وليس لقولهم: طَلُقَتْ مَصْدَرٌ إلا هذا، بخلاف قولهم: طَلَّقَهَا، فإن مصدره القياسي هو التطليق، والطلاق

стр. 665

اسم للمصدر، كالكلام مع المتكلم، والنبات مع الإنبات، والحركة مع التحريك ونحو ذلك (١)؛ فالمصدر يدل على الحدث مع إضافة إلى فاعل (٢)، واسم المصدر يدل على الحدث فقط (٣)؛ فالكلام يدل على القدر المشترك بين التكليم والتكلم، والحركة تدل على القدر المشترك بين التحريك والتحرك، والطلاق يدل على القدر المشترك بين طَلَّقَ الرجل امرأته وبين طلقت هي، ثم قد تدل على أحدهما مع قرينة مخصصة كما يقال: طلق طلاقًا، فيكون بمعنى التطليق، ويقال: طلقت المرأة طلاقًا، فيكون مصدر الفعل المطاوع، وكذلك يقال: كَلَّمَهُ كلامًا، وتكلم زيد كلامًا، ويقال: أنبته إنباتًا، ونبت هو نباتًا، وإنما أراد الصيغة المعلَّقةَ (٤) والمحلوف بها. ومع هذا؛ فقوله: (ليس لها دلالة من حيث اللغة على التعليق ولا على الحلف) خطأٌ؛ أما في صيغة [١٦٢/ ب] التعليق فظاهر، فإنه إذا قال: إِنْ دخلتِ الدار فالطلاق لازمٌ لي؛ فهذا تعليق في اللغة لا يستريب في ذلك أدنى من له معرفة بمثل هذه الأمور في اللغة، وكذلك إذا قال: إِنْ فعلتِ كذا

стр. 666

فالحرام يلزمني أو فالعتق يلزمني أو الحج يلزمني أو الصدقة بمالي تلزمني، أو فأيمان المسلمين تلزمني، أو قال: الطلاق يلزمني إنْ فعلت كذا، أو العتق يلزمني إنْ فعلته، أو الحج أو الصدقة بمالي أو صوم شهر يلزمني إِنْ فعلته؛ فهذه صيغة تعليق في اللغة بلا ريب، سواء قَدَّمَ الشرط أو أَخَّرَهُ. وأما الشبهة في صيغة القسم إذا قال: الطلاق يلزمني لأفعلنَّ كذا أو العتق يلزمني لأفعلنَّه أو الحرام يلزمني لأفعلنه أو أيمان المسلمين أو أيمان البيعة تلزمني لأفعلنه أو لا أفعله ونحو ذلك؛ فهذه صيغة قَسَمٍ، لأنه تَلَقَّى الجملة الثانية بلام القسم التي يتلقى بها جواب القسم في مثل قوله: والله لأفعلنَّ، وهذه اللام التي يتلقى بها جواب القسم من خصائص القسم، لا تكون إلا فيه؛ ولهذا إنما يستعمل معها الألفاظ المستعملة في جواب القسم، نفيًا وإثباتًا (١). فكما تقول: والله لأفعلنَّ أو لا أفعل تقول: الطلاق يلزمني لأفعلنَّ أو لا أفعل؛ ولَمَّا لم يكن من لغة العرب أن يذكروا الإثبات إلا مؤكدًا = صاروا يقولون: والله أفعل، ومرادهم: ما أفعل؛ كقوله تعالى: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٥] أي: لا تفتأ؛ أي: تزال تذكر يوسف حتى تكون حَرَضًا، لأن عدم لوازم الإثبات دل على أَنَّ المراد النفي، فَحَذَفَ حرف النفي اختصارًا، إذ كان في الكلام ما يدل عليه، وكثير من العامة يقصد الإثبات بمثل هذا، فيقول: والله أقوم؛ أي: لأقومنَّ، وهذا إذا قصد الإثبات حُمِلَ على عُرْفِهِ دون لغة العرب، كما لو قال: أَنْ دَخَلَ الدارَ بالفتح، ومراده:

стр. 667

التعليق على دخول مستقبل (١). وهذا يوافق ما ذكره عن أبي سعيد الخوارزمي الضرير ــ الذي يقال: إنه لم يكن في أصحاب الشافعي في وقته بعد أبي الطيب الطبري أفقه منه ــ أنه قال في الجواب عن قولهم: أنت طالق لا دخلت الدار؛ ليست (لا) بدلًا من حرف الشرط، وإنما وقع الطلاق بدخوله، لأنَّ [١٦٣/ أ] قوله: أنت طالق يصلح أَنْ يقام مقام: أُقْسِمُ وأَحْلِفُ؛ والدليل عليه: أنه لو قال: أنت طالق إِنْ حلفت، ثم قال: أنت طالق إِنْ دخلتِ الدار = طلقت. وهذا الذي ذكره عن أبي سعيد قد ذكره غير واحد من العلماء من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما، وذكروا أنهم استعملوا في ذلك صيغة القسم، وخالفهم طائفة قليلة فقالوا ــ واللفظ لأبي عبد الله بن تيمية (٢) ــ: (فأما ما يخرجه العامة مخرج الشرط بغير هذه الحروف ــ يعني: بغير حروف

стр. 668

الشرط ــ كقوله: أنتِ طالق لأتزوجنَّ عليك، أو أنتِ طالق لأفعلنَّ كذا = فيصح إذا نوى التعليق وكان (١) جاهلًا بالعربية، وإن كان عالمًا ونوى التعليق خُرِّجَ على روايتي (٢) تعليق المطلِّق بالنية) (٣)؛ فهؤلاء لم يجعلوا هذا اللفظ في اللغة قَسَمًا ولا جعلوه تعليقًا، بل جعلوه في لحن العامة الذي ينوون به الشرط، كما لو قال: (أَنْ دخلتِ الدار فأنت طالق) بالفتح؛ فإذا نوى به ما يقصده العامة وكان جاهلًا بالعربية = كان شرطًا، كما لو نواه، وجعلوه في العربية حُكْمُهُ حكم المنجز. وأنَّ قوله: (أنت طالق لأخرجنَّ) جملتان [لا] (٤) ارتباط لإحداهما بالأخرى، كقوله: أنت طالق عند الخروج (٥)، فإذا نوى التعليق بذلك كان كما لو نواه باللفظ المطلق، فخرجوه على روايتي (٦) تعليق الطلاق بالنية؛ وهذا القول ضعيف جدًا من وجوه: أحدها: أن هذه الصيغة صيغة قسم لا شرط. الثاني: أَنَّ هذا موافقٌ للغة لا مخالفٌ لها. الثالث: أنها سواء كانت (٧) في عرف الناس يقصدون بها ارتباط الطلاق

стр. 669

بالفعل، ليس إحدى الجملتين منفصلة عن الأخرى، فحمل كلامهم على ذلك غلط. الرابع: أنه لا يُعرف في اللغة مَنْ تكلم بهذا، وجعلهما جملتين منفصلتين، لا اتصال لإحداهما بالأخرى، حتى يقال: إنَّ لها معنًى في اللغة بخلاف معناها عند العامة، بخلاف قولهم: أَنْ دخلتِ الدار فأنت طالق بالفتح؛ فإنَّ معنى هذا في اللغة: لأجل دخول الدار أنت طالق، وهو كقوله: أنت طالق لدخولك الدار [١٦٣/ ب] فلهذا كان له معنى في اللغة، ومعنى في عرف الجهال بالعربية، بخلاف قوله: أنت طالق لأفعلنَّ كذا، فإنه ليس له معنى في اللغة يخالف معناه المعروف عند العامة. لكن لو قُدِّرَ أَنَّ هذا يخالف قياس العربية، لكان من العربية المولَّدة لا من العربية الملحونة. فإنَّ العربيةَ أربعةُ أنواع: عربية محضة، وعربية معربة؛ وكلاهما نَطَقَ بها العرب العرباء، وعربية مولَّدة؛ وهي ما نطق بها المولَّدون من العرب ــ كما يقسم الشعراء إلى عرب ومولَّدين ــ كلفظ الماهية والكيفية والبيطرة ونحو ذلك؛ والرابع: عربية ملحونة (١). الخامس: أنه لو قُدِّرَ أَنَّ معناها عند العامة يخالف معناها في اللغة، فإذا تَكَلَّمَ بها النحوي وقصد ما يَقصده العامة حُمل على ذلك، فإنَّ النحوي

стр. 670

يتكلم بالكلام المعرب تارة، وبالكلام الملحون أخرى؛ وإنما النزاع إذا أَطلق؛ هل يُحمل كلامه على العربية أو على مقتضى كلام العامة؟ على وجهين؛ كما أنه لو نوى موجب اللفظ في العربية وهو لا يعرفه؛ فوجهان. وعلى هذا؛ فإذا قصد المتكلم بذلك القَسَمَ والتعليق لم يبق في ذلك نزاع أصلًا، كما لو قال: أنت طالق واحدة في ثلاث، ونوى وقوع واحدة فقط، وأن يكون التكسير ظرفًا لا يقع به شيء؛ فلهذا يقبل منه وإن كان حاسبًا، وكذلك لو نوى الجمع، ولكن إذا لم ينو شيئًا؛ ففيه أوجه: هل يقع واحدة أو ثنتان أو ثلاث أو يُفَرَّق بين الحاسب وغيره؟ * * * *
следующие страницы →