فالحرام يلزمني أو فالعتق يلزمني أو الحج يلزمني أو الصدقة بمالي تلزمني، أو فأيمان المسلمين تلزمني، أو قال: الطلاق يلزمني إنْ فعلت كذا، أو العتق يلزمني إنْ فعلته، أو الحج أو الصدقة بمالي أو صوم شهر يلزمني إِنْ فعلته؛ فهذه صيغة تعليق في اللغة بلا ريب، سواء قَدَّمَ الشرط أو أَخَّرَهُ.
وأما الشبهة في صيغة القسم إذا قال: الطلاق يلزمني لأفعلنَّ كذا أو العتق يلزمني لأفعلنَّه أو الحرام يلزمني لأفعلنه أو أيمان المسلمين أو أيمان البيعة تلزمني لأفعلنه أو لا أفعله ونحو ذلك؛ فهذه صيغة قَسَمٍ، لأنه تَلَقَّى الجملة الثانية بلام القسم التي يتلقى بها جواب القسم في مثل قوله: والله لأفعلنَّ، وهذه اللام التي يتلقى بها جواب القسم من خصائص القسم، لا تكون إلا فيه؛ ولهذا إنما يستعمل معها الألفاظ المستعملة في جواب القسم، نفيًا وإثباتًا (١).
فكما تقول: والله لأفعلنَّ أو لا أفعل تقول: الطلاق يلزمني لأفعلنَّ أو لا أفعل؛ ولَمَّا لم يكن من لغة العرب أن يذكروا الإثبات إلا مؤكدًا = صاروا يقولون: والله أفعل، ومرادهم: ما أفعل؛ كقوله تعالى: ﴿تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٥] أي: لا تفتأ؛ أي: تزال تذكر يوسف حتى تكون حَرَضًا، لأن عدم لوازم الإثبات دل على أَنَّ المراد النفي، فَحَذَفَ حرف النفي اختصارًا، إذ كان في الكلام ما يدل عليه، وكثير من العامة يقصد الإثبات بمثل هذا، فيقول: والله أقوم؛ أي: لأقومنَّ، وهذا إذا قصد الإثبات حُمِلَ على عُرْفِهِ دون لغة العرب، كما لو قال: أَنْ دَخَلَ الدارَ بالفتح، ومراده:
стр. 667
التعليق على دخول مستقبل (١).
وهذا يوافق ما ذكره عن أبي سعيد الخوارزمي الضرير ــ الذي يقال: إنه لم يكن في أصحاب الشافعي في وقته بعد أبي الطيب الطبري أفقه منه ــ أنه قال في الجواب عن قولهم: أنت طالق لا دخلت الدار؛ ليست (لا) بدلًا من حرف الشرط، وإنما وقع الطلاق بدخوله، لأنَّ [١٦٣/ أ] قوله: أنت طالق يصلح أَنْ يقام مقام: أُقْسِمُ وأَحْلِفُ؛ والدليل عليه: أنه لو قال: أنت طالق إِنْ حلفت، ثم قال: أنت طالق إِنْ دخلتِ الدار = طلقت.
وهذا الذي ذكره عن أبي سعيد قد ذكره غير واحد من العلماء من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما، وذكروا أنهم استعملوا في ذلك صيغة القسم، وخالفهم طائفة قليلة فقالوا ــ واللفظ لأبي عبد الله بن تيمية (٢)
ــ: (فأما ما يخرجه العامة مخرج الشرط بغير هذه الحروف ــ يعني: بغير حروف
стр. 668
الشرط ــ كقوله: أنتِ طالق لأتزوجنَّ عليك، أو أنتِ طالق لأفعلنَّ كذا = فيصح إذا نوى التعليق وكان (١) جاهلًا بالعربية، وإن كان عالمًا ونوى التعليق خُرِّجَ على روايتي (٢) تعليق المطلِّق بالنية) (٣)؛ فهؤلاء لم يجعلوا هذا اللفظ في اللغة قَسَمًا ولا جعلوه تعليقًا، بل جعلوه في لحن العامة الذي ينوون به الشرط، كما لو قال: (أَنْ دخلتِ الدار فأنت طالق) بالفتح؛ فإذا نوى به ما يقصده العامة وكان جاهلًا بالعربية = كان شرطًا، كما لو نواه، وجعلوه في العربية حُكْمُهُ حكم المنجز.
وأنَّ قوله: (أنت طالق لأخرجنَّ) جملتان [لا] (٤) ارتباط لإحداهما بالأخرى، كقوله: أنت طالق عند الخروج (٥)، فإذا نوى التعليق بذلك كان كما لو نواه باللفظ المطلق، فخرجوه على روايتي (٦) تعليق الطلاق بالنية؛ وهذا القول ضعيف جدًا من وجوه:
أحدها: أن هذه الصيغة صيغة قسم لا شرط.
الثاني: أَنَّ هذا موافقٌ للغة لا مخالفٌ لها.
الثالث: أنها سواء كانت (٧) في عرف الناس يقصدون بها ارتباط الطلاق
стр. 669
بالفعل، ليس إحدى الجملتين منفصلة عن الأخرى، فحمل كلامهم على ذلك غلط.
الرابع: أنه لا يُعرف في اللغة مَنْ تكلم بهذا، وجعلهما جملتين منفصلتين، لا اتصال لإحداهما بالأخرى، حتى يقال: إنَّ لها معنًى في اللغة بخلاف معناها عند العامة، بخلاف قولهم: أَنْ دخلتِ الدار فأنت طالق بالفتح؛ فإنَّ معنى هذا في اللغة: لأجل دخول الدار أنت طالق، وهو كقوله: أنت طالق لدخولك الدار [١٦٣/ ب] فلهذا كان له معنى في اللغة، ومعنى في عرف الجهال بالعربية، بخلاف قوله: أنت طالق لأفعلنَّ كذا، فإنه ليس له معنى في اللغة يخالف معناه المعروف عند العامة.
لكن لو قُدِّرَ أَنَّ هذا يخالف قياس العربية، لكان من العربية المولَّدة لا من العربية الملحونة.
فإنَّ العربيةَ أربعةُ أنواع: عربية محضة، وعربية معربة؛ وكلاهما نَطَقَ بها العرب العرباء، وعربية مولَّدة؛ وهي ما نطق بها المولَّدون من العرب ــ كما يقسم الشعراء إلى عرب ومولَّدين ــ كلفظ الماهية والكيفية والبيطرة ونحو ذلك؛ والرابع: عربية ملحونة (١).
الخامس: أنه لو قُدِّرَ أَنَّ معناها عند العامة يخالف معناها في اللغة، فإذا تَكَلَّمَ بها النحوي وقصد ما يَقصده العامة حُمل على ذلك، فإنَّ النحوي
стр. 670
يتكلم بالكلام المعرب تارة، وبالكلام الملحون أخرى؛ وإنما النزاع إذا أَطلق؛ هل يُحمل كلامه على العربية أو على مقتضى كلام العامة؟ على وجهين؛ كما أنه لو نوى موجب اللفظ في العربية وهو لا يعرفه؛ فوجهان.
وعلى هذا؛ فإذا قصد المتكلم بذلك القَسَمَ والتعليق لم يبق في ذلك نزاع أصلًا، كما لو قال: أنت طالق واحدة في ثلاث، ونوى وقوع واحدة فقط، وأن يكون التكسير ظرفًا لا يقع به شيء؛ فلهذا يقبل منه وإن كان حاسبًا، وكذلك لو نوى الجمع، ولكن إذا لم ينو شيئًا؛ ففيه أوجه: هل يقع واحدة أو ثنتان أو ثلاث أو يُفَرَّق بين الحاسب وغيره؟
* * * *
стр. 671
فصلٌ
قال: (وقد يستشكل تعليق الإنشاء، ويقال: كيف جاز تعليق الطلاق والعتق مع كونهما إنشاءين؟ وإنْ كان هذا السؤال لا يَصْدُرُ من المُصَنِّف لكونه موافقًا على صحة التعليق، ولا من جهة الظاهرية لموافقتهم على تعليق العتق.
فاعلم أَنَّ تعليق الطلاق والعتق ليس من باب تعليق الإنشاء، فإنَّ الإنشاء هو الإعتاق والتطليق، وأما العتق والطلاق فهما أَثَرَاهُمَا؛ فالإنشاء في الحقيقة هو التعليق الذي هو يُصَيِّرُ الطلاق والعتق مُعَلَّقَين بذلك الشرط [١٦٤/ أ]، والوقوعُ المعلَّق أَثَرُ ذلك الإنشاء؛ والإنشاء من مقولة الفعل، والوقوع من مقولة الانفعال.
فالزوج لم يُعَلِّق تطليقًا ولا إعتاقًا، وإنما عَلَّقَ طلاقًا وعتقًا؛ ويُبيِّنُ ذلك قول الفقهاء: التعليق مع الصفة تطليق، فلم يجعلوا الوقوع المعلق وحده تطليقًا؛ والله أعلم) (١).
والجواب: أَنَّ هذا الكلام قد تقدم منه مبسوطًا، وتقدم الكلام عليه، ولكن ــ والله أعلم ــ كان قد اعترض أولًا اعتراضًا مختصرًا ذكر فيه هذا الكلام، ثم بسط الاعتراض بما تقدم ذكره له أولًا؛ فلهذا تكرر هذا منه، ولا نؤاخذه في ذلك؛ بل نقول: مَنْعُهُ هُوَ من تعليق الإنشاء حجةٌ عليه، فإنَّ الوقوعَ تَبَعٌ للإيقاع مستلزم له، يمتنع وقوع بلا إيقاع، فإنْ كان الإيقاع لا يجوز تعليقه لم يجز تعليق الوقوع.
стр. 672
ومعلوم أنه لم يوقع الطلاق عند الصفة لا منجزًا ولا معلقًا وإنما عَلَّقَهُ قبل ذلك، فإنْ لم يكن التعليق إيقاعًا منجزًا ولا معلقًا لم يقع الطلاق بحال، وكذلك سائر التعليقات؛ وإن كان إيقاعًا في الحال لِمَا يقع في المآل= فإما أن يكون الإيقاع منجزًا أو معلقًا؛ فإن كان منجزًا لزم الوقوع في الحال، وإنْ كان معلقًا فالإيقاع عنده لا يقبل التعليق.
وإنْ قال: هو إيقاعٌ منجَّز مقتضاه وقوعٌ مُؤَخَّرٌ= لم يكن هذا معقولًا، بل المعقول: أن الإيقاع المنجَّز حكمه: وقوعٌ منجَّز.
وإنْ قال: [الإيقاع] (١) المنجز تارة يُجعل وقوعه منجزًا، وتارة يُجعل وقوعه معلقًا = كان معناه أنه أوقع الآن ما لا يقع الآن، بل يقع فيما بعد.
فيقال له: هذا مكابرة؛ فإنه لم يوقع الآن شيئًا، بل الآن عَلَّقَ الطلاق، ومجرد التعليق ليس إيقاعًا في الحال، وإنما هو إيقاع عند الصفة، فإن لم يكن الإيقاع معلقًا= فلم يوقعه لا منجزًا ولا معلقًا.
وأيضًا؛ فالوقوع لازم للإيقاع الشرعي، والإيقاع الشرعي مستلزم للوقوع، يمتنع وجودُ أحدِهما دون الآخر، والإيقاع عِلَّةٌ تامةٌ للوقوع وهو الإيقاع الجازم، فلا يتأخر الوقوعُ عن عِلَّتِهِ [١٦٤/ ب] التامة، والإيقاع الجازم عِلَّةٌ تامة للوقوع، فلو كان المعلِّق قد وُجِدَ منه إيقاعٌ تامٌّ لَلَزِمَ وجودُ الوقوع في الحال؛ فعلم أنه لم يوجد منه في الحال إيقاع تام، وإنما يتم إيقاعه إذا حصلت الصفة، فإنه قصد أن يقع عند الصفة، لم يقصد أن يقع قبل ذلك، فإذا وُجِدَتِ الصفة عُلِمَ أنه أراد الوقوع حينئذٍ.
стр. 673
فإنَّ مراد الإنسان نوعان: نوع يريده إرادةً جازمةً، ونوعٌ يريده إرادةً معلقةً بشرطٍ؛ فإذا وُجِدَ الشرطُ كان مرادًا له، وإنْ لم يوجد لم يكن مرادًا له، وهذا معنى قول جمهور الفقهاء مع الصفة تطليق، فلم يجعل الوقوع المعلَّق وحده تطليقًا، فَعُلِمَ أنه لم يصر مُطَلِّقًا إلا بالتعليق ووجود الصفة، والتطليق هو إيقاع الطلاق؛ فَعُلِمَ أنه لم يقع منه عند التعليق إيقاع جازم ولا تام ولا منجز، وإنما وقع منه تطليق معلق بالصفة.
ومن الفقهاء مَنْ قال: التعليق ليس بتطليق البتة؛ والطلاق الواقع بوجود الصفة لم يوقعه هو، بل هو وقع؛ وعلى هذا ينبني النزاع فيما إذا قال: إنْ طلقتكِ فعبدي حر أو فلانة طالق، فإنَّ هذا يتناول ما نجزه من الطلاق بعد هذا، وذلك ما يعلقه بعد هذا بشرطٍ يقع الطلاق عنده في المشهور عند أكثر العلماء (١)، وهو قول جمهور أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما.
ومنهم مَنْ قال: إذا وقع بعد هذا بتعليقٍ متأخر لم يكن تطليقًا، فلا توجد الصفة؛ وهذا أحد الوجهين في مذهبه ذكره القاضي أبو يعلى وهو ضعيف، وأما الطلاق إذا وقع بصفةٍ متقدمةٍ على هذا التعليق لم يكن قد طَلَّقَ بعد التعليق الثاني، بل وقع الطلاق بالتعليق الأول، فلا تحصل الصفة فلا يحصل المعلَّق بها، اللهم إلا أَنْ يقصد مجرد حصول المعلَّق سواء كان بتعليقٍ متقدم أو بغير ذلك.
* * * *
стр. 674
فصلٌ
قال المعترض:
(قال ــ يعني المجيب ــ: وأبو ثورٍ طَرَدَ هذا الأصل، وقال بموجبه في العتق، وقال: إِنْ لم يكن في الطلاق إجماعٌ فهو بمنزلة العتق، وقد تبيَّنَ أنه لا إجماع فيه، فإذا كان الصحابة أفتوا في الحلف بالعتق أنه لا يقع مع أنه [١٦٥/ أ] قربة وطاعة وَبِرٌّ = فَأَنْ يقولوا في الحلف بالطلاق أنه لا يقع بطريق الأولى والأحرى [لأنه ليس فيه قُربةٌ ولا طاعة؛ بل إما مكروهٌ وإما محرم].
وأما الرواية الأخرى عن ابن عباس وابن عمر؛ فقد قال أحمد: ما سمعناه إلا من عبد الرزاق عن معمر.
وعثمان بن حاضر قد قيل: إنه سمع من ابن عباس، وقال أبو زرعة (١): هو يماني حميري ثقة. وقد روى له أبو داود وابن ماجه.
والأثر الأول أثبتُ؛ ورجالُهُ من أئمة العلم والفقهاء الذين يعلمون ما يروون، وهذا الأثر فيه غربة (٢)، ولم يثبت لنا لفظه، فإنْ صَحَّ كان في ذلك نزاعٌ بين الصحابة.
وقد ذكر البخاري عن ابن عمر ﵄ أثرًا في الطلاق يحتمل أن يكون من هذا الباب، ويحتمل ألا يكون منه.
ثم قال: قلتُ: أما نقله عن أبي ثور؛ فاعلم أَنَّ أبا ثور نُقِلَ عنه التصريح
стр. 675
بالإجماع في مسألة الطلاق، وكذلك عن الإمام محمد بن نصر المروزي، وهو من أعلم الناس باختلاف الصحابة ومن بعدهم في الأحكام.
قال ابن عبد البر في الاستذكار (١): قال أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي: إذا حلف بالمشي إلى مكة ــ وساق كلامه إلى قوله ــ قال أبو عمر: الخلاف الذي ذكر أبو ثور في العتق هو: ما رواه معتمر بن سليمان ــ يعني: أثر ليلى بنت العجماء ــ، ثم قال: قلت: وقد تقدم الكلام عليه.
وكذلك نقل ابن المنذر الإجماع؛ قال (٢): أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم قولَهُ على أن الحالف بالطلاق على زوجته في أمر لا يفعله ففعله أن الطلاق يقع عليها؛ هذا قول مالك وأهل المدينة والليث بن سعد وأهل مصر والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور وأصحاب الرأي وأبي عبيد) (٣).
والجواب: أن أول مَنْ نَقَلَ في هذه المسألة إجماعًا هو أبو ثور، وعنه تلقى ذلك من نقله، كمحمد بن نصر وابن عبد البر.
وأما ابن جرير الطبري ــ وإِنْ كانَ هو لم يذكره ــ فالإجماع عنده هو قول الجمهور؛ فلا يحتج بنقله.
وأما ابن المنذر؛ فلفظه (٤): أجمع كل من نَحفظ عنه قولَه؛ وعادة ابن المنذر إذا ذكر مثل هذا ينقل [١٦٥/ ب] قول من حفظ قوله في تلك المسألة،
стр. 676
ولم ينقل ذلك إجماعًا للأمة ولعلمائها، لأنه لا يكون قد عرف أقوال سائر العلماء في ذلك، فَنَقَلَ قولَ من حفظ قولَهُ؛ وهذا يدل على أن ابن المنذر لم يعلم أقوال سائر العلماء في هذه المسألة، ولم ينقل فيها إجماعًا يَحتج به، كما ذكر ألفاظه في مثل هذا الإجماع وفي غيره بما يتبين مراده.
وذكرنا مع ذلك أن كثيرًا من الإجماعات التي نقلها عن جميع العلماء يكون فيها نزاع لم يبلغه؛ فكيف بما يَنقل فيه قول من حفظ قوله؟! فإنَّ مثل هذا يكون فيه كثيرًا نزاع لم يعرفه.
فإذا أراد أن ينقل الإجماع العام، قال: أجمع أهل العلم على أن الصلاة لا تجزئ إلا بطهارة إذا وجد المرء السبيل إليها (١).
وأجمع أهل العلم على أن خروج الغائط من الدبر، وخروج البول من الذكر وقُبُلِ المرأة، وخروج المذي، وخروج الريح من الدبر، وزوال العقل بأيِّ وجهٍ زال= ينقضُ كل واحد منها الطهارة ويوجب الوضوء (٢).
وقال: أجمع أهل العلم أن الضحك في غير الصلاة (٣) لا ينقض الطهارة ولا يوجب وضوءًا (٤).
وأجمعوا على أن الضحك في الصلاة ينقض الصلاة (٥).
стр. 677
وأجمع أهل العلم على أن أول وقت الظهر زوال الشمس (١).
وأما إذا قال: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم؛ فإنه يدل على أن هذا القول قول مَنْ يَعرِفُ قولَه في تلك المسألة، ولم يعرف فيها سائر أقوال العلماء؛ سواء سماهم أو لم يسمهم، وهذا إجماع خاص لا عام؛ كقوله (٢): أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم وعلماء الأمصار على أَنَّ [القذف و] قول الزور والكذب والغيبة [لا يوجب طهارة] (٣)؛ هذا مذهب المدني والكوفي والشافعي وأحمد وإسحاق، قال: وقد روينا عن غير واحد من الأوائل أنهم أمروا بالوضوء من الكلام الخبيث. قال: وذلك عندي استحباب ممن أمر به، لأنَّا لا نعلم حجةً توجب في شيء من الكلام وضوءًا.
وكذلك قوله (٤): أجمع من نحفظ قوله أنَّ الوضوء غير جائز بماء الورد، وماء الشجر، وماء العصفر، ولا تجوز الطهارة إلا بماء مطلق يقع عليه اسم الماء. ومعلومٌ أَنَّ في ذلك نزاعًا؛ أما ماء الورد ونحوه ففيه [١٦٦/ أ] نزاع عن ابن أبي ليلى والأوزاعي وغيرهما، وأما المياه التي تجري من الشجر فيجوز التوضؤ به في مذهب أبي حنيفة أيضًا.
ثم قال (٥): وأجمع أهل العلم على أن الاغتسال والوضوء لا يجوز بشيء من الأشربة سوى النبيذ؛ ففي الأشربة حكى إجماع أهل العلم، وهو
стр. 678
الإجماع العام، وفي ماء الورد حكى إجماع مَنْ يحفظ قوله، ومثل هذا كثير.
ثم يقال: كثيرٌ ممن يفتي بوقوع الطلاق المحلوف به، يفتي بأقوال قد ذكر ابن المنذر الإجماع على خلافها، فإنَّ منْ أجودِ حيلهم: الاحتيالُ بخلع اليمين (١)؛
فهو خيرٌ من السُّرَيجية، وخير من نكاح التحليل، وخير من التحيُّل على إفساد النكاح، ومع هذا؛ فقد قال ابن المنذر لما ذَكَر آية الخلع (٢): قد حَرَّمَ الله على الزوج في هذه الآية أن يأخذ منها شيئًا مما آتاها إلا بعد الخوف الذي ذكره الله ــ تعالى ــ، ثم أكد تحريم ذلك بتغليظ الوعيد على كل من خالف أمره، فقال: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ الآية [البقرة: ٢٢٩]، وبمعنى كتاب الله جاء الخبر عن رسول الله ﷺ أنه خالع بين خولة (٣) بنت سلول وبين زوجها لما قالت: إني لا أستطيعه، وأكره الكفر في الإسلام (٤).
قال (٥): وبه قال عوام أهل العلم، وحظروا على الزوج أَخذَ شيءٍ من مالها إلا أن يكون النشوز من قبلها، روينا ذلك عن ابن عباس وعطاء ومجاهد والشعبي والنخعي وابن سيرين والقاسم بن محمد وعمرو بن شعيب وعروة بن الزبير والزهري وحميد بن عبد الرحمن وقتادة، وبه قال:
стр. 679
الثوري ومالك وإسحاق وأبو ثور.
وحكي عن النعمان أنه قال: إذا جاء الظلم والنشوز من قبله فخالعته= فهو جائزٌ ماضٍ، وهو آثم لا يحل [له] (١) ما صنع ولا يُجبر (٢) على رَدِّ ما أخذ.
قال أبو بكر بن المنذر (٣): وهذا مِنْ قولِهِ خلافُ ظاهرِ الكتاب، وخلاف الخبر الثابت عن رسول الله ﷺ ، وخلاف ما أجمع عليه عوام أهل العلم من ذلك.
قال: ولا أحسب مَنْ قال (٤) لامرئٍ: اجتهد بنفسك (٥) في طلب الخطأ، ما وجد أمرًا أعظم من أن ينطق [١٦٦/ ب] الكتاب بتحريم شيءٍ، ثم يُقَابِلُهُ مُقَابِلٌ بالخلاف نصًّا، فيقول: بل يجوز ذلك ولا يجبر على رَدِّ ما أَخَذَه.
وقال قائل ــ يعني الشافعي ــ: لَمَّا جاز أن يأخذ ما طابت به نفسًا على غير طلاق = جاز أن يأخذ منها ما أعطته على طلاق أو فسخ نكاح.
قال (٦): وهذا وإن لم يكن في باب الخطأ أقربُ مما مضى من خلاف الكتاب والسنة فليس بدونه، لأنه يحرم في باب المعاوضات [ما حَرَّمَه
стр. 680
الله] (١) من الربا، ويجيز الهبات والعطايا في غير باب المعاوضة، وهذا سبيل كل من خالف كتابَ الله والخبرَ الثابت عن رسول الله ﷺ .
ثم قال (٢): وإنه ليبلغني أَنَّ كثيرًا ممن نصب نفسه للفتيا في النوازل يُعَلِّمُ مَنْ حلف بطلاق زوجته ثلاثًا ليفعلنَّ كذا أو لا يفعله، وكل واحد من الزوجين يَرُدُّ إلى صاحبه ما أوجب الله عليه أن يقول له: خُذْ منها كذا وافسخ عنها نكاحها، أو طَلِّقها على ما تأخذ منها طلقة [ثم احنث وتزوَّجها، وتكون عندك على ما بَقي من الطلاق] (٣) فليس فيما قلناه حديث، فيحتال القائل بما ذكرناه عنه أن يطعن في إسناده، ولا تلك آية تحتمل التأويل فيحتال في دفعها بالتأويل، وإنما هو ظاهر لا يحتمل إلا معنىً واحدًا.
فلو تكلم المتكلم عن عطاء والزهري والثوري حيث أجازوا الشغار، وقالوا: إنما أجزناه لتراضيهما به، وأنتم لا يفسد العقد عندكم بفساد المهر، أو قال: بعض من يجيز نكاح المحرم أنا أبيحه بقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]، وأَنَّ العقد بولي وشهود، والنكاح في نفسه مباح، وإنما نهى عن العقد في وقتٍ؛ كما قال مَنْ خالفنا في عقد البيع بعد النداء لصلاة الجمعة: أَنَّ ذلك لوقت وهو جائز، فلما رأيتك لا تلتفت إلى الوقت اقتديت بك، وأجزت نكاح المحرم إذ هو لوقت، هل يقابَل مَنْ خالف هذه
стр. 681
الأشياء إلا بأن يقال له: إِنَّ النكاح لا ينعقد بما نهى عنه رسول الله ﷺ (١)، وإذا نهاك الله ــ ــ ورسوله ﷺ عن شيءٍ بَطَلَ عقدُ النكاح؛ كما أبطلت البيع الذي عُقِدَ على الربا، ما بينَ شيءٍ مِنْ ذلكَ فَرْقٌ.
فهذا ابن المنذر قد بَيَّنَ بكلامِهِ أنه لم يعلم أحدًا ممن مضى [١٦٧/ أ] أفتى بالخلع لأجل حَلِّ اليمين، وهو قد أنكر على من فسخ الخلع إذا لم يكن النشوز من قبلها، وإِنْ كان قاصدًا للخلع، وذكر أنه مخالف للكتاب والسُّنة وقول عوام أهل العلم، وهذا غايةُ ما يذكر من الإجماع في مثل هذه المسائل.
وإذا كان العمدةُ في نقلِ الإجماعِ على أبي ثور؛ فأبو ثور قال: مَنْ حَلَفَ بالعتق فعليه كفارة يمين ولا عتق عليه، وذلك أَنَّ الله ــ ــ أوجب في كتابه كفارة اليمين على كل حالف، فقال: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] يعني: فحنثتم.
قال أبو ثور ــ رحمة الله عليه ــ: فكل يمين حلف بها الإنسان فحنث فعليه كفارة على ظاهر الكتاب، إلا أنْ تجتمع الأمة على أنه لا كفارة عليه في شيءٍ ما، ولم يجمعوا على ذلك إلا في الطلاق، فأسقطنا عن الحالف بالطلاق الكفارة، وألزمناه الطلاق للإجماع، وجعلنا في العتق الكفارة لأنَّ الأمةَ لم تجتمع على أنه لا كفارة فيه؛ هذا لفظ أبي ثور (٢).
стр. 682
وأبو ثور قد عُرِفَ مِنْ قولِهِ صريحًا أَنَّ الإجماع عنده معناه: عدم العلم بالنزاع لا العلم بعدم النزاع؛ وبهذا سَلِمَ مِنْ إنكارِ أحمد على مَنْ يَدَّعِي الإجماع؛ كقول أحمد في رواية ابنه عبد الله (١): من ادعى الإجماع فقد كذب لعل الناس قد اختلفوا؛ هذه دعوى بشر المَرِيْسِي والأصم (٢)، لكن يقول: لا نعلم الناس اختلفوا أو لم يبلغه.
وكذلك نقل المَرُّوذِي عنه (٣) أنه قال: لا يجوز للرجل أن يقول أجمعوا، إذا سمعتهم (٤) يقولون: أجمعوا؛ فاتهمهم، لو قال: إني لا أعلم مخالفًا لكان.
وكذلك نقل (٥) عنه أبو طالب أنه قال: هذا كذب! ما علمه أَنَّ الناس مجتمعون؟ ولكن يقول لا أعلم فيه اختلافًا، فهو أحسن مِنْ قوله إجماع الناس (٦).
وكذلك نقل أبو الحارث عنه: لا ينبغي لأحدٍ أَنْ يَدَّعي في قوله الإجماع،
стр. 683
لعل الناس اختلفوا (١).
وأبو ثور كان قرين أحمد ــ رحمة الله عليهما ــ وبلده بغداد، وكانت أكثر بلاد الإسلام علمًا في ذلك الزمان، وهو كان أشهر أهل ذلك العصر بالاجتهاد والإفتاء بعد أحمد، وكان أحمد كثيرًا ما يُسأَلُ عما يقول، ولهذا كان هو أول [١٦٧/ ب] من ذكره أبو إسحاق في طبقات الفقهاء المجتهدين بعد أحمد بن حنبل، وذكر بعده: ابن جرير الطبري وداود بن علي الأصبهاني (٢).
وكان أحمد يثني عليه تارة حتى يقول: (هو عندي في مِسلَاخ الثوري) (٣)، وإذا بلغه عنه أقوال مخالفة للسنة وأقوال الصحابة كإباحته ذبائح المجوس وغير ذلك، يتكلم فيه بكلام غليظ (٤).
ومع هذا؛ فأبو ثور لم يَدَّعِ عَدَمَ العلم بالنزاع إلا في نفي الكفارة لا في وقوع الطلاق، ولو قُدِّرَ أَنَّ الأمة لم يقل فيها أحد بالكفارة لم يلزم اتفاقهم على وقوع الطلاق، فإنه قد كان في زمن أبي ثور، وقبل أَنْ تصنف الكتب منهم مَنْ يقول: الطلاق المعلَّق بالصفة لا يقع؛ ومنهم مَنْ يُفَرِّق بين التعليق الذي يُقصد به اليمين وبين التعليق الذي يُقصد به الإيقاع، فيوقع الثاني دون المحلوف به؛ وكان منهم مَنْ يَرَى أَنَّ التعليق الذي يُقصد به اليمين كتعليق
стр. 684
النذر لغوٌ (١) ليس فيه لزوم ولا كفارة، فإذا قُدِّرَ إجماعهم على نفي التكفير= لم يلزم إجماعهم على اللزوم، بل أبو ثور قام عنده الدليل على أَنَّ التعليقَ ــ تعليق الطلاق والعتاق والحلف بها ــ عقدٌ صحيح في الشرع، ورأى أَنَّ القرآن يدل على تكفير كل يمين، فعمل بموجب ذلك. فما علم فيه نزاعًا؛ هل يكفر أو لا يكفر؟ فأوجب فيه الكفارة، وما ظن أنه لا نزاع في تكفيره ــ وهو الطلاق ــ ألزمَ به، لأنه لم يمكنه أَنْ يقول: إِنَّ التعليق ــ لا سيما التعليق الذي يقصد به اليمين ــ باطلٌ؛ لا لإجماعٍ حكاه في ذلك، بل لما عَرَفَهُ من الدليل، ولم يمكنه القول بالكفارة لأنه لم يعلم به قائلًا، وظنَّ الإجماع على خلافه؛ فلزم من ذلك أن يقول بوقوع الطلاق لا لأن الكتاب اقتضى ذلك عنده ولا السنة ولا القياس، بل كلامه يدل على أَنَّ ظاهر النص يقتضي تكفير كل يمين، وأنه لو عرف أَنَّ قائلًا يقول بتكفير الحلف بالطلاق = لوجب القول بذلك لدلالة الكتاب عليه.
وهذا معنى قول المجيب حيث قال: أبو ثورٍ طَرَدَ هذا الأصل، وقال بموجبه في العتق، وأَنَّ الطلاق [١٦٨/ أ] عنده بمنزلة العتق إذا لم يكن فيه إجماع، وقد تبين أنه لا إجماع فيه = فيلزم على أصل أبي ثور أنه لا يقع الطلاق المحلوف به بل يكفر، وذلك على أصله ألزم منه على أصل الشافعي وأحمد، وهذا بمنزلة الأقوال المعلقة للشافعي وغيره من الأئمة إذا قال: قد روي في المسألة خبرٌ إِنْ صَحَّ قلتُ بِهِ (٢)؛ فيعلم أنه إذا كان صحيحًا فإنه
стр. 685
قوله، أو إذا قال العالم: هذا هو قولي لولا ما روي عن النبي ﷺ من كلامه، فإذا علِمَ أَنَّ ذاك الحديث باطل عن رسول الله ﷺ (١).
فإذا كان أبو ثور يقول: كلُّ يمينٍ حَلَفَ بها الإنسان فحنث فعليه الكفارة، إلا أَنْ تجتمع الأمة على أنه لا كفارة عليه في شيءٍ ما، ثم قال: ولم يجتمعوا على نفي الكفارة إلا في الطلاق.
ومعنى الإجماع عنده: أني لم أعلم فيه منازعًا، فإذا عُلِمَ أَنَّ في الطلاق نزاعًا هل يكفر أم لا؟ علم يقينًا أن قول أبي ثور هو أَنَّ الطلاق يُكَفَّر؛ فإنه أوجب الكفارة في كل يمين يحلف بها الإنسان إلا إذا كان إجماعٌ بخلاف ذلك، فإذا عُرِفَ انتفاء الإجماع= لزم طرد عموم قوله الذي صَرَّحَ بعمومه، كعموم دليله وتعليله.
وما ذكره أبو ثور من دلالة (٢) الكتاب أصل متيقنٌ عنده، وأما الإجماع فليس معه فيه إلا ظن، وتعارَضَ عنده ظن الإجماع وظن ظاهر القرآن؛ فكان ظَنُّهُ للإجماع أقوى فقدَّمَهُ.
وهذا حال المجتهدين إذا تعارض عندهم ظنان رجحوا أقواهما، ومن عرف عنده هذا الظن وترجح عنده نفيُ الإجماع ووجود النزاع = بَقِيَ عنده ما دل عليه الكتاب والسنة والاعتبار في تكفير أيمان المسلمين من الدليل
стр. 686
السالم عن المعارض المقاوم؛ فيجب عليه العمل عنده، فكيف إذا علم امتناع اجتماع الأمة على مثل هذا؟! وعلم أنه ليس للأمةِ إجماعٌ على حكم يخالف ذلك الظاهر والقياس إلا إذا كان مع الإجماع من النص والقياس ما يدل على أن الأول منسوخ أو يفسر بما يوافق نص الإجماع؛ فأما أن يكون الإجماع مخالفًا للكتاب والميزان فهذا لا يكون قط.
* * * *
стр. 687
فصلٌ
قال المعترض:
(فهؤلاء ثلاثة أئمة [١٦٨/ ب] نقلوا الإجماع؛ وكذلك الشيخ أبو حامد الإسفراييني نَفَى الخلافَ في ذلك، ومرادُهُ: نَفْيُ الخلافِ بين العلماء لا نَفْيُ الخلافِ المذهبي؛ يَفْهَمُ ذلكَ مَنْ نَظَرَ في كلامه، فلا نَعدل عن ذلك إلا بنقلٍ صريحٍ عن إمامٍ معتبر؛ هذا في الطلاق.
وأما العتق: فلولا نقل محمد بن نصر المروزي عن أبي ثور ما رأيت كان محل النظر؛ فإنَّ ابن المنذر نقل عن أبي ثور في الإشراف (١) فيما إذا قال لعبده: إِنْ لم أضربك فأنت حر، وأراد بيعه أنه إذا لم يجعل لذلك وقتًا لا يقع العتق [عليه]، وهذا يقتضي أنه إذا جعل له وقتًا وقع.
وقد رأيتُ [ابن زَرْقُون] (٢)
في كتابه الأنوار [في الجمع بين المنتقى والاستذكار] نَقَلَ فيما نقله من الاستذكار نِسْبَةَ (٣) محمد بن نصر موافقةَ أبي
стр. 688
ثور إلى الحسن وطاووس والقاسم وسالم وابن يسار (١) وقتادة، ولم أَرَ أَنَا في الاستذكار إلا الحسن وطاووس لا غير) (٢).
والجواب: أَنَّ ابن المنذر لم ينقل إجماع العلماء، وإنما نقل قول مَنْ يحفظ قوله في المسألة، وليس هذا بنقل إجماع علماء المسلمين، ولم يسم ابن المنذر فيما ذكره أحدًا من الصحابة والتابعين، بل ولا تابعي التابعين سوى مالك وأبي حنيفة والليث بن سعد؛ ومعلوم كثرة العلماء في هذه الأعصار الثلاثة، لم يذكر قول ابن جريج والمكيين، ولا قول سليمان التيمي وأمثاله من البصريين، ولا ذكر قول الشاميين، ولا ذكر من الطبقة الرابعة سوى الشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عبيد وأبي ثور.
فهل يقول عالم أَنَّ هذا هو الإجماع المعصوم الذي يقوم مقام نص الكتاب والرسول ﷺ ؟! بل كثيرٌ منهم يُقَدِّمُهُ على نَصِّ الكتاب والرسول، ويقول: يُستدل بهذا الإجماع على أَنَّ ذلك النص منسوخ، ومنهم مَنْ يُجَوِّزُ النسخ بالإجماع.
وأما ابن نصر فهو تَبَعٌ لأبي ثور في ذلك، وأبو ثور قد عُرِفُ مراده بنقل الإجماع، وأنه لم يَعلم فيه نزاعًا، فلم يبق مع المعترض إلا عَدَمُ علم أبي ثور بالنزاع؛ وهذا غاية ظن أبي ثور.
وأيضًا؛ فإنَّ هؤلاء الثلاثة وأمثالهم وأضعافهم نقلوا النزاع في العتق لحديث ليلى [١٦٩/ أ] بنت العجماء وغيره، وهذا المعترض طعن في ذلك ــ كما تقدم ــ، مع أَنَّ القول بالكفارة في الحلف بالعتق إذا قال: كل مملوك
стр. 689
لي حر إِنْ فعلتُ كذا؛ نقله عن هؤلاء الصحابة: أبو ثور ومحمد بن نصر وأبو بكر بن المنذر ومحمد بن جرير وابن عبد البر وابن حزم وغير واحد من العلماء أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهم.
فكيف يَحتج بما نقله بعض هؤلاء من الإجماع ولم يحتج بما نقلوه كلهم في النزاع؟! مع أَنَّ ما ينقلونه [من النزاع] (١) هم به أعلم مما ينقلونه من نفي النزاع، فإنَّ العلم بنفي النزاعِ إما متعذر وإما متعسر، وأما العلم بثبوته فهو متيسر.
ومع أن نقلهم للنزاع قد ذكروه (٢) بالإسناد المعروف عن الصحابة، وأما نقلهم للإجماع فلم يذكروا عن عالم من علماء المسلمين إسنادًا، بل ولا بلغهم في ذلك قولٌ عن أكثر علماء المسلمين، فإذا طَعَنَ فيما ينقل من (٣) أقوال بعض السلف المسندة المعروفة، فكيف يمكن مع هذا نقل أقوالهم كلهم؛ مع أَنَّا لا نعرف لجمهورهم في ذلك قولًا، وليست هذه المسألةُ مما ظهر للعامة والخاصةِ أنها من دين الرسول ﷺ حتى يقال: إِنَّ المسلم لا بُدَّ أَنْ يُقِرَّ بها، ولا هي ــ أيضًا ــ مما عُرِفَ أنها اشتهرت في الصحابة أو في جميع المسلمين ولم يُنْكِر ذلك منكر، حتى يقال: إنها إجماع إقراري.
فأنواع الإجماع التي يمكن الاستدلال بها ثلاثة: إجماع إحاطي، وإجماع إقراري، وإجماع استقرائي (٤)؛ فالأول: ما يحيط علمًا بأن الصحابة
стр. 690
أو التابعين كانوا عليه، مثل ما علمنا أنه (١) من دين الرسول ﷺ الظاهر المعروف الذي لا ينكره إلا من هو كافر به.
والثاني: أَنْ يشتهر القول أو العمل في السلف فلا ينكره منكر؛ فهذا إجماع إقراري، فإنَّ الأمة لا تجتمع على الإقرار على باطل، بل كما أن الرسول ﷺ معصومٌ في قوله وفعله وإقراره= فكذلك الأمة معصومةٌ في قولها وفعلها وإقرارها، وهذا كجعل عمر بن الخطاب ﵁ الأرض المفتوحة عنوة فيما بين المسلمين وغير ذلك (٢).
وإذا قيل في مثل ذلك: قد يكون [١٦٩/ ب] بعضهم أنكرها.
قيل: لا يسقط الفرض بإنكار الخطأ إلا إذا ظهر الإنكار، ولو أنكر ذلك منكرٌ لكان مما تتوفر الدواعي على نقله؛ كما نقلوا نزاع ابن عباس ﵄ في العول والعمريتين (٣)، ونزاع ابن الزبير ﵄ في ميراث المبتوتة (٤)
وأمثال ذلك.
стр. 691
وأما الثالث: فهو الإجماع الاستقرائي، وهو أن يتتبع (١) العالم ما أمكنه من أقوال العلماء فلا يجد أحدًا خالف في ذلك، ومعلوم أَنَّ علمه بأقوالهم التي بلغته أتم من علمه بنفي يُنازعه الغير لهم (٢).
وهذا المعترض يطعن في نقل أقوالهم المنقولة عنهم، فكيف يمكن مع هذا أن يقال: إنهم اتفقوا على قولٍ في مثل هذه المسائل التي لم يظهر أنها من دين الرسول ﷺ ظهورًا عامًّا، ولا هي مما اشتهرت في الصحابة ولا في جميع التابعين فأقروا بها ولم ينكرها منكر، وإنما غاية المنقول في ذلك فتاوى خاصة في قضايا معينة عن بعض التابعين، لا يُعرف أن تلك الأقوال بلغت جميع التابعين، بل ولا أكثرهم، بل ولا يُعرف أنها بلغت جميع مَنْ في بلد المفتي منهم.
وهذا المعترض قد قال فيما بعد لمَّا تكلَّمَ على حديث ليلى بنت العجماء قال: (وبالجملة؛ فهذا محل اشتباهٍ، لما تقدم من الفرق بين الألفاظ المتعدية (٣).
قال: ومِنْ هنا ــ والله أعلم ــ قال مَنْ قال: إِنَّ مثل هذه المذاهب القديمة لا يجوز للعامي تقليدها، وليس (٤) ذلك لأمرٍ يرجع إلى أصحابها ــ حاشى لله ــ، بل هم أئمة الهدى وينابيع العلم، ولكنه لم يُعتنَ بجمع أقوال قائليها
стр. 692
وتدوينها اعتناءً تامًّا حتى يستدل ببعضها على بعض، وبِبَيِّنِهَا (١) على مجملها، وبخاصِّها على عامها، ومقيَّدِها على مطلقها، كما فعل أتباع المذاهب المشهورة، وتناقلوها نقلًا مستفيضًا بحيث صار يحصل لكثيرٍ من المتمذهبين الظنُّ القوي بأنَّ تلك الأحكام هي قول إمامه ومذهبه، وتناقلها (٢) المرجِّحُونَ لها قرنًا بعد قرن، عددًا يبلغ حد التواتر في معظم المسائل والقواعد من لدن زمن إمامه إليه، لا لفتيا مطلقة تُنقل عن إمامٍ لا يُدرى ما أراد بها، وهل اقترن بها مقتضى [١٧٠/ أ] ذلك أم لا؟
فكنَّا نودُّ لو دُوِّنَت (٣) تلك المذاهب كما دُوِّنَت هذه، ولكن في كتاب الله وسنة رسوله التي تكفَّل الله بحفظهما بقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] كفايةٌ عن كل مذهبٍ، وغَناءٌ عن كل قائل) (٤).
فيقال له: إذا كان هذا قولك في أقوال السلف المعروفة المنقولة عنهم بالإسناد ألفاظهم فيها، وأنت لا تجزم بقولهم في تلك المسائل؛ فكيف تجزم بقول كل واحد من السلف في مسألة ليس معك فيها نقل إلا عن قليل من التابعين لا يبلغون عشرين نفسًا؟! ثم مع هذا تدعي إجماع الصحابة والتابعين وتابعيهم على ذلك.
وتعتمد في نقل الإجماع على نقل أبي ثور ونحوه للإجماع، وأنت لا تقبل نقلهم لأقوالٍ نقلوها بالإسناد، ونقلوا ألفاظ أصحابها، وجميع العلماء
стр. 693
بعدهم وافقوهم على نقل هذا النزاع، ولم يقل أحدٌ جاء بعدهم إنهم أخطأوا في نقل النزاع، ثم تحتج بنقلهم للإجماع وقد أنكر غيرهم عليهم هذا الإجماع، وقالوا: إنهم أخطأوا فيه، وأَنَّ المسألةَ مسألةُ نزاعٍ لا مسألةُ إجماعٍ ولو لم يخالفهم، فلا يكون نقلهم لقول كل واحد واحدٍ من العلماء ونفي منازعة أحد من العلماء لهم مع أنهم لم يذكروا إسنادًا إلى كل واحد، ولا معهم إسناد بنفي المنازع= بأعظم من نقلهم لقول بعض الصحابة والتابعين التي نقلوها بالإسناد ونقلوا ألفاظهم التي تعرف مذاهبهم، فإذا قَدَحَ في النقل الراجح الذي هُمْ به أعلم فَلَأَنْ يقدح في النقل المرجوح الذي لا يعلمونه كعلم ذاك بطريق الأولى.
وإذا كان في كتاب الله ــ تعالى ــ وسنة رسوله ﷺ التي تَكَفَّلَ الله ــ ــ بحفظهما كفاية عن كل مذهبٍ، وَغَنَاء عن كل قائل؛ ففيها غَنَاءٌ وكفايةٌ عن المذاهب المشهورة وغيرها، ووجب مع هذا أَنْ ليس في الأقوال ما هو حق إلا ما وافق الكتاب والسنة، وكل إجماعٍ معصوم فهو موافق للكتاب والسنة، وما خالف الكتاب والسنة امتنع أن يكون إجماعًا صحيحًا؛ فالاعتبار بالكتاب والسنة.
وأما مسائل النزاع؛ ويقال: إنها مجمعٌ عليها أو مختلفٌ فيها [١٧٠/ ب]؛ فإنها إِنْ كانت مجمعًا عليها فلا بُدَّ أَنْ تكون مُبَيَّنَةً في الكتاب والسنة، وإِنْ كانت متنازعًا فيها فالصواب فيها ما وافق الكتاب والسنة.
وأما أبو حامد الإسفراييني ــ رحمه الله تعالى ــ فمراده: نفي الخلاف في المذهبين، مذهب أبي حنيفة والشافعي ﵄ كما دَلَّ عليه سياقُ كلامِهِ، وهذه عادةٌ معروفة لمصنفي الخلاف.
стр. 694
والطرائق في الخلاف يحتجون على منازعهم بما يُسَلِّمُونَهُ، ويقول: ثبت بالإجماع؛ أَيْ: مِنَّا ومنكم، وكثيرٌ من أدلة المصنفين في الخلاف إنما يعتمدون فيها على النقليات الجدلية التي يُسَلِّمُهَا المنازع، إذ كان مقصودهم بيان أَنَّ قولهم أرجح مِنْ قول ذلك المنازع لهم؛ ولهذا لا يثبتون إلا ضعف قوله ورجحان قولهم على قوله، وهذا لا يفيد العلم ولا يفيد الاستدلال على حكم الله ورسوله.
ومما يُبَيِّنُ ذلك: أَنَّ أبا حامد قال: (الثاني: أنْ يعلِّق به عتقًا أو طلاقًا فيقع ذلك عند وجود الشرط بلا خلاف، لأنه طلاق وعتق معلق بصفة يقع عند وجودها).
فقد نفى الخلاف في الحلف بالعتاق كما نفاه في الحلف بالطلاق، ومن هو دون أبي حامد يعلم النزاع في العتق، وهو مذكور في الكتب التي ينقل منها أبو حامد الخلاف، مثلُ كتب أبي بكر بن المنذر وغيره.
ولو قُدِّرَ أَنَّ أبا حامد نَفَى الخلاف في ذلك؛ فأبو ثور ومحمد بن نصر ومحمد بن جرير وأبو بكر بن المنذر وأبو عمر بن عبد البر وابن حزم وغيرهم = نقلوا النزاع في العتق عن الصحابة والتابعين، ومعلومٌ أَنَّ الواحدَ مِنْ هؤلاء أعلم بمذاهب الصحابة والتابعين وما بينهم من النزاع من أبي حامد، فكيف بمجموعهم؟!
وقد عُلِمَ أَنَّ نقل الناقل العالم مُقَدَّمٌ على نَقْلِ غيرِهِ لنفي النزاع، فإنَّ ذاك مثبتٌ والآخر نافٍ؛ هذا لو كان النافي للنزاع جازمًا بنفيه، والنفي مما يمكن العلم به؛ كنفي أسامة ﵁ للصلاة في الكعبة (١)، فإنه جَزَمَ بنفي ذلك،
стр. 695
وهو نفي يُحَاطُ به، ومع هذا؛ فَقَدَّمَ العلماءُ إثباتَ بلالٍ ﵁ حيث قال: صَلَّى فيه (١) على نفي أسامة [١٧١/ أ]؛ فكيف وليس مع النافي إلا ظَنُّ أبي ثور لعدم النزاع؟! كما صَرَّحَ عن نفسه بأنَّ الإجماع عدم العلم بالنزاع.
فَعُلِمَ أَنَّ هذا المدَّعِي للإجماع ليس معه علمُ أحدٍ من العلماء بالإجماع، ومن ادعى العلم بالإجماع في ذلك عُلِمَ أنه كاذب، كما قاله أحمد بن حنبل، وإنما معه عدم علمه بالنزاع، أو ظَنٌّ لنفي النزاع.
فصلٌ
وأما قوله: (فلا نعدل عن هذا إلا بنقل صريح عن إمامٍ معتبر).
فجوابه من وجوه:
أحدها: أنه لا نُسلِّم أَنَّ مثل هذا حجة يجب الاعتماد عليها، فإنه إذا قال واحد أو اثنان أو ثلاثة: نحن لا نعلم في هذا نزاعًا، أو نظن أنه لا نزاع في ذلك = لم يكن هذا مما يوجب أن جميع أمة محمد ﷺ من أولهم إلى آخرهم يجب عليهم تقليدُ هذا الظانِّ فيما ظنه، فإنه لا يجب عليهم تقليده فيما يقطع به، فكيف يجب عليهم تقليده فيما ظنه؟!
وهب أنه يجوز تقليده لبعض الناس، أو يجب على بعض الناس؛ لكن لا يقول عاقل: إنَّ جميع الأمة يجب عليها تقليده، وليس هذا مثل ترك رواية ما يرويه من الأخبار، فإنَّ ذاك خبر منه عما سمعه أو رآه، ليس هو خبرًا عما يظن بالاستقراء (٢)، ولهذا يجب على أمثاله وعلى مَنْ هو أكبر منه أَنْ
стр. 696
يرجعوا إلى خبره، كما كان الخلفاء الراشدون والصحابة والتابعون ﵃ يرجعون في الأخبار إلى مَنْ سمع ما لم يسمعوا، ورأى ما لم يروا.
ولا يقول أحدٌ إنه يجب على الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبي عبيد وغيرهم أنهم يرجعون إلى أبي ثور وأمثاله فيما يظنه من عدم النزاع، مع أنه عليهم أن يرجعوا إلى مَنْ هو دون أبي ثور في العلم والفقه فيما ينقله من الأخبار إذا كان ثقةً؛ وذلك أنه ليس نقل الإجماع ونفي النزاع مثل نقل ما سمع من الأخبار، فإنَّ هذا غايتُهُ فيه الاستقراء.
ثم إِنَّ هذا خبرٌ مرسل؛ فإنه يخبر أَنَّ هذا قول العلماء الذين لم يدركهم، ولا سَمَّى مَنْ أَخبرَ ذلك عنهم، بل لو نقل واحدٌ مذهب فقيهٍ من غير أن يعزوه إلى كتاب أو إسناد = لكان نقلًا مرسلًا، والغالب عليه الصواب، كما أَنَّ الغالب على مراسيل التابعين الصواب، والخطأ في ذلك أكثر [١٧١/ ب] من الخطأ في مراسيل التابعين؛ فإذا كان مرسَل العالم المشهور لنص الرسول ﷺ الذي يجب اتباعه إما ألا يكون حجة وإما أن يكون حجة ضعيفة غيرها أقوى منها؛ مع أَنَّ عِلْمَهُ بأنَّ الرسول ﷺ قال هذا ممكن بطرقٍ كثيرة، فكيف بقول بعض العلماء وهو ما لا يمكنه علمه؛ بل غايته أنه يظن ألا نزاع في ذلك؟!
ولهذا لم يكن الأئمة المتبوعون (١) يحتجون بمثل هذا قط، وإنما يعتمد أحدهم على استقرائه واجتهاده في معرفة النزاع وعدمه، لا يقلد في ذلك غيره، مع اتفاقهم على وجوب اتباع الأخبار؛ فَعُلِمَ أَنَّ مثل هذا الكلام ليس
стр. 697
حجةً نقليةً يجب العملُ بها كما يجب العمل بالأخبار الثابتة المنقولة، لا سيما والأصوليون قد تنازعوا في الإجماع إذا نُقِلَ بخبرٍ واحدٍ هل يكون حجة أم لا؟ على قولين مشهورين (١).
وهذا إذا نقل بإسناد متصل عن جميع أهل الإجماع كما نقل عن الصحابة المعروفين ونحوهم، فأما نقلُ واحدٍ متأخرٍ بعد القرون الثلاثة لإجماعٍ لم ينقله قبله أحدٌ، وليس معه فيه إلا ظن عدم النزاع؛ فكيف يجب على الأمة اتباعه بمجرد ذلك؟!
نعم من استقرأ الأقوال وتتبعها فَغَلب على ظنه= كان بمنزلة أبي ثور في ذلك، وهذا الظن قد يكون صوابًا وقد يكون خطأ، وليس له أَنْ يحتجَّ على غيره بظنه إلا كما يحتجُّ على غيره بنفي المعارض، مثل أَنْ يقول: هذا دليل عام ولا مخصص له، فإني بحثت عن المخصص فلم أجده.
وقد تنازع الناس في نفي المعارض هل هو جزء من الدليل في حق الناظر أو المناظر؟ والصحيح: أَنَّ الناظر المستدل لا يعمل بالدليل الظني إن لم يغلب على ظنه نفي المعارض المقاوم، وأما المناظر فلا يجب عليه في الاستدلال نفي المعارض مفصلًا، فإنَّ هذا يتعذر أو يتعسر، وهذا يظهر بِـ
الجواب الثاني: وهو أَنْ يقال: هَبْ أَنَّ المحتج بنقل أبي ثور هو أبو ثور نفسه، فليس عِلْمُ الإنسان بما في قلب غيره بأعظم مِنْ علم ذلك الشخص؛ فإنَّ المناظر له يقول له: مجرد ظنك ليس بحجةٍ عليَّ إِنْ لم أستقرئ أقوال العلماء فأظن ما ظننته [١٧٢/ أ] من عدم المنازع.
стр. 698
الثالث: أَنْ يقال: المدعي للإجماع سواء اعتقده باستقرائه أو نقله عمن استقرأه = إنما يجوز له أن يحتج به ناظرًا أو مناظرًا إذا لم يكن عنده نقل بالنزاع؛ فأما مع وجود النقل بالنزاع فلا يجوز الاستدلال [به] (١) على المثبت (٢) للنزاع، فإنَّ وجود النزاع ينفي الإجماع، والنقل بالنزاع في الطلاق موجود من وجوه.
لكن المقصود هنا: ذكر ما هو عند المعترض في كتبه التي ينقل منها؛ فمن ذلك: أَنَّ ابن حزم نقل في كتاب (الإجماع) له في الطلاق الأقوال الثلاثة: هل يلزم أم لا يلزم؟ وإذا لم يلزم هل يكفر أم لا؟
فقال (٣): (واختلفوا فيمن حلف بنحر ولده أو نحر أجنبي أو هديه (٤) أو بالمصحف أو بالتوراة أو بنذر أخرجه مخرج اليمين أو بأنه مخالف لدين الإسلام (٥) أو بطلاق أو بظهار أو تحريم شيء من ماله أو ما أحل الله، أو قال: عليَّ يمين، أو قال: علم الله، أو قال: حلفت، أو قال: لا يحل لي، أو قال: عليَّ لعنة الله، أو أخزاني الله= أيكفر، أم لا كفارة عليه وإن خالف ما حلف عليه؟
واختلفوا في جميع هذه الأمور التي استثنيناها أفيها كفارة أم لا؟ وفي صفة الكفارة في ذلك؟ وفي وجوب بعضها.
стр. 699
قال: واختلفوا في اليمين بالطلاق أهو طلاق فيلزم أم هو يمين فلا يلزم؟).
فذكر في الحالف بالطلاق والظهار والنذر وسائر ما ذكره قولين: هل يكفر أم لا يكفر؟ ثم ذكر في الطلاق قولين: هل هو طلاق فيلزم أم هو يمين فلا يلزم؟
فإنْ شئت قلت: إذا لم يكفر؛ ففيه قولان: هل هو يمين لاغية أم هو طلاق لازم؟ وإن شئت قلت: إذا قيل: هو يمين؛ فهل هو يمين مكفرة أم غير مكفرة؟ فإنَّ المقصود واحد.
وهذا بخلاف الظهار والحرام فإنما ذكر فيه قولين هل يكفر أم لا؟ وذلك أَنَّ الطلاق إذا قيل هو ليس بيمين، فلا كفارة فيه باتفاق المسلمين؛ فلهذا ذكر فيه النزاع إذا قيل هو يمين هل يكفر أو لا؟ ثم ذكر النزاع هل هو يمين فلا يلزم أم هو طلاق فيلزم؟ فإذا قيل: هو طلاق لازم، فلا كفارة فيه بالاتفاق، بخلاف [١٧٢/ ب] غيره.
فإنه إذا قيل: إنَّ الحلف بالظهار ظهار، والحلف بالحرام حرام، والحلف بالنذر نذر؛ ففي الظهار الكفارة وفاقًا، وفي الحرام والنذر على أحد القولين، وأما إذا قيل: إنه ليس بظهار ولا حرام ولا نذر بل هو يمين؛ ففيه النزاع: هل هو يمين مكفَّرة أم غير مكفَّرة؟
فبكل حال؛ قد قيل فيه كفارة وإنْ قيل إنه ليس بيمين، بخلاف الطلاق فإنه إذا لم يكن يمينًا فلا كفارة فيه.
стр. 700
ثم ذكر في موضع آخر ــ أعني: ابن حزم ــ فقال (١): (واتفقوا على أَنَّ الطلاق إلى أجل أو بصفةٍ واقعٌ إِنْ وافقت وقت طلاق، ثم اختلفوا في وقت وقوعه؛ فمن قائلٍ الآن، ومن قائلٍ هو إلى أجله.
واتفقوا إذا حان ذلك الأجل في وقت طلاق أن الطلاق واقع.
قال: واختلفوا في الطلاق إذا خرج مخرج اليمين أيلزم أم لا؟).
فقد ذكر النزاع في الطلاق الذي خرج مخرج اليمين في غير موضع من كتاب الإجماع.
وذكر ــ أيضًا ــ في المحلى قال (٢): (وأما مَنْ فَرَّقَ بين العتق المعيَّن وغيره فخطأ، وحجتهم في ذلك أنه عتق بصفة، وليس كما قالوا؛ بل هو يمين بالعتق، فهو باطل ــ أيضًا ــ لا يلزم.
وقالوا: قسنا العتق المعيَّن على الطلاق المعين. فقلنا: القياس كله باطل، ثم لا يصح قولكم في الطلاق المعين إذا قصد به اليمين لا من قرآن ولا سنة ولا إجماع).
فقد نفى أن يكون في الطلاق المعين إذا قصد به اليمين كتاب أو سنة أو إجماع، وهذا تخصيص منه لنفي الإجماع في الطلاق الذي قصد به اليمين دون الذي لم يقصد به اليمين، وقد ذَكَرَ الإجماع على أَنَّ الطلاق المعلق الذي لم يقصد به اليمين يقع، ثم اختار بعد ذلك في المحلى أنه لا يقع.
стр. 701
وقد تقدم أَنَّ هذا قول أبي عبد الرحمن الشافعي، وهذا نزاعٌ لم يكن قد اطلع عليه ابن حزم ــ أيضًا ــ، كما قد ذكرنا قطعة كبيرة من إجماعاته التي فيها نزاع لم يطلع عليه (١)، مع أنه من أعظم نقلةِ الإجماعات اطلاعًا، وأكثرهم انتقادًا.
وقد قال في كتابه في (الإجماع) (٢): (وإنَّا أملنا بعون الله ــ تعالى ــ أَنْ نجمع المسائل [١٧٣/ أ] التي صَحَّ فيها الإجماع، ونفردها من سائر المسائل التي وقع [فيها] الخلاف بين العلماء).
إلى أَنْ قال (٣): (وقد أدخل قومٌ في الإجماع ما ليس منه؛ فقومٌ عَدُّوا قول الأكثر إجماعًا، وقومٌ عَدُّوا ما لا يعلمون فيه خلافًا وإِنْ لم يقطعوا على أنه لا خلاف فيه= فحكموا على أنه إجماع، وقومٌ عَدُّوا قول الصاحب [المشهور] المنتشر إذا لم يعلموا له من الصحابة مخالفًا [وإنْ وجد الخلاف من التابعين ممن بعدهم فعدوه إجماعًا، وقومٌ عَدُّوا قول الصاحب الذي لا يَعرفون له مخالفًا من الصحابة ﵃ وإنْ لم يَشتهر ولا انتشر إجماعًا، وقومٌ عَدُّوا قول أهل المدينة إجماعًا، وقومٌ عَدُّوا قول أهل الكوفة] إجماعًا، وقومٌ عَدُّوا اتفاق العصر الثاني على أحد قولين أو أكثر كانت للعصر الذي قبلهم إجماعًا.
стр. 702
قال: وكل هذا آراء فاسدة).
قال (١): (وقومٌ قالوا الإجماع هو إجماع الصحابة فقط، وقومٌ قالوا: إجماع كل عصر إجماع صحيح، إذا لم يتقدم قبله في تلك المسألة خلاف).
قال: (وهذا هو الصحيح لإجماع الأمة عند التفصيل عليه، واحتجاجهم به، وتركهم ما أَصَّلُوه له).
إلى أَنْ قال (٢): (وصفةُ الإجماع: ما تُيُقِّنَ (٣) أنه لا خلاف فيه بين أحد من علماء الإسلام، ونعلم ذلك من حيث علمنا الأخبار التي لا يتخالج فيها شك، مثل: أَنَّ المسلمين خرجوا من الحجاز واليمن (٤) ففتحوا العراق وخراسان ومصر والشام، وأَنَّ بني أمية ملكوا دهرًا ثم ملك بنو العباس، وأنه كانت وقعة صفين والحرة؛ وسائر ذلك مما يعلم بيقينٍ وضرورة).
وقال ــ أيضًا ــ (٥): (إنما نُدخل في هذا الكتاب الإجماع التام الذي لا نُخالَف فيه البتة، الذي نعلمه كما نعلم أَنَّ صلاة الصبح في الأمن والخوف ركعتان).
فهذا شرطه في إجماعه؛ ومع هذا: فقد ذكر إجماعات كثيرة فيها نزاع لم يعلمه، بل فيها ما قد خالفه هو ــ أيضًا ــ، قد ذكرنا منها قطعة فيما كتبناه في الإجماع في غير هذا الموضع.
стр. 703
وأما ما ينقله ابن عبد البر من الإجماعات؛ فيوجد في كثيرٍ منها من النزاع أكثر مما يوجد في إجماعات ابن حزم، وهما في عصرٍ واحدٍ وبلدٍ واحدٍ؛ مثل هذه المسألة، فإنَّ ابن عبد البر نقل فيها الإجماع مع أَنَّ من عادته أنه ينقل قول داود وأصحابه، ويقال: إنه كان أولًا على مذهبهم، كما كان أبو إسحاق الشيرازي على مذهبهم؛ ومع هذا فلم ينقل ابن عبد البر مذهبهم في ذلك كما نقله ابن حزم، لأنه [١٧٣/ ب] لما رأى ما ذكره أبو ثور وابن (١) نصر تبعهما في ذلك، وقد تبين أن الأصل في ذلك عدم علم أبي ثور بالنزاع أو ظنه عدم النزاع، وهذا إذا عارضه مَنْ أثبتَ النزاعَ مجملًا لم يكن لأحدٍ أَنْ يجزم بنفي النزاع، بل ولا يظنه إذا لم يعلم انتفاءه مع جزم الناقل بثبوته، فكيف وقد عرف ثلاثة أقوال أخر؟!
قولُ مَنْ يقول: الطلاق المعلق بالصفة لا يقع بحال؛ كقول أبي عبد الرحمن الشافعي وابن حزم ومن وافقهم من الإمامية كالمفيد والموسوي والطوسي وغيرهم، وإِنْ كان هؤلاء لم ينفردوا عن أهل السنة بقولٍ صواب، فإذا قالوا قولًا قاله بعض أهل السُّنَّة ذُكِرُوا تبعًا لأهل السنة، وقد ذكرنا تنازع الناس في أهل الأهواء هل يعتد بنزاعهم أم لا في موضع آخر (٢).
والقول الثاني: قولُ مَنْ يُفَرِّقُ بين التعليق الذي يقصد به اليمين والذي لا يقصد، لكن يقول: إذا قَصَدَ اليمين لم يقع ولا كفارة عليه كما يقول ذلك طائفة أكثر من ذلك، وهو محكي عن داود وغيره وعن طائفة من أهل البيت.
стр. 704
والقول الثالث: مَنْ يقولُ فيما خرج مخرج اليمين: لا يلزم ولكن يكفر كفارة اليمين؛ وهو القول الثالث الذي ذكره ابن حزم، وهو قول طاووس وغيره، وبه يفتي جماعة متعددة من أصحاب مالك وغيرهم.
الوجه الرابع: قوله: (لا نَعدل عن ذلك إلا بنقلٍ صريحٍ عن إمامٍ معتبرٍ).
يقال له: ما تعني بالإمام المعتبر؟ وما تعني بكونه معتبرًا؟ ومَنْ هو الذي يعتبره؟ فما من عالمٍ من علماء المسلمين إلا وله طائفة تعتبره وتُعَظِّمُ أقواله، وطائفةٌ تُخالف أقواله وتضعفها؛ فإنْ أَردتَ مَنْ يَعتبرُ أقوالَهُ جميعُ المسلمين (١).
ثم اعتبارُ أقوالِهِ؛ قد يعني به حكايتها والاعتناء بها، وقد يعني به تقليدها واتباعها، وقد يعني به الاعتداد بخلافه؛ وكل هذا مما اختلف فيه الناس: تارة بحسب علمهم وقدرتهم، وتارة بحسب قصدهم وإرادتهم؛ فهذه الطوائف تحكي أقوالَ قومٍ لا تحكيها هذه الطائفة، وتتبع أقوال قوم لا تتبعها هذه الطائفة، وتعتد بخلافِ قومٍ لا تعتد بخلافها هذه الطائفة، ومَنْ له خبرة [١٧٤/ أ] بأقوال العلماء، وقول بعضهم في بعضٍ= يَعرفُ هذا (٢).
стр. 705
فطائفةٌ لا تعد خلاف الشافعي خلافًا؛ كالقاضي إسماعيل بن إسحاق وغيره، وطائفة لا تعد خلاف أبي حنيفة خلافًا؛ كأكثر أهل الحديث، وطائفة تقول كان ينبغي لمالك أَنْ يَسكت؛ كما قال محمد بن الحسن وغيره، إلى أمور أخرى يطول وصفها (١).
وأيضًا؛ فيقال: مَنْ هؤلاء المعتبرون الذين فرض الله ــ تعالى ــ على جميع أمة محمد ﷺ شرقًا وغربًا ألا يعتبروا إلا أقوالهم دون أقوال مَنْ نازعهم؟ ومن أين نعلم ذلك؟ وما الدليل على ذلك؟ وهل يتكلم بهذا مَنْ يَعرف الأدلة الشرعية وأصول الفقه التي تُبنى عليها الأحكام؟
وكذلك قوله: عن إمام؛ ماذا تعني بالإمام؟ أتعني بالإمام من ائتم به طائفة من المسلمين؟ فما من عالمٍ من العلماء إلا وله طائفة تأتم به. أم تعني به من ائتم به جميع المسلمين؟ فليس في العلماء مَنْ يتبعه جميع المسلمين، بل ولا أكثرهم في مفرداته. أم مَنْ صُنِّفَتِ الكتبُ على مذاهبهم؟ فمعلوم أَنَّ الصحابة والتابعين لهم بإحسان يعتد بخلافهم بإجماع المسلمين، ولم