وقد تقدم أَنَّ هذا قول أبي عبد الرحمن الشافعي، وهذا نزاعٌ لم يكن قد اطلع عليه ابن حزم ــ أيضًا ــ، كما قد ذكرنا قطعة كبيرة من إجماعاته التي فيها نزاع لم يطلع عليه (١)، مع أنه من أعظم نقلةِ الإجماعات اطلاعًا، وأكثرهم انتقادًا.
وقد قال في كتابه في (الإجماع) (٢): (وإنَّا أملنا بعون الله ــ تعالى ــ أَنْ نجمع المسائل [١٧٣/ أ] التي صَحَّ فيها الإجماع، ونفردها من سائر المسائل التي وقع [فيها] الخلاف بين العلماء).
إلى أَنْ قال (٣): (وقد أدخل قومٌ في الإجماع ما ليس منه؛ فقومٌ عَدُّوا قول الأكثر إجماعًا، وقومٌ عَدُّوا ما لا يعلمون فيه خلافًا وإِنْ لم يقطعوا على أنه لا خلاف فيه= فحكموا على أنه إجماع، وقومٌ عَدُّوا قول الصاحب [المشهور] المنتشر إذا لم يعلموا له من الصحابة مخالفًا [وإنْ وجد الخلاف من التابعين ممن بعدهم فعدوه إجماعًا، وقومٌ عَدُّوا قول الصاحب الذي لا يَعرفون له مخالفًا من الصحابة ﵃ وإنْ لم يَشتهر ولا انتشر إجماعًا، وقومٌ عَدُّوا قول أهل المدينة إجماعًا، وقومٌ عَدُّوا قول أهل الكوفة] إجماعًا، وقومٌ عَدُّوا اتفاق العصر الثاني على أحد قولين أو أكثر كانت للعصر الذي قبلهم إجماعًا.
стр. 702
قال: وكل هذا آراء فاسدة).
قال (١): (وقومٌ قالوا الإجماع هو إجماع الصحابة فقط، وقومٌ قالوا: إجماع كل عصر إجماع صحيح، إذا لم يتقدم قبله في تلك المسألة خلاف).
قال: (وهذا هو الصحيح لإجماع الأمة عند التفصيل عليه، واحتجاجهم به، وتركهم ما أَصَّلُوه له).
إلى أَنْ قال (٢): (وصفةُ الإجماع: ما تُيُقِّنَ (٣) أنه لا خلاف فيه بين أحد من علماء الإسلام، ونعلم ذلك من حيث علمنا الأخبار التي لا يتخالج فيها شك، مثل: أَنَّ المسلمين خرجوا من الحجاز واليمن (٤) ففتحوا العراق وخراسان ومصر والشام، وأَنَّ بني أمية ملكوا دهرًا ثم ملك بنو العباس، وأنه كانت وقعة صفين والحرة؛ وسائر ذلك مما يعلم بيقينٍ وضرورة).
وقال ــ أيضًا ــ (٥): (إنما نُدخل في هذا الكتاب الإجماع التام الذي لا نُخالَف فيه البتة، الذي نعلمه كما نعلم أَنَّ صلاة الصبح في الأمن والخوف ركعتان).
فهذا شرطه في إجماعه؛ ومع هذا: فقد ذكر إجماعات كثيرة فيها نزاع لم يعلمه، بل فيها ما قد خالفه هو ــ أيضًا ــ، قد ذكرنا منها قطعة فيما كتبناه في الإجماع في غير هذا الموضع.
стр. 703
وأما ما ينقله ابن عبد البر من الإجماعات؛ فيوجد في كثيرٍ منها من النزاع أكثر مما يوجد في إجماعات ابن حزم، وهما في عصرٍ واحدٍ وبلدٍ واحدٍ؛ مثل هذه المسألة، فإنَّ ابن عبد البر نقل فيها الإجماع مع أَنَّ من عادته أنه ينقل قول داود وأصحابه، ويقال: إنه كان أولًا على مذهبهم، كما كان أبو إسحاق الشيرازي على مذهبهم؛ ومع هذا فلم ينقل ابن عبد البر مذهبهم في ذلك كما نقله ابن حزم، لأنه [١٧٣/ ب] لما رأى ما ذكره أبو ثور وابن (١) نصر تبعهما في ذلك، وقد تبين أن الأصل في ذلك عدم علم أبي ثور بالنزاع أو ظنه عدم النزاع، وهذا إذا عارضه مَنْ أثبتَ النزاعَ مجملًا لم يكن لأحدٍ أَنْ يجزم بنفي النزاع، بل ولا يظنه إذا لم يعلم انتفاءه مع جزم الناقل بثبوته، فكيف وقد عرف ثلاثة أقوال أخر؟!
قولُ مَنْ يقول: الطلاق المعلق بالصفة لا يقع بحال؛ كقول أبي عبد الرحمن الشافعي وابن حزم ومن وافقهم من الإمامية كالمفيد والموسوي والطوسي وغيرهم، وإِنْ كان هؤلاء لم ينفردوا عن أهل السنة بقولٍ صواب، فإذا قالوا قولًا قاله بعض أهل السُّنَّة ذُكِرُوا تبعًا لأهل السنة، وقد ذكرنا تنازع الناس في أهل الأهواء هل يعتد بنزاعهم أم لا في موضع آخر (٢).
والقول الثاني: قولُ مَنْ يُفَرِّقُ بين التعليق الذي يقصد به اليمين والذي لا يقصد، لكن يقول: إذا قَصَدَ اليمين لم يقع ولا كفارة عليه كما يقول ذلك طائفة أكثر من ذلك، وهو محكي عن داود وغيره وعن طائفة من أهل البيت.
стр. 704
والقول الثالث: مَنْ يقولُ فيما خرج مخرج اليمين: لا يلزم ولكن يكفر كفارة اليمين؛ وهو القول الثالث الذي ذكره ابن حزم، وهو قول طاووس وغيره، وبه يفتي جماعة متعددة من أصحاب مالك وغيرهم.
الوجه الرابع: قوله: (لا نَعدل عن ذلك إلا بنقلٍ صريحٍ عن إمامٍ معتبرٍ).
يقال له: ما تعني بالإمام المعتبر؟ وما تعني بكونه معتبرًا؟ ومَنْ هو الذي يعتبره؟ فما من عالمٍ من علماء المسلمين إلا وله طائفة تعتبره وتُعَظِّمُ أقواله، وطائفةٌ تُخالف أقواله وتضعفها؛ فإنْ أَردتَ مَنْ يَعتبرُ أقوالَهُ جميعُ المسلمين (١).
ثم اعتبارُ أقوالِهِ؛ قد يعني به حكايتها والاعتناء بها، وقد يعني به تقليدها واتباعها، وقد يعني به الاعتداد بخلافه؛ وكل هذا مما اختلف فيه الناس: تارة بحسب علمهم وقدرتهم، وتارة بحسب قصدهم وإرادتهم؛ فهذه الطوائف تحكي أقوالَ قومٍ لا تحكيها هذه الطائفة، وتتبع أقوال قوم لا تتبعها هذه الطائفة، وتعتد بخلافِ قومٍ لا تعتد بخلافها هذه الطائفة، ومَنْ له خبرة [١٧٤/ أ] بأقوال العلماء، وقول بعضهم في بعضٍ= يَعرفُ هذا (٢).
стр. 705
فطائفةٌ لا تعد خلاف الشافعي خلافًا؛ كالقاضي إسماعيل بن إسحاق وغيره، وطائفة لا تعد خلاف أبي حنيفة خلافًا؛ كأكثر أهل الحديث، وطائفة تقول كان ينبغي لمالك أَنْ يَسكت؛ كما قال محمد بن الحسن وغيره، إلى أمور أخرى يطول وصفها (١).
وأيضًا؛ فيقال: مَنْ هؤلاء المعتبرون الذين فرض الله ــ تعالى ــ على جميع أمة محمد ﷺ شرقًا وغربًا ألا يعتبروا إلا أقوالهم دون أقوال مَنْ نازعهم؟ ومن أين نعلم ذلك؟ وما الدليل على ذلك؟ وهل يتكلم بهذا مَنْ يَعرف الأدلة الشرعية وأصول الفقه التي تُبنى عليها الأحكام؟
وكذلك قوله: عن إمام؛ ماذا تعني بالإمام؟ أتعني بالإمام من ائتم به طائفة من المسلمين؟ فما من عالمٍ من العلماء إلا وله طائفة تأتم به. أم تعني به من ائتم به جميع المسلمين؟ فليس في العلماء مَنْ يتبعه جميع المسلمين، بل ولا أكثرهم في مفرداته. أم مَنْ صُنِّفَتِ الكتبُ على مذاهبهم؟ فمعلوم أَنَّ الصحابة والتابعين لهم بإحسان يعتد بخلافهم بإجماع المسلمين، ولم
стр. 706
تصنف على مذاهبهم كتب، ولم تصنف الكتب على مذاهبهم كما صنفت على مذاهب الأئمة الأربعة أو الخمسة أو الستة أو السبعة، بل صنفت الكتب على مذهب أبي حنيفة ومالك والأوزاعي والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور وداود وابن جرير، وكلٌّ مِنْ هؤلاء له أتباع ولهم مصنفات على مذهبه.
ومعلومٌ باتفاق المسلمين أن الصحابة الذين هم أجل من هؤلاء يعتد بأقوالهم في الخلاف وإن لم يكونوا كذلك، وكذلك التابعون، وكذلك سائر العلماء مثل: الليث بن سعد وحماد بن سلمة وابن جريج وسفيان بن عيينة وسليمان التيمي وأشعث وغيرهم.
وأيضًا؛ فيقال: ما تعني بقولك: بنقل صريح؟ أتعني به ما يدل دلالة تبين مراده؟ أم ما يدل على خصوص محل النزاع من غير مشاركة غيره في الدلالة؟ واشتراط الثاني باطل.
وأيضًا؛ فمعلوم أَنَّ النقل في هذه المسألة عن بعض العلماء ليست [١٧٤/ ب] حجة شرعية يجب على المسلمين اتباعها، وإنما يجب اتباع ما أنزل الله ــ ــ على رسوله ﷺ ، ولكن المطلوب من النقل هنا أَنْ نقدح في ظن الإجماع؛ فإنَّ الإجماع نوعان: قطعي؛ يُقطع بأنَّ الأمة أجمعت عليه، وظني؛ يُظنُّ أَنَّ الأمة أجمعت عليه.
وقد تنازع الناس في الإجماع هل هو حجة قطعية أم ظنية؟ وهل (١) يقطع بخطأ من خالفه؟
стр. 707
والتحقيق: أَنَّ ما قطعنا بأنه إجماع الأمة قطعنا بخطأ مخالفه، فإنَّا نقطع أَنَّ الأمة لا تجتمع على خطأ، وما لم نقطع بأنه إجماع الأمة لم نقطع بخطئه من هذه الجهة، لكن إِنْ علمنا خطأه من جهة أخرى قطعنا به (١).
وإذا كان كذلك؛ فمن المعلوم أنه إذا كان الطريق الذي به يُعرف الإجماع نقل أبي ثور ومن اتبعه، وهو يقول: إنما معي عدم العلم بالنزاع، وظن أنه لا نزاع = كان بمنزلة مَنْ يَقول: لا أعلم في مذهب مالك أو الشافعي أو أبي حنيفة خلافًا، أو أظن أنه لا خلاف في ذلك؛ وبمنزلة مَنْ يقول: هذا الخبر لم يروه إلا فلان، أو أظن أنه لم يروه إلا فلان، أو ما أعلم رواه إلا فلان.
فإذا قال غيره: بل في مذهب فلان قول آخر، وهذا الخبر رواه آخر.
فإذا قال العالم الآخر: بل في الطلاق نزاع، لم نَبْقَ ظانِّين للإجماع، كما كنا نظنه لو لم ينقل هذا، بل جَوَّزنا ــ حينئذٍ ــ أَنْ يكون هناك نزاع اطلع عليه هذا دون ذاك، بل ومع هذا التجويز يرجح هذا، ولو لم يرجح لم نبق ظانين إجماعًا، فلا يبقى هناك إجماع احتج به.
وإذا قام عندنا دليل خالف هذا؛ فإما أن يترجح عندنا عدم الإجماع، فيجب علينا العمل بالدليل السالم عن المعارض المقاوم، وإِمَّا أَنْ يتساوى الأمران فلا يرجح واحد على الآخر فنقف؛ فأما الجزم بهذا النقل النافي
стр. 708
دون ذاك النقل المثبت، فهذا ترجيح بلا مرجح، بل ترجيح للمرجوح على الراجح، بل ترجيح النافي على المثبت، بل ترجيحٌ لعدم العلم على العلم، وترجيحٌ للظن الضعيف على الظن القوي؛ وكل هذا لا يفعله إلا جاهل أو متجاهل.
الوجه الخامس: [١٧٥/ أ] أَنْ يقال: من المعلوم أَنَّ الله ــ ــ بَيَّنَ للمسلمين الدين؛ كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥]، فقد بَيَّنَ الله ــ ــ للأمة ما تتقيه، والذي يتقونه هو ما نهاهم عنه.
وقد قال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [الأعراف: ٣]، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، وقال تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [طه: ١٢٣]، وقال : ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٣]، وقال : ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] والدلائل الدالة على وجوب الاعتصام بالكتاب والسنة كثيرةٌ.
стр. 709
وقد أمر الله ــ سبحانه ــ المسلمين بتبليغ ما بعث به رسوله ﷺ من الكتاب والحكمة، وقال تعالى على لسان رسوله ﷺ : ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]، وقال النبي ﷺ : «بلغوا عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج، ومن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار». رواه البخاري (١)، وقال ﷺ : «ألا ليبلغ الشاهد الغائب» أخرجاه في الصحيح (٢)، وقال ﷺ : «نَضَّرَ الله امرأً سمع منا حديثًا فبلَّغه إلى من لم يسمعه، فربَّ حامل فقهٍ غيرِ فقيه، وربَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه» رواه أهل السنن من حديث ابن مسعود وزيد بن ثابت بأسانيد حسنة (٣).
وإذا كان كذلك؛ فإذا دَلَّ الكتاب والسنة على حكمٍ لم يجز أن تكون
стр. 710
حجة الله الدافعة لذلك هو إجماعًا يُسْنِدُهُ بعض العلماء إلى عدم علمه بالمنازع بعد القرون الثلاثة، لأنَّ قول هذا العالم لا يعرفه جمهور الناس، ولا كان مَنْ قَبْلَهُ يعرفه (١)، فالعلماء الذين تكلموا في هذه [١٧٥/ ب] المسألة لا يجوز أن يكون مستندهم نقل هذا الإجماع، ولم ينقل أحد منهم إجماعًا قبله، كما كانوا ينقلون الأخبار التي يثبتون عليها الأحكام، ثم نقلها مَنْ بعدهم = فامتنع أن يكون مثل هذا النقل حجة الله التي جعلها عصمةً لعباده المؤمنين التي يهتدون بها؛ ولهذا يوجد الإجماع الذي هو إجماع يجب اتباعه معه كتاب أو سنة تقدمه على الإجماع يتبعها المؤمنون.
ولهذا كتب عمر بن الخطاب ﵁ إلى شريحٍ يقول: اقضِ بما في كتاب الله، فإنْ لم يكن في كتاب الله فبما في سنة رسول الله، فإنْ لم يكن في سنة رسول الله فبما قضى به الصالحون. وفي روايةٍ: فبما أجمع عليه الناس (٢).
وكذلك قال ابن مسعود ﵁: أَفْتُوا بما في كتاب الله، فإنْ لم تجدوا فبما في سنة رسول الله، فإنْ لم تجدوا [ ... ] (٣).
стр. 711
فأمروا باتباع الكتاب والسنة أولًا وَأَخَّرُوا الإجماع، لعلمهم بأنَّ ما في الكتاب والسنة لا ينعقد إجماع على خلافه، بل متى انعقد إجماع على خلافِ نَصٍّ فلا بُدَّ أَنْ يكون هناك نَصٌّ ظاهرٌ معلومٌ ناسخٌ للنصِّ المخالف للإجماع (١).
وأما ما يقوله بعض المتأخرين من تقديم الإجماع على نصوص الكتاب والسنة إما لكونه ناسخًا لها (٢) أو دالًّا على الناسخ لها = فخطأٌ مخالفٌ لِمَا كان عليه السلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، فإنهم لم يكونوا يَرُدُّونَ نصوص الكتاب والسنة إلا بنصوص الكتاب والسنة، ولا يَستدلون على نسخ النص إلا بنصٍّ ينسخه لا بمجرد ظن الإجماع، وإلا فالقرآن
стр. 712
والسنة التي أوجب الله ــ تعالى ــ اتباعهما، وقد أمر بتبليغهما الخلق = لا يجوز أَنْ يضيع ذاك على الأمة ويحيلهم على ما لا يمكن أحدًا معرفته، وإِنْ أمكنت معرفته إنما يكون لآحادِ الناس، فإنَّ العلمَ بالإجماعِ الذي يخالف النصوص ولا نص معه لو قُدِّرَ وجودُهُ = لكان العلم به متعذرٌ أو متعسرٌ، فلو كان الواجب ترك ما دل عليه الكتاب والسنة لمثل هذا = لكان قد وجب ترك ما عُلِمَ أنه حق لما لا سبيل إلى علمه، بخلاف الإجماعات المعلومة، فإنَّ معها دلائل الكتاب والسنة توافقها (١).
ولهذا جمع الله ــ تعالى ــ في الوعيد بين مشاقة الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ [١٧٦/ أ] مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]، فإنَّ مشاقة الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين متلازمان كلٌّ منهما حَقٌّ، كما أَنَّ طاعة الله وطاعة الرسول ﷺ متلازمان كلٌّ منهما حق.
الوجه السادس: أَنْ يقال: طاووس بن كيسان من أجل أئمة المسلمين، وهو ممن ثبت عنه النقل الصريح بأن الحلف بالطلاق ليس بشيء.
بل طاووس أَجَلُّ أصحابِ ابن عباس؛ قال أبو إسحاق الشيرازي في طبقات الفقهاء (٢): (قال خصيف: أعلمهم بالحلال والحرام طاووس) (٣).
стр. 713
وقال سفيان بن عيينة: (قلت لعبيد الله بن أبي يزيد: مع مَنْ كنتَ تدخل على ابن عباس؟ قال: مع عطاء. قلت: فطاووس؟ قال: أيهات (١) ذاك، كان يدخل مع الخواص) (٢). وروى عن يحيى بن معين قال: (سُمِّيَ طاووسًا، لأنه كان طاووس القُرَّاء) (٣).
والقراءُ في لغة السلف هم: أهل العلم والدين؛ كما في الحديث الصحيح: كان القُرَّاء أهل مجلس عمر، شيوخًا كانوًا أو شُبَّانًا (٤).
فإنَّ لفظ المتكلِّم والمتصوِّف والزاهد والأصولي ونحو ذلك = ألفاظٌ محدثة، لم يكن الصحابة ﵃ والتابعون لهم بإحسان يتكلمون بها.
وقال أبو حاتم بن حبان (٥): (طاووس كان من فقهاء أهل اليمن وخيارهم، وعُبَّادِ التابعين وزهادهم). وقد أدرك طاووس خمسين من أصحاب النبي ﷺ (٦)، ومناقبه في العلم والدين مشهورة.
وطاووس أعلمُ بمسائل الطلاق مِنْ كُلِّ مَنْ نازعه فيها، فإنه كان قد تلقى علمها عن ابن عباس، ولم يكن على عهد ابن عباس أعلمَ بذلك منه ولا أفقه
стр. 714
منه، فإنه كان أعلم بذلك وأفقه مِنْ كل مَنْ عاصره مِنَ الصحابة مثل: عبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمر وغيرهما، وكان عند طاووس من علم ابن عباس ما تميز به على جمهور أصحاب ابن عباس، وإنما كان يقاربه في ذلك عكرمة، لكن طاووس أكبر (١) وأعظم عند المسلمين من عكرمة؛ فإنَّ المسلمين متفقون على عِظَمِ قَدْرِهِ في العلم والدين، وأَنَّ رواياته عن ابن عباس من أصح الروايات، وفقهه في الحلال [١٧٦/ ب] والحرام من أعظم الفقه، بل يقال: إنه أعلمهم بالحلال والحرام مطلقًا.
وقد ذكر عبد الرزاق في مصنفه (٢): عن ابن جريج قال: أخبرني ابن طاووس، عن أبيه: أنه كان يقول: (الحلف بالطلاق [باطل] ليس شيئًا. قلت: أكانَ يراه يمينًا؟ قال: لا أدري).
وكذلك رواه سفيان بن عيينة، عن ابن طاووس، عن أبيه.
وروى ابن عيينة (٣).
ونحوه حديث طاووس عن ابن عباس ﵄ أَنَّ الثلاث كانت على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر وصدرًا من خلافة عمر = طلاق الثلاث واحدة (٤). وكان طاووس يفتي بذلك.
стр. 715
ولا يلزم إلا الطلاق المباح؛ ولهذا كان سفيان بن عيينة لا يفتي في الطلاق بشيء (١)، لتعارض الآثار عنده في ذلك، ولو كان في الحلف بالطلاق إجماع لكان ابن عيينة من أعلم الناس به، ولم يكن يتوقف في مسألة يُجْمَعُ عليها؛ فإنَّ ابن عيينة طال عمره، وكان من أعلم أهل زمانه، وأخذ عن التابعين وتابعيهم = فلم يكن ممن يخفى عليه الإجماع في مثل ذلك، ولم يكن ممن يتوقف في الإجماع، ولم يدرك الشافعي أَجَلَّ مِنْ مالك وابن عيينة.
وقول طاووس: الحلف بالطلاق ليس شيئًا؛ معروفٌ في لغتِهِ وعادَتِهِ وعادَةِ أمثالِهِ من السلف أَنَّ المراد بذلك: أنه ليس بطلاق، وإِنْ لزم به حكم آخر.
كما روى عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه (٢).
وقد رواه أبو بكر عبد العزيز في الشافي: (قال أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عبد الملك بن ميسرة، عن طاووس قال: سئل عن الخلع. فقال: ليس بشيء. فقال له قائل: إنك لا تزال تأتينا بشيءٍ لا ندري ما هو. قال: والله لقد جمع ابن عباس بين رجل من أهل اليمن وامرأته كان طلقها
стр. 716
تطليقتين ثم خلعها) (١). ومراده: أنه ليس بطلاق (٢)، وإِنْ كان فرقة بائنة.
كما روى أبو بكر الأثرم في سننه: حدثنا ابن أبي شيبة، حدثنا ابن عيينة، عن عمرو، [عن طاووس]، عن ابن عباس في الخلع. قال: إنما هو فرقة وفسخ، ليس بطلاق، ذكر الله الطلاق في أول الآية وآخرها، والخلع بين ذلك فليس بطلاق (٣).
ونظير ذلك ما أخرجاه في الصحيح عن ابن عباس أنه سُمِعَ يقول: إذا حَرَّمَ امرأته فليس بشيء، وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ [١٧٧/ أ] فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، وفي لفظٍ لمسلم عنه: إذا حَرَّمَ الرجل امرأته فهي يمين يكفرها، وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٤).
فابن عباس الذي أخذ عنه طاووس يقول في التحريم: ليس بشيء؛ ومعناه: ليس بطلاق، لم يرد أنه لغو، بل صَرَّحَ مع ذلك أنه يمين يكفرها، واستدل بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾، والنبي ﷺ حَرَّمَ على نفسِهِ العسل أو سُرِّيَّتِهِ فأنزل الله هذه الآية (٥)، ولم يحرم على نفسه
стр. 717
امرأته؛ بل قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١) قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ١ - ٢] يدل على أن مناط التحريم: تحريم ما أحلَّ الله (١)، وأن في ذلك كفارة يمين.
كما ذُكِرَ نظير ذلك في قوله: ﴿لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧] ثم قال: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩].
ونظير ذلك ــ أيضًا ــ: ما ثبت عن عائشة ﵂ أنها قالت فيمن جعل ماله في رتاج الكعبة إِنْ فعل كذا: إِنَّ في ذلك كفارة يمين (٢). مع قولها ــ أيضًا ــ في ذلك: ليس بشيءٍ (٣).
فقولهم: ليس بشيءٍ؛ معروفٌ عندهم أنهم ينفون به ما ظَنَّ السائل أنه ثابت؛ فلما كان الحالف بالنذر يظن لزومه قالت عائشة ﵂: ليس بشيء، بل هي يمين يكفرها.
وكذلك لَمَّا كان المحرِّم لامرأته يظنُّ أنه وقع به الطلاق قال ابن عباس ﵄: ليس بشيءٍ، ولكنها يمين يكفرها.
ولَمَّا كان الحالف بالطلاق يظن أنه قد لزمه الطلاق قال طاووس: ليس بشيء، وشك ابنه هل هي عنده يمين يكفرها أم لغو؟ لكن نَقَلَ عنه غيرُ ابنِهِ: أنها يمين منعقدة ليست لغوًا، فكان قوله أنها ــ أيضًا ــ يمين يكفرها، وكان
стр. 718
قول طاووس ــ رحمة الله عليه ــ مِنْ جنسِ قول ابن عباس وعائشة وغيرهما.
وفي الصحيح أن النبي ﷺ سئل عن الكهان. فقال: «ليس بشيءٍ» (١). فنفى ما ظنه السائل من أنهم يعلمون ما يُسألون عنه، ويَصدقون في ذلك؛ فأخبر أنهم ليسوا كذلك، وإنما يقع في كلامهم بعض الصدق بسبب ما تلقيه الشياطين إليهم من استراق السمع.
[١٧٧/ ب] ومنه قوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ [المائدة: ٦٨] أراد: لستم على حق وهدى حتى تفعلوا ذلك، فنفى ما يَدَّعونه مِنْ أنهم على حق وهدى.
ومن ذلك: قول أهل الجرح في بعض الرواة: ليس بشيء، ينفون ما يُقصد منه وهو تصديقه في نقله، فإذا قالوا: ليس بشيءٍ؛ كان نفيًا لصدقه المطلق، فلا يوثق به، بخلاف من يكثر صدقه وضبطه ويغلط أحيانًا = فهذا لا يقولون فيه: ليس بشيء (٢).
وقد عُرِفَ مذهب طاووس ــ رحمة الله عليه ــ من غير وجه: أَنَّ الحلف بالطلاق يمين منعقدة ليست لغوًا، مع أنها كما نقل عنه ابنه لا يقع بها طلاق، وَعُرِفَ من مذهب طاووس أَنَّ كل تعليق يقصد به اليمين فهو عنده يمين مكفرة.
стр. 719
قال ابن حزم (١): (وصح عن طاووس أنه قال: الحلفُ بالعتاق ومالي هدي وكل شيء له في سبيل الله وهذا النحو= كفارة يمين). وقد نَقَلَ ذلكَ عن طاووس غير واحد، كمحمد بن نصر المروزي (٢) وابن عبد البر (٣) وغيرهما.
وروى الأثرم في سننه (٤): عن أحمد بن حنبل، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه في قوله: (إِنْ لم أفعل كذا وكذا فأنا مُحْرِمٌ بحجة. قال: يمين يكفرها).
وقال سعيد في سننه (٥): حدثنا حماد بن زيد، عن ليث، عن طاووس في الرجل يقول: (إِنْ لم أفعل كذا وكذا فامرأتي طالق إن شاء الله = فله ثنياه في الطلاق والعتاق).
وقال أيضًا (٦): حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا ليث، عن عطاء وطاووس ومجاهد والنخعي والزهري أنهم قالوا في قول الرجل لامرأته: (أنت طالق إِنْ لم أفعل كذا وكذا إن شاء الله فلم يفعل = فله ثنياه).
فهذا يدل على أن الحلف بالطلاق منعقد عنده، ينفع فيه الاستثناء، ولو كان باطلًا ــ كما يقوله مَنْ يجعلها يمينًا لغوًا ــ لم يحتج إلى الاستثناء، بل
стр. 720
كان هذا بمنزلة ما لو طَلَّقَ أجنبيةً إِنْ فعل كذا، وبمنزلة ما لو قال: وحَقِّ الطلاقِ لا أفعل كذا.
وأيضًا؛ فنقل ابن المنذر (١) في الاستثناء في الطلاق إذا كان بيمين حلف بها: أنه لا شيء عليه.
[١٧٨/ أ] قال ابن المنذر (٢): (وفيها قولٌ ثالث: إن بدأ بالطلاق فليس له استثناء، وإذا حلف بالطلاق على شيءٍ واستثنى فله استثناؤه). قال: (وقال أحمد: هما سواء، وإنما يكون الاستثناء في الأيمان، والطلاق والعتاق ليس بيمين).
وهذا الذي نقله عن أحمد هو إحدى الروايتين عنه، والرواية الأخرى عنه كقول طاووس الذي نقله عنه: (إِنْ طلقها ابتداءً لم ينفع الاستثناء، وإِنْ حَلَفَ بالطلاق واستثنى نفعه فله استثناؤه)، وهذا صريحٌ من قول طاووس أنَّ الحلف بالطلاق يمين منعقدة ينفع فيها الاستثناء، وقد فَرَّقَ بين إنشائه والحلف به [في] (٣) الاستثناء كقول أحمد في إحدى الروايتين، وهذا يمنع أن يكون الحلف بالطلاق لغوًا عنده، ويوجب أنها يمين منعقدة، ولولم يقله لم تجب الكفارة = فكان لغوًا؛ فعلم أنه يوجب الكفارة في الحلف به.
стр. 721
ونقل الطحاوي (١) عن طاووس وطائفة من التابعين أنهم كانوا يقولون: (مَنْ حَلَفَ بالله أو بالطلاق أنه لا يفعل شيئًا وفعله ناسيًا ليمينه = أنه يحنث).
وقول طاووس وغيره: إنه يحنث= دليلٌ على أنها يمين منعقدة عندهم، واليمين المنعقدة في دين المسلمين التي يحنث فيها= لا بُدَّ فيها من الكفارة أو لزوم ما عَلَّقَه.
فإذا كان قوله: (إِنَّ الطلاق لا يلزمه)، وهي يمين منعقدة عنده = عُلِمَ أَنَّ فيها الكفارة.
وأيضًا؛ فمذهب طاووس: أَنَّ النذر يمين؛ كما روى أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه (٢): حدثنا وكيع، عن سفيان، عن ليث، عن طاووس قال: (النذر يمين).
ومَنْ قال: إِنَّ الحلف بالطلاق لا يلزم ولا كفارة فيه، مع قوله هو يمين = إما أَنْ يقول: ليس هو من أيمان المسلمين، كالذين يقولون ذلك مِنْ حَلِفٍ بالنذر وغيره، أو يقول: إِنَّ الطلاق نفسه ليس قربة، فلو نَذَرَهُ لم يلزمه شيء، بخلاف العتق وغيره، فإنه لو نذره لزمه، فإذا حَلَفَ به لزمه.
وطاووس قد عُرِفَ من مذهبه: أنه يجعل التعليق الذي يقصد به اليمين يمينًا لازمة، وأنه يجعل النذر يمينًا.
فَمَنْ نَذَرَ مباحًا ــ كالطلاق وغيره ــ لزمه كفارة [١٧٨/ ب] يمين.
فإذا قال: إِنْ فعلتُ كذا فامرأتي طالق، كان كقوله: لله عليَّ أَنْ أُطَلِّقَ،
стр. 722
وهذا عنده فيه كفارة يمين.
وأيضًا؛ فمذهب طاووس إذا قال: إن فعلت كذا فقطع الله يدي أو أهلكني ونحو ذلك = أنها يمين مكفرة، فيجعل التعليق الذي جزاؤه دعاء الله على نفسه يمينًا مكفرة، والتعليق القسمي الذي جزاؤه عتق عبده يمين مكفرة، والتعليق القسمي الذي جزاؤه نذر يلزمه؛ وهذا كله يدل على أَنَّ مذهبه في التعليق القسمي أن فيه كفارة يمين، فإنَّ تعليقه للطلاق والظهار والحرام أعظم من تعليقه لدعاء الله بقطع يديه، فإذا كان هذا عنده يمينًا مكفَّرة فذاك بطريق الأولى.
ومعلومٌ أنه لو قال ابتداءً: قطع الله يديه = لم يلزمه به شيء إلا التوبة، لكن لما عَلَّقَهُ بقصدِ اليمين عَلَّقَ بالشرط من الجزاء ما يكره لزومه إياه، فصار حالفًا، وهو لا يريد وقوع ما دعا الله به فصار منتهكًا لحرمة دعاء الله، حيث دعا الله ــ أي: عند وجود الشرط، ثم وُجِدَ الشرط ــ وهو لا يريد ذلك الدعاء= فعلق بالشرط نذرًا لله، ثم وجد الشرط وهو لا يريده، وهذا الدعاء هو من نوع اليمين، لكن الأكثرون يقولون: لم يلتزم هتك حرمة أيمانه فإنه لم يلتزم لله ولا بالله شيئًا، وإنما دعا الله على نفسه بشيءٍ، وطاووس يقول: بل طَلَبَ فِعْلَ اللهِ به، ودعاءُ الله تعظيمٌ له، فإذا دعاه بتقدير الشرط، ثم أراد أَنْ يكون الشرط دون ما دعاه = جعل دعاءه له لغوًا، وفي هذا انتهاك لحرمةِ دعائِهِ لله، وهو انتهاك لحرمة أَيمانه، كما لو جعل اللازم إيجابًا لله ــ تعالى ــ وتحريمًا لله، والأكثرون يقولون: هذا الدعاء لو انفرد عن التعليق ولم يقصده لم يكن منتهكًا لحرمة الأيمان.
قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ
стр. 723
إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ [يونس: ١١]، وقال تعالى: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: ١١] قالوا: نزلت في دعاء الإنسان على نفسه وولده عند الغضب بما لا يريده عند الرضا، فإذا لم يكن في مُنَجَّزِهِ شيءٌ لم يكن في تعليقه شيء، بخلاف النذر والطلاق [١٧٩/ أ] والعتاق = لَمَّا كان تنجيزه لازمًا، كان تعليقه لازمًا، لكن له أَنْ يَحِلَّ ذلكَ العقد بالكفارة.
والمقصود: أنَّ طاووسًا (١) قد بالغ في إلزام المعلق تعليقًا قسميًّا بالكفارة، حتى ألزم بالكفارة مَنْ عَلَّقَ دعاءه لله على وجه اليمين، فكيف بمن عَلَّقَ الطلاق على وجه اليمين؟!
وأيضًا؛ فمذهب طاووس أَنَّ الحلف بالوقوع كالحلف بالوجوب.
فإذا قال: إِنْ فعلتُ كذا فعبدي حر؛ فهو عنده كقوله: فعليَّ أَنْ أُعتق عبدي = كلاهما فيه كفارة يمين، وهو لو حلف بوجوب الطلاق وهو الحلف بنذره كقوله: إِنْ فعلتُ كذا فعليَّ أَنْ أُطَلِّق امرأتي لزمته كفارة يمين، لأنَّ النذر عنده يمين، فإذا نَذَرَ شيئًا ولم يفعله لزمته كفارة يمين.
وإذا قال: لله عليَّ أَنْ أُطَلِّقَ امرأتي ولم يطلقها= فعليه عنده كفارة يمين، كمذهب أحمد وغيره.
وإذا كان الوجوب المعلق عنده على وجه القسم ليس بلغو، بل فيه كفارة يمين = فكذلك الوقوع، فإنَّ كل مَنْ حلف بوجوب شيء يلزم الناذر به كفارة، كان على الحالف به كفارة باتفاق الناس الذين يقولون: إنها يمين منعقدة، وقد عرف من مذهبه أنها يمين منعقدة.
стр. 724
وأيضًا؛ فلم يعرف أحد قال: إن الحلف بالطلاق لغو والحلف بالعتق والنذر يمين منعقدة، وطاووس من أصله المشهور عنه المعروف أن الحلف بالعتق والنذر يمين منعقدة مكفرة، فلا يقول: إن الحلف بالطلاق ليس يمينًا منعقدة، لكن لو قيل بنفي الكفارة، إنما يقال لكون الطلاق ليس بقربة، كما أَنَّ في نذر المعصية والمباح نفي الكفارة لكون المنذور معصية ومباحًا، لا لكون ذلك ليس نذرًا.
يُبَيِّنُ ذلك: أن الذين قالوا في تلك الأيمان: لا شيء فيها. قالوا ذلك لاعتقادهم أنها من جنس الحلف بالمخلوقات، وهذا مما يشترك فيه تعليق النذر والعتاق والطلاق إذا خرج مخرج اليمين (١)، فإذا كان مِنْ أصل طاووس أنها أيمان مكفرة = بطل أن يكون قوله قول هؤلاء، وهو قد جعل النذر يمينًا، ومن حلف على مباح أو محرم ولم يفعله = لزمته كفارة يمين.
والمعترض [١٧٩/ ب] معترف بأنه لم يَنقل عن طاووس ما يناقض ما نقله العلماء عنه، ولهذا قال: (لم أنقل عن طاووس شيئًا، لأني لم أر عنده بنصٍّ ظاهرٍ خلاف ما نقله المصنف) (٢)، لكن ذكر شيئًا من جنس شبه السوفسطائية، فيما نقله العلماء عنه، فهو في ذلك من المطففين، فإنه لو قوبل فيما ينقله بمثل هذه الاحتمالات = لم يبق بيده نقلٌ عن السلف في أكثر ما ينقله عنهم، فضلًا عن كونه إجماعًا، وسيأتي الكلام على هذا قريبًا ــ إن شاء الله تعالى ــ إذا ذكرناه.
стр. 725
فصلٌ
قال المعترض:
(وأما العتق: فلولا نقل محمد بن نصر [عن أبي ثورٍ ما رأيت] لكان فيه نظر، فإنَّ ابن المنذر نقل عن أبي ثور في الإشراف (١) فيما إذا قال لعبده: إن لم أضربك فأنت حر؛ وأراد بيعه أنه إذا لم يجعل لذلك وقتًا لا يقع العتق عليه، وهذا يقتضي أنه إذا جعل له وقتًا يقع) (٢).
والجواب: أنَّ النزاع في العتق ليس عن أبي ثور وحده، بل عن الصحابة والتابعين، كما نقله عامة من صَنَّفَ في الخلاف مثل: ابن المنذر وابن جرير الطبري وابن عبد البر وابن حزم، مع نقل أبي ثور ومحمد بن نصر.
وأما ما ذكره عن ابن المنذر؛ فابن المنذر نفسه نقله عن أبي ثور أنه فيمن حلف بعتق رقيقه ألا يفعل كذا وحنث= أن عليه كفارة يمين.
والمسألة التي نقلها ابن المنذر عن أبي ثور: فمنطوقها لا حجة فيه ــ وهو مراد ابن المنذر ــ، فإنَّ مقصودَه نقل الأقوال فيما إذا حلف ليفعلنَّ ــ وفي معناه (إِنْ) إذا دخلها النفي كقوله: إن لم أفعل كذا فامرأتي طالق وعبدي حر وعليَّ الحج ــ هل يحنث قبل أن يفوت الفعل؟ فأبو ثور يقول: لا يحنث قبل فوت الفعل، فلا يقع به العتق عند من يقول العتق المحلوف به يقع.
وما ذكره ابن زرقون فهو قد نقله من الاستذكار، فإنَّ ابن عبد البر قال
стр. 726
في الاستذكار (١): (وقد روى يونس عن الحسن أنه جاءه رجل، فقال: إني جعلتُ كل مملوك لي حرًّا (٢) إِنْ شاركت أخي. فقال: شارك أَخاك، وكَفِّر عن يمينك).
قال: (وهو قول القاسم وسالم وسليمان بن يسار وطاووس وقتادة، وبه قال [١٨٠/ أ] أبو ثور). هذا لفظ أبي عمر ابن عبد البر عقب ذكره لحديث ليلى بنت العجماء.
* * * *
стр. 727
فصلٌ
قال المعترض:
(قوله: وقد تبين أنه لا إجماع فيه.
قلنا: لم يتبيَّن؛ بل نحن أسعد بدعوى ثبوته (١) لو ادعيناه، لأنَّ معنا نقل ثلاثة أو أكثر من أئمة المسلمين، ومصادمة نقل الإجماع لا يكون بالاستدلال والقياس، وإنما يكون بالنقل الصريح) (٢).
والجواب من وجوه:
أحدها: أَنْ يقال: التبين وعدم التبين أمر نسبي، فإنْ كان المعترض يقول: إنه لم يتبين له، لأنه لم يقف على نزاع في ذلك؛ فهذا لا ينفي تبينه لغيره، بل وعنده من الكتب ما إذا تأمل ما فيها من النقل = تبين له ــ أيضًا ــ أنه لا إجماع في ذلك.
ففي كتاب الإجماع لابن حزم الذي نقل فيه الإجماع على وقوع الطلاق المعلَّق الذي لم يُخْرِجْهُ مخرجَ اليمين، فيه ذكر النزاع في الطلاق المعلَّق إذا أخرجه مخرج اليمين، هل هو طلاق فيلزم أم يمين فلا يلزم؟ وهل فيه كفارة أم لا كفارة فيه؟
وأيضًا؛ فهو قد اطَّلَع على قول أبي عبد الرحمن الشافعي أَنَّ الطلاق المعلَّق بالصفة لا يقع بحال؛ فهذا نزاع في كل تطليق معلق بصفة.
стр. 728
وقد تقدم ذكر أبي عبد الرحمن وتقدمه في العلم والزمان (١)، وأنه كان ممن صحب الشافعي ﵁ ببغداد في المائة الثانية، بل قد قيل: إنه كان أجل أصحابه الذَّابِّين عن مذهبه ببغداد، بخلاف ما ظنه هذا المعترض، فإنه لم يعرف قَدْرَهُ، وظن أنه كان بعد الثلاث مائة، وهو قول ابن حزم وقولُ كثيرٍ من شيوخِ الشيعة كالمفيد وأبي جعفر الطوسي وأبي القاسم الموسوي، ونقله عن الأئمة من أهل البيت، لكن النقل الذي وجدناه مسندًا عن أبي جعفر محمد الباقر وجعفر بن محمد (٢) وغيرهما من علماء أهل البيت ــ رضوان الله عليهم ــ إنما هو فيمن عَلَّقَ تعليقًا يقصد به اليمين فأفتوا بأنه لا يلزمه الطلاق.
وفي الجملة؛ ففي الطلاق المعلَّق بالصفة ثلاثة أقوال، كل قول له قائل معروفٌ: قولٌ بلزومه مطلقًا، وقولٌ بأنه لا يلزم، وقولٌ بالفرق بين التعليق الذي [١٨٠/ ب] يقصد به اليمين فلا يقع والذي يقصد به الإيقاع فيقع.
ثم إذا قيل: إنَّ الحالف به لا يلزمه الطلاق، فهل عليه كفارة يمين؟ على قولين.
فهذه أربعة أقوال؛ وبكل قول أفتى طائفة من علماء المسلمين، وقد ثبت من حديث ابن عيينة وابن جريج عن عبد الله بن طاووس، عن أبيه طاووس
стр. 729
أنه قال: (ليس الحلف بالطلاق بشيء) (١). فقيل لابنه عبد الله: (أكانَ يراه يمينًا؟ فقال: لا أدري). رواه عبد الرزاق عن ابن جريج، وَنَقَلَ عن ابنه عنه أنه كان عنده يمينًا منعقدة (٢).
وطاووس من أجل كبار التابعين، وهو لم يجعل الحلف بالطلاق إيقاعًا له، بل يجعله يمينًا منعقدة موجبة للكفارة، كما يجعل الحلف بالعتق يمينًا مكفرة، والحلف بالنذر يمينًا مكفرة، فقوله مطردٌ في هذا الباب، وعلى قوله يدل ما قد ثبت نقله عن الصحابة ــ رضوان الله عليهم ــ في هذا التعليق الذي يقصد به اليمين.
الوجه الثاني: قوله: (نحن أسعد بدعوى ثبوته لو ادعيناه، لأنَّ معنا نقل ثلاثة أو أكثر من أئمة المسلمين) تقدم جوابه (٣) أَنَّ ابن المنذر لم ينقل إجماعًا عامًا، وأبو ثور إنما حكى الإجماع على نفي الكفارة، وإنْ كان قد حكاه عليهما فهو كابن نصر؛ فإنَّ ابن نصر حكى الإجماع على لزوم الطلاق المحلوف به ونَفْيِ الكفارة اتباعًا لأبي ثور، وأبو ثور يقول: معنى الإجماع عندي: عدم علمي بالمنازع؛ ولو لم يقل ذلك فمعلوم أنه ليس عالمًا بنفي المنازع، وغاية ما عنده الظن، فقد عاد الأمر إلى ظَنِّ أبي ثور لعدم النزاع.
ومعلومٌ أنه لو لم يعارض ذلك إلا بعض ما يذكر من النزاع = لمنع ذلك الجزم بوقوع الإجماع، فلو لم يعارض ذلك إلا قول أبي عبد الرحمن الشافعي بنفي وقوع الطلاق المعلق = لقدح ذلك في هذا الإجماع.
стр. 730
وكذلك لو لم يعارضه إلا نقل ابن حزم للأقوال الثلاثة في الحلف بالطلاق هل يلزم أو لا يلزم؟ وهل يكفر أم لا يكفر؟ لَقَدَح ذلك فيه، فإنَّ هذا مثبت لما يمكن الإحاطة به، وذاك نافٍ لما لا يمكن الإحاطة بنفيه، والمثبت مقدم على النافي فيما يمكن الإحاطة [١٨١/ أ] بنفيه، فكيف فيما لا يمكن الإحاطة بنفيه؟
وكذلك النقل المتقدم عن أبي جعفر محمد وابنه أبي عبد الله (١) جعفر وغيرهما في الحلف بالطلاق أنه لا يلزم.
وكذلك النقل الثابت عن طاووس ــ أَجَلّ أصحاب ابن عباس ﵁ ــ أنه كان يقول: (ليس الحلف بالطلاق بشيء)، ونَفْيُ لزومِ الطلاقِ المحلوفِ به قولُ غيرِ واحدٍ من المسلمين.
ونقل سُنَيْد (٢) في تفسيره عن عكرمة أنه سئل عن رجل قال: (امرأتُهُ طالقٌ إِنْ لم يضرب غلامه مائة سوط. قال: لا يضرب غلامه، ولا يُطَلِّق امرأته، لأنَّ هذا من خطوات الشيطان). رواه عن عَبَّاد المهلبي، عن عاصم الأحول عنه في سورة (٣) النور (٤).
ولو قُدِّرَ أنه لم يُعْرَف إلا نَقْلٌ واحدٌ نُقِلَ ذلك عمن لم يسمه من العلماء
стр. 731
ــ كما نقله ابن حزم ــ لكان هذا يمنع أن يجزم بصحة ظن أبي ثور أنه لا نزاع في ذلك؛ فإنه إذا قال قائل: ليس في مذهب فلان خلاف، أو ليس بين الأئمة الأربعة خلاف في ذلك، ولم يرو هذا إلا فلان. وقال آخر: بل في ذلك خلاف، أو قد رواه غير فلان = كنا قبل أَنْ نعلم أَيُّ القولين أرجح غيرَ جازمين بنفي النزاع، وحينئذٍ فلا يجوز دعوى الإجماع على هذا التقدير، وبطل قوله: (نحن أسعد بدعوى الإجماع لو ادعيناه).
الثالث: أنه من المعلوم أَنَّ إجماع الأمة المعصوم (١) لا يكون إلا عن دليلٍ شرعيٍ كنصٍّ أو قياسٍ، فإنَّ القول بلا دليل قولٌ بلا علم؛ ولهذا أنكر جماعة العلماء قول يونس بن عمران بجواز انعقاد الإجماع [ ... ] (٢)،
فإنه يمتنع انعقاد الإجماع على خلاف الدليل الشرعي.
ومعلومٌ أنه لا نَصَّ ولا قياسَ يدل على أَنَّ الذي يَقصد الحلف بالطلاق والعتاق والظهار والحرام كارهًا لوقوع ذلك عند الصفة = أنه ليس بحالف، بل هو مُطَلِّقٌ كغيره من المطلقين، ولا في الشريعة قياسٌ يدلُّ على ذلك، فإنه ليس في الشرع تعليقٌ محلوفٌ به ثبت بنص أو إجماع أنه يلزم الحالف به ما التزمه حتى يقاس هذا به، والكتاب والسنة والقياس إنما تدل على أن التعليق
стр. 732
الذي يقصد به اليمين يمينٌ من أيمان المسلمين، وهذا مقتضى الدليل عند أبي ثور ــ كما تقدم ــ، ولم يخالفه لدليل يناقض هذا.
ومعلومٌ أَنَّ الإجماع لا ينعقد على خلاف الأدلة الشرعية، بل على وفقها= فعلم امتناع الإجماع في مثل هذا، ولهذا يوجد [في] (١) كل صورةٍ فيها [١٨١/ ب] إجماعٌ معلومٌ يكون فيها دليلٌ شرعيٌ يثبت به الحكم.
ثم القول بوقوع الطلاق المحلوف به ليس منقولًا نقلًا صريحًا عن أحدٍ من الصحابة، بل ولا ظاهرًا، ولم يُنقل عن التابعين لفظٌ عامٌّ أَنَّ كل مَنْ حلف بالطلاق يلزمه، بل عامة النقول فتاوى في أمورٍ جزئية: منها ما يظهر أنه يمين، ومنها ما يظهر أنه إيقاع، ومنها ما يحتمل الأمرين، والذي يظهر أنه يمين يَكرَهُ فيها الحالف لزوم ما عَلَّقَه قليلٌ بالنسبةِ إلى غيره، إنما ثبت ذلك عن نحو عشرةِ أنفس؛ فهل يجوز أَنْ يقال: قول عشرة أو خمسة عشر أو عشرين من التابعين هو إجماع معصوم يجب على الأمة اتباعه مع أن عن بعضهم نزاعًا؟ وأنه يجب ترك دلالة الكتاب والسنة والقياس الجلي لمثل هذا الذي يُدَّعَى أنه إجماع؟
والأئمة يخالفون بموجب الكتاب والسنة عندهم ما نَقَلَ فيه غيرُ واحدٍ الإجماعَ كمخالفةِ (٢) الشافعي بإيجاب القراءة على المأموم في حال الجهر، لعموم قوله ﷺ : «لا صلاة إلا بأم القرآن» (٣) لما نَقَلَ أحمد بن حنبل
стр. 733
وغيره من الإجماع على أن المأموم لا يجب عليه القراءة في هذه الحال (١)، ومخالفة أبي حنيفة بإيجاب قيمة الصيد نفسه (٢)، واعتقاده أَنَّ هذا موجب القرآن ما استفاض عن الصحابة والتابعين من إيجاب المثل؛ كما أوجبوا في النعامة بدنة، وفي البقرة الوحشية بقرة (٣)، ونظائر ذلك.
الرابع: قوله: (ومصادمة نقل الإجماع لا يكون بالاستدلال والقياس، وإنما يكون بالنقل الصريح) عنه جوابان:
أحدهما: أَنَّ هذه الدعوى ممنوعة؛ بل نقل حديث الرسول ﷺ الذي هو أبلغُ مِنْ نقلِ الإجماع مما قد يستدل على بطلانه بالأدلة الدالة على ذلك؛ فكيف لا يجوز أن يستدل على خطأ ناقل الإجماع بالأدلة الدالة على خطئه في نقله؟!
ومعلوم أَنَّ نقلَ الحديث المعين المسموع من الرسول ﷺ ، ثم من الصاحب، ثم من التابع أصحُّ من نقل الإجماع؛ فإنَّ هذا نقلٌ لما علمه بالسماع، وهو نقلٌ متصلٌ لا منقطعٌ، وأما ناقل [١٨٢/ أ] الإجماع فهو ينقل عن خَلْقٍ كثيرٍ لا يمكنه الإحاطة بأقوالهم، وإذا أمكنه ذلك فهو لم ينقل ألفاظهم، وإنما نَقَلَ ما يظنه اعتقادهم، فقد يغلط في فهم مرادهم، وإذا قُدِّرَ
стр. 734
أنه لم يغلط؛ فهو لم ينقل عنهم، ولا معه نقل مسند عن كُلِّ واحدٍ واحدٍ، بل غايته أنه نَقْلٌ مرسل.
وأيضًا؛ فإنه نَقْلٌ اجتهادي يُعرف بالاستقراء والتتبع مثل: ما يستقرئه النحوي من قوانين كلام العرب، فينفي أَنَّ في كلامهم عطف على الضمير (١) المجرور بدون إعادة حرف الجار، وقد يكون في كلامهم ما لم يبلغه كقولهم: ما فيها غيره وفرسه (٢).
وكذلك نقل المحدث لمن روى الحديث من الصحابة، فقد يقول: لم يروه إلا فلان وفلان، ويكون قد رواه غيرهم، وهو لم يبلغه.
ونقل الخلاف في مذاهب الأئمة، كقول القائل: لا يختلف مذهبه في كذا وكذا، وقد يكون فيه خلاف لم يبلغه.
ونقل مذاهب المتكلمين والنحاة والأطباء، فكثيرًا ما يقول القائل: اتفق المتكلمون أو النحاة أو الأطباء على كذا، ويكون فيه نزاع لم يبلغه.
وإذا كان كذلك؛ فخطأُ الناقل لها هو أبلغ من نقل الإجماع [الذي] (٣) يُعلم بالاستدلال، فكيف لا يعلم خطؤه في نقل الإجماع بالاستدلال؟ لا سيما وعمدته في نقله ظَنُّهُ عدمَ النزاع، بل نفس العلم بالإجماع مما ينظر بالاستدلال: هل يمكن أم لا يمكن؟
فإذا كان الكلام في جنس الإجماع، وإمكانه، وإمكان العلم به
стр. 735
بالاستدلال، فَلِمَ لا يجوز الكلام في إجماع معين وإمكانه وإمكان العلم به، ووقوع ذلك بالاستدلال؟
والناس قد تكلموا في إجماع الصحابة ــ رضوان الله عليهم ــ على جواز (١) القياس: هل فيه إجماع أم لا؟ وكلٌّ من الطائفتين تكلمت في ذلك بالاستدلال؛ فطائفة أثبتت إجماعهم عليه بالاستدلال، وطائفة نازعت في ذلك (٢).
ولما ادعى قومٌ الإجماع السكوتي، فقال: إِنَّ بعضهم إذا قال قولًا فانتشر في الناس ولم ينكروه صار إجماعًا، نازعهم آخرون في دعوى هذا الإجماع بالاستدلال، وقالوا: لا ينسب إلى ساكت قول، وقالوا: قد يكون سكوتهم لكذا وكذا (٣).
وما زال الناس يَدَّعِي أحدهم [١٨٢/ ب] إجماعًا، ويقيم الآخر الدليل على بطلانه؛ فإنَّ الناس تنازعوا في إجماعات متعددة هل هي إجماعات يجب اتباعها؛ كإجماع التابعين على أحد قولي الصحابة، وكإجماعهم إذا لم ينقرض العصر حتى تنازعوا، وكإجماع التابعين دون الصحابة، وكإجماع الجمهور، وكإجماع العلماء دون العامة، أو دون العالم بالأصول والحديث، وكالإجماع المنقول بخبر الواحد ونحو ذلك.
فإذا قُدِّرَ أَنَّ ناقلًا نقل إجماعًا ومستنده اعتقادُهُ بعضَ هذه الإجماعات أنها
стр. 736
حجة، فلم لا يجوز لمن ينازعه في اعتقاده أَنْ يستدل على بطلان هذا الإجماع؟
وأيضًا؛ فالاستدلال تارة يكون على عدم علم الناقل للإجماع، وتارة يكون على ثبوت النزاع؛ وكلاهما يقدح في العلم بثبوت الإجماع.
فإذا كان الناقل ليس عالمًا بما ينقله، فَمَنْ تَلَقَّى ذلك عن نَقْلِهِ أولى ألا يكون عالمًا به، وإذا قام دليل على امتناع الإجماع المعين أو عدمه أو وجود النزاع = دَلَّ ذلك على بطلان نقله.
فإذا عرف أَنَّ الناقل للإجماع مراده ظَنُّ نفي النزاع وعدم العلم به لا الجزم بنفيه، وقد عُرِفَ أَنَّ كُلَّ من نقل إجماعًا في المسألة فقد نقل الإجماع في مسائل كثيرة وفيها نزاع ثابت = كان كثرة ما يقع من الخطأ في نقل ذلك مما يوجب ريبة قوية في نقله؛ كما إذا كثر خطأ المحدث، فإنه يبقى في نقله نوع ريبة، ولهذا لم يكن من عادة الصحابة والتابعين نقل الإجماعات.
قال الشافعي ﵁ [ ... ] (١).
الجواب (٢) الثاني: أنه إذا سُلِّمَ أنه لا يُصادَمُ نَقْلُ الإجماعِ إلا بنقلٍ صريحٍ للنزاع؛ فالنقل الصريح للنزاع معلومٌ من طرق متعددة ــ كما قد بُيِّنَ ــ تارةً بمن صَرَّحَ بنقل النزاع في الطلاق هل يقع أم لا يقع؟ وتارة بمن صَرَّحَ بنقل النزاع هل يكفر أم لا يكفر؟ وتارة بمن علم قولُهُ إنَّ الطلاق المعلق بالصفات لا يقع، وتارة بمن علم قوله أنه يفرق بين التعليق القسمي والتعليق
стр. 737
الإيقاعي وأنه لا يوقع المحلوف به ولا يوجب فيه كفارة، وتارة بمن علم من قوله أنه لا يوقعه ويأمر فيه [١٨٣/ أ] بالكفارة، وتارة بمن عرف قوله أنه لا يوقعه ولم يُدْرَ أيوجب الكفارة أم لا؟ وبواحدٍ من هذه النقول تَبْطُلُ حُجَّةُ من احتج بظنِّ ظانٍّ لعدم النزاع؛ فكيف إذا اجتمعت هذه كلها؟! وهذه النقول كلها موجودة في كتب أهل السنة.
وأيضًا؛ فالنزاع في الطلاق المحلوف به والطلاق المعلق مشهور في كتب الشيعة، وهم ينقلونه عن أئمة أهل البيت، كأبي جعفر الباقر وابنه أبي عبد الله جعفر بن محمد وغيرهما، فإنْ كانوا صادقين في هذا النقل عنهم = فلا يستريب مسلم في الاعتدادِ بنزاع هؤلاء، وأنه لا ينعقد إجماع التابعين مع مخالفة أبي جعفر الباقر وأمثاله، ولا إجماع تابعي التابعين مع مخالفة جعفر بن محمد وأمثاله، وفي ذلك نقول كثيرة متعددة بأسانيد مختلفة يمتنع (١) أن تكون كلها كذبًا، لكن يقع فيها غلط أو كذب متعمد في بعضها، فإنَّ هذا يقع كثيرًا.
وبتقدير أَنْ يكون كل ما نقل عن أهل البيت كذبًا، فهؤلاء عدد كثير ــ ولهم نظر واستدلال ــ يقولون: إنَّ الطلاق المعلق بالصفة لا يقع، والطلاق المحلوف به لا يقع، وليس ذلك مما انفردوا به عن أهل السنة، بل قد وافقهم طائفة من أهل السنة.
وقد تنازع الناس في أهل الأهواء والبدع هل يعتد بخلافهم؟ على قولين مشهورين في مذهب أحمد ومذهب أبي حنيفة وغيرهما، وهذا قول عامة أصحاب الشافعي، وهو اختيار أبي الخطاب وغيره من أصحاب أحمد،
стр. 738
وأكثر الناس يقولون: إنه يعتد بخلافهم إذا كانوا من أهل الملَّة، فإنهم داخلون في مسمى الأمة والمؤمنين (١).
واختلفوا ــ أيضًا ــ في الاعتداد بأقوال أهل الفسق الذين يَعرفون فِسْقَ أنفسهم، لكن أكثرهم لا يَعتد بأقوال هؤلاء كما لا تُقبل شهادتهم باتفاق العلماء ولا فتياهم (٢).
وأما المتأولون من أهل الأهواء؛ فأبو حنيفة والشافعي وغيرهما يقبلون شهادتهم مطلقًا، وأما مالك وأحمد وغيرهما فيردُّونَ شهادتهم [١٨٣/ ب].
لكنْ تحقيق مذهب أحمد وغيره من فقهاء الحديث أنهم يُفرِّقون بين الداعية وغير الداعية في الشهادة والحديث والهَجْر (٣)؛ فَمَنْ كانَ داعيةً إلى البدعةِ هجروه فلم يحدثوا عنه ولم يستشهدوا به بخلاف غير الداعية، ولهذا لم يُخَرِّج أصحاب الصحيح والسنن عن الدعاة إلى البدع، وخَرَّجُوا عن عدد من الخوارج والشيعة والقدرية والمرجئة، والداعية هجروه لكونه أظهر المنكر فاستحق العقوبة وأدناها الهجر.
وأما مناظرتهم في الشريعة؛ فما زال السلف والخلف يتكلمون معهم، ولا يقولون لهم: أنتم خالفتم الإجماع فلا قول لكم، وكان ابن عباس
стр. 739
- ﵄ يخاطب نَجْدَةَ الحروري (١) ونافع بن الأزرق (٢) وغيرهما.
وإذا نازعوا الناس في مسألة من مسائل الشرع لم يقولوا لهم: قد انعقد الإجماع على خلافكم في هذه المسألة، بل يحتجون عليهم بالكتاب والسنة، وذلك أنهم وإِنْ كانوا ضالين فيما خالفوا فيه أهل السنة والجماعة فلا يلزم ضلالهم في كل شيء، لا سيما إذا كان قد وافقهم بعض أهل السنة والجماعة في تلك المسائل، ولا يجوز أن يكون الله أقام عليهم الحجة بقول منازعيهم الذين لم يَقُمْ دليل شرعي على عصمتهم، فإنَّ أدلةَ الإجماع إنما دلت على عصمة المؤمنين بلفظ المؤمنين ولفظ الأمة؛ كقوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥]، وقوله ﷺ : «لا تجتمع أمتي على ضلالة» (٣).
стр. 740
فإذا كان اسم المؤمنين وأمة محمد ﷺ يتناولهم، ولهم نظرٌ واستدلالٌ، ولهم دين يُوجب قصدهم الحق = لم يبقَ وَجْهٌ لمنع الاعتداد بهم.
فإنَّ المانع من الاعتداد بهم: إما عدم العلم، وإما سوء القصد؛ فَمَنْ لم يكن عارفًا بأدلة الشرع فهو عاصٍ بخلافهم (١)، يجب عليه اتباع العلماء.
والعامة قد تُنُوزِعَ في الاعتداد بخلافهم؛ والأكثرون لا يعتدون بخلافهم (٢).
وحقيقة الأمر: أَنَّ العامة مقلدة للعلماء، فيمتنع أن يجتمع العلماء على شيء ينازعهم فيه العامة، وإذا قُدِّرَ عاميٌّ يتكلم بلا حجة فهذا جاهل لا قول له، وإنْ تكلَّمَ بحجةٍ فهو من أهل الاجتهاد [١٨٤/ أ] في تلك المسألة، وإِنْ لم يكن من أهل الاجتهاد في غيرها، فإنَّ الاجتهاد مما يقبل التبعيض والتجزؤ؛ فأكثر العلماء يخفى عليهم بعض الشرع، فلو لم يكن المجتهد إلا مَنْ يَعرف جميعَ الأحكام أو يمكنه معرفة جميع الأحكام = لم يكن في الأمة مجتهد، اللهم إلا أن يكون مثل أبي بكر الصديق ﵁ الذي لم يُعرف أنه أخطأ في مسألة من مسائل الشرع فاجتهد اجتهادًا يخالف نصًّا، بخلاف غيره فإنَّ