← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 32384

الرد على السبكي في مسألة تعليق الطلاق

ابن تيمية

Полный текст (1 081 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

حجة، فلم لا يجوز لمن ينازعه في اعتقاده أَنْ يستدل على بطلان هذا الإجماع؟ وأيضًا؛ فالاستدلال تارة يكون على عدم علم الناقل للإجماع، وتارة يكون على ثبوت النزاع؛ وكلاهما يقدح في العلم بثبوت الإجماع. فإذا كان الناقل ليس عالمًا بما ينقله، فَمَنْ تَلَقَّى ذلك عن نَقْلِهِ أولى ألا يكون عالمًا به، وإذا قام دليل على امتناع الإجماع المعين أو عدمه أو وجود النزاع = دَلَّ ذلك على بطلان نقله. فإذا عرف أَنَّ الناقل للإجماع مراده ظَنُّ نفي النزاع وعدم العلم به لا الجزم بنفيه، وقد عُرِفَ أَنَّ كُلَّ من نقل إجماعًا في المسألة فقد نقل الإجماع في مسائل كثيرة وفيها نزاع ثابت = كان كثرة ما يقع من الخطأ في نقل ذلك مما يوجب ريبة قوية في نقله؛ كما إذا كثر خطأ المحدث، فإنه يبقى في نقله نوع ريبة، ولهذا لم يكن من عادة الصحابة والتابعين نقل الإجماعات. قال الشافعي ﵁ [ ... ] (١). الجواب (٢) الثاني: أنه إذا سُلِّمَ أنه لا يُصادَمُ نَقْلُ الإجماعِ إلا بنقلٍ صريحٍ للنزاع؛ فالنقل الصريح للنزاع معلومٌ من طرق متعددة ــ كما قد بُيِّنَ ــ تارةً بمن صَرَّحَ بنقل النزاع في الطلاق هل يقع أم لا يقع؟ وتارة بمن صَرَّحَ بنقل النزاع هل يكفر أم لا يكفر؟ وتارة بمن علم قولُهُ إنَّ الطلاق المعلق بالصفات لا يقع، وتارة بمن علم قوله أنه يفرق بين التعليق القسمي والتعليق

стр. 737

الإيقاعي وأنه لا يوقع المحلوف به ولا يوجب فيه كفارة، وتارة بمن علم من قوله أنه لا يوقعه ويأمر فيه [١٨٣/ أ] بالكفارة، وتارة بمن عرف قوله أنه لا يوقعه ولم يُدْرَ أيوجب الكفارة أم لا؟ وبواحدٍ من هذه النقول تَبْطُلُ حُجَّةُ من احتج بظنِّ ظانٍّ لعدم النزاع؛ فكيف إذا اجتمعت هذه كلها؟! وهذه النقول كلها موجودة في كتب أهل السنة. وأيضًا؛ فالنزاع في الطلاق المحلوف به والطلاق المعلق مشهور في كتب الشيعة، وهم ينقلونه عن أئمة أهل البيت، كأبي جعفر الباقر وابنه أبي عبد الله جعفر بن محمد وغيرهما، فإنْ كانوا صادقين في هذا النقل عنهم = فلا يستريب مسلم في الاعتدادِ بنزاع هؤلاء، وأنه لا ينعقد إجماع التابعين مع مخالفة أبي جعفر الباقر وأمثاله، ولا إجماع تابعي التابعين مع مخالفة جعفر بن محمد وأمثاله، وفي ذلك نقول كثيرة متعددة بأسانيد مختلفة يمتنع (١) أن تكون كلها كذبًا، لكن يقع فيها غلط أو كذب متعمد في بعضها، فإنَّ هذا يقع كثيرًا. وبتقدير أَنْ يكون كل ما نقل عن أهل البيت كذبًا، فهؤلاء عدد كثير ــ ولهم نظر واستدلال ــ يقولون: إنَّ الطلاق المعلق بالصفة لا يقع، والطلاق المحلوف به لا يقع، وليس ذلك مما انفردوا به عن أهل السنة، بل قد وافقهم طائفة من أهل السنة. وقد تنازع الناس في أهل الأهواء والبدع هل يعتد بخلافهم؟ على قولين مشهورين في مذهب أحمد ومذهب أبي حنيفة وغيرهما، وهذا قول عامة أصحاب الشافعي، وهو اختيار أبي الخطاب وغيره من أصحاب أحمد،

стр. 738

وأكثر الناس يقولون: إنه يعتد بخلافهم إذا كانوا من أهل الملَّة، فإنهم داخلون في مسمى الأمة والمؤمنين (١). واختلفوا ــ أيضًا ــ في الاعتداد بأقوال أهل الفسق الذين يَعرفون فِسْقَ أنفسهم، لكن أكثرهم لا يَعتد بأقوال هؤلاء كما لا تُقبل شهادتهم باتفاق العلماء ولا فتياهم (٢). وأما المتأولون من أهل الأهواء؛ فأبو حنيفة والشافعي وغيرهما يقبلون شهادتهم مطلقًا، وأما مالك وأحمد وغيرهما فيردُّونَ شهادتهم [١٨٣/ ب]. لكنْ تحقيق مذهب أحمد وغيره من فقهاء الحديث أنهم يُفرِّقون بين الداعية وغير الداعية في الشهادة والحديث والهَجْر (٣)؛ فَمَنْ كانَ داعيةً إلى البدعةِ هجروه فلم يحدثوا عنه ولم يستشهدوا به بخلاف غير الداعية، ولهذا لم يُخَرِّج أصحاب الصحيح والسنن عن الدعاة إلى البدع، وخَرَّجُوا عن عدد من الخوارج والشيعة والقدرية والمرجئة، والداعية هجروه لكونه أظهر المنكر فاستحق العقوبة وأدناها الهجر. وأما مناظرتهم في الشريعة؛ فما زال السلف والخلف يتكلمون معهم، ولا يقولون لهم: أنتم خالفتم الإجماع فلا قول لكم، وكان ابن عباس

стр. 739

- ﵄ يخاطب نَجْدَةَ الحروري (١) ونافع بن الأزرق (٢) وغيرهما. وإذا نازعوا الناس في مسألة من مسائل الشرع لم يقولوا لهم: قد انعقد الإجماع على خلافكم في هذه المسألة، بل يحتجون عليهم بالكتاب والسنة، وذلك أنهم وإِنْ كانوا ضالين فيما خالفوا فيه أهل السنة والجماعة فلا يلزم ضلالهم في كل شيء، لا سيما إذا كان قد وافقهم بعض أهل السنة والجماعة في تلك المسائل، ولا يجوز أن يكون الله أقام عليهم الحجة بقول منازعيهم الذين لم يَقُمْ دليل شرعي على عصمتهم، فإنَّ أدلةَ الإجماع إنما دلت على عصمة المؤمنين بلفظ المؤمنين ولفظ الأمة؛ كقوله تعالى: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥]، وقوله ﷺ : «لا تجتمع أمتي على ضلالة» (٣).

стр. 740

فإذا كان اسم المؤمنين وأمة محمد ﷺ يتناولهم، ولهم نظرٌ واستدلالٌ، ولهم دين يُوجب قصدهم الحق = لم يبقَ وَجْهٌ لمنع الاعتداد بهم. فإنَّ المانع من الاعتداد بهم: إما عدم العلم، وإما سوء القصد؛ فَمَنْ لم يكن عارفًا بأدلة الشرع فهو عاصٍ بخلافهم (١)، يجب عليه اتباع العلماء. والعامة قد تُنُوزِعَ في الاعتداد بخلافهم؛ والأكثرون لا يعتدون بخلافهم (٢). وحقيقة الأمر: أَنَّ العامة مقلدة للعلماء، فيمتنع أن يجتمع العلماء على شيء ينازعهم فيه العامة، وإذا قُدِّرَ عاميٌّ يتكلم بلا حجة فهذا جاهل لا قول له، وإنْ تكلَّمَ بحجةٍ فهو من أهل الاجتهاد [١٨٤/ أ] في تلك المسألة، وإِنْ لم يكن من أهل الاجتهاد في غيرها، فإنَّ الاجتهاد مما يقبل التبعيض والتجزؤ؛ فأكثر العلماء يخفى عليهم بعض الشرع، فلو لم يكن المجتهد إلا مَنْ يَعرف جميعَ الأحكام أو يمكنه معرفة جميع الأحكام = لم يكن في الأمة مجتهد، اللهم إلا أن يكون مثل أبي بكر الصديق ﵁ الذي لم يُعرف أنه أخطأ في مسألة من مسائل الشرع فاجتهد اجتهادًا يخالف نصًّا، بخلاف غيره فإنَّ

стр. 741

لهم اجتهادات توجد مخالفةً لبعض النصوص، ومسائل توقفوا فيها وعجزوا عن معرفة حكمها (١). * * * *

стр. 742

فصلٌ قال المعترض: (ودعواه أَنَّ الصحابة أفتوا في العتق دعوى عريضة، فإنَّ الصحابة جَمْعٌ مُعَرَّفٌ بالألف واللام يقتضي العموم، ولم يثبت له إلى الآن عن ثلاثة من المتأخرين منهم صريحًا؛ فكيف يسوغ هذا الإطلاق؟) (١). والجواب: أَنَّ مثل هذا السؤال لا يَستحق جوابًا، إذ غايته منازعة لفظية، ولو فُتِحَ هذا الباب على المعترض لكثرت الأسئلة المتوجهة عليه، ولكن هو يفتحه على المجيب مع أَنَّ ما يَقولُهُ معلومُ الخطأ، فإنه إنما تكون الدعوى عريضة إذا كان المجيب قد ادعى أَنَّ كُلَّ واحدٍ من الصحابة قال ذلك، والمعترض يَعلم ــ وكُلُّ من تدبر كلام المجيب ــ أنه لم يُرِدْ هذا، وإنما أراد جنس الصحابة، والمقصود هم الصحابة المذكورون في حديث ليلى بنت العجماء، وما نقل عن بعض الصحابة مما يوافق ذلك في قضايا أُخَر. وحديث ليلى فيه: ابن عمر وحفصة وزينب، وقد روي فيه: عائشة وابن عباس وأبو هريرة، وروي: أم سلمة، وفي غيره عن ابن عباس وعائشة ما يوافق ذلك. وحينئذٍ؛ فلامُ التعريف إما أنْ تنصرف إلى الصحابة وهم هؤلاء؛ ومعلومٌ أَنَّ أداة التعريف تفيد تعريف الاسم المذكور، فإنْ كان هناك عهد معروف انصرفت إليه، وإنْ لم يكن عهدٌ انصرفت إلى الجنس، لأنه هو العهد المعروف عند الصحابة.

стр. 743

وإما أَنْ تكون لتعريف الجنس؛ كما إذا قال: إنَّ الصحابة بايعوا النبي ﷺ تحت الشجرة، وفتحوا خيبر ومكة = لم يُرِد [١٨٤/ ب] أحدٌ بذلك جميع الصحابة؛ بل المراد: أن جنس الصحابة فعلوا ذلك، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] والمراد: أن جنس الناس قال لهم؛ أي: جِنْسُ الناسِ جَمَعَ لكم. ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠] ولم يقله كل فرد فرد، وإنما قاله جنسهم، ومثل هذا كثير (١). وإذا كان سياق الكلام يدل على إرادة الجنس لم يكن للعموم ولم يمنع من الإطلاق، كما في القرآن من هذا كثير، كما ذكروا؛ كقوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ [التغابن: ٧] وليس كل الكفار أنكر البعث، بل أكثر أهل الكتاب يُقرون به، ولكن جنس الكفار ينكرونه. وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [سبأ: ٧] ومعلومٌ أنه ليس كل واحد واحد من الكفار قال ذلك. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [مريم: ٧٣] ومعلومٌ أنه لم يقل ذلك كل كافر لكل مؤمن.

стр. 744

وقال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [التوبة: ٣٠] ومعلومٌ أنه لم يقل ذلك كل يهودي. وقال تعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ﴾ [الأنعام: ٦٦] ومعلومٌ أنه لم يكذب به كل فرد من أفراد قومه، والإنسان يقول لامرأته: أنت تكلمين الرجال وإنما كَلَّمَت بعضهم، وأنت تُضَيِّعين مالي وإنما أضاعت بعضه، ويقول الحالف: فلان يأكل الخبز واللحم والفاكهة ويشرب الماء الزلال؛ ومقصوده الجنس (١). ونحن الجمهور وإِنْ كُنَّا نقول بصيغ العموم، وأَنَّ العموم له صيغة موضوعة له في اللغة تدل عند تجردها عن القرائن على استغراق الجنس واستيعاب الطبقة= فلا نُنْكِرُ أن الصيغة مع بعض القرائن قد لا تفيد العموم، كما في الأمثلة المذكورة (٢). ومعلومٌ أَنَّ كلام المجيب من أوله إلى آخره فيه من القرائن الدالة على أنه لم يرد العموم، وإنما أراد جنس الصحابة ما يحسن معه هذا اللفظ، ومِنْ عَنَتِ المعترض الذي يضيع الزمان بمثل هذا الهذيان. * * * *

стр. 745

فصلٌ قال المعترض: (ودعواه أولوية الطلاق على [١٨٥/ أ] العتق إثبات للنقل بالقياس ولا يتم، على أنه قد يمكن منازعته في ذلك بما قدمه عن ابن عباس وألزم (١) به أنه لا عتق إلا ما ابتغي به وجه الله = فجاز أن يكون مَدْرَكُ من أفتى بعدم وقوع العتق كونه لم يقصد التقرب، وأما الطلاق فإنه لا يشترط فيه ذلك، فلا يلزم من فتواهم بعدم وقوع العتق أَنْ يفتوا بعدم وقوع الطلاق؛ وهذا إلزام على مقتضى اعتقاده وبحثه) (٢). والجواب من وجوه: أحدها: أَنَّ دعوى أولوية الطلاق على العتق، يذكر تارة لإثبات حكم الشارع (٣)، وتارة لإثبات مذهب المجتهد، والأول استدلال بالقياس بل بقياس الأولى، وهذا متفق عليه بين الجماهير القائلين بالقياس لا ينازع فيه إلا نفاته، والمعترض وأمثاله من مثبتة القياس لا من نفاته. ثم يقال: إما أَنْ يكون المعترض بذلك من مثبتة القياس، وإما أن يكون من نفاته؛ فإنْ كان من نفاته سُلِكَ معهم طريقة أصحاب الظاهر، وطولبوا بالأدلة من جهة الظاهر على وقوع الطلاق المحلوف به، بل والمعلَّق، مع فَرْقِهِم بين بعض التعليقات وبعضٍ من غير ظاهر، بل ولا قياس يدل على

стр. 746

ذلك؛ وحينئذٍ فليس معهم نصٌّ عام يتناول تعليق الطلاق على وجه اليمين، بل ولا معهم ظواهر تحكم في التعليقات بما حكموا به مِنْ جَمْعٍ وَفَرْقٍ. بل ليس في الكتاب والسنة لليمين إلا حكمين: إما أَنْ تكون اليمين مكفرة، وإما أَنْ تكون غير منعقدة، وليس في الكتاب والسنة بل ولا في القياس يمينٌ منعقدة لازمة غير مكفرة، وإذا لم يكن في دين المسلمين يمين إلا يمين مكفرة أو يمين غيرُ منعقدةٍ ولا لازمة = كانت الأيمان بالعتاق والطلاق: إما يمينًا مكفرة وإما غير منعقدة، ومن ادعى أنها طلاق معلق وإِنْ قَصَدَ بها اليمين وأنها ليست أيمانًا؛ فهذا باطل، كما قد قُرِّرَ في موضعه. ولو سُلِّمَ ذلك: احتاجوا إلى دليلٍ شرعيٍ يُفَرِّقُ بين ما يجوز تعليقه وما لا يجوز تعليقه، وأنَّ [١٨٥/ ب] الطلاق مما يجوز تعليقه = وهذا لا سبيل إليه؛ فهم محتاجون إلى مقامين: أحدهما: أَنَّ الحالف بالطلاق مُطَلِّقٌ وليس بحالف، بل هو طلاق معلق بصفة. الثاني: أَنْ يُبَيِّنُوا الفرق بين ما جعلوه يَقبل التعليق، وما جعلوه لا يقبل التعليق؛ ليمكنهم بعد ذلك بيانُ أَنَّ الطلاق المعلق بالصفة من أحد النوعين، وإلا فجعلهم الطلاق المعلق بصفة طلاقًا، والإبراء والهبة والبيع والنكاح والضمان والكفالة والولاية والوكالة والشركة وغير ذلك مما نازع فيه بعضهم من هذه الأنواع ليست كذلك = فلا بُدَّ له من دليل شرعي. وإذا قالوا: مقصودنا إثباتُ الطلاق دون غيره.

стр. 747

قيل: النزاع مع طائفتين: مع من يقول: الطلاق المعلق بالصفة لا يقع بحال، ومع من يُفَرِّقُ بين من يقصد اليمين ومن يقصد الإيقاع، ولهذا نَصَبَ المعترض النزاع مع الطائفتين؛ فإنْ لم يُقِم الحجة على الطائفتين = لم تثبت له حجة، ولم يتم ذلك إلا بالجواب عن معارضة الطائفتين، والجواب عن المعارضة إنما يتم بالفرق بين ما جعلوه يقبل التعليق وما جعلوه لا يقبل التعليق، وإلا فالقائل بأنَّ الطلاق لا يقبل التعليق قاسه على ما سلموه له من النكاح والإبراء وغيرهما. وإن كان المناظر من مثبتة القياس استدل عليه بالقياس مع الظواهر. ومعلومٌ ــ حينئذٍ ــ أَنَّ العتق المحلوف به إذا لم يكن لازمًا فالطلاق أولى، وذلك لأنَّ العتق يلزم بالنذر كما تلزم سائر القرب بالنذر، بخلاف الطلاق الذي ليس بطاعة، فإنه لا يلزم بالنذر. والعتق يجوز تعليقه بلا نزاع ذكره أحد، وكذلك النذر يجوز تعليقه بالنص والإجماع، والطلاق في تعليقه نزاع. والعتق طاعةٌ وقربةٌ بخلاف الطلاق. ثم إذا كان قَصْدُ اليمين يمنع لزوم العتق فَلَأَن يمنع لزوم الطلاق بطريق الأولى، وهذا قياس بَيِّنٌ أنه من أبين قياس الأولى، فإنه ما من وصفٍ يقتضي وقوع الطلاق المعلق إلا وهو يقتضي وقوع العتق المعلَّق بطريق [١٨٦/ أ] الأولى، فإذا كان العتق المعلق على وجه اليمين لا يلزم فالطلاق أولى، وما يذكر وصفٌ يمنع وقوع العتق إلا ذُكِرَ من جنسه ما هو أبلغ في منع وقوع الطلاق.

стр. 748

والعبرة في ذلك الفرق الذي ذكره، وهو (١): كونُ العتق لم يُقصد به التقرب، والطلاق لا يشترط فيه ذلك. فيقال: إِنْ كانَ قَصْدُ التقربِ شرطًا في وقوع العتق؛ فقصد إيقاع الطلاق يُشْرَطُ في وقوع الطلاق بطريق الأولى، ولا يُعرف أحد من المسلمين يقول: إنَّ العتق لا يقع إلا مع قصد التقرب والطلاق يقع بدون قصد الإيقاع، بل الطلاق يشترط فيه قصد إيقاعه (٢) مطلقًا في أحد القولين للعلماء، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، حكاهما أبو بكر عبد العزيز وغيره، ومذهب طائفة من العلماء. فإذا تكلم بصريح الطلاق قاصدًا للفظ لم يقع الطلاق حتى يقصد وقوعه، وهؤلاء يقولون: لا يقع طلاق الهازل، ويضعفون الحديث المروي في ذلك (٣)،

стр. 749

وهذا اختيار ابن حزم وغيره (١). وأما العتق فلم نعلم أحدًا اشترط في وقوعه قصد التقرب إلا قولٌ شاذ يحكى عن بعض الناس، كما ذُكِرَ ذلك عن بعض الشيعة، وهؤلاء عندهم لفظ يُنقل عن بعض فقهاء أهل البيت (٢)، كما نقل عن ابن عباس ﵄ أنه قال: العتق ما ابتغي به وجه الله، والطلاق ما كان عن وطر (٣). وهؤلاء إذا قيل إنهم جعلوا قصد التقرب شرطًا في وقوع العتق، فهم ــ أيضًا ــ قد يجعلون وجود الوطر في الطلاق شرطًا في وقوعه، والذين نقل عنهم هذا القول من علماء أهل البيت نُقِلَ عنهم معه أَنَّ الطلاقَ المعلَّق

стр. 750

بالصفة لا يقع، فلم يعرف أحد اشترط قصد التقرب في العتق وأوقع الطلاق المحلوف (١) به. مع أَنَّ ابن عباس ﵄ ومَنْ وافقه إنما مراده بذلك: أَنَّ الحالف بالعتق لم يقصد إيقاعه، والمسلم إذا قَصَدَ العتق إنما يقصد التقرب به إلى الله، فنفي قصد الإيقاع لانتفاء لازمه المعتاد؛ وهذا كقول عطاء والشافعي وغيرهما في نذر اللجاج والغضب أنه لم يقصد التقرب [١٨٦/ ب] به إلى الله ــ تعالى ــ كما تقدم نقل ألفاظهم، وإلا فابن عباس وغيره أجل من أَنْ يقول: إِنَّ عتق الكافر لا يصح، وأَنَّ العبد لا يصير حرًّا إن لم يكن صاحبه أعتقه لله. وأيضًا؛ إذا كنا في مقام الاستدلال بالأدلة الشرعية على الحكم الشرعي= فهذا الوصف باطلٌ، فإنَّ عتق الكافر ثابت بالنص والإجماع، فعلم أنه لا يشترط في لزوم العتق قصد التقرب، وأَنَّ الحالف به إنما لم يَلزمه لكونه لم يَقصده عند الصفة، بل هو كارهٌ له، وإنما عَلَّقَهُ لقصدِ الحلف به لا لقصد إيقاعه عند الصفة، والحالف لا بُدَّ أَن يكون كارهًا لوقوعه وإن وجدت الصفة، وإلا فمن أراد وقوعه عند الصفة لم يكن حالفًا ولا كفارة في مثل هذا التعليق باتفاق العلماء، سواء قيل: إنه يلزم أو لا يلزم، وكذلك الطلاق الذي يقصد إيقاعه عند الصفة لا كفارة فيه باتفاقهم، لكن فيه قولان: قيل: يلزم؛ وهو قول السلف والجمهور، وهو الصحيح. وقيل: لا يلزم. وأما إذا كان القياس لا يناسب مذهب المجتهد؛ فيقال لهذا المعترض: لا يخلو: إما أَنْ يكون إثبات مذاهب المجتهدين بالقياس جائزًا، وإما ألا

стр. 751

يكون جائزًا (١). فإنْ لم يكن جائزًا؛ لم يجز لك أَنْ تنقل عن أحد من الصحابة والتابعين أَنَّ الطلاق والعتاق المحلوف به يقع، ولا أَنَّ الطلاق المعلق بالصفة أو العتق المعلق بالصفة يقع، فإنك لم تنقل عن أحد منهم لفظًا عامًّا في كل طلاقٍ مُعَلَّقٍ، ولا كل طلاقٍ محلوفٍ به، ولا في كل عتق محلوف به، وأنت تَدَّعِي إجماعهم، وأنت لم تَنقل هذا عن واحدٍ منهم، فضلًا عن أَنْ يكون إجماعًا. وهذا مما يتبين به التناقض العظيم في مثل هذا الكلام، فإنَّ عامة ما نُقِلَ عن السلف من الصحابة والتابعين في هذا الباب ليس معه عنهم لفظ عام، وإنما معه نَقْلٌ عنهم في صورةٍ معينة، وقد أَلحق بها غيرها، ثم إنه لم يقتصر في الإلحاق على إلحاق بعض النوع ببعض، بل يَحكِي قول أحدهم في الظهار ويجعل قوله في الطلاق مثل ذلك بالقياس، ويحكي قول أحدهم في العتق ويجعل قوله [١٨٧/ أ] في الطلاق مثل ذلك، وقد تقدم من كلامه في ذلك ما يكثر تعداده، وبنى كلامه كله على نقل مذاهب الصحابة والتابعين بالقياس. وأيضًا؛ فَكُلُّ مَنْ نَقَلَ مذهبهم في عموم الحلف أو التعليق ليس معه إلا قضايا معينة قاس عليها سائر الباب، والشافعي ﵁ قد صَرَّحَ في نقله لمذهب عطاء بذلك، وكذلك غير الشافعي مثل: أحمد بن حنبل وأبي ثور ومحمد بن نصر وابن عبد البر وغيرهم= ليس معهم في إثبات قولهم في

стр. 752

الحلف بالطلاق والعتاق إلا لفظ خاص في قضية معينة، قاسوا عليها غيرها، وهذا بخلاف النفي، فإنَّ طاووسًا صرح بالنفي العام، فقال: ليس الحلف بالطلاق شيئًا (١). وإِنْ كان إثبات مذاهب المجتهدين بالقياس جائزًا = بطل نفيك لإثبات أقوالهم بالقياس، وقيل ــ حينئذٍ ــ: إذا كانوا يقولون: إِنَّ العتق المحلوف به لا يلزم، فهم يقولون: إِنَّ الطلاق المحلوف به لا يلزم بطريق الأولى والأحرى؛ وهذا القياس أصح من قياسك لوجوه: أحدها: أنهم عَلَّقُوا الحكم بكون التعليق يمينًا، وأثبتوا فيه كفارة يمين؛ وهذا المعنى موجود في كل تعليق يقصد به اليمين، وأَخْذُ قولِ العالم من تعليل كلامه أولى مِنْ أخذه من قياس لا يدل كلامه عليه، بل على نقيضه. الثاني: أنهم لو كانوا قد نفوا العتق لكونه لم يقصد التقرب ــ كما زعم المعترض ــ لم يوجبوا كفارة يمين، فإنَّ العتق الذي لا يقع لا يجب به كفارة، ومن قال من الشذوذ: إِنَّ العتق الذي لا يقصد به التقرب لا يقع = لم يقل إنَّ فيه كفارة يمين، والصحابة ﵃ الذين أفتوا بأن العتق لا يلزم أفتوا بكفارة يمين؛ فعلم أنه يمين عندهم لكونه قصد اليمين، وهذا المعنى موجود في تعليق الطلاق الذي يقصد به اليمين. لكن قد يقال: هذا إنما يكون على قول من يقول: إنه إذا نذر الطلاق لزمه كفارة يمين إذا لم يطلق، كما يقوله أحمد وغيره (٢)؛ وأما مَنْ يقول: إنه

стр. 753

إذا نذر الطلاق لم يكن عليه شيء [١٨٧/ ب] فهؤلاء قد يقولون: إذا عَلَّقَهُ على وجه اليمين لزمه الكفارة، كقوله: إنْ لم أفعل كذا فعليَّ أَنْ أُطَلِّق امرأتي كما ذَكَرَ ذلك مَنْ ذَكَرَهُ مِنْ أصحاب الشافعي الخراسانيين وأصحاب أبي حنيفة. وكذلك إذا نذر الطلاق على وجه اليمين بأنْ يقول: لله عليَّ أَنْ أُطَلِّقَ امرأتي؛ ومرادُهُ: حَضَّ نفسه؛ أي: والله لأطلقنَّ امرأتي؛ فعليه كفارة يمين إذا لم يُطلِّق عند أحمد وأبي حنيفة، وكذلك ذَكَرَهُ مَنْ ذَكَرَهُ من الخراسانيين، وأحمد يوجب عليه الكفارة سواء نذره للتقرب إلى الله لاعتقاده أَنَّ طلاقَ المرأة قربة، أو أَنَّ الطلاق والترهب قربة، أو كان قصده بالنذر الحلف، وقصده حض نفسه على الطلاق. والمقصود: أنه على كل تقدير إذا قيل: إِنَّ العتق المحلوف به لا يلزم فالطلاق أولى ألا يلزم، وأما وجوب الكفارة فلا يقال: إذا وجبت في الحلف بالعتق فهي في الحلف بالطلاق أولى، بل هذا فيه نزاع، لكن يقال قام الدليل على أَنَّ الطلاقَ المحلوف به كالعتق المحلوف به في لزوم الكفارة في ذلك. الثالث: أنه قد نقل عن بعضهم ألفاظ تَعُمُّ الطلاقَ والعتاق؛ كقول ابن عباس: (الطلاق عن وطر، والعتق ما ابتغي به وجه الله) (١). وما يروى عن عائشة ﵂ أنها قالت: (كُلُّ يمينٍ ــ وإنْ عظمت ــ فكفارتها كفارة اليمين بالله) (٢). فهذا يتناول الحلف بالطلاق وغيره.

стр. 754

فقد تبين أنه إِنْ كان القياس صحيحًا؛ فإنه يلزم من فتواهم بعدم وقوع العتق المحلوف به، وإيجاب الكفارة في ذلك، وجعل ذلك يمينًا، وجعل تعليق العتق غير لازم إذا قصد اليمين = أن يكون الطلاق المعلَّق إذا قصد به اليمين أولى ألا يكون لازمًا، وهذا لا ينازع فيه إلا معاند قوي العناد أو جاهل قوي الجهل. وإلا فقول القائل: العتق المحلوف به لا يلزم، بل فيه كفارة يمين لأنه (١) يمين مكفرة، وليس هذا التعليق الذي قصد به اليمين لازمًا مع القول بأن تعليق الطلاق الذي قصد به اليمين [١٨٨/ أ] لازم = في غاية التناقض والفساد الذي يصان عنه مَنْ هو دون الصحابة؛ ومَنْ نَسَبَ ذلك إلى فقهاء الصحابة فقد أسرف في نسبتهم إلى الغباوة وقلة الفقه. وأبو ثور ــ رحمه الله تعالى ــ لم يقل ذلك لدليل شرعي من كتاب أو سنة ولا قياس صحيح، ولا لمعنًى اختص به الطلاق عنده، ولا لكون العتق يُشترط فيه قصد التقرب ــ كما ذكره هذا المعترض ــ بل لظنِّهِ أَنَّ الطلاق محل وفاق، فجعله موضع استحسان مخالفًا للأصول والقياس. كما يفعل مثل ذلك مَنْ يقول بجواز تخصيص المعاني والعلل العامة بمجرد دليل، والدليل المخصِّصُ عنده هو ظنه الإجماع، وهذا الظن منتفٍ في الصحابة الذين هم أولُ مَنْ تكلَّم في هذا الباب، فلم يكن قبلهم إجماع يتبعونه، ولا عندهم ظن إجماع يهابونه؛ بل لم يتكلم أحد قبلهم في الحلف بالطلاق.

стр. 755

وإذا انتفى عندهم الإجماع وظن الإجماع ولم يكن عندهم إلا الكتاب والسنة وما لا دلالة عليه من المعاني المؤثرة المعتبرة في القياس؛ فمن المعلوم قطعًا لمن تدبر دلالة الكتاب والسنة نصًّا واستنباطًا أنه ليس فيهما ما يُوجب كونَ الطلاق المعلق إذا قصد به اليمين أولى بالوقوع من العتق المحلوف به، بل لا يستريب عالم بل مسلم أَنَّ العتق أولى أَنْ يقع، وأَنَّ الطلاق أولى ألا يقع، فمع استوائهما في كون كل منهما معلقًا تعليقًا قصد به اليمين يمتنع على مَنْ لم يستدل إلا بالكتاب والسنة لفظًا ومعنى ولم يكن عنده تقليد يمنعه من اتباع الدليل ولا ظَنُّ إجماعٍ يظنه معارضًا لدلالة النص والقياس = يمتنع ــ والحالة هذه ــ أَنْ يقول مَنْ له أدنى معرفة بالشرع أَنْ يحكم بوقوع الطلاق دون العتق. فمن نسب أفضل القرون وأعلمهم وأفقههم إلى ذلك مِنْ غيرِ أَنْ يكونَ في كلامهم ما يدل على ذلك لأجل ظَنِّ شخصٍ جاء بعدهم في القرن الرابع أنه لا نزاع في الطلاق = كان الله ــ تعالى ــ حسيبه فيما نقصه من قَدْرِ الصحابة في العلم والفقه، وما جناه على الكتاب والسنة وأصول الشرع من تحريفِ [١٨٨/ ب] معانيها لأجل غالطٍ غلط بعدهم، وما حَرَّفَهُ من دين المسلمين حيث ألغى المعاني التي اعتبرها الله ورسوله من معاني الأيمان، واعتبر ما أهدره الله ورسوله من كون الكلام تعليقًا. وقولنا: (الله ــ تعالى ــ حسيبه) كلمةُ عَدْلٍ؛ فهو يعلم إِنْ كان جاهلًا أنه جاهل ويعفو عنه، وإِنْ كان قد استفرغ وسعه، وهو يعلم إِنْ كان مذنبًا أنه مذنب أمره إلى الله ــ تعالى ــ. ولكن المقصود بيان بعض ما يستحقه الصحابة ــ رضوان الله عليهم ــ من

стр. 756

معرفة قدرهم في العلم والفقه والدين، وما يستحقه الكتاب والسنة من بيان أحكامه المعتدلة المناسبة، وبيان شرع الرسول ﷺ الذي خالف من كان قبله، وإذا كان قد غلط في ذلك كثير من الناس واشتبه هذا عليهم = كان الاجتهاد في بيان ذلك من أفضل القربات، فإنَّ بيان العلم والدين عند الاشتباه والالتباس على الناس أفضل ما عبد الله ــ ــ به و ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [الفتح: ٢٨]. * * * *

стр. 757

فصلٌ قال المعترض: (وأما دعواه انحصار الطلاق في المكروه والمحرم فممنوع؛ فإنَّ الطلاق قد يكون مندوبًا كما إذا رأى على زوجته فاحشةً، أو خاف منها بأنْ لم تكن عفيفة، أو إذا حصل الشقاق وتَعَذَّرَ الاتفاق. وأما الحديث الذي يروى: «أبغض الحلال إلى الله الطلاق» (١) فإنه حديثٌ ضعيف. ذكره ابن الجوزي في كتاب العلل المتناهية (٢)، وهو من رواية عبيد الله (٣) الوصافي. قال يحيى فيه: ليس بشيء. وقال الفلاس والنسائي: متروك الحديث. وقال ابن المنذر (٤): ليس في النهي عن الطلاق ولا المنع خبر يَثبت) (٥). والجواب من وجهين: أحدهما: أَنْ يقال: المجيب لم يذكر انحصار كُلِّ طلاق في المحرم

стр. 758

[و] (١) المكروه، وإنما ذكر أَنَّ الأصل في الطلاق ــ وهو: الطلاق لغير حاجة ــ المنع؛ إما منع تحريم وإما منع كراهة، وهذا مذهب جمهور علماء المسلمين؛ كأحمد بن حنبل وأصحابه، وأبي حنيفة وأصحابه [١٨٩/ أ] فإنهم يكرهون الطلاق لغير حاجة؛ إما كراهة تحريم وإما كراهة تنزيه، وأصحاب أحمد يذكرون عنه في ذلك روايتين حتى في المصنفات الصغار. وجمهور العلماء الذين ينهون عنه لغير حاجة يَبنون أَنَّ الأصل فيه: أَنْ يكون ممنوعًا منه؛ لما فيه من المفاسد المقتضية للمنع منه، لكن قد يحتاج إليه أحيانًا فيرخَّص فيه للحاجة، ولهذا قُصِرَ على ثلاث مرات، وحرمت المرأة على زوجها بعد التطليقة الثالثة حتى تنكح زوجًا غيره، ليكون ذلك زاجرًا للمطلِّقِ أَنْ يُطَلِّقَ إذا علم أنها تحرم عليه حتى تنكح زوجًا غيره، وكان هذا الشرع أكملُ وأيسرُ من شرع النصارى الذين يمنعون الطلاق بالكلية، فيلزمون كلًّا من الزوجين بالمقام مع الآخر، ويمنعون الرجل من استبدال زوجٍ مكان زوج، كما يمنعونه من التزوج بأكثر من واحدة ومن التسري. واليهود ــ أيضًا ــ يمنعونه من التَّسَرِّي، ومن أَنْ يتزوج بها إذا طلقها فتزوجت غيره؛ فإذا تزوجت غيره لم تحل للأول بحال= فكان الشرع الذي بعث الله ــ تعالى ــ به خاتم الرسل ﷺ أكمل الشرائع وأحسنها وأصلحها وأيسرها (٢). وأما كون الطلاق مباحًا مستوي الطرفين بمنزلة بيع المال = مما يظهر بطلانه، وقد عُلِمَ أَنَّ ما كان فيه سببٌ يوجب تحريمه فرخَّص فيه في قدر

стр. 759

الحاجة، وقد يُقَدَّرُ ذلك بثلاث؛ كقول النبي ﷺ في الحديث المتفق على صحته: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أَنْ تُحِدَّ على ميت فوق ثلاث، إلا على زوجٍ؛ فإنها تُحِدُّ عليه أربعة أشهر وعشرًا» (١)، وكقوله ﷺ في الحديث المتفق على صحته: «لا يَحِلُّ لمسلمٍ أَنْ يهجر أخاه فوق ثلاثٍ؛ يلتقيان: فَيَصُدُّ هذا وَيَصُدُّ هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام» (٢)، وكما في الصحيحين عنه ﷺ أنه أرخص للمهاجر أَنْ يُقيم بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثًا (٣). ونحن لم نثبت المنع من الطلاق بمجرد ما ذُكِرَ مِنْ قولِهِ: «أبغض الحلال إلى الله الطلاق» [١٨٩/ ب]، بل بالأدلة الشرعية. الوجه الثاني: أَنْ يقال: نحن لا نحتاج إلى أن نجعل الطلاق محرمًا أو مكروهًا في حال من الأحوال، بل يكفينا أَنْ نقول: ليس بواجب ولا مستحب في غالب الأحوال، بل غايته أَنْ يكون مباحًا كالبيع والإجارة، وهذا مما لا يمكن فيه النزاع بين المسلمين، بل هذا هو الإجماع المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام. فإنه لا يقول من يؤمن بالله ورسوله ﷺ : أَنَّ كل متزوِّجٍ يجب عليه أو يستحب له أَنْ يُطَلِّق امرأته؛ وحينئذٍ فعامة الحالفين بالطلاق لا يكون الطلاق

стр. 760

في حقهم لا واجبًا ولا مستحبًّا بخلاف الحالف بالعتق. فإنَّ العتق من القُرَبِ والطاعات، وقد يكون واجبًا كالعتق الواجب في الكفارة؛ كفارة اليمين أو كفارة الظهار أو القتل أو الجماع في رمضان والعتق الواجب بالنذر، وإِنْ لم يكن واجبًا كان مستحبًا مؤكد الاستحباب، حتى يقدمه كثيرٌ من العلماء إذا زاحم التبرعات في مرض الموت على غيره من التبرعات، وله نفوذ وسراية في ملك الغير؛ فإذا أعتق شقصًا له من عبد وهو موسرٌ = لزمه إعتاق باقيه، إما أَنْ يَعْتِقَ بإعتاقه لنصيبه (١) ويبقى منه نصيب الشريك دينًا في ذمته على أحد قولي العلماء، وإما أَنْ يتأخر العتق حتى يؤدي القيمة على القول الآخر لكن يجب عليه أداؤها، وهذان هما قولا الجمهور الآخرين في مذهب الشافعي وأحمد، والثاني قول مالك، وإما أَنْ يقال يجب هذا أو هذا واستسعاء العبد في كمال عتقه كقول أبي حنيفة. وبالجملة؛ فالعتق في الشرع: إما واجب وإما مستحب، ولكن قد يعرض أمر يمنَع أَنْ يكون مستحبًّا، كما لو كان عليه دين وهو يطالبه وله عبد فقضاء دينِهِ به أو قيمتِهِ خيرٌ له من أَنْ يعتقه، ولهذا لو أعتقه في هذه الحال كان في نفوذ عتقه قولان للعلماء، وكذلك في سائر التبرعات من المدين الذي لا فَضْلَ له يتبرع به، بل وكذلك فيمن هو محتاج إلى ما يتبرع به. وأما الطلاق؛ فالأصل فيه: أنه ليس بواجب [١٩٠/ أ] ولا مستحب، ولكن قد يَعرض له ما يجعله مستحبًّا أو واجبًا.

стр. 761

فإنه في أحد القولين في مذهب أحمد يجب عليه أَنْ يطلقها إذا كانت مُصِرَّة على ترك الصلاة أو على فعل الفاحشة، ومذهب أحمد أنه لا يجوز له أن يتزوج الزانية حتى تتوب كما دل عليه الكتاب والسُنة، وضَعَّفَ حديث: إِنَّ امرأتي لا ترد يد لامس (١)، ولم يُجَوِّز للرجل أَنْ يكون ديوثًا، مع أَنَّ بعض أهل الكلام كأبي علي الجُبَّائي (٢) ذكر الإجماع على جواز ذلك! وادَّعى أن آية النور (٣) منسوخة بمثل هذا الإجماع، سواء قيل الإجماع هو الناسخ أو هو دليل على الناسخ؛ ولبسط خطأ المُدَّعين لهذه الإجماعات المخالفة للكتاب والسُنة وآثار الصحابة موضع آخر. والمقصود هنا: أنه إذا كان الطلاق المحلوف به غيرَ واجب ولا مستحب، والعتق المحلوف به مستحب ولو نَذَرَهُ لصار واجبًا بالنذر، والطلاق لا يجب بالنذر، ثم الصحابة ﵃ المتقدمون أفتوا في تعليق العتق ونذر الطاعات إذا قُصِدَ به اليمين: أنه لا يلزم، لكونه يمينًا مكفَّرة،

стр. 762

فجعلوا كونه يمينًا مانعًا من لزوم ما هو طاعة لله ورسوله، وهو محبوب إلى الله ورسوله، لأنَّ العتق والطاعات وإِنْ كانت محبوبةً لله ورسوله= فلا تلزم إلا من ألزمه الله بها، أو مَنْ ألزم نفسه بها، وهذا المعلِّق إذا قصد اليمين فلم يقصد بها إلزام نفسه بها، بل قصد اليمين = فَلَأَنْ يقولوا: إن المعلق للطلاق إذا كان قصده اليمين لا يلزمه الطلاق الذي ليس هو بمحبوبٍ لله ورسوله بطريق الأولى والأحرى، فإنَّ قصد اليمين المانع من اللزوم هناك موجود هنا، والشارع يحب ما ألزمه هناك ولا يحب ما جعله لازمًا هنا. ومما يبيِّن هذا: أن الشارع وَسَّعَ طريق العتق، وضَيَّقَ طُرُقَ الطلاق؛ فالعتق إذا كان من أهله في محلِّه = جاز في كل وقت، والطلاق لا يجوز في حال حيض المرأة، ولا يجوز إذا وطئها بعد الطهر حتى يتبين حملها، بل المنع من الطلاق في هاتين الحالين ثابت بالنص [١٩٠/ ب] والإجماع (١). والطلاق لم يَزُلْ به الملك ابتداء، بل إذا أوقعه بعد الدخول كانَ أَحَقَّ برجعتها ما دامت في العِدَّةِ، وإذا مات أحدهما ورثه الآخر، وإنما يَزولُ ملكه إذا انقضت العدة، بخلاف الإعتاق فإنه يزيل الملك بنفسه، ولا يبقى بعده للسيد ملك على المملوك، ولا رجعة له بعد الإعتاق، كما له في المرأة رجعة بعد الطلاق. وأيضًا؛ فإذا زال ملكه عنها جاز له أَنْ يثبت له الملك ثانيًا بعقد ثانٍ، والعبد إذا عتق وهو مُسلم لم يَعُدْ إلى الرِّقِّ، ولو كان ذميًّا لم يَعد إلى الرق إلا أَنْ يُذنب الذنبَ الذي يبيح استرقاقه، وأما الإسلام السابق فهل يمنع

стр. 763

استرقاق المرتد حيث لا يتحتَّم قتله؟ فيه نزاعٌ بين العلماء، وهذا لأنَّ الرق إنما سببه الكفر والمحاربة فأباح (١) الله ــ ــ لعباده المؤمنين أَنْ يستعبدوا رقاب الكفار ويأخذوا أموالهم، لأنه ــ تعالى ــ خلقهم لعبادته، وخَلَقَ الأموال ليستعينوا بها على عبادته، فلما كفروا به وحاربوا أولياءه أباح لأوليائه تملك أنفسهم وأموالهم، وَجَعَلَ ذلك فيئًا يفيئه على عباده المؤمنين، لأنهم هم المستحقون له. أفاء إليهم؛ أي: أعاد إليهم ما هم المستحقون له شرعًا. ولهذا كان الإسلام مانعًا من الرقِّ الشرعي، فالحر المسلم لا يجوز استرقاقه بحال، وإذا ارتدَّ عن الإسلام تحتَّمَ قتلُهُ إِنْ لم يَعُدْ إلى الإسلام، فإن أسلم بعد الأسر فهل يسترق كما يسترق الكافر الأصلي؟ فيه نزاع. فقيل: يجوز استرقاقه، كما استرق الصحابة ﵃ من استرقوه من بني حنيفة (٢)، ومنهم الحنفية التي تَسَرَّاهَا علي بن أبي طالب ﵁ (٣). وقيل: لا يجوز استرقاقه، فإنه إما أَنْ يُسلم وإما أَنْ يتحتم قتله؛ بخلاف الكافر الأصلي فإنه إذا لم يسلم لم يتحتم قتله. والمرتدة يتحتم قتلها عند الجمهور كمالك والشافعي وأحمد، كما قتل

стр. 764

الصديق ﵁ مرتدة (١)، وأبو حنيفة مَنَعَ قتلها كما يمنع قتل الكافرة [١٩١/ أ] الأصلية، والجمهور يُفَرِّقُونَ بين الردة وبين الكفر الأصلي، فإنَّ الرِّدَّةَ موجبة لقتل المرتد، بخلاف الكافر الأصلي فإنه يجوز عقد الذمة له؛ ولهذا يجب في الردة قتل من ليس من أهل القتال كالشيخ الكبير والراهب وغيرهما، ولا يجوز قتل هؤلاء عند الجمهور كأبي حنيفة ومالك وأحمد. فإنَّ الكفر الأصلي إنما يُبيح القتل مع الحراب عند الجمهور (٢)، والشافعي يجعل نفس الكفر هو المبيح، ويقول: إنما استثنى النساء والصبيان لكونهم يصيرون بالاستيلاء مالًا للمسلمين، ففي قتلهم تَفْوِيتُ تملك ذلك على المسلمين، فيجعل المانع كون القتل يفوت تملكهم على المسلمين، وأما الأكثرون فيقولون: بل المانع كونهم ليسوا من أهل القتال، كما عَلَّلَ النبي ﷺ بذلك لَمَّا مَرَّ في بعض مغازيه بامرأةٍ مقتولةٍ، فقال: «ما

стр. 765

كانت هذه لتقاتل» (١)، ونهى عن قتل النساء والصبيان (٢)، وفي السنن أنه ﷺ نهى عن قتل الشيخ الكبير والعسيف (٣) وغيرهما ممن ليس هو من أهل القتال؛ ولهذا لو قاتل النساء والصبيان قوتلوا وقتلوا باتفاق العلماء (٤)، وبسط هذا له موضع آخر. والمقصود هنا: أَنَّ سبب الرق هو الكفر (٥)، والإسلام يمنع ابتداءه ولا يمنع دوامه، فإذا أسلم بعد الاسترقاق لم يَصِرْ حرًّا، فإنه إنما تاب من الكفر بعد القدرة عليه، وذلك لا يمنع بقاء أثر العقوبة عليه ــ وهو الرق ــ، بخلافِ

стр. 766

مَنْ أسلم قبل القدرة عليه، وذلك يرفع عنه العقوبة التي لله بالكلية؛ ولهذا قال النبي ﷺ للأسير العقيلي لَمَّا قال: يا محمد، إني مسلم. فقال له النبي ﷺ : «أَمَا إِنَّكَ لو قُلتها وأنت تملك أمرك، أفلحت كل الفلاح» (١). والإعتاق يعيد الإنسان إلى أصلِ حريته، وإِنْ كان المعتَق ذميًا فعتقه كالصدقة عليه، والصدقة عليهم جائزة بخلاف الطلاق والنكاح؛ فإنَّ النكاح هو سبب دوام الآدميين، فهو أمر طبيعي في بقائهم كما أَنَّ الأكل [١٩١/ ب] والشرب أمر طبيعي في بقاء الشخص، فلا بُدَّ منه من بقاء النوع؛ ولهذا يجب عند الضرورة إذا خاف الوقوع في الزنا. وإذا كانت له شهوة ولكن لا يخاف الوقوع في الزنا فهل هو واجب أو مستحب؟ فيه قولان للعلماء، هما روايتان عن أحمد. وإن اشتغل عنه بالصوم والصلاة، فهل هو أفضل أو الصلاة والصوم؟ فيه نزاع مشهور. وَمَنْ لم يوجبه مع أَنَّ الآدميين لا يبقون [إلا] (٢) به، فإنه يكتفي بالباعث الطبعي. كما اختلف العلماء في الصناعات التي لا بُدَّ للناس منها كالحراثة والبناية؛ هل يقال: إنها فرض على الكفاية أم لا؟ على قولين في مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما.

стр. 767

ففي الجملة؛ هو من أصول مصالح الآدميين طبعًا وشرعًا، بخلاف الرق فإنه ثابت على خلاف مقتضى الفطرة والشرعة، وإنما يُسْتَرق مَنْ خَرَجَ عن فطرة الله التي فطر الناس عليها، وعن دينه الذي شرعه. فالطلاق إزالة [النكاح] (١) الذي هو من مصالح العباد في المعاش والمعاد، والإعتاق إزالة الرِّقِّ الذي إزالته من تمام مصالح العباد في المعاش والمعاد. فالطلاق من جنس الرق الثابت على خلاف الأصل، والإعتاق من جنس النكاح الموافق لمقتضى الأصل؛ فلهذا جاءت الشريعة الكاملة بتوسيع طرق العتق والترغيب فيه، وتضييق طرق الطلاق والمنع منه، فمن عكس ذلك فقد بَدَّلَ فطرة الله التي فطر عباده عليها، وشرعة الله التي (٢) أرسل بها رسوله ﷺ لا سيما فيمن عَلَّقَ تعليقًا يقتضي لزوم العتق له، وجعل العتق لازمًا له عند وجود الشرط، كما جعل النذر لازمًا له عند وجود الشرط، لكن كان قصده اليمين وهو يكره لزوم ما عَلَّقَهُ سواء وجد الشرط أو لم يوجد= فإذا قيل لهذا: قَصْدُ اليمين مانعٌ لك من لزوم ما جعلته لازمًا لك ــ وإِنْ كان الله يحبه ويرضاه ــ، ولم يكن جعله لذلك لازمًا عند الشرط مع كون الله يحبه ويرضاه موجبًا للزومه، ثم يجعل جَعْلَ ما لا يحبه الله ويرضاه لازمًا له، لكونه جعله لازمًا له، فيجعل مجرد جعله لازمًا موجبًا للزومه مع أَنَّ الله لا يحبه ولا يرضاه، والذي [١٩٢/ أ] يحبه ويرضاه لا يجعل جعله لازمًا موجبًا للزومه= فَمَنْ قال هذا؛ هل أبقى في الخطأ غاية؟!

стр. 768

ولو قيل لشخص: اجتهد في الخطأ؛ هل كان يقول إلا ما هو من هذا الجنس؟! فأيُّ القولين أولى أَنْ يُظَنَّ بخيار الأمة وأفضل القرون أنهم قالوا؟! هذا القول المتناقض وليس معه عنهم نقل بذلك، بل كلامهم يدل على نقيض ذلك، أو أنهم قالوا قولًا معروفًا يوافق الفطرة والشرعة، ويقبله العقل، ويدل عليه الكتاب والسُنة، ويكون قولهم به مطردًا متناسبًا سالمًا من التناقض، وكلامهم يدل عليه من جهة العموم المعنوي تارة، ومن جهة العموم اللفظي تارة. فإنهم إذا جعلوا كونه قاصدًا للحلف [ ... ] (١) إلا (٢) للزوم المعلق مانعًا من أَنْ يَلزمه ما يحبه الله ويرضاه من العتق والنذر، فَلَأَنْ يجعلوا هذا القصد مانعًا من أَنْ يلزمه ما لا يحبه الله ويرضاه بطريق الأولى والأحرى. * * * *

стр. 769

فصلٌ قال المعترض: (قال المجيب: وبالجملة؛ النزاعُ في هذه المسألةِ ثابتٌ بين السلف، كطاووس والحسن البصري وغيرهما. قلتُ: أما طاووس؛ فقد تقدم الكلام عليه (١)، وإبداء الاحتمالات في اللفظ المنقول عنه. وقال ابن حزم (٢): إنه صح عنه في الحلف بالعتاق كفارة يمين. وهذا ــ أيضًا ــ يحتمل أَنْ يراد به: بصيغة (العتق يلزمني)؛ فلا دلالة فيه، وتقدم فيه قول محمد بن نصر أنه روي عن الحسن وطاووس مثل قول أبي ثور (٣)، فيحتمل أَنْ يريد مثل قوله في التفرقة بين الطلاق والعتق وغيرهما، فيكون ذلك نقلًا عن طاووس لوقوع الطلاق، ويحتمل أَنْ يريد مثل قول أبي ثور في العتق خاصة، ومثل هذا الاحتمال لا يحصل النقل (٤)، فلذلك لم أنقل عن طاووس شيئًا، لأني لم أَرَ عنه بنصٍّ ظاهر خلافَ ما نقله المصنف) (٥). والجواب من وجوه: أحدها: أَنَّ هذا تخليطٌ في الكلام، فإنَّ الكلام هنا إنما هو في إثبات

стр. 770

النزاع في العتق المحلوف به، وهذا الذي قال فيه المجيب: (وبالجملة فالنزاع في هذه المسألة ثابت بين السلف كطاووس والحسن). لم يذكر [١٩٢/ ب] هنا النزاع في الطلاق، والاحتمالات التي تقدم إبداء المعترض لها مع فسادها = إنما هي فيما نقل عنه في الطلاق؛ فكيف يصلح أن يذكر هذا جوابًا فيما نقل عنه في العتق؟ الوجه الثاني: أَنْ يقال: قول طاووس: التسوية بين العتق والحلف بالنذر أنه فيه كفارة يمين، كما هو قول أبي ثور= قد نقله عامة من صنف في الخلاف مثل: محمد بن نصر، ومثل محمد بن جرير، ومثل أبي بكر بن المنذر، ومثل أبي عمر بن عبد البر، ومثل أبي محمد بن حزم وغير هؤلاء، وبعض هؤلاء هو الذي نقله، وقبل هؤلاء ذكر النزاع أبو ثور وغيره من علماء المسلمين. وأيضًا؛ فهذا النقل موجود في الكتب التي يُذْكَرُ فيها نزاع السلف من المصنفات في مذهب مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة وغيرهم، فالطاعن في نقل ذلك عن طاووس مخالفٌ لإجماع العلماء الذين ينقلون النزاع. والمعترض معترفٌ بأنه ليس معه نقل عن طاووس يخالف ذلك؛ فكيف يسوغ رَدُّ ما نقله جميع العلماء عن طاووس بلا شيء أصلًا؟ وإنما رَدَّ ذلك بمثل ما رَدَّ بِهِ قولَهُ في الطلاق المحلوف به من التأويلات القرمطية، التي هي من باب تحريف الكلم عن مواضعه. الثالث: أَنْ يقال لمثل هؤلاء: عمدتكم في المسألة على نقل بعض هؤلاء للإجماع، ومعلومٌ أَنَّ نقلهم للنزاع أثبتُ وأقوى من نقلهم للإجماع

стр. 771

وعدم النزاع، فإنَّ نقلَ النزاع هو نقل عن عالم قالَ قولًا في مسألة يمكن معرفته؛ إما بسماعه منه وإما بإسناد ثابت عنه؛ وأما نقل الإجماع وعدم النزاع فلا يكون علمًا إلا مع العلم بعدم النزاع؛ وهذا إِنْ كان ممكنًا فهو متعسر، وإِنْ كان غير ممكن فمتعذر؛ فالأول أيسر منه، وما كان أيسر كان العلم به أيسر. ولهذا يقبل من نقل النزاع ما يقبل من رواية العدل، فإذا روى العدل الضابط عن بعض العلماء قولًا يقبل منه كما يقبل إخبار أمثاله من العدول الضابطين، وأما نقل الإجماع وعدم النزاع فلا ينتهض به إلا الأفراد من العلماء [١٩٣/ أ] المطلعين. ومع هذا؛ فالغلط فيه كثير جدًا، حتى إني لا أعرف أحدًا ينقل الإجماعات إلا وقد وجد فيما ينقله من الإجماعات ما فيه نزاع لم يطلع عليه (١). وأيضًا؛ فالغلط فيه كبير جدًّا بخلاف مَنْ ينقل الأقوال عن قائل معيَّن يثبت به النزاع، فإنَّ من الحفاظ مَنْ لم يُعرف له غلط كالزهري والثوري وغيرهما، ومنهم مَنْ يَندر غلطه كشعبة وزائدة وقتادة وزهير وغيرهم، وهؤلاء وأمثالهم أحفظ الأئمة للمنقولات من أقوال العلماء وغيرهم، وهم وغيرهم كابن جريج ومالك بن أنس وحماد بن زيد وحماد بن سلمة

стр. 772

وسفيان بن عيينة وسعيد بن أبي عروبة وسليمان التيمي والأوزاعي والليث بن سعد وعمرو بن الحارث، وَمِنْ قَبْلِ هؤلاء مِنْ صغار التابعين وكبارهم كالفقهاء السبعة وكالحسن وابن سيرين ومُطَرِّفِ بن الشِّخير وكعلقمة والأسود وعَبيدة وإبراهيم التيمي وإبراهيم النخعي وأمثالهم = هم دائمًا ينقلون المنقولات المثبتة للنزاع كما ينقلون أقوال الصحابة والتابعين بعدهم مما فيه نزاع، وذلك النقل مقبول منهم، كما يقبل منهم ما ينقلونه من أقوال النبي ﷺ (١). وعامة هؤلاء لا ينقلون إجماعًا، اللهم إلا أَنْ ينقلَ أَحدُهم إجماعَ الصحابة ﵃؛ كما روي عن عَبيدة السلماني أنه قال: لم يجمع أصحاب محمد ﷺ على شيء كإجماعهم على أَنَّ الأخت لا تنكح في عدة أختها، وأَنَّ الخامسة لا تنكح في عدة الرابعة (٢)، وهذا أراد به العدة الرجعية، فالناس يسلمون الإجماع فيه، وأما الطلاق البائن فلا يُسَلِّمُون الإجماع فيه، بل ومالك والشافعي وغيرهما يقولون: إنها تباح في العدة من الطلاق البائن.

стр. 773

وأما مَنْ يَنقل الإجماعات بعد التابعين؛ كالليث والثوري ومالك فيوجد في إجماعهم نزاع لم يَطَّلِعُوا عليه، بخلاف ما ينقلونه من النزاع، فإنَّ نقلهم له ثابت. فالليث حكى الإجماع على أنه لا تقصر الصلاة في أقل من يومين [١٩٣/ ب]، وكذلك الشافعي تبعه على ذلك؛ وقد علم النزاع في ذلك بين الصحابة والتابعين (١). والثوري حكى الإجماع على أَنَّ المطلقة الرجعية إذا ارتجعها ثم طلقها فإنها تستأنف العدة، والنزاع ثابت في ذلك معروف حتى في مذهب الشافعي وأحمد. ومالك بن أنس ذَكَرَ الإجماعَ على الحكم بِرَدِّ اليمين (٢)، وعلى القسامة (٣)؛ والنزاع في ذلك معروف.

стр. 774

والمقصود: أَنَّ العلماء نَقْلُهُم لِمَا ينقلونه من أقوال يَثْبُتُ بها النزاع أثبت من نقلهم لنفي النزاع. وأبو ثور ومحمد بن نصر ومحمد بن جرير وابن المنذر وابن عبد البر وابن حزم وغيرهم قد نقلوا النزاع في الحلف بالعتق عن الصحابة والتابعين، وممن سَمَّوه طاووس، وبعضهم حكى إجماعًا في الطلاق كأبي ثور ومن تبعه، وبعضهم حكى النزاع في الطلاق ــ أيضًا ــ كابن حزم ومَنْ وافقه، فلو لم يُعلم النزاع في الطلاق والحلف به بنقول (١) أخرى، لكان من المعلوم قطعًا أَنَّ إثباتَ نقلهم كلهم للنزاع في العتق أولى من إثبات نقل بعضهم لنفي النزاع في الطلاق مع مخالفة بعضهم في ذلك لوجهين: أحدهما: أَنَّ نقلَ النزاعِ أقوى وأثبت. والثاني: أَنَّ مثبتَ النزاعِ مثبتٌ، ونافيه نافٍ؛ والمثبتُ مُقَدَّمٌ على النافي. فإذا جعل المعترض ونحوه عمدتهم نقلهم للإجماع، وطعنوا في نقلهم للنزاع = كان هذا من أظهر الخطأ وأفحش التناقض. الوجه الرابع: أَنَّ النزاع في العتق ليس هو قول طاووس والحسن فقط، بل منقولٌ عن غير واحد من التابعين غيرهما، وعن غير واحد من الصحابة مع ثبوت ذلك النقل.

стр. 775

وقد تقدم اعتراف محمد بن جرير الطبري وأبي محمد بن حزم بقول مَنْ قال مِن الصحابة والتابعين: إنه إذا حلف بالعتق بقوله: (كل مملوك لي حر إِنْ فعلت كذا) = أنه يُكَفِّر يمينه ولا يلزمه العتق، وهذان مخالفان لهذا القول، يريان أنه لا يلزمه عتق ولا كفارة، كما لا يلزم ذلك عندهما في تعليق النذر إذا قُصِدَ بِهِ اليمين، وقولهما في ذلك كله قول داود [١٩٤/ أ] وأصحابه، وهو ثابت في الحلف بالنذر عن طائفة من التابعين، ويروى عن محمد بن الحسن، والطحاوي يميل إليه. فهؤلاء يختارون في الحلف بالعتق أنه لا يلزم ولا كفارة فيه، كما يُذْكَرُ ذلك عن: داود وَمَنْ وافقه، وأبلغُ من ذلك قول أبي عبد الرحمن الشافعي وَمَنْ وافقه كابن حزم من أهل السنة، وكالمفيد والطوسي والموسوي وغيرهم من شيوخ الشيعة، وهم ينقلون ذلك عن فقهاء أهل البيت، ومعلومٌ أَنَّ خلافَ أئمة أهل البيت ــ كأبي جعفر محمد الباقر وجعفر بن محمد ــ معتدٌّ به باتفاق المسلمين، فإنَّ هؤلاء مِنْ أكابر أئمة المسلمين، ومن سادات أهل العلم والدين، وإِنْ كانت الرافضة تغلوا فيهم غلوًّا باطلًا، فذلك لا يمنع من معرفة أقدارهم، كغلوهم في علي ﵁، وغلو النصارى في المسيح ــ ﵇ ــ. والرافضة يجعلونهم معصومين كالرسول ﷺ ، ويجعلون كل ما قالوه قالوه نقلًا عن الرسول ﷺ ، ويجعلون إجماع طائفتهم حجة معصومة؛ وعلى هذه الأصول الثلاثة بنوا شرائع دينهم، لكن جمهور ما ينقلونه من الشريعة موافق لقول جمهور المسلمين، فيه ما هو من مواقع الإجماع، وفيه ما فيه
следующие страницы →