وعدم النزاع، فإنَّ نقلَ النزاع هو نقل عن عالم قالَ قولًا في مسألة يمكن معرفته؛ إما بسماعه منه وإما بإسناد ثابت عنه؛ وأما نقل الإجماع وعدم النزاع فلا يكون علمًا إلا مع العلم بعدم النزاع؛ وهذا إِنْ كان ممكنًا فهو متعسر، وإِنْ كان غير ممكن فمتعذر؛ فالأول أيسر منه، وما كان أيسر كان العلم به أيسر.
ولهذا يقبل من نقل النزاع ما يقبل من رواية العدل، فإذا روى العدل الضابط عن بعض العلماء قولًا يقبل منه كما يقبل إخبار أمثاله من العدول الضابطين، وأما نقل الإجماع وعدم النزاع فلا ينتهض به إلا الأفراد من العلماء [١٩٣/ أ] المطلعين.
ومع هذا؛ فالغلط فيه كثير جدًا، حتى إني لا أعرف أحدًا ينقل الإجماعات إلا وقد وجد فيما ينقله من الإجماعات ما فيه نزاع لم يطلع عليه (١).
وأيضًا؛ فالغلط فيه كبير جدًّا بخلاف مَنْ ينقل الأقوال عن قائل معيَّن يثبت به النزاع، فإنَّ من الحفاظ مَنْ لم يُعرف له غلط كالزهري والثوري وغيرهما، ومنهم مَنْ يَندر غلطه كشعبة وزائدة وقتادة وزهير وغيرهم، وهؤلاء وأمثالهم أحفظ الأئمة للمنقولات من أقوال العلماء وغيرهم، وهم وغيرهم كابن جريج ومالك بن أنس وحماد بن زيد وحماد بن سلمة
стр. 772
وسفيان بن عيينة وسعيد بن أبي عروبة وسليمان التيمي والأوزاعي والليث بن سعد وعمرو بن الحارث، وَمِنْ قَبْلِ هؤلاء مِنْ صغار التابعين وكبارهم كالفقهاء السبعة وكالحسن وابن سيرين ومُطَرِّفِ بن الشِّخير وكعلقمة والأسود وعَبيدة وإبراهيم التيمي وإبراهيم النخعي وأمثالهم = هم دائمًا ينقلون المنقولات المثبتة للنزاع كما ينقلون أقوال الصحابة والتابعين بعدهم مما فيه نزاع، وذلك النقل مقبول منهم، كما يقبل منهم ما ينقلونه من أقوال النبي ﷺ (١).
وعامة هؤلاء لا ينقلون إجماعًا، اللهم إلا أَنْ ينقلَ أَحدُهم إجماعَ الصحابة ﵃؛ كما روي عن عَبيدة السلماني أنه قال: لم يجمع أصحاب محمد ﷺ على شيء كإجماعهم على أَنَّ الأخت لا تنكح في عدة أختها، وأَنَّ الخامسة لا تنكح في عدة الرابعة (٢)، وهذا أراد به العدة الرجعية، فالناس يسلمون الإجماع فيه، وأما الطلاق البائن فلا يُسَلِّمُون الإجماع فيه، بل ومالك والشافعي وغيرهما يقولون: إنها تباح في العدة من الطلاق البائن.
стр. 773
وأما مَنْ يَنقل الإجماعات بعد التابعين؛ كالليث والثوري ومالك فيوجد في إجماعهم نزاع لم يَطَّلِعُوا عليه، بخلاف ما ينقلونه من النزاع، فإنَّ نقلهم له ثابت.
فالليث حكى الإجماع على أنه لا تقصر الصلاة في أقل من يومين [١٩٣/ ب]، وكذلك الشافعي تبعه على ذلك؛ وقد علم النزاع في ذلك بين الصحابة والتابعين (١).
والثوري حكى الإجماع على أَنَّ المطلقة الرجعية إذا ارتجعها ثم طلقها فإنها تستأنف العدة، والنزاع ثابت في ذلك معروف حتى في مذهب الشافعي وأحمد.
ومالك بن أنس ذَكَرَ الإجماعَ على الحكم بِرَدِّ اليمين (٢)،
وعلى القسامة (٣)؛ والنزاع في ذلك معروف.
стр. 774
والمقصود: أَنَّ العلماء نَقْلُهُم لِمَا ينقلونه من أقوال يَثْبُتُ بها النزاع أثبت من نقلهم لنفي النزاع.
وأبو ثور ومحمد بن نصر ومحمد بن جرير وابن المنذر وابن عبد البر وابن حزم وغيرهم قد نقلوا النزاع في الحلف بالعتق عن الصحابة والتابعين، وممن سَمَّوه طاووس، وبعضهم حكى إجماعًا في الطلاق كأبي ثور ومن تبعه، وبعضهم حكى النزاع في الطلاق ــ أيضًا ــ كابن حزم ومَنْ وافقه، فلو لم يُعلم النزاع في الطلاق والحلف به بنقول (١) أخرى، لكان من المعلوم قطعًا أَنَّ إثباتَ نقلهم كلهم للنزاع في العتق أولى من إثبات نقل بعضهم لنفي النزاع في الطلاق مع مخالفة بعضهم في ذلك لوجهين:
أحدهما: أَنَّ نقلَ النزاعِ أقوى وأثبت.
والثاني: أَنَّ مثبتَ النزاعِ مثبتٌ، ونافيه نافٍ؛ والمثبتُ مُقَدَّمٌ على النافي.
فإذا جعل المعترض ونحوه عمدتهم نقلهم للإجماع، وطعنوا في نقلهم للنزاع = كان هذا من أظهر الخطأ وأفحش التناقض.
الوجه الرابع: أَنَّ النزاع في العتق ليس هو قول طاووس والحسن فقط، بل منقولٌ عن غير واحد من التابعين غيرهما، وعن غير واحد من الصحابة مع ثبوت ذلك النقل.
стр. 775
وقد تقدم اعتراف محمد بن جرير الطبري وأبي محمد بن حزم بقول مَنْ قال مِن الصحابة والتابعين: إنه إذا حلف بالعتق بقوله: (كل مملوك لي حر إِنْ فعلت كذا) = أنه يُكَفِّر يمينه ولا يلزمه العتق، وهذان مخالفان لهذا القول، يريان أنه لا يلزمه عتق ولا كفارة، كما لا يلزم ذلك عندهما في تعليق النذر إذا قُصِدَ بِهِ اليمين، وقولهما في ذلك كله قول داود [١٩٤/ أ] وأصحابه، وهو ثابت في الحلف بالنذر عن طائفة من التابعين، ويروى عن محمد بن الحسن، والطحاوي يميل إليه.
فهؤلاء يختارون في الحلف بالعتق أنه لا يلزم ولا كفارة فيه، كما يُذْكَرُ ذلك عن: داود وَمَنْ وافقه، وأبلغُ من ذلك قول أبي عبد الرحمن الشافعي وَمَنْ وافقه كابن حزم من أهل السنة، وكالمفيد والطوسي والموسوي وغيرهم من شيوخ الشيعة، وهم ينقلون ذلك عن فقهاء أهل البيت، ومعلومٌ أَنَّ خلافَ أئمة أهل البيت ــ كأبي جعفر محمد الباقر وجعفر بن محمد ــ معتدٌّ به باتفاق المسلمين، فإنَّ هؤلاء مِنْ أكابر أئمة المسلمين، ومن سادات أهل العلم والدين، وإِنْ كانت الرافضة تغلوا فيهم غلوًّا باطلًا، فذلك لا يمنع من معرفة أقدارهم، كغلوهم في علي ﵁، وغلو النصارى في المسيح ــ ﵇ ــ.
والرافضة يجعلونهم معصومين كالرسول ﷺ ، ويجعلون كل ما قالوه قالوه نقلًا عن الرسول ﷺ ، ويجعلون إجماع طائفتهم حجة معصومة؛ وعلى هذه الأصول الثلاثة بنوا شرائع دينهم، لكن جمهور ما ينقلونه من الشريعة موافق لقول جمهور المسلمين، فيه ما هو من مواقع الإجماع، وفيه ما فيه
стр. 776
نزاع بين أهل السنة، فليس الغالب فيما ينقلونه عن هؤلاء الأئمة من مسائل الشرع الكذب، بل الغالب عليه الصدق، وفيه ما هو كذب خطأ أو عمدًا بلا ريب، وأقوالهم كأقوال نظرائهم من أئمة المسلمين.
لكن قد يقال: نقل هؤلاء عنهم لا يوثق به، وقد وقفت على النقل المأثور عنهم بالإسناد المتصل عندهم، فوجدته في التعليق للطلاق الذي يقصد به اليمين، أفتوا فيه: أنه لا يلزم به الطلاق.
ولفظ بعضهم يقتضي أنه لا يلزمه طلاق ولا كفارة.
ولفظ بعضهم إنما فيه نفي الطلاق لم يتعرض لنفي الكفارة.
وأما التعليق الذي يقصد به الإيقاع؛ فلم أجد نقلًا متصلًا عنهم أنه لا يلزم.
قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري لمَّا تكلمَ على مسألة الحلف بالعتق في [١٩٤/ ب] كتابه (اللطيف) (١) قال: (ويسألُ القائلونَ: إِنَّ العتق واقع بمملوكِ القائلِ: مملوكه فلان حر إِنْ كَلَّمَ اليوم فلانًا؛ إذا حنث في يمينه [أَتسقطون] (٢) عنه الكفارة؟).
إلى أَنْ قال: (فإن ادعوا أَنَّ ذلك إجماع.
قيل لهم: لا علم لكم باختلاف أهل العلم، وقد روي عن ابن عمر وعائشة وحفصة وأم سلمة وعطاء وطاووس والقاسم وسالم وجماعة يكثر عددهم من أئمة الصحابة والتابعين ﵃ = أَنَّ في ذلك كفارة يمين).
стр. 777
فقد ذكر ابن جرير ــ وهو يرى أَنَّ قول الجمهور حجة، نقلته عن النبي ﷺ ، فلا يجعل مستند الإجماع اجتهادًا، ولا يعتد بخلاف الواحد والاثنين ــ أَنَّ القول بلزوم الكفارة فيما إذا قال: إِنْ فعلتُ كذا فكل مملوك لي حر = هو قولُ جماعةٍ يكثر عددهم من أئمة الصحابة والتابعين، وذكر منهم مَنْ ذكر مثل: ابن عمر وعائشة وحفصة وأم سلمة وعطاء وطاووس والقاسم وسالم.
وطاووس واحد من جماعةٍ يكثر عددهم من أئمة الصحابة والتابعين، قالوا فيما إذا قال: إِنْ فعلت فكل مملوك لي حر: إِنَّ في ذلك كفارة يمين.
وابن جرير أَحدُ مَن اعتمد المعترض وأمثاله على نقله للإجماع في الطلاق، مع أَنَّ ذلك لا ينفعهم؛ فإنَّ الإجماع عنده قولُ الجمهور، ليس هو الإجماع الذي يقولون هم وجمهور علماء المسلمين إنه الإجماع المعصوم.
وأما نَقْلُهُ للنزاع في ذلك؛ فقد نقله عن جماعة يكثر عددهم من أئمة الصحابة والتابعين، ومثل هذا النقل يُرجع فيه إليه باتفاق العلماء؛ فقد احتجوا بنقله فيما لا يجوز الاحتجاج به عند جماهير العلماء، وتركوا نقله فيما يحتج بنقله فيه باتفاق العلماء.
فإنه من أئمة المسلمين العالمين بأقوال الصحابة والتابعين، وهو أحد المجتهدين الذين لهم أتباع ومذهب، ولهذا ذكره أبو إسحاق في طبقات الفقهاء المجتهدين (١).
стр. 778
وقال أبو محمد بن حزم (١): (صَحَّ عن عائشة وأم سلمة ــ أُمَّي المؤمنين ــ، وعن ابن عمر أنه جعل في قول ليلى بنت العجماء: كل مملوك لها حر وكل مال لها هدي وهي يهودية ونصرانية [١٩٥/ أ] إِنْ لم تطلق امرأتك = كفارة يمين واحدة.
وعن عائشة أم المؤمنين ﵂ فيمن قال في يمينٍ: مالي ضرائب في سبيل الله، أو قال: مالي كله في رتاج الكعبة = كفارة يمين.
وعن عائشة وأم سلمة أُمَّي المؤمنين ﵄ فيمن قال: عليَّ المشي إلى بيت الله إِنْ لم يكن كذا = كفارة يمين؛ من طريق محمد بن عبد الله الأنصاري، عن أشعث الحمراني، عن بكر بن عبد الله المزني، عن أبي رافع عنهما).
قال: (وروينا عن جابر بن عبد الله: النذر كفارته كفارة يمين.
وعن ابن عباس ﵄ مثل هذا.
وعن عمر بن الخطاب ﵁ نحوه.
وعن عكرمة والحسن فيمن قال: مالي كله في رتاج الكعبة = كفارة يمين).
قال: (وَصَحَّ عن طاووس وعطاء؛ أما طاووس فقال: الحلف بالعتاق ومالي هدي وكل شيء لي في سبيل الله وهذا النحو = كفارة يمين.
وأما عطاء فقال فيمن قال: عليَّ بدنة أو قال (٢): ألف حجة، أو قال:
стр. 779
مالي هدي، أو قال: مالي في المساكين = كُلُّ ذلك يمين.
قال: وهو قول قتادة وسليمان بن يسار وسالم بن عبد الله بن عمر.
قال أبو محمد: وكل هذا خلافٌ لقول أبي حنيفة ومالك والشافعي، لأنَّ الشافعيَّ أَخرجَ من ذلك العتق المعين).
فهذا ابن حزم يذكر الحلف بالعتق إذا قال: إِنْ فعلتُ فكل مملوك لي حر عن جماعةٍ من أئمة الصحابة والتابعين، وأَنَّ ذلك صَحَّ عنهم، وَذَكَرَ فيمن ذكر طاووسًا، فلو قُدِّرَ أَنَّ طاووسًا لم يصح ذلك عنه = لكان في إثبات النزاع في الحلف بالعتق بقول بعض هؤلاء كفاية.
وهذا المعترض قد رأى كلام ابن حزم في ذلك، لكنه لم ينقل إلا نقله لمذهب طاووس، ثم إنه حَرَّفَهُ، وهذا يظهر بِـ
الوجه الخامس (١): فإنَّ المعترض قال: (وقال ابن حزم: إِنَّه (٢) صَحَّ عنه في الحلف بالعتاقة كفارة يمين. قال: وهذا ــ أيضًا ــ يحتمل أَنْ يراد به بصيغة العتق يلزمني فلا دلالة فيه).
فيقال له: ابن حزم قد قال بأنَّ قول هؤلاء خلاف لقول الشافعي، فإنَّ الشافعي أخرج من ذلك العتق المعيَّن، فلو كان [١٩٥/ ب] قصده بما نقله عن طاووس هو فيما إذا حَلَفَ بنذر العتق بِأَنْ قال: إِنْ فعلتُ فعليَّ عتقُ عبد أو عتق هذا العبد، أو قال: يلزمني أَنْ أُعتق عبدًا أو هذا العبد إِنْ فعلتُ = لم
стр. 780
يكن قولهم خلافًا لقول الشافعي عند ابن حزم، بل كان موافقًا لقول الشافعي عنده.
فإنَّ الشافعي يقول فيمن حلف بنذر العتق إنه تجزئه كفارة يمين، ويُفَرِّق بين ذلك وبين مَنْ حَلَفَ بوقوع العتق، وقد وافقه على ذلك أحمد وإسحاق وأبو عبيد ومحمد بن نصر وغيرهم، وابن حزم صَرَّحَ بأنَّ قول الشافعي هذا يخالف قول هؤلاء الذين نقل قولهم في العتق من الصحابة والتابعين، ومنهم طاووس.
فإذا قيل عن ابن حزم: يحتمل أَنْ يكون نَقْله عن طاووس فيمن حلف بنذر العتق؛ كان كذبًا على ابن حزم.
وأيضًا؛ ف الحلف بصيغة (العتق يلزمني) كالحلف بصيغة (الطلاق يلزمني) ، والمعترض قد رجَّحَ قولَ الجمهور الذين يقولون: إِنَّ هذا حلف بوقوع الطلاق لا حَلِفٌ بنذره = فكذلك يجب أَنْ يجعل هذا موجب الإطلاق في قوله (العتق يلزمني) أنه حلف بوقوع العتق لا حلف بنذره، كما أَنَّ هذا هو المعروف عند الناس من قول القائل: الحرام يلزمني والظهار يلزمني إِنْ فعلتُ كذا، وأيمان المسلمين تلزمني إِنْ فعلت، وأيمانُ البيعة تلزمني إِنْ فعلت كذا؛ فإنَّ هذا حلف بلزوم هذه الأيمان له إِنْ فَعَلَ لا حلف بنذر هذه الأيمان.
فإنَّ الناس لا يَقصد أحدهم في العادة على أَنْ أَحْلِفَ في المستقبل بأيمان البيعة وأيمان المسلمين إِنْ فعلتُ، ولا يَقصد يلزمني أَنْ أُحَرِّمَ أو أُظاهر فيما بعد إِنْ فعلت، ولا يقصد يلزمني أَنْ أُطَلِّقَ أو أعتق فيما بعد إِنْ فعلت، فلا يَقصد أنه إذا حنث لزمه أن ينشئ بعد ذلك طلاقًا وعتقًا وظهارًا
стр. 781
وتحريمًا، وينشئ الحلف بأيمان البيعة وأيمان المسلمين، كما إذا قال: إِنْ شفى الله مريضي فعليَّ الحجُّ، إِنْ فعلتُ كذا فعليَّ الحج، إِنْ فعلتُ كذا فقد لزمني الحج = فإنَّ هذا يقصد إذا فَعَلَ لزومَ إنشاءِ حَجٍّ له بعد ذلك [١٩٦/ أ]، وأما هناك فإنما يقصد إذا حنث أنه قد لزمه الطلاق والعتاق، ولزمه ما يلزم الحالف الحانث إذا حلف بأيمان المسلمين وأيمان البيعة.
[الوجه السادس]: قوله: (وتقدم قول محمد بن نصر: إنه روي عن الحسن وطاووس مثل قول أبي ثور (١)؛ فيحتمل أَنْ يريد مثل قوله في التفرقة بين الطلاق والعتاق، ويحتمل أَنْ يريد مثل قول أبي ثور في العتق خاصة) (٢).
فيقال له: وعلى كلا التقديرين؛ فيكون قد نقل عن طاووس أَنَّ الحالف بالعتق إذا قال: إِنْ فعلتُ كذا فكل مملوك لي حر = أَنْ يُكَفِّرَ يمينه، والكلام هنا إنما هو في قول طاووس في العتق.
فقد تبين أَنَّ نقل محمد بن نصر حجةٌ عليك في إثبات قول طاووس كنقل ابن حزم، وقد انضم إلى ذلك نقل ابن المنذر، ونقل الطبري، ونقل أبي عمر بن عبد البر، وغيرهم من العلماء.
وترديدك الاحتمال في هذا المقام لا ينفعك في نفي هذا النقل، بل ذكر هذا الاحتمال هنا من باب التغليط والمغالطة (٣)؛ كذلك الاحتمالات
стр. 782
التي ذكرتها في قول طاووس في الطلاق، فهاتيك لو قُدِّرَ أنها تنفعك لم تنفعك.
فهذه الاحتمالات القرمطية التي تذكرها في قول طاووس، وفي نقل محمد بن نصر عنه، لو نفعتك لن تنفعك فيما قصدته هنا من نفي قول طاووس في العتق، بل هي حجةٌ صريحةٌ على كلا الاحتمالين على نفي مقصودك هنا.
ولا عجب أَنْ يحتج (١) الشخص بحجة وتكون عليه لا له إذا كان ذلك في سياقِ رَدِّ الحق الذي لا يمكن رَدُّه، فإنَّ هؤلاء المجادلين في هذه المسألة بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير، أخرجهم الجدل بالباطل إلى أن جحدوا ما عُلم بالحس وبالعقل وبالسمع وبالشرع وبالخبر، فصاروا يقولون: كُلُّ مَنْ عَلَّقَ شيئًا بقصد اليمين فلا بُدَّ أَنْ يريد وقوع ما عَلَّقَهُ عند وجود الشرط وإنْ كان كارهًا له وللشرط إذا لم يوجد الشرط، بل إذا وجد الشرط فقد أراده كما يريده المعلِّق غيرُ الحالف.
فصاروا يَدَّعون على مَنْ أراد أَنْ يمنع نفسه، فقال: إِنْ سافرتُ معكم [١٩٦/ ب] إِنْ كلمتُ فلانًا فنسائي طوالق وعبيدي أحرار ومالي صدقة وعليَّ ثلاثون حجة وصوم الدهر ولا أماتني الله على الإسلام وقطع الله يدي وذبح أولادي على صدري ونحو ذلك من الأمور التي يشتد كراهة الإنسان لها وامتناعه من إرادة وقوعها.
ومعلومٌ بالاضطرار أنه لا يريد وقوعه سواء وجد الشرط أو لم يوجد
стр. 783
الشرط (١) فيقولون: بل هذا قاصد لوجودها إذا وجد الشرط، كما يقصد غير الحالف (٢) الطلاق إذا قال: إِنْ أعطتني ألفًا فهي طالق، أو إذا طَلَعَ الهلال فهي طالق، أو إذا أَدَّيْتَ لي ألفًا فأنت حر، أو إِنْ شفى الله مريضي فعليَّ الحج وعليَّ الصدقة بألف؛ فيجعلون كلَّ مُعَلِّقٍ مريدًا لوقوع الجزاء عند الشرط سواء كان الشرط مرادًا أو غير مراد، وسواء كان الجزاء مكروهًا دون الشرط أو لم يكن مكروهًا، لكنْ إذا عَلَّقَه فلا بُدَّ أَنْ يقصد وجوده عند الشرط.
ومعلومٌ أَنَّ قولهم هذا خلاف لما يعلمه الناس علمًا يقينيًّا ضروريًّا من أنفسهم، بل ولما يعلمه بعضهم من حال بعض، فإنهم يعلمون أَنَّ أحدًا لا يقصد أَنْ تلزمه هذه اللوازم التي تزيل عنه نعم الله عليه في دينه ودنياه، وتجعله قد وُتِرَ أهلَه وماله ودينه وآخرته، فإنَّ أحدًا لا يقصد أَنْ يلزمه هذا بحال، فضلًا عن أَنْ يقصد إذا فعل فعلًا من الأفعال مثل سفره إلى بلد أو يُكَلِّم بعض الناس أو تزويج بنته أو إعطاء عشرة دراهم يقدر عليها، بل كل عاقل يعلم أَنَّ بَذْلَ هذه الأمور أيسر على كل عاقل من لزوم تلك المكاره، وأنه إذا خُيِّرَ بينَ أَنْ يفعل هذه الأفعال وبينَ أَنْ تلزمه تلك اللوازم = اختار أَنْ يفعلها وأضعافها، ولا تلزمه بعض تلك المصائب العظيمة في دينه ودنياه؛ فضلًا عن أَنْ تلزمه كلها.
وإذا كان معلومًا بالاضطرار أَنَّ هذه الأفعال أحب إليه من لزوم تلك المصائب، فلا يختار إذا فعل هذا الفعل أَنْ تلزمه تلك المصائب العظيمة،
стр. 784
فيجتمع عليه إِنْ فعلَ ما كان يكرهه وإن لزومه (١) [١٩٧/ أ] تلك المصائب، وكان حين اليمين كارهًا للفعل، وكارهًا لتلك المصائب، ثم ندم فيما بعد على التزام الفعل، فصار يختار الفعل ولا يختار أَنْ تلزمه تلك المصائب.
وأما كونه يختار أن تلزمه تلك الصفات إذا فعل الفعل؛ فهذا ممتنع منه، ومن سائر (٢) العقلاء لا سيما وهو حين اليمين كان كارهًا للفعل؛ فكيف يختار إذا وجد المكروه الأدنى أَنْ يوجد هو والمكروه الأعلى؟! فهو كاره لكلٍ منهما إذا انفرد، وكراهته للمصائب أعظم؛ فكيف يختار إذا وجد هذا أَنْ يوجد هذا؟! فيكون قد اختار اجتماع هذا مع هذا، وهو قط لم يختر أن تكون تلك المصائب وحدها؛ فكيف يختارها إذا قرنت بما هو مكروه عنده؟! وقد زاده اقترانها به كراهة لها، ولم يتجدد له عند الاجتماع معنىً يزيل كراهة هذه المصائب.
وأما إذا قُدِّرَ أنه عند الاجتماع يُحْدِثُ معنًى يوجب إرادةَ ما عَلَّقه؛ فهذا ليس بحالف، وهذا يكون في مثل تعليق الطلاق.
فإنَّ الطلاق يريده الإنسان تارة ويكرهه أخرى، فإذا عَلَّقَهُ على فعلٍ مكروهٍ فقد يقع مع كراهته له وإِنْ وجد الفعل فيكون حالفًا، وقد يكون مع إرادته له عند الفعل فلا يكون حالفًا.
ولهذا لَمَّا كان تعليق الطلاق على وجه الحض والمنع: يكون تارةً مع كراهته [له] (٣) عند الشرط فيكون حالفًا، وتارة مع إرادته فلا يكون حالفًا = وقعتِ الشبهةُ لكثيرٍ من الناس في هذا الباب، كالمعترض وأمثاله، بخلاف
стр. 785
ما لا يكون إلا يمينًا.
ولكن مع كونه قاصدًا للحلف يمتنع أَنْ يكون مريدًا للجزاء في جميع أنواع اليمين، ولو كان مريدًا لم يكن حالفًا، فإنَّ الحالف لا بُدَّ أَنْ تكون كراهته للجزاء الذي علقه أبلغ وإِن وجد الشرط مع (١) كراهته للشرط، فيتميز عن المانع الذي ليس بحالف بوجهين:
أحدهما: أنه يكره الجزاء وإِنْ وُجِدَ الشرط.
والثاني: أنه يكرهه أبلغَ من كراهة الشرط، بخلافِ الذي يقصد الإيقاع، فإنَّ كراهته للشرط أبلغُ، وعند وقوع [١٩٧/ ب] الشرط لا يكره الجزاء، بل يدفع أعظم المكروهين ــ وهو الشرط ــ بالتزام أدناهما ــ وهو الجزاء ــ عنده. وأما الحالف؛ فالجزاءُ أكره الأمرين له، وأدومهما كراهة.
فهؤلاء لَمَّا تكلموا فيما لم يعرفوه؛ التزموا جحد العلوم الضرورية التي يعرفها الناس من أنفسهم، ولا يقال: فقد سبقهم بعض العلماء إلى هذا.
فيقال: الذي سُبِقُوا إليه القولُ بلزومِ الجزاءِ عند الشرط؛ فهذا مما قاله مَنْ قاله من علماء المسلمين، لكن هؤلاء لم يُعرفْ عن أحدٍ منهم أنه قال: إنَّ الحالف يقصد لزوم الجزاء وإِنْ وُجِدَ الشرط، فهذا ما علمتُ أحدًا من علماء المسلمين قاله، ولكنْ لمَّا ظَهَرَ الكلامُ والبحثُ التامُّ في هذه المسألة نقلًا وبحثًا = صار بعض مَنْ يجادل بها إذا ذُكِرَ له أَنَّ الحالف لم يقصد لزوم الجزاء، يقول: بل قصده!
وهم وإِنْ جحدوا ما يُعلم بالاضطرار، فقد لا يكونون معاندين جاحدين
стр. 786
لما يعلمونه، بل اشتباه الأمر عليهم، وعدم تمييزهم (١) بين نوع ونوع = أوجب أَنْ جعلوا أحد النوعين مثل الآخر.
وقد عُلِمَ أَنَّ المعلِّق قد يقصد الإيقاع، فظنوا كُلَّ مُعَلِّقٍ يقصد الإيقاع حتى الحالف، فجحدوا ما يعلم بالاضطرار مِنْ عَدَمِ تمييزهم (٢) وتفريقهم بين نوعٍ ونوعٍ.
والحِسُّ يغلط إذا لم يكن معه عقل يُميِّز بين المشتبهات؛ فكذلك قد يغلطون في حسهم الباطن إذا لم يكن معهم ما يعقلون به الفرق بين نوع ونوع؛ ولهذا قيل: غلطوا في العقل ــ أيضًا ــ وغلطوا في السمع؛ حيث أنكروا أن تكون هذه أيمانًا في اللغة وَعُرْفِ الصحابة الذين خوطبوا بالقرآن، وغَلطوا في الشرع؛ حيث ألغوا ما اعتبره الشارع من الصفات المعتبرة فيه، كوصف كون الكلام يمينًا، وَعَلَّقُوا الحكمَ بكون الكلام تعليقًا جُعِلَ فيه الجزاء لازمًا للشرط، وهذا وصفٌ مُلْغًى مُهدَرٌ في الشرع، لم يعلق به حكمًا لا في النفي ولا في الإثبات.
وغلطوا في الجزم بمذاهب (٣) السلف حيث يحكون عن الصحابة والتابعين ما لم يقولوه، ويُقَوِّلُونهم أقوالًا لم [١٩٨/ أ] يقولوها، مع اعترافهم ببطلانها فصار فيهم نوعٌ من القرمطة في السمعيات والسفسطة في العقليات، حيث خرجوا عما يُعرف بالأدلة السمعية والعقلية.
стр. 787
وهذا يظهر لكلِّ مَنْ تأمل كلام هذا المعترض وأمثاله في مثل هذه المسألة، فإنَّ المقصود بالجواب عن اعتراضاته ليس هو ذمهم والرد عليهم ولا ذمه، بل هو مشكورٌ محمودٌ مثنًى عليه مُكْرَمٌ، لِمَا ذكره مما استفرغ فيه وسعه، حيث كان ذلك من أسباب ما ظهر من الهدى ودين الحق الذي بعث الله ــ تعالى ــ به رسوله ﷺ .
ولكن المقصود: رَدُّ جنسِ الكلام الباطل الذي يناقض ما يناقضه من الهدى ودين الحق. والمردود: القول الباطل نقلًا وبحثًا، مِنْ أَيِّ قائل كان، فإنَّ ما يقوله زيد قد يقوله وما هو أفسد منه عمرو وبكر.
الوجه [السابع]: أَنْ يقال: قد ذكرتَ هنا أنك أبديت احتمالات فيما نُقِلَ عن طاووس، كما ذكرت احتمالات أُخَر عنه، مع اعترافك أنك لم تر عنه نصًّا ظاهرًا خلاف ما نقله المصنف عنه، ولا ريب أنك لم تذكر عنه نصًّا ظاهرًا بخلاف ما نقله المصنف وغيره، لا في الحلف بالعتق ولا في الحلف بالطلاق، وهذا الذي رددتَ عليه لم يكن مُصَنَّفًا، ولكن أنت تُسمِّيه مصنفًا، ولكن هو جواب سائل؛ ولهذا لم يستوعب المجيب الكلام فيه في المسألة نقلًا وبحثًا، وإنما كتبه على البديهة كما يكتب جواب المسائل.
ولما لم يكن الكلام فيه مستوفًى ظَنَّ هذا المعترض وأمثاله أَنَّ هذا هو غاية ما في المسألة من النقل والبحث، فَطَمِعَ مثل هؤلاء في رَدِّ ذلك، وإِنْ كانوا مع قلته لم يردوه بحق، فلمَّا انتشر الكلام فيها وظهر لهم بعد هذا من النقل والدليل ما لم يكن في هذا الجواب= تكعكع مَنْ كان يتحدى بما عنده من العلم والبيان، وكتموا ما كانوا كتبوه في حكم هذه الأيمان، وبلغني أَنَّ
стр. 788
المعترض [لمَّا] (١) رأى بعض ما ذُكِرَ ــ غَيْرَ الجواب المختصر ــ بَسَطَ هذا الاعتراض هذا البسط؛ ولهذا وقع فيه ما وقع من التكرار، وأنه لما رأى ما هو أبلغ [١٩٨/ ب] من ذلك استعفى عن معاودة الاعتراض (٢).
والمقصود هنا: أَنَّ المجيب لم يذكر في ذلك الجواب المختصر كلامَ طاووس وغيره في الطلاق، بل ذكر الخلاف مجملًا بأنه إذا حنث فللعلماء فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه إذا حنث وقع به الطلاق والعتاق.
والثاني: لا يقع به شيء ولا كفارة عليه.
والثالث: عليه الكفارة.
ولمَّا لم يذكر المجيب كُلَّ قولٍ ومَنْ نقله = طَمِعَ مَنْ طَمِعَ في الاعتراض على الجواب المختصر، ولكن المجيب وغير المجيب قد نقلوا عن طاووس أن الحالف بالطلاق لا يقع به الطلاق، وذكروا إسناد هذا النقل، فإنه رواه عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن ابن طاووس، عن أبيه. ورواه سفيان بن عيينة، عن ابن طاووس، عن أبيه (٣).
وابن حزم (٤) فيمن نقله عن طاووس، وذكره من طريق عبد الرزاق، عن ابن جريج، أخبرني ابن طاووس، عن أبيه أنه كان يقول بالحلف بالطلاق ليس شيئًا. قلتُ: أكان يراه يمينًا؟ قال: لا أدري.
стр. 789
وقال المعترض:
(يحتمل أن يكون مراده ليس صوابًا، فإنه مكروه لأنه حلف بغير الله، أو أنه لا بأس به، أو أَنَّ مراده إذا أكره على الحلف به، وَرَجَّحَ هذا الاحتمال).
فيقال له: صَرْفُ اللفظِ إلى معنىً يخالفُ ظاهرَهُ يحتاج إلى أمور: أَنْ يكونَ اللفظ مستعملًا في عُرْفِ ذلك المتكلم في ذلك المعنى، وإلى أَنْ يكون عنده دليل يبين أنه لم يرد ظاهره، وإلى ألا يُعرف عنه ما يُبين مراده خلاف ذلك؛ وهذه الثلاثة منتفية هنا (١).
فإنَّا قد ذكرنا عن طاووس، وعن أَجَلَّ منه مثل ابن عباس وغيره، أَنَّ مرادهم بمثل هذا اللفظ في هذا: أنه لا يقع به الطلاق وإن لزمته الكفارة، كما قال ابن عباس ﵄ في الحرام: ليس يمينًا (٢). وقال: إنه يمين مكفرة (٣). وكما سئل طاووس عن الخلع، فقال: ليس بشيء (٤). وذُكِرَ ذلك عن ابن عباس (٥)، وبَيَّنَ مراده أنه ليس بطلاق بل فرقة بائنة. وكما قالت عائشة ﵂ في نذر اللجاج والغضب: ليس شيئًا (٦). ومرادها: أنه لا يلزم وإِنْ وجبت فيه الكفارة.
فعادتهم [١٩٩/ أ] ينفون بهذا اللفظ ما يَظُنُّ السائل أنه ثابت وهو منتفٍ،
стр. 790
وإِنْ أثبتوا به شيئًا آخر، كما سئل النبي ﷺ عن الكهان، فقال: ليسوا بشيء (١).
وكذلك ما ذُكِرَ [مِنْ] (٢) قول سعيد بن المسيب لَمَّا سُئِلَ عن الإيلاء: ليس بشيء (٣). ومرادُهُ أنه ليس بطلاق عند مضي الأجل، كما يقوله بعض الناس، فإنَّ مذهب سعيد هو قول الجمهور: أنه يوقف؛ فإما أن يفيء وإما أَنْ يُطَلِّقَ، فمراده بقوله: ليس شيئًا: نَفْي كونه طلاقًا.
كما أراد طاووس بقوله: (ليس شيئًا) في الخلع وفي الحلف بالطلاق أنه ليس طلاقًا (٤).
وكما أراد ابن عباس في قوله في الحرام: ليس شيئًا؛ أي: ليس طلاقًا.
وكذلك محمد بن عبد الله الأنصاري (٥) لما سَأَلَ ابن عون عن الدرهم الزائف: أَيَسَعُ الرجلَ أَنْ يشتري به شيئًا؟ قال: بَيَّنَهُ؟ قلتُ: لا. قال: كان محمد يكرهه. قلتُ: فإنْ بَيَّن. قال: كان محمد لا يراه شيئًا. أي: لا يراه
стр. 791
حرامًا. فنفى بقوله شيئًا ما ظَنَّهُ السائلُ من التحريم.
كما نفت عائشة بقولها في نذر اللجاج والغضب: ليس شيئًا؛ ما ظَنَّهُ السائل من لزوم النذر له مع إثباتها للكفارة فيه.
وأهل الجرح والتعديل يقولون في المحدث الواهي: ليس بشيءٍ؛ ينفون عنه ما يقصد به ويُظَن فيه من العمل بروايته.
وأصل هذا: أَنَّ قولَ القائل: ليس بشيء؛ نفيٌ لحقيقة الشيء، فإذا كان الشيء يراد به شيء، وذاكَ المرادُ منتفٍ فيه= قيل: ليس بشيء، كما يقال عمن يُقْصَدُ منه العلم أو العدالة أو العطاء أو الشجاعة ولا يكون كذلك= يقال فيه: ليس بشيء؛ فَيُنْفَى بذلك ما يقصد به.
وكذلك اللفظ الذي يعتقد أنه خبر مطابق لمخبره إذا لم يكن مطابقًا؛ قيل فيه: ليس بشيء.
وكذلك العقد الذي يعتقد أنه ثبت موجبه إذا انتفى عنه موجبه قيل: ليس بشيء.
ومعلومٌ أَنَّ عقد التعليق يقتضي ثبوت المعلق عند الشرط، سواء كان المعلق نذرًا أو طلاقًا أو عتقًا، فإذا لم يكن موجبه ثابتًا بل كان مرتفعًا للكفارة أو غيرها، قيل في تعليق النذر كما قالت عائشة: ليس بشيء، وقيل في تعليق الطلاق كما قال طاووس: ليس شيئًا.
وكذلك [١٩٩/ ب] قول الرجل لامرأته: أنت عليَّ حرام؛ مقتضى هذا اللفظ ثبوت التحريم، فلما كان هذا اللفظ عند ابن عباس ﵄ قد انتفى موجبه قال: ليس بشيء.
стр. 792
وإذا كان السائل يعتقد ثبوت موجبه، اجتمع فيه (١) أنه موجب اللفظ وأنه اعتقاد السائل، فصار قوله فيه: (ليس بشيء) أوكد وأوكد، كالكهان الذين (٢) يَطلب منهم الصدق فيما يخبرون به، ويظن فيهم الصدق، فقال النبي ﷺ فيهم: «ليسوا بشيء» (٣).
والعرب يقولون: ليس زيد بشيء إلا شيئًا لا يُعبأ به؛ فينفون به ما يقصد من مثله إلا ما لا يعبأ به، وقد يكون هناك سبب يقتضي [ذلك] (٤).
وقد يعتقد الرجل في الكلام أمرًا، فيقال له: ليس بشيءٍ؛ لنفي ما اعتقده فيه، كقول ابن المسيب في الإيلاء: ليس بشيء؛ أي: ليس بطلاق (٥).
فهذا الثاني معروف في كلام العرب عامة، وكلام علماء الصحابة والتابعين خاصة، وكلام طاووس وشيخه ابن عباس خاصة الخاصة، قد عُرِفَ مرادهم بمثل هذا الكلام في مثل هذه العقود التي تنازع الناس فيها، هل هي طلاق أم غير طلاق؟ كالتحريم والخلع والحلف بالطلاق، فيقولون: ليست بشيء؛ ومرادهم: ليست بطلاق، وإذا عرف مرادهم وعادتهم التي يريدونها بمثل هذا اللفظ، ولم يكن عنهم ما يناقض ذلك، بل سائر النقول عنهم (٦) توافق ذلك= امتنع أَنْ يحملَ كلامهم على غير ذلك.
стр. 793
وطاووس قد عُرِفَ مِنْ مذهبه أَنَّ التعليقات التي يقصد بها اليمين ــ كتعليق العتاق والنذر ــ أنها ليست عنده موجبة لمقتضاها وهو العتق والنذر، ومثل ذلك يقولون عنه في عادتهم: ليس بشيء؛ أي: ليس نذرًا ولا طلاقًا.
وقد عُرِفَ من عادة طاووس وطائفته أنهم يقولون في العقود المتنازع فيها هل هي طلاق أم لا؟ ليست شيئًا؛ أي: ليست طلاقًا، كما قالوا مثل ذلك في: الخلع والتحريم والحلف بالطلاق، غايَتُهُ أَنْ يكونَ صيغةَ تعليقٍ للطلاق.
فإذا قال فيه: ليس الحلف بالطلاق شيئًا، وقد عُرِفَ إطلاقُ مِثْلِ هذا العقد الذي اشتبه هل هو طلاق أو غير طلاق؟ [٢٠٠/ أ] فقال: ليس بشيء؛ ومراده: ليس بطلاق، وَعُرِفَ أَنَّ التعليق الذي يقصد به اليمين عنده لا يلزم به ما عُلِّقَ به حتى العتق، وَعُرِفَ ــ أيضًا ــ من عادتهم أنهم إذا نَفَوا لزوم المعلق قالوا: ليس بشيءٍ = كان هذا مما يوجب علمًا يقينًا لا يستريب فيه عالمٌ عادلٌ أَنَّ مراد طاووس بقوله: ليس الحلف بالطلاق شيئًا؛ أَيْ: ليس بطلاق لازم، والشَّكُّ في هذا بعدَ معرفةِ هذا من أبلغ السفسطة.
ولهذا لما قال ابن جريج لابنه: أكان يراه يمينًا؟ قال: لا أدري.
وابن جريج عالم مكة وإمامها، وعبد الله بن طاووس من أَجَلِّ أهل الدين والعدالة والصدق فيما ينقله عن أبيه، وهو من أَجَلِّ مَنْ يَعتمد أهل الصحيح على روايته عن أبيه، بل من أعظم أهل زمانه، حتى قال أيوب لمعمر: إِنْ كنت راحلًا إلى أحدٍ، فعليك بابن طاووس، فهذه راحلتي. وفي لفظ: هذه رحلتي إليه (١). وقال معمر: ما رأيت ابن فقيه مثل ابن طاووس.
стр. 794
فقيل له: ولا هشام بن عروة. فقال: حسبك بهشام بن عروة، ولكن لم أر مثل هذا (١).
وابن جريج عَلِمَ أَنَّ مراده أنه ليس بطلاق، ثم سأله هل كان يراه يمينًا؟ فقال: لا أدري. وهذا يبطل كونه أراد يمين الإكراه (٢)، فإنَّ المكره إذا أكره على الطلاق، فلا يقع ولا يلزمه (٣) يمين عند أحد من العقلاء، ولا يَشك عاقل أنه لا يلزمه الطلاق، بل يلزمه يمين، فلمَّا جَزَمَ ابنه بأنه قال: ليس شيئًا، وَشَكَّ هل هو يمين؟ عُلِمَ أنه لم يرد بما نقله عن أبيه من أنه أُكْرِهَ على الحلف بالطلاق.
وقد قال هذا المعترض: إِنَّ (هذا الاحتمال هو الذي انقدح في نفسي وقوي، لأني رأيتُ هذا الأثر في مصنف عبد الرزاق في باب طلاق المكره، بعد أثر عن ابن جريج عن عطاء في الرجل يضطره الأمير إلى الطلاق في أمرٍ هو له ظالم. قال: ليس عليه بأس أَنْ يحلف؛ فعبد الرزاق الراوي عن ابن جريج للأثرين (٤) جميعًا، وهو أقرب عهدًا بأصحابهما (٥)، وأقرب إلى
стр. 795
معرفة (١) مرادهما= قد خَرَّجَ ذلك في باب الإكراه، وَبَوَّبَ للحلف بالطلاق بابًا مفردًا غير هذا، ولم [٢٠٠/ ب] (٢) يخرج الأثر فيه؛ فَدَلَّ على أنه فَهِمَ ما قلناه) (٣).
فيقال له: معلومٌ أَنَّ علم عبد الله بن طاووس بمراد أبيه ومراد ابن جريج وقد سمعه من طاووس= أتم وأعظم من علم عبد الرزاق، فإنَّ هؤلاء أقرب عهدًا.
وكذلك سفيان بن عيينة عن ابن جريج؛ فإنَّ هؤلاء أعلم وأفضل وأفقه من عبد الرزاق باتفاق المسلمين.
وعبد الرزاق كما قال أحمد فيه: لم يكن من الفقهاء أهل الاستدلال، وإنما كان محدثًا ناقلًا لقول غيره (٤)، وابن جريج أحد الأئمة في الفقه.
مع أَنَّ ذكر عبد الرزاق له في هذا الباب هو لمناسبته ما تقدم، فإنَّ الحاجةَ إلى معرفةِ الحلف بالطلاق في أيمان المكرهين أعظم، فإنه كثيرًا ما يُكره الرجل على الحلف بالطلاق، فيظن أنه إذا حنث لزمه الطلاق، فذكر
стр. 796
هذا مع ذلك ليبين أَنَّ طاووسًا يفتي المكره بما أفتاه عطاء أنه لا يلزم الطلاق الذي حلف به، ثم لما ذكره مرة لم يُعِدْهُ في ذلك الباب، كما جرت عادتهم أنهم يكتفون برواية الحديث والأثر في أحد البابين وإِنْ كان مناسبًا لهما جميعًا.
وبالجملة؛ فليس فيما فعله عبد الرزاق ما يدل على أنه فَهِمَ اختصاص ذلك بالمكره، ولو قال ذلك = لم يكن فهمه مساويًا لفهم شيخه ابن جريج الذي هو أعلم منه وأقرب عهدًا بالمتكلم، وكذلك فهم عبد الله ابنه.
ثم يمتنع أن يكونوا نقلوا قوله في المكره خاصة مع الجزم بأنه ليس بطلاق، والشك هل هو يمين أم لا، فإنَّ هذا لا يصدر من عاقل يتصور ما يقول، فإنه إذا كان الحلف بالطلاق هو تطليقًا عند طاووس يلزمه إذا أوقعه مختارًا، ثم قال في المكره عليه: لا يقع به طلاق؛ فهل يمكن مع هذا أَنْ يكون المكره على الطلاق يقال: إِنَّ ما أُكْرِهَ هل هو يمين أم ليس بيمين، وهل يشك ابنه الذي عَرَفَ مراده بقوله: ليس بشيء؛ أنه قد يكون عنده يمينًا وقد لا يكون، وكيف يتصور إذا لم يقع طلاق المكره أَنْ يكون يمينًا؟
ثم لفظ طاووس: الحلف بالطلاق ليس شيئًا؛ يذكر لفظ الحلف [٢٠١/ أ] لا لفظ الطلاق، وأطلق اللفظ وعممه ولم يخص منه المكره. فإذا قيل: المراد به المكره، لم يكن لذكر لفظ الحلف اختصاص بذلك، وَلَوَجَبَ ذِكْرُ لفظِ الإكراه؛ فكيف يجوز حمل كلام الرجل على معنى لفظٍ لم يَذكره، ويُلغى معنى اللفظ الذي ذكره، ويجعل لفظ العام المطلق خاصًّا مقيدًّا بلا دليل؟
فإنَّ المكره سواء أكره على إيقاعه أو الحلف به لا يلزمه، ولم يُفَرِّق أحدٌ
стр. 797
من العلماء بين الإكراه على الطلاق والإكراه على الحلف به فيما ذكره الناس؛ بل الجمهور يقولون: طلاق المكره لا يقع سواء كان موقعًا أو حالفًا، وهذا مذهب مالك والشافعي وأحمد، وأما أبو حنيفة فيقول بلزوم الطلاق للمكره، وغاية الحالف أَنْ يكون موقعًا فيلزمه.
والحكاية التي ذكرها عن الأوزاعي تُناسب ذكر عبد الرزاق لهذا في باب الإكراه، فإنَّ ذاك الرجل من الصحابة كان عليًّا ﵁، وعبد الرزاق كان باليمن، وكان مع موافقته لسائر أهل السنة في محبة علي وموالاته يبالغ في ذلك [حتى] (١) نُسِبَ بسبب ذلك إلى التشيع؛ فَذَكَرَ قول طاووس مع قول عطاء ليعرف أن المكره على الحلف به لا يقع به الطلاق، لا لأن طاووسًا خَصَّ المكره مع عموم كلامه لكل حالف، ومع تخصيصه الحالف دون المُطَلِّق، ومع أن ابنه وابن جريج السائل لابنه يشكان هل جعله يمينًا أم لم يجعله، ولو كان كلامه مختصًّا بالمكره لم يكن للشك وجه كما تقدم.
وأما قول القائل: مراده: أنه لا بأس به؛ فهذا أفسد مما تقدم، فإنَّ هذا اللفظ لا يحتمل هذا المعنى في عُرْفِ طاووس وأمثاله بوجهٍ من الوجوه، كما لا يحتمل ذلك في قوله لما سُئِلَ عن الخلع، فقال: ليس بشيء. وقول ابن عباس إذا حَرَّمَ امرأتَهُ فليس بشيء (٢). وقول عائشة ﵂ في نذر اللجاج والغضب: ليس بشيء (٣). وقول ابن المسيب في الإيلاء: ليس
стр. 798
بشيء (١)؛ وكذلك تأويله ليس بصواب؛ فإنه أولًا: هذا يناقض قوله لا بأس به؛ فياليت شعري كيف يُفسَّرُ مراد الرجل بقولين متناقضين؟!
ثم قد عرف عادة طاووس في [٢٠١/ ب] مثل هذا اللفظ، فلا يجوز حَمْلُ كلامِهِ على غير عادته المعروفة من خطابه.
وأيضًا؛ مثل هذا اللفظ استعملوه لمثل هذا المعنى.
وما ذَكَرَهُ من رواية أبي الزبير عن ابن عمر ﵄ أنه قال: فَرَدَّهَا عليَّ (٢) ولم يرها شيئًا (٣)، وعامة الناس فهموا من ذلك: أنه لم يَرَهَا طلاقًا؛ وهذا مما يُبَيِّنُ أَنَّ هذا هو المفهوم من مثل هذا اللفظ في عُرْفِ السلف.
ثم طائفة قالت: نافع روى عن ابن عمر خلافَ ذلك (٤)، وقد تابعه يونس وغيره (٥)، وهو أثبت من رواية أبي الزبير، وطائفة تثبت رواية أبي الزبير، وذكروا لها شاهدًا من بعض الطرق عن نافع كما فعله ابن حزم (٦)
стр. 799
وغيره، ولو كان المفهوم منها لم يره صوابًا = لكانت رواية أبي الزبير كرواية غيره، وهذا خلاف ما عليه جمهور الناس.
وإذا قيل: إِنَّ بعض العلماء ــ كالشافعي ــ فَسَّرَهَا بهذا.
قيل له: مَحَلُّ النزاع لا يثبت بمحلِّ النزاع، فإنْ لم يثبت عرفُ استعمالٍ لهذا اللفظ أَنَّ أولئك كانوا يريدون به هذا في مثل هذا الكلام، وإلا فلا يجوز الاحتجاج بقولٍ قد خالفَ قائلُهُ جمهورَ الناس بلا حجة، بل نقول: الأصلُ في اللفظِ عدم الاشتراك، وإذا كانَ المرادُ ما قلناه؛ لزم عدم الاشتراك.
وإذا جُعِلَ يستعمل في هذا تارة وفي هذا تارة؛ كان إثباتًا للاشتراك بلا حجة أصلًا، بل بمجرد الدعوى؛ وهذا لا يجوز.
ومتى عُرِفَ أنهم يستعملون اللفظ في معنًى كانَ حَمْلُ لفظهم على ما جرت عادتهم بإرادته.
ثم هذه القرمطة في كلام طاووس نفسه، مثل القرمطة في كلام من نَقَلَ قولَهُ كمحمد بن نصر، فإنه نقل عن طاووس والحسن مثل قول أبي ثور، فقال: (يحتمل أن يكون مراده أَنَّ طاووسًا فَرَّقَ بين الطلاق والعتاق كأبي ثور)، ومعلومٌ أنه لم يَنْقُلْ أَحَدٌ لا محمد بن نصر ولا ابن جرير ولا مَنْ بعدهم كابن عبد البر وابن حزم، ولا مَنْ قبلهم كالشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبي ثور وغيرهم عَنْ أَحَدٍ من علماء المسلمين أَنَّهُ فَرَّقَ بين الحلف بالطلاق والعتاق، ولو كان هذا موجودًا لكان هذا مِنْ أعظمِ ما
стр. 800
يَستند إليه أبو ثور [٢٠٢/ أ] وابن جرير في تفريقهما، مع أنهما أعلم بأقوال السلف.
ومعلومٌ أَنَّ أبا ثور قد عَرَفَ النزاعَ في العتق، فلو عَرَفَ أَنَّ طاووسًا أو غيره فَرَّقُوا بينهما لذكر ذلك.
وأيضًا؛ فهذه الكتب المصنَّفة في أقاويل السلف مثل: مصنف عبد الرزاق ومصنف ابن أبي شيبة وسنن سعيد بن منصور وغيرها، ليس في شيء منها نَقْلٌ عن طاووس بأنَّ الطلاقَ المحلوفَ بِهِ يقع، ولا نَقَلَ ذلك عنه أحد من أهل الخلاف، فلو كان عند ابن نصر عن طاووس نَقْلٌ بأنه يُفَرِّقُ بين الطلاق والعتاق كأبي ثور = لكان هذا النقلُ موجودًا عِنْدَ مَنْ قَبْلَهُ أو عند أحدٍ منهم (١)، وَلَنَقَلَ ذلكَ المصنِّفون لأقوال السلف والمصنفون للخلاف.
ثم النقل الصريح الثابت عنه أنه كان يقول: الحلف بالطلاق ليس شيئًا، وكان يراه يمينًا منعقدة مكفَّرة، وكذلك الحلف بالعتق والنذر عنده يمين منعقدة، وليس عتقًا ولا نذرًا، بل جميع ذلك عنده يمين منعقدة مكفرة؛ فهذا قوله المنقول عنه بالأسانيد التي يُصَدِّقُ بعضها بعضًا، ليس في شيءٍ من ذلك أنه كان يُفَرِّقُ بين الحلف بالعتق والطلاق، ولا أنه كان يرى الحالف بالطلاق يلزمه الطلاق.
وهذا المعترض قد بالغ في مطالعة الكتب لعلَّه يَظْفَرُ عنه بشيء، فاعترف بأنه لم ير عنه نصًّا ظاهرًا يخالف ما نقله المجيب، ولهذا لم أنقل عنه شيئًا، وهو لم يذكر عنه في لزوم العتق لفظًا محتملًا بنقيض ما ذكره
стр. 801
المجيب، فضلًا عن أَنْ يكون ظاهرًا.
وأما الطلاق؛ فَذَكَرَ (١) عنه أجوبة، وكلها إنما تدل على أَنَّ الحلف بالطلاق عنده يمين منعقدة، ليس فيها ما يدل على أنه يقع به الطلاق عنده، وهذا يوافق ما يذكره المجيب عنه من أَنَّ الحلف بالطلاق عنده يمين مكفرة لا يقع به الطلاق.
فذكر أَن ابن المنذر (٢) نقل عنه في الاستثناء في الطلاق إذا كان بيمينٍ حَلَفَ بها: أنه لا شيء عليه.
قال (٣): (ولو لم يكن يعتبره (٤)، لم يكن لفرض الاستثناء معنًى) (٥).
فيقال له: وهذا يوافق ما ذكرناه عنه من أنها [٢٠٢/ ب] يمين معتبرة عنده.
قال: (ثم قال ابن المنذر (٦): وفيه قول ثالث: إنه إن بدأ بالطلاق فليس له استثناء، وروي ذلك عن طاووس، وإذا حَلَفَ (٧) على شيء واستثنى فله استثناؤه.
стр. 802
قال (١): وقال أحمد: هما سواء؛ وإنما يكون الاستثناء في الأيمان، والطلاق والعتاق ليس بيمين) (٢).
فيقال له: وهذا ــ أيضًا ــ يدل على أن طاووسًا يُفَرِّق بين الحلف بالطلاق وبين إيقاع الطلاق؛ فيرى الحلف به يمينًا منعقدة فيها الاستثناء بخلاف الإيقاع، وهذا إحدى الروايتين عن أحمد نقلها ابن الحكم، وما نقله ابن المنذر عنه هو رواية (٣) ثانية (٤) نقلها الأثرم.
قال: (وَنَقَلَ القاضي أبو الطيب الطبري [عنه] موافقته لمذهبنا في أنه إذا عَلَّقَ طلاق امرأته على صفة أو شرط فإنَّ ذلك يصح، ولا يقع إلا بعد وجودها (٥)، ولا فَرْقَ بين أن يكون الشرط متحققًا أو الصفة وبين أن يكون متظننًا؛ فالمتحقق مثل أَنْ يقول: إذا جاء رأس الشهر فأنت طالق، [إذا جاء يوم الجمعة فأنت طالق]، والمتظنن مثل أَنْ يقول: إذا قدم أبوك أو جاءت القافلة [فأنت طالق].
قال (٦): هذا نقل (٧) أبي الطيب، وهو صريحٌ في مخالفة طاووس
стр. 803
لمذهب ابن حزم) (١)، وقد صدق المعترض في ذلك، فإنَّ هذا صريحٌ في أَنَّ الطلاق المعلق بالصفة عنده يقع، خلافًا لأبي عبد الرحمن وابن حزم وغيرهما.
وهذا مع قوله: (ليس الحلف بالطلاق شيئًا) يُبَيِّنُ أَنَّ قوله في تعليق الطلاق كقوله في تعليق العتاق وتعليق النذر، يُفَرِّقُ بينَ التعليقِ الذي يُقصد به اليمين، والتعليق الذي يقصد به النذر والطلاق والعتاق، وهذا هو الثابت عن الصحابة، وهو أصح الأقوال في هذا الباب، وهو مما يبين أَنَّ قولَ طاووس قول متناسق (٢) غير متناقض.
ثم إِنَّ المعترض قال: (وفي كتاب سعيد بن منصور أثر يمكن أَنْ يؤخذ منه عن طاووس مثلما أخذ عمن علل إبطال الحلف بالطلاق قبل النكاح [بالتقدم] (٣)، وذكر ما رواه عن ابن المسيب فيمن قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق. وقال سعيد: مُطَلِّقٌ ما لم تتزوجه (٤). وذكر عن عطاء وطاووس [٢٠٣/ أ] مثل ذلك) (٥).
قال المعترض: (فلو كان طاووس يعتقد أَنَّ الحلف بالطلاق مُلغًى= لم
стр. 804
يقل مثل ذلك، وكذلك يقتضي بأنه لا يقول: بأنَّ أَثَرَهُ (١) وجوب الكفارة، لأنَّ التقدم على النكاح لا يمنعها، وإنما يمنع وقوعَ النكاحِ؛ فَدَلَّ على أنه قائلٌ به (٢) إذا صدر بعد النكاح.
وروى ما ذكره ابن أبي شيبة (٣) عن عطاء وطاووس ومجاهد والنخعي والزهري قالوا: إذا قال الرجل لامرأته: أَنتِ طالق إِنْ لم يفعل (٤) كذا وكذا إِنْ شاء الله؛ فله ثنياه) (٥).
فيقال له: وقد تقدم القول غير مرة بأنَّ إدخال تعليق الطلاق بالنكاح في الحلف بالطلاق الذي قيل فيه: إنه يُكَفَّر = في غاية الغلط على المجيب وعلى غيره، فلم يقل المجيب ولا يقول عالم من علماء المسلمين إنَّ المعلِّق للطلاق على النكاح أو على شرطٍ آخر ــ إذا كان مقصوده وقوع الطلاق عند الصفة ــ أنه يُكَفِّرُ يمينه؛ فَذِكْرُ هذا النوع في هذا الباب من الغلط الذي أَدَلَّ المعترض وغيره في غلط عظيم، وهو من أصول غلطهم في هذا الباب.
فإنَّ التعليق الذي يقصد به الإيقاع، سواء كان تعليقًا على النكاح أو على شرط آخر = ليس فيه إلا قولان: قولٌ بالوقوع وقولٌ بعدمه، لم يقل أحد في مثل هذا إنَّ فيه كفارة يمين، وأكثر تعليق الطلاق المنقول عن السلف هو من هذا الباب، أفتوا فيه بالوقوع، لأنه ليس بيمين عندهم، وإنما تنازعوا في
стр. 805
التعليق على الملك؛ فقيل: يقع، وقيل: لا يقع؛ وعلى القولين: لا كفارة في ذلك، ولم يقل أحد: إنَّ في هذا كفارة.
ولكن لو حلف بذلك، فقال: إِنْ فعلتُ كذا فكل امرأة أتزوجها طالق، أو قال: الطلاق يلزمني من فلانة إِنْ تزوجتها لا أسافر؛ فهذا إِنْ قيل: إِنَّ تعليق هذا الطلاق يلزم إذا كان مجردًا عن اليمين، فإذا حلف به، ففي تكفيره النزاعُ المذكورُ في الحلف بالطلاق.
وإِنْ قيل: إِنَّ هذا لا يلزم إذا كان مجردًا، فلا شيء فيه إذا حلف به، فإنه ــ حينئذٍ ــ إذا قال: كل امرأة أتزوجها [٢٠٣/ ب] فهي طالق؛ كان لغوًا لا يقع به طلاق.
فإذا قال: إِنْ فعلتُ كذا فكل امرأة أتزوجها فهي طالق، بمنزلة أَنْ يقول: إِنْ فعلتُ كذا فامرأة زيدٍ طالق، أو إِنْ فعلتُ كذا ففلانة طالق إِنْ دَخَلَتِ الدارَ ثم تزوجها ثم دَخَلَتْ؛ هذا على قول مَنْ يقول: إنه إذا حلف بنذر الطلاق والمباحات كان كما لو نذرها لا يلزمه شيء، وأما من سَوَّى بين نذرها وبين الحلف ــ كما يقوله أحمد وأصحاب أبي حنيفة والخراسانيون من أصحاب الشافعي ــ فيقولون: إذا قال: إِنْ فعلتُ كذا فعليَّ أَنْ أُطَلِّقَ امرأتي فعليه كفارة يمين. وإذا قال: عليَّ أَنْ أطلق امرأتي. فأحمد ﵁ يوجب الكفارة ــ أيضًا ــ وأبو حنيفة ﵁، وهؤلاء الخراسانيون ــ رحمة الله عليهم ــ يوجبونها إذا قصد اليمين.
أيضًا؛ يجب أَنْ يقال: إنه لا كفارة في ذلك، فإنَّ هذا لم ينذر ولم يحلف، والكفارة إنما تجب في نذر أو يمين.
стр. 806
وإذا قال: إِنْ فعلتُ كذا فعليَّ أَنْ أطلقها إنما يجب إذا قصد اليمين أو النذر، فإنَّ الناذر إذا قال: فعليَّ أَنْ أطلقها كان بمنزلة قوله: والله لأطلقنها، وهذا يمين. كما لو قال ابتداءً: لله عليَّ أَنْ أُطلقها وقصده اليمين، فإنهم يوجبون عليه الكفارة، ولا يشترط في نذر اليمين أن يكون قربة، لكن يقال: لا يكون بمنزلة قوله: فوالله لأطلقنها إلا إذا كان قصده بقوله: فلله عليَّ أَنْ أُطَلِّقَهَا؛ حَضَّ نفسِهِ على الطلاق لا التقرب به، كما إذا قال: إِنْ فعلتُ كذا فلله عليَّ أَنْ أَدْخُلَ في هذه المدينة، وإِنْ فعلَ زيدٌ كذا فلله عليَّ أَنْ أقتله؛ ومراده حَضَّ نفسه، ليس مراده أنه التزم لله شيئًا، وإِنْ كان كارهًا للزومه له.
وبهذا الفرقان؛ تظهرُ حقيقة هذا الموضع المشكل، فإنه إذا قال: لله عليَّ أَنْ أفعل قد يقصد بذلك حَضَّ نفسه فقط لا التقرب إلى الله؛ فهذا حالفٌ عليه كفارة يمين في مذهب أحمد وأبي حنيفة، وكذلك ذكره الخراسانيون من أصحاب الشافعي كالقاضي حسين.
فإذا عَلَّقَ ذلك بشرطٍ كانت يمينًا معلَّقة بشرط، كما إذا قال: إِنْ سافرتُ معكم فلله عليَّ ألا أسافر بعدها، وإِنْ كلمتُ فلانًا فلله عليَّ ألا أكلمه أبدًا، وإذا فعلتُ كذا فلله عليَّ أَنْ أُطَلِّقَ [٢٠٤/ أ] امرأتي؛ فهذه يمين مكفَّرة، سواء كانت مطلقة أو معلقة.
وأما إذا نذر ذلك معتقدًا أنه قربة مثل أَنْ يظن أَنَّ التبتل أفضل من التزوج، وَأَنَّ الله يحب طلاق امرأته، فيقول: لله عليَّ أَنْ أطلقها يقصد التقرب بذلك إلى الله؛ فهذا عند أحمد عليه كفارة يمين أيضًا، وعلى قول أصحاب أبي حنيفة والشافعي إِنَّ نَذْرَ المباحِ إذا لم يقصد به اليمين لا شيء عليه
стр. 807
[و] (١) لا يلزمه كفارة، فلو حلف بذلك، فقال: إِنْ فعلتُ كذا فلله عليَّ أَنْ أُطَلِّق امرأتي يعتقد طلاقها قربة هو بمنزلة قوله: فعليَّ أَنْ أذبح نفسي لله أو فعليَّ لله ألا أتزوج أبدًا يقصد بذلك التقرب إلى الله؛ فأحمد يوجب عليه الكفارة إذا لم يفعل، كما لو قال: والله إن فعلت فلأطلقنَّها، وأما على قول أبي حنيفة والشافعي إذا كان في مُطْلَقِهِ (٢) ــ وهذا لا تلزمه كفارة ــ فكذلك في مُعَلَّقِهِ بطريق الأولى والأحرى.
وعلى هذا؛ فإذا قال: إِنْ فعلتُ كذا فكلُّ امرأةٍ أتزوجها طالق، أو ففلانة إِنْ تزوجتها طالق لا يلزمه كفارة إذا كان ذلك مجردًا، فإذا كان معلقًا بالفعل ــ وقلنا: لا يقع به طلاق، وليس هو نذرًا ولا يمينًا، بل هو إيقاع لطلاق ــ لم يقع، فلا معنى لوجوب الكفارة.
وأما مَنْ ظَنَّ أن الخراسانيين يوجبون عليه الكفارة إذا قال: إِنْ فعلتُ فعليَّ أَنْ أُطَلِّقَ امرأتي تطليقًا، فهو كمن نقل عن أبي حنيفة أَنَّ نذرَ المعصية فيه الكفارة مطلقًا كما أطلق ابن المنذر والخطابي، وأصحابه العارفون بمذهبه ذكروا أنه يوجب الكفارة إذا قصد اليمين، وهكذا ذكر الخراسانيون.
وأما أحمد؛ فإنَّ النذر عنده يمين، فهو يوجب الكفارة على كل مَنْ نذر ولم يوف، كما يوجبها على كل مَنْ حَلَفَ وحنث، سواء كان الفعل طاعة أو معصية.
وأما من قصد وقوع الطلاق منجزًا أو معلقًا على الملك أو معلقًا بصفة أخرى ولم يقع به = فلا أحد من المسلمين يُلْزِمُ هذا بكفارة يمين، وإذا حلف بهذا فهو أولى ألا تجب فيه كفارة، كما لو حلف بطلاق امرأةِ غيره،
стр. 808
وأحمد [٢٠٤/ ب] في إحدى الروايتين يقول فيمن قال: عبد فلانٍ حرٌّ لأفعلنَّ ولم يفعل: تلزمه كفارة يمين، ولا يقول فيمن قال: امرأةُ فلانٍ طالق إن لم أفعل ولم يفعل أنه تلزمه كفارة يمين، لأنَّ طلاق امرأة الأجنبي لا يقع إلا من زوجها أو وليِّه أو وكيله، بخلاف عتق عبده، فإنه يقع من غيره إذا انتقل إليه، فكان عتقُ عبد الغيرِ ممكنًا بخلاف طلاق امرأته.
ولهذا؛ إذا قال: والله لأعتقنه، كان قد حلف على ممكن فتلزمه الكفارة إذا لم يفعل.
وأما إذا قال: والله لأطلقنَّ امرأةَ فلانٍ، وَغَرَضُهُ أني أُوْقِعُ بها الطلاق بلا ولاية ولا وكالة، فهذا حلف على ممتنع، كما لو قال: والله لأجعلنَّ فلانًا الحر المسلم لي مملوكًا، وإِنْ قَصَدَ أني أتسبب في طلاقها أو أُلْزِمُهُ بطلاقها، فهذا حَلِفٌ على ممكن كما لو عَنَى بكونِهِ مملوكًا استخدامه، أو عَنَى به ملكًا محرمًا مخالفًا للشريعة، وهذا كما لو عَنَى بقوله: (لأطلقنها) (١) لأخرجنها مِنْ ملكه بغير اختياره حكمًا جاهليًّا لا إسلاميًّا؛ كما يقول: والله لأسرقنَّ أولادَ المسلمين أو لأسبينَّهم، ومراده القهر والاستيلاء؛ فهذه يمين منعقدة، وعليه أَنْ يُكفِّر يمينه، ولا يفعل ما حلف عليه من معصية الله ــ تعالى ــ.
وإذا أراد الملك الشرعي والطلاق الشرعي؛ فهذا مع امتناعه، كما لو حَلَفَ على ممتنعٍ ليفعلنَّه، وفي لزوم الكفارة لهذا قولان في مذهب أحمد وغيره، كما لو قال: لأصعدنَّ إلى السماء، أو لأشربنَّ الماء الذي في هذا الإناء ولا ماء فيه.
* * * *
стр. 809
فصلٌ
قال المعترض:
(وأما الحسن؛ فقال ابن حزم (١): صَحَّ عنه فيمن قال لامرأته: أنتِ طالقٌ إِنْ لم أضرب غلامي، فَأَبَقَ الغلام (٢) قبل أَنْ يفعل ما قال، فقد ذهبت منه امرأته.
وقد نقل ابن المنذر عنه فيما إذا قال لعبده: إِنْ بعتك فأنت حر، أنه يَعْتِقْ مِنْ مال البائع ــ يعني: إذا باعه ــ، فهذا تصريحٌ منه بوقوع العتق في الحلف به (٣).
ونقل عنه أبو الحسن علي بن الحسين الجوري أنه إِنْ باعَهُ على ألا خيار لواحد منهما، لم يكن لهما خيار المجلس فلا يعتق؛ فالحكايتان عنه [٢٠٥/ أ] متفقتان على خلاف ما نقله عنه.
وكذلك روى ابن حزم (٤) عنه كرواية ابن المنذر مع زيادة أَنَّ المشتري تقدم منه تعليق العتق على الشراء، لكن الرواية التي نقلها المصنف عنه من رواية حماد بن سلمة، عن حبيب بن الشهيد ــ وهما من الثقة والجلالة ما هما ــ.
стр. 810
وكذلك قال ابن عبد البر (١): إنَّ يونس روي عنه أنه جاءه رجل فقال: إني جعلت كل مملوك لي حر إِنْ شاركت أخي. قال: شارك أخاك، وَكَفِّرْ عن يمينك.
فإنْ صَحَّ النقلان عنه، فيحتمل أَنْ يكون له في المسألة قولان، ويحتمل أَنْ يكون الحسن ــ والله أعلم ــ لاحَظَ فَرْقًا لطيفًا بين تعليق عتق العبد المعيَّن، وبينَ قولِهِ: كُلُّ مملوكٍ لي حر، وَغَلَبَ على العبارة الثانية شائبة اليمين بخلاف الأولى، أو يكون الحسن جعل (إِنْ) نافية لا شرطية، فإنَّ لفظَ الحالفِ الذي سأل: كل مملوك له حر إِنْ دَخَلَ على أخيه، وهذه يحتمل أن تكون نافية، فإنه يصح أَنْ يقال: كل مملوك لي حر لا دخلت على أخي؛ وحينئذٍ ليس هنا تعليق البتة بل هو قَسَمٌ محض، ولا يَلزم مِنْ كونِ الحسن يوجب الكفارة فيه أَنْ يوجبها في التعليق وإِنْ أريد به الحلف.
وفي الرواية التي نقلناها عن الحسن لا تحتمل (إِنْ) غير الشرطية فيجمع بينهما بذلك، أو يكون مقصوده كُلَّ ما يملكه في المستقبل، أو يكون الحالف لا مملوك له وقت اليمين؛ فهذه احتمالات في تحقيق مذهب الحسن ﵁.
وروى ابن حزم ــ أيضًا ــ (٢) من طريق حماد بن سلمة قال: أخبرنا زياد الأعلم، عن الحسن البصري فيمن قال لآخر: إِنْ بعت غلامي هذا منك فهو حر [فباعه] (٣). قال الحسن: ليس بحر، ولا يُعْلَمُ مَدْرَكُ الحسن في ذلك هل