← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 32384

الرد على السبكي في مسألة تعليق الطلاق

ابن تيمية

Полный текст (1 081 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

وإذا قال: إِنْ فعلتُ كذا فعليَّ أَنْ أطلقها إنما يجب إذا قصد اليمين أو النذر، فإنَّ الناذر إذا قال: فعليَّ أَنْ أطلقها كان بمنزلة قوله: والله لأطلقنها، وهذا يمين. كما لو قال ابتداءً: لله عليَّ أَنْ أُطلقها وقصده اليمين، فإنهم يوجبون عليه الكفارة، ولا يشترط في نذر اليمين أن يكون قربة، لكن يقال: لا يكون بمنزلة قوله: فوالله لأطلقنها إلا إذا كان قصده بقوله: فلله عليَّ أَنْ أُطَلِّقَهَا؛ حَضَّ نفسِهِ على الطلاق لا التقرب به، كما إذا قال: إِنْ فعلتُ كذا فلله عليَّ أَنْ أَدْخُلَ في هذه المدينة، وإِنْ فعلَ زيدٌ كذا فلله عليَّ أَنْ أقتله؛ ومراده حَضَّ نفسه، ليس مراده أنه التزم لله شيئًا، وإِنْ كان كارهًا للزومه له. وبهذا الفرقان؛ تظهرُ حقيقة هذا الموضع المشكل، فإنه إذا قال: لله عليَّ أَنْ أفعل قد يقصد بذلك حَضَّ نفسه فقط لا التقرب إلى الله؛ فهذا حالفٌ عليه كفارة يمين في مذهب أحمد وأبي حنيفة، وكذلك ذكره الخراسانيون من أصحاب الشافعي كالقاضي حسين. فإذا عَلَّقَ ذلك بشرطٍ كانت يمينًا معلَّقة بشرط، كما إذا قال: إِنْ سافرتُ معكم فلله عليَّ ألا أسافر بعدها، وإِنْ كلمتُ فلانًا فلله عليَّ ألا أكلمه أبدًا، وإذا فعلتُ كذا فلله عليَّ أَنْ أُطَلِّقَ [٢٠٤/ أ] امرأتي؛ فهذه يمين مكفَّرة، سواء كانت مطلقة أو معلقة. وأما إذا نذر ذلك معتقدًا أنه قربة مثل أَنْ يظن أَنَّ التبتل أفضل من التزوج، وَأَنَّ الله يحب طلاق امرأته، فيقول: لله عليَّ أَنْ أطلقها يقصد التقرب بذلك إلى الله؛ فهذا عند أحمد عليه كفارة يمين أيضًا، وعلى قول أصحاب أبي حنيفة والشافعي إِنَّ نَذْرَ المباحِ إذا لم يقصد به اليمين لا شيء عليه

стр. 807

[و] (١) لا يلزمه كفارة، فلو حلف بذلك، فقال: إِنْ فعلتُ كذا فلله عليَّ أَنْ أُطَلِّق امرأتي يعتقد طلاقها قربة هو بمنزلة قوله: فعليَّ أَنْ أذبح نفسي لله أو فعليَّ لله ألا أتزوج أبدًا يقصد بذلك التقرب إلى الله؛ فأحمد يوجب عليه الكفارة إذا لم يفعل، كما لو قال: والله إن فعلت فلأطلقنَّها، وأما على قول أبي حنيفة والشافعي إذا كان في مُطْلَقِهِ (٢) ــ وهذا لا تلزمه كفارة ــ فكذلك في مُعَلَّقِهِ بطريق الأولى والأحرى. وعلى هذا؛ فإذا قال: إِنْ فعلتُ كذا فكلُّ امرأةٍ أتزوجها طالق، أو ففلانة إِنْ تزوجتها طالق لا يلزمه كفارة إذا كان ذلك مجردًا، فإذا كان معلقًا بالفعل ــ وقلنا: لا يقع به طلاق، وليس هو نذرًا ولا يمينًا، بل هو إيقاع لطلاق ــ لم يقع، فلا معنى لوجوب الكفارة. وأما مَنْ ظَنَّ أن الخراسانيين يوجبون عليه الكفارة إذا قال: إِنْ فعلتُ فعليَّ أَنْ أُطَلِّقَ امرأتي تطليقًا، فهو كمن نقل عن أبي حنيفة أَنَّ نذرَ المعصية فيه الكفارة مطلقًا كما أطلق ابن المنذر والخطابي، وأصحابه العارفون بمذهبه ذكروا أنه يوجب الكفارة إذا قصد اليمين، وهكذا ذكر الخراسانيون. وأما أحمد؛ فإنَّ النذر عنده يمين، فهو يوجب الكفارة على كل مَنْ نذر ولم يوف، كما يوجبها على كل مَنْ حَلَفَ وحنث، سواء كان الفعل طاعة أو معصية. وأما من قصد وقوع الطلاق منجزًا أو معلقًا على الملك أو معلقًا بصفة أخرى ولم يقع به = فلا أحد من المسلمين يُلْزِمُ هذا بكفارة يمين، وإذا حلف بهذا فهو أولى ألا تجب فيه كفارة، كما لو حلف بطلاق امرأةِ غيره،

стр. 808

وأحمد [٢٠٤/ ب] في إحدى الروايتين يقول فيمن قال: عبد فلانٍ حرٌّ لأفعلنَّ ولم يفعل: تلزمه كفارة يمين، ولا يقول فيمن قال: امرأةُ فلانٍ طالق إن لم أفعل ولم يفعل أنه تلزمه كفارة يمين، لأنَّ طلاق امرأة الأجنبي لا يقع إلا من زوجها أو وليِّه أو وكيله، بخلاف عتق عبده، فإنه يقع من غيره إذا انتقل إليه، فكان عتقُ عبد الغيرِ ممكنًا بخلاف طلاق امرأته. ولهذا؛ إذا قال: والله لأعتقنه، كان قد حلف على ممكن فتلزمه الكفارة إذا لم يفعل. وأما إذا قال: والله لأطلقنَّ امرأةَ فلانٍ، وَغَرَضُهُ أني أُوْقِعُ بها الطلاق بلا ولاية ولا وكالة، فهذا حلف على ممتنع، كما لو قال: والله لأجعلنَّ فلانًا الحر المسلم لي مملوكًا، وإِنْ قَصَدَ أني أتسبب في طلاقها أو أُلْزِمُهُ بطلاقها، فهذا حَلِفٌ على ممكن كما لو عَنَى بكونِهِ مملوكًا استخدامه، أو عَنَى به ملكًا محرمًا مخالفًا للشريعة، وهذا كما لو عَنَى بقوله: (لأطلقنها) (١) لأخرجنها مِنْ ملكه بغير اختياره حكمًا جاهليًّا لا إسلاميًّا؛ كما يقول: والله لأسرقنَّ أولادَ المسلمين أو لأسبينَّهم، ومراده القهر والاستيلاء؛ فهذه يمين منعقدة، وعليه أَنْ يُكفِّر يمينه، ولا يفعل ما حلف عليه من معصية الله ــ تعالى ــ. وإذا أراد الملك الشرعي والطلاق الشرعي؛ فهذا مع امتناعه، كما لو حَلَفَ على ممتنعٍ ليفعلنَّه، وفي لزوم الكفارة لهذا قولان في مذهب أحمد وغيره، كما لو قال: لأصعدنَّ إلى السماء، أو لأشربنَّ الماء الذي في هذا الإناء ولا ماء فيه. * * * *

стр. 809

فصلٌ قال المعترض: (وأما الحسن؛ فقال ابن حزم (١): صَحَّ عنه فيمن قال لامرأته: أنتِ طالقٌ إِنْ لم أضرب غلامي، فَأَبَقَ الغلام (٢) قبل أَنْ يفعل ما قال، فقد ذهبت منه امرأته. وقد نقل ابن المنذر عنه فيما إذا قال لعبده: إِنْ بعتك فأنت حر، أنه يَعْتِقْ مِنْ مال البائع ــ يعني: إذا باعه ــ، فهذا تصريحٌ منه بوقوع العتق في الحلف به (٣). ونقل عنه أبو الحسن علي بن الحسين الجوري أنه إِنْ باعَهُ على ألا خيار لواحد منهما، لم يكن لهما خيار المجلس فلا يعتق؛ فالحكايتان عنه [٢٠٥/ أ] متفقتان على خلاف ما نقله عنه. وكذلك روى ابن حزم (٤) عنه كرواية ابن المنذر مع زيادة أَنَّ المشتري تقدم منه تعليق العتق على الشراء، لكن الرواية التي نقلها المصنف عنه من رواية حماد بن سلمة، عن حبيب بن الشهيد ــ وهما من الثقة والجلالة ما هما ــ.

стр. 810

وكذلك قال ابن عبد البر (١): إنَّ يونس روي عنه أنه جاءه رجل فقال: إني جعلت كل مملوك لي حر إِنْ شاركت أخي. قال: شارك أخاك، وَكَفِّرْ عن يمينك. فإنْ صَحَّ النقلان عنه، فيحتمل أَنْ يكون له في المسألة قولان، ويحتمل أَنْ يكون الحسن ــ والله أعلم ــ لاحَظَ فَرْقًا لطيفًا بين تعليق عتق العبد المعيَّن، وبينَ قولِهِ: كُلُّ مملوكٍ لي حر، وَغَلَبَ على العبارة الثانية شائبة اليمين بخلاف الأولى، أو يكون الحسن جعل (إِنْ) نافية لا شرطية، فإنَّ لفظَ الحالفِ الذي سأل: كل مملوك له حر إِنْ دَخَلَ على أخيه، وهذه يحتمل أن تكون نافية، فإنه يصح أَنْ يقال: كل مملوك لي حر لا دخلت على أخي؛ وحينئذٍ ليس هنا تعليق البتة بل هو قَسَمٌ محض، ولا يَلزم مِنْ كونِ الحسن يوجب الكفارة فيه أَنْ يوجبها في التعليق وإِنْ أريد به الحلف. وفي الرواية التي نقلناها عن الحسن لا تحتمل (إِنْ) غير الشرطية فيجمع بينهما بذلك، أو يكون مقصوده كُلَّ ما يملكه في المستقبل، أو يكون الحالف لا مملوك له وقت اليمين؛ فهذه احتمالات في تحقيق مذهب الحسن ﵁. وروى ابن حزم ــ أيضًا ــ (٢) من طريق حماد بن سلمة قال: أخبرنا زياد الأعلم، عن الحسن البصري فيمن قال لآخر: إِنْ بعت غلامي هذا منك فهو حر [فباعه] (٣). قال الحسن: ليس بحر، ولا يُعْلَمُ مَدْرَكُ الحسن في ذلك هل

стр. 811

هو لإلغاء التعليق عنده أو لغيره؟ والظاهر: أنه لاعتقاد زوال الملك بالبيع، فلا يمكن وقوع العتق كما [هو] (١) مذهب جماعة ممن يُصَحِّح التعليق؛ فهذا طريق في الجمع بين النقلين) (٢). والجواب من وجوه: أحدها: أَنَّ إثبات النزاع في الحلف بالعتق مشهورٌ عند العلماء، اتفق عليه جميع مَنْ نَقَلَ الخلافَ والنزاعَ [٢٠٥/ ب] ونَقَلَهُ (٣) مثل: أبي ثور ومحمد بن نصر وابن المنذر وابن جرير وابن عبد البر وابن حزم، ونقلوه عن جماعة من أئمة الصحابة والتابعين، ونقل النزاع في ذلك أصحابُ الشافعي وأحمد وغيرهما من المصنفين الذين يذكرون خلاف السلف والخلف: أَنَّ ذلك قول جماعة من الصحابة، وذكر ابن جرير أنه قولُ ابنِ عمرَ وعائشةَ وحفصةَ وأُمِّ سلمةَ وعطاءٍ وطاووسٍ والقاسمِ وسالمٍ (٤). قال: وجماعة يكثر عددهم من أئمة الصحابة والتابعين ﵃. وذكر محمد بن نصر أنه قول [ ... ] (٥) وقول طاووس والحسن. وذكر ابن عبد البر أنه قول الحسن وطاووس والقاسم وسليمان بن يسار وقتادة. ذكره ابن زرقون في كتاب الأنوار.

стр. 812

وإذا كان كذلك؛ فبعض هؤلاء هو الناقل للإجماع المدَّعَى في الطلاق، فإنْ قَدَحَ في نقلهم للنزاع في العتق فالقدح في نقلهم للإجماع أولى. وإذا لم يكن مع المدعي نقلُ إجماعٍ معتبر، فلو لم يعلم النزاع بطلت حجته، وقيل له: ليس معك إجماع تحتج به؛ فإما أَنْ تَعلم النزاع فعليك بالدليل، وإِنْ لم تعلم إجماعًا ولا نزاعًا فأمسك عن الكلام ولا تتكلم فيما لا تعلم. ثم إذا عُلِمَ ــ قطعًا ــ النزاعُ ولو مِنْ واحدٍ، بقي نزاعًا معلومًا (١) لا يعارضه نقلٌ معتبر للإجماع، فيجبُ ــ حينئذٍ ــ الرجوعُ إلى الكتاب والسنة نصًّا واستنباطًا. والنقل في النزاع في الحلف بالعتق والحلف بالطلاق ثابت بأسانيد لا يحتاج معها إلى نقلِ ناقلٍ مُرْسَلٍ نَقْلُهُ بخلافِ نقلِ الإجماع، فإنه ليس معه به نقل مسند، ليس معه فيه إلا نقل مرسل، وهو نقل هؤلاء؛ فإذا بطل نقلهم للنزاع والإجماع، والنزاع ثابت بالأسانيد المتصلة، والإجماع ليس به إسناد متصل= ثبت النزاع دون الإجماع، وهو المطلوب. وإِنْ كان نقلُ هؤلاء متبعًا فكلهم أَثْبَتَ النزاعَ في العتق، وبعضهم أَثبتَ النزاعَ في الطلاق ــ أيضًا ــ. وَمَنْ قُدِّرَ أنه نَفَى النزاع في العتق كأبي إسحاق الجوزجاني، وَمْن أشار إليه ابن جرير؛ فإثباتُ هؤلاء مقدَّم على نفيه، وكذلك مَنْ نَفَى من هؤلاء النزاع في الطلاق فالإثبات [٢٠٦/ أ] مُقَدَّمٌ على نفيه لو كان نفيه مما يحاط به؛ فكيف إذا لم يكن معه إلا الظن؟! وهذا لو لم يكن معنا بالنزاع إسناد متصل، بل تعارض النقل المرسل للإجماع والنزاع، وأما إذا ثبت النزاع بالإسناد المتصل؛ فهذا لا يعارضه نقل الواحد من هؤلاء إذا جزم الواحد من

стр. 813

هؤلاء بنفي النزاع؛ فكيف إذا كان مراده نفي علمه بالنزاع أو ظنه عدم النزاع؟ الوجه الثاني: أَنَّ النقلَ الثابتَ المتصل عن غير واحد من السلف يُغْنِي عن نقل الناقلين الإجماع والنزاع؛ وَمِنْ هؤلاء الحسن، وقد ثبت ذلك عن الحسن من طريقين ثابتين بإسناد متصل، ولم يذكر المعترض عنه إسنادًا متصلًا يعارض ذلك. فأما قوله: (إِنَّ ابن المنذر نقل عنه فيما إذا قال لعبده: إِنْ بعتك فأنت حر أنه يَعتق مِنْ مالِ البائع ــ يعني: إذا باعه ــ). فيقال: هذا نقلٌ مرسلٌ، لم يُسنده ابن المنذر، وابن المنذر نفسه نَقَلَ عنه فيمن حلف بالعتق [ ... ] (١). وأيضًا؛ فروى ابن حزم عنه من طريق حماد بن سلمة، حدثنا زياد الأعلم، عن الحسن البصري فيمن قال لآخر: إِنْ بعتُ غلامي منك فهو حر، فباعه. قال الحسن: ليس بحر. وقد ذكرها المعترض (٢). فهذه الرواية المسندة تُناقض تلك المرسلة، فكيف تُعَارَضُ الروايات الثابتة المسندة عن الحسن برواية لا يعلم إسنادها؟! ولكن روى حرب الكرماني روايةً مسندةً عنه (٣) بوقوع الطلاق والعتاق المحلوف به [ ... ] (٤).

стр. 814

فصلٌ قال المعترض: (واعلم أنه لو صح النقلان عنه، ولم يمكن الجمع بينهما، وفرضنا أنه أفتى بأحدهما في وقت ثم بالآخر في وقت آخر، فيكون الثاني رجوعًا عن الأول، ولا يعلم الثاني منهما، فلا يثبت الخلاف بالشك ولا الإجماع بالشك؛ بل نتوقف، فإن اتفق إجماع من بعده اعتبر) (١). والجوابُ من وجوهٍ: أحدها: أَنَّ الخلاف في ذلك ليس هو قول الحسن وحده، بل قول عددٍ من أئمة الصحابة [٢٠٦/ ب] والتابعين ــ كما تقدم ــ، فلو فرض أَنَّ الحسن خالفهم قولًا واحدًا= لم يوجب ذلك رفع نزاعهم؛ فكيف إذا كان أثبتُ الروايتين عنه موافقتَهُم؟! الثاني: أنه لو قُدِّرَ أنه لم يعلم آخر الروايتين، وكلاهما قاله في وقت؛ فقد (٢) تنازع الناس في المجتهد إذا قال في المسألة قولين، هل يذكر الأول عنه؟ والصحيح الذي عليه الجمهور: أنه يحكى عنه كلا القولين، لأنَّ العلماء ليسوا كالأنبياء ــ عليهم الصلاة والسلام ــ الذين يكون آخر قوليهم ناسخًا للأول، بل هم قالوا بالاجتهاد ليبينوا ما هو قول الرسول ﷺ ؛ فقد يكون قوله الأول هو الصواب دون الثاني، فلا يمكن الجزم بأنَّ آخر قوليه هو الصواب.

стр. 815

نعم؛ قد يقال: المُقَلِّدُ لَهُ تَقْلِيدُ آخِرِ قوليه؛ فإنَّ الأول قوله (١)، وأما المجتهد الذي يَحكي أقوال العلماء؛ فيحكي كُلَّ واحدٍ من قوليه كما يَحكي أقوال سائر العلماء، لجواز أَنْ يكون الصوابُ هو الأول دون الثاني (٢). ولهذا اتفق العلماء على حكاية الخلاف المنقول عن الصحابة والتابعين والعلماء بعدهم وإِنْ نُقِلَ عن أحدهم في المسألة روايتان وأكثر. ولو لم يكن قوله إلا القول الثاني وهو لا يُعلم = لم يَجُز أَنْ يُحكى قولٌ عمن اختلفت الرواية عنه، لأنَّ قوله هو الآخر، وهو غير معلوم، فلم يُعلم له قول في المسألة، وَمَنْ لا يُعلم قوله لا يُحكى له قول ولا يُقَلَّد له قول. فلما اتفق الناس على نقل الأقوال والروايات المختلفة عن الصحابة والتابعين وَمَنْ بعدهم من العلماء، والاعتداد بذلك في الإجماع والنزاع = دَلَّ ذلك على أَنَّ هؤلاء يَعتدُّون في الإجماع والنزاع بالروايات الثابتة المنقولةِ عن السلف، وَإِنْ كان عن أحدهم روايتان. وفي إجماع أهل العلم قاطبةً على ذلك إبطالٌ لقولِ هذا المعترض: (إذا لم نعلم الثانية لا يثبت الخلاف بالشك ولا الإجماع بالشك، بل نتوقف). والعلماء قاطبة يذكرون ما عن الصحابة وغيرهم من الروايات المختلفة

стр. 816

حتى مع علمهم بالأول، كما يذكرون عن عمر ﵁ في مسألة [٢٠٧/ أ] الحمارية الملقَّبَة بالمشرَّكة روايتين (١)، فيذكرون أَنَّ عامة الصحابة اختلف عنهم فيها إلا عن علي وزيد ﵄ (٢). وأيضًا؛ فالقول الأول من المجتهد الذي وافق فيه سائر أهل العلم مُقَدَّمٌ على الثاني عند كثير من الناس أو أكثرهم، فإنهم متنازعون في انقراض العصر هل هو شرط في الإجماع (٣) أم لا؟ فَمَنْ جعله شرطًا يُجَوِّزُ للعالم

стр. 817

أَنْ يرجع عن قوله الأول الذي وافق فيه الباقين، ومن لم يجعله شرطًا لم يجوِّز له الرجوع، وأشهر الروايتين عن أحمد أنه (١) يشترط انقراض العصر، بل يجوز له الرجوع عن القول الذي وافق فيه الباقين، وهذا قول كثيرٍ من العلماء من أصحاب الشافعي وأحمد، وهو اختيار القاضي أبي يعلى وغيره. والقول الثاني: إنه ليس بشرط؛ فلا يجوز له الرجوع، وهو الذي ذكره أبو سفيان (٢) عن أصحاب أبي حنيفة، وهو قول كثيرٍ من المتكلمين، وبعض أصحاب الشافعي، وهو القول الآخر في مذهب أحمد، اختاره أبو الخطاب وغيره (٣). وقد قال أحمد في رواية عبد الله: الحجةُ على مَنْ زَعَمَ أنه إذا كان أمرًا مجمعًا عليه ثم افترقوا: أَنَّا نقفُ على ما أجمعوا عليه حتى يكون إجماعًا= أَنَّ أُمَّ الولدِ كان حكمها حكم الأَمَةِ بإجماع، ثم أعتقهنَّ عمر، وخالفه عليٌّ بعد موته، فرأى أَنْ تُسترق (٤)؛ فكان الإجماع في الأصل أنها أمة.

стр. 818

قال: وَحَدُّ الخمر؛ ضَرَبَ أبو بكرٍ أربعين، ثم ضرب عمر ثمانين، وضرب علي في خلافة عثمان أربعين. وقال: ضَرَبَ أبو بكر أربعين وكَمَّلَهَا عمرُ ثمانين، وَكُلٌّ سنة (١). فالحجةُ عليه في الإجماع في الضرب أربعين، ثم عمر خالفه فزاد أربعين، ثم ضَرَبَ عليٌّ أربعين (٢). قال القاضي (٣): (فظاهر هذا: أنه اعتبر انقراض العصر، لأنه اعتد بخلاف عليٍّ بعد عمر في أم الولد، وكذلك اعتد بخلاف عمر بعد أبي بكر في حد الخمر)، وبسط هذا له موضع آخر (٤). والمقصود: أنَّ قول العالم الأول عند كثيرٍ من الناس يجب اعتباره إذا وافق الباقين دون الثاني؛ فكيف يقال: قوله الثاني هو قوله مطلقًا؟ فإنْ قيل: فهذا حجة عليكم في مسألة [٢٠٧/ ب] الحلف بالعتق، فإنَّ قول الحسن بالكفارة إِنْ كان هو الأول فقد رجع عنه، وإِنْ كان هو الثاني فقد خالف الإجماع.

стр. 819

قيل: هذا إنما يكون لو كان الناس غير الحسن قد أجمعوا على ذلك، وقد ثبت أَنَّ الصحابة والتابعين أفتوا في الحلف بالعتق بالكفارة، وَأَنَّ النقل عنهم بذلك أثبت من النقل بنفي الكفارة. وأيضًا؛ فكل ما نقل عن الصحابة إنما فيه التسوية بين الحلف بالعتق والنذر؛ نُقِلَ عنهم الإفتاء بالكفارة فيهما، وَنُقِلَ عنهم الإفتاء باللزوم فيهما، لكنْ هذه الرواية الثانية فيها ما لم يَقل به أحدٌ من علماء المسلمين = فانعقد الإجماع على خلافها، فتكون باطلة؛ بخلاف الرواية الأولى فإنه ليس فيها شيء إلا وقد قال به بعض التابعين بل كثير منهم؛ وحينئذٍ فَمَنْ فَرَّقَ بين الحلف بالطلاق والعتاق وغيرهما فقد خالف إجماع الصحابة. فصلٌ وأما قوله: (فلا يثبت الخلاف [ولا الإجماع] بالشك، بل نتوقف؛ فإن اتفق إجماع مَنْ بعده اعتبر). فعنه أجوبة: أحدها: أنه قد ثبت أَنَّ القول بثبوت الكفارة في الحلف بالعتق أثبت عن الصحابة والتابعين من نقيضه، فضلًا عن أَنْ يكون نقيضه مجمعًا عليه. الثاني: أنه لو فُرِضَ إجماعُ العصر الثاني على أحدِ القولين، فهل يرتفع النزاع؟ في ذلك نزاعٌ مشهور في مذهب أحمد وغيره، والمشهور في مذهبه: أنه لا يرتفع النزاع؛ وهو قول الأشعري، وكثير من أصحاب الشافعي، واختيار القاضي أبي يعلى وغيره.

стр. 820

والثاني: يرتفع؛ وهو قول كثيرٍ من المعتزلة، وأصحاب أبي حنيفة، وبعض أصحاب الشافعي، وهو اختيار أبي الخطاب وغيره (١). وأصلُ هذه المسألة: أَنَّ قولَ الميت هل يُعْتَدُّ بِهِ أم لا؟ فيقال: إِنْ كانت الأقوال تموت بموت قائلها، ولا يعتد إلا بأقوال الأحياء = لم يجز تقليد أحد من الأئمة الأربعة ولا غيرهم، وبطل اعتمادُ مِثْلِ هذا المعترض وأمثالِهِ على ما ينقلونه من المذاهب المتبوعة. وإذا لم يجز تقليدهم [٢٠٨/ أ] لم يَبْقَ إلا تقليدُ مَنْ كان مجتهدًا في أهل العصر، ولم يعتد إلا بخلافه لا بخلاف الأربعة وغيرهم. وحينئذٍ؛ فالمنازعون في هذه المسألة عامتهم مقلدون، لا يعرفون ما فيها من الأدلة الشرعية ومذاهب العلماء، والذين انتدبوا للمعارضة فيها ــ قبل المعترض وأمثاله ــ لا يَعرفون ما فيها من الأقوال والأدلة، فلا يُعْتَدُّ بقولهم فيها = فوجب عليهم السكوت عن الكلام فيها، لأنَّ الكلام إما بتقليد ــ والتقدير: أَنَّ تقليد الموتى لا يجوز ــ، وإما بالاستدلال والاجتهاد فلا بُدَّ معه من معرفة الأقوال من الطرفين وما فيها من الأدلة، وإلا كان كلامًا بلا علم، ولم يوجد ذلك (٢).

стр. 821

وإِنْ قيل: إِنَّ الأقوال لا تموت بموت قائلها؛ فالصحابة والتابعون لهم بإحسان أولى أَنْ تكون أقوالهم باقية مذكورة يعتد بها في الإجماع والنزاع؛ وحينئذٍ فلا يقع إجماع معصوم على خلاف أحد قوليهم إِنْ لم يكن معه حجة شرعية تكون حجة على أولئك الموتى (١). ومعلومٌ أَنَّ قول مَنْ بعدهم لا يكون حجة عليهم، لكن إِنْ كان قد ظهر في العصر الثاني نَصٌّ خَفِيَ على بعض أهل العصر الأول = فهذا ممكن؛ كما ظهر حديث سُبَيْعَةَ الأسلمية في المتوفى عنها (٢)، وحديث التسوية بين الأصابع في الدية (٣)، وحديث بَرْوَع بنت وَاشِق (٤)، وغير ذلك من الأحاديث التي خالفها بعض الصحابة لكونهم لم يعرفوها (٥).

стр. 822

وحينئذٍ؛ فتكون الحجة عليهم هذا النص الذي هو مستند مَنْ بعدهم، الذي لو علموا به في حياتهم لوجب عليهم اتباعه، وإلا فيمتنع أن يكون الصحابة تنازعوا ثم أجمع التابعون على أحد قوليهم بغير حجة ظاهرة يجب اتباعها على من مات لو علم بها. وإذا كان كذلك؛ امتنع تقدير هذا في مسألتنا، فإنه ليس مع القائل بأنَّ الحالف بالطلاق أو العتاق أو النذر يُلْزَمُ (١) نَصٌّ يرفع النزاع، بل دلالة النص والقياس على خلاف قوله في غايةِ القوةِ والظهورِ، وكُلُّ عالِمٍ يعترف بذلك، ولكن يعتذر بخلاف المذهب، أو بخلاف ما يظنه من الإجماع. والصواب [٢٠٨/ ب] في مسألة إجماع التابعين على أحد قولي الصحابة: أَنَّ ذلك إذا وقع، وجب القول بأنَّ ذلك الإجماع معصومٌ، فإنَّ الأمةَ معصومةٌ في كُلِّ عصرٍ عن الضلال، فلو قُدِّرَ إجماعُ التابعين كلهم على ضلال لكانت الأمة قد أجمعت على الضلال، ولا يغني هدى (٢) العصر الأول عن ضلال العصر الثاني، لكن دعوى إجماع مَنْ بعد الصحابة على أحد قوليهم متعذرٌ في الغالب أو متعسر، وأما إجماع مَنْ بعد التابعين على أحد قوليهم فالعلمُ بهذا في غاية البعد والامتناع. ولهذا؛ ما زال الناس يذكرون أقوال الصحابة والتابعين، ويحتجون لأحدِ القولين بالأدلة الشرعية، ولا يحتج على بطلانِ أحدِ قولي الصحابة بمجرد إجماع مَنْ بعدهم من غير دلالة كتاب ولا سنة ولا اعتبار.

стр. 823

فصلٌ قال: (وكذلك نقول؛ إذا اتفق مثل هذا لإمام من أئمة المذاهب، ولم يعلم القول المرجوع عنه = لم يجز للعامي تقليده في شيءٍ منهما، إلا أَنْ يَنْضَمَّ إلى أحدهما ترجيح مِنْ قواعده أو من أحد من أصحابه فيقلده) (١). والجواب أَنْ يقال: إدخالُ جواز التقليد وعدمه في باب المناظرة بالأدلة الشرعية غير مناسب، ولا فائدة فيه، فإنَّ ما ذكره مبنيٌّ على أصول: أحدها: أَنَّ تقليد الميت هل يجوز أم لا؟ وفيه قولان مشهوران، ومن الناس مَنْ يقول: الأكثرون على أنه لا يجوز تقليد الميت؛ فعلى هذا لا يجوز للعامي اتباع الأول ولا الثاني (٢). وَإِنْ قيل: إنه يجوز تقليد الميت ــ وعليه عمل أكثر الناس (٣) ــ فهو تقليد الحي (٤)؛ والعالم إذا أفتى عاميًّا في مسألة ثم تغير اجتهاده لم يجب على العامي أَنْ يرجع عَمَّا أفتاه به، فإنَّ الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد، ولو حَكَمَ حاكمٌ في مسألةٍ باجتهاد، ثم تغير اجتهاده لم ينقض حكمه فيها (٥).

стр. 824

وأيضًا؛ فالقولان المتقدم والمتأخر للعالم كقول عالمين، ليسا كقول نبي نَسَخَ بآخر قوليه قولَه الأول، بل هما كقول عالمين يجوز أَنْ يكون الحق في كلٍّ منهما. وقد تنازع العلماء من أصحاب أحمد وغيرهم فيما إذا [٢٠٩/ أ] كان للمجتهد قولان متقدم ومتأخر، هل يضاف إليه القول الأول كما يضاف إليه المتأخر؟ على قولين مشهورين لهم. بل إذا صَرَّحَ بالرجوع عن القول الأول، هل يجعل الأول قولًا له؟ (١) على قولين؛ لأنَّ المجتهد ليس بنبي يُجزم بأنَّ قوله الثاني ناسخ للأول، بل هو قال أولًا باجتهاده كما قال ثانيًا باجتهاده؛ كالمجتهد في القبلة إذا ترجَّح عنده أولًا أنها في جهة ثم ترجح عنده ثانيًا أنها في جهة أخرى، فقد يكون اجتهاده الأول أصوب، كما لو اختلف اجتهاد رجلين. والمقلِّد إذا اختلف عليه اجتهاد عالمين: فإما أَنْ يُخَيَّر، وإما أَنْ يُرَجِّحَ أحدَهما إما ترجيحًا بصفاته كالعلم والدين، وإما ترجيحًا بما يظهر له من رجحان قولِهِ على قولِ غيرِهِ، وبسط هذه له موضع آخر (٢). وليس كلامنا فيما نحن فيه مستلزمًا لهذا، لكن المعترض أَدْخَلَ في ذلك ما لا يستلزمه؛ وعلى هذا: فإذا كانت قواعد الإمام وأصوله تقتضي رجحان قوله الأول قُدِّمَ، وكذلك إذا كانت أدلةُ الشَّرْعِ توافقُ قولَهُ الأول كان هو الراجح، وإذا قَدَّمَ مَنْ يسوغ تقليده مِنْ أصحابِهِ قولَهُ الأول قَلَّدَهُ العامي،

стр. 825

فلا يتعين تقليده في القول الثاني في أظهر قولي العلماء، بل إِنْ كان قولُهُ هو الثاني دون الأول وَجَهِلَ ذلك= فلا قول له في المسألة بحال، فلا يقلده أحد إنما يقلد غيره. فصلٌ قال: (بل أزيد على ذلك وأقول: إنه إذا صحَّ لنا أَنَّ أَحدَ القولين مرجوع عنه؛ فهو إما أَنْ يكون الموافق لقول بقية العلماء أو المخالف؛ فإنْ كان المخالف هو المرجوع عنه، والموافق هو المرجوع إليه= فيثبت الإجماع به مع قول بقية الأمة، ولا اعتبار (١) بالخلاف المتقدم. وَإِنْ كان المتقدم هو الموافق فقد صَحَّ وانعقدَ الإجماعُ [به مع بقية الأمة، ولا اعتبار بالقول المرجوع إليه المخالف لمخالفته الإجماع]، فالإجماعُ ثابتٌ على كلا التقديرين؛ فهذه طريقةٌ يمكن أَنْ يقالَ بها (٢) إذا تحققنا أَنَّ جميعَ العلماء غير ذلك الإمام قائل بأحدِ قوليه، فلينظر في ذلك؛ والله أعلم) (٣). والجواب من وجوه: أحدها: أَنَّ هذا الكلام إنما يفيد لو كان التابعون [٢٠٩/ ب] كلهم أجمعوا على أَنَّ العتق المحلوف به يلزم، ولم يخالف إلا الحسن في إحدى الروايتين.

стр. 826

وقد تبين أَنَّ الأمر بخلاف ذلك، وأَنَّ جماعةً من أئمة الصحابة والتابعين يقولون بأنَّ العتق المحلوفَ به فيه كفارة ــ كما تقدم غير مرة ــ، بل القائلون من الصحابة والتابعين بأنَّ فيه كفارة يمين أكبرُ وأجلُّ من القائلين بلزوم العتق. الثاني: أَنَّ دعوى الإجماع في ذلك مقابَلٌ بما هو أظهر منه من دعوى الإجماع على نقيضه، وذلك أَنَّ القول بالتكفير هو القول الثابت عن الصحابة ﵃، ونقيضه ضعيف، والرواية المخالفة لهذه متروكة بإجماع العلماء. فالصحابة ــ رضوان الله عليهم ــ روي عنهم في الحلف بالعتق والنذر روايتان؛ رواية التكفير ــ كما في حديث ليلى بنت العجماء ــ، وروايةُ التزام النذر ــ كما في حديث عثمان بن حاضر ــ، وهذه الرواية متروكة باتفاق العلماء، فإنَّ فيها أَنَّ الحلف (١) بالمال يجزئ فيه الزكاة، وَأَنَّ الحلف بالذبح يجب فيه بدنة، مع قولهم: إنَّ العبد يعتق، ولم يقل أحد من العلماء بهذه الثلاثة. وإذا كانت هذه الرواية مع ضعفها متروكة بالإجماع، فقد أجمع التابعون وَمَنْ بعدهم على ترك أحد قولي الصحابة، فإنْ كان إجماع التابعين بعد تنازع الصحابة يرفع النزاع، فقد أجمع التابعون على بطلان القول بهذه الرواية، ولم يَبْقَ عن الصحابة إلا الرواية الأولى، والصحابة لم يقولوا إلا هذا أو هذا، وفي كليهما (٢) سَوَّوا بين العتق والنذر، فَمَنْ فَرَّقَ بينهما، أو قال بلزوم العتق والنذر كما قَدَّرَه = فقد خالف إجماعهم، لم يقل بقولهم هذا ولا بقولهم هذا.

стр. 827

وإذا اختلف الصحابة على قولين؛ لم يكن لمن بعدهم إحداث قول ثالثٍ عند عامة العلماء، فإنَّ إحداثَ قول ثالث كإحداث قول ثانٍ، إذ كان الصواب لا يخرج عن أقاويل الصحابة (١)؛ ولهذا قال أحمد بن حنبل: (يلزم مَنْ قال: يخرج من أقاويلهم إذا اختلفوا: أَنْ يخرج من أقاويلهم إذا اجتمعوا) (٢). وقال ــ أيضًا ــ: (إذا اختلف أصحاب رسول الله ﷺ تَخَيَّرَ من أقاويلهم [٢١٠/ أ] ولا يخرج عن قولهم إلى مَنْ بعدهم) (٣)، وهذا قول عامة العلماء، وإنما نازع في ذلك شذوذ. وحينئذٍ؛ فإذا لم يكن للصحابة إلا قولان، قول بلزوم العتق والنذر وقول بتكفيرهما جميعًا، والرواية بلزومهما متروكة باتفاق التابعين بعدهم = تعين أَنْ يكون القول بتكفيرهما هو القول الصواب، لئلا يلزم اتفاق الصحابة أو التابعين على الخطأ، فإنه إِنْ كان الصواب حديث عثمان بن حاضر، وقد

стр. 828

أجمع التابعون وَمَنْ بعدهم على خلافه = انعقد الإجماع على خطئه، وَإِنْ كان الصواب أحد الأقوال التي قالها مَنْ بَعْدَ الصحابةِ = لزم إجماع الصحابة على خطأ. فثبت أنه إذا لم يكن للصحابة إلا قولان؛ وقد أجمع التابعون على بطلان أحدهما = أَنْ يكون الصواب هو القول الآخر، وهو المذكور في حديث ليلى بنت العجماء، فيكفر العتق وغيره. ويلزم مِنْ ذلك: أَنَّ الطلاقَ المحلوفَ بِهِ لا يلزم بطريق الأولى، فدعوى الإجماع على العتق المحلوف به والطلاق المحلوف به بهذه الطريق وغيرها = أظهرُ من دعوى نقيض ذلك، بما ذكر في الطريق الفاسدة. ولا ريب أَنَّه إِنْ كان إجماعٌ في هذه المسائل فهو إجماع خفي، والطريق إليه الظَّنُّ، لا يمكن أَنْ يكون إجماعًا ظاهرًا مقطوعًا به معروفًا لعامة العلماء؛ وحينئذٍ فيستدل بالنقول الصحيحة ولوازمها التي يثبت بها أحد الإجماعين إِنْ كان في المسألة إجماع، وإلا فالكتاب والسنة يثبت بهما نصًّا واستنباطًا تفصيل النزاع. الثالث: أنه لو فُرِضَ أَنَّ الحسن أو غيره من المجتهدين قال قولًا وافق فيه غيره، ثم رجع عن ذلك؛ كما وافق علي بن أبي طالب لعمر بن الخطاب ﵄ في المنع من بيع أمهات الأولاد ثم رجع عن ذلك (١) = فهذا مبنيٌّ على مسألة: انقراض العصر؛ وَمَنْ قال: إِنَّ الإجماع لا يستقر إلا بانقراض العصر يقول: يجوز للمجتهد أَنْ ينازع بعد الموافقة، وأنه إنما يتم الإجماع

стр. 829

إذا ماتوا ولم يتنازعوا؛ كما تقدم التنبيه عليه (١)، وإلا فمثل علي بن أبي طالب والحسن [٢١٠/ ب] البصري وأمثالهما من أئمة الصحابة والتابعين أَجَلُّ قدرًا مِنْ أَنْ يقال عنهم إنهم خالفوا الإجماع المعصوم، واتبعوا غير سبيل المؤمنين، والإجماع إنما انعقد بهم، وهم أحدُ أركانه، فإنْ لم يُقِمْ دليلًا على ضلالهم إذ (٢) فعلوا ذلك = لم يتم قوله: (لا اعتبار بالقول المرجوع إليه المخالف للإجماع). الوجه الرابع: أَنْ نقول: مَنْ نُقِلَ عنه من الصحابة والتابعين أَنَّ العتق المحلوف به يجب فيه الكفارة أكبر وأجل ممن نقل عنه القول بلزوم العتق؛ أما الصحابة: فهذا منقولٌ عن ابن عمر وحفصة وزينب وعائشة وأم سلمة وابن عباس ﵃، ومنقولٌ عن طاووس والحسن وعطاء والقاسم وسالم وسليمان بن يسار وقتادة ــ رحمة الله عليهم ــ، وَذَكَرَ ابن جرير أنه روي هذا القول عن ابن عمر وعائشة وحفصة وأم سلمة وعطاء وطاووس والقاسم وسالم وجماعةٌ يَكْثُرُ عددهم من أئمة الصحابة والتابعين، وأما القول بلزوم العتق فلم يُنْقَل عن أحدٍ من الصحابة إلا في روايةٍ ضعيفةٍ جدًّا مخالفةٍ لِمَا ثبت عنهم بالأسانيد الثابتة، وقد اتفق العلماء على ترك العمل بتلك الرواية فلم يَعمل أحدٌ بجميع ما فيها. وأما التابعون؛ فقد تقدم هذا (٣) في حديث عبد الله بن عثمان (٤) قال: حَلَفَ أخي عمر بن عثمان بعتق جاريةٍ له أَلا يشرب من يدها إلى أَجَلٍ

стр. 830

ضَرَبَهُ، فَنَسِيَ قبل الأجل فشرب، فاستفتيت له عطاء ومجاهدًا وسعيد بن جبير وعليًّا الأزدي فكلهم رأى أنها حُرَّة (١)، وهذا إنما رواه (٢) عبد الرزاق عن مجاهد وسعيد بن جبير (٣)، وقد اعترف المعترض بأنَّ الأصح عن عطاء أنها لا تعتق؛ لكونه لا يرى تحنيث الناسي، فكيف وقد نقل ابن جرير عن عطاء أَنَّ العتقَ المحلوفَ بِهِ يكفره كما تقدم، فلم يَبْقَ معه إلا اثنان أو ثلاثة من التابعين. وهذا المعترض قد اجتهدَ غايةَ الاجتهادِ فيما نَقَلَ عن الصحابة والتابعين في الطلاق والعتق المحلوف بهما، ولم يَنقل عن الصحابة في الحلف بالعتق إلا حديث [٢١١/ أ] عثمان بن حاضر، ولا عن التابعين فتيا في العتق إلا هذه الفتيا التي ليس فيها إلا قول اثنين أو ثلاثة من التابعين، وهذا مما يبين أَنَّ ذلك في غايةِ القلة عن التابعين، إذ لو كان كثيرًا منتشرًا لروي فيه عدة قضايا عن جماعةٍ منهم، بل الذي وقفنا عليه ــ والذي ذكره بعد الاجتهاد هذا المعترض ــ من أقوال الصحابة والتابعين في الحلف بالعتق يقتضي أَنَّ القائلين بأنه يكفر أكثر من القائلين أنه لا يكفر، فذاكَ منقولٌ عن سبعةٍ من التابعين، وهذا منقولٌ عن ثلاثةٍ، وذاك منقول عن عدد من الصحابة، وهذا لو صَحَّ فإنما فيه نقل عن اثنين منهم أو ثلاثة، وإذا كان القائلون من الصحابة والتابعين بأنه يكفر أكبر وأجل من القائلين باللزوم تبين أَنَّ مُدَّعِي إجماعهم على اللزوم في غايةِ الجهلِ بأقوالِ السلفِ.

стр. 831

ومعلومٌ أَنَّ طاووسًا (١) وعطاء والحسن والقاسم وسالمًا وسليمان بن يسار وقتادة أكثر وأجل من مجاهد وسعيد بن جبير وعلي الأزدي، ولكن لمَّا اشتهر القول بلزوم العتق في المتأخرين، وهو قول الأربعة وأتباعهم = صار مَنْ لم يَعرف أقوال السلف يَظُنُّ ذلكَ إجماعًا لعدم علمه بقول السلف. ولقد كان الكشف عن أقوال السلف في مثل هذه المسائل مِنْ نِعَمِ الله ــ تعالى ــ على الأمة، وكان اجتهاد مثل هذا المعترض وأمثاله في البحث عن أقوال السلف في مثل هذه المسائل مما يبين الله به الدين ويكشف به خطأ المخطئين الذي يظنون إجماعًا معصومًا في مسألةٍ قولُ أكثرِ السلف فيها بخلاف ذلك، وعليه يدل الكتاب والسنة والاعتبار (٢)، ولكن نظائر هذا كثيرة مما يغلط فيه الغالطون من ظَنِّ إجماعاتٍ لا حقيقةَ لها لاشتهار العمل عندهم لأسبابٍ اقتضت ذلك؛ إِمَّا من العامةِ، وإِمَّا من الولاة، وإما منهما (٣)؛ فيظن مَنْ لا يعرف غير ذلك أَنَّ هذا قول جميع علماء المسلمين، كما قد ذكرنا نظائر ذلك في غير هذا الموضع (٤). الوجه الخامس: قوله: (فهذه طريقة يمكن أَنْ يقال بها (٥) إذا تحققنا أَنَّ جميع [٢١١/ ب] العلماء غير ذلك الإمام قائلٌ بأحدِ قوليه؛ فلينظر في ذلك). فيقال له: قد نظرنا وسبرنا، فوجدنا جمهور العلماء من السلف قائلون

стр. 832

بذلك القول الذي يطلب الإجماع على نقيضه، وأَنَّ هذا القول هو الثابت عن الصحابة، ولم يُنقل عنهم نقيضه إلا في روايةٍ ضعيفةٍ متروكةٍ بإجماعِ العلماء بعدهم، فيلزم مِنْ كونِ إجماع الصحابة حجة أو إجماع التابعين بعدهم حجةً أَنْ يكون الصواب هو القول بإجزاء الكفارة، لأنَّ الصحابة ليس لهم إلا قولان، وقد أجمع التابعون على ترك أحدهما = فتعين أَنْ يكون الصواب هو القول المذكور في حديث ليلى بنت العجماء بالتكفير في العتق وغيره. ولا ريب أَنَّ هذا هو الصواب الذي يدل عليه الكتاب والسنة والاعتبار، مع دلالة الإجماع الخفي عليه، كما بيناه. وحينئذٍ؛ فالطلاق لا يلزم الحالف بطريق الأولى، كما دَلَّ على ذلك كلامُ الصحابة عمومًا، فإنَّ الحلف بالطلاق ليس فيه نقلٌ خاصٌّ عن الصحابة لا نفيًا ولا إثباتًا، ولكن كلامهم وتعليلهم يقتضي أنه لا يلزم الحالف كالعتق وأولى، بل تجزئ فيه الكفارة. فصلٌ قال: (هذا الكلام كله في مذهب الحسن في العتق، وأما في الطلاق: فالرواية التي رواها ابن حزم بوقوع الطلاق لا معارض لها، والله أعلم) (١). فيقال: لا ريب أنه لم يُنقل عن الحسن ولا غيره من السلف أنهم فَرَّقُوا في وقت واحد بين الحلف بالعتق والحلف بالطلاق، ولم يُنقل عن أحد من الصحابة ذلك، ولا الفرق بين الحلف بالطلاق والعتاق وغيرهما، ولكن هذا الفرق نُقِلَ في روايةٍ عن الحسن، وروي عنه من وجهين ما يخالفها.

стр. 833

والمسائل المنقولة عن الحسن وغيره في العتق المعلَّق كثيرٌ منه ليس بيمين، بعضه يحتمل أَنْ يكون يمينًا ويحتمل ألا يكون، وما عُلِمَ أنه يمين لم يفتِ معه بأنَّ العتق لا يلزم، بل قد يكون هذا على إحدى الروايتين عنه في العتق [٢١٢/ أ] وأنه يلزم ولا تجزئ فيه الكفارة. فقد روى حرب الكرماني بإسناد متصل عن الحسن أنه إذا حلف بالطلاق والعتاق: لزمه دون ما سواهما (١)، فإذا ثبت عنه الإفتاء بلزوم الطلاق المحلوف به= كان هذا موافقًا لهذه الرواية المسوية بين الطلاق والعتق. وأما على قوله بأن العتق المحلوف به لا يلزم فلا يمكن أَنْ يجزم بأنه يقول مع ذلك بلزوم الطلاق المحلوف به، بل تعليله يقتضي أنه لا فرق بينه وبين الطلاق. وقد علم أَنَّ كثيرًا من المجتهدين يكون لهم في الأصل قولان، ثم قد يفتون في بعض فروعه على أحد القولين، كما أَنَّ أحمد بن حنبل له في جواز الاستثناء في الحلف بالطلاق قولان مع أَنَّ أصله ومذهبه أَنَّ الاستثناء لا يكون إلا فيما فيه الكفارة، فنفيه للكفارة في الحلف بالطلاق إنما يتوجَّه على قوله بنفي الاستثناء في الحلف به، وأما على قوله بالاستثناء فيه فإنَّ ذلك لا يمكن مع قوله إنه لا استثناء إلا فيما فيه الكفارة، وإِنْ لم يقل بذلك بطل أصل مذهبه = فَعُلِمَ أَنَّ فتياه بعدم التكفير لا يتوجه إلا على أحد قوليه دون قوله الآخر، وكذلك فتياه بلزوم الطلاق المحلوف به لا يتوجه إلا على قوله بعدم لزوم العتق المحلوف به لا على قوله الآخر. * * * *

стр. 834

فصلٌ قال المعترض: (وأما غير طاووس والحسن فيحتاج أَنْ يذكره، وقد تقدم منه، وذكر بعد ذلك نقل المذهب المذكور عن أبي هريرة وعائشة وأم سلمة ﵃، ومستنده في النقل عنهم: روايةُ أشعث في أثر ليلى بنت العجماء، وقد تقدم الكلام على اضطرابه وعلى تأويله بما فيه الكفاية. وقد نقل ابن نصر عن عائشة ﵂ خلاف ذلك (١). وأيضًا؛ فقول الراوي في ذلك الأثر: وكانت إذا ذكرت امرأة بالمدينة فقيهة ذكرت زينب، وهذا اللفظ يقتضي أَنَّ زينب في ذلك الوقت كانت أفقهَ نساء المدينة، فكيف يقال هذا في حياة عائشة ﵂؟! وقد [٢١٢/ ب] قال ابن عبد البر في أُمِّ سلمة، وإنما هي زينب بنت أم سلمة ﵂. وبالجملة؛ فهذا محلُّ اشتباهٍ، لما تقدم من الفرق بين الألفاظ المتقدمة) (٢). والجواب من وجوه: أحدها: أَنَّ أثر ليلى بنت العجماء مما اتفق جميع العلماء الذين بلغهم هذا الحديث على صحته، وأهل الفقه منهم اتفقوا على العمل به، كالشافعي

стр. 835

وأحمد بن حنبل وأبي ثور ومحمد بن نصر وابن المنذر، وقد صححه مَنْ لم يعمل به كابن جرير الطبري وابن حزم وغيرهما، وصححه ابن عبد البر وغيره، وَذَكَرَهُ أصحاب الشافعي وأحمد أَوَّلُوهُم وآخروهم، مُصَدِّقِينَ له، متلقين له بالقبول، واعتمدوا عليه في كتبهم الكبار والصغار، فلا يوجد منهم مصنفٌ كتابًا يذكر فيه الآثار في هذه المسألة والاحتجاج بها إلا ذكره، كما ذكره الشيخ أبو حامد وأبو الطيب الطبري والماوردي وغيرهم من أصحاب الشافعي، وكما ذكره القاضي أبو يعلى وأبو الحسن الآمدي وأبو الخطاب وغيرهم من أصحاب أحمد. ورواه أحمد بن حنبل وأصحابه كأبي بكر الأثرم وحرب بن إسماعيل الكرماني وإسماعيل بن سعيد (١) الشالنجي وإبراهيم بن يعقوب الجوزجاني. ورواه البخاري في تاريخه من عِدَّةِ طرق. ورواه أبو بكر النيسابوري وأبو الحسن الدارقطني وأبو بكر البيهقي ومن قبلهم ومن بعدهم، وكلهم مُصَدِّقُون مُقِرُّون بصحته وسلامته من الطعن، ولم أعرف أحدًا من الأولين والآخرين عَلَّلَهُ، ولا طعن فيه، ولا توقف في صحته إلا هذا المعترض الذي يتكلم بلا علم، ويبتدع دعوى نقلٍ عن السلف لم يَدَّعِهِ أحدٌ قبله، وَيُضَعِّفُ نقلًا ثابتًا لم يُضَعِّفْهُ أحدٌ قبله، وتحريف للكلمات الثابتة عن السلف لم يحرفها أحدٌ قبله. ولكن أحمد بن حنبل عَلَّلَ ذِكْرَ العتق فيه، لم يعلل الحديث من أصله، وقد عرف قدره وأنه لم يبلغه إلا من طريق التيمي، وأما غيره فبلغه طريق أشعث وطريق جسر بن الحسن عن بكر؛ فصار له ثلاثة طرق يصدق بعضها

стр. 836

بعضًا [٢١٣/ أ] كما تقدم (١)، والذين خالفوا هذا الأثر من السلف لم يبلغهم، والذين بلغهم اتبعوه كالشافعي وأحمد وغيرهما. الوجه الثاني: أَنَّ نَقْلَ الحلفِ بالعتق عن الصحابة مما نقله عامة من ينقل أقوال السلف؛ كأبي ثور ومحمد بن نصر ومحمد بن جرير وأبي بكر بن المنذر وابن حزم وابن عبد البر وغيرهم، والذين نقلوا الإجماع في الطلاق بعضُ هؤلاء، ونقلهم للنزاع أثبتُ من نقلهم لنفيه. فإنْ كان نقلهم للنزاع غير مقبول لجواز الغلط عليهم في ذلك = لم يُقبل نقلهم للإجماع ونفي النزاع بطريق الأولى؛ فإنَّ الغلطَ فيه أكثر بكثير. وحينئذٍ؛ فلا حاجة بنا إلى نقلهم لا للإجماع ولا للنزاع، بل نُثبت النزاع بالأسانيد المتصلة، والمعترض لا يمكنه أَنْ ينقل الإجماع بإسناد متصل ثابت = فثبت ما ادعيناه من النزاع، ولا تبقى معه حجة بنقل الإجماع. وإِنْ كان نقلهم للإجماع مقبولًا فنقلهم للنزاع أولى؛ وحينئذٍ فنقلهم للنزاع ثابت بالأسانيد المتصلة ولا مخالف لهم فيه، وأما نقلهم للإجماع فقد اختلفوا فيه؛ فمنهم مَنْ نَقَلَ فيه إجماعًا، ومنهم مَنْ نَقَلَ فيه نزاعًا، وناقل النزاع مثبت فيجب تقديمه؛ هذا لو لم يُعرف النزاع من غير جهته؛ فكيف إذا عرفنا النزاع من عدة أوجه؟! الوجه الثالث: أَنْ يقال: الذي لا ريب فيه في حديث ليلى الذي اتفقت عليه الروايات: استفتاء ابن عمر وحفصة وزينب، وأما استفتاء أبي هريرة وعائشة وأم سلمة فهو مذكور في حديث أشعث، وقد صَحَّحَ روايته طائفة

стр. 837

منهم ابن حزم، وأثبتوا استفتاء أم سلمة. وأما ابن عبد البر فقال (١): المستفتاة هي بنتها زينب، كما جاءت في رواية التيمي وغيره، وأَنَّ في المفتين ابن عمر وحفصة وزينب بنت أم سلمة، بل وعلى أنهم أفتوا في الحلف بالعتق لم يطعن أحد ممن بلغه حديث أشعث في ذكر العتق، وأحمد لم يبلغه حديث أشعث، ولا طريق جسر بن الحسن. الوجه الرابع: قوله: (إنَّ ابن [٢١٣/ ب] نصر نقل عن عائشة ﵂ خلاف ذلك) غلطٌ على ابن نصر، وإنما ذكر ذلك ابن عبد البر (٢) عقب حكايته لما نقله عن ابن نصر، فظنَّ هذا أَنَّ ابن نصر ذكره. وكتاب ابن نصر الذي نقل منه ابن عبد البر قوله المذكور عقبه في الاستذكار عندنا، وليس فيه نقل ابن نصر عن عائشة ما ذكره ابن عبد البر، ولكن ابن عبد البر ذكره بغير إسناد، فذكر أنه نُقِلَ عن عائشة أنها أفتت بالكفارة في الأيمان إلا في الحلف بالطلاق والعتاق، وهذه الرواية لم يذكرها هو ولا غيره لا بإسناد صحيح ولا ضعيف؛ فكيف يجوز أن تُجعل هذه معارضةً لتلك مع ما نقل عن عائشة من تعليلها وعموم ألفاظها التي تقتضي تكفير كل يمين؟! الوجه الخامس: قوله: قول الراوي في ذلك الأثر: (وكانت إذا ذُكرت امرأة فقيهة بالمدينة ذكرت زينب؛ يقتضي أن زينب كانت أفقه نساء المدينة).

стр. 838

يقال له: ليس في اللفظ: أنها أفقه أهل المدينة، وإنما في اللفظ: إذا ذكرت امرأة بالمدينة فقيهة ذكرت زينب؛ فمن أين لك أَنَّ الراوي أراد الحصر؟ وأَنَّ مراده إذا ذكرت بالمدينة فقيهة لم يذكر إلا زينب، ولم لا يجوز أَنْ يكون المراد: أنها كانت تذكر مع النساء الفقهاء بالمدينة؟ كما يقال: إذا ذُكِرَ الصالحون فَحَيَّ هَلًا بعمر؛ أي: هو ممن يذكر، لم يقصد أنه لا صالح إلا عمر. يُبَيِّنُ هذا؛ أَنَّ المدينة كان بها إذ ذاك جماعة من فقهاء النساء، لم تكن زينب مختصة بذلك، وكان بها خلا (١) زينب: حفصة بنت عمر بن الخطاب، فمن أين يعلم أَنَّ الراوي قصد تفضيل فقه زينب على فقه حفصة أم المؤمنين ﵂؟ ثم إِنْ قُدِّرَ أَنَّ الراوي قصد أنها كانت أفقه نساء المدينة، فلا ريب أَنَّ عائشة ﵂ لم تكن ــ حينئذٍ ــ موجودة؛ فيكون الصحيح رواية من ذكر ابن عمر وحفصة وزينب دون ذكر عائشة، لكن هذا لا يجزم فيه بالاحتمال. الوجه السادس: قوله: (وبالجملة؛ [٢١٤/ أ] فهذا محل اشتباه). فيقال له: ليس فيه اشتباه يقدح في المقصود، والألفاظ المتقدمة في ذكر العتق مؤتلفة لا مختلفة. فقوله: (حَلَفت بالهدي والعتاقة)؛ في رواية جسر، وقوله في رواية التيمي وأشعث: قالت: (كل مملوك لها حر) = مُصَدِّقٌ تلك الرواية لهاتين الروايتين لا تخالفها.

стр. 839

والفرق المفيد إنما يكون إذا كان بين الألفاظ تناقض، وهذا لا تناقض فيه إلا إذا حمل اللفظ على لفظٍ ليس في الكلام ما يدل عليه، وَجُعِلَ مدلولُ ذلكَ اللفظ يُخالف مدلولَ لفظ الروايتين الأخريين؛ كما فعل هذا المتكلف حيث حَمَلَ قولَهُ: (حَلَفت بالهدي والعتاقة)؛ على أنها قالت: (العتق يلزمني). وليس في لفظ الراوي ما يدل على أَنَّ هذا لفظ الحالف. بل لا ريب أَنَّ مَنْ قال: إِنْ فعلتُ كذا فكل مملوك لي حر = حالفٌ بالعتاقة، ثم لو قُدِّرَ أَنَّ هذا لفظُهُ؛ فقوله: العتق يلزمني، كقول القائل: الطلاق يلزمني، وهذا ظاهرٌ في لزومِ الوقوعِ، فكذلك قوله: العتق يلزمني، وهذا في معنى قوله: إِنْ فعلت فكل مملوك لي حر، لكن مع هذا؛ فالذي يجب حمل الروايةِ المجملةِ على المفسرة، وهو أنه قال: إن فعلت فكل مملوك لي حر. فصلٌ قال: (ومن هنا ــ والله أعلم ــ قال مَنْ قال: إِنَّ مثل هذه المذاهب القديمة لا يجوز للعامي تقليدها، وليس ذلك لأمرٍ يرجع إلى أصحابها ــ حاشى لله ــ؛ بل هم أئمة الهدى وينابيع العلم، ولكنه لم يُعْتَنَ بجمعِ أقوالِ قائلها وتدوينها اعتناء تامًا حتى يستدل ببعضها على بعض، وبمبيَّنها على مجملها، وبخاصِّها على عامِّها، وبمقيَّدها على مطلقها، كما فعل أتباع المذاهب المشهورة، وتناقلوها نقلًا مستفيضًا بحيث صار يحصل لكثيرٍ من المتمذهبين الظنُّ القويُ بأنَّ تلك الأحكام هي قول إمامه ومذهبه، وتناقلها المُرَجِّحُون لها قرنًا بعد قرن، عددًا يبلغ حَدَّ التواتر في معظم المسائل والقواعد من لدن زمان إمامه إليه، لا كَفُتْيَا مُطْلَقَة تُنْقَلُ عَنْ إمامٍ لا يُدرى [٢١٤/ ب] ما أراد بها، وهل اقترن بها أمر يقتضي ذلك أم لا؟

стр. 840

وكنَّا نود لو دُوِّنَتْ تلك المذاهب كما دونت هذه، ولكن في كتاب الله ــ تعالى ــ وسنة رسوله ﷺ التي تَكَفَّلَ الله بحفظها بقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] كفايةٌ عن كل مذهب، وغناءٌ عن قولِ كُلِّ قائل. ولقد كان بعض شيوخنا أشار عَليَّ بأنْ أعتني بجمع ما يتصل إلينا في الروايات من مذاهب السلف، فوجهت الهمة إلى (١) ذلك، فوجدت كثيرًا منها بألفاظ غير صريحة، بل ولا ظاهرةٍ فيما يُراد منها فانثنيتُ عن ذلك، والله أعلم) (٢). والجواب من وجوه: أحدها: أنه ليس الكلام في جواز تقليد العامي لها، فإنَّ ذلك ــ أولًا ــ ينبني على جواز تقليد الميت، وعلى العلم بقوله (٣)، وإنما الكلام في نقل إجماعهم ونزاعهم، فإنْ كانت مذاهب السلف لا تعلم، فلا يجوز الاحتجاج بإجماعهم، لا بإجماع الصحابة ولا التابعين ولا تابعيهم، وإنما يحتج بإجماع أهل المذاهب المصنفة التي صُنِّفَت فيها. وحينئذٍ؛ فيقال: الخلاف في زمن هؤلاء الأئمة موجود في تعليق الطلاق بالصفات، فضلًا عن الحلف به، وفي الحلف بالعتق ــ أيضًا ــ فإنَّ أبا عبد الرحمن الشافعي كان في عصر الشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق ونحوهم من أهل المذاهب المشهورة، وقد نازع في تعليق الطلاق بالصفات

стр. 841

مطلقًا، سواء كان قاصدًا لليمين أو قاصدًا للإيقاع. وداود وغيره يفرِّقون بين التعليق الذي يقصد به اليمين، والتعليق الذي يقصد به الإيقاع، وأبو ثور وابن جرير وغيرهما قد نازعوا في الحلف بالعتق؛ هذا يقول يكفر وهذا يقول لا يكفر. الوجه الثاني: أنه يمتنع مع هذا أن يحتج أحدٌ بإجماع، فإنه من المعلوم أنَّ أمة محمد ﷺ الذين إجماعهم حجة قاطعة، ليس هم أربعة ولا خمسة ولا عشرة ولا اثنا عشر (١). وأيضًا؛ فقد اتفق العلماء على أنه ليس إجماع الفقهاء الأربعة أو الخمسة أو الستة أو السبعة أو الثمانية أو التسعة أو العشرة؛ كمالك والثوري وأبي حنيفة وابن أبي ليلى والأوزاعي والشافعي [٢١٥/ أ] وأحمد وإسحاق وداود بن علي ومحمد بن جرير = هو الإجماع المعصوم الذي يجب على جميع المسلمين اتباعه (٢). الوجه الثالث: أَنَّ ما ذكره خلاف إجماع المسلمين الأولين والآخرين، فلم يَقُلْ أَحَدٌ إنه لا يجوز الاحتجاج بإجماع الصحابة ولا إجماع التابعين وتابعيهم ممن يقول الإجماع حجة، بل كُلُّ من يقول الإجماع حجة يقول: أَعْظَمُ الإجماعِ إجماعُ الصحابةِ، وتنازعوا في إجماع مَنْ بعدهم على قولين، هما روايتان عن أحمد.

стр. 842

ولم يقل أحدٌ إنه لا يعتد بالنزاع المنقول عن الصحابة والتابعين وتابعيهم؛ لكن تنازعوا فيما إذا أجمع العصر الثاني على أحد قولي أهل العصر الأول، وهذا إنما يكون إذا عُلِمَ إجماعُ مَنْ بعد الصحابة والتابعين على وقوع العتق والطلاق المحلوف به؛ وليس الأمر كذلك، بل النزاع في ذلك بعد التابعين أكثر منه في زمن الصحابة والتابعين، فإنَّ الصحابة والتابعين لم يعرف عنهم نزاع في التعليق الذي يقصد به الإيقاع، فجاء بعدهم مَنْ نازع في أصل تعليق الطلاق، حتى ذهب غير واحد إلى أنه لا يقع الطلاق المعلَّق بالصفات بحال، وليس هذا قول أبي عبد الرحمن بل قاله غيره، وهذا القول قولُ خَلْقٍ كثيرٍ من شيوخِ الشيعة المتقدمين والمتأخرين، وغير الشيعة من أهل السنة وغير أهل السنة، ولا يمكن الاحتجاج على هؤلاء بإجماع من سواهم من أهل عصرهم؛ فإنَّا في نفس بدعتهم التي بها فارقوا السنة والجماعة لا يمكن الاحتجاج عليهم بإجماع مَنْ سواهم؛ فكيف يحتج عليهم في مسألة عملية شرعية بإجماع مَنْ سواهم؟ بل لا بُدَّ من إقامةِ حجةٍ عليهم من الكتاب والسنة. ولهذا كان كل فريق من أهل البدع لا بُدَّ أَنْ يكون في الكتاب والسنة ما يُبَيِّنُ فساد بدعتهم، وإذا احتج عليهم بالإجماع يحتج عليهم بإجماع مَنْ قبلهم من الصحابة لا بإجماع غيرهم من أهل عصرهم. فتبين أنه لا يمكن الاحتجاج في المسألة بإجماع مَنْ بعد الصحابة والتابعين على من نازعهم في ذلك من أهل عصرهم من أي طائفة كانت (١)، لكن إِنْ كان معهم إجماع قديم احتجوا به على مَنْ نازعهم، وإلا احتجوا عليهم بالكتاب والسنة.

стр. 843

[٢١٥/ ب] وأيضًا؛ فالمسائل التي أجمع التابعون فيها على أحد قولي الصحابة، إنما أجمعوا لظهورِ سنةٍ لهم صَدَرَ الإجماع عنها؛ كديةِ الأصابع، وَعِدَّةِ المتوفَّى عنها الحامل (١)، ونحو ذلك مما لا يعلم بين العلماء المشهورين المتأخرين فيه نزاعًا، وإن كان قد يكون فيه خلاف لا نعلمه، لا يجمعون على قول يكون القرآن والحديث والقياس يدل على نقيضه، فإنَّ هذا لم يقع قط. الوجه الرابع: أَنَّ جميع أئمة المسلمين كانوا يدونون ألفاظ الصحابة والتابعين في العلم وينقلونها، بل هذا كان هو العلم عندهم بعد ألفاظ القرآن والحديث، وكانت الكتب المصنفة مثل: موطأ مالك بن أنس، ومصنف ابن جريج، وسعيد ابن أبي عروبة، وحماد بن سلمة، وسفيان الثوري. ومن بعدهم مثل: ابن المبارك، وابن وهب، وعبد الرزاق، ووكيع، وعبد الرحمن بن مهدي، وسعيد بن منصور وغيرهم. ومن بعدهم مثل: كتب الشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبي عبيد، وأبي ثور، ومحمد بن نصر= مملوءة بأقوالهم. وكذلك كتب أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن مملوءة بأقوال السلف من الصحابة والتابعين؛ فإنْ كانت مذاهبهم لا تعرف من أقوالهم، فقد أجمع أهل (٢) المذاهب المشهورة وغيرهم على أخذ العلم من أقوالٍ لا تفيد العلم بمراد أصحابها، وما أشبه هذا بقول مَنْ يقول مِن

стр. 844

الملاحدة: إنَّ ألفاظ القرآن والحديث لا تدل على مراد الله ورسوله ﷺ ، وكذلك مَنْ قال: ألفاظ الصحابة والتابعين وتابعيهم لا يُعرف منها مرادهم! الوجه الخامس: أَنَّ العامي المجرَّد لا يعرف المراد بألفاظ القرآن والحديث إن لم يكن له مَنْ يجمع له بين ناسخها ومنسوخها، ومجملها ومفسرها؛ فكيف يمكنه وحده معرفة قول بعض السلف؟! ولكن العالم [هو] (١) الذي يعرف كثيرًا من أقوالهم. وحينئذٍ؛ فإذا أخبره العالم بقول الثوري والأوزاعي فهو كما لو أخبره بقول مالك وأبي حنيفة، لكن لا ريب أَنَّ من الناس مَنْ هو بمذهب أبي حنيفة أعلم، ومنهم مَنْ هو [٢١٦/ أ] بمذهب مالك أعلم، ومنهم من هو بمذهب الشافعي أعلم، ومنهم من هو بمذهب أحمد بن حنبل أعلم، ومنهم من هو بمذهب الثوري أعلم، ومنهم من هو بمذهب إسحاق أعلم، ومنهم من هو بمذهب داود أعلم، ومنهم من هو بمذهب الأوزاعي أعلم. ولكن مع هذا؛ يذكر المصنفون في كتبهم في الخلاف ما يعرف به مذهب غيرهم، ويذكرون من الأقوال ما يعرف به مذاهب الصحابة والتابعين، وما زال العلماء يتداولون نقل مذاهب السلف ويذكرونها في كتبهم. وإذا قُدِّر غلط في بعض ذلك أو خفاء أقوالهم في بعض ذلك؛ فالمذهب المشهور الذي تَرَبَّى الإنسان على معرفته، يَغلطُ كثيرًا في نقل مسائله، ويخفى عليه كثير منه؛ فالغلطُ في بعضِ الأمور لا يوجبُ الغلطَ فيما

стр. 845

ضبطوه، والجهل بما خفي لا يوجب الجهل بما علم (١). الوجه السادس: قوله: (لا كَفُتْيَا مُطْلَقَةٍ تُنقل عن إمامٍ، لا يُدرى ما أراد بها، وهل اقترن بها أمرٌ يقتضي ذلك أم لا؟). يقال له: إِنْ كانَ أَخْذُ مذاهبِ السلف من فتاويهم المنقولة عنهم لا يجوز، فما نقلته عن السلف من مذاهبهم في الطلاق باطل. فإنك إنما معك فتاوى منقولة في قضايا جزئية، وقصةُ ليلى بنت العجماء مِنْ أَبْيَنِ وَأَحْسَنِ ما نقلَ من فتاويهم، فإنْ كنت لا تدري ما أرادوا بها، ويجوز أَنْ يكون هناك قرائن تخالف ما ظهر منها وَدَلَّتْ عليه = فَجَوِّزْ ذلك فيما نقلته من فتاويهم في الطلاق، لا سيما وأكثرُ ما نقلته تعليق يحتمل قصد الإيقاع عند الشرط ويحتمل قصد اليمين، لا سيما وقد غلطت في أكثر ما نقلته عنهم في الحلف بالطلاق، فإنَّ كثيرًا مما نقلته عن الصحابة والتابعين إنما هو في تعليق الطلاق على الملك، وظننت هذا في الحلف الذي ذُكِرَ فيه النزاع هل يكفَّر أم لا يكفر؟ فلم تُفَرِّق بين من يقصد إيقاع الطلاق عند الصفة وبين مَنْ يكره وقوعها وإِنْ وجدت الصفة، وإنما علقها لقصد الحلف بها، وحكيت مذاهبهم، فقد ظهر من غلطك في نقل مذاهبهم ما لم يظهر من غلط غيرك. ودعواك [٢١٦/ ب] أنه لا يُعرف ما أرادوا بفتاويهم= إقرارٌ منك بأنك لم تفهم مرادهم، وإقرارك حجةٌ عليك لا على غيرك؛ وأما غيرك ممن قد عَرَفَ
следующие страницы →