← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 32384

الرد على السبكي في مسألة تعليق الطلاق

ابن تيمية

Полный текст (1 081 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

مطلقًا، سواء كان قاصدًا لليمين أو قاصدًا للإيقاع. وداود وغيره يفرِّقون بين التعليق الذي يقصد به اليمين، والتعليق الذي يقصد به الإيقاع، وأبو ثور وابن جرير وغيرهما قد نازعوا في الحلف بالعتق؛ هذا يقول يكفر وهذا يقول لا يكفر. الوجه الثاني: أنه يمتنع مع هذا أن يحتج أحدٌ بإجماع، فإنه من المعلوم أنَّ أمة محمد ﷺ الذين إجماعهم حجة قاطعة، ليس هم أربعة ولا خمسة ولا عشرة ولا اثنا عشر (١). وأيضًا؛ فقد اتفق العلماء على أنه ليس إجماع الفقهاء الأربعة أو الخمسة أو الستة أو السبعة أو الثمانية أو التسعة أو العشرة؛ كمالك والثوري وأبي حنيفة وابن أبي ليلى والأوزاعي والشافعي [٢١٥/ أ] وأحمد وإسحاق وداود بن علي ومحمد بن جرير = هو الإجماع المعصوم الذي يجب على جميع المسلمين اتباعه (٢). الوجه الثالث: أَنَّ ما ذكره خلاف إجماع المسلمين الأولين والآخرين، فلم يَقُلْ أَحَدٌ إنه لا يجوز الاحتجاج بإجماع الصحابة ولا إجماع التابعين وتابعيهم ممن يقول الإجماع حجة، بل كُلُّ من يقول الإجماع حجة يقول: أَعْظَمُ الإجماعِ إجماعُ الصحابةِ، وتنازعوا في إجماع مَنْ بعدهم على قولين، هما روايتان عن أحمد.

стр. 842

ولم يقل أحدٌ إنه لا يعتد بالنزاع المنقول عن الصحابة والتابعين وتابعيهم؛ لكن تنازعوا فيما إذا أجمع العصر الثاني على أحد قولي أهل العصر الأول، وهذا إنما يكون إذا عُلِمَ إجماعُ مَنْ بعد الصحابة والتابعين على وقوع العتق والطلاق المحلوف به؛ وليس الأمر كذلك، بل النزاع في ذلك بعد التابعين أكثر منه في زمن الصحابة والتابعين، فإنَّ الصحابة والتابعين لم يعرف عنهم نزاع في التعليق الذي يقصد به الإيقاع، فجاء بعدهم مَنْ نازع في أصل تعليق الطلاق، حتى ذهب غير واحد إلى أنه لا يقع الطلاق المعلَّق بالصفات بحال، وليس هذا قول أبي عبد الرحمن بل قاله غيره، وهذا القول قولُ خَلْقٍ كثيرٍ من شيوخِ الشيعة المتقدمين والمتأخرين، وغير الشيعة من أهل السنة وغير أهل السنة، ولا يمكن الاحتجاج على هؤلاء بإجماع من سواهم من أهل عصرهم؛ فإنَّا في نفس بدعتهم التي بها فارقوا السنة والجماعة لا يمكن الاحتجاج عليهم بإجماع مَنْ سواهم؛ فكيف يحتج عليهم في مسألة عملية شرعية بإجماع مَنْ سواهم؟ بل لا بُدَّ من إقامةِ حجةٍ عليهم من الكتاب والسنة. ولهذا كان كل فريق من أهل البدع لا بُدَّ أَنْ يكون في الكتاب والسنة ما يُبَيِّنُ فساد بدعتهم، وإذا احتج عليهم بالإجماع يحتج عليهم بإجماع مَنْ قبلهم من الصحابة لا بإجماع غيرهم من أهل عصرهم. فتبين أنه لا يمكن الاحتجاج في المسألة بإجماع مَنْ بعد الصحابة والتابعين على من نازعهم في ذلك من أهل عصرهم من أي طائفة كانت (١)، لكن إِنْ كان معهم إجماع قديم احتجوا به على مَنْ نازعهم، وإلا احتجوا عليهم بالكتاب والسنة.

стр. 843

[٢١٥/ ب] وأيضًا؛ فالمسائل التي أجمع التابعون فيها على أحد قولي الصحابة، إنما أجمعوا لظهورِ سنةٍ لهم صَدَرَ الإجماع عنها؛ كديةِ الأصابع، وَعِدَّةِ المتوفَّى عنها الحامل (١)، ونحو ذلك مما لا يعلم بين العلماء المشهورين المتأخرين فيه نزاعًا، وإن كان قد يكون فيه خلاف لا نعلمه، لا يجمعون على قول يكون القرآن والحديث والقياس يدل على نقيضه، فإنَّ هذا لم يقع قط. الوجه الرابع: أَنَّ جميع أئمة المسلمين كانوا يدونون ألفاظ الصحابة والتابعين في العلم وينقلونها، بل هذا كان هو العلم عندهم بعد ألفاظ القرآن والحديث، وكانت الكتب المصنفة مثل: موطأ مالك بن أنس، ومصنف ابن جريج، وسعيد ابن أبي عروبة، وحماد بن سلمة، وسفيان الثوري. ومن بعدهم مثل: ابن المبارك، وابن وهب، وعبد الرزاق، ووكيع، وعبد الرحمن بن مهدي، وسعيد بن منصور وغيرهم. ومن بعدهم مثل: كتب الشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبي عبيد، وأبي ثور، ومحمد بن نصر= مملوءة بأقوالهم. وكذلك كتب أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن مملوءة بأقوال السلف من الصحابة والتابعين؛ فإنْ كانت مذاهبهم لا تعرف من أقوالهم، فقد أجمع أهل (٢) المذاهب المشهورة وغيرهم على أخذ العلم من أقوالٍ لا تفيد العلم بمراد أصحابها، وما أشبه هذا بقول مَنْ يقول مِن

стр. 844

الملاحدة: إنَّ ألفاظ القرآن والحديث لا تدل على مراد الله ورسوله ﷺ ، وكذلك مَنْ قال: ألفاظ الصحابة والتابعين وتابعيهم لا يُعرف منها مرادهم! الوجه الخامس: أَنَّ العامي المجرَّد لا يعرف المراد بألفاظ القرآن والحديث إن لم يكن له مَنْ يجمع له بين ناسخها ومنسوخها، ومجملها ومفسرها؛ فكيف يمكنه وحده معرفة قول بعض السلف؟! ولكن العالم [هو] (١) الذي يعرف كثيرًا من أقوالهم. وحينئذٍ؛ فإذا أخبره العالم بقول الثوري والأوزاعي فهو كما لو أخبره بقول مالك وأبي حنيفة، لكن لا ريب أَنَّ من الناس مَنْ هو بمذهب أبي حنيفة أعلم، ومنهم مَنْ هو [٢١٦/ أ] بمذهب مالك أعلم، ومنهم من هو بمذهب الشافعي أعلم، ومنهم من هو بمذهب أحمد بن حنبل أعلم، ومنهم من هو بمذهب الثوري أعلم، ومنهم من هو بمذهب إسحاق أعلم، ومنهم من هو بمذهب داود أعلم، ومنهم من هو بمذهب الأوزاعي أعلم. ولكن مع هذا؛ يذكر المصنفون في كتبهم في الخلاف ما يعرف به مذهب غيرهم، ويذكرون من الأقوال ما يعرف به مذاهب الصحابة والتابعين، وما زال العلماء يتداولون نقل مذاهب السلف ويذكرونها في كتبهم. وإذا قُدِّر غلط في بعض ذلك أو خفاء أقوالهم في بعض ذلك؛ فالمذهب المشهور الذي تَرَبَّى الإنسان على معرفته، يَغلطُ كثيرًا في نقل مسائله، ويخفى عليه كثير منه؛ فالغلطُ في بعضِ الأمور لا يوجبُ الغلطَ فيما

стр. 845

ضبطوه، والجهل بما خفي لا يوجب الجهل بما علم (١). الوجه السادس: قوله: (لا كَفُتْيَا مُطْلَقَةٍ تُنقل عن إمامٍ، لا يُدرى ما أراد بها، وهل اقترن بها أمرٌ يقتضي ذلك أم لا؟). يقال له: إِنْ كانَ أَخْذُ مذاهبِ السلف من فتاويهم المنقولة عنهم لا يجوز، فما نقلته عن السلف من مذاهبهم في الطلاق باطل. فإنك إنما معك فتاوى منقولة في قضايا جزئية، وقصةُ ليلى بنت العجماء مِنْ أَبْيَنِ وَأَحْسَنِ ما نقلَ من فتاويهم، فإنْ كنت لا تدري ما أرادوا بها، ويجوز أَنْ يكون هناك قرائن تخالف ما ظهر منها وَدَلَّتْ عليه = فَجَوِّزْ ذلك فيما نقلته من فتاويهم في الطلاق، لا سيما وأكثرُ ما نقلته تعليق يحتمل قصد الإيقاع عند الشرط ويحتمل قصد اليمين، لا سيما وقد غلطت في أكثر ما نقلته عنهم في الحلف بالطلاق، فإنَّ كثيرًا مما نقلته عن الصحابة والتابعين إنما هو في تعليق الطلاق على الملك، وظننت هذا في الحلف الذي ذُكِرَ فيه النزاع هل يكفَّر أم لا يكفر؟ فلم تُفَرِّق بين من يقصد إيقاع الطلاق عند الصفة وبين مَنْ يكره وقوعها وإِنْ وجدت الصفة، وإنما علقها لقصد الحلف بها، وحكيت مذاهبهم، فقد ظهر من غلطك في نقل مذاهبهم ما لم يظهر من غلط غيرك. ودعواك [٢١٦/ ب] أنه لا يُعرف ما أرادوا بفتاويهم= إقرارٌ منك بأنك لم تفهم مرادهم، وإقرارك حجةٌ عليك لا على غيرك؛ وأما غيرك ممن قد عَرَفَ

стр. 846

مرادهم كما عرفه سائر علماء المسلمين ونقلوا مذاهبهم، فإنه ــ ولله الحمد ــ نَقَلَ مذاهبهم نقلًا صحيحًا، كما نَقل ذلك مَنْ قبله من العلماء. والعلماء الذين بلغهم حديث ليلى بنت العجماء كلهم نقلوا عن الصحابة قولهم في الحلف بالنذر، بل ونقلوا قولهم في الحلف بالعتق، كما نقل ذلك أبو ثور ومحمد بن نصر ومحمد بن جرير وأبو بكر بن المنذر وأبو عمر بن عبد البر وأبو محمد بن حزم وغيرهم من العلماء. وَمَنْ لم يَسمع العتق أو سمعه ولم يعرف أنه ثابت لم ينقله، ومن نقل إجماعًا في الطلاق كأبي ثور فقد اعترف بأنَّ مرادَه بذلك أني لا أعلم نزاعًا. كما أَنَّ أحمد بن حنبل لَمَّا قال: لم يروه إلا سليمان التيمي؛ فمراده: أني لا أعلم رواه إلا التيمي، فأحمد نَفى رواية غير التيمي بحسب ما بلغه، وأبو ثور نفى قولًا آخر في الطلاق بحسب علمه، فنفي الرواية كنفي الرأي = كُلُّ ذلكَ ينفيه مَنْ ينفيه بحسب علمه واجتهاده؛ ولهذا دائمًا يبلغ هذا ما لا يبلغ هذا، فَيُثْبِتُ من الروايات والأقوال ما لا يعلمه الآخر. الوجه السابع: أَنْ يقال: كثيرٌ من مذاهب الصحابة والتابعين تكون منقولة في الأمة خلفًا بعد سلف، بل تكون منقولة بالتواتر أعظم من تواتر نقلِ كثيرٍ من مذاهب الأئمة المشهورين. فقول زيد ﵁ في الفرائض أشهر عند الأمة مِنْ قول أَحَدِ الأئمة الأربعة في الفرائض، بل قول عمر ﵁ في العول أشهر عند الأمة من أكثر مذاهب الأئمة عند أتباعهم، وكذلك قول ابن عباس ﵄ في العول يعرفه عامة العلماء، وهو متواتر بينهم ــ وإِنْ كان جمهورهم لا يقولون به ــ

стр. 847

أكثر من تواتر كثير من مذاهب الأئمة عند أصحابها (١)، بل قوله في المتعة والصرف أشهر من كثير من أقوال المتبوعين من العلماء مع أنه قول مرجوح [٢١٧/ أ] مخالفٌ للنص، وجمهور الأمة على خلافه. فإذا كان قول الواحد من الصحابة مع ضعفه قد تداولته الأمة خلفًا عن سلف وتواتر بينهم؛ فكيف بأقوالهم القوية التي اتبعها جمهورهم؟! وحديث ليلى بنت العجماء مما وافقه جمهور الأمة من الصحابة والتابعين وتابعيهم، وفقهاء الحديث قاطبة يعملون به، فهو متلقَّى عندهم، متواتر بينهم، لكن بعضهم بَلَغَهُ بعضُ طرقه، وبعضهم بلغه طريق آخر أو طريقين، والذين بلغهم ذلك أثبتوا ما فيه ولم يَختلفوا، فلم يختلف أحد ممن بلغه طريق أشعث مع طريق التيمي في أَنَّ فيه ذكر الحلف بالعتق بقولها: (وكل مملوك لي حر إِنْ فعلت)؛ وهذا مثل أبي ثور وابن نصر وابن جرير وابن المنذر وابن عبد البر وابن حزم وغيرهم = كُلُّهم أثبتوا فيه ذكر العتق ونقلوه عن أولئك الصحابة ﵃. الوجه الثامن: قوله: (وكنا نَوَدُّ لو دُوِّنَتْ تلك المذاهب كما دُوِّنَتْ هذه) (٢). فيقال: قد دُوِّنَتْ ــ ولله الحمد ــ ألفاظها بأعيانها في غير مصنف كما دونت (٣) ألفاظ الأئمة، وَمَنْ نُقِلَ لَفْظُهُ على وجهه كان أبلغ من أن ينقل قوله

стр. 848

بالتصرف الذي يقع فيه خطأ كثير، كما نقل الخراسانيون مذهب الشافعي بتصرفهم، فيخطئون كثيرًا فيما ينقلونه، بخلاف مَنْ يَنقل ألفاظه كالعراقيين. فنقل مذاهب السلف المنقولة ألفاظها على وجهها أَصَحُّ مِنْ نقل طائفة من مذاهب الأئمة المشهورين. الوجه التاسع: قوله: (ولكن في الكتاب والسُنة التي تَكَفَّلَ الله بحفظهما كفاية عن كل مذهب، وغناء عن قول كل قائل) (١). فيقال: هذا حق لمن استدل بهما، وَعَلَّقَ الأحكام بما دَلَّا عليه نصًّا واستنباطًا، وأما من عكس هذه الطريقة مثل مَنْ يُلغي ما دَلَّا عليه، ويعتبر ما ألغياه = فهذا ممن قال فيه النبي ﷺ : «أَوَ ليست التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى؛ فماذا تغني عنهم؟!» (٢). وهذا حال أهل الأقوال المبتدعة أَصَّلُوا لهم أصلًا بلا كتاب ولا سنة، ثم تأولوا ما جاء من الكتاب والسنة يخالف قولهم، كما فعلت الجهمية والرافضة ونحوهم من أهل البدع، وكل قول يخالف دلالة الكتاب والسنة [٢١٧/ ب] فهو قول مبتدَع، وَإِنْ كان قائله مجتهدًا مثابًا مغفورًا له، وإن كان من أفاضل الأولين والآخرين.

стр. 849

ومن ذلك: أَنْ يجعل كونُ الكلام تعليقًا هو الوصف الشرعي المؤثِّر في الحكم الشرعي، ويجعل كونه يمينًا وصفًا ملغًا مهدرًا في الشرع، فإذا كان الكلام تعليقًا ويمينًا ألغى كونه يمينًا واعتبر كونه تعليقًا = فهذا ممن لم ينتفع بالكتاب والسنة، كما لم ينتفع بهما مَنْ خالف مدلولهما. الوجه العاشر: أَنْ يقال له: إذا كان فيهما كفاية؛ فمعلومٌ أنه لا ينعقد إجماع إلا وفيهما ما يدل على مثل ما انعقد عليه، وإلا فلو انعقد إجماع على حكم لا يكون فيهما لم يكن فيهما كفاية. فإنْ قال: هما دَلَّا على كون الإجماع حجة، والإجماعُ يحتج به على الأحكام. قيل له: فيحتاج حينئذٍ أَنْ يَحفظ أقوال الصحابة والتابعين وتابعيهم التي بها يُعرف الإجماع والنزاع، فالاكتفاء بالكتاب والسنة مع دعوى الإجماع لا تمكن إلا إذا كان ما انعقد عليه الإجماع مما دَلَّا عليه، فتكون دلالتهما موافقًا للإجماع، أو أن يكون أقوال أهل الإجماع والنزاع مما يجب الاعتناء بها ونقلها، وإلا فالإعراض عنها مع الاحتجاج بقولهم من غير دلالة الكتاب والسُنة عليها = تناقض؛ كما فعل هذا المعترض حيثُ يَدَّعِي الاكتفاء بهما، وَيَدَّعِي الاستغناءَ عن نقلِ أقوالِ السلف من الصحابة والتابعين، ثم مع ذلك يحتج بنقل إجماعٍ على حكمٍ لم يدل عليه كتاب ولا سنة، بل الكتاب والسنة والقياس يدل على نقيض ما ادعى من الإجماع، ومع أنه لا إجماع فيه، لكن القول المخالف للكتاب والسنة جاء من عند غير الله، فيوجد فيه اختلافٌ كثيرٌ؛ كقول المعترض وأمثاله في مسائل الأيمان والتعليقات تعليق الطلاق والنكاح وغير ذلك، ففيها من التناقض والاضطراب ما يطول بوصفه الكتاب؛ والله أعلم.

стр. 850

ومعلومٌ أنه لا يمكن معرفة إجماعهم وتنازعهم إلا بعد معرفة أقوالهم، فإنْ كانت أقوالهم لا يحتاج إليها، فلا يُحتجُّ بإجماعهم ولا يُذكر نزاعهم، فإنْ ذكر إجماعهم [٢١٨/ أ] ونزاعهم فلا بُدَّ من معرفة أقوالهم، وأما أَنْ يحتج بنقل إجماعهم مع أَنَّ غايتَهُ ظَنٌّ من الناقل لا علم له به، ويترك نقل نزاعهم الذي هو إما معلوم وإما مظنون ظنًّا أقوى من ظن نفي النزاع؛ فهذا فعل المطففين الذين لا يعدلون في ميزان العلم والمعاني التي هي أحق بالعدل فيها من ميزان الأموال والدراهم. وأما ما ذكر من إشارة بعض شيوخه عليه بالاعتناء بجمع ما يتصل إليه من الروايات من مذاهب السلف؛ فهذا يدل على أَنَّ شيخَهُ هذا مفرطٌ في الجهل بما فعله العلماء من ذلك وبقدر المسؤول، فإنَّ هذا الباب قد أمعن العلماء فيه، ومصنفات السلف كلها كانت من هذا الباب مثل: موطأ مالك، وجامع سفيان، ومصنف ابن جريج وحماد بن سلمة وسعيد بن أبي عروبة، ثم مصنفات عبد الله بن المبارك وعبد الله بن وهب ووكيع بن الجراح وهشيم بن بشير (١) وعبد الرحمن بن مهدي وأمثال هؤلاء، ثم مصنف عبد الرزاق وسعيد بن منصور وأبي بكر بن أبي شيبة، ثم مصنفات الشافعي ومحمد بن الحسن وأحمد بن حنبل وأصحاب أحمد مثل: الأثرم وحرب الكرماني وصالح وعبد الله ابني أحمد وأبي بكر المروذي وأمثال هؤلاء. لكن منهم مَنْ يُجَرِّدُ الآثار؛ فيذكر أقوال النبي ﷺ والصحابة والتابعين لا يخلط بشيء من الكلام والبحث، ومنهم مَنْ يخلطها بشيء من ذلك.

стр. 851

وأما تصنيف أقوال العلماء من غير آثار تُروى عن النبي ﷺ والصحابة والتابعين، فهذا مما أحدثه المتأخرون، لم يكن شيء منه في عهد السلف، وليس هذا مما يصلح له شيوخ شيوخ المعترض، فضلًا عنه وعن أمثاله، ويكفيك دليلًا على إفساد أقوال السلف ما فعله بهذا الأثر المشهور عندهم، الذي اتفقوا على تلقيه بالقبول والتصديق وعلى معرفة معناه، كيف بَدَّلَ من إجماعهم بتعليل إسناده وتحريف معناه، ثم يعتمد عليهم في نَقْلِ إجماعٍ نَقَلَهُ منهم واحد وتبعه بعضهم ونازعه بعضهم، وليس مع ذلك الناقل إلا ظَنٌّ لا يغني من [٢١٨/ ب] الحق شيئًا، فَيَدَعُ ما علموه من نقلهم، وجزموا بصحته، وتلقوه بالقبول، ويحتج من نقلهم بما غايته أَنْ يكون ظنًّا إذا لم يكن خطأ، فكيف إذا تبيَّن أنه خطأ؟! وهذه عادات أهل الجهل والبدع يَطعنون في المنقولات الصحيحة الثابتة، ويحتجون بالنقول الضعيفة، وهذا معروفٌ فيهم في مسائل الأصول والفروع، فتجدهم في مسألة الرؤية يَعدلون عن الأحاديث الصحاح المتواترة عند أهل الحديث المتلقاةِ بالقبول وما يوافقها من آثار الصحابة والتابعين [إلى] (١) آثار ضعيفة ساقطة لا تُعرف إلا عن مجهول أو متهم. وكذلك في باب صفات الله ــ تعالى ــ وَعُلُوِّهِ يعدلون عما في القرآن والأحاديث الصحيحة وآثارِ الصحابة والتابعين الثابتة عنهم إلى آثارٍ موقوفة ومرفوعة موضوعة. وكذلك الرافضة يعدلون عن الأحاديث الصحيحة المتواترة إلى

стр. 852

الأحاديث الموضوعة الضعيفة. وكذلك المسائل العملية تجد أصحاب الأقوال الضعيفةِ يعدلون عن الآثار الصحيحة المتلقاةِ بالقبول والتصديق عند أهل النقل إلى الآثار الواهية؛ كالآثار في مسألة المسكر، والآثار في سهم الفارس، والآثار في طواف القارن وسعيه، والآثار في فسخ الحج إلى العمرة، والآثار في خيار المجلس، والآثار في سجدات المُفَصَّل، والآثار في أنه لا يقتل مسلم بكافر، والآثار في حرم المدينة وأمثال ذلك. وكذلك دعوى الإجماعات في خلاف ما ثبت بالآثار، بل ونصوص القرآن؛ تارة بدعوى الإجماع على نسخها وإن كانت في القرآن والسنة المعلومة، وتارة بدعوى الإجماع على خلافها، كدعوى من ادعى الإجماع على جواز نكاح الزانية (١)، وأَنَّ يكون الرجل ديوثًا (٢)، وكدعوى من ادعى نسخ العقوبات المالية (٣)، وكدعوى من ادعى الإجماع على أنه لا يجوز أَنْ يُكَبَّرَ على الجنائز أكثر من أربع (٤)، ودعوى من ادعى الإجماع على وجوب الثمانين في حد الخمر (٥)، ودعوى من ادعى الإجماع على خلاف حديث

стр. 853

المُصَرَّاة (١)، ودعوى من ادعى الإجماع على أنه لا تقبل شهادة العبد، وأنس بن مالك يَذْكُرُ [٢١٩/ أ] أنه لم يَعرف أحدًا رَدَّ شهادة العبد (٢)، ودعوى من ادعى الإجماع على أنه لا تُقصر الصلاة في أقل من يومين (٣)، ومثل هذا كثير. ثم من كان من الظانين للإجماع من أهل العلم والدين، إنما يظنه لأنه لم تبلغه الآثار في النزاع فهو معذور، وآخرون تبلغهم الآثار الثابتة المسندة في خلاف ما يظنونه من الإجماع، فيسلكون السبيل التي سلكها هذا المعترض، يسلكون في تلك الآثار الثابتة سندًا ومتنًا ثم إلى تعليل سندها وتأويل متنها، وليس معهم ما يعارضها إلا ظَنٌّ كاذب لإجماع لا حقيقة له. ولهذا كان أئمة السنة كأحمد بن حنبل يَعُدُّ هؤلاء من أهل البدع المذمومة، كما قال في رواية ابنه عبد الله: (مَنِ ادعى الإجماع فقد (٤) كذب، لعل الناس اختلفوا، هذه دعوى بشر المريسي والأصم) (٥). وهذان من أكابر فقهاء الجهمية. أما الأصم عبد الرحمن بن كيسان (٦): فكان من أكابر شيوخ أهل الكلام بالبصرة، وهو شيخ إبراهيم بن إسماعيل بن عُلَيَّة الذي كان يناظر

стр. 854

الشافعي بمصر، ويكتب كُلٌّ منهما ردًّا على الآخر، وكان الشافعي ﵁ يقول فيه: (إبراهيم بن علية ضالٌّ على باب الضوال، يُعَلِّمُ الناسَ الضلال) (١). وهو الذي يذكر له أقوال شاذة في الأصول. وأبوه: إسماعيل بن عُلَيَّة من شيوخ أهل العلم والدين، أَخَذَ عنه الشافعي وأبو يوسف وأحمد بن حنبل وغيرهم (٢). وبشر المَرِيْسِي كان ــ أيضًا ــ من أهل الرأي والكلام، وله مع الشافعي مناظرات معروفة، وكان من دعاة الجهمية في محنتهم (٣)، ولهذا صَنَّفَ أهل السنة والإثبات رَدًّا عليه وعلى أصحابه، كما صنف عثمان بن سعيد الدارمي وغيره (٤). فهذان وأمثالهما كانوا إذا أتاهم غيرهم بآثارٍ لا يعرفونها = دفعوها بما يزعمونه من الإجماعات المدعاة؛ فلهذا قال أحمد: هذه دعوى بشر المريسي والأصمِّ: وكان أحمد يُذَاكَرُ (٥) في المسألة. فيقال له: قالوا: فيها

стр. 855

إجماع. فيقول: هل عندهم فيها أثر قديم عن الصحابة أو التابعين؟ فيقولون: لا. فيذكر أَنَّ إجماعهم [٢١٩/ ب] ليس بشيء، فإنه دعوى يُعلم أَنَّ مدعيها يقول ما لا يَعلم، فإنه إذا ادعى أنه قد عَلِمَ إجماعَ الأمة في القرون المتأخرة مع تفرقها وانتشارها = فهذا مما نجزم قطعًا بأنه لا يعلمه، وإذا لم يكن معه إلا الاستقراء وهو تتبع أقوال العلماء ولم يجد خلافًا؛ فهذا يكون بحسب علمه، فأكثر المنتسبين إلى العلم لا يُحَصِّلُ لهم هذا الاستقراء لا علمًا ولا ظنًّا، لأنه ليس لهم خبرة بأقوال جميع العلماء مع كثرتهم وانتشارهم، والذين كانوا يقولون هذا لاطلاعهم على أكثر أقوال العلماء يصيبون في كثير مما ينقلونه، ويخطئون في بعض ما ينقلونه، فالمكثر (١) منهم لنقل الإجماع في هذه المسائل الظنية يكثر خطؤه، والمُقِلُّ (٢) منهم لنقل الإجماع فيها يقل خطؤه، ولست أعلم أحدًا ممن يَنقل الإجماع في مثل هذه المسائل إلا وقد وجدنا فيما ينقله من الإجماعات ما فيه نزاع لم يعلمه. وأما الإجماعات التي ينقلونها وهي صحيحة فتجدها مما دَلَّ عليه الكتاب والسنة؛ فلست أعلم إجماعًا صحيحًا إلا ومعه دلالة من الكتاب والسنة توافقه، ليكون مخالف الإجماع المقطوع به داخلًا في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ١١٥]. * * * *

стр. 856

فصلٌ قال المعترض: (قال المجيب بعد أَنْ حكى عن أبي محمد المقدسي [ما] ذكره في شرح الخرقي (١) [من] وقوع العتق في ذلك، مستدلًّا بأنه عُلِّقَ على شرط، وهو قابل للتعليق، فيقع بوجود شرطه (٢) كالطلاق. وأَنَّ أحمد قال في حديث أبي رافع: كَفِّرِي يمينك وأَعتقي جاريتك؛ وهذه زيادة يجب قبولها، ويحتمل أنها لم يكن لها مملوك سواها. قال: قلتُ: القياس المذكور عندهم ينتقض (٣) بكل ما يعلقه بالشرط: من صدقة المال، والمشي إلى مكة، والهدي. وقوله: إِنْ فعلتُ كذا فعليَّ أَنْ أُعتق أو أُطَلِّق، وقوله: إِنْ فعل كذا فهو يهودي ونصراني وأمثال ذلك مما صيغته صيغة الشرط وهو عندهم يمين اعتبارًا بمعناه (٤). قلت (٥): النقضُ المذكور لا يصح؛ لما تقدم من الفرق بين تعليق الالتزام [٢٢٠/ أ] وتعليق العتق والطلاق، وقد تقدم ذلك مستوفًى فلا حاجة لإعادته.

стр. 857

واستعملَ النقضَ في القياس وهو (١) إنما توصف به العلة. وقوله: (وهو عندهم يمين اعتبارًا بمعناه (٢))؛ موافقٌ لما قلناه من موافقة التعليقات المذكورة لليمين بالله في الالتزام، فلذلك جُعِلَت يمينًا، لا أَنَّ المعتبَر كونُ الحَثِّ والمنع حاصلًا فيها خاصة، لأنَّ الحَثَّ والمنع فرعٌ عن الالتزام الحامل (٣) عليه) (٤). والجواب من وجوه: أحدها: قول المعترض: (إِنَّ النقض المذكور لا يصح؛ لما تقدم من الفرق بين تعليق الالتزام وتعليق الطلاق والعتق) كلامٌ يتضمن الجهل بمعنى القياس صحيحه وسقيمه، والفرق بين زائغه ومستقيمه؛ وذلك: أَنَّ القياس إذا انتقض بصورة من الصور = كان هذا سؤالًا صحيحًا باتفاق الناس، لم يختلفوا أنه إذا وجد الوصف الذي عُلِّقَ به الحكم في القياس بدون الحكم أَنَّ هذا قياس منتقضٌ، وَأَنَّ هذا سؤال وارد. لكن مَنْ يقول بأن العلة لا يجوز تخصيصها يقول: بأنَّ هذا يستلزم فسادَ القياس ولا جواب عنه، ويقول: إنه متى انتقضت العلة فسدت. وَمَنْ يقول بأنه يجوز تخصيصها إما لفوات شرط وإما لوجود مانع، أو مَنْ يُجَوِّزُ تخصيصها لمطلق الدليل فإنه يجيز النقض بالفرق؛ فيفرِّق بين

стр. 858

صورة النقض وبين الأصل بِفَرْقٍ مشترَكٍ بين الأصل والفرع منتفٍ في صورة النقض، لأنَّ الوصف وُجِدَ في الأصل مقرونًا بالحكم، ووجد في صورة النقض بدون الحكم، فليس إلحاق الفرع بصورة الأصل أولى من إلحاقه بصورة النقض، فإنَّ الوصف موجود في الصور الثلاث، والحكم موجودٌ معه في صورةٍ معدومٌ معه في صورةٍ أخرى، وصورة النزاع محتملة، فليس جعلها لأجل الوصف كالأصل بأولى من جعلها مع الوصف بصورة النقض. والناس هنا لهم ثلاثة أقوال، هي ثلاثة أقوال في مذهب أحمد وغيره؛ أحدها: [٢٢٠/ ب] أنهم لا يقبلون الجواب عن النقض، لقولهم: إِنَّ العلة إذا خُصَّت تبين فسادها. والثاني: يقبلون الجواب بذكر دليل يخص صورة النقض بانتفاء الحكم فيها، وهم الذين يُجَوِّزُون التخصيص لمطلق الدليل، ويقولون بالاستحسان الذي هو تخصيص العلة لمجرد دليل لا لمعنًى مؤثِّر. والثالث ــ وهو أصح الأقوال ــ: أنه يقبل الجواب ببيان فرقٍ مؤثر يوجب مفارقةَ النقض للأصل والفرع بوصفٍ اختصَّ (١) به دونهما؛ أوجب انتفاء الحكم عنه، كتخلف الحكم لفوات شرطٍ أو وجود مانع (٢). والنزاع بين مَنْ يقول بتخصيص العلة لمعنى مؤثر ومن يمنعه نزاعٌ لفظي؛ فإنَّ العلة قد يراد بها العلة التامة المستلزمة للحكم (٣)؛ فهذه يدخل

стр. 859

فيها كل معنى ينتفي الحكم بانتفائه، مثل: جزء العلة وشرطها وعدم المانع، وهذه متى انتقضت بطلت. ويراد بالعلة: المعنى المقتضي للحكم وَإِنْ كان له شروط وموانع؛ فهذه يجوز تخصيصها لفواتِ شرطٍ أو وجود مانع. وأما التخصيص بدليل لا يبين الفرق المعنوي؛ فهذا لا يقبل إلا إذا كانت العلة ثابتة بنص أو إجماع، والتخصيص كذلك، فيكون الحكم في الحقيقة ثابتًا بالخطاب، ويكون التخصيص من باب تخصيص الألفاظ لا من باب تخصيص المعاني. إذا عُرِفَ هذا؛ فهذا القياس المذكور في أَنَّ العتق المعلق بالصفة يقع وَإِنْ قصد به اليمين. قيل فيه: بأن العتق عُلِّقَ على شرطٍ وهو قابل للتعليق فيقع بوجود شرطه، كالطلاق. والقائسون بهذا القياس لم يقيموا دليلًا لا من نَصٍّ ولا إجماع على أَنَّ كُلَّ قابلٍ للتعليق إذا عُلِّقَ بأيِّ شرطٍ كان وقع، وهم يقولون: إن النذر قابل للتعليق، وإذا عُلِّقَ بشرط فَإِنْ كان على وجهِ اليمين لم يلزم، وإِنْ كان على وجه التقرب لزم؛ فَيُقَسِّمُونَ القابل للتعليق إذا عُلِّقَ إلى قسمين: قسم يلزم؛ وهو إذا قصد وجود الجزاء عند الشرط. وقسمٌ لا يلزم؛ وهو إذا قصد به اليمين. [٢٢١/ أ] فإذا قالوا ذلك؛ ثم ذكروا عن منازعيهم من الصحابة والتابعين ومن اتبعهم من الفقهاء أَنَّ العتق المعلق بالصفة إذا قصد به اليمين لم يلزم وإذا قصد به الإيقاع لزم، كما قالوا هم في تعليق النذر، فإذا احتجوا عليهم

стр. 860

بقولهم: العتق عُلِّقَ على شرط وهو قابل للتعليق فيقع كالطلاق = كان هذا القياس منتقضًا بالنذر المعلَّق على شرط إذا قُصِدَ به اليمين فإنه قابل للتعليق، وهو لا يلزم إذا قصد به اليمين. ولا فرق بين أن يكون المعلق وجوبًا في الذمة أو حكمًا في عين من الأعيان، فلو قال: إِنْ شفى الله مريضي ففرسي هذه حبسٌ في سبيل الله أو فشاتي أضحية أو هدي ونحو ذلك جاز، ولو قصد به اليمين لم يلزم. وكذلك لو قال: إِنْ شفى الله مريضي فداري وقفٌ على المساكين جاز في أحد الوجهين في مذهب أحمد، ولو قصد به اليمين لم يلزم. وكذلك لو قال: إِنْ شفى الله مريضي فَكُلُّ شيءٍ لي على الناس فهم في حِلٍّ منه صَحَّ ذلك في أظهر القولين. ولو قصد به اليمين لم يلزم مثل أَنْ يقول: إِنْ سافرت معكم فمالي هدي ودُوْرِي وقف ومالي على الغرماء صدقة عليهم ونحو ذلك. فالمقصود: أنه إذا قاس قياسًا، فذكر وجود الوصف بدون الحكم، كان هذا نقضًا واردًا على القياس بلا ريب، ثم إِنْ كان هناك فرقٌ صحيح كان من باب الجواب عند من يجيز النقض بالفرق، ومَنْ لا يقبله يقول: كان ينبغي له أن يذكر في العلة. فهذا الفرق الذي ذكره المعترض لو كان صحيحًا كان ينبغي عند هؤلاء أَنْ يذكر في القياس، فيقال: عُلِّقَ على شرطٍ على غير وجه الالتزام، أو حُكْمٌ في عينٍ معينةٍ عُلِّقَ على شرطٍ، ومن يقبل جواب النقض فإنه يَعترف بأنه سؤالٌ صحيحٌ لكن بذكر الفرق، لا نقول ــ كما قال المعترض ــ: (إِنَّ هذا

стр. 861

النقض لا يصح، لما ذكره من الفرق)؛ فإنه لو كان [ذا] (١) صحيحًا لما جاز أن يورد سؤال النقض على قياسٍ [٢٢١/ ب] إلا إذا لم يكن عنه جواب. الوجه الثاني: أَنْ نقول: ما ذكرته من الفرق باطلٌ من سبعةِ أوجهٍ؛ فإنه غير مُطَّرِدٍ في النقض، ولا ينعكس في الأصل، ولا مؤثر في الشرع؛ وبيان ذلك: أَنَّ المفرِّق إذا فَرَّقَ بين صورتين بوصفٍ اقتضى الحكم في إحداهما دون (٢) الأخرى؛ كما إذا فرقنا بين الخمر والبنج في إيجاب الحد، بأنَّ الخمر مسكر، فيورث لذة وطربًا والنفوس تشتهيها ويدعوا إليها الطبع، فاحتاجت إلى رادعٍ شرعي، بخلاف البنج فإنه وَإِنْ غَيَّبَ العقلَ لكنه لا يُسكر، فليس فيه لذة ولا طرب ولا تشتهيه النفوس وتدعو إليها الطباع؛ وما كان كذلك = لم يحتج إلى حَدٍّ يكون رادعًا كالبول والعذرة؛ وَطَرْدُهُ: الدم والميتة ولحم الخنزير لا حدَّ فيه عند جمهور العلماء، وقد رُوِيَ عن الحسن أَنَّ فيه الحد كالخمر (٣).

стр. 862

فهذا الفرق الذي ذكرناه بين الصورتين يوجب ثبوت الحكم به في أحدهما كأنواع المسكر، وانتفاء الحكم بانتفائه في الأخرى كأنواع البنج، ولولا ذلك لم يكن فارقًا. وهذا المفرِّق إذا فَرَّقَ بأنَّ المعلَّق في النذر كان التزامًا في الذمة قد يفي به وقد لا يفي، والمعلَّق للوقوع حكمٌ في عينٍ لا يتمكن من الرجوع عن مقتضاه = كان صحة فَرْقِهِ مشروطةً بأنه لا يحصل نذر اللجاج والغضب إذا قصد به اليمين يمينًا إلا إذا كان التزامًا في الذمة، وبجعل كل ما كان تعليقًا لحكمٍ في عينٍ من الأعيان كتعليق الطلاق والنكاح لا يلزم وإن قصد به اليمين؛ وهو لم يقل بهذا إلا في صورة الأصل وهو نذر اللجاج والغضب الذي يُقصد به اليمين، ولا في الفرع وهو التعليق الذي يلزمه به. وأيضًا؛ فكل معلِّق لا بُدَّ في تعليقه من التزامٍ في الذمة (١)؛ لكن تارة يكون مطلقًا وتارة يكون معينًا، ولو قال بذلك فليس معه دليل شرعي يقتضي تأثير هذا الوصف، بل الدليل الشرعي يدل على أن المؤثر في سقوط اللزوم ووجوب الكفارة كونه قصد بالتعليق اليمين، لا كونه قصد التزامًا في الذمة؛ فهذه خمسة أوجه تبطل فَرْقَهُ. [٢٢٦/ أ] أولها: أَنْ يقال: لو كان المعلَّق في صورة النذر الذي يقصد به اليمين وجوبُ شيءٍ بعينه لا التزامًا في الذمة، مثل أَنْ يقول: إِنْ سافرتُ

стр. 863

معكم فإبلي هدي وماشيتي أضاحي وَدُوْرِي وقف ومالي صدقة ونحو ذلك؛ فإنه تجزئه كفارة يمين، والمعلَّق هنا حكمٌ في أعيانٍ موجودةٍ خارجةٍ عن ذمته، ليس المعلَّق مجرَّد التزامٍ في الذمة؛ ومع هذا فلا يلزم إذا قصد به اليمين = فعلم أَنَّ كونَه التزامًا وصف عديم التأثير. الثاني: أنه إذا قال: إِنْ شفى الله مريضي فعليَّ أَنْ أحج أو أتصدق بألف درهم أو أصوم شهرًا ونحو ذلك مما يلتزمه في نذر اليمين= لزمه بالنص والإجماع، وهو التزام في الذمة وقد لزمه بالنص والإجماع لَمَّا قَصَدَ به النذر، فعلم أَنَّ كونه التزامًا في الذمة لا يمنع من لزومه إذا قام المقتضي للزومه، فلما لم يُلزمه به في صورة نذر اليمين عُلِمَ أنه لم يكن ذلك لكونه التزامًا. الثالث: أَنْ يقال: كل مُعَلِّقٍ لا بُدَّ أنْ يلتزم شيئًا في الذمة؛ لكن تارة يكون مُطْلَقًا كقوله: لله ــ تعالى ــ عليَّ أَنْ أعتق عبدًا، وتارة يكون معيَّنًا كقوله: لله عليَّ أَنْ أعتق هذا العبد، أو فهذا العبد حر. فإنَّ قوله: فهذا العبد حر وإِنْ كان يَعْتِقُ بنفس وجود الصفة، فقد أوجب ذلك عليه في ذمته اعتقاد حُرِّيَّتِهِ وامتناعه من استعباده واسترقاقه، وهذا فعل يجب عليه في ذمته، وهو غير المعين الذي اتصف به العبد، بل هذا حكمه ومقتضاه. وكذلك؛ إذا قال: فهذه الشاة أضحية أو هذا البعير هدي أو فهذا المال صدقة فإنَّ كونَهُ هديًا وصدقة يوجب عليه تسليمه إلى مستحقِّه، فيجب عليه في الهدي سوقه إلى مكة وذبحه هناك، وكونه أضحية يوجب ذبحها في عيد النحر ويقسم لحمها، وكون المال صدقة يوجب عليه صرفه إلى مستحقيه.

стр. 864

وكذلك كون المرأة مطلقة يوجب عليه اعتقاد تحريمها عليه وامتناعه من الاستمتاع بها وتخلية سبيلها وهو التسريح بالإحسان [٢٢٢/ ب] الذي أوجبه الله ــ تعالى ــ على المطلِّقِ في كتابه حيث قال: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٩]، وحيث قال تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]. لكن في الهدي والأضحية والوقف والحبس يجب عليه فعلٌ مع الكَفِّ، وفي العتق والطلاق يجب عليه الكف والإمساك، والفعل تابع لذلك. لكن كثرة الواجب هناك لا يُضْعِفُ وجوبه بل يقويه، فإذا كان مع قوته يَسقط مع قصد اليمين، فالواجب القليل أن يسقط مع قصد اليمين أولى وأحرى. الرابع: منع افتراقهما في الوصف الفارق؛ وذلك أَنَّ الوجوب الثابت في الذمة لا يمكن دفعه بعد وقوعه، كما أَنَّ الطلاق والعتاق لا يمكن دفعه بعد وجوبه، وإنما يمكَّنُ من فِعْلِ الواجب وتركه، كما يتمكن من إرسال العبد والمرأة وحبسهما، فأما نفس وجوب الفعل فلا يمكن دفعه، كما لا يمكنه دفع الوقوع. الخامس (١): أَنَّ هذا الفرق عكس ما طلبه؛ فإنَّ الوجوب في الذمة أوسعُ طرقًا وأثبت، والوقوع له شروط وموانع أكثر من الوجوب في الذمة (٢)؛ فثبوت الالتزام أقوى من ثبوت الوقوع وأوسع، ولهذا كان ما ثبت

стр. 865

في الذمة لا يزول إلا بالأداء، لا يزول ببطلان محله، بخلاف صفات الأعيان فإنها تزول ببطلان محلها، فإذا كان قصد اليمين يمنع وجوب ما يجب في الذمة فَلَأَن يمنع الوقوعَ خارجَ الذمة بطريق الأولى والأحرى. الوجه الثالث (١): أَنْ يقال: هَبْ أنه سُلِّمَ لك كون الكفارة مع الالتزام وسقوطها مع عدم الالتزام؛ فأين الدليل الشرعي الدال على أَنَّ هذا الوصف مؤثِّرٌ في الشرع، هو الذي عَلَّقَ الشارعُ به الحكم؟ ومعلومٌ أنه ليس لأحدٍ أَنْ يُعَلِّق الأحكام الشرعية بما شاء من الصفات، فإنَّ هذا ابتداءُ شرعٍ من تلقاء نفسه، يَدْخُلُ به صاحبه في معنى الذين قيل فيهم: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ [٢٢٣/ أ] الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]، وفي معنى الذين ذمهم بقوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس: ٥٩]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٠] وأمثال ذلك مما ذم الله به من يحلل ويحرم ويشرِّع بلا كتاب منزل من الله. الوجه الرابع: أَنْ يقال: المعنى المؤثر في سقوط اللزوم ووجوب الكفارة في نذر اللجاج والغضب إنما هو كونه يمينًا؛ كما نَصَّ على ذلك الأئمة والعلماء القائلون بهذا القول، كالشافعي وأحمد وغيرهما، وكما نص عليه الصحابة والتابعون القائلون بذلك، وهذا الوصف هو المؤثر في الكتاب والسُنة، فإنَّ الله ــ ــ جَعَلَ في الأيمان كفارة يمين، ولم

стр. 866

يجعل ذلك في غير الأيمان، فلمَّا كان الناذر نذر اللجاج والغضب قَصْدُهُ اليمين وجبت فيه كفارة يمين، وهذا المعنى موجود سواءً كان النذر؛ إما في الذمة فيمكَّن من فعله وتركه، أو وقوعًا مضافًا إلى عينٍ معينة لا يمكن دفعه بعد وقوعه. وهؤلاء قلبوا الشريعة؛ فجعلوا كونه يمينًا ليس هو الموجب للكفارة، ولا كونه غير يمين هو المانع من ثبوتها، بل كونه التزامًا هو الموجب للكفارة، وكونه غير التزام يمنع ثبوت الكفارة، والله ــ ــ إنما عَلَّقَ وجوبَ الكفارة بكونه يمينًا، وهم قلبوا الشريعة في موضعين: أحدهما: جعلهم الوصف المؤثر في اللزوم كونه تعليقًا. والثاني: كون الوصف المانع من اللزوم كونه التزامًا، وهو في ذلك تعليق؛ وليس معهم دليل شرعي على أن المؤثر في اللزوم هو التعليق، ولا دليل شرعي على أن المانع من اللزوم والموجب للكفارة كونه التزامًا، ولا الوصف الأول مؤثر عندهم، بل كثير من التعليقات لا يجعلونها لازمة؛ ولا الثاني مانعًا، فكثير من الالتزامات يجعلونها لازمة. ثم نَفْيُ وجوبِ الالتزام لا يوجب ثبوت الكفارة، فما الموجب لثبوت الكفارة؟! وإنما الشريعة التي بعث الله ــ تعالى ــ به رسوله ﷺ أَنَّ الوصف المؤثر في [٢٢٣/ ب] الوقوع واللزوم كونه مُطَلِّقًا ومعتقًا وناذرًا سواء كان بصيغة تنجيز أو بصيغة تعليق. والوصف الموجب للكفارة المسقطُ للزوم هو كونه يمينًا سواء كان المعلَّق التزامًا أو وقوعًا، وسواء كانت بصيغة تعليق أو صيغة قسم. وَمَنْ تَدَبَّرَ هذه المعاني وتصورها تصورًا جيدًا = عَلِمَ علمًا يقينًا خَطَأَ

стр. 867

هذا القول الذي أهدر فيه المعاني المعتبرة في الشرع، واعتبر المعاني المهدرة، مع تناقض أصحابه، وعلم أَنَّ القول الذي دَلَّ عليه الكتاب والسنة هو موافق للشرع مُطَّرِدٌ غير متناقض. فذاك القول لَمَّا كان من عند غير الله كان فيه اختلافًا كثيرًا، وهذا القول لما كان من عند الله كان متشابهًا يصدق بعضه بعضًا؛ وهكذا جميع الأقوال التي ثبت أن الرسول ﷺ جاء بها توافق الأدلة الشرعية والعقلية فلا تتناقض، بخلاف الأقوال المخالفةِ لما جاء به الرسول ﷺ فإنها مخالفة للشرع والعقل متناقضة. فصلٌ وأما قوله: (واستعمل النقض في القياس، وهو إنما توصفُ به العلة) فهو مع أَنَّه من المؤاخذات اللفظية التي لو فتح المجيب بابها على المعترض لطال الزمانُ بكثرة ما يرد عليه منها؛ فإنَّ هذا الاعتراض يدل على جهلِ صاحبه، وأنه لم يعرف من كلام الناس في هذا الباب إلا شيئًا يسيرًا؛ وإلا فالنقض لا تختص به العلة كما ادعى هذا المعترض الذي برز على أقرانه وظهر فضله عليهم في فعله ما يعجزون عن فعله، فإنه يتكلم كثيرًا مما لا يحققه، ويقفوا ما ليس له به علم، ويخوض من النقول والبحوث فيما لا يعرف حقيقته. ولا ريب أن المقصرين في هذه المسألة معذورون لكونهم لم يجدوا فيها من النقل والبحث ما يصلون به إلى تحقيقها، لكن من رحمة الله ــ تعالى ــ أنهم ابتداءُ ظنهم أنهم يصلون إلى آخرها من قريب، وأَنَّ فيها نقولًا وأدلة

стр. 868

تشفيهم، فلما أمعنوا النظر والكشف و [البحث] (١)، وطالت مدة النظر والمناظرة، وتبيَّن لكلِّ (٢) الناس منها ما لم يكن يعرفه = عَرَفَ ــ حينئذٍ ــ مَنْ عَرَفَ عجزه، وعرف العاقل عذر المقصِّر، وعرف أَنَّ من كمال الدين الذي بعث الله ــ ــ به رسوله ﷺ اشتمال الشريعة على مثل هذه الحكم [٢٢٤/ أ] والأحكام التي تبين ما أنعم الله به من كمال دين الإسلام. والمقصود هنا: أَنَّ لفظ النقض لا يختص بالعلة باتفاق النظار المستعملين لهذا اللفظ، بل النقض يرد على الحد والدليل والعلة والقضية الكلية. فالدليل يرد عليه (٣) النقض سواء كان قياسًا أو غير قياس؛ فلك أَنْ تقول: دليلك منتقض، ولك أَنْ تقول: قياسك منتقض، ولك أَنْ تقول: عِلَّتُكَ منتقضة، وتقول: ينقض دليله بكذا، ونَقضُ قياسه بكذا، ونقض علته بكذا. وكل ما وَجَبَ طرده وَرَدَ عليه النقض؛ فالحدُّ لمَّا وجب فيه الطرد والعكس فَسَدَ بالنقض، والعلة لمَّا وَجَبَ فيها الطرد ــ عند من يقول بامتناع تخصيصها ــ فَسَدت بالنقض، وَمَنْ يُجَوِّزُ تخصيصها لفوات شرطٍ أو وجود مانعٍ يجيز (٤) النقض بالفرق بين صورة النقض وبين صورتي الأصل والفرع.

стр. 869

والقياس ــ أيضًا ــ لمَّا وجب فيه الطرد بطرد علته ورد عليه النقض؛ فانتقاض القياس بانتقاض علته، واطراده باطراد علته؛ ولهذا يقال: طرد القياس في كذا، كما يقال: طرد العلة في كذا، ويقال: هذا قياس مُطَّرِد وقياس منتقض (١)، كما يقال علته مطردة، وما اتصف بالطرد عند وجود الاطراد اتصف بالنقض عند وجود الانتقاض، فإنَّ المنتقض ضد المطرد. فصلٌ قال: (وقوله: وهو عندهم يمين اعتبارًا بمعناه؛ موافقٌ لما قلناه من موافقة التعليقات المذكورة لليمين بالله في الالتزام، فكذلك جعلت يمينًا، لا أَنَّ المعتبرَ كونُ الحثِّ والمنع حاصلًا فيها خاصة، لأنَّ الحث والمنع فرعٌ عن الالتزام الحامل عليه). فيقال: تقدم بيانُ أَنَّ هذا خطأ محض على الله وعلى رسوله ﷺ وعلى الصحابة وأكثر التابعين وسائر من وافقهم من علماء المسلمين؛ وذلك من وجوه: أحدها: أَنَّ النذر فيه التزام، بل النذر هو: التزام قربة لله ــ تعالى ــ؛ ومع هذا فالنذر عقدٌ لازم يجب الوفاء به بالنص والإجماع، فلو كان مجرد كون التعليقات موافقة اليمين في الالتزام يشرع تكفيرها من [٢٢٤/ ب] غير فعلِ ما التزمه = لم يجب على أحدٍ من الناذرين الملتزمين الوفاء بنذره، بل تجزئه كفارة يمين؛ وهذا خلاف الكتاب والسنة والإجماع، وقد ذكر بعض المتأخرين في ذلك نزاعًا عن بعض أهل الحديث؛ كما ذكره ابن عبد البر

стр. 870

وذكره ابن خويز منداد (١) في خلافه عن أحمد. وهذا غلط [على أحمد] (٢) وعلى مَنْ نُقِلَ هذا عنه من علماء المسلمين؛ وسبب غلطهم عليه: أَنَّ أحمد وغيره يأخذون بقول النبي ﷺ : «كفارة النذر كفارة يمين» (٣) فظنوا أنهم يجوزون تكفير كل نذر من غير وفاء، وهذا القول لا يُعرف عن أحد من علماء المسلمين، بل يعرف أنه كذب على أحمد وَمَنْ نُقِلَ عنه من العلماء. وأحمد وغيره يوجبون تكفير النذر إذا لم يُوفَ به إما لتفريط وإما لعجز. وأحمد يوجب البَدَل إذا تَعذَّر الأصل، ولا يقول بإجزاء الكفارة، لكن إذا عجز عن الأصل والبدل أوجب كفارة يمين، وَمَنْ فَرَّطَ أوجب عليه البدل والكفارة، وَإِنْ لم يُفَرِّط أوجب البدل وفي الكفارة روايتان، مثلُ ما إذا نذر صيام أيامٍ بعينها؛ فإنْ أفطر لعذر كالمرض أَمَرَهُ بالبدل وهو القضاء وفي الكفارة روايتان، وَإِنْ أفطر لغير عذرٍ أمره بالبدل وهو القضاء وبالكفارة،

стр. 871

والكفارة لما فوته من التعيين، وأما القادر على ما نذره من الطاعة فلا يختلف قول أحمد وغيره من علماء المسلمين أنه يجب عليه فعل المنذور، وليس له أن يتركه إلى الكفارة بخلاف اليمين فله أن يحنث فيها ويكفر إذا لم يكن ما حلف عليه ترك واجب ولا فعل محرم. والفرق بينهما: أَنَّ الناذر نَذَرَ لله فالتزم شيئًا لله، فعليه أَنْ يفعل ما التزمه لله، كما قال النبي ﷺ : «من نذر أن يطيع الله فليطعه» (١)، وذم الذين ينذرون ولا يوفون، كما ذم الله هؤلاء في كتابه بقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: ٧٥ - ٧٧]. وأما اليمين؛ فإنْ قَصَدَ الحالف أَنْ يحض نفسه أو غيره أو يمنعه؛ فهو مريدٌ لمراد نفسه ووكَّد [٢٢٥/ أ] ذلك بالحلف بالله، فهو ملتزم بالله لا ملتزم له، فإن التزم لله بالله صار ناذرًا حالفًا كالمذكور في الآية (٢). والمقصود هنا: أنَّ الناذر نذر التبرر ملتزم، وقد لزمه ما التزمه بالنص والإجماع؛ فلو كانت العلة في إجزاء الكفارة في نذر اللجاج والغضب كونه التزامًا لأجزأ كل ناذر الكفارة، ولم يجب عليه الوفاء بنذره، كالقول الذي حكاه بعض المتأخرين (٣) ولا يُعرف به قائل معروف من العلماء.

стр. 872

ثم إِنْ قُدِّرَ أَنَّ هذا نزاعٌ سائغٌ، وأَنَّ هذا القول صحيح؛ فهذا أعظم حجة على المعترض وأمثاله، فإنه يقال لهم: إذا كان كُلُّ معلِّق للنذر سواء كان نذر تبرر أو نذر يمين تجزئه الكفارة ولا يلزمه ما جعله لازمًا له؛ فالطلاق والعتاق أولى ألا يلزم مَنْ جَعَلَهُ لازمًا له مع قصده اليمين. بل قد يقال: إذا كان النذر المعلَّق لا يلزمه، فالطلاق المعلَّق لا يلزم بطريق الأولى والأحرى، ويكون هذا مما يحتجُّ به مَنْ يقول: الطلاقُ المعلَّقُ لا يلزم بحال، لكن النذر فيه كفارة يمين، وهذا الطلاق عند هؤلاء لا كفارة فيه، وهذا القول محدث لا يُعرف به قائل من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، لكن عُرِفَ به قائلون من المتأخرين. وأما القول بأن النذر لا يلزم فما علمت به قائلًا مسمًّى، وقد عَرَفْتَ غَلَطَ مَنْ نقل ذلك عن أحمد وأمثاله. الوجه الثاني: أَنَّ الالتزام موجود في الضمان والكفالة وغير ذلك، وليس (١) في ذلك كفارة باتفاق العلماء، بل قد قال النبي ﷺ : «الزعيم غارم» (٢). والعلماء المعروفون متفقون على لزوم ضمان الدين في الذمة، وجمهورهم يقولون بلزوم ضمان النفوس والأعيان وضمان المجهول وضمان ما لم يجب، كما في قوله: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢].

стр. 873

الوجه الثالث: أَنَّ مشابهة ذلك لليمين في الالتزام يقتضي وجوب الالتزام، لا يقتضي ثبوت الكفارة، فإنَّ كونَ الشيءِ التزامًا إنما يُناسب وجوب ما التزمه لا يناسب سقوطه ولزوم الكفارة. الوجه الرابع: أَنَّ الكفارة في اليمين لم تجب لكونها التزامًا، بل لما في الحنث من هَتْكِ حرمة الأيمان بالله ــ تعالى ــ، فإنْ لم يكن في [٢٢٥/ ب] نذر اللجاج والغضب معنى هذا الهتك لم تجب فيه كفارة اليمين. والنذر لمَّا كان داخلًا في اليمين أو مثل اليمين وجبت فيه كفارة اليمين إذا تَعَذَّرَ الوفاءُ به، كما في صحيح مسلم عن عقبة بن عامر عن النبي ﷺ أنه قال: «كفارة النذر كفارة يمين» (١)، وقال عقبة بن عامر ﵁: «النذر حَلْفَةٌ» (٢)، وكالذي روي عن عمر (٣) وجابر (٤) وابن عباس (٥) ﵃ وغيرهم (٦) أنهم جعلوا النذر يمينًا، وهو مذهب أحمد وغيره.

стр. 874

وأما إذا كان الالتزام لله؛ فهذا نذر يجب الوفاء به، ونذر اللجاج والغضب ما لو التزمه لله للزمه، لكن لم يقصد أن يلتزمه لا لله ولا لغير الله، بل قصد أن يكون لازمًا له على تقدير شرط انتفائه ليكون لزومه مانعًا له من ذلك الشرط، وهو يعتقد أَنَّ ذلك الشرط لا يكون، ولو علم أنه يكون لم يلتزم ذلك على تقدير وجوده، ومتى قصد أن يلتزمه على تقدير وجوده لم يكن حالفًا. الخامس: قوله: (لا أن (١) المعتبر كون الحث والمنع حاصلًا فيها (٢) خاصة) (٣). يقال له: ما قال أحد أَنَّ اليمين وجبت فيها الكفارة بمجرد حصول الحض والمنع، ولا جعل أحد من العلماء لا المجيب ولا غيره كل ما فيه حض أو منع يمينًا مكفرة، بل هذا الغلط الذي بنى عليه المعترض كلامه من أوله إلى آخره، وشاركه في ذلك مَنْ ظَنُّهُ كَظَنِّهِ. وظنوا أن اليمين إنما كانت يمينًا لأجل ما فيها من الحض والمنع، وأَنَّ من قال: كُلُّ يمينٍ من أيمان المسلمين فهي مكفرة ــ كما دَلَّ عليه الكتاب والسنة ــ فإنه يلزمه أَنْ يجعل قوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ - ٨]، وقوله : ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] يمينًا مكفرة. وقوله: إذا

стр. 875

تزوجت فلانة فهي طالق يمينًا مكفرة، وكذلك إذا قال: إن تزوجتها فهي عليَّ كظهر أمي مكفرةٌ كفارة يمين لا كفارة ظهار، ولم يُفَرِّقُوا بين الحاض والمانع الذي يقصد الجزاء عند الشرط، فيكون موقعًا للطلاق والعتاق وَمُتَوَعِّدًا، وبين مَنْ يكره الجزاء عند الشرط فيكون حالفًا؛ إما يمينًا من أيمان المسلمين، وإما يمينًا من غير أيمان المسلمين. السادس: [٢٢٦/ أ] قوله: (لأنَّ الحث والمنع فرعٌ عن الالتزام الحامل عليه) (١) كلامٌ مقلوبٌ، بل الالتزام فرعٌ عن الحث والمنع الحامل عليه، فإنه يَقصد الحض والمنع أولًا، فيحمله ذلك على أَنْ يلتزم عند الحنث (٢) اللوازم المكروهة، ليس الالتزام هو الحامل له على الحث والمنع، لكن الالتزام حامل له (٣) على الوفاء بموجب الحض والمنع، فهو إذا أراد أَنْ يحنث بترك ما حَضَّ نفسه عليه أو يفعل ما منع نفسه منه = منعه لزومُ ما التزمه [بتقدير الحنث] (٤) من الحنث (٥). ثم إِنْ كان يرى أنه يلزمه ما التزمه ــ وهي أمور مكروهة عنده ــ كان المنع شديدًا، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ الله شَرَعَ كفارة اليمين كان المانع له وجوب كفارة اليمين، والكفارة عبادةٌ لله وطاعةٌ لا تمنع المسلم من فعل مأمور ولا ترك محظور، ولا تمنعه من فعل مباح يكون أحب إليه من إخراج الكفارة.

стр. 876

نعم؛ لو قال: والله لا آخذ هذا الدرهم فوفاؤه أحب إليه من الحنث (١) والكفارة، بخلاف ما لو قال: لا آخذ هذه المائة فالحنث والكفارة أيسر عليه. السابع: أَنْ يقال: كون الحض والمنع باليمين أوجب التزام ما التزمه، وكون الالتزام يمنعه من الحنث (٢) ليس هو الموجب للكفارة إن لم يكن عند الحنث ما فيه هتك الإيمان، وإلا فلو التزم ما لا يَقدح في إيمانه لم يكن ذلك من أيمان المسلمين المكفرة، فلو قال: أنا بريء من الشيخ فلان، أو فلست ابن فلان، أو فلانٌ (٣) ولد زنا، أو لستُ رجلًا إِنْ لم أفعل كذا، أو أكون نجسًا إِنْ لم أفعل كذا؛ كان قد التزم ما يقتضي أن يكون مذمومًا إذا لم يفعل، ولم يلتزم هتك حرمة إيمانه فلا كفارة في هذا. بخلاف ما لو قصد بالنذر اليمين فقال: لله عليَّ نذرًا إِنْ قدرت على فلان لأقتلنه، وهو لا يقصد بقتله التقرب إلى الله ــ تعالى ــ لكن يقصد قتله؛ فهذا نذرٌ معناه معنى اليمين، تجزئ فيه كفارة يمين، ولا يجب عليه فعل المنذور، بل ولا يحل له إذا كان ذاك معصومًا بالنص والإجماع، لقول النبي ﷺ : «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه» (٤). * * * *

стр. 877

فصلٌ قال المعترض: [٢٢٦/ ب] (قال ــ يعني المجيب (١) ــ: والأصل الذي قاس (٢) عليه ــ يعني: المقدسي ــ ممنوعٌ، فإنَّ الطلاق فيه نزاع، بل إذا لم يُوقعوا العتاق مع كونه قربة فأولى ألا يُوقعوا الطلاق. قلتُ (٣): من أين له النزاع في الطلاق ولم يَنقله عن أحدٍ بهذا الوصف الذي هو يَدَّعِيه؟ أعني: وجوب الكفارة، وإثبات الأولوية لا يُسَوِّغُ النقلَ لو سلمت؛ وقد تقدم الكلام عليها) (٤). والجواب من وجوه: أحدها: أَنَّ هذا قياسٌ قاسوه ليحتجوا به على فساد قول أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين لهم بإحسان، مثل: ابن عمر وحفصة وزينب الذين قالوا: إنَّ الحالف بالعتق إذا قال: كل مملوك لي حر تجزئه كفارة يمين. وقد تقدم أَنَّ هذا ثبت عن عدد من الصحابة والتابعين أكثر من نقيضه، وهو قول الذين قالوا: إنه يلزمه العتق؛ فالذين نُقِلَ عنهم من الصحابة والتابعين ــ كما ذكر ــ أنه تجزئه كفارة يمين أكثرُ وأجلُّ من الذين قالوا يلزمه العتق؛ فاحتج عليهم مَنْ بعدهم بأنْ قالوا: عُلِّقَ على شرطٍ، وهو قابل

стр. 878

للتعليق= فيقع بوجود شرطه كالطلاق. فأجاب المناظر عن الصحابة والتابعين ــ الذين هم أَجَلُّ قدرًا وأكثر عددًا ممن خالفهم من أهل عصرهم ــ بنقض القياس، وفساد الفرق بين صورة النقض وغيرها كما تقدم. وأجاب عنهم بجوابٍ ثانٍ؛ وهو: منع الحكم في أصل القياس، فإنه من المعلوم باتفاق الناس أَنَّ القائس ليس له أن يقيس إلا على أصل معلوم إما بإجماع أو بدليل (١)، فإنْ كان ثابتًا بالنص وإجماع الأمة فهذا أحسن الأصول التي (٢) يقاس عليها، وَإِنْ كان ثابتًا بنصٍّ والمناظرُ يُنازِعُ فيه جاز عند الأكثرين أن يُثبت حكمه بالنص ويَقيس عليه، ولا يكون إذا منع حكم الأصل منقطعًا. وقال بعض أهل الجدل: يكون منقطعًا، لأنَّ هذا انتقال من مسألة إلى أخرى. وليس كما قال، بل هذا إثبات مقدمة من مقدمات دليله بالدليل، ولو كان من منع [٢٢٧/ أ] بعض مقدمات دليله منقطعًا يُمنع من إقامة الدليل عليها= لانسدَّ باب المناظرة والاستدلال، ولكان المجادل بالباطل يغلب المجادل بالحق بلا علم أصلًا، بل بمجرد توجيه منعه، ولأنَّ المناظر تلو (٣) الناظر فهو يذكر الطريق التي بها يعلم الحكم.

стр. 879

ومن أهل الجدل مَنْ فَرَّقَ بين المنع المشهور والمنع الخفي، وهذه نزاعات في الاصطلاحات الجدلية أيها أقرب إلى المقصود بالجدل المشروع الذي مقصوده بيان (١) الحق وإقامة حجته على المسترشد الطالب للعلم وعلى المخالف الجاحد للحق. وإن أراد إثبات حكم الأصل بقياس؛ فهل له ذلك؟ فيه قولان للناس معروفان، هما قولان في مذهب أحمد وغيره، فمن منع ذلك قال: هو تطويل، أو قياس فاسد، فإنه إِنْ قاسَ على الثاني بالعلة التي بها قاسه على الأول فتطويل، وَإِنْ كان بغير تلك فالقياس فاسد. وَمَنْ جَوَّزَ ذلك؛ فقال بعضهم: هذا يجوز كتعليل الحكم بعلتين؛ وهو ضعيفٌ، لأنَّ مِنْ شَرْطِ القياس اشتراك الفرع والأصل في العلة، فإذا كان الأصل الثاني إنما أثبته بعلة الأول = امتنع أَنْ يقيس عليه بغير تلك العلة، فإنه لم يثبت الحكم فيه بها. ولكن الصحيح أَنَّ هذا يجوز؛ لكون مشاركة الفرع للأصل الثاني أظهر، ولجواز أَنْ يقيس في الأول بقياس العلة وفي الثاني بقياس الدلالة وبالعكس، أو بقياس أحدهما بإبداء الجامع وفي الآخر بإلغاء الفارق والعلة في القياسين واحدة، ويجوز أَنْ يثبت الحكم بقياس مع شمول نص الأصل للفرع لتوارد دليلين على مدلول واحد فكذلك هنا؛ يقاس الفرع بالأصل الأول وبالأصل الثاني. وإن كان حكم الأصل ــ أيضًا ــ مجمعًا عليه بين الأمة جاز القياس عليه،

стр. 880

وإن كان متفقًا عليه بين المتناظرين (١) كانت هذه حجةً جدليةً لا علمية؛ وذلك يستفاد به بطلان قول أحد الخصمين إما في تلك المسألة وإما في غيرها، لا يستفاد العلم بها ولا بغيرها في نفس الأمر. فإنه إذا قاس على أصلٍ مُسَلَّمٍ بينهما؛ فغايته أَنْ يُسَوِّي بين [٢٢٧/ ب] الفرع وذلك الأصل، ويقول لمناظره: أنت قد فَرَّقْتَ بينهما فأخطأت في الفرق. وحينئذٍ؛ فيقول له مناظره: يمكن أَنْ يكون خطئي في موافقتك على الأصل، ويمكن أَنْ يكون خطئي في مخالفتك في الفرع ولم تُقِم دليلًا على أحدهما؛ فلا يَلزم من كوني مخطئًا في نفي الحكم في الفرع أَنْ تكون أنت مصيبًا في إثبات الحكم فيهما، بل قد يكون الصواب قول ثالث وهو نفي الحكم فيهما (٢)، وحينئذٍ؛ فيكون خطئي حيث قيل في إثباته في الأصل وحده أقل من خطئك حيث أثبته فيهما. وكثيرٌ من الأقيسة التي يستعملها متأخروا الفقهاء هو من هذا الباب، يَقيسون وينقضون بما يُسَلِّمُهُ المنازع وإن لم يُقِمْ عليه حجة علمية. إذا عُرِفَ هذا؛ فَمَنْ أَرادَ أَنْ يَقيس قياسًا يُبَيِّنُ (٣) به غلط أَحَدِ القولين الذي قائله من الصحابة والتابعين أكثر وأجل من أهل القول الآخر، فقاس التعليق القسمي بالعتق على التعليق القسمي بالطلاق= لم يكن له بُدٌّ أَنْ يُثْبِتَ
следующие страницы →