← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 32384

الرد على السبكي في مسألة تعليق الطلاق

ابن تيمية

Полный текст (1 081 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

نعم؛ لو قال: والله لا آخذ هذا الدرهم فوفاؤه أحب إليه من الحنث (١) والكفارة، بخلاف ما لو قال: لا آخذ هذه المائة فالحنث والكفارة أيسر عليه. السابع: أَنْ يقال: كون الحض والمنع باليمين أوجب التزام ما التزمه، وكون الالتزام يمنعه من الحنث (٢) ليس هو الموجب للكفارة إن لم يكن عند الحنث ما فيه هتك الإيمان، وإلا فلو التزم ما لا يَقدح في إيمانه لم يكن ذلك من أيمان المسلمين المكفرة، فلو قال: أنا بريء من الشيخ فلان، أو فلست ابن فلان، أو فلانٌ (٣) ولد زنا، أو لستُ رجلًا إِنْ لم أفعل كذا، أو أكون نجسًا إِنْ لم أفعل كذا؛ كان قد التزم ما يقتضي أن يكون مذمومًا إذا لم يفعل، ولم يلتزم هتك حرمة إيمانه فلا كفارة في هذا. بخلاف ما لو قصد بالنذر اليمين فقال: لله عليَّ نذرًا إِنْ قدرت على فلان لأقتلنه، وهو لا يقصد بقتله التقرب إلى الله ــ تعالى ــ لكن يقصد قتله؛ فهذا نذرٌ معناه معنى اليمين، تجزئ فيه كفارة يمين، ولا يجب عليه فعل المنذور، بل ولا يحل له إذا كان ذاك معصومًا بالنص والإجماع، لقول النبي ﷺ : «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه» (٤). * * * *

стр. 877

فصلٌ قال المعترض: [٢٢٦/ ب] (قال ــ يعني المجيب (١) ــ: والأصل الذي قاس (٢) عليه ــ يعني: المقدسي ــ ممنوعٌ، فإنَّ الطلاق فيه نزاع، بل إذا لم يُوقعوا العتاق مع كونه قربة فأولى ألا يُوقعوا الطلاق. قلتُ (٣): من أين له النزاع في الطلاق ولم يَنقله عن أحدٍ بهذا الوصف الذي هو يَدَّعِيه؟ أعني: وجوب الكفارة، وإثبات الأولوية لا يُسَوِّغُ النقلَ لو سلمت؛ وقد تقدم الكلام عليها) (٤). والجواب من وجوه: أحدها: أَنَّ هذا قياسٌ قاسوه ليحتجوا به على فساد قول أصحاب رسول الله ﷺ والتابعين لهم بإحسان، مثل: ابن عمر وحفصة وزينب الذين قالوا: إنَّ الحالف بالعتق إذا قال: كل مملوك لي حر تجزئه كفارة يمين. وقد تقدم أَنَّ هذا ثبت عن عدد من الصحابة والتابعين أكثر من نقيضه، وهو قول الذين قالوا: إنه يلزمه العتق؛ فالذين نُقِلَ عنهم من الصحابة والتابعين ــ كما ذكر ــ أنه تجزئه كفارة يمين أكثرُ وأجلُّ من الذين قالوا يلزمه العتق؛ فاحتج عليهم مَنْ بعدهم بأنْ قالوا: عُلِّقَ على شرطٍ، وهو قابل

стр. 878

للتعليق= فيقع بوجود شرطه كالطلاق. فأجاب المناظر عن الصحابة والتابعين ــ الذين هم أَجَلُّ قدرًا وأكثر عددًا ممن خالفهم من أهل عصرهم ــ بنقض القياس، وفساد الفرق بين صورة النقض وغيرها كما تقدم. وأجاب عنهم بجوابٍ ثانٍ؛ وهو: منع الحكم في أصل القياس، فإنه من المعلوم باتفاق الناس أَنَّ القائس ليس له أن يقيس إلا على أصل معلوم إما بإجماع أو بدليل (١)، فإنْ كان ثابتًا بالنص وإجماع الأمة فهذا أحسن الأصول التي (٢) يقاس عليها، وَإِنْ كان ثابتًا بنصٍّ والمناظرُ يُنازِعُ فيه جاز عند الأكثرين أن يُثبت حكمه بالنص ويَقيس عليه، ولا يكون إذا منع حكم الأصل منقطعًا. وقال بعض أهل الجدل: يكون منقطعًا، لأنَّ هذا انتقال من مسألة إلى أخرى. وليس كما قال، بل هذا إثبات مقدمة من مقدمات دليله بالدليل، ولو كان من منع [٢٢٧/ أ] بعض مقدمات دليله منقطعًا يُمنع من إقامة الدليل عليها= لانسدَّ باب المناظرة والاستدلال، ولكان المجادل بالباطل يغلب المجادل بالحق بلا علم أصلًا، بل بمجرد توجيه منعه، ولأنَّ المناظر تلو (٣) الناظر فهو يذكر الطريق التي بها يعلم الحكم.

стр. 879

ومن أهل الجدل مَنْ فَرَّقَ بين المنع المشهور والمنع الخفي، وهذه نزاعات في الاصطلاحات الجدلية أيها أقرب إلى المقصود بالجدل المشروع الذي مقصوده بيان (١) الحق وإقامة حجته على المسترشد الطالب للعلم وعلى المخالف الجاحد للحق. وإن أراد إثبات حكم الأصل بقياس؛ فهل له ذلك؟ فيه قولان للناس معروفان، هما قولان في مذهب أحمد وغيره، فمن منع ذلك قال: هو تطويل، أو قياس فاسد، فإنه إِنْ قاسَ على الثاني بالعلة التي بها قاسه على الأول فتطويل، وَإِنْ كان بغير تلك فالقياس فاسد. وَمَنْ جَوَّزَ ذلك؛ فقال بعضهم: هذا يجوز كتعليل الحكم بعلتين؛ وهو ضعيفٌ، لأنَّ مِنْ شَرْطِ القياس اشتراك الفرع والأصل في العلة، فإذا كان الأصل الثاني إنما أثبته بعلة الأول = امتنع أَنْ يقيس عليه بغير تلك العلة، فإنه لم يثبت الحكم فيه بها. ولكن الصحيح أَنَّ هذا يجوز؛ لكون مشاركة الفرع للأصل الثاني أظهر، ولجواز أَنْ يقيس في الأول بقياس العلة وفي الثاني بقياس الدلالة وبالعكس، أو بقياس أحدهما بإبداء الجامع وفي الآخر بإلغاء الفارق والعلة في القياسين واحدة، ويجوز أَنْ يثبت الحكم بقياس مع شمول نص الأصل للفرع لتوارد دليلين على مدلول واحد فكذلك هنا؛ يقاس الفرع بالأصل الأول وبالأصل الثاني. وإن كان حكم الأصل ــ أيضًا ــ مجمعًا عليه بين الأمة جاز القياس عليه،

стр. 880

وإن كان متفقًا عليه بين المتناظرين (١) كانت هذه حجةً جدليةً لا علمية؛ وذلك يستفاد به بطلان قول أحد الخصمين إما في تلك المسألة وإما في غيرها، لا يستفاد العلم بها ولا بغيرها في نفس الأمر. فإنه إذا قاس على أصلٍ مُسَلَّمٍ بينهما؛ فغايته أَنْ يُسَوِّي بين [٢٢٧/ ب] الفرع وذلك الأصل، ويقول لمناظره: أنت قد فَرَّقْتَ بينهما فأخطأت في الفرق. وحينئذٍ؛ فيقول له مناظره: يمكن أَنْ يكون خطئي في موافقتك على الأصل، ويمكن أَنْ يكون خطئي في مخالفتك في الفرع ولم تُقِم دليلًا على أحدهما؛ فلا يَلزم من كوني مخطئًا في نفي الحكم في الفرع أَنْ تكون أنت مصيبًا في إثبات الحكم فيهما، بل قد يكون الصواب قول ثالث وهو نفي الحكم فيهما (٢)، وحينئذٍ؛ فيكون خطئي حيث قيل في إثباته في الأصل وحده أقل من خطئك حيث أثبته فيهما. وكثيرٌ من الأقيسة التي يستعملها متأخروا الفقهاء هو من هذا الباب، يَقيسون وينقضون بما يُسَلِّمُهُ المنازع وإن لم يُقِمْ عليه حجة علمية. إذا عُرِفَ هذا؛ فَمَنْ أَرادَ أَنْ يَقيس قياسًا يُبَيِّنُ (٣) به غلط أَحَدِ القولين الذي قائله من الصحابة والتابعين أكثر وأجل من أهل القول الآخر، فقاس التعليق القسمي بالعتق على التعليق القسمي بالطلاق= لم يكن له بُدٌّ أَنْ يُثْبِتَ

стр. 881

هذا الأصل إما بنص وإما بإجماعٍ من الصحابة والتابعين الذي احتج عليهم بقياسه، أو بإجماعٍ جدلي مُسَلَّمٍ منهم؛ وإلا فإذا كان مناظرًا لابن عمر وحفصة ــ أم المؤمنين ــ وزينب ﵃، وَمَنْ ذُكِرَ معهم كابن عباس وعائشة وأم سلمة وأبي هريرة وطاووس وعطاء والحسن البصري والقاسم وسالم وسليمان بن يسار وقتادة ﵃ وغير هؤلاء، ولم يُعرف أنه خالف هؤلاء من الصحابة والتابعين إلا رواية تروى عن بعضهم، ومعهم مَنْ هو دونهم؛ فإذا قاس العتاق على الطلاق فمن أين له أَنَّ هؤلاء الصحابة والتابعين كلهم يُسَلِّمون له أَنَّ الحلف بالطلاق يلزم؟ ومن أين له نص على ذلك من كتاب وسنة؟ ومعلومٌ أنه لم يُنقل عن أحدٍ من هؤلاء الصحابة في وقوع الحلف بالطلاق نقلٌ صحيحٌ صريحٌ، بل النقل الصحيح عنهم يدل على أنهم لا يُفَرِّقُون بين الحلف بالطلاق والحلف بالعتاق، بل يُسَوُّون بين الجميع، كما أنه لم يفرق أَحَدٌ من الصحابة بين الحلف بالطلاق والعتاق والحلف بالنذر، بل المنقول عنهم روايتان: إحداهما: أَنَّ في الجميع [٢٢٨/ أ] كفارة يمين، والثانية: أنه يلزمه الجميع، لكن هذه الرواية ضعيفة من وجوه، وقد أجمع العلماء على ترك العمل بها، فلم يَعمل أحد من العلماء المعروفين بكل ما فيها. فإذا كان الصحابة ﵃ ليس لهم إلا قولان والتابعون ومن بعدهم أجمعوا على ترك أحد القولين = تعين الأخذ بالقول الآخر للصحابة، ولم يجز أن يكون الصواب في قول ثالثٍ أُحْدِثَ بعدهم، وهو الفرق بين الحلف بالطلاق والعتاق والحلف بالنذر، ولا يكون الصواب في القول الآخر الذي

стр. 882

أجمع الناس بعد الصحابة على تركه مع ضعف روايته عنهم (١). وإذا كان المنقول عن الصحابة يدل على أَنَّ المؤثر عندهم في التكفير كون التعليق يمينًا، وَأَنَّ التعليق الذي قُصِدَ به اليمين هو عندهم يمين مكفرة = فالعموم المعنوي الذي يدل عليه كلامهم يبين ذلك، ونقل عنهم ألفاظٌ عامةٌ تدل على الحلف بالطلاق وغيره، ولم يَنقل أَحَدٌ عنهم أنهم فَرَّقُوا بين الحلف بالطلاق والحلف بالعتاق، بل ولا عُرِفَ في المسلمين مَنْ قال هذا القول قبل أبي ثور ــ رحمة الله عليه ــ، وأبو ثور لم يَنقل هذا الفرق عن أحدٍ قبله، ولكن رَكَّبَهُ من دليلين: من ظاهر القرآن عنده، ومما ظنه إجماعًا؛ وجماهير العلماء الأولين والآخرين يقولون هذا فرقٌ فاسد، وفساده ظاهر جدًّا = أفيجوز أن يجعل الأكثر الأفضل من الصحابة والتابعين قالوا هذا القول المفرق، ويقول إنهم أخطأوا في هذا الفرق، وقالوا قولًا يعلم صبيان الفقهاء أنه خطأ، من غير أن ينقل هذا القول عنهم أحدٌ لا بإسنادٍ صحيحٍ ولا ضعيفٍ ولا بنقلٍ مرسلٍ، ومن غير أَنْ يكون في خلافهم ما يدل عليه، بل على خلافه. فليس مع مَنْ يُلزم الصحابة والتابعين بهذا إلا مجرد ظنِّ واحد بعد القرون الثلاثة أنه لا نزاع في الطلاق، وهذا غايتُهُ أَنْ يَدَّعِي إجماعًا انعقد بعدهم على مسألةٍ ما تكلموا فيها، ومثل هذا الإجماع لا يكون حجة عليهم في نفس الأمر إِنْ لم يكن معه نَصٌّ يكون حجة عليهم، وإلا فيمتنع أن يأمر الله ــ تعالى ــ الصحابة والتابعين باتباع إجماعِ [٢٢٨/ ب] قومٍ لم يُخْلَقُوا (٢) بعد.

стр. 883

فتبيَّن أَنَّ هذا القياس لا يجوز أَنْ يُحتجَّ به على الصحابة والتابعين إِنْ لم يكن الأصل منصوصًا عليه، وإلا فلو قُدِّرَ أَنَّ فيه إجماعًا متأخرًا لم يجز الاحتجاج به عليهم، فضلًا عن ألا يكون فيه إجماع لا قديم ولا حديث. والمجيب المناظر عن أكابر الصحابة والتابعين ــ رضوان الله عليهم ــ قال: الأصل الذي قاس عليه ممنوع، وجواب هذا المنع لا يكفي فيه دعوى إجماع متأخر لو كان موجودًا، بل لا يحتج فيه بإجماع إلا أَنْ يكون إجماع الصحابة ــ رضوان الله عليهم ــ على أَنَّ الطلاق المحلوف به يلزم، ولو نُقِلَ ذلك صريحًا عن واحد أو اثنين أو ثلاثة منهم؛ أفيلزم أَنَّ القائلين بالكفارة في العتق يسلمون لهم الحكم في الطلاق؟ بل ينازعونهم فيه، فلا يَفْصِلُ بينهم إلا كتاب وسنة، فكيف ولم يُنقل ذلك عن أحدٍ من الصحابة؟ بل المنقول الثابت عنهم يدل على التسوية بينهما في التكفير وعدم اللزوم. فإنْ قيل: فقد نُقِلَ عن ابن عمر ﵄ وغيره فتاوى في الطلاق المعلق بالصفة (١)، وقد يَدُلُّ بعضها على أَنَّ المعلِّق كان حالفًا. قيل: أما المنقول عن ابن عمر ﵄ فليس بظاهر أنه كان حالفًا، فضلًا عن أَنْ يكون صريحًا. وبتقدير أَنْ يكون ابن عمر ــ رضوان الله عليهما ــ أفتى في الحالف باللزوم، فذلك موافقٌ لإحدى الروايتين عنه، فقد رُوي عنه في الحلف

стр. 884

بالعتق والنذر رواية أنه يَلزم، ولم ينقل أحدٌ عنه الفرق بين الطلاق والعتاق وبين النذر، فضلًا عن أَنْ يفرق بين الطلاق والعتاق؛ فإذا قُدِّرَ أنه أفتى في الحلف بالطلاق باللزوم = كان ذلك موافقًا (١) للرواية التي أفتى فيها في الحلف بالعتق والنذر باللزوم، وقد روي عنه ذلك في النذر من طريق سالم، وروي فيهما من طريق عثمان بن حاضر. فإنَّ ابن عمر عنه في نذر الصدقة بالمال ثلاث روايات، وإذا كان هذا موافقًا لإحدى روايتيه= أمكنه إذا احتج من يُناقض الرواية الأخرى عنه بقياسِ [٢٣٠/ أ] ذلك على الطلاق، وألزمه أنه أفتى به= أَنْ يقول ابن عمر: إنما أفتيت به على قولي بلزوم المعلَّق وإِنْ قَصَدَ به اليمين، أما على قولي بأنه إذا قصد اليمين يكفِّر= فلم أُفْتِ به. وهذا الجواب إذا أجاب به ابن عمر كان في غاية السداد والاستقامة؛ فلأيِّ شيءٍ نَقطع بأنَّ ابن عمر لا يجيب بجوابٍ مستقيمٍ سديدٍ يدل على علمه وفقهه، ونُلزمه بالجواب الذي نَعرف به خطأ من أجاب به، وأنه من أنقص الناس في العلم والفقه؟ ولو قُدِّرَ أَنَّ ابن عمر ﵄ سَلَّمَ الحكمَ في الطلاق رواية واحدة ــ كما يظنه هذا المعترض ــ، وزعم أَنَّ ابن عمر مخطئٌ إذا كان قد أفتى في الحلف بالعتق بالكفارة، لأنه زعم أنه قوله في الطلاق رواية واحدة= فهذا غايته أَنْ يكون حجةً جدليةً بَيَّنُوا بها خطأ ابن عمر في زعمهم، ليس في موافقة ابن عمر لهم ما يقتضي أَنَّ سائرَ الصحابة الذين أفتوا بالكفارة في الحلف بالعتق وغيرهم أجمعوا على وقوع الطلاق، وما لم يحصل نَصٌّ أو

стр. 885

إجماع من الصحابة على الطلاق = لم يكن لهم حجة على الذين [أفتوا] (١) بالكفارة في الحلف بالعتق، ولا سبيل إلى نَصٍّ أو إجماع، بل ولا سبيلَ إلى تضعيفِ هذا القول. وأما غير ابن عمر؛ فلو قُدِّرَ أَنَّ غيره من الصحابة أفتى بلزوم الطلاق لم يلزم قولًا (٢)، فكيف ولم ينقل ذلك عن أحدٍ منهم صريحًا، وكيف يلزم أكابر الصحابة والتابعين بالفرق الذي يُحكم عليهم فيه بالخطأ وقلة العلم والفقه من غير نقل عنهم يدل على ذلك، وإنما يدل على نقيضه؟! وهل هذا إلا من باب قدح آخر الأمة في أولها؟! ودعواهم أَنَّ آخرها أفقه وأعلم من أولها؟! وهذا من جنس أقوال أهل البدع. مع أَنَّ هؤلاء الذين يخالفون هؤلاء الصحابة ليس معهم ــ ولله الحمد ــ لا كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس صحيح ولا معنى معقول، ليس معهم إلا ظَنُّ مخطئٍ لا يغني من الحق شيئًا، وهذا الظن ألزمهم بهذه اللوازم التي أوقعتهم في تحريف معاني الكتاب والسنة، وبطريق القدح في أصحاب رسول الله ﷺ وأئمة التابعين لهم بإحسان، بل وفي تغيير (٣) شريعة [٢٢٩/ب] الإسلام باعتبار ما ألغاه الله ــ تعالى ــ ورسوله، وإلغاءِ ما اعتبره الله ورسوله، وَإِنْ كان مَنِ اتقى الله ما استطاع منهم ومن غيرهم من أولياء الله المتقين= هو (٤) مأجور على اجتهاده وتقواه، مغفور له ما لم تصل إليه قواه.

стр. 886

قال تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٨ - ٧٩]، فهذان نبيان كريمان، فَهَّمَ اللهُ ــ ــ أحدهما الحكومة، وأثنى على كلٍّ منهما بما آتاه من الحكم والعلم، والعلماء ورثة الأنبياء، فإذا خَصَّ أحدهما بفهمٍ وعلمٍ في مسألة= لم يمنع ذلك أَنْ يُعَظَّمَ الآخَرُ ويُثنى عليه بما أعطاه الله من العلم والحكم، لا سيما والآخر قد يكون في مسألة أخرى هو المصيب (١). وكل مجتهد مصيب؛ بمعنى: أنه هو مطيع لله إذا استفرغ وسعه، فاتقى الله حق تقاته (٢). وأما بمعنى معرفة حكم الله الباطن، فلا يكون المصيب إلا واحدًا (٣)؛ كما قال النبي ﷺ : «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ

стр. 887

فله أجر» (١)، وكما قال النبي ﷺ لسعد بن معاذ لَمَّا حكم في بني قريظة: «لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سموات» (٢)، وكما قال ﷺ لأميره: «وإذا حاصرت أهل حصن فسألوك أَنْ تُنزلهم على حكم الله، فلا تنزلهم على حكم الله؛ فإنك لا تدري ما حكم الله فيهم، ولكن أنزلهم على حكمك وحكم أصحابك» (٣)، وكما دعا سليمان ــ ﵇ ــ بثلاث دعوات، فقال: أسألك حكمًا يوافق حكمك (٤). وهذا كجهة الكعبة إذا اشتبهت، وصلى أربعة طوائف كل طائفة باجتهادها إلى جهة، فالكل مصيبون بمعنى: أنهم مطيعون لله، والذي أصابَ جهة الكعبة واحدٌ منهم. والمقصود هنا: أنه إذا قال المناظر عن الصحابة ــ رضوان الله عليهم ــ أنهم قد يمنعون حكم الأصل، لم يكن للمحتج عليهم جواب إلا بأن يثبت حكم الأصل بنصٍّ أو إجماعٍ في زمنهم، بأن ينقل إجماع الصحابة في زمن ابن عمر وحفصة وزينب على أَنَّ الطلاق المحلوف به يقع، أو أَنْ ينقل [٢٣٠/ أ] أَنَّ المفتين في العتق يوافقونه على وقوع الطلاق المحلوف به.

стр. 888

وإذا قيل بموافقة هؤلاء فقط وَعُلِمَ أنهم يقولون بالفرق بين الحلف بالطلاق والعتاق= كان قولهم كقولهم ولزم تخطئتهم في أحد القولين، إما في نفي الكفارة في الطلاق وإما في إثباتها في العتق، لم يلزم أَنْ يكون قولهم في العتق خطأ إِنْ لم يكن وقوعه على الحالف بالطلاق ثابتًا بنص أو إجماع الصحابة في ذلك الزمن، وإلا فمجردُ قول بعضهم الذي لا يثبت به الإجماع لا يعلم به الإجماع، ومجرد تسليم المنازع في العتاق للطلاق لا يفيد الإجماع، وليس شيء من ذلك حاصلًا لا تسليم هؤلاء ولا إجماع الصحابة، بل ولا قول ثلاثة من الصحابة ولا اثنين، بل ولا واحد، بل المنقول عنهم يدل على خلاف ذلك. ونحن في هذا المقام لا نحتاج أن نثبت نزاعًا بين الصحابة، بل المحتج بالقياس عليه أن يثبت الحكم في الأصل، إما بنص وإما بإجماعهم= وإلا كان قياسه الذي احتج به عليهم حجة فاسدة على فساد قولهم إنَّ العتق المحلوف به فيه كفارة يمين. وَمَنْ أحكم معرفة الأدلة الشرعية وحذق في استعمالها = تبين له من غلط الناس في مواضع كثيرة ما لا يتبين لغيره، وَعَرَفَ مِنْ عظمة قَدْرِ الكتاب والسنة، وعظمة الصحابة، وعظمة الشريعة وكمالها وتناسبها واعتدالها مالم يعرفه غيره، وعلم أَنَّ الصحابة أفضل القرون وأعلمها وأعدلها وأفقهها، وَأَنَّ كل غلط وقع فمن عدم علم الناس لا من قصور في تبليغ الرسول ﷺ وبيانه، بل قد بَلَّغَ البلاغ المبين، فصلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا، وجزاه عَنَّا أفضلَ ما جزى نبيًا عن أمته، بأبي هو وأُمِّي ﷺ .

стр. 889

الوجه الثاني (١): أَنَّا لو لم نعلم أحدًا نَقَلَ النزاع في المسألة؛ ولكن لم نعلم أن الصحابة كانوا مجمعين على وقوع الطلاق المحلوف به، بل لم نعلم ذلك منقولًا عن أحدٍ منهم، وناهيك بأئمة الإسلام وعلمائهم الذين فَرَّعوا من مسائل الأيمان في الطلاق ما شاء الله تعالى= لم يَنقل أحد منهم عن الصحابة في الحلف بالطلاق شيئًا، ولكن [٢٣٠/ ب] نقل بعضهم عن بعض الصحابة مسائل في الطلاق المعلق بالصفة، مثلما نَقَلَ سفيان في جامعه أثرًا عن ابن مسعود ﵁ (٢)، ونقل ــ أيضًا ــ عن علي وأبي ذر ومعاوية وابن عمر ﵃ بعضها يبين فيه أنه ليس بيمين (٣)، بل يقصد به الإيقاع، وبعضها محتمل والأظهر فيه ذلك، وليس فيها ما هو ظاهر فيمن قصد اليمين، ووجدنا أَثبتَ القولين عنهم وَمَنْ قائلوه أَجَلُّ وأكثر من قائلي الآخر يفتون في النذر والعتق المحلوف به بكفارة يمين = أمكن أَنْ نَجزم بأنَّ هؤلاء أخطأوا، ونقول: إنهم مجمعون على وقوع الطلاق المحلوف به والعتق [المحلوف به] (٤)، وليس معنا إلا ظَنُّ مَنْ جاء من بعد القرون الثلاثة، لإجماع لم يذكر فيه أحدًا من الصحابة، ومراده به أنه لا يعلم نزاعًا، ومراد الآخر قول الأكثرين، ومراد الثالث إجماع مَنْ حَفِظَ قولَهُ؛ فهؤلاء

стр. 890

الثلاثة أئمةُ مَنْ نَقَلَ الإجماع في المسألة. أبو ثور أقدمهم وأجلهم، وقد فَسَّرَ مراده بما ينقله من الإجماع: أني لا أعلم منازعًا. وابن جرير (١) [بَيَّنَ] (٢) مراده بالإجماع الذي ينقله وهو ما قاله الجمهور. وابن المنذر لم يذكر إجماعًا عامًّا، بل إجماعَ مَنْ حَفِظَ قولَهُ؛ وكلٌّ من هؤلاء يذكر مثل هذا الإجماع في أحكام لم يعرف فيها للصحابة قولًا، بل لمن بعدهم، وفيها ما لا يَعرف فيه قولًا للتابعين بل لمن بعدهم، ومراده بالإجماع: إجماع مَنْ تَكَلَّمَ في هذه المسألة وَعَرَفَ أنه تكلم فيها. فإذا لم يكن معنا إلا مثل هذا النقل عن مثل هؤلاء العلماء؛ أيجوز لنا أن نجزم بأن أفاضل الصحابة والتابعين ﵃ كانوا يقولون هذا الفرق الذي أخطأوا فيه؟! وأَنَّ الصحابة كانوا مجمعين على وقوع الطلاق المحلوف به؟ مع أَنَّا لا نجزم بقول ثلاثة منهم فيه، بل ولا اثنين، بل ولا واحد، بل يظهر لنا من كلامهم أنهم يسوون بينه وبين الحلف بالعتق والنذر، فهل يحلُّ مع هذا أن نلزمهم قولًا يستلزم أنهم أخطأوا خطأً فاحشًا؟ ونجزم بخطئهم من غير أَنْ يكون عنهم شيء يدل على ذلك البتة، بل عنهم ما يدل على نقيضه. فإنَّ الذي يوجب الجزم بخطئهم في العتق الجَزْمُ [٢٣١/ أ] بإجماعهم على الطلاق، وما لم يجزم باتفاقهم على الطلاق وأنه حصل عليه منهم

стр. 891

إجماع معصوم، أو قد ثبت حكمه بنص من كتاب وسنة = لم يجز أن يجزم بوجوب قياس العتق عليه، فيمتنع ــ والحالة هذه ــ أَنْ يقوم عليهم حجة بالطلاق وهو المطلوب. والقائس الجامع هو الذي عليه بيان ثبوت الحكم في الأصل إما بنص وإما بإجماع منهم، وَنَقْلُ مثل أبي ثور وأمثاله للإجماع لا يُفيد لا علمًا ولا ظنًّا بأنَّ واحدًا منهم قال ذلك، فضلًا عن إجماعهم؛ لجواز أَنْ يكون الإجماع الذي ظَنَّهُ إجماعُ مَنْ بعدهم. الوجه الثالث: أَنْ يقال: النزاع ثابت في الطلاق أقوى من ثبوت نفي النزاع؛ فإنه منقول عن طاووس وَمَنْ وافقه، وعن أبي جعفر وجعفر بن محمد ومن وافقهما، وعن أبي عبد الرحمن الشافعي وعن داود وابن حزم ومن وافقهم، وببعض هؤلاء يثبت النزاع، ولم يزل النزاع في ذلك من حين تكلم السلف في هذه المسألة لم يكن عصرٌ من الأعصار إلا وفيه مَنْ يقول: إنَّ الطلاق المحلوف به لا يلزم. وإذا كان النزاع ثابتًا في الطلاق؛ فمن (١) احتج على من دون الصحابة والتابعين بقياس العتق على الطلاق فمنعوه الحكم في الأصل= احتاج أَنْ يقيم عليه حجة من كتاب وسنة، ولم يمكنه إقامته هنا بإجماع ولا بقياس، لأنه ليس هنا أصل يقاس به الطلاق المحلوف به إذ كان هو الأصل الأول عند من قاس عليه. فتبين أَنَّ هذه المسألة لا يمكن أحدًا أَنْ يحتجَّ فيها بحجة صحيحة إِنْ لم

стр. 892

يأتِ بكتاب وسنة وهذا منتفٍ؛ فالحكم فيها باللزوم باطل. الوجه الرابع: قوله: (وهو لم يَنقله عن أحد بهذا الوصف الذي هو يدعيه؛ أعني: وجوب الكفارة)؛ عنه جوابان: أحدهما: أَنَّ الكلام في قياس العتاق على الطلاق في لزومه، والطلاق فيه نزاعان ــ كما ذكرهما ابن حزم وغيره ــ أحدهما: هل هو طلاق فيلزم أم هو يمين فلا يلزم؟ سواء قيل: هي يمين منعقدة مكفرة، أم يمين غير منعقدة ولا مكفرة. ثم النزاع الثاني إذا قيل هي يمين؛ فمن أَيِّ النوعين هي؟ وكلٌّ من نوعي النزاع كافٍ في المنع، ولو قُدِّرَ أنه لم يقل أحدٌ بتكفير الحلف بالطلاق كما حكاه أبو ثور = لم يجز قياس العتق المحلوف به عليه [٢٣١/ ب]. فإنه يقال: الطلاق المحلوف به لا يقع ولا كفارة فيه، وأما العتق فلا يقع وفيه الكفارة، لأنَّ العتق قربةٌ تجب بالنذر، فإذا عَلَّقَ وقوعَهُ تعليقَ يمين = كان كما لو عَلَّقَ وجوبه، وتعليقُ وجوبِهِ بقصد اليمين فيه الكفارة؛ فكذلك تعليق وقوعه. وأما الطلاق؛ فلو عَلَّقَ وجوبه لم يجب فيه كفارة عند كثيرٍ من العلماء، كما لو عَلَّقَ وجوبه في نذر التبرر، فإنه عند هؤلاء لا يقع ولا يجب فيه الكفارة، وكذلك إذا كان تعليق يمين، وكذلك إذا كان تعليق وقوع يقصد به اليمين، فلو قُدِّرَ أَنَّ بعض السلف قال ذلك كان قولًا معروفًا. وحينئذٍ؛ فإذا قالوا: العتق المحلوف به لا يلزم ويكفر، والطلاق لا يلزم ولا يكفر= كان هذا قولًا سائغًا متوجهًا، وكان نسبةُ هذا القول إليهم أولى من

стр. 893

أَنْ ينسب إليهم أنهم يقولون: الطلاق المحلوف به يلزم والعتق لا يلزم، فإنَّ هذا في غايةِ الفساد، ولم يُنقل هذا عن أحد قبل أبي ثور للعذر الذي ذُكِرَ عنه. وأيضًا؛ فطائفة من التابعين وَمَنْ بعدهم يقولون في تعليق النذر المحلوف به: لا يلزم ولا كفارة فيه ــ وكذلك يقول ابن حزم ــ، فهذا في العتق والنذر. وداود وابن حزم وغيرهما يقولون بهذا في العتق والطلاق والنذر، وابن جرير الطبري وابن حزم يجعلان هذا قولًا لبعض الصحابة ــ كما تقدم ــ؛ وإذا قُدِّرَ هذا قولًا= كان قولهم في الطلاق المحلوف به إنه لا يلزم ولا كفارة فيه بطريق الأولى. وحينئذٍ؛ فمن أوجب الكفارة في العتق المحلوف به دون الطلاق إِنْ قُدِّرَ فسادُ فَرْقِهِ وَإِنْ قُدِّرَ أَنَّ الطلاق يمكن نفي الكفارة فيه = لم يمكنه أَنْ ينفي الكفارة في العتق وهو قول معروفٌ، وهذا إذا قاله وَسَوَّى بين العتق والطلاق في عدم اللزوم كان خيرًا من أَنْ يُفَرِّقَ بينهما، فَيُلْزِمَ بالطلاق دون العتق، كما فعل ابن جرير لظهور فساد هذا القول، ولأنَّ هذا لم يُنْقَل عن أحدٍ من السلف لا من الصحابة ولا من التابعين، بل ولا يُعرف عن أحدٍ قبل أبي ثور، وتبعه [ابن] (١) جرير، لكن اختلفا في الكفارة في الحلف بالعتق [٢٣٢/ أ] والنذر، وهما مع ضعفهما فقول أبي ثورٍ أوجه. الجواب الثاني: أَنْ يقال: قوله: (وهو لم يَنقله عن أحدٍ بهذا الوصف الذي هو يَدَّعِيه).

стр. 894

فيقال له: قد ذَكَرَ هذا القول كما ذكر القولين الآخرين، وذكر أَنَّ في المسألة ثلاثة أقوال، ولا يلزم إذا لم يُسَمِّ قائله ألا يكون قولًا له قائلٌ معروف، فعدم تسميته في جواب فتيا ليس بحجة أصلًا، بل لو لم يعلم اسم قائله وقد نَقَل النزاع فيه ناقل يَعرفُ نزاعَ العلماء = كان نقله مقدمًا على نقل النافي. وهذه الكتب مملوءة بذكر الأقوال في التفسير والفقه والأصول وغير ذلك، وكثير من الناقلين لا يُسمي القائل في كثيرٍ من الأقوال، حتى في نقل مذهب بعض الفقهاء كثيرًا ما يذكرون الوجهين، ولا يسمون مَنْ قالهما، وقد يسمون القائل لأحدهما ولا يسمون قائل الآخر. فإذا قُدِّرَ عالمٌ جَزَمَ بأنَّ في المسألة قولين، وآخر قال: لا أعلم فيها نزاعًا؛ لوجب ــ بلا ريب ــ تقديم قول الجازم بالنزاع على النافي لعلمه بالنزاع، بل لو جزم أحدهما بثبوت النزاع وجزم الآخر بنفيه = لَقُدِّمَ المثبتُ على النافي (١). وقد نقل أبو محمد بن حزم في كتاب (الإجماع) (٢) الأقوال الثلاثة، ولم يُسَمِّ قائلَ هذا ولا هذا ولا هذا، والمجيب أجاب بجواب مختصر على البديهة لمن طلب منه الجواب، فكتب ما تيسر كتابته إذ ذاك، وَسَمَّى ما تيسرت تسميته، ولم يكن ذلك مصنفًا تذكر فيه الأقوال وقائلوها والأسانيد إليهم وذكر من نقل ذلك عنهم، بل ذلك مذكور في المصنفات في هذه المسألة، وإن لم يكن ذلك مذكورًا في جواب ذلك الاستفتاء الذي يسميه

стр. 895

المعترض تصنيفًا. بل لو قُدِّرَ أَنَّ المجيبَ لم يذكر النزاع في الجواب أصلًا؛ فقوله: بأن الطلاق فيه نزاعٌ جزمٌ منه بالنزاع، وقول المعترض: من أينَ له؟ وهو لم يذكر ذلك في الجواب؛ كلامٌ غير مستقيم، فإنَّ المجيبَ لا يستفيد العلم بذلك من كلامه في هذا الجواب، فإذا لم يكن ذلك في هذا الجواب يقال له: من أين له ذلك؟ وهل [٢٣٢/ ب] يقول عاقل إنَّ المواضع التي يستفاد منها علم ذلك هو نفس هذا الجواب، والعالم إذا ذكر شيئًا في موضعٍ ولم يذكره في موضعٍ آخر؛ هل يقال: من أين له؟ وهو لم يذكره في ذلك الموضع. والجواب المختصر إذا قيل فيه: وكان الطلاق فيه نزاعٌ= كفى، ولم يحتج في هذا المقام إلى إثبات النزاع، فإنه في مقام الاعتراض على من احتج على الصحابة، فالمحتجُّ عليه أَنْ يثبت إجماعهم. فإذا قيل: لا نسلم الحكم في الأصل كان عليه أن يثبته بنص أو إجماع الصحابة، ولكن المجيب بَيَّنَ سند منعه لئلا يُظَنَّ أنه منع منعًا لم يَسبقه إليه أحد. فقال: الصحابة لا يُسَلِّمُونَ الحكم في الطلاق، فإنَّ فيه نزاعًا محكيًا، فلا تقوم حُجةُ المحتجِّ حتى يُثْبِتَ الأصلَ بنصٍّ أو إجماع صحابي بخلاف ما لم يُذْكَر فيه نزاع أصلًا، فإنه قد يظن أن المسألة ما زالت إجماعية. الوجه الخامس: قوله: (وإثبات الأولوية لا يُسَوِّغُ النقل لو سلمت)؛ عنه جوابان: أحدهما: أَنَّ الأولوية ذكرت هنا لدفع حجة المحتج على الصحابة، فإنه احتج عليهم بقياس الحلف بالعتق على الحلف بالطلاق. فقيل له: الطلاق

стр. 896

فيه نزاع، والصحابة ﵃ إذا لم يثبتوا العتق المحلوف به فألا يثبتوا الطلاق المحلوف به بطريق الأولى والأحرى، فلا يُسَلِّمون لك الحكم في الطلاق = فهذا تقرير لمنعهم الحكم في الطلاق، وإظهار علمهم وفضلهم، وأنهم أَجَلُّ قَدْرًا من أن يخفى عليهم فساد هذا الفرق الذي لا يخفى على صبيان الفقهاء، فيسلمون لك الطلاق وينفون العتق، بل هم إذا لم يوقعوا العتق مع كونه قربة فأولى ألا يوقعوا الطلاق، بل يمنعونك الحكم فيه فلا يصح قياسك الذي احتججت به عليهم. وإذا لم يكن للصحابة في الطلاق كلام أصلًا، ولا خطر على قلوبهم ذكره، وألزمهم القياس أن يوقعوا العتق كما يقع الطلاق = لم يجز أن نقول إنهم يوقعون الطلاق مع أنه أولى بألا يقع من العتق وفيه النزاع، بل جَعْلُهُم يعتقدون الطلاق والحالة هذه، وجعلهم قائلين بالفرق الفاسد = كذبٌ عليهم وظلمٌ لهم. وأَمَّا [٢٣٣/ أ] إذا قيل هم يقولون ذلك بطريق الأولى؛ فالمراد به: أَنَّ هذا لازمُ قولهم، وهو لازمٌ يقتضي صحة قولهم واستقامته، وأما عكسه فيقتضي فساد قولهم وتناقضه. ولازم المذهب سواء كان مذهبًا أو لم يكن، إذا كان يدل على صحة المذهب واستقامته = لم يكن في إلزام القائل به طعنٌ عليه ولا على مذهبه، بل فيه نصره ونصر قوله، بخلاف اللازم الذي يقتضي فساد قوله وتناقضه. وإذا قال العالم قولًا له لازم يقتضي استقامة قوله وسداده. قال المناظر عنه لمن يلزمه بذلك القول: هو يَلتزمه؛ وذلك لا يضره (١).

стр. 897

فلو لم يكن الطلاق أولى بألا يقع من العتق، وكان الصحابة قد قالوا في الحلف بالعتق لا يلزم = لم يجز أن يقول هم يفرقون بينه وبين الطلاق فيكون قولهم فاسدًا، بل يقول: إذا قالوا بذلك في العتق أمكنهم طرد ذلك في الطلاق ولم يتناقض قولهم، وكان هذا جوابًا صحيحًا عنهم وإن لم يعرف قولهم. الثاني: أَنْ يقال: لا نُسَلِّم أَنَّ المذاهب لا تُعرف بالقياس، بل مذاهب المجتهدين تُعرف بما يدل عليها من كلامهم من عموم وتنبيه خطاب ومفهوم موافقة ومفهوم مخالفة ومن تعليل وقياس أولى؛ كما يُعرف بذلك حكم صاحب الشرع، بل كما يُعرف بذلك مراد سائر العلماء في كتبهم، فإذا عرف قول العالم في قضيةٍ عُلِمَ قوله فيما هو أولى بذلك الحكم (١). ثم نقول: إِنْ كانت أقوال العلماء لا تنقل بما يدل على مرادهم من قياس أولى وتعليل وغير ذلك بل بالنص الخاص = لم يجز أن ينقل عن أحد من الصحابة والتابعين أنه قال: إِنَّ كلَّ حالف بالطلاق يلزمه الطلاق إذا حنث، ولا كُلَّ مَنْ عَلَّقَ الطلاق بصفة يقع به إذا وجدت الصفة، فإنَّ هذا اللفظ العام في ذلك لم ينقل عن أَحَدٍ من الصحابة والتابعين، وقد تقدم ما استقصاه المعترض من أقوالهم، وما جمع في ذلك من أقوالٍ بعضها يدل على مراده وبعضها لا يدل، ولم ينقل في ذلك قولًا عامًّا عن الصحابة والتابعين، وإنما نَقَلَ أقوالًا خاصة في قضايا خاصة؛ فإنْ [٢٣٣/ ب] كانت المذاهب لا تُنقل بالقياس فنقله ونقل غيره لهذا القول عن أحدٍ من السلف كذبٌ عليهم، وإذا كان النقل عن بعضهم ولو أنه واحدٌ كذبًا، فكيف بنقلٍ عن كل واحد واحد

стр. 898

منهم حتى ينقل إجماعهم على ذلك؟! وهذا المعترض قد نقل من الأقوال بالقياس الفاسد ما تقدم التنبيه على بعضه، وهو يمنع نقلها بالقياس الصحيح! مع أَنَّ المجيب لم ينقلها، وإنما ذكر أَنَّ أصحابها أجل قدرًا من أن يخفى عليهم جواب الطاعن عليهم الذي ينسبهم إلى الفرق الفاسد بين العتاق والطلاق، وأنهم أجل قدرًا من أَنْ يخفى عليهم أولوية الطلاق بعدم الوقوع ــ وحينئذٍ ــ فيمكنهم مَنْعُ الحكمِ في الطلاق، فيدفع طعن الطاعن عليهم وإبطاله لمذهبهم، والقائلون بهذا أجل قدرًا وأكثر عددًا من القائلين بلزوم العتق من الصحابة والتابعين. * * * *

стр. 899

فصلٌ قال المعترضُ: (قال المجيب: وأبو ثور لم يسلم الطلاق، لكن قال: إِنْ كان فيه إجماع فالإجماع أولى ما اتُّبِعَ، وإلا فالقياس أنه كالعتاق، وقد علم أنه ليس فيه إجماع. وأما ما ذكره من [الزيادة في] حديث أبي رافع وأنهم قالوا: أَعتقي جاريتك؛ فهذا غلطٌ، فإنَّ هذا الحديث لم يذكر أحد فيه أنهم قالوا: أَعتقي جاريتك. وقد رواه أحمد والجوزجاني والأثرم وابن أبي شيبة وحرب الكرماني وغير واحد من المصنفين (١). قال المعترض (٢): (وأبو ثور لم يُسَلِّم الطلاق).

стр. 900

قلنا: قد نقل ابن المنذر عنه كما تقدم عند حكايته الإجماع، ونقله عنه صريحًا هناك، والمثبت مقدم على النافي. وأبو ثور نفسه نقل الإجماع ــ كما تقدم ــ من نقل محمد بن نصر عنه) (١). والجواب: أَنَّ المرادَ دفعُ احتجاجِ من احتج على أبي ثور ــ رحمة الله عليه ــ بقياسِ العتاق على الطلاق، وأبو ثور لم يُسَلِّم أَنَّ الكتاب أو السنة أو القياس يدل على وقوع الطلاق، ولم يُسَلِّم أَنَّ دلالةَ القرآن على تكفيرِ أيمانِ المسلمين ينفي تكفير الطلاق، ولم يُسَلِّم أَنَّ في الطلاق معنًى يوجبُ وقوعَهُ بخلافِ العتق؛ فمن احتج على أبي ثور بقياس العتق على الطلاق وطالبه بالفرق كان [٢٣٤/ أ] مخصومًا معه، فإنه لم يقل: إني رأيت في الطلاق وصفًا يختص به يقتضي الوقوع، ولا قال: رأيت في العتق معنًى ينفي الوقوع يختص به دون الطلاق = حتى يحتج عليه بالقياس، فإنَّ وقوعَ الطلاق ليس هو عنده مقتضى القياس، بل مقتضى القياس وظاهر القرآن ألا يقع وهو مقتضى الدليل عنده، وإنما تركه للمعارض الذي ظنه معارضًا؛ وهو ظنه الإجماع على نفي تكفير الطلاق = فصار هذا عنده موضع استحسان على خلاف الأصل والدليل والقياس، كما يفعل ذلك كثيرٌ من العلماء في مثل ذلك. وإذا كان أبو ثور لم يفرق إلا لما ظنه من الإجماع ولو علم النزاع لم يفرق = عُلِمَ أَنَّ قولَه في نفس الأمر هو التسوية بينهما لا التفريق؛ كالأقوال

стр. 901

المعلَّقة للعلماء إذا قال الإمام: قد روي في ذلك حديث فإنْ كان صحيحًا قلت به، أو إذا قال (١): هذا قولي إلا أن يكون في المسألة إجماع، أو إلا أَنْ يصح الحديث المخالف له، وإنما قلت بذلك لأجل هذا الحديث لا لمعنى آخر؛ فإنْ كان ضعيفًا فلا أقول به ونحو ذلك (٢). فإذا عُلِمَ أنه لم يَعدل عنه علم أنه في نفس الأمر لا يعدل عنه، وحينئذٍ فليس لأحدٍ أَنْ يحتجَّ عليه بالطلاق؛ فإنَّ جوابه له: أَنَّ الطلاق إما أَنْ يكون فيه إجماع وإما ألا يكون؛ فإنْ كان فيه إجماع فهو عذري في الفرق، وإنْ لم يكن فيه إجماع لم أُسَلِّمْ الحكم في الأصل وَسَوَّيتُ بينهما. فهذا بيان لجوابه في نفس الأمر على قوله، وَإِنْ كان هو لم يعلم النزاع ليجيب بالمنع، وقد تقدم لفظ أبي ثور أنه قولٌ مُعَلَّق لا مُطْلَق (٣). قال أبو ثور: (مَنْ حلف بالعتق فعليه كفارة يمين ولا عتق عليه، وذلك أَنَّ الله ــ تعالى ــ أوجبَ في كتابِهِ كفارةَ اليمين على كل حالف، فقال تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] يعني: فحنثتم). قال أبو ثور ــ رحمه الله تعالى ــ: (وَكُلُّ يمينٍ حَلَفَ بها الإنسان فحنث، فعليه الكفارة على ظاهر الكتاب، إلا أَنْ تجتمع الأمة على أنه لا كفارة عليه في شيء).

стр. 902

قال: (ولم يجتمعوا على ذلك إلا في الطلاق، فأسقطنا عن الحالف بالطلاق الكفارة وألزمناه الطلاق للإجماع، وجعلنا في العتق الكفارة لأنَّ الأمة لم تجتمع على ألا كفارة فيه) (١) [٢٣٤/ ب]. فهذا أبو ثور ــ رحمه الله تعالى ــ يُصَرِّحُ بأنَّ كل يمين حَلَفَ بها الإنسان فعليه الكفارة على ظاهر الكتاب إلا أَنْ تُجْمِع الأمة على أَلا كفارة فيه، فأثبتَ الكفارة في كل يمين إلا إذا كان إجماعٌ على نفي الكفارة، وَظَنَّ أَنَّ في الطلاق إجماعًا على نفي الكفارة فيه، فإذا قُدِّرَ انتفاءُ هذا الإجماع: فأيُّ القولين هو قوله؟! قوله: إِنَّ كل يمين يحلف بها الإنسان فعليه الكفارة على ظاهر الكتاب إلا أن تجمع الأمة على ألا كفارة فيه؛ فإذا كان حلف لم تجتمع الأمة على ألا كفارة فيه = كان قولَ أبي ثور ــ رحمه الله تعالى ــ فيه إنَّ فيه الكفارة بهذه العبارة الصريحة. وقوله: ولم يجتمعوا إلا في الطلاق إثباتٌ لإجماعهم في الطلاق، والإجماع عنده معناه: عدم العلم بالنزاع، فإذا قُدِّرَ أَنَّ ثَمَّ نزاعًا لم يعلمه = كان الإجماع منتفيًا قطعًا، وكان هذا مما أثبت فيه الكفارة لا مما نفى فيه الكفارة، فإنه أثبتَ الكفارةَ إلا على تقدير شرطٍ وذاكَ منتفٍ، ونفاها فيه على تقدير ثبوته وليس بثابت؛ فَعُلِمَ أنه لا ينفيها في نفس الأمر. ولو قال: عبدي حر إلا أنْ تكون الأمة قد اجتمعت على عدم تكفير الحلف ــ وَظَنَّ أنها أجمعت ــ، ثم تبين بعد موته أنه لا إجماع = حُكِمَ بعتق العبد لوجود الموجِب لعتقه وانتفاء عدم شرط العتق.

стр. 903

فقول المجيب: أبو ثور لم يُسَلِّم الطلاق، لكن قال: إِنْ كانَ فيه إجماع؛ فالإجماعُ أولى ما اتبع، وإلا فالقياس أنه كالعتق= جوابٌ عن أبي ثور لمن احتج عليه بقياس العتق على الطلاق، فإنَّ أبا ثور لم يسلم الحكم في الطلاق ابتداءً، بل قال: كل يمين يَحلف بها الإنسان فعليه الكفارة على ظاهر الكتاب إلا أَنْ تجتمع الأمة على خلاف ذلك؛ فكان مقتضى ظاهر الكتاب وهو مقتضى القياس عنده: تكفير الحلف بالطلاق كتكفير سائر الأيمان، وهو قد أخبر أنه يقول بذلك إلا أَنْ يكون ثَمَّ إجماع، ثم ظَنَّ الإجماع في الطلاق فقال بنفي تكفيره لظن الإجماع، لا لأنه عنده مقتضى دلالةِ النص والقياس، بل لأنَّ الإجماعَ عنده أولى بالاتباع من الظاهر والقياس، فإذا عُلِمَ أنه [٢٣٥/أ] ليس ثَمَّ إجماع منع الحكم في الطلاق على أصله (١). فلو قال الشافعي أو أحمد بن حنبل أو غيرهما مثل هذا، فقال: مقتضى الدليل عندي كذا وأنا أقول به إلا أَنْ يكون ثَمَّ إجماعٌ على خلافه وَظَنَّ الإجماع، ثم وَجَدَ أصحابه النزاع لقالوا: قوله المعلَّق هو القول الذي قاله وعلقه على عدم الإجماع، كالقول الذي يعلقه على صحة الحديث وأولى. وأما قوله: وأبو ثور نفسه نقل الإجماع؛ فقد علمنا ذلك، لكنْ مراده بذلك: أني لا أعلم نزاعًا، وأني أظن عدم النزاع؛ هكذا قال عن نفسه فيما يحكيه من الإجماع، ليس نقله للإجماع كنقله لما سمعه من أقوال العلماء منهم أو ممن نقل عنهم، بل هذا أمرٌ اجتهادي مستنده الاستقراء وتتبع الأقوال، فلمَّا لم يجد فيما بلغه من أقوال العلماء من قال بالتكفير = ظَنَّ أنه لا قائل به.

стр. 904

كما يقول أهل الحديث: لم يرو هذا غيرُ فلان، وكما يقول بعض أتباع الأئمة: لم يذكر هذا القول أو هذا الوجه إلا فلان؛ فهذا كله مستنده فيه الاستقراء والتتبع، وهو قولٌ باجتهاد واستقراء يقع فيه الصواب والخطأ، ليس هو من باب نقل الأحاديث وأقوال العلماء التي تنقل بالسماع أو بما يوجد في الكتب عنهم. ولهذا يُفَرَّقُ في الشهادة واليمين بين الإثبات والنفي؛ فإذا حَلَفَ على الإثبات حَلَفَ على البَتِّ، وإذا حَلَفَ على النفي لفعل غيره أو الدعوى على غيره لم يحلف إلا على نفي العلم. إذا قال: أبوك غصبني أو اقترض مني أو اشترى مني، وكذلك الشاهد إذا شَهِدَ بحصر الورثة قال: ليس له وارث غيره، مع أَنَّ العلم بانتفاء هذا يحصل كثيرًا، أو قال: إنه مفلس ليس له مال، أو إنه رشيد لا يُضَيِّعُ مالَهُ؛ فمثل هذه الشهادات التي تتضمن نفيًا وتُعلم بالاجتهاد إنما تُقبل من أهل الخبرة بذلك، فتقبل كما تقبل شهادات الاجتهاد؛ ولهذا قد يَمنع من مثل هذه الشهادات من [يطلب اليقين] (١) بالشهادة. ولهذا إذا كانت هذه الشهادة مما تُعلم أسبابها = لم تقبل إلا مُفَسَّرةَ السببِ كالجرح والإخبار [عَمَّا يُعْلَم بالسمع والرؤية] (٢) والشهادة باستحقاق القَوَد ونحو ذلك؛ فالخبر الذي مستنده اجتهاد الشاهد هو من جنس القيافة [٢٣٥/ ب] والخرص والتقويم، ومن جنس الفتيا والحكم بالاجتهاد؛ ليست مثل الخبر عن الأمور المعلومة بالسمع والرؤية.

стр. 905

فنقلُ أبي ثور للإجماع الذي مستنده عنده استقراؤه لأقوال العلماء هو من الخبر عن اجتهاده واستقرائه = ليس خبرًا كأخبار المحدثين وشهادة الشهود بالأمور المعلومة بسمع أو رؤية. فإذا قال: كل يمين مكفرة إلا يمينًا فيها إجماع، وقال مع ذلك: هذه اليمين قد ظننت فيها إجماعًا، ثم تبين أنه لا إجماع فيها = كان قوله المعلَّق فيها هو التكفير. * * * *

стр. 906

فصلٌ قال المعترض: (وقوله: (وقد عُلِمَ أنه ليس فيه إجماع). قلنا: لم نَعلم؛ وهو لم يَنقله عن أحدٍ غير داود وابن حزم وغيرهما من المتأخرين) (١). يقال له: العلمُ أمرٌ إضافي؛ فمَن عَلِمَ الشيءَ ثَبَتَ عِلْمُهُ به، ومَن لم يعلمه لم يثبت علمه به، وقد عَلِمَ غيرُ واحدٍ من الناسِ النزاعَ في الطلاق. وقد رأى المجيب ممن علم النزاع في الطلاق عددًا كثيرًا من الثقات يخبرون به عن غيره من العلماء القائلين به المفتين به، بل (٢) رآه في كتب متعددة (٣) ممن يقوله ذاكرًا وآثرًا. هذا يقول: رأيته في الكتاب الفلاني. وهذا يقول: سمعتُ فلانًا يفتي به مَنْ حَلَفَ بالطلاق وحنث بكفارة يمين، وإذا كان معسرًا أفتاه بصيام ثلاثة أيام. وهذا يقول: كان فلان وفلان من كبار أهل العلم والدين يُفتون بذلك، وهم من أفضل أهل بلادهم علمًا ودينًا.

стр. 907

وهذا يقول: هذا مذهب فلانٍ ذَكَرَهُ في الكتاب الفلاني أو نَقَلَهُ عنه فلان. فأما الذين يقولون من المتأخرين بأنَّ الطلاقَ المحلوفَ بِهِ لا يلزم ويفتون بذلك في الشرق والغرب= فعددٌ كثيرٌ لا يمكنا إحصاؤهم، وقد جُمِعَ ذِكْرُ طائفةٍ منهم في غير هذا الموضع (١). وأما مَنْ نُقِلَ ذلك عنه من السلف؛ فهو منقول عن طاووس ومن وافقه، وعن أبي جعفر محمد بن علي وأبي عبد الله جعفر بن محمد ومن اتبعهما ــ وهؤلاء قبل أبي ثور ــ، وهو قول أبي عبد الرحمن الشافعي ــ وهو من أقران

стр. 908

أبي ثور ــ، وهو قول داود وابن حزم ومن اتبعهما على قولهما، وكلٌّ من هؤلاء قد اتبعه على قوله عددٌ كثير. فإنَّ [٢٣٦/ أ] الأقوالَ في الطلاق المعلَّق بالصفة والمحلوف به أربعة أقوالٍ، كُلُّ قولٍ قالَهُ عالمٌ متبوع، واتبعه عليه طائفة. منهم مَنْ قال: الطلاق المعلَّق بالصفة والمحلوف به لا يقع بحال؛ وهذا قول طائفة من أهل السُنة والشيعة متقدمين من زمن أبي ثور ومتأخرين بعده. ومنهم مَنْ قال: بل المحلوف والمعلق تعليقًا يقصد به اليمين لا يقع، وأما المعلَّق الذي يقصد إيقاعه فيقع؛ وهذا أَصَحُّ الأقوال، وهو قول طاووس وغيره من السلف، وهو معنى ما يُروى عن أبي جعفر وابنه جعفر وغيرهما، وعليه تدل أقوال الصحابة، وهو قول أكثر أصحاب داود، وكلٌّ مِنْ هؤلاء له أتباع كثيرون جدًا. ثم مِنْ هؤلاء [مَنْ] (١) يقول: إِنَّ فيه كفارة يمين؛ كطاووس وغيره، وهو معنى قول الصحابة ﵃ وهو أصح الأقوال، ومنهم مَنْ يقول: لا كفارة فيه كداود وابن حزم. وقد ذكر ابن حزم في كتاب (الإجماع) (٢) الأقوالَ الثلاثة في الحلف بالطلاق: قولُ مَنْ يقول هو طلاق فيلزم، وقولُ مَنْ يقول هو يمين فلا يلزم ولا كفارة فيه، وقول من يقول هو يمين فلا يلزم ولكن فيه كفارة.

стр. 909

فصلٌ وأما قوله: (وهو لم ينقله إلا عن داود وابن حزم وغيرهما من المتأخرين) (١). فيقال: ليس الأمر كذلك؛ بل قد قال (٢): (هذا القول مأثور عن بعض السلف، وهو قول داود وابن حزم وغيرهما من المتأخرين). وليس مراده ببعض السلف ما توهمه المعترض حيث قال: (قوله: عن بعض السلف سبقه إليه ابن حزم، فقال: إنه صح عن طائفة من السلف. ورواه عن علي وشريح وعطاء وطاووس والحكم بن عتيبة (٣) بألفاظ ليس فيها شيء صريح) (٤)، فإنَّ ظَنَّهُ أَنَّ مرادَهُ بذلك هم هؤلاء الذين ذكرهم ابن حزم رجم بالغيب، وهو ظن خطأ؛ فإنَّ المجيب لا يوافق ابن حزم على نقل هذا القول عن هؤلاء، بل قد ذكر في كلامه أن ما ذكره ابن حزم عن علي وشريح وغيرهما يدل على نقيض مقصوده. وأيضًا؛ فقول طاووس ليس هو أنه لا يلزم ولا كفارة عليه، بل طاووس يقول: لا يقع [٢٣٦/ ب] الطلاق المحلوف، بل هو يمين منعقدة، بل هو يمين من أيمان المسلمين المنعقدة المكفرة؛ فكيف نقل المجيب عنه أنه كان يقول لا يقع ولا كفارة فيه؟! بل المجيب يقول: إِنَّ هذا القول لم يُنقل عن أحد من الصحابة، ولكن قال: هو مأثور ــ أي: منقول ــ عن بعض السلف؛ كأبي جعفر وجعفر بن

стр. 910

محمد وغيرهما، فإنه وُجِدَ عنهم نقولٌ بأسانيد متصلة أنهم كانوا يفتون في الحلف بالطلاق أنه لا يلزم، وَنَقَلَ ذلك عنهم غير واحد من المنتحلين لمذاهبهم المقلدين لهم فيها في الحلف والتعليق مطلقًا أنه لا يقع طلاق محلوف به ولا معلق؛ كقول أبي عبد الرحمن الشافعي وابن حزم. لكن المجيب لم يجد ذلك مسندًا إلا في تعليق يقصد به اليمين، ووجد بعض الأجوبة لم تتعرض لنفي الكفارة، وبعضها نفى القول بوجوب شيء على الحالف مطلقًا؛ فلهذا قال: هو مأثور عن بعض السلف؛ فإنه مأثور عن هؤلاء، وعن أبي عبد الرحمن، وكان في زمن الشافعي وأحمد وأبي ثور وكُلُّ هؤلاء قبل داود، فكان قول داود وابن حزم مأثورًا عن بعض السلف غير الذين سماهم ابن حزم. والمجيب ذكر داود وابن حزم وبعض المتأخرين، وداود وابن حزم يقولان إنه لا يلزم طلاق ولا كفارة عليه، وذكر أَنَّ هذا قول بعض السلف، وقد تقدم أَنَّ هذا ذُكِرَ في جوابِ سائلٍ مستفتٍ لم يُذكر في مصنف يذكر فيه الأقوال وأسماء أصحابها ومن نقل ذلك عنهم، ويستوعب الكلام في ذلك نقلًا للمذاهب واستدلالًا عليها= وحينئذٍ؛ فَعَدَمُ نَقْلِ ذلك في الجواب لا ينفي لا علمه ولا علم غيره بالنزاع من طرق أخرى. وإذا كان بعض الناس لم يعلم النزاع= لم يكن عَدَمُ علمه نافيًا لعلم من علمه كأمثال ذلك؛ فكم من مسألة فيها نزاع يعلمه بعض الناس ولا يعلمه آخرون. * * * *

стр. 911

فصلٌ قال: (فأما غيرهما فيحتاج أَنْ يبينه حتى يُنظر فيه؛ وأما داود وابن حزم فإنَّ جماعة من أئمتنا قالوا: لا مبالاة [٢٣٧/ أ] بخلافهم) (١). والجواب من وجوه: أحدها: أَنَّ النزاع في وقوع الطلاق المحلوف به ليس مختصًا بأهل الظاهر دون القائلين بالقياس، ولا مختصًّا بالشيعة (٢) دون (٣) أهل السنة، ولا مختصًّا بالخلف دون السلف، ولا بالسلف دون الخلف، بل هو موجود في أهل الظاهر وفي أهل القياس. فأبو عبد الرحمن الشافعي من أعظم الناس قولًا بالقياس، وأنصرهم لأصول الشافعي. قال أبو عمر بن عبد البر (٤) فيه: كان (يُعْرَفُ بالشافعي لتحققه به، وَذَبِّهِ عَنْ مذهبِهِ، صَحِبَهُ ببغداد، وكان يُنَاظِرُ على مذهبه، وكان من أَجِلَّةِ العلماء وحُذَّاقِ المتكلمين العارفين بالإجماع والاختلاف، وكان رفيعًا

стр. 912

عند السلطان وذوي الأقدار، عالمًا بالحديث والأثر، متبعًا (١) في العلم مع تمكن النظر والجدل والاقتدار على الكلام، وهو أول مَنْ خَلَّفَهُ الشافعي بالعراق في الذب عن أصوله ومذهبه والنصرة لقوله حتى عُرِفَ به، وهو أحد العشرة الذين اختارهم المأمون لمجلسه والكلام بحضرته وسماهم إخوته ورسمهم في الديوان بذلك، وله مصنفات جليلة، توفي ببغداد). وهذا حال هذا الرجل ببغداد في ذلك الوقت، وهي أعظم مدائن الإسلام إذ ذاك علمًا، حتى قال الشافعي ﵁ ليونس: (هل رأيت بغداد؟ قال: لا. قال: ما رأيت الدنيا) (٢). وهذا معروفٌ عن طاووس ومن وافقه، وهو من أجل التابعين، وأجلِّ أصحاب ابن عباس ﵄ حتى قال خُصَيف: (هو أعلمهم بالحلال والحرام) (٣). وهو ــ أيضًا ــ مأثورٌ عن أبي جعفر محمد وعن ابنه جعفر وغيرهما من فقهاء أهل البيت ﵃، وهؤلاء من أئمة الإسلام باتفاق أهل السنة والشيعة، لا يختلف اثنان من علماء المسلمين بأنهم مِنْ أعظم مَنْ يُعْتَدُّ بقولِهِ في مسائل الإجماع والنزاع، لكنَّ الرافضة غلت فيهم حتى جعلتهم معصومين، وجعلوا قولهم قول الرسول ﷺ ؛ ومعلومٌ أَنَّ غلو النصارى في المسيح ــ صلى الله على نبينا وعليه وسلم ــ لا يوجبُ نقصَ قَدْرِهِ، وكذلك الغالية في علي بن

стр. 913

أبي طالب وأئمة أهل البيت ﵃ لا يوجب نَقْصَ قدرهم. وعلى هذا القول تدل أقوال الصحابة، وإِنْ كان ليس عنهم بصريح لا بالنفي ولا بالإثبات لعدم شهرة هذه المسائل في زمانهم، [٢٣٧/ ب] وإنما اشتهر الحلف بالطلاق لما حَلَّفَ الحجاج الناس بذلك، وأدخلها في أيمان البيعة، وكان ذلك لَمَّا تَأَمَّر على العراق بعد موت ابن عمر وابن عباس ﵃ وغيرهما من الصحابة (١). وبذلك يفتي من المتأخرين مَنْ لا يُحصى عدده (٢). وإذا كان كذلك؛ فقول القائل: (أما داود وابن حزم فإنَّ جماعة من أئمتنا قالوا: لا مبالاة بخلافهم) لو صَحَّ قولُ هؤلاء لم يقدح؛ فإنَّ هذا لا يمكن أن يقولوه فيمن ذكر من السلف، ولا يمكن أن يقولوا ذلك في أبي عبد الرحمن الشافعي، بل جمهور هؤلاء يَعتدون بخلاف جميع طوائف المسلمين حتى المعتزلة والشيعة وغيرهم، ومعلومٌ أَنَّ القولَ بعدمِ وقوعِ الطلاقِ المحلوفِ به يَقولُ به من أئمة هؤلاء من لا يحصى عدده لأنهم كثيرون. والجواب الثاني: أَنْ يقال: الاعتبارُ في الأقوال بأدلتها لا بقائليها، فلا يُنظر إلى من قال، كما قال علي بن أبي طالب ﵁ للحارث بن حِلِّزَة ــ لَمَّا قال له الحارث: (يا علي؛ أَتظنُّ أَنَّا نَظُنُّ أَنَّ طلحة والزبير كانا على باطلٍ وأنت على حقٍّ؟) ــ فقال: (يا حارثة؛ إنه ملبوسٌ عليك! اعرف الحقَّ

стр. 914

تعرف أهله، إِنَّ الحق لا يُعرف بالرجال، وإنما الرجال يعرفون بالحق) (١). والأقوال التي رُدَّتْ على مَنْ ردت عليه من أهل البدع، وانخفضت بها أقدارهم= رُدَّتْ لمخالفتها الكتاب والسنة، لا لمجرد خلاف غيرهم لهم فيها. أترانا نحتج على المعتزلة والرافضة بإجماع مَنْ سواهم من أهل السنة على خلافهم؟ وهل يحتج بهذا عاقل؟! أم يحتج بالكتاب والسنة وبإجماع السلف الذين اتفقنا نحن وهم على أَنَّ إجماعهم حجة، كما يحتج بإجماع الصحابة ﵃ على المعتزلة وبأقوال أهل البيت على الإمامية. وقد كان أبو بكر بن داود إذا ناظر ابن سُريج فقال له: إجماع. يقول له: لعلك تُسَمِّي لي فلانًا وفلانًا، وقد طعن كثيرٌ من الناس في كثير من الأئمة، ولم يوجب ذلك منع الاعتداد بقوله (٢). فكثيرٌ من الحنفية والمالكية طعنوا في الشافعي ﵁ في نَسَبِهِ وعلمه وعدالته (٣)، وقالوا: لا يعتد به في الإجماع، وذكروا لذلك شبهًا.

стр. 915

ومنهم مَنْ هو عظيمٌ عند المسلمين مثل القاضي إسماعيل بن إسحاق كان [٢٣٨/ أ] يقول: لا يُعتد بخلاف الشافعي. وأكثر أهل الحديث طعنوا في أبي حنيفة ﵁ وأصحابه طعنًا مشهورًا امتلأت به الكتب، وبلغ الأمر بهم إلى أنهم لم يرووا عنهم في كتب الحديث شيئًا، فلا ذِكْرَ لهم في الصحيحين والسنن (١). وطعنَ كثيرٌ من أهل العراق في مالك ﵁ وقالوا: كان ينبغي له أَنْ يسكت فلا يتكلم. وكثيرٌ من أصحاب داود ــ رحمه الله تعالى ــ يُرَجِّحُ مَذْهَبَهُ على مذهب أبي حنيفة ومالك ﵄ وغيرهما، وقد ناظرني على ذلك طائفة منهم. فإذا قال القائل: جماعة من أئمتنا قالوا: لا مبالاة بخلافهم. قيل لهم: وهؤلاء وغيرهم يقولون: لا مبالاة بخلاف مَنْ ذكرتَهُ من أئمتكم، لا سيما وهؤلاء الذين قالوا هذا القول فيهم؛ ليس فيهم مجتهد. وداود ــ رحمه الله تعالى ــ وأصحابُهُ أعلمُ بكثيرٍ من علوم الإسلام منهم؛ أعلم بالحديث وأقوال الصحابة ﵃ والتابعين والإجماع والاختلاف، وأولئك فيهم مِنْ قِلَّةِ العلمِ بالحديث والآثار ومذاهب فقهاء الأمصار ما يوجب لأجله أَنْ يُعَدُّوا في ذلك من غثاء العامة. وقد ذكرهم أبو إسحاق الشيرازي ــ رحمة الله عليه ــ في طبقات
следующие страницы →