← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 32384

الرد على السبكي في مسألة تعليق الطلاق

ابن تيمية

Полный текст (1 081 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

فصلٌ قال: (فأما غيرهما فيحتاج أَنْ يبينه حتى يُنظر فيه؛ وأما داود وابن حزم فإنَّ جماعة من أئمتنا قالوا: لا مبالاة [٢٣٧/ أ] بخلافهم) (١). والجواب من وجوه: أحدها: أَنَّ النزاع في وقوع الطلاق المحلوف به ليس مختصًا بأهل الظاهر دون القائلين بالقياس، ولا مختصًّا بالشيعة (٢) دون (٣) أهل السنة، ولا مختصًّا بالخلف دون السلف، ولا بالسلف دون الخلف، بل هو موجود في أهل الظاهر وفي أهل القياس. فأبو عبد الرحمن الشافعي من أعظم الناس قولًا بالقياس، وأنصرهم لأصول الشافعي. قال أبو عمر بن عبد البر (٤) فيه: كان (يُعْرَفُ بالشافعي لتحققه به، وَذَبِّهِ عَنْ مذهبِهِ، صَحِبَهُ ببغداد، وكان يُنَاظِرُ على مذهبه، وكان من أَجِلَّةِ العلماء وحُذَّاقِ المتكلمين العارفين بالإجماع والاختلاف، وكان رفيعًا

стр. 912

عند السلطان وذوي الأقدار، عالمًا بالحديث والأثر، متبعًا (١) في العلم مع تمكن النظر والجدل والاقتدار على الكلام، وهو أول مَنْ خَلَّفَهُ الشافعي بالعراق في الذب عن أصوله ومذهبه والنصرة لقوله حتى عُرِفَ به، وهو أحد العشرة الذين اختارهم المأمون لمجلسه والكلام بحضرته وسماهم إخوته ورسمهم في الديوان بذلك، وله مصنفات جليلة، توفي ببغداد). وهذا حال هذا الرجل ببغداد في ذلك الوقت، وهي أعظم مدائن الإسلام إذ ذاك علمًا، حتى قال الشافعي ﵁ ليونس: (هل رأيت بغداد؟ قال: لا. قال: ما رأيت الدنيا) (٢). وهذا معروفٌ عن طاووس ومن وافقه، وهو من أجل التابعين، وأجلِّ أصحاب ابن عباس ﵄ حتى قال خُصَيف: (هو أعلمهم بالحلال والحرام) (٣). وهو ــ أيضًا ــ مأثورٌ عن أبي جعفر محمد وعن ابنه جعفر وغيرهما من فقهاء أهل البيت ﵃، وهؤلاء من أئمة الإسلام باتفاق أهل السنة والشيعة، لا يختلف اثنان من علماء المسلمين بأنهم مِنْ أعظم مَنْ يُعْتَدُّ بقولِهِ في مسائل الإجماع والنزاع، لكنَّ الرافضة غلت فيهم حتى جعلتهم معصومين، وجعلوا قولهم قول الرسول ﷺ ؛ ومعلومٌ أَنَّ غلو النصارى في المسيح ــ صلى الله على نبينا وعليه وسلم ــ لا يوجبُ نقصَ قَدْرِهِ، وكذلك الغالية في علي بن

стр. 913

أبي طالب وأئمة أهل البيت ﵃ لا يوجب نَقْصَ قدرهم. وعلى هذا القول تدل أقوال الصحابة، وإِنْ كان ليس عنهم بصريح لا بالنفي ولا بالإثبات لعدم شهرة هذه المسائل في زمانهم، [٢٣٧/ ب] وإنما اشتهر الحلف بالطلاق لما حَلَّفَ الحجاج الناس بذلك، وأدخلها في أيمان البيعة، وكان ذلك لَمَّا تَأَمَّر على العراق بعد موت ابن عمر وابن عباس ﵃ وغيرهما من الصحابة (١). وبذلك يفتي من المتأخرين مَنْ لا يُحصى عدده (٢). وإذا كان كذلك؛ فقول القائل: (أما داود وابن حزم فإنَّ جماعة من أئمتنا قالوا: لا مبالاة بخلافهم) لو صَحَّ قولُ هؤلاء لم يقدح؛ فإنَّ هذا لا يمكن أن يقولوه فيمن ذكر من السلف، ولا يمكن أن يقولوا ذلك في أبي عبد الرحمن الشافعي، بل جمهور هؤلاء يَعتدون بخلاف جميع طوائف المسلمين حتى المعتزلة والشيعة وغيرهم، ومعلومٌ أَنَّ القولَ بعدمِ وقوعِ الطلاقِ المحلوفِ به يَقولُ به من أئمة هؤلاء من لا يحصى عدده لأنهم كثيرون. والجواب الثاني: أَنْ يقال: الاعتبارُ في الأقوال بأدلتها لا بقائليها، فلا يُنظر إلى من قال، كما قال علي بن أبي طالب ﵁ للحارث بن حِلِّزَة ــ لَمَّا قال له الحارث: (يا علي؛ أَتظنُّ أَنَّا نَظُنُّ أَنَّ طلحة والزبير كانا على باطلٍ وأنت على حقٍّ؟) ــ فقال: (يا حارثة؛ إنه ملبوسٌ عليك! اعرف الحقَّ

стр. 914

تعرف أهله، إِنَّ الحق لا يُعرف بالرجال، وإنما الرجال يعرفون بالحق) (١). والأقوال التي رُدَّتْ على مَنْ ردت عليه من أهل البدع، وانخفضت بها أقدارهم= رُدَّتْ لمخالفتها الكتاب والسنة، لا لمجرد خلاف غيرهم لهم فيها. أترانا نحتج على المعتزلة والرافضة بإجماع مَنْ سواهم من أهل السنة على خلافهم؟ وهل يحتج بهذا عاقل؟! أم يحتج بالكتاب والسنة وبإجماع السلف الذين اتفقنا نحن وهم على أَنَّ إجماعهم حجة، كما يحتج بإجماع الصحابة ﵃ على المعتزلة وبأقوال أهل البيت على الإمامية. وقد كان أبو بكر بن داود إذا ناظر ابن سُريج فقال له: إجماع. يقول له: لعلك تُسَمِّي لي فلانًا وفلانًا، وقد طعن كثيرٌ من الناس في كثير من الأئمة، ولم يوجب ذلك منع الاعتداد بقوله (٢). فكثيرٌ من الحنفية والمالكية طعنوا في الشافعي ﵁ في نَسَبِهِ وعلمه وعدالته (٣)، وقالوا: لا يعتد به في الإجماع، وذكروا لذلك شبهًا.

стр. 915

ومنهم مَنْ هو عظيمٌ عند المسلمين مثل القاضي إسماعيل بن إسحاق كان [٢٣٨/ أ] يقول: لا يُعتد بخلاف الشافعي. وأكثر أهل الحديث طعنوا في أبي حنيفة ﵁ وأصحابه طعنًا مشهورًا امتلأت به الكتب، وبلغ الأمر بهم إلى أنهم لم يرووا عنهم في كتب الحديث شيئًا، فلا ذِكْرَ لهم في الصحيحين والسنن (١). وطعنَ كثيرٌ من أهل العراق في مالك ﵁ وقالوا: كان ينبغي له أَنْ يسكت فلا يتكلم. وكثيرٌ من أصحاب داود ــ رحمه الله تعالى ــ يُرَجِّحُ مَذْهَبَهُ على مذهب أبي حنيفة ومالك ﵄ وغيرهما، وقد ناظرني على ذلك طائفة منهم. فإذا قال القائل: جماعة من أئمتنا قالوا: لا مبالاة بخلافهم. قيل لهم: وهؤلاء وغيرهم يقولون: لا مبالاة بخلاف مَنْ ذكرتَهُ من أئمتكم، لا سيما وهؤلاء الذين قالوا هذا القول فيهم؛ ليس فيهم مجتهد. وداود ــ رحمه الله تعالى ــ وأصحابُهُ أعلمُ بكثيرٍ من علوم الإسلام منهم؛ أعلم بالحديث وأقوال الصحابة ﵃ والتابعين والإجماع والاختلاف، وأولئك فيهم مِنْ قِلَّةِ العلمِ بالحديث والآثار ومذاهب فقهاء الأمصار ما يوجب لأجله أَنْ يُعَدُّوا في ذلك من غثاء العامة. وقد ذكرهم أبو إسحاق الشيرازي ــ رحمة الله عليه ــ في طبقات

стр. 916

الفقهاء، فقال بعد أَنْ ذكر المجتهدين (١): (ثم انتهى الفقه بعد ذلك في جميع البلاد التي انتهى إليها الإسلام إلى الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأحمد وداود، وانتشر الفقه عنهم في الآفاق، وقام بنصرة مذاهبهم أئمةٌ ينتسبونَ إليهم وينصرون أقوالهم، وهذا بعد أَنْ ذَكَرَ داود). وقال (٢): (أَخَذَ العلم عن إسحاق بن راهويه وأبي ثور، وكان زاهدًا متقللًا، وانتهت إليه رئاسة العلم ببغداد. قال: وقيل: كان في مجلسه أربع مائة طيلسان أخضر). قال (٣): (وانتقل فقهه إلى جماعة من أصحابه؛ فمنهم: ابنه أبو بكر، ومنهم: أبو بكر القاساني، ومنهم: إبراهيم بن محمد نفطويه، ومنهم: أبو الحسن بن المغلِّس أخذ العلم عن ابن داود، وهو إمام جليل في المذهب، له كتاب يُعْرَفُ بِـ (الموضح) (٤)، وعنه انتشر علم داود في البلاد، وأخذ عن ابن المغلس أبو الحسن حيدرة بن عمر، وعنه أَخَذ البغداديون مذهب داود). إلى أَنْ قال (٥): (ثم انتقل [٢٣٨/ ب] إلى طبقة أخرى، فمنهم: قاضي القضاة أبو سعد (٦) بشر بن الحسين ــ وكان إمامًا من أصحاب داود ــ،

стр. 917

ومنهم: القاضي أبو العباس المقصودي (١) صاحب كتاب [النير] (٢)). إلى أَنْ قال (٣): (ثم انتقل إلى طبقة أخرى؛ فمنهم: القاضي أبو الحسن الخرزي (٤) أخذ العلم عن بشر بن الحسين (٥)، وكان نظارًا). قال أبو إسحاق (٦): (سألت القاضي أبا عبد الله الصَّيْمَرِي ــ وكان إمام أصحاب أبي حنيفة في زمانه ــ فقلت له: هل رأيتَ أَنْظَرَ من الشيخ أبي حامد؟ فقال: ما رأيت أَنظرَ منه ومن أبي الحسن الداودي) (٧). وذكر عن أبي الحسين القدوري أنه قال: (أبو حامد عندي أفقه وأَنْظَر من الشافعي). وهذا القول وَإِنْ كان فيه مبالغة من أبي الحسين أُنْكِرَتْ عليه، فإنه يدل على براعة أبي حامد، وقد ذكر الصيمري أنه لم يَرَ أَنظرَ منه ومن الظاهري الداودي، والحنفي مذهبه في غاية المناقضة لمذهب الداودي، فهذا الثناء والمقارنة بأبي حامد دليلٌ على البراعةِ في النظر. وذكر أبو إسحاق ناسًا آخرين مثل (٨): القاضي أبي الفرج الشيرازي.

стр. 918

قال: (وكان إمامًا في مذهب داود، وعنه (١) أخذ فقهاء شيراز مذهب داود). قال: (وكنت أناظره وأنا صبي). وذكر غيره منهم علماء أكابر مثل: عبد الله بن محمد بن أخت داود الظاهري. ومنهم: المنذر بن سعيد البلوطي وغيرهم (٢). وهؤلاء وَإِنْ كانت لهم أقوال شنيعة فيما يظنون أنه ظاهر الكلام؛ كمسألة صَبِّ البولِ في الإناء ثم صبه في الماء الدائم ونحو ذلك= فلكثيرٍ من أهل القياس من الأقيسة الشبهية والطردية ما هو أشنع وأقبح من هذا الظاهر، وفي أقوالهم من مخالفة النصوص الصحيحة والسنن الثابتة ما هو أكثر من مخالفة أهل الظاهر للقياس الجلي. فصلٌ وأما قوله: (والإنصاف أَنَّ خلافهم في الأمور النقلية التي مستندهم فيها الحديث أقوى في الغالب، وأما ما يستندون فيه إلى كونه لا دليل عليه وما أشبه ذلك من الأدلة التي يعتمدونها= فليس بالقوي؛ كهذا. والمنقول [٢٣٩/ أ] عن داود وقوع الطلاق إذا عُلِّقَ بالوقت) (٣). فيقال: لا ريبَ أَنَّ كلامهم الذي يستندون فيه إلى محض الاستصحاب يخطئون فيه، وأما إذا استندوا إلى ما يَدَّعُونَهُ من الظاهر الذي ينفون فيه

стр. 919

الدلالات المعلومة؛ كجحد دلالة فحوى الخطاب فقولهم فيه خطأ قطعًا، كقولهم في النهي عن التأفيف أنه لا يدل على النهي عما هو أبلغ منه، وقولهم في النهي عن البول في الماء أنه لا يدل على النهي عن صب البول فيه من الإناء (١)، وكذلك مخالفتهم للقياس الجلي مثل العلة المنصوصة، لكن هذا كله لهم فيه قولان مشهوران، لكن ابن حزم يختار نفي دلالة الفحوى وقياس العلة، فلهذا شَنُعَ غلوه في الظاهر. ولكن قولهم في الطلاق ليس هو مما بنوه على ذلك؛ فإنَّ لهم في الطلاق قولان، أضعفهما: قول ابن حزم إنَّ الطلاق المعلق بالصفة لا يقع بحال، وهو قول أبي عبد الرحمن الشافعي، وقول شيوخ الإمامية (٢)؛ وهذا القول ضعيفٌ، لكنْ مع ضعفه فلا يمكن الموقعين لكلِّ طلاقٍ معلق بالصفة أَنْ يقيموا حجة شرعية على صحة قولهم وفساد قول هؤلاء. ولهذا لم يَقْدِر المعترض ــ مع اجتهاده ــ على ذكر حجة صحيحة يصحح بها هذا القول ويبطل قولهم، فإنَّ كلا القولين ضعيف مخالف لدلالة الكتاب والسنة وآثار الصحابة ﵃ والقياس الجلي. وهؤلاء القائلون بوقوع المعلَّق ليس لهم ضابط شرعي دَلَّ عليه الكتاب والسنة في الفرق بين ما يعلق وما لا يعلق، ولهذا بَيَّنَّا أَنَّ هؤلاء مع ضعف قولهم لا يمكن هؤلاء إقامة حجة صحيحة عليهم.

стр. 920

وأما القول الثاني للظاهرية فهو الفرق بين التعليق الذي يقصد به الإيقاع والذي يقصد به اليمين، فهذا القول كالفرق الذي عليه الجمهور في تعليق النذر بين ما يقصد به النذر وما يقصد به اليمين، وهذا القول هو الذي يدل عليه أقوال الصحابة، وعليه يدل الكتاب والسنة والاعتبار، لكن هم لا يوجبون الكفارة في [٢٣٩/ ب] هذه الأيمان كلها لأنها عندهم من الحلف بغير الله تعالى كالأيمان بالمخلوقات. فقولهم في نفي وقوع الطلاق في غاية القوة، وقولهم في نفي التكفير قول يقول به بعض التابعين الذين يقولون في نذر اللجاج والغضب لا شيء عليه، وهو قول ابن حزم معهم، فليس في أقوالهم التي اعتددنا بخلافهم فيها ما انفردوا به عن غيرهم، ولا ما بنوه على أصولهم الضعيفة التي انفردوا بها. وكذلك المعتزلة والخوارج والشيعة ــ قد ذكرنا في غير هذا الموضع اختلاف العلماء من أصحاب أحمد وغيره ــ هل يعتد بخلافهم؟ على قولين (١)؛ وَبَيَّنَّا أَنَّ كل قول انفرد به طائفة من هؤلاء عن أهل السُنة فإنه لا يكون إلا خطأ، وما وافقهم فيه بعض أهل السنة: فقد يكون قولهم فيه صوابًا؛ وحينئذٍ ــ فلا ريب ــ أنه يعتد بأقوالهم التي وافقهم فيها بعض أهل السنة لجواز أَنْ يكون ذلك القول هو الصواب، فإنَّ المقصودَ الأعظم بحكاية أقوال العلماء الاستدلال على القول الصواب منها، ولا يجوز أَنْ يهمل قول يحتمل أنه حكم الله ورسوله ﷺ . وعلى هذا؛ فهذه مسائل الحلف بالطلاق وتعليقه قد وافقوا في أقوالهم

стр. 921

فيها بعض أهل السُّنة، بل القول الذي وجدته مسندًا عن العلماء من ولد علي ﵃ كأبي جعفر محمد بن علي وابنه جعفر إنما هو في التعليق الذي يُقصد به اليمين أنه لا يلزم= لم أجد لهم قولًا مسندًا في كل تعليق، وكأن الذين نقلوا قولهم بالمعنى الذي فهموه لَمَّا وجدوه في تعليقٍ= جعلوه كذلك في كل تعليق، ولم يفرقوا بين ما يقصد به اليمين وما لا يقصد، كما أَنَّ مَنْ يحكي عن بعض الصحابة وكثير من التابعين أَنَّ الطلاق المحلوف به يقع= وَجَدَ قولهم في بعض التعليق فجعل كل تعليق كذلك، سواء قصد به اليمين أو لم يقصد. فتبين أَنَّ الاعتداد في مثل هذه المسألة بخلاف أهل الظاهر الذي لم يستندوا فيه إلى أصولهم الضعيفة، وبخلاف الشيعة الذين وافقهم عليه بعض أهل السنة= هو اعتداد بخلافهم فيما يعتد فيه بخلاف المخالف باتفاق المسلمين، وَأَنَّ الاعتداد بخلافهم [٢٤٠/ أ] في مثل ذلك جائز عند جماهير الأولين (١). فقول المعترض: (مثل ما يستندون فيه إلى أنه لا دليل عليه كهذا، فلا يعتد بخلافهم) ظَنٌّ منه أَنَّ مستندهم فيه أنه لا دليل على ذلك، وهذا متوجه على قول ابن حزم إنَّ المعلق بالصفة لا يقع بحال، وأما مَنْ فَرَّقَ بينَ أَنْ يقصد الإيقاع وبين أن يقصد اليمين، فهذا يقيم الدليل على أن الأول مُطَلِّق والثاني حالف، فليس استناده إلى أنه لا دليل على ذلك. * * * *

стр. 922

فصلٌ قال المعترض: (وبالجملة؛ فهم أعذر من المصنف من جهة عِزَّةِ النصوص الدالة على جواز التعليق، وتَخيُّلِ أَنَّ الإنشاءات لا تَقبل التعليق، كما قدمناه وقدمنا الجواب عنه، وأما مَنْ يُسَلِّم التعليق فأقل عذرًا) (١). والجواب من وجوه: أحدها: أَنَّ الكلام هنا في ثبوت النزاع في وقوع الطلاق المحلوف به، وقد عرف ذلك من وجوه متعددة، عن غير واحد من علماء المسلمين سلفهم وخلفهم؛ وقد ذكرنا أَنَّ للناس في الطلاق المعلق والمحلوف به ثلاثة (٢) أقوال: أحدها: وقوعهما. والثاني: انتفاء وقوعهما والتكفير فيهما، ولا يثبت بإسنادٍ ثابتٍ واحدٌ من القولين، ولا ما يدل عليه عن الصحابة، بل ولا نُقِلَ لفظ صريح عن التابعين بأنَّ كل طلاق معلق ومحلوف به يقع، ولا كل طلاق معلق ومحلوف به لا يقع. والثالث: أنه يقع المعلق الذي يُقصد إيقاعه عند الصفة دون المحلوف به كالمعلق الذي لا يقصد إيقاعه عند الصفة، وهذا الفرق ثابت عن الصحابة ﵃ في تعليق الحلف بالعتق والنذر، وكلامهم يدل على أَنَّ الحلف

стр. 923

بالطلاق كذلك، وقد صَرَّحَ به من التابعين ومن بعدهم كثير من العلماء في الطلاق والعتق والنذر، وأصحاب هذا القول لهم في الكفارة في الحلف بالطلاق والعتاق والنذر قولان. الوجه الثاني: أَنْ يقال: قوله: (هم أعذر من المصنف من جهة عِزَّةِ النصوص الدالة على جواز التعليق، وتَخَيُّلِ أن الإنشاءات لا تقبل التعليق)، يتضمن أَنَّ من لم ير وقوع الطلاق المعلَّق لِتَخَيُّلِ أنه لا يقبل التعليق وعدم دلالة النصوص عليه= أعذر ممن يُفَرِّق بين التعليق الذي يقصد به الإيقاع والتعليق [٢٤٠/ ب] الذي لا يقصد به الإيقاع. والذين قالوا لا يقع الطلاق المعلَّق طائفةٌ قليلة كأبي عبد الرحمن وابن حزم وشيوخ الإمامية، وأما المفرق بين تعليق وتعليق، فهذا القول الثابت عن الصحابة ﵃، وهو قول أكابر التابعين، وجمهور علماء المسلمين من الأولين والآخرين؛ لكن منهم مَنْ طَرَدَ أصله ومنهم من تناقض فاستثنى الحلف بالطلاق والعتاق أو أحدهما، وهؤلاء الذين استثنوا ذلك ليس معهم بهذا الفرق أَثَرٌ مسند عن الصحابة لا صحيح ولا ضعيف، بل قولهم مخالفٌ للقولين المنقولين عن الصحابة؛ فإنَّ عن الصحابة في تعليق النذر والعتق روايتين، والرواية الواحدة مع ضعفها اتفق العلماء بعدهم على خلافها= فوجب أَنْ تكون تلك الرواية الأخرى الثابتة هي الصواب، لا سيما ومعها الكتاب والسنة والقياس الجلي ودلالة الإجماع على أنها الصحيحة، إذ لم يكن للصحابة إلا قولان مع اتفاقهم على التسوية بين التعليق القسمي والإيقاعي، إما في اللزوم وإما في عدم اللزوم. وأما القول بعدم لزوم الطلاق المعلق مطلقًا فقولٌ لم يُعرف عن أحدٍ

стр. 924

من الصحابة، ولا نُقِلَ عن أحدٍ من التابعين به نقل صريح، بل النقولات الكثيرة المتواترة عن التابعين، بل وعن الصحابة تقتضي وقوع الطلاق المعلق إذا قصد وقوعه عند وجود الصفة. وكلام المعترض يتضمن ترجيح هذا القول الشاذ على القول المُفَرِّقَ بين تعليق وتعليق، وهو القول الثابت عن الصحابة وأكابر التابعين وجمهور العلماء، بل هو القول الذي لا يقومُ دليلٌ شرعي لا من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس إلا عليه. الوجه الثالث: قوله: (تَخيل أَنَّ الإنشاءات لا تقبل التعليق) يدل على أَنَّ مستند هؤلاء في منع التعليق هو هذا التخيل، وهذا التخيل لم يَذْكُر أحد من العلماء أنه مستنده؛ فليس هو قطعًا مستند مَنْ نَفَى وقوع الطلاق المعلق، لا من الفقهاء القَيَّاسِين كأبي عبد الرحمن، ولا من أهل الظاهر كابن حزم، ولا من الشيعة. فإنَّ أبا عبد الرحمن بَيَّنَ مستنده، وهو قياسه ذلك على المتعة كما تقدم. وأما ابن حزم فَبَيَّنَ مستنده، وهو أنه [٢٤١/ أ] لم يَرِدْ بذلك نص في دعواه، وأما كونه يقبل التعليق أو لا يقبله فهو لا يلتفت إلى مثل هذا الكلام، ولو كان يقبل التعليق ولم يرد به نص لم يكن تعليقًا صحيحًا. والمعترض قد سَلَّمَ أَنَّ الإنشاء لا يقبل التعليق، وإنما الذي يقبله عنده موجب الإنشاء لا نفس الإنشاء، وَسَلَّمَ أنه لا يكفي في صحة التعليق وغيره من العقود الأدلة العامة، بل لا بُدَّ من دليل خاص يدل عليه ولم يذكر دليلًا خاصًّا كما تقدم، فكان ما ذكره من الأصول التي اعتمدها حجة على بطلان تعليق الطلاق لا على صحته.

стр. 925

وما نقله عن ابن حزم وغيره من أن مأخذهم تخيل فساد تعليق الإنشاءات= غلطٌ عليهم؛ وكذلك الشيعة المانعون من تعليقه عمدتهم ما فهموه من المنقولات عن الفقهاء الذين لا يقلدون إلا لهم؛ وهم كأبي جعفر وجعفر، فليس في هؤلاء مَنْ مستنده ما ذكره المعترض= فتبيَّن غلطُهُ على هؤلاء وهؤلاء. الوجه الرابع: أنه إذا قُدِّرَ أَنَّ المستند عِزَّةُ النصوص، فهذا مستند نفاة القياس كابن حزم، وأما أبو عبد الرحمن الشافعي فليس هذا مستنده. الوجه الخامس: أَنَّ هذا لو كان مستندًا؛ فإنما هو مستند من نفى وقوع الطلاق المعلق مطلقًا، ليس هو مستند من فَرَّقَ بين التعليق الإيقاعي والقسمي. والنافي لوقوع الطلاق مطلقًا من الظاهرية هو ابن حزم، وأما داود فليس هذا مذهبه، وَإِنْ كان الشاشي صاحب (الحلية) (١) قال: (وَحُكِيَ عن داود أَنَّ الطلاق المعلَّق بالصفة لا يقع مطلقًا). فابن حزم أعلم بمذهب داود، وقد ذكر ابن حزم الإجماع على وقوع الطلاق المعلَّق مع ذكره النزاع في الطلاق المحلوف به، وذكره الأقوال الثلاثة: هل هو طلاق فيلزم أم هو يمين مكفرة

стр. 926

أم يمين غير مكفرة؟ وهذا الفرق هو القول الصحيح. ومن نفى الطلاق من هؤلاء المفرقين، فإنما نفاه لكون الحالف ليس بمطلِّق، لا لأنَّ الطلاق المعلَّق لا يقع، بل هو واقع عنده قابل للتعليق؛ وهذا يتبين بِـ الوجه [السادس] (١): وهو أنه يقال: لا نسلم عِزَّةَ النصوص، [٢٤١/ ب] بل هو يقول: النصوص الشاملة للطلاق يَشمل مُطْلَقَهُ وَمُعَلَّقَهُ، كما أَنَّ نصوص العتق يَشمل مطلقه ومعلَّقه، وكذلك نصوص النذر يَشمل مطلقه ومعلَّقه، بل يَشمل مطلقه بالإجماع وفي معلَّقِهِ نزاع. وكذلك نحن نقول: نصوصُ الضمان يَشمل مُطْلَقَهُ وَمُعَلَّقَهُ، ونصوص الإذن والولاية يَشمل المطلق والمعلَّق، وذلك أَنَّ قول النبي ﷺ : «الولاء لمن أعتق» (٢)، وقوله ﷺ : «مَنْ أعتق شركًا له في عبد وكان له من المال ما يبلغ ثمن العبد ... » (٣) ونحو ذلك= يتناول العتقَ المُطْلَقَ والمعلَّق بصفة إذا وقعت. وكذلك قول النبي ﷺ : «مَنْ نَذَرَ أَنْ يطيع الله فليطعه» (٤) يتناول النذر المطلق والمعلق. فكذلك قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾

стр. 927

[البقرة: ٢٢٨] يتناول الطلاق المرسل والطلاق المعلق، فإنَّ كونَهُ معلقًا بمنزلة كونه مؤقتًا، وهو إيقاعٌ للطلاق في تلك الحال لا في غيرها، وهذا لا يُخرجه عن أَنْ يكون طلاقًا، كما لا يَخرج العتق والنذر عن أن يكون عتقًا أو نذرًا. ومعلومٌ أَنَّ كون الطلاق طلاقًا والعتق عتقًا والنذر نذرًا هو ثابت؛ سواء كان بلفظٍ عربي أو عجمي، وسواء كان بلفظ صريح أو كناية، وسواء كان مرسلًا مطلقًا أو كان مختصًّا بحالٍ دون حال وبصفةٍ دون صفة؛ وهذا موضع يشتبه على كثيرٍ من الناس؛ فإنَّ التقييد تارة يكون في اللفظ وتارة يكون في المعنى (١). فأما التقييد اللفظي: فتارة يكون المسمى بالمقيد لا يدخل في اللفظ المطلق، كما لا يدخل المني المسمى بالماء الدافق الذي يخرج من بين الصلب والترائب، والمذكور في قوله: «إنما الماء من الماء» (٢) في قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: ٤٣]، وتارة يدخل كما يدخل ماء البحر وغيره في اسم الماء. وكما يدخل في الرقبةِ السوداءُ والبيضاءُ في قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]. وأما التقييد المعنوي: فكما يَتصور الإنسان في نفسه إنسانًا مطلقًا، ويتصوره مقيَّدًا بكونه عربيًّا وعجميًّا ومسلمًا وكافرًا ونحو ذلك مع علمه بأنَّ

стр. 928

معنى الإنسان ثابت مع هذه القيود. وإذا عُرِفَ هذا؛ [٢٤٢/ أ] فمعنى الطلاق والعتاق والنذر ثابت؛ سواء تكلم به بلفظ عربي أو عجمي، وسواء تكلم به بلفظ هو صريح كالنص والظاهر، أو بلفظ هو كناية كاللفظ المجمل الذي يراد به هذا تارة ومعنى آخر تارة، لكنه إذا أراده بلفظ الكناية بَيَّنَ مراده [ ... ] (١) يعني الطلاق ثابتًا به. وكذلك كون الطلاق مرسلًا لا يقف على شرط، وكونه مقيدًا معلقًا بشرط يقع في حال دون حال، فإنَّ هذا لا يمنع ثبوت حقيقة الطلاق ومعناه في تلك الحال المقيدة، ولا يمنع شمول لفظ الطلاق لهذا وهذا، كما يَشمل لفظ العتق والنذر لهذا وهذا، وكما يشمل لفظ الرقبة والإنسان لما يوجد فيه المسمى وَإِنْ كان مخصوصًا بقيودٍ لا توجد في غيره. يُبَيِّنُ هذا: أَنَّ الطلاق المطلق عن جميع القيود لا وجود له في الخارج، بل وكذلك سائر مسميات الألفاظ ومعانيها إذا أُخِذَتْ مجردة عن كل قيد= لم يكن لها وجود في الخارج، بل تُقَدَّرُ في الأذهان من غير أَنْ يكون لها وجود في الأعيان (٢). فالطلاق المنجَّز مقيَّدٌ بكونه منجَّزًا، وطلاق السنة الحلال مقيَّدٌ بكونه طلاق سنة حلالًا، وطلاق البدعة مقيَّد بكونه طلاق بدعة محرم، لكن هذا القيد

стр. 929

أوجب اختصاصه بالتحريم والنهي، وهل هو مانع من لزومه؟ على القولين فيه كاختصاص البيع المحرم والنكاح المحرم بكونه محرمًا منهيًّا عنه. والطلاق بعوضٍ مُقَيَّدٌ بكونه طلاقًا بعوض، لكنَّ هذا القيد أوجب كونه بائنًا، ثم البائن عند أكثر فقهاء الحديث يمنع أن يكون من الطلاق المطلق في كتاب الله ــ تعالى ــ الذي جعله الله رجعيًا وَجُعِلَ ثلاث مرات وَجُعِلَ فيه تربص ثلاثة قروء في كل مرة. وأما كون الطلاق معجلًا أو مؤخرًا، وبالعربية أو بالعجمية، وبالصريح أو بالكناية= فهي صفات لا تؤثر في اختلاف أحكامه الشرعية إذا أُوْقِعَ، فإنَّ الذي أوقعه أوقعَ الطلاقَ الذي شرعه الله، لكن أوقعه إما (١) مجردًا وإما مقيدًا ببعض الأحوال، وإما بصريح وإما بكناية، وإما بعربية وإما بعجمية؛ فكما أَنَّ ألفاظ النصوص تتناول الطلاق بأيِّ لفظٍ كان من [٢٤٢/ ب] عربي أو عجمي، ومن صريح أو كناية؛ فكذلك تتناوله كيف ما أوقعه إذا لم يكن إيقاعه محرمًا، سواء كان مجردًا أو مقيدًا. وابن حزم يمنع وقوع الطلاق المعلق والطلاق بالكناية، وكذلك شيوخ الإمامية، وهذا القول مخالف لما استفاضت به الآثار عن الصحابة والتابعين، ومخالف للأدلة الشرعية، فإنَّ اعتبارَ لفظٍ معين للطلاق كاعتبار لفظ معين للعتق والنذر والبيع والنكاح وسائر العقود، وذلك كاعتبار لفظ العربي دون غيره، ومعلومٌ أَنَّ هذا خلاف النص والإجماع في أكثر المواضع.

стр. 930

فلا ريب أَنَّ البيع يصحُّ بكل لسان، وكذلك الإسلام والكفر، وكذلك الطلاق، وكذلك النكاح عند عامة علماء المسلمين، وإنما فيه نزاع شاذ ذهب إليه بعض المتأخرين من أصحاب الشافعي وأحمد، والأئمة المتقدمون لم يقولوا شيئًا من ذلك، ولا يوجد هذا في كلام أحمد ولا كلام عامة متقدمي أصحابه، بل ولا يوجد في كلامه وكلام قدماء أصحابه تعيين لفظ الإنكاح والتزويج، ولكنَّ الشافعي اشترط ذلك، ووافقه بعض متأخري أصحاب أحمد؛ كأبي عبد الله بن حامد وصاحبه القاضي أبي يعلى وَمَنْ تَلَقَّى ذلك عنه كأبي الخطاب وغيره (١). ومأخذ الشافعي ﵁ في ذلك: أَنَّ النكاح يُشترط فيه الإشهاد، والإشهادُ إنما يكون على الصريح دون الكناية، إذ الصريح عنده لا بُدَّ أن تقترن به النية لا يُكتفى فيه بدلالة الحال، والنية باطن [ ... ] (٢)، وليس له صريح إلا هذان اللفظان. وهذه المقدمات ممنوعة ــ هي أو بعضها ــ على أصل أحمد وجمهور

стр. 931

العلماء (١) كمالك وأبي حنيفة وغيرهما؛ فإنَّ الإشهاد في اشتراطه روايتان عن أحمد؛ إحداهما: لا يشترط؛ وهو مذهب مالك وداود وغيرهما. قال أحمد ﵁: (ليس في الشهادة على النكاح عن النبي ﷺ حديث ثابت) (٢). وأما كون الإشهاد لا يكون إلا على الصريح، فهذا مما نازع فيه الجمهور؛ فإنَّ [٢٤٣/ أ] الكناية مع دلالة الحال صريحٌ عند الجمهور: أحمد ومالك وغيرهما، وإذا اقترن بها لفظ يميز معناها كانت كالصريح باتفاقهم، كما إذا قال: تصدقتُ بهذا صدقةً مُحَبَّسة؛ فمتى نوى بلفظ الصدقة لفظًا من ألفاظ الوقف أو حكمًا من أحكامه كان صريحًا عندهم؛ فكذلك إذا قال: مَلَّكْتُ بنتي على ما أمر الله به في الزوجة من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان؛ فهذا صريح في النكاح، وبسط هذه المسائل له موضع آخر (٣). والمقصود هنا: التنبيه على أَنَّ الصواب هو الفرق بين التعليق القسمي والتعليق الإيقاعي، دون الفرق بين الطلاق المجرد والمعلق كما قاله ابن حزم، خلاف ما قاله المعترض من أَنَّ صاحب هذا القول أعذر من صاحب ذاك القول. الوجه [السابع] (٤): أَنْ يقال: مَنْ مَنَعَ تعليقَ الطلاق مطلقًا فقد خالف

стр. 932

الآثار المتواترة عن الصحابة والتابعين، فإنَّ إيقاع الطلاق المعلَّق مأثور عن علي وابن مسعود وأبي ذر ومعاوية وابن عمر ﵃، بل قد تنازع الصحابة ﵃ في تعليقه على الملك؛ فأوقعه ــ مع ذلك ــ ابن مسعود وغيره، ولم يوقعه علي وابن عباس ﵃، وعللوا ذلك بكونه طلاقًا معلقًا، مع كونه تعليقًا قبل النكاح، فلو كان الطلاق المعلَّق لا يقع عندهم بحال لم يوقع هذا منهم أحد، ولو كان لا يقع عند بعضهم لَعَلَّلَ بذلك مَنْ لم يوقع هذا منهم، فلما أعرضوا عن هذا التعليل وعللوا بما يختص بهذا النوع= عُلِمَ أَنَّ كونه معلقًا ليس مانعًا عندهم من الوقوع. والمعترضُ جعل هذا التعليق يمينًا، وَظَنَّ أَنَّ ذلك يقتضي أَنَّ كونه يمينًا ليس بمانع عندهم، واعتقد أَنَّ المجيب يجعل هذا من الأيمان التي فيها كفارة. وقد تقدم التنبيه على هذا الغلط، وَبُيِّنَ أَنَّ هذا القول لم يقله أحد، ولا يقوله عاقل يدري ما يقول، وَأَنَّ الذين تنازعوا في الطلاق المحلوف به هل هو طلاق أو يمين منعقدة مكفرة أم يمين غير منعقدة ولا مكفرة؟ لم يدخل في نزاعهم [٢٤٣/ ب] الطلاق المعلَّق الذي يقصد إيقاعه عند الصفة سواء عُلِّقَ على الملك أو على غير الملك، بل هذا المعلق لم يقل أَحَدٌ إنه يمين مكفَّرة ولا غير يمين مكفَّرة، وإنما النزاع هل هو طلاق أم ليس بطلاق؟ وإذا قيل ليس بطلاق (١) فليس هو يمينًا من الأيمان، لا من أيمان المسلمين المكفرة المنعقدة ولا من الأيمان المنهي عنها كأيمان المشركين، فلا يقول

стр. 933

قط عاقل: إِنَّ من عَلَّقَ الطلاق بصفة يقصد إيقاع الطلاق عندها أَنَّ هذا من الأيمان التي نهى النبي ﷺ عنها، ولا من الأيمان التي جعل الله ــ تعالى ــ فيها الكفارة؛ فمن ظن أن أحدًا من العلماء جَعَلَ هذا من أجل هذين= فقد غلط غلطًا بينًا لا يغلط مثله من له معرفة بأقوال العلماء في مسائل الأيمان والطلاق؛ فكيف يكون أعذرُ ممن فَرَّقَ بين التعليق الذي يقصد به اليمين والذي يقصد به الإيقاع؟! وهذا الفرق هو الذي دَلَّ عليه الكتاب والسنة واللغة والعقل والعرف، وهو القول الثابت عن الصحابة وجمهور التابعين، وَمِنْ بعدهم عامةُ علماءِ المسلمين الأولين والآخرين يقولون بهذا الفرق، لكن منهم من يجعل التعليق القسمي لغوًا، ومنهم من يجعله يمينًا منعقدة، ومنهم من يستثني بعض ذلك؛ كالحلف بالطلاق والعتاق والظهار والحرام على ما في استثناء هذه من النزاع. وأما مَنْ يجعل التعليق القسمي كالتعليق الإيقاعي مطلقًا، فهذا قولٌ قاله بعض التابعين ومن وافقهم، ومع هذا فلم يطرده أحدٌ من الأئمة، وقد روي عن الصحابة فيه رواية ضعيفة لم يقل بها أحد من الأئمة، بل الذين قالوا هذا تناقضوا واختلفوا، كما ذُكِرَ هذا في موضع آخر (١). الوجه [الثامن]: قوله: (وأما مَنْ سَلَّمَ التعليق فأقل عذرًا). فيقال له: جميع الأمة قد سَلَّمَت التعليق في النذر وغيره كالعتق، ومع هذا فجمهور سلفهم وخلفهم فَرَّقُوا بين التعليق الذي يقصد به اليمين

стр. 934

والتعليق الذي يقصد به الإيقاع، فكيف [يكون] (١) هؤلاء أقل عذرًا ممن يقول الطلاق المعلق [٢٤٤/ أ] لا يقع بحال، وهو قول شاذٌ لا يُعرف عن أحدٍ من السلف؟! ثم هو قول في غايةِ الفسادِ، والفرقُ بين التعليق الذي يقصد به اليمين والتعليق الذي يقصد به الإيقاع في غاية القوة؛ بل نحن نعلم قطعًا أنه من الفرقان الذي بعث الله ــ تعالى ــ به رسوله ﷺ وأنزل به كتابه، ونعلم قطعًا أَنَّ الطلاق المعلق إذا قُصِدَ إيقاعه عند الصفة يقع، فهل يَجعل مَنْ سَوَّى بينهما في النفي أعذرُ ممن فَرَّقَ إلا مَنْ هو مِنْ أَبعدِ الناس عن معرفة دين الإسلام؟! بل هذا القول يستلزم قول الذين قالوا ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ [النساء: ٥١]. الوجه [التاسع]: أنه لو قال قائل: مَنْ منع وقوع الطلاق المعلق مطلقًا، أو قال: إِنَّ الطلاق المحلوف به لا طلاق فيه ولا كفارة فهو أعذر ممن ألزم الطلاق المعلق المحلوف به مطلقًا= لكان قولُ هذا القائل أَسَدُّ ممن جعل نافي الطلاق مطلقًا أعذر ممن فَرَّقَ بين التعليقين، لأنَّ ذاك يقولُ: الأصلُ بقاءُ النكاح، والأصلُ براءةُ الذمةِ من الكفارة، وهذه الأيمان نهى عنها النبي ﷺ فلا تنعقد ولا كفارة فيها. والملزِمُ بالطلاقِ إِنْ نازعه في كونها أيمانًا كابر مكابرة يعرفها العامة والخاصة. وَإِنْ سَلَّمَ أنها أيمان، وقال: هي أيمان محرمة منهيٌّ عنها؛ بَطَلَ قَولُهُ. وإِنْ قال: أيمانٌ منعقدة مُكَفَّرَة؛ بطل قوله.

стр. 935

وَإِنْ قال: أيمان منعقدة غير مكفرة؛ فقد خالف الكتاب والسنة، وأتى بقول مبتدع؛ إذ ليس في شرع المسلمين يمين من الأيمان إلا منعقدة مكفرة، أو باطلة لا منعقدة ولا مكفرة؛ وأما يمين منعقدة غير مكفرة فهذا ليس من شرع المسلمين، وإنما هو من شرع أهل الكتاب، وكانوا عليه في أول الإسلام قبل أَنْ نَزَّلَ الله ــ تعالى ــ كفارة الأيمان. ومع هذا التوجيه؛ فنحن نقول: التسوية بين التعليقين في اللزوم وإِنْ كان قولًا ضعيفًا، فقول مَنْ نفى لزومهما جميعًا أضعف منه، وقولُ مَنْ جعل الحالف بالطلاق يلزمه الطلاق أقوى من قول من [٢٤٤/ ب] يقول لا يلزمه لا طلاق ولا كفارة، ومن جعل هذا تعليقًا لازمًا ويمينًا لازمة أقوى مِن قول مَن جعل هذا تعليقًا باطلًا ويمينًا غير منعقدة. فإنَّ قولَ الملزمين من جنس الشرع المنسوخ، وقولُ المبطلين من جنس شرع الجاهلية الذي لم يشرعه الله ــ ــ قط؛ وقولٌ شُرِعَ ثم نُسخ أرجحُ من قول ما شرعَ قط، وكل مسألة فيها نزاع فالقول الصواب فيها هو موافق لشرع الرسول المحكم، وما خالفه فهو إما من جنس الشرع المنسوخ أو من جنس ما لم يشرع قط؛ والأول خيرٌ من الثاني (١). فإنَّ هذه الأيمان هي من أيمان المسلمين بلا ريب؛ فالقول بانعقادها وعدم الكفارة فيها من جنس الشرع المنسوخ، وما كانوا عليه أولًا من أَنَّ اليمين يَلْزَمُ صاحبَها ما حَلَفَ عليه، وَأَنَّ مَنْ حَرَّمَ شيئًا حَرُمَ عليه كما حَرَّمَ إسرائيل على نفسه. والقول بأنها لا تنعقد ولا شيء فيها بمنزلة مَنْ جَعَلَ

стр. 936

الأيمان والتحريم قولًا باطلًا لا شيء فيه بحال وهذا لم يشرع قط؛ فما زال في كل شريعة للأيمان والتحريم حكم معتبر، إما اللزوم وإما الكفارة. فنحن وإن علمنا أَنَّ قول هؤلاء الملزمين بهذه الأيمان أرجح من قول من أهدرها، فَمَنْ عَكَسَ ذلك وجعل من جعلها لازمة أقل عذرًا ممن أهدرها= فقوله أرجح مِن قول مَن جعل قول بعض الظاهرية النافين للطلاق المعلَّق مطلقًا أعذر ممن فرق بين التعليق القسمي والإيقاعي، فإنَّ هذا جَعَلَ أضعف الأقوال أرجح من أرجح الأقوال، بخلاف الذي قبله فإنه جعل أضعفها أرجح من متوسطها. وهذا له نظائر في كلام المعترض؛ يَذكرُ من النقل والاستدلال والمنع والطعن ما هو من أسقط شيءٍ (١)، ومما أجمع العلماء على فساده؛ كما تكرر ذلك في غير موضع (٢). * * * *

стр. 937

فصلٌ قال: (وذكر بعد ذلك تضعيف زيادة قوله: (وأعتقي جاريتك) [و] قد قدمنا ذلك عنه، وهو محل نظر كما قلنا؛ والله أعلم) (١). والجواب: أَنْ يقال: إذا جاء الحق البيِّن الذي لا يندفع جعله (٢) موضعَ شك، وإذا جاء [٢٤٥/ أ] موضع الشك والوقف [جعله] موضع قطعٍ بالباطل، وهذا شأن صاحب الباطل يحتج بالمتشابه ويدفع المحكم، يدع اليقين ويتمسك بالشك. وذلك [أنَّ] (٣) حديث ليلى بنت العجماء مما تداوله العلماء خلفًا عن سلف، واتفقوا كلهم على أَنَّ الصحابة أفتوا فيها بعدم اللزوم، وقال جمهورهم أفتوهم كلها في ذلك بالكفارة في الجميع، وَظَنَّ ابنُ حزمٍ أَنَّ ابن عمر أفتى بالكفارة في الجميع، وَأَنَّ حفصة أفتت بعدم اللزوم وعدم الكفارة، والذين بلغهم طريق أشعث بن عبد الملك مع طريق سليمان التيمي اتفقوا على صحة ذكر العتق فيه، وقد تابعهما على ذلك جسر بن الحسن، وأما أحمد فلم يبلغه إلا طريق التيمي فعلل ذكر العتق بانفراد التيمي به، وذكر رواية عثمان بن حاضر التي فيها الإلزام بالعتق وغيره. وأما حديث ليلى فلم يَنقل قَطُّ أَحدٌ أنهم ألزموها فيه بالعتق؛ بل كُلُّ مَنْ رَوى العتق فيه ومن أثبت رواية العتق فيه اتفقوا على أنهم لم يلزموها بالعتق،

стр. 938

وقد رَوى هذا أحمد بن حنبل وأبو ثور ومحمد بن نصر وحرب الكرماني وأبو بكر الأثرم وإسماعيل بن سعيد (١) الشالنجي وأبو بكر بن المنذر وإبراهيم بن يعقوب الجوزجاني وأبو بكر النيسابوري وأبو الحسن الدارقطني وأبو بكر البيهقي وأبو عمر بن عبد البر وأبو محمد بن حزم وغيرهم من العلماء، وكلهم متفقون على ذلك، لم يقل أحد منهم لا في روايته ولا فيما ذكره أنهم ألزموها بالعتق، فكيف يَجعل هذا محل نظر؟! والإمام أحمد قد نَقَلَ عنه غيرُ واحد هذه المسألة، والكلام على ذكر العتق؛ فكلهم ينقل عنه أَنَّ من ذكر العتق لم يذكر فيه (أَعتقي جاريتك)؛ ولكن كان يذكر حديث عثمان بن حاضر، ولكن وقع غلط في رواية أبي طالب، وذكره أبو محمد في مغنيه. (قال أبو بكر الخلال في جامعه (٢): قال (٣) هارون بن عبد الله: قيل لأبي عبد الله: أليس قد كان ابن عباس يرى الاستثناء بعد حينٍ؟ قال: إنما هذاك (٤) في القول ليس في اليمين، كان يذهب [٢٤٥/ ب] إلى قول الله: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤] قال أبوعبد الله: [إنما] هذا في القول ليس في اليمين، وإنما يكون الاستثناء

стр. 939

جائزًا فيما يكون فيه الكفارة إذا حلف بالطلاق والعتاق لا يكفر. فقد نص على أَنَّ الاستثناء إنما يكون في اليمين المكفرة، فإذا كان قد نَصَّ مع ذلك على جواز الاستثناء فيما إذا حلف بالطلاق والعتاق= لزم إجزاء الكفارة في ذلك. قلتُ (١): النص الأول الذي نقله هارون معناه: حَصْرُ الاستثناء فيما فيه الكفارة، ونفي الكفارة عن الحلف بالطلاق والعتاق؛ أي: فلا يجوز الاستثناء فيهما) (٢). والجواب: قوله: (النص الأول الذي نقله هارون معناه: حَصْرُ الاستثناء فيما فيه الكفارة، ونفي الكفارة عن الحلف بالطلاق والعتاق؛ فلا يجوز الاستثناء فيهما) فيقال له: هذا صحيح؛ وإذا كان الاستثناء محصورًا فيما فيه الكفارة، وهو منفي عما لا كفارة فيه، وقد قال في إحدى الروايتين: إن الاستثناء مشروع في الحلف بالطلاق والعتاق؛ لزم من ذلك أن يكون في هذا الحلف الكفارةُ، وَأَنْ يكون قوله بنفي الكفارة عن الحلف بهما على قوله بنفي الاستثناء فيهما، وهو الرواية الأخرى عنه، وإلا فلو قيل: إنه يشرع فيهما الاستثناء ولا يشرع فيهما الكفارة؛ لزم من ذلك أَنْ يكون الاستثناء مشروعًا فيما لا كفارة فيه، فلا يكون منفيًا عما لا كفارة فيه، بل يكون ثابتًا مع انتفاء الكفارة في الحلف بالطلاق والعتاق؛ وهذا مناقض للحصر المذكور الذي اعترف به المعترض ولا يمكن فيه نزاع.

стр. 940

فإذا قال القائل: لا يثبت الاستثناء إلا إذا ثبتت الكفارة، ثم أَثْبَتَ الاستثناء ولم يُثبت الكفارة تناقض قوله. فَعُلِمَ أَنَّ قول أحمد هذا إنما يستقيم على إحدى الروايتين عنه، وهي قوله: إنَّ الاستثناء ليس في الحلف بالطلاق والعتاق ولا في إيقاعهما. وعلى هذا فإذا قيل: لا كفارة في ذلك، وقيل الاستثناء إنما يكون جائزًا فيما يكون فيه الكفارة، وهذا لا كفارة فيه فلا استثناء فيه= كان كلامًا مستقيمًا. وأما إذا فَرَّقَ بين [٢٤٦/ أ] الإيقاع والحلف، وقيل الحلف بهما فيه استثناء، وقيل مع ذلك إنما يكون الاستثناء جائزًا فيما فيه الكفارة؛ لزم أَنْ تكون الكفارة حيث كان الاستثناء، لا تنتفي الكفارة إلا إذا انتفى الاستثناء، فإذا كان الاستثناء ثابتًا كانت الكفارة ثابتة، وإلا بطل الحصر، وهو قول القائل: إنما يكون الاستثناء جائزًا فيما تكون فيه الكفارة، وقيل حينئذٍ: الاستثناء في الحلف بهما جائز ولا كفارة فيه، فكذلك في إيقاعهما. فصلٌ وأما قوله: (فهو مَسُوقٌ لنفي الاستثناء عما [ليس] (١) فيه الكفارة لا لإثبات الاستثناء في كل ما فيه كفارة) (٢)؛ فعنه جوابان (٣): أحدهما: أَنَّ هذا إذا سُلِّمَ فهو حجةٌ لنا، فإنه إذا كان قد نَفَى الاستثناء عما ليس فيه الكفارة وأثبت الاستثناء في موضعٍ امتنعَ انتفاءُ الكفارة في ذلك

стр. 941

الموضع، إذ لو لم يكن فيه كفارة لوجب نفي الاستثناء عنه، فإنَّ الاستثناءَ يُنفى عن كل موضع انتفت فيه الكفارة. فالحلف بالطلاق والعتاق إذا قُدِّرَ انتفاء التكفير فيه لزم انتفاء الاستثناء فيه، لأنَّ انتفاء الاستثناء لازم لانتفاء الكفارة، فحيث انتفت الكفارة انتفى الاستثناء، فإذا لم ينتفِ (١) الاستثناء لم تنتف الكفارة، بل يثبت مع الاستثناء؛ إذ لو لم يثبت للزم أَنْ يكون الاستثناء ثابتًا مع انتفاء الكفارة، وهذا يُناقضُ قولَ القائل: إذا انتفت الكفارة انتفى الاستثناء. وهذا أمر بَيِّنٌ معلوم بالضرورة، ويمكن التعبير عنه بأنواعٍ من العبارات، مثل أَنْ يقول: نفي الكفارة مستلزم لنفي الاستثناء، فإنه إذا انتفت الكفارة انتفى الاستثناء؛ فإنه لا يُنفى الاستثناء إلا مع نفي الكفارة، فلا يُعْدَم الاستثناءُ إلا إذا عُدِمَت الكفارة، فَعَدَمُ الكفارةِ مستلزمٌ لعدمِ الاستثناء، وإذا تحقق الملزوم تحقق اللازم، وإذا انتفى اللازم انتفى الملزوم، فإذا انتفى اللازم وهو عدم الاستثناء بثبوت نقيضه وهو وجود الاستثناء= لزم انتفاء الملزوم وهو عدم الكفارة بثبوت نقيضه وهو وجود الكفارة. فصلٌ وأما قوله: (والنفي الثاني (٢) الدال على جواز الاستثناء في الحلف بالطلاق [٢٤٦/ ب] والعتاق ــ إِنْ صَحَّ ــ يدل على عدم انحصار الاستثناء فيما فيه الكفارة، فيكون ذلك اختلافًا من أحمد في أنه هل من شرط الاستثناء أَنْ

стр. 942

تكون اليمين مما تُكَفَّر أم لا؟ ولذلك أثبت أصحابه روايتين في جواز الاستثناء في الحلف به، فهذا (١) التصرف [في كلام الإمام] أولى من أَنْ يُجعل النصُّ الدال على جواز الاستثناء دالًّا على جواز التكفير مع التصريح بنفيه) (٢). فيقال: هذا كلامُ مَنْ لم يَعرف نصوص أحمد ومذهبه وتعليله؛ فإنَّ عامَّهُ في عامة نصوصه يمنع الاستثناء بالمشيئة في الطلاق والعتاق، وَإِنْ كان قد توقف في ذلك في بعض أجوبته، ولأجل توقفه خَرَّجَ بعض أصحابه رواية عنه بعدم الوقوع. وأحمد ــ رحمة الله عليه ــ في نصوصه يحتج على أَنَّ الطلاق والعتاق لا كفارة فيهما: بأنَّ الكفارة إنما تكون فيما فيه الاستثناء (٣)، والنص إنما جاء في الاستثناء في اليمين لم يجئ نَصٌّ بالاستثناء في طلاق وعتاق، فقال أحمد: الطلاق والعتاق ليسا بيمين، لأنهما لو كانا من الأيمان لكان فيهما كفارة فلا يكون فيهما استثناء، فإنَّ الاستثناء إنما يكون فيما يكفر، فإنه لا يكون إلا في اليمين، واليمين هو مما (٤) يكفر، والطلاق والعتاق لا كفارة فيهما فلا استثناء فيهما. وأحمد جَزَمَ بنفي الاستثناء في الطلاق والعتاق لهذه العلة، واختلف

стр. 943

جوابه في الحلف بهما؛ فتارة جَعَلَ ذلك كإيقاعهما فمنع من الاستثناء فيه، وتارة جَعَلَ الحلف بهما من الأيمان فَسَوَّغَ الاستثناء فيه. فلو كان أحمد ﵁ ــ كما قاله المعترض ــ لا يَخُصُّ الاستثناء فيما فيه الكفارة، بل يقول به فيما يكفر وما لا يكفر= قال به في الطلاق والعتاق، كما قاله أبو حنيفة والشافعي ﵄، بل هو في إحدى الروايتين يمنع الاستثناء في إيقاعهما والحلف بهما، وفي الأخرى يجوِّز الاستثناء في الحلف بهما دون إيقاعهما، ولا يقول بالاستثناء في إيقاعهما والحلف بهما حتى يقال: إنه لا يحصر الاستثناء فيما فيه الكفارة بل يراه فيما يكفر وفيما لا يكفر، فإنَّ هذا لم يَنُصَّ عليه قَطُّ، بل نصوصه متطابقة على أَنَّ الاستثناء إنما يكون فيما فيه الكفارة، [٢٤٧/ أ] والطلاق والعتاق لا كفارةَ فيه فلا استثناء فيه، فهذا تارة يريدُ به الحلف والإيقاع جميعًا، فيقول: إِنَّ ذلك لا كفارة فيه فلا استثناء فيه، فهذا يوافق قوله: إِنَّ الحلف بهما ليس فيه استثناء. وأما إذا قال: الحلف بهما فيه استثناء وإيقاعهما ليس فيه استثناء؛ فهذه الرواية لا تطابق ما ذكره من إثبات الاستثناء فيما لا يكفر سواء كان حلفًا أو إيقاعًا، فإنه إنما أثبته في الحلف دون الإيقاع، فكيف يُكْذَبُ عليه، ويقال: بل مقصوده: أنه لا ينحصر الاستثناء في المكفر، بل يثبت فيما لا يكفر سواء كان حلفًا أو إيقاعًا؟ وهو إنما أثبت الاستثناء في الحلف بهما دون إيقاعهما، ولا يطابق ــ أيضًا ــ إثبات الاستثناء دون الكفارة في الحلف، وإنما يطابق ما ذكرناه، وقد بسطنا كلام أصحابه في هذه الرواية وتعليلها في غير هذا الموضع، مثل قول الشيخ أبي محمد ﵀ (١).

стр. 944

الوجه الثاني (١): أَنَّ أحمد يجعل الاستثناء والكفارة متلازمين، فكل ما فيه الكفارة يدخله الاستثناء عنده، وما لا تدخله الكفارة لا يدخله الاستثناء عنده، حتى إنه في الظهار والحرام يصح فيه الاستثناء عنده، نَصَّ عليه، وهو قول جمهور أصحابه، وخالفه بعضهم كابن بطة أو العكبري (٢) وابن عقيل فقال: لا استثناء في ذلك؛ لأنه إنشاءٌ لعقدٍ من العقودِ فهو كالطلاق والعتاق. وأما الحلف بالنذر؛ فما رأيت أحدًا حكى خلافًا في مذهبه أنه يَنْفَعُ فيه الاستثناء، بل قالوا كما قال أبو محمد ــ رحمة الله عليه ــ في مغنيه (٣): (يصحُّ الاستثناء في كل يمين مُكَفَّرَة كاليمين بالله والظهار والنذر). قال أبو علي بن أبي موسى في إرشاده (٤) ــ وهو من أصحهم نقلًا (٥) ــ: (من استثنى في يمين تدخلها كفارة فله ثنياه). قال أبو محمد: (ولأنها أيمان مُكَفَّرَةٌ يدخلها الاستثناء كاليمين بالله ــ تعالى ــ، فلو قال: أنتِ عليَّ كظهر أمي إن شاء الله، أو (٦) أَنتِ عليَّ حرامٌ إن شاء الله، أو إِنْ دخلتِ الدار فأنت عليَّ كظهر أمي إن شاء الله، أو لله عليَّ أَنْ

стр. 945

أتصدق بمائة درهم إنْ شاء الله= لم يلزمه شيء، لأنها أيمان فتدخل في قوله: «مَنْ حَلَفَ فقال: إن شاء الله؛ لم يحنث» (١)) (٢). [٢٤٧/ ب] ومن قال من أصحابه: إِنَّ الظهار لا استثناء فيه، قال: لأنه إنشاء للتحريم فهو كسائر العقود التي ينشئها، كما ينشئ الطلاق والعتاق بخلاف اليمين، فإنه لما حلف على فعلٍ وقال: إن شاء الله= عَلَّقَ الفعل بالمشيئة [فإن] (٣) وجد الفعل علمنا أَنَّ الله شاء ذلك وَبَرَّ في يمينه، وإن لم يوجد الفعل علمنا أَنَّ الله ــ تعالى ــ لم يشأه فلم يوجد الشرط فلم يحنث في يمينه، فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن. بخلاف قوله: أَنتِ طالقٌ إِنْ شاء الله؛ فإنَّ الله ــ سبحانه ــ قد شاءَ الأحكامَ عندَ وجود أسبابها، فإنه لا يقع الطلاق إلا بتطليق العبد، فإذا أراد بقوله: إن شاء الله وقوعَهُ بهذا الكلام، فلا ريب أَنَّ الله قد شاءه حين تكلَّم بهذا الكلام، وإن أراد وقوعه بغيره امتنع أَنْ يقع إلا أَنْ يوقعه هو، فيكون معنى كلامه: أنت طالق إن شاء الله أن أطلقك بعد هذا فتطلقين، ولو أراد هذا لم يقع به طلاق بهذا اللفظ، ولكن قد يريد بالتعليق عدم وقوع الطلاق. فقوله: أَنتِ طالقٌ إن شاء الله، ومشيئةُ الله للطلاق ممتنعة بدون إيقاع العبد له، فإنه إذا شاءه جَعَلَ العبد موقعًا له، وإذا أراد هذا فهو يخرج على تعليق الطلاق بشرطٍ ممتنع؛ هل يمنع وقوعه أو يقع ويلغوا الشرط؟ وأما قول بعض الفقهاء أنه عَلَّقَهُ بمشيئة مَنْ لا تُعلم مشيئته؛ فهذا

стр. 946

غلطٌ (١)، فإنَّ مشيئة الله معلومة لنا في ذلك، نستدلُّ عليها بوقوع الحادث، فكلُّ حادثٍ فالله شاءه، وما لم يكن فالله لم يشأه، والطلاق لا يمكن أَنْ يقع إلا بإيقاع العبد فلا يتصور أن يشاءه الله إلا إذا أوقعه العبد، ويكون هو ــ سبحانه ــ قد جعل العبد موقعًا له فوقع، وأما أَنْ يشاءَ وقوعه بدون إيقاعِ العبد له= فهذا ممتنع. فإذا قال: أَنتِ عليَّ كظهرِ أمي إن شاء الله؛ فقال هؤلاء: هذا بمنزلةِ قولِهِ: أَنتِ طالق إن شاء الله، فالله شاء أَنْ يصير مظاهرًا لَمَّا تكلم بالظهار، وكذلك إذا قال: هذا عليَّ حرام إن شاء الله. وأحمد ﵁ نَظَرَ إلى مقصود هذا الكلام، وهو أنه قَصَدَ أَنْ يمتنع من الوطء؛ فمراده: لا أقربكِ [٢٤٨/ أ] إن شاء الله، أَنَا مجتنبٌ لكِ إن شاء الله؛ فإنَّ الشارع لم يجعل موجب هذا اللفظ أن تصير كظهر أمه فتحرم عليه وتطلق كالأجنبية، بل هذا كان حكمهم أولًا، فلو كان هذا طلاقًا لا كفارة فيه لم يكن فيه استثناء على أصل أحمد، لكن الشارع جعله يمينًا مكفرة، فإذا عاد [لها] (٢) قال: فَطَلَبَ أَنْ يجامعها كَفَّرَ يمينه قبل أَنْ يمسها، فكان حكمها في الشرع المنع لا إزالةُ مِلكٍ، وهو منع يزول بالكفارة، وصار هذا كقوله: والله لا أقربك حتى أُكَفِّر إن شاء الله. ولهذا قال طائفة من محققي أصحاب أحمد ــ كأبي محمد وأبي البركات (٣) ــ في قوله: أَنتِ طالقٌ إن دخلت الدار إن شاء الله، وإن دخلت

стр. 947

الدار فأنت طالق إن شاء الله: إنه إِنْ نَوَى عَوْدَ المشيئةِ إلى الفعل نَفَعَهُ قولًا واحدًا، كقوله: الطلاق يلزمني لأفعلنَّ كذا إن شاء الله، وَإِنْ أَطْلَقَ ففيه روايتان، وتمام ذلك (١). * * * *

стр. 948

فصلٌ قال المعترض: (قال ــ يعني: المجيب ــ (١): فهذا الذي قاله هو مقتضى الكتاب والسنة، فإنَّ الله ــ تعالى ــ قال: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ إلى قوله: ﴿حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] فجعل هذه الكفارة في عقد اليمين مطلقًا، وجعل ذلك كفارة اليمين إذا حلفنا، وقد قال النبي ﷺ : «مَنْ حَلَفَ فقال: إِنْ شاء الله؛ فإنْ شاءَ فعل، وإِنْ شاءَ تَرَك» (٢)، فما دَخَلَ في قول النبي ﷺ دَخَلَ في قول الله تعالى، والطلاق والعتاق المنجَّزان لا يدخلان في مسمى اليمين والحلف باتفاق العلماء، بخلاف الحلف على الحض والمنع والتصديق والتكذيب فإنه يمين باتفاق الأئمة. قلتُ (٣): فَرَغَ من نسبة القول المذكور إلى السلف وتخريجه على قواعد الأئمة كما زعم، وَشَرَعَ يتعرض للاستدلال له؛ فقال: إنه مقتضى الكتاب والسنة، فاستدلَّ بالآيةِ الكريمة، وفي الاستدلال بها على ذلك نظرٌ

стр. 949

من وجهين: أحدهما: صِدْقُ اسمِ اليمين على أصل النزاع، وهو التعليق المقتضي حثًّا أو منعًا أو تصديقًا، فإنه إنما يجب شمول الآية لذلك [٢٤٨/ ب] إذا ثبت أَنَّ تسميةَ ذلك حقيقة لغوية أو شرعية، أما إذا كان ذلك عرفيًّا إما خاصًّا وإما عامًّا، وتسميةُ أهل العرف له يمينًا لمشابهة (١) اليمين= فلا يلزم اندراجه في الآية) (٢). والجواب: أَنَّ قوله: (فَرَغَ من نسبةِ القول المذكور إلى السلف وتخريجه على قواعد الأئمة ــ كما زعم ــ، وَشَرَعَ يتعرض للاستدلال له) = قولُ مَنْ لم يَفهم مراد المجيب وما سيق له هذا الكلام، فإنه لم يتعرض هنا للاستدلال على تكفير الطلاق، بل هو قد وعد بهذا، كما في قوله: (والمقصود: ذكر تحرير النقول عن السلف والأئمة في هذه المسائل، وسيأتي ذكر الدلائل). وإنما ذكر المجيب هنا تقريرَ قول أحمد ــ رحمة الله عليه ــ أَنَّ الاستثناء إنما يكون فيما فيه الكفارة. فقال المجيب: (هذا الذي قاله أحمد، هو (٣) قول أكثر السلف، وهو مذهب مالك ــ رحمة الله عليه ــ وغيره) فإنَّ النص ورد بالكفارة في الأيمان، وورد بالاستثناء في الأيمان؛ فكل ما تناوله هذا النص تناوله هذا النص، ومعلومٌ أَنَّ نَصَّ التكفير لا يتناول إنشاء الطلاق

стр. 950

والعتاق فلا يتناوله نص الاستثناء. فلهذا قال المجيب: فإنَّ الله ــ تعالى ــ قال: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] فجعل هذه الكفارة في عقد اليمين مطلقًا، وجعل ذلك كفارة اليمين إذا حلفنا، وقد قال النبي ﷺ : «مَنْ حَلَفَ فقال: إِنْ شاء الله؛ فإنْ شاءَ فعل، وإِنْ شاءَ تَرَك» (١)، فما دخل في قول النبي ﷺ دَخَلَ في قول الله تعالى، والطلاق والعتاق المنجزان لا يدخلان في مسمى اليمين والحلف باتفاق العلماء، بخلاف الحلف على الحض والمنع والتصديق والتكذيب فإنه يمين باتفاق الأئمة. فهذا الذي ذكره المجيب دليلٌ على الأصل الذي أَصَّلَهُ الجمهور، وهو أصلُ مالكٍ وأحمد ــ رحمهما الله تعالى ــ وغيرهما، والنصُّ ورد بالاستثناء في اليمين وورد بالكفارة في اليمين، فما دَخَلَ في نَصِّ الاستثناء دخل في نص الكفارة والطلاق والعتاق، [٢٤٩/ أ] [وما] (٢) لا يدخلان في نص الكفارة اتفاقًا فلا يدخلان في نص الاستثناء. وهذا بَيِّنٌ؛ لكن هذا يقتضي أَنَّ الاستثناء في الطلاق والعتاق لم يتناوله النص، فإنما يتناول ما هو يمين، وهذا ليس بيمين فلا يتناوله النص، فلا يتم هذا الدليل إلا بِأَنْ يقال: الاستثناء إنما يكون في اليمين، وإنما يكون فيما ورد
следующие страницы →