غلطٌ (١)، فإنَّ مشيئة الله معلومة لنا في ذلك، نستدلُّ عليها بوقوع الحادث، فكلُّ حادثٍ فالله شاءه، وما لم يكن فالله لم يشأه، والطلاق لا يمكن أَنْ يقع إلا بإيقاع العبد فلا يتصور أن يشاءه الله إلا إذا أوقعه العبد، ويكون هو ــ سبحانه ــ قد جعل العبد موقعًا له فوقع، وأما أَنْ يشاءَ وقوعه بدون إيقاعِ العبد له= فهذا ممتنع.
فإذا قال: أَنتِ عليَّ كظهرِ أمي إن شاء الله؛ فقال هؤلاء: هذا بمنزلةِ قولِهِ: أَنتِ طالق إن شاء الله، فالله شاء أَنْ يصير مظاهرًا لَمَّا تكلم بالظهار، وكذلك إذا قال: هذا عليَّ حرام إن شاء الله.
وأحمد ﵁ نَظَرَ إلى مقصود هذا الكلام، وهو أنه قَصَدَ أَنْ يمتنع من الوطء؛ فمراده: لا أقربكِ [٢٤٨/ أ] إن شاء الله، أَنَا مجتنبٌ لكِ إن شاء الله؛ فإنَّ الشارع لم يجعل موجب هذا اللفظ أن تصير كظهر أمه فتحرم عليه وتطلق كالأجنبية، بل هذا كان حكمهم أولًا، فلو كان هذا طلاقًا لا كفارة فيه لم يكن فيه استثناء على أصل أحمد، لكن الشارع جعله يمينًا مكفرة، فإذا عاد [لها] (٢) قال: فَطَلَبَ أَنْ يجامعها كَفَّرَ يمينه قبل أَنْ يمسها، فكان حكمها في الشرع المنع لا إزالةُ مِلكٍ، وهو منع يزول بالكفارة، وصار هذا كقوله: والله لا أقربك حتى أُكَفِّر إن شاء الله.
ولهذا قال طائفة من محققي أصحاب أحمد ــ كأبي محمد وأبي البركات (٣) ــ في قوله: أَنتِ طالقٌ إن دخلت الدار إن شاء الله، وإن دخلت
стр. 947
الدار فأنت طالق إن شاء الله: إنه إِنْ نَوَى عَوْدَ المشيئةِ إلى الفعل نَفَعَهُ قولًا واحدًا، كقوله: الطلاق يلزمني لأفعلنَّ كذا إن شاء الله، وَإِنْ أَطْلَقَ ففيه روايتان، وتمام ذلك (١).
* * * *
стр. 948
فصلٌ
قال المعترض:
(قال ــ يعني: المجيب ــ (١): فهذا الذي قاله هو مقتضى الكتاب والسنة، فإنَّ الله ــ تعالى ــ قال: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ إلى قوله: ﴿حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] فجعل هذه الكفارة في عقد اليمين مطلقًا، وجعل ذلك كفارة اليمين إذا حلفنا، وقد قال النبي ﷺ : «مَنْ حَلَفَ فقال: إِنْ شاء الله؛ فإنْ شاءَ فعل، وإِنْ شاءَ تَرَك» (٢)، فما دَخَلَ في قول النبي ﷺ دَخَلَ في قول الله تعالى، والطلاق والعتاق المنجَّزان لا يدخلان في مسمى اليمين والحلف باتفاق العلماء، بخلاف الحلف على الحض والمنع والتصديق والتكذيب فإنه يمين باتفاق الأئمة.
قلتُ (٣): فَرَغَ من نسبة القول المذكور إلى السلف وتخريجه على قواعد الأئمة كما زعم، وَشَرَعَ يتعرض للاستدلال له؛ فقال: إنه مقتضى الكتاب والسنة، فاستدلَّ بالآيةِ الكريمة، وفي الاستدلال بها على ذلك نظرٌ
стр. 949
من وجهين:
أحدهما: صِدْقُ اسمِ اليمين على أصل النزاع، وهو التعليق المقتضي حثًّا أو منعًا أو تصديقًا، فإنه إنما يجب شمول الآية لذلك [٢٤٨/ ب] إذا ثبت أَنَّ تسميةَ ذلك حقيقة لغوية أو شرعية، أما إذا كان ذلك عرفيًّا إما خاصًّا وإما عامًّا، وتسميةُ أهل العرف له يمينًا لمشابهة (١) اليمين= فلا يلزم اندراجه في الآية) (٢).
والجواب:
أَنَّ قوله: (فَرَغَ من نسبةِ القول المذكور إلى السلف وتخريجه على قواعد الأئمة ــ كما زعم ــ، وَشَرَعَ يتعرض للاستدلال له) = قولُ مَنْ لم يَفهم مراد المجيب وما سيق له هذا الكلام، فإنه لم يتعرض هنا للاستدلال على تكفير الطلاق، بل هو قد وعد بهذا، كما في قوله: (والمقصود: ذكر تحرير النقول عن السلف والأئمة في هذه المسائل، وسيأتي ذكر الدلائل).
وإنما ذكر المجيب هنا تقريرَ قول أحمد ــ رحمة الله عليه ــ أَنَّ الاستثناء إنما يكون فيما فيه الكفارة. فقال المجيب: (هذا الذي قاله أحمد، هو (٣) قول أكثر السلف، وهو مذهب مالك ــ رحمة الله عليه ــ وغيره) فإنَّ النص ورد بالكفارة في الأيمان، وورد بالاستثناء في الأيمان؛ فكل ما تناوله هذا النص تناوله هذا النص، ومعلومٌ أَنَّ نَصَّ التكفير لا يتناول إنشاء الطلاق
стр. 950
والعتاق فلا يتناوله نص الاستثناء.
فلهذا قال المجيب: فإنَّ الله ــ تعالى ــ قال: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] فجعل هذه الكفارة في عقد اليمين مطلقًا، وجعل ذلك كفارة اليمين إذا حلفنا، وقد قال النبي ﷺ : «مَنْ حَلَفَ فقال: إِنْ شاء الله؛ فإنْ شاءَ فعل، وإِنْ شاءَ تَرَك» (١)، فما دخل في قول النبي ﷺ دَخَلَ في قول الله تعالى، والطلاق والعتاق المنجزان لا يدخلان في مسمى اليمين والحلف باتفاق العلماء، بخلاف الحلف على الحض والمنع والتصديق والتكذيب فإنه يمين باتفاق الأئمة.
فهذا الذي ذكره المجيب دليلٌ على الأصل الذي أَصَّلَهُ الجمهور، وهو أصلُ مالكٍ وأحمد ــ رحمهما الله تعالى ــ وغيرهما، والنصُّ ورد بالاستثناء في اليمين وورد بالكفارة في اليمين، فما دَخَلَ في نَصِّ الاستثناء دخل في نص الكفارة والطلاق والعتاق، [٢٤٩/ أ] [وما] (٢) لا يدخلان في نص الكفارة اتفاقًا فلا يدخلان في نص الاستثناء.
وهذا بَيِّنٌ؛ لكن هذا يقتضي أَنَّ الاستثناء في الطلاق والعتاق لم يتناوله النص، فإنما يتناول ما هو يمين، وهذا ليس بيمين فلا يتناوله النص، فلا يتم هذا الدليل إلا بِأَنْ يقال: الاستثناء إنما يكون في اليمين، وإنما يكون فيما ورد
стр. 951
فيه النص، والطلاق والعتاق ليسا (١) بيمين ولم يرد نَصٌّ بالاستثناء فيهما (٢) = فلا ينفع فيه الاستثناء.
يوضح ذلك: أَنَّ الحكم إذا عُلِّقَ بوصفٍ مناسبٍ كان عِلَّةً لَهُ، والحكمُ ينتفي لانتفاء عِلَّتِهِ، وكونُهُ يمينًا وصفٌ مناسبٌ، فينتفي الحكم إذا انتفى كونه يمينًا.
ويقال ــ أيضًا ــ: الاستثناء في اليمين، لأنَّ المعلَّق بالمشيئة يُعْلَمُ أَنَّ الله شاءه فَوُجِدَ، وَإِنْ لم يشأه يُعْدِمُ وجودَهُ، فإنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ولا يلزم من جواز التعليق على مشيئةِ الله للفعل التعليقُ على مشيئته للحكم، فإنَّ الأحكام الشرعية ليست أمرًا محسوسًا، ولا تثبت دون أسبابها ولا تتخلف عن سببها التام، فلا يوجد الطلاق بدون التطليق البتة، ولا يتخلف عن التطليق الشرعي، فلا يلزم من جواز التعليق على مشيئة الله تعالى للفعل التعليقُ على المشيئة للحكم.
ومن الفقهاء من استدل بقوله: «مَنْ حَلَفَ فقال: إِنْ شاء الله؛ فإنْ شاءَ فعل، وإِنْ شاءَ تَرَك» (٣) على جواز الاستثناء في الطلاق، ولا ريب أَنَّ هذا غلطٌ محضٌ، فإنَّ هذا النص لا يدل على هذا البتة، بل مفهومه يدل على نقيض ذلك.
نعم؛ يدل على الحلف بالطلاق والعتاق فإنهما من الأيمان، وهذا حجةٌ
стр. 952
على مالك وأحمد في إحدى الروايتين، وَمَنْ قال إنَّ الحلف بهما لا ينفع فيه استثناء، وأما جمهور السلف الذين فَرَّقُوا بين إيقاعهما والحلف بهما فجوَّزوا الاستثناء في الثاني دون الأول، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وأحد القولين في مذهب مالك؛ فالحديث حجة لهذا القول لا عليه.
فصلٌ
ثم إِنَّ المعترضَ لمَّا ظَنَّ أَنَّ المجيب استدل بذلك على جواز التكفير في الحلف بالطلاق تكلم على ذلك، فقال: (في الاستدلال بها على ذلك نظر من وجهين:
أحدهما: [٢٤٩/ ب] صِدْقُ اسم اليمين على أصل النزاع، وهو التعليق المقتضي حثًّا أو منعًا أو تصديقًا، فإنه إنما يجب شمول الآية لذلك إذا ثبت أَنَّ تسميةَ ذلك يمينًا حقيقةٌ لغوية أو شرعية، أما إذا كان ذلك عرفيًّا إما خاصًّا وإما عامًّا، وتسميةُ أهل العرف له يمينًا لمشابهة اليمين؛ فلا يلزم اندراجه في الآية) (١).
فيقال له: عن هذا أجوبة:
أحدها: أنه ليس من شرط محلِّ النزاع أَنْ يكون بصيغة التعليق، بل قد يكون بصيغة القَسَم، كقوله: الطلاقُ يلزمني لأفعلنَّ كذا، والعتقُ يلزمني لأفعلنَّ كذا، والحِلُّ عليَّ حرامٌ لأفعلنَّ كذا، والحرام يلزمني لأفعلنَّ كذا، وأيمانُ البيعة وأيمان المسلمين تلزمني لأفعلنَّ كذا أو لا فعلتُهُ، وامرأتي طالقٌ لأفعلنَّ كذا، والحجُّ يلزمني لأفعلنَّ كذا، ونحو ذلك مما يكون الكلام
стр. 953
فيه جملتين: جملةٌ مقسمٌ بها، وجملةٌ مُقسمٌ عليها قد تُلُقِّيَتْ بلامِ القسم التي هي من خصائص صيغة القسَم، لا يكون قَطُّ إلا إذا كانت (١) الجملة صيغة قَسَم، ثم فهذا من محل النزاع، ولفظ هذه لفظ القسم وليست جملة شرطية (٢).
الوجه الثاني: أَنَّ الجملةَ الشرطيةَ إذا كانت (٣) بمعنى هذه التسمية، فحكمها حكمها باتفاق المسلمين، لم يُعرف أحدٌ من المسلمين فَرَّقَ بين حكمِ هذه وحكم هذه، بل مَنْ قال: إن الطلاق والعتاق والحرام والظهار والنذر يلزم في هذه قال يلزم في هذه، وَمَنْ قال لا يلزم في هذه ولا كفارة عليه قال لا يلزم في هذه ولا كفارة عليه، وَمَنْ قال في هذه تجزئه كفارة يمين ولا تَلزمه هذه الأمور قال في هذه: تجزئه الكفارة ولا يلزمه هذه الأمور، لم يُفَرِّقْ أَحَدٌ علمناه بين هذه وهذه.
فإذا قال: الطلاق يلزمني، أو الحِلُّ عليَّ حرام لأفعلن، [أو] (٤) قال: إن لم أفعل فالطلاق يلزمني، والحِلُّ عليَّ حرام، وقد يكون المقدَّم في هذه مؤخَّر في هذه، وقد يكون ترتيبهما واحدًا، فقد يقول: إِنْ فعلتُ كذا فالطلاق يلزمني، وقد يقول: الطلاق يلزمني لأفعلنَّ كذا، لأنَّ الشرط أصله أَنْ يُقَدَّمَ على الجزاء وقد يؤخر عنه.
стр. 954
ثم قد قيل: المؤخر هو الشرط، وقيل: بل هو دليل على شرط محذوف، ولكن لما كان أَصْلُ الشرطِ [٢٥٠/ أ] التقديمُ أَطْلَقَ مَنْ أَطْلَقَ مِنَ الفقهاء أَنَّ المقدَّم في هذه الصيغة مؤخر في هذه، والمنفي مثبت، لأنَّ المؤخر في صيغة الجزاء هو المحلوف عليه؛ كقوله: الطلاق يلزمني لأفعلنَّ أو لا أفعل، وهذا في صيغة الشرط هو المعلَّق بالشرط، فيكون ترتيبه التقديم كقوله: إِنْ لم أفعل أو إِنْ فعلتُ فامرأتي طالق. وإذا كان حكم الصيغتين واحدًا وإحداهما صيغة قَسَم في لغة العرب؛ فالأخرى مثلها بالإجماع والمعقول.
الثالث: أَنَّ تسميةَ صيغةِ التعليق يمينًا وحلفًا استعمالٌ ثابت في لغة رسول الله ﷺ ؛ كما في الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: «مَنْ حَلَفَ بملةٍ سوى الإسلام كاذبًا فهو كما قال» (١)، وهذا إنما يكون في مثل قوله: إِنْ كنتُ فعلتُ كذا فأنا يهودي أو نصراني، فيحلف كاذبًا بالملة؛ فإذا كان كاذبًا استحق أَنْ يكون كما قال (٢).
وأما تحريف بعض المتأخرين له بقوله: المراد إذا قال: وَحَقُّ اليهودية والنصرانية؛ فإنَّ هذا لا يقال فيه: فهو كما قال، والناس لم تجر عادة أحدٍ منهم أَنْ يحلف بذلك، والمعروف عند الفقهاء وعموم المسلمين من الحديث هو المعنى الأول، فهذا المعنى هو الذي نقلته الأمة عن نبيها ﷺ كما نقلت ذلك اللفظ.
الوجه الرابع: أَنَّ تسميةَ هذا التعليق يمينًا، بل وإدراجه في عموم الآية هو قول أصحاب رسول الله ﷺ وأكابر التابعين، كما تقدم النقل الثابت عنهم
стр. 955
بذلك في غير موضع، وهم أهل اللغة التي بها نزل القرآن، ولم ينازعهم أحد في أن هذا لا يسمى يمينًا.
الوجه الخامس: أَنَّ تسمية هذه أيمانًا هو لغة الصحابة ﵃ والتابعين، كما تقدم النقل عنهم بذلك، بل هو لغة رسول الله ﷺ وأصحابه والتابعين ومن بعدهم من الأمة قرنًا فقرنًا، ولم يُعرف عن أحد من السلف أنه نَفَى تسمية هذه أيمانًا، وهذا أبلغ ما يكون من أنها أيمان في اللغة والشرع.
السادس: أنه إذا ثبت استعمال الصحابة والتابعين ومن بعدهم لاسم اليمين في هذه التعليقات، فلو لم [٢٥٠/ ب] تكن أيمانًا للزم النقل والتغير على اللغة، والأصل بقاء اللغة وتقريرها لا نقلها وتغيرها (١).
السابع: أَنَّ هذه التعليقات تسمى أيمانًا باتفاق الناس كلهم، فلو لم تكن أيمانًا لزم المجاز أو النقل، وكلاهما خلاف الأصل.
الثامن: أَنَّه إذا ثبت استعمال اسم الأيمان في هذه التعليقات، واستعمالها في لفظ القسم الذي يشبه معناه معنى هذه التعليقات؛ فلا يخلو: إما أَنْ تجعل حقيقةً في أحدهما مجازًا في الآخر، أو حقيقة في ما يختص بكل منهما، أو حقيقة في القَدْرِ المشترك بينهما؛ والأول يلزم منه المجاز، والثاني يلزم منه الاشتراك اللفظي، والثالث يلزم منه التواطؤ ونفي المجاز والاشتراكِ اللفظي (٢).
стр. 956
ومعلومٌ أَنَّ المجاز والاشتراك على خلاف الأصل، وَأَنَّ الأصل في كل اسم استعمل في معنيين أن يكون عامًّا لهما باعتبار معنى مشترك، لا أن يكون مجازًا في أحدهما، ولا أَنْ يكون مشتركًا اشتراكًا لفظيًّا، بل جميع الأسماء التي عُلِّقَتْ بها الأحكام مثل: اسم المؤمن والكافر والصلاة والزكاة والخمر والميسر واليمين هي من هذا الباب؛ فوجب أَنْ يحمل استعمال هذا الاسم على ذلك، لا على ما يخالف الأصل ويحتاج إلى دليل خاص (١).
وأما تسمية كل تعليق يمينًا، أو تسمية التعليق الذي يراد به وقوع الجزاء عند الشرط يمينًا= فهذا لا يُعرف في استعمال أحد من الصحابة، بل ولا رأيته في كلام أحد من التابعين، بل هذا كتسمية كل إيقاع للطلاق حلفًا ويمينًا، ولا ريب أَنَّ هذا هو العُرْفُ الحادث بلا ريب.
التاسع: أَنَّ كون الكلام يمينًا هو أمرٌ يتعلق بمعناه لا بصيغة مخصوصة؛ بدليل أَنَّ ذلك المعنى يسمى يمينًا سواء كان بالعربية أو بالعجمية (٢)، وسواء كان بجملة فعليةٍ كقوله: أحلف بالله لقد كان كذا، أو اسمية كقوله تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢].
كما يسمى الكلام أمرًا ونهيًا ونفيًا وإثباتًا وخبرًا واستخبارًا لأجل المعنى المخصوص المعبَّر عنه بالصيغة، بحيث يسمى أمرًا ونهيًا ونفيًا وإثباتًا وخبرًا واستخبارًا بأيِّ لغةٍ عُبِّرَ عن ذلك المعنى.
стр. 957
وكذلك تسميةُ المعنى طلاقًا ونذرًا وحلفًا [٢٥١/ أ] وكتابة هو لأجلِ معناه لا لأجل لفظٍ معين.
العاشر: أَنَّ معنى لفظ اليمين حيث استعمل يتضمن التزام أمرٍ مكروه عند الحنث والمخالفة، فلا بُدَّ في كل يمين من هذا. وحيث التزم العاقدُ أمرًا مكروهًا له يكره لزومه له وَإِنْ حَصَلَتِ المخالفةُ والحنث= فهو حالف. فهذا معنى مطرد منعكس في مسمى اسم اليمين، وما سواه فإما غير جامع وإما غير مانع.
الحادي عشر: أَنَّ التوكيل والنيابة جائز في الطلاق والعتاق، وليس بجائز في الأيمان؛ فلو كان الحلف بالطلاق والعتاق طلاقًا وعتاقًا ليس يمينًا لجاز فيه التوكيل، كما يجوز أَنْ يوكل مَنْ يُطَلِّقُ عنه طلاقًا منجزًا ومعلقًا، وكما يجوز أَنْ يطلق الولي على موليه؛ ولا يحلف أحد عن أحد لا بطلاق ولا عتاق، ولو وَكَّلَهُ في ذلك.
فعلم أَنَّ هذا من باب اليمين التي تمتنع فيها النيابة، لا من باب الطلاق والعتاق الذي تجوز فيه الوكالة، لأنَّ ذلك خُصَّ بخصوصيةٍ تتعلقُ بالقلب؛ كالإيمان بالله ــ ــ، وَحُبِّ الله ورسوله ﷺ ، وخوفِ الله ــ ــ ونحو ذلك، وهذه الأمور لا تدخل فيها نيابة.
* * * *
стр. 958
فصلٌ
قال: (ولا شك أَنَّ اليمين في اللغة تطلق على الحلف بكل ما تدخل عليه أدوات القسم؛ كالحلف بالله وصفاته، والآباء ــ على عادة العرب ــ والكعبة والقرآن وغير ذلك مما يُقصد تعظيمه، فإنَّ الحالفَ مُعَظِّمٌ للمحلوف به، مُؤكِّدٌ للمحلوف عليه= كُلُّ ذلك يسمى يمينًا، لأنهم كانوا عند العهود والالتزام وأخذ المواثيق يأخذون بأيمانهم، يمسك كُلُّ واحد من المتعاقدين بيمينِهِ يمينَ صاحبِهِ؛ فَسُمِّيَ يمينًا للزوم اليمين فيه، وسمي قَسَمًا وحلفًا وعهدًا وميثاقًا وإيلاء، وَسُمِّيَ المحلوف عليه يمينًا لتلبُّسِهِ (١) بها؛ ومنه الحديث: «مَنْ حَلَفَ على يمينٍ» (٢)) (٣).
والجواب: أَنَّ هذا الكلام يتضمن أنه لا يسمى يمينًا في الشرع إلا ما كانت فيه أدوات القسم، وأدوات القسم هي حروفه: كالباء والتاء والواو، وهذا هو الذي يَعْقِدُ له النحاة (باب القَسَم) ليتكلموا في إعراب ألفاظِ القسم.
فإنَّ أصل [٢٥١/ ب] هذا الباب: أحلف بالله؛ ثم لكثرةِ دورانِ القَسَم على ألسنتهم حذفوا الفعل كثيرًا، وصاروا يقولون: بالله، ثم عَوَّضُوا الواو عن الباء لتلازمهما؛ كما قالوا: تُخَمَه، وتُهَمَه، وتُجَاه؛ وأصل ذلك الواو، فإنه من الوجه والوهم (٤).
стр. 959
ولما كانت الواو هي البدل لم يُدْخِلُوهَا إلا على اسم ظاهر ولم يظهروا معها الفعل، ثم عَوَّضُوا التاء عن الواو في اسم الله خاصة، ونُقِلَ أنهم قالوا: تَرَبِّ الكعبة.
فهذا ونحوه مما يتكلم فيه النحاة في أدوات القسم، لكنْ أَجمَعَ المسلمونَ على أَنَّ حكمَ اليمين المذكور في كتاب الله وسنة رسوله ليس مختصًّا بما تكون فيه هذه الأدوات؛ بل يكون القَسَمُ جملةً اسميةً كقوله تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢]، ومنه في الحديث: «لعمرو إلهك» (١)،
وفي الصحيحين من حديث الإفك عن عائشة ﵂ أَنَّ سعد بن عبادة وَأُسيد بن
стр. 960
حضير كل منهما يحلف بحضرةِ النبي ﷺ والمهاجرين والأنصار فيقول: هذا كذبٌ ــ لعمرو الله ــ لا يقتله، ولا يقدر على قتله، ويقول الآخر: كذبتَ ــ لعمرو الله ــ لنقتلنَّه؛ إنك منافق تجادل عن المنافقين (١).
وفي الصحيحين عن ابن عمر ﵄ قال: بَعَثَ رسول الله ﷺ بعثًا وَأَمَّرَ عليهم أسامة بن زيد، فطعن الناس في إمرته، فقام رسول الله ﷺ فقال: «أَنْ تطعنوا في إمرته، فقد كنتم تطعنون في إِمْرَةِ أبيه من قبل؛ وايم الله. إِنْ كان لخليقًا للإمارة، وَإِنْ كان لمن أحب الناس إليَّ، وإن هذا من أحب الناس إليَّ بعده» (٢)، وفي الصحيحين ــ أيضًا ــ عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «قال سليمان بن داود: لأطوفنَّ الليلةَ على مائةِ امرأةٍ كُلٌّ منهن تأتي بفارسٍ يقاتلُ في سبيل الله. فقال له صاحبه: قل: إِنْ شاء الله. فلم يفعل، فطاف عليهنَّ جميعًا، فلم يحمل منهنَّ إلا امرأة واحدة جاءت بشقِّ رجل؛ وايم الذي نفس محمدٍ بيده لو قال: إِنْ شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرسانًا أجمعون» (٣).
وأيضًا؛ فلو قال الرجل: عليَّ عهدُ اللهِ وميثاقُهُ لأفعلنَّ كذا؛ كان يمينًا، والجملة الأولى اسمية ليس فيها شيء من حروف القَسَمِ.
[٢٥٢/ أ] وأيضًا؛ فقد ثبت في صحيح مسلم عن عقبة بن عامر ﵁ أَنَّ النبي ﷺ قال: «كفارة النذر كفارة يمين» (٤)، وقال عقبة بن عامر: النذر
стр. 961
حَلْفَةٌ (١).
وكذلك قال غير واحدٍ من الصحابة كعمر وابن عباس وجابر ﵃: النذر يمين (٢). وسواء أريد به أنه نوع من اليمين، أو أن (٣) حكمه حكم اليمين؛ فهو دليل على أَنَّ كفارة اليمين لا تختص بأدوات القسم.
وفي السنن عن عقبة، عن النبي ﷺ قال: «من نذر نذرًا ولم يسمِّهِ فكفارته كفارة يمين» (٤) قال الترمذي: حديث صحيح. فَجَعَلَ قولَهُ: عليَّ نذرٌ موجبًا لكفارة يمين؛ وهذا قول عامة السلف والخلف، وذكره بعضهم إجماعًا، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة وأحمد وغيرهم، وإذا كان مسمَّى اليمين المكفرة في كلام النبي ﷺ وأمته أعم مما فيه حروف القَسَم= بَطَلَ قولُ مَنْ يقولُ إِنَّ اليمين المكفرة ما كان فيها أدوات القسم، وَعُلِمَ أَنَّ هذا قولٌ يخالفُ النصَّ والإجماعَ.
وأيضًا؛ فلو حَلَفَ بغير العربية انعقدت يمينه بالإجماع مع انتفاء الأدوات (٥)، فلا بُدَّ أَنْ يوجد المعنى الذي يعبر عنه بهذه العبارة وغيرها؛ وحينئذٍ فقوله: (وأما التعليق فليس فيه شيءٌ من هذا) = كلامٌ لا ينفعُهُ إلا إذا بَيَّنَ أَنَّ لفظَ اليمين لا يتناول في الشرع إلا ما كان فيه أدوات القَسَم؛ وهذا لم يثبته.
стр. 962
والكلام في مقامين:
أحدهما: أَنَّا لا نُسَلِّم أَنَّ اسم اليمين المكفرة في الشرع بما تسميه النحاة يمينًا، فإنَّ النحاةَ لهم اصطلاحٌ خاصٌ، كما يخصون نوعًا من الكلام باسم النُّدْبِة ونوعًا بالاستغاثة، مع أَنَّ لفظ النُّدبة والاستغاثة في اللغة أعم من ذلك، وهذا لم يُقِم دليلًا على اختصاص اسم اليمين في الشرع بما ذكره من الأدوات؛ ويكفي المنع، وتوجيهه:
الوجه الثاني: أَنَّا قدمنا دلالةَ النص والإجماع على أَنَّ مسمى اليمين في الشرع واللغة أعم مما ذكره.
فصلٌ
قوله: (وأما التعليق فليس فيه شيءٌ من ذلك. نعم؛ في التعليق على وجه اللجاج والغضب حيث يكون المشروط التزام [٢٥٢/ ب] [أمرٍ] (١) شَبَهٌ من اليمين لما بينهما من الاشتراك في الالتزام ــ كما قدمنا ــ، فسميت يمينًا لذلك على وجه التجوّز لا على سبيل الحقيقة) (٢).
والجواب عن هذا من وجوه:
أحدها: أَنْ يقال: قد أثبتَّ قدرًا (٣) مشتركًا بين القَسَمِ بأدواته وبين التعليق المسمى بنذر اللجاج والغضب، وَسَلَّمْتَ أَنَّ هذا يسمى يمينًا، ثم ادَّعيتَ أَنَّ هذا مجاز.
стр. 963
ومعلومٌ أَنَّ اللفظ إذا جُعِلَ حقيقةً في ذلك المعنى المشترك سَلِمْنَا من المجاز والاشتراك اللفظي اللذين (١) هما على خلاف الأصل، وكان اللفظ متواطئًا حقيقةً في ذلك المعنى العام المشترك اشتراكًا معنويًا، ولا ريب أَنَّ التواطؤ خيرٌ من الاشتراك اللفظي والمجاز، فيكون جعله حقيقةً في القَدْرِ المشترك أولى من جعله مجازًا، وذلك المعنى المشترك موجود في الحلف بالطلاق والعتاق= فيكون مسمَّى اليمين حقيقة في ذلك كلِّهِ؛ وهو المطلوب.
الوجه الثاني: أَنَّ أصحاب رسول الله ﷺ الذين نَزَلَ القرآنُ بلغتهم سموا هذه التعليقات أيمانًا وأدخلوها في الآية، لم يثبتوا الحكم فيها بمجرد القياس ــ كما زعمه ــ فَعُلِمَ أنها يمين في لغتهم، داخلة في اسم اليمين المذكور في كتاب الله ــ تعالى ــ، وجمهور العلماء اتبعوهم، وهو مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما، وَنَصُّوا على أَنَّ هذه التعليقات من معاني الأيمان لا من معاني النذور.
الثالث: أَنَّ القَدْرَ المشترك الذي به جُعلت هذه أيمانًا: إما في الاسم والحكم، وإما في الحكم= ليس هو كون المشروط التزامَ أمرٍ ــ كما يَدَّعِيه هذا المعترض ونحوه ــ، فإنَّ هذا المعنى موجود في نذر التبرر، فإنَّ المشروط فيه التزامُ أَمْرٍ، [إذ] (٢) لا فرق في كون المشروط الذي هو الجزاء التزامَ أَمْرٍ بين أَنْ يقول: إِنْ شفى الله مريضي فعليَّ الحجُّ، وبينَ أَنْ يقول: إِنْ سافرت معكم فعليَّ الحج. في كلا التعليقين عَلَّقَ التزامَ الحجِّ، ومع هذا
стр. 964
فالأول نذرٌ لازمٌ، والثاني يمين مكفَّرة (١).
فَعُلِمَ أَنَّ الذي به صار ذلك التعليق يمينًا مكفرة ليس هو الالتزام الموجود في النذر اللازم، بل هو معنىً آخر، وهو قَصْدُ اليمين الذي هو تعليقه لأمرٍ يكره لزومه له وَإِنْ وجد الشرط، فإنَّ هذا المعنى [٢٥٣/ أ] منتفٍ في نذر التبرر وهو موجود في اليمين؛ فعلم [أنَّ تعليقه كان يمينًا مكفرة لهذا] (٢)، لا لكون المعلَّق التزامًا (٣)؛ وهذا المعنى موجودٌ في تعليقِ الطلاقِ والعتاقِ على وجه اليمين، فإنه عَلَّقَ ما يكره لزومه له وَإِنْ وُجِدَ الشرط فيكون يمينًا مكفَّرة.
الرابع: أَنَّ نذر اللجاج والغضب قد أجزأت فيه الكفارة، فَإِنْ كانت الكفارة وجبت فيه وليس بيمين بل لمشابهة (٤) اليمين؛ لزم من هذا أَنْ تجزئ الكفارة فيما أشبه اليمين وإن لم يُسَمَّ يمينًا، ولا بُدَّ أَنْ يكون الشبه في المعنى الذي لأجله وجبت الكفارة، وقد بينَّا أَنَّ ذلك ليس هو كون المعلق التزامًا، بل كون المعلق أمرًا يكره لزومه له، وهذا موجود في تعليق الطلاق والعتاق على وجه اليمين، فيلزم إجزاء الكفارة فيه.
الخامس: أَنَّ الالتزام موجود في جميع العقود؛ فإنَّ الضمانَ التزامُ وفاءِ دينِ المدين مع بقائه عليه وليس هو يمينًا، والبائع التزم تسليم المبيع، والمشتري التزم تسليم الثمن؛ فلو كان المسوِّغُ للتكفير هو الالتزام= لكان
стр. 965
كل ملتزم تجزئه الكفارة ولا يلزمه ما التزمه! وهذا لا يقوله مسلم، بل ولا عاقل.
فَعُلِمَ أَنَّ دعوى المدعي أَنَّ المعنى الموجِب للكفارة هو الالتزام، وهو موجود في نذر اللجاج والغضب= كلامُ من لم يعرف لا مسمى لفظ اليمين ولا المعنى الموجب للكفارة، فكان كلامه في الأيمان كلامُ من لا يَعرف دلالةَ الأدلةِ الشرعيةِ عليها، لا دلالةَ النصوصِ الظاهرة ولا المعاني الباطنة، فلا يعرف معنى اليمين في اللغة والشرع، ولا المعنى الموجب لتكفيرها وَمَنْ لم يعرف هذا= كان كلامه في القضية المعينة هل هي يمين مكفرة أو غير مكفرة أو ملحقة باليمين المكفرة= كلامًا بلا علم، وَحَسْبُ المجيب أَنْ يُبين أَنَّ كلام هذا المعارض كلام بلا علم.
* * * *
стр. 966
فصلٌ
قال: (وللعلماء في موجبها أقوال:
قيل: الوفاء بما نذر؛ وهو مرويٌ عن ابن عمر ﵄، وعثمان البَتِّي، وأحد أقوال الشافعي نقله ابن المنذر عنه.
وعن ابن عمر مطلقًا؛ ورواه معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر في رجلٍ جَعَلَ ماله في سبيل الله إنْ لم يفعل كذا، ثم حنث [قال: مالُهُ] (١) في سبيل الله، وقد روي عن ابن عمر خلاف ذلك [٢٥٣/ ب] أيضًا.
وقيل: لا شيء عليه؛ روي ذلك عن: الشعبي والحارث العكلي وحماد والحكم في اليمين بالصدقة والهدي، وكذلك عن ابن أبي ليلى في الصدقة، وعن عطاء وطاووس على خلافٍ عنهما، وهؤلاء يقولون بشمول الآية له.
وقيل: بالتخيير (٢) بين الوفاء بما نذره وبين الكفارة؛ وهو أشهر أقوال الشافعي عند العراقيين من أصحابه، وهو الذي يقوم الدليل عليه ــ كما سنشير إلى ذلك ــ، والقائل بهذا ــ أيضًا ــ يمنع شمول الآية [له] (٣) مطلقًا.
وقيل: الكفارة؛ وهو قولٌ مشهورٌ للشافعي، رَجَّحَهُ جماعةٌ من أصحابه، وهو مرويٌ عن (٤) عمر بن الخطاب وابن عباس وعائشة وغيرهم من الصحابة والتابعين.
стр. 967
قال الشافعي في المختصر (١): ولو قال: مالي في سبيل الله أو صدقة على معاني الأيمان. فمذهب (٢) عائشة وعدد من أصحاب رسول الله ﷺ وعطاء، والقياسُ أَنَّ عليه كفارة [يمين] (٣).
قال: ومن حنث في المشي إلى بيت الله ــ ــ ففيه قولان:
أحدهما: قول عطاء كفارة يمين، ومذهبه أَنَّ أعمال البر لا تكون إلا بما فَرَضَ الله، أو تبررًا يراد به الله.
قال الشافعي: التبرر أَنْ يقول: لله عليَّ إن شفاني الله أَنْ أحجَّ له نذرًا، فأما إِنْ لم أقضك حقك فعليَّ المشيُ إلى بيت الله؛ فهذا من معاني الأيمان لا معاني النذور (٤).
قال المزني (٥): قد قَطَعَ بأنه قولُ عددٍ من أصحاب النبي ﷺ [والقياس]، وقد قال في غير هذا الموضع: لو قال: لله عليَّ نَذْرُ حجٍّ إِنْ شاء فلانٌ فَشَاءَ، لم يكن عليه شيء، إنما النذر ما أريدَ به الله، ليس على معاني المعلِّق، والشائي غير الناذر.
والقائلون بهذا لا يلزم أَنْ يكونوا أخذوه من دلالة الآية عليه لفظًا، بل بالقياس) (٦).
стр. 968
والجواب من وجوه:
أحدها: أَنَّ الأقوال للسلف ثلاثة فقط؛ إمَّا لزوم ما التزمه، وإِمَّا إجزاء التكفير، وإما أنه لا شيء عليه، وجمهور السلف على إجزاء الكفارة.
والقائلون بإجزاء الكفارة يقولون: إذا فَعَلَ ما نذره لم يكن عليه شيء آخر، وهو معنى قول مَنْ يخيِّره بين الوفاء وبين التكفير، وقد ذكر الإمام أحمد بن حنبل إجماعَ الناس على أنه إذا فعل المنذور لم يكن عليه [٢٥٤/ أ] شيء آخر، وَإِنْ كان قد حُكِيَ القولُ بتعين الكفارة رواية عنه، وقول للشافعي اختاره طائفة من الخراسانيين. قال أحمد: [ ... ] (١).
الثاني: أَنَّ هذا المعترض ظَنَّ أَنَّ مَنْ قال بالتخيير لا يحتج بالآية، وَمَنْ قال بلزوم الكفارة لا يلزم أن يكونوا أخذوه من دلالة الآية عليه لفظًا بل بالقياس؛ وهذا الكلام فيه غلطٌ عظيمٌ على السلف والعلماء من أربعة أوجه:
من جهة أَنَّ أصحاب القول الأول لم يحتجوا بالآية لعدم دلالة الآية على ذلك، وَأَنَّ أصحاب القول الثاني وإن أمكن أن يحتجوا بالآية فلا يلزم ذلك، بل يمكن أن يكون معتمدهم القياس، ثم أخذ يُضَعِّفُ حُجَّةَ هذا القول لِظَنِّهِ (٢) أَنَّ مَنْ جعل هذا يمينًا مكفرة واحتج بالآية لا (٣) حجة له، ومن جهة ظَنِّهِ أنه إذا كانت الحجة في الكفارة هو القياس؛ فالجامع هو: الالتزام، وهو منتفٍ في الحلف بالطلاق، وفي هذا الكلام من سوء الفهم وقلة المعرفة ما يطول وصفُهُ، لكن يُذكر ما يتعلق بمعرفة الأحكام الشرعية وأدلتها.
стр. 969
وأنا أعذر المعترض وأمثاله في كثيرٍ مما يقولونه، لأنَّ مَنْ هو أكبر منهم غَلِطَ في مواضع، وهم زادوا في الغلط؛ فتضاعف الغلط وضعفت معرفتهم بالكتاب والسنة ومعاني أقوال الصحابة ومن اتبعهم.
وهو وإنْ كان قد غلط في هذه المواضع فقد أصاب وأحسن في قوله: (على أَنَّ هذا القول بالتحرير الذي يقوله المتأخرون ــ وهو: أَنَّ الواجب الكفارة عينًا بحيث لو أتى بالذي التزمه لا يكفي ــ لسْتُ أعرف الآن دليلًا عليه، لا من خبرٍ ولا من نظرٍ) (١)؛ فإنَّ هذا القول في غايةِ الضعف، وقد أحسن في تضعيفه، بل هو خلاف الإجماع الذي حكاه الإمام أحمد، مع تحري أحمد في حكاية الإجماع، وَرَدِّهِ على مَنْ يجزم بالإجماع، وَأَمْرِهِ له بأنْ يقول: ما أعلم خلافًا.
ولكنَّ ظَنَّ هذا المعترض أَنَّ حجة المجيب إنما [٢٥٤/ ب] تتوجَّه (٢) على تقدير نصرة هذا القول الساقط الشاذ المخالف لإجماع السلف= ظَنٌّ كاذب، بل أَنَا أُسَلِّمُ خَطَأَ هذا القول وأجزم به، مع الجزم بأنَّ هذه يمين مكفرة؛ فصار قياسًا.
وسبب الاشتباه في ذلك: أَنَّ التعليق القَسَمي كقوله: إِنْ لم أفرق بينك وبين امرأتك فمالي هدي وكل مملوك لي حر وأنا يومًا يهودية ويومًا نصرانية ونحو ذلك، وقوله: إِنْ فعلت كذا فعليَّ الحج ونحو ذلك= هو إنما يكون حانثًا الحنث الموجب للكفارة إذا وجد الشرط دون الجزاء، فإنَّ كلامه تضمن لزوم الجزاء عند الشرط، فإنْ وُجِدَ الشرطُ والجزاء لم يكن قد
стр. 970
خالف عَقْدَهُ، وإنْ لم يوجد لا الشرط ولا الجزاء لم يكن قد خالف عقده، وأما إذا وجد الشرط دون الجزاء فقد خالف عقده؛ فلزمته الكفارة.
فالحنث الموجبُ للكفارة عينًا هو: مخالفةُ عَقْدِهِ بوجود الشرط دون الجزاء، لكن هو إذا قال: إِنْ فعلتُ كذا فعليَّ الحج؛ فمقصوده: منعُ نفسِهِ من الفعل وجَعْلُ الحج لازمًا له إذا فعل لئلا يفعل، فإذا وجد الفعل فقد يُسمى حانثًا كما يسمى حانثًا إذا حلف ألا يفعل وفعل، ولكن إذا وجد الفعل وَقُدِّرَ مع ذلك أنه حَجَّ فقد وفّى بموجب عقده فلم يحنث وليس عليه شيء آخر، ولكن هو إذا فعل جاء يستفتي لينظر أيلزمه الحج أم لا يلزمه؟
فَظَنَّ هؤلاء المتأخرون الغالطون المخالفون لإجماع السلف أنه بالفعل صار حانثًا الحنث الموجب للكفارة فألزموه الكفارة عينًا، وَظَنَّ هذا المعترض الغالط أَنَّ قول هؤلاء هو قول الصحابة والتابعين الذين أفتوا بالكفارة في هذه الأيمان كعمر وابن عباس وعائشة ﵃ وغيرهم؛ وهذا غلط عليهم، فإنَّ قول هؤلاء الصحابة هو القول الذي نَصَرَهُ الشافعي وأحمد بن حنبل وغيرهما، وهم يفتون بالكفارة، ولو فَعَلَ ما عَلَّقَهُ لم يكن عليه شيء آخر بلا ريب، وهكذا نَقَلَ عنهم عامة العلماء من أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهم مثل: أبي حامد الإسفراييني الذي يعتمد على نقله، فإنه قال: (وعندنا أنه مخيَّر بين أَنْ يفي بما نذره أو يُكَفِّر كفارة يمين، وبه قال: عمر وابن عمر وابن [٢٥٥/ أ] عباس وعائشة وحفصة وزينب بنت أم سلمة ربيبة النبي ﷺ ، ومن التابعين عطاء وطاووس والحسن، ومن الفقهاء أبو عبيد وأحمد وإسحاق وأبو ثور).
стр. 971
والصحابة ﵃ أفتوه بالكفارة لا لأنه إذا فعل ما التزمه لزمته الكفارة أيضًا، بل أمروه أَنْ يُكفِّر ولا يحتاج مع ذلك إلى فعل ما التزمه، لأنه ليس له قصد في فعله، وإنما كان يفعله إذا كان واجبًا عليه، فإذا لم يكن واجبًا عليه بل تجزئه كفارة يمين فلا داعي له إلى فعله، وقد يُنهى ــ أيضًا ــ عن فعله لما عليه في ذلك من الضرر، لأنه ليس له في ذلك نيةٌ خالصة، كما يُنهى الإنسان عن فعل ما يضره وعن سائر أفعال القرب التي يفعلها بلا نية خالصة لله ــ ــ، وكما يُنهى عن أن يفعل ما حَلَفَ عليه إذا حلف ليفعلنَّ محرمًا، أو ليفعلنَّ فعلًا يضره، أو ليفعلنَّ قربة من القرب على وجه المباهاة والمراءاة ونحو ذلك.
فلو حلف ليحجنَّ رياءً وسمعة، أو لَيُخْرِجَنَّ ماله كله ويدع نفسه وعياله محتاجين= نهي عن فعل ذلك، وَأُمِرَ أَنْ يكفر يمينه، وَإِنْ كان لو فعل ذلك لم تجب عليه كفارة بقوله: إِنْ فعلتُ كذا فعليَّ الحج؛ غايَتُهُ: أَنْ يكون بمنزلة قوله: إِنْ فعلتُ كذا فوالله لأحجنَّ ثلاثين حجة ولأُخْرِجَنَّ مالي كله ولأصيرنَّ يهوديًا ونصرانيًا ولأطلقنَّ نسائي، وهو لو فعله وَحَجَّ لم يكن عليه كفارة، لكن لو فعله لقيل له: كَفِّرْ يمينك ولا تَحُجَّ ثلاثين حجة ولا تُخْرِج مالك ولا تَكْفُر ولا تُطَلِّق نساءك، ثم لو فعل ذلك لم يكن عليه كفارة؛ فالإلزام بالكفارة مع كونه فعل ما التزمه قولٌ ضعيفٌ جدًّا.
وهؤلاء سمعوا ما ذكره الشافعي ونقله عن السلف من أنهم جعلوا هذا يمينًا مكفَّرة، فظنوا أنه بمجرد (١) الفعل تتعين الكفارة ولو فعل ما التزمه؛ وليس كذلك، بل هذا كما لو قال: إِنْ فعلت فوالله لأفعلنَّ كذا وكذا، فإنه
стр. 972
يُقال: هذه يمين مكفرة، فإذا فَعَلَ ذلك الفعل أجزأته كفارة يمين، ولا يحتاج أَنْ يفعل الفعل الثاني الذي التزمه، بل يُنهى عنه إذا كان محرمًا أو مكروهًا، ومع ذلك فلو فعله لم تجب عليه الكفارة.
لكن بعض الناس يقول: مَنْ حَلَفَ ليفعلنَّ معصيةً فعليه الكفارة [٢٥٥/ب] وإن (١) فعلها؛ وهذا يشبه قول هؤلاء، وبإزائه قول مَنْ يقول: مَنْ حَلَفَ على طاعةٍ لا يفعلها فكفارتها أَنْ يفعلها، وهذه أقوالٌ ضعيفةٌ.
فإنَّ الكفارةَ وَجَبَتْ لما في الحنث مِنْ هَتْكِ حُرْمَةِ اليمين، وإذا فَعَلَ المعصية استحق عليها عقوبة أخرى، وإذا فعل الطاعة كان له عليها ثواب غير ما يستحقه بكفارة اليمين؛ قال النبي ﷺ : «مَنْ حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها، فليأتِ الذي هو خير، وليُكَفِّرْ عن يمينه» (٢) فَأَمَرَ بالكفارة مع كون الحنث خيرًا من الإصرار على اليمين؛ فَعُلِمَ أَنَّ كون الحنث بفعل طاعة لا يُسْقِطُ اليمين بل يجب مع الحنث، وإذا لم يحنث فلا كفارة عليه وَإِنْ كان عاصيًا مستحقًّا للذم والعقاب بفعل المعصية التي التزمها لا بالحنث، وإلا فإذا حَلَفَ على يمين تضمنت تَرْكَ واجبٍ أو فعل محرمٍ= كان ينبغي على هذا القول أَنْ تجب عليه الكفارة مطلقًا سواء فَعَلَ الواجب وتَرَكَ المحرم، أو لم يفعل الواجب ولم يترك المحرم، والنبي ﷺ قال: «فليأتِ الذي هو خير، وليكفِّر عن يمينه»، وقال: «أن يلج (٣) أَحدُهم يمينَهُ آثَمُ له عند
стр. 973
الله من أَنْ يُعطيَ الكفارة التي فرض الله عليه» (١).
وإذا عُرِفَ هذا؛ فمن قال: يخير بين الوفاء بما نذر وبين الكفارة، فهذا أرادوا به إذا وجد الشرط، فإنه ــ حينئذٍ ــ يُخير بين أن يفعل الجزاء الذي جعله لازمًا، وحينئذٍ فلا يكون قد حنث، فلا يلزمه كفارة يمين. وبين ألا يفعله فيكون قد حنث فيلزم كفارة يمين، لكن مِنْ هؤلاء مَنْ يقول: هذا أَخَذَ شبهًا من اليمين وشبهًا من النذر، وجعلوا التخيير بناءً على هذا.
وحقيقةُ الأمر أنه لا يكون حانثًا الحنث الموجب للكفارة إلا إذا وجد الشرط ولم يوجد الجزاء، فالتخيير هو تخييرٌ بين مخالفةِ عَقْدِهِ والوفاء به، كما يُخيَّر في غير هذه اليمين بين البِرِّ والحنث، وهذا التخيير إنما يُشْرَعُ إذا كان فِعْلُ الجزاء مباحًا، فأما مع كونه مكروهًا أو محرمًا فلا يخير.
ومن قال تجب الكفارةُ عينًا؛ فلو فَهِمَ أَنَّ الكفارة إنما تجب عينًا عند الحنث الذي هو وجود الشرط وعدم وجود الجزاء= لكان قد أحسن، لكن ظَنَّ ذلك هو مجرد وجود الشرط. [٢٥٦/ أ] فَجَعْلُ الكفارة تلزمه وإن فعل ما التزمه يُظْهِرُ فسادَ قولِهِ ومخالفته للأصول والنصوص (٢)، بل ومخالفته لإجماع السلف، كما ذكره الإمام أحمد.
الوجه الثالث: أَنْ نقول: الصحابة وجمهور التابعين الذي قالوا بإجزاء
стр. 974
الكفارة في ذلك؛ إِمَّا أن تكون حجتهم شمول الآية لهذا التعليق، وإما القياس على اليمين؛ وعلى التقديرين فقد أثبتوا الكفارة بالقَدْرِ المشترك، وجعلوا ذلك مناطَ وجوبِ التكفير.
والقَدْرُ المشترك ليس هو الالتزام ــ كما تقدم ــ، بل هو لزوم ما يكره لزومه عند الحنث، وهذا المعنى موجود في تعليق الطلاق والعتاق إذا أريد به اليمين، فيلزم أن يجزئ في ذلك كفارة يمين، عملًا بالمعنى المشترك الذي هو عِلَّةُ الحكمِ في الأصل، أو باللفظ العام الشامل فإنه لا بُدَّ من شمول اللفظ أو (١) من شمول المعنى.
الوجه الرابع: أَنَّ كلام الصحابة ﵃ الذين أفتوا في ذلك بكفارة يمين وكلام التابعين وسائر العلماء الذين وافقهم= بَيِّنٌ في أَنَّ هذه يمينٌ مكفَّرةٌ عندهم، يشملها لفظ اليمين ومعناه؛ فالحكم فيها ثابت بالعموم وبالقياس، بالعموم اللفظي والمعنوي.
وهذا موجود في تعليق الطلاق والعتاق إذا قصد به اليمين، فإنَّ الصحابة يقولون: كَفِّرْ يمينك، هذه يمين مُكَفَّرَةٌ ــ كما تقدم ذكر ألفاظهم ــ، لم يقل أحدٌ منهم: هذه مثل اليمين، بل سَمَّوهَا يمينًا، وأوجبوا فيها ما يجب في اليمين، ولم يقل أحد منهم إنها ليست يمينًا.
* * * *
стр. 975
فصلٌ
قال المعترض:
(على أَنَّ هذا القول بالتحرير الذي يقوله المتأخرون، وهو أَنَّ الواجب الكفارةُ عينًا بحيث لو أتى بالذي التزمه لا يكفي= لستُ أعرف الآن دليلًا عليه لا من خبر ولا من نظر).
فيقال: قد أحسن المعترض في هذا وأصاب، ومرادهم بإيجاب الكفارة عينًا إذا وجد الشرط وإن فعل ما التزمه، وأما إذا وجد الشرط ولم يوجد الجزاء فإنه تجب الكفارة عينًا بلا ريب، لكن إيجابها مع فعل ما التزمه= هو القول المبتدع الضعيف الذي لا حجةَ له.
ثم قال: (أما الخبر؛ فهم يستدلون له بقوله ﷺ : «كفارةُ النذر كفارة [٢٥٦/ ب] يمين» (١) قال: فقد تأملت معنى هذا الحديث، والذي فهمته (٢) منه: تبيين (٣) كفارة النذر كما بيَّن الله كفارة اليمين في كتابه العزيز، وَلمَّا لم يقتض ذلك إيجاب كفارة اليمين مطلقًا، بل بشرط مخالفتها والحنث فيها= كذلك لا يقتضي هذا وجوب كفارة النذر مطلقًا، بل بشرط ألا يفي به، وَمَنْ وَفَّى به فقد أتى بمقتضى التزامه، فهو بمنزلة ما لو بَرَّ في يمينه فلا يحتاج إلى تكفير، وكيف يقال: إنه إذا أتى بالمنذور لا يكفي، ويقول له: لا تأت به بل كَفِّر؟! والله ــ تعالى ــ قد مَدَحَ على الوفاء بالنذر؛ فهذا ما أشرنا إليه من جهة النظر.
стр. 976
قال (١): فإنْ قلتَ: [هذا عند القائلين بوجوب الكفارة عينًا ليس بنذر لكنه يمين.
قلتُ:] (٢) فيبطل احتجاجهم عليه بقوله: «كفارة النذر كفارة يمين» (٣) فإنه جعله نذرًا، وجمهور الأصحاب [حملوا] (٤) هذا الحديث على نذر اللجاج الذي نحن نتكلم فيه، ولا دليل لهم على الكفارة فيه غيره) (٥).
فيقال: ما ذكره هنا هو من أحسن كلامه، وأجود ما ذكره مع احتياجه إلى تتمة وبيان؛ فيقال: أما دعوى من ادعى أَنَّ مراد النبي ﷺ بقوله: «كفارة النذر كفارة يمين» ليس إلا الحلف بالنذر الذي يسميه بعض الناس نذر اللجاج والغضب؛ ففي غايةِ الضعف؛ ولهذا لم يُعْرَف هذا القول عن أحدٍ من السلف، ولا قاله الشافعي ولا أحمد بن حنبل ولا أمثالهما من الأئمة الذين جعلوا في نذر اللجاج والغضب كفارةَ يمين، لكن هو قول طائفة من المتأخرين (٦).
وذلك أَنَّ قوله: «كفارة النذر كفارة يمين» اسمُ جنسٍ مُعَرَّفٍ بالألف واللام، فيجب أَنْ يكون عامًّا في النذر، ولم يتقدم نَذْرٌ معهود ينصرف الكلام
стр. 977
إليه (١).
وأيضًا؛ فسواء أريد به جنس النذر أو نذر معين؛ من المعلوم أَنَّ الكفارة في النذر واليمين لا تجب (٢) مع الوفاء، وقوله ﷺ : «كفارة النذر كفارة يمين» لا يقتضي وجوب الكفارة مطلقًا، بل ولا إباحتها مطلقًا، بل يقتضي أَنَّ الذي يُكَفِّرُ النذرَ هو ما يكفر اليمين؛ فثبت أَنَّ النذر فيه كفارة اليمين.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] قال بعض الناس (٣): مراده: ذلك كفارة أيمانكم إذا حنثتم (٤). ولا تحتاج الآية إلى إضمار، فإنه ليس [٢٥٧/ أ] في قوله: ﴿ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ﴾ إيجاب الكفارة بمجرد اليمين حتى يحتاج أَنْ نضمر الحنث الذي به تجب الكفارة، بل النصُّ دَلَّ على أَنَّ هذا هو كفارة اليمين، كما قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ﴾ [المائدة: ٨٩] فهذه الكفارة هي كفارة عقد اليمين. كما يقال: كفارةُ الظهار؛ ومعلوم أنها إنما تجب إذا عاد إلى ما قال. ويقال: جزاءُ الصيد؛ ومعلومٌ أنه إنما يجب إذا قَتَلَهُ. ويقال: فديةُ الأذى؛ ومعلومٌ أنها لا تجب بنفس الأذى بل بالحلق، ومثل هذا كثير.
ومثله قوله تعالى في الآية الأخرى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢] وهي الكفارة، لكن سماها تَحِلَّة، لأنها تحل عقد اليمين، وسماها
стр. 978
كفارة لمحوها ما انعقد سببه من الإثم، والكفارات جعلها الله ماحية.
وهذا كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] فالمراد: أَنَّ ذلك يجزئه، وقد علم أنه إنما يجب إذا أفطر، ونظائره متعددة.
فقوله ﷺ : «كفارة النذر كفارة يمين» (١) بيانٌ لكونِ النذرِ كفارتُهُ كفارةُ يمين، ثم قد ثبت بالنص والإجماع أنه يجب الوفاء بالنذر، فإذا لم يوف به كان كاليمين التي حنث فيها تلزم كفارة يمين كما يلزمه في اليمين، وهذا قول السلف وهو مذهب أحمد وغيره.
ولهذا قال عقبة بن عامر ــ راوي الحديث ــ: النذر حَلْفَةٌ (٢). وقال عمر وابن عباس وجابر وغيرهم ﵃: النذر يمين (٣).
فنذر اللجاج والغضب لم يسمِّهِ أَحَدٌ من الصحابة نذرًا، بل هو عندهم يمين من الأيمان، ولكن بعض الناس سماه نذر اللجاج والغضب تسميةً بعيدةً لكون صورته صورة النذر وَإِنْ لم يكن نذرًا، فإنه التزم ما عَلَّقَهُ على تقدير الشرط، لكن مع كراهته للزومه (٤) له.
ومثله تسمية الحالف بالطلاق والعتاق مُطَلِّقًا ومعتقًا، وتسمية الحالف بالظهار والحرام مظاهرًا ومحرمًا، فيقال: طَلَّقَ إِنْ فعل كذا، وظاهر إن فعل
стр. 979
كذا، ونذر إن فعل كذا؛ أي: جَعَلَ [٢٥٧/ ب] ذلك لازمًا له إن فعل كذا، وَإِنْ كان كارهًا للزومه لم يقصد أَنْ يلزمه سواء فعل أو لم يفعل.
وإذا كان كذلك؛ فدلالة الحديث على هذا: إما أَنْ يكون بشمول اللفظ له لكونه نذرًا، فيدخل في العموم مع شرط آخر، وهو أنه نَذْرٌ لم يجب الوفاء به، ويشاركه في هذا كل نذر لم يجب الوفاء به كنذر المعصية والمباح وغيرهما.
وأما تخصيصُ هذا بالحديث دون تلك، مع أَنَّ تلك نذر حقيقة وهذا قصده النذر= فبعيدٌ جدًا، ويحتاج حينئذٍ [أَنْ] (١) يبين أنه لا يجب الوفاء به بكون قصده اليمين لم يقصد أن يلتزم لله طاعة.
وإما أَنْ يكون نُكُولُهُ دَلَّ على أن كفارة النذر كفارة يمين؛ فَعُلِمَ أنه لا بُدَّ من الوفاء أو التكفير، لا يجوز أن يخلو منهما كقول مَنْ قال: لا شيء في نذر اللجاج والغضب كما في سائر النذور، ولا بُدَّ مع ذلك أَنْ يقال: لا يجب الوفاء به لكون قصده اليمين.
وإما أَنْ يقال: لَمَّا قال: «كفارة النذر كفارة اليمين» عُلِمَ أَنَّ الموجب للكفارة قَدْرٌ مشترك بين النذر واليمين، سواء جُعِلَ مسمى النذر نوعًا من مسمى اليمين، أو جُعِلَ نظيرَ المسمى اليمين، وإذا كان المشترك موجبًا للكفارة وقد عُلِمَ أَنَّ مَنْ قَصَدَ التقرب إلى الله فهو ناذر يلزمه الوفاء، فإنْ تَعَذَّرَ فعليه الكفارة، وَمَنْ قصد الحضَّ والمنع فهو حالفٌ يجوز له الحنث مع قدرته على الوفاء.
стр. 980
وهذا الحالف بالنذر قَصْدُهُ قَصْدُ الحالفِ لا قَصْدُ الناذر، فتجزئه كفارة يمين كما تجزئ سائر الحالفين إذا حنث فلم يفعل ما التزمه من الجزاء، وأما إذا فَعَلَ ما التزمه من الجزاء فلم يحنث فلا كفارة عليه، بل فَعَلَ ما التزمه وَإِنْ كان لم يلتزمه لله بل نذره ليحلف به لا ليتقرب به إلى الله، كما لو قَصَدَ بالنذر اليمين مثل أَنْ يقول: لله عليَّ أَنْ أَقتلَ فلانًا ونحو ذلك، فإنَّ هذا ناذر حالفٌ فعليه كفارة يمين.
ففي الجملة؛ الاحتجاج بهذا الحديث على مسألة نذر اللجاج والغضب لا يمكن مع القول بتخصيص أَنَّ الحديث لم يُرَدْ به إلا هذه المسألة، ولا يمكن الاحتجاج به عليها مع دلالتها على غيرها إلا بمقدمة أخرى لا بمجرد ظاهر الحديث.
وأما قول هذا المعترض أن جمهور الأصحاب حملوا هذا الحديث على نذر اللجاج، ولا دليل لهم على الكفارة فيه [٢٥٨/ أ] غيره؛ فليس الأمر كذلك، بل قد احتجوا بحجج بما ذكروه عن الصحابة ﵃ مع الحديث.
فاحتج أبو حامد الإسفراييني ومن وافقه بقوله ﷺ : «كفارة النذر كفارة يمين» (١). قال أبو حامد (٢): (ولم يفرق بين نذر ونذر، فهو على عمومه)؛ فاحتج بعموم الحديث، لم يخصه بنذر اللجاج والغضب.
قال: (ولأنه إجماع روي عن ستةٍ من الصحابة ذكرناهم، فأما الأربعة
стр. 981
فقد صرحوا وهم: عمر وعائشة وحفصة وزينب ﵃، واثنان اختلفت الرواية عنهم وهما: ابن عمر وابن عباس ﵃، لأنَّ ابن عباس رويت عنه روايتان: إحداهما بتكفيرها، والأخرى مثل قول ربيعة. وابن عمر عنه ثلاث روايات.
فإمَّا أن نقول: قد تعارضت تلك الروايات عنهم وسقطت جملة، حتى كأنه لم يوجد منها شيء، وتجرد لنا قول أربعة من الصحابة لا مخالف لهم، أو نقول: الروايةُ التي توافق قول غيرهما من الصحابة مقدمةٌ على الرواية التي تخالفها، لأنَّ وفاق غيرهما يعضد ما روي عنهما مثل ذلك).
والماوردي ذكر نحو ما ذكره أبو حامد، فقال (١): (ولأنه بانتشاره عن سبعة من الصحابة ولم يظهر خلافهم= إجماع)، وذكر الستة وزاد أم سلمة.
والقاضي أبو يعلى وأبو الخطاب وغيرهما ذكروا ما ذكروه من الآثار عن الصحابة، وذكروا آثارًا (٢) أخر عنهم في أَنَّ النذر يمين، فإنهم يقولون بهذا وبهذا.
قال القاضي أبو يعلى (٣): (وهذا إجماعُ الصحابة؛ حديث عمر من رواية إسماعيل بن سعيد الشالنجي الذي قال: إِنْ عدتَ لم أكلمكَ أبدًا وكل مالي في رتاج الكعبة. فقال عمر ﵁: إِنَّ الكعبةَ لغنيةٌ عن مالك، كَفِّرْ
стр. 982
عن يمينك، وَكَلِّمْ أخاك؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يمين عليك ولا نذر في معصية الرب، ولا قطيعة رحم، ولا فيما لا تملك» (١)).
وذكر حديث ليلى بنت العجماء التي قالت: (إِنْ لم أُفَرِّق بينك وبين امرأتك، فكل مملوك لي حر، ومالي هدي، وأنا يومًا يهودية ويومًا نصرانية). وَذَكَرَ الصحابة الذين أفتوها بكفارة يمين، كابن عمر ومن معه (٢). وقول ابن عباس في التي جعلت بُرْدَها عليها هديًا إِنْ لبسته، فقال ابن عباس: (لتكفِّر [٢٥٨/ ب] عن يمينها) (٣).
وقول عائشة ــ أيضًا ــ فيمن جَعَلَ ماله في ميزاب الكعبة قالت: (يُكفِّر عن يمينه) (٤).
قال: (وروى أبو إسحاق الشالنجي بإسناده عن منصور بن عبد الرحمن الحُجبي، عن أمه، عن عائشة: مَنْ جعل ماله في سبيل الله أو في رتاج الكعبة. قالت: يكفر يمينه) (٥).
قال: وروى الشالنجي، عن محمد بن عبد الله السدوسي، عن ابن عباس: في النذر كفارة يمين (٦).
стр. 983
وروى ــ أيضًا ــ عن عقبة بن عامر قال: (النذر حَلْفَةٌ) (١).
وروى ــ أيضًا ــ عن أبي الخير (٢) قال: (نذرت أَنْ أصومَ بإيلياء رمضان، فشغلني شيء فلم أصم، فسألت عقبة بن عامر ﵁ فقال: إنما النذر حَلْفَةٌ، كَفِّر عن يمينك) (٣).
قال القاضي: (فجعل هذا مذهب ستة من الصحابة، ولا يعرف لهم مخالف).
* * * *
стр. 984
فصلٌ
قال المعترض:
(وتمام الكشف في هذه المسألة شيءٌ أذكره على سبيل النظر فيه، وهو أَنَّ القائل: إنْ فعلتُ كذا فعليَّ عِتْقٌ مثلًا؛ تضمن كلامه أمرين:
أحدهما: الامتناعُ عن الفعل. والثاني: التزامُ العتقِ على تقدير الفعل، وتسمية هذا النوع نذرًا للمعنى الثاني لا للأول، لأنَّ النذر هو الالتزام لا الحث أو المنع، ولهذا يُشترط (١) في ذلك أَنْ يكون قربة كما يشرط في المنذور، والمنذور ههنا هو الإعتاق، وتسميته نذرًا لذلك، وأما تسميته يمينًا فالأسبق إلى الفهم من كلام الفقهاء أنه لأجل المعنى الأول وهو الامتناع من الفعل، فكأنه حَلَفَ ألا يَفعل ذلك الفعل، ويحتمل أَنْ يقال: إِنَّ جهةَ اليمين فيه التزام الإعتاق لأنَّ الحالفَ ملتزمٌ كما تقدم، فلذلك سمي يمينًا، والفقيه قد يَرُدُّ هذا الاحتمال في أول وَهْلَة، ولكن ينبغي أنْ يتمهل حتى ينظر فيه من جهات:
أحدها: أَنَّ النبي ﷺ قال: «كفارة النذر كفارة يمين»؛ ففي هذا إشارة إلى أنه أعطى النذر حكم اليمين، والنذر إنما هو التزام الإعتاق لا الامتناع ــ كما تقدم آنفًا ــ فكذلك اليمين) (٢).
والجواب أَنْ يقال: بعضُ ما ذكره هنا بحث جيد، ومن جيد ما ذكره المعترض وهو يؤيد قول المجيب؛ فإنَّ قولَهُ: إنَّ كلامه تضمن شيئين: الامتناع عن الفعل، والتزام العتق على تقديره، وتسميتُهُ نذرًا للمعنى الثاني لا
стр. 985
[٢٥٩/ أ] للأول= كلامٌ صحيح.
ثم قال: (وأما تسميته يمينًا؛ فالأسبق إلى الفهم من كلام الفقهاء أنه لأجل المعنى الأول، وهو الامتناع من الفعل، فكأنه حَلَفَ ألا يفعل ذلك. قال: ويحتمل أَنْ يقال: إِنَّ جهة اليمين فيه التزام الإعتاق لأنَّ الحالف ملتزم ــ كما تقدم ــ فلذلك سمي يمينًا) إلى آخره.
فيقال: أما كونه حالفًا لالتزام الإعتاق ــ كما ذكره ــ وهو المعنى المشترك الذي عُلِّقَ به وجوب الكفارة؛ فهذا في غاية الفساد إِنْ لم يقرن بذلك التزام ما يكره لزومه له، لينفصل بذلك عن نذر التبرر، فإنه لو كان جهة اليمين كونه التزم الإعتاق لكان كل ملزم للإعتاق يمينًا مكفرة، ونذر التبرر فيه التزام الإعتاق وهو واجب عليه، وهو قد عَرَفَ أَنَّ هذا القول مردود عند الفقهاء، فقال: (والفقيه قد يرد (١) هذا الاحتمال، لكن ينبغي له أَنْ يتمهل حتى ينظر فيه).
فيقال: حقيقةُ الأمر أن كلًّا من هذا النظر وهذا النظر يقتضي أَنَّ صاحبه لَحَظَ بعض صفات اليمين، أما كونه ممتنعًا من الفعل وحاضًّا عليه، فهذا أحد أوصاف اليمين، لكن لا يجوز أَنْ تكون يمينًا لهذا المعنى وحده، كما قد يظنه بعض الفقهاء، وكما ألزمه المعترض للمجيب وبنى عليه عامة اعتراضه، وهو هنا اعترف بفساده، إذ لو كان الموجب لليمين كونه حاضًّا ومانعًا لكان إذا قال: إِنْ فعلتُ فلله عليَّ أَنْ أطلقك؛ أي: فوالله لأطلقنك، إنما كان حالفًا لكونه مَنَعَ نفسه من الفعل لا لكونه حلف ليطلقنها إذا فعل.