فقد صرحوا وهم: عمر وعائشة وحفصة وزينب ﵃، واثنان اختلفت الرواية عنهم وهما: ابن عمر وابن عباس ﵃، لأنَّ ابن عباس رويت عنه روايتان: إحداهما بتكفيرها، والأخرى مثل قول ربيعة. وابن عمر عنه ثلاث روايات.
فإمَّا أن نقول: قد تعارضت تلك الروايات عنهم وسقطت جملة، حتى كأنه لم يوجد منها شيء، وتجرد لنا قول أربعة من الصحابة لا مخالف لهم، أو نقول: الروايةُ التي توافق قول غيرهما من الصحابة مقدمةٌ على الرواية التي تخالفها، لأنَّ وفاق غيرهما يعضد ما روي عنهما مثل ذلك).
والماوردي ذكر نحو ما ذكره أبو حامد، فقال (١): (ولأنه بانتشاره عن سبعة من الصحابة ولم يظهر خلافهم= إجماع)، وذكر الستة وزاد أم سلمة.
والقاضي أبو يعلى وأبو الخطاب وغيرهما ذكروا ما ذكروه من الآثار عن الصحابة، وذكروا آثارًا (٢) أخر عنهم في أَنَّ النذر يمين، فإنهم يقولون بهذا وبهذا.
قال القاضي أبو يعلى (٣): (وهذا إجماعُ الصحابة؛ حديث عمر من رواية إسماعيل بن سعيد الشالنجي الذي قال: إِنْ عدتَ لم أكلمكَ أبدًا وكل مالي في رتاج الكعبة. فقال عمر ﵁: إِنَّ الكعبةَ لغنيةٌ عن مالك، كَفِّرْ
стр. 982
عن يمينك، وَكَلِّمْ أخاك؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يمين عليك ولا نذر في معصية الرب، ولا قطيعة رحم، ولا فيما لا تملك» (١)).
وذكر حديث ليلى بنت العجماء التي قالت: (إِنْ لم أُفَرِّق بينك وبين امرأتك، فكل مملوك لي حر، ومالي هدي، وأنا يومًا يهودية ويومًا نصرانية). وَذَكَرَ الصحابة الذين أفتوها بكفارة يمين، كابن عمر ومن معه (٢). وقول ابن عباس في التي جعلت بُرْدَها عليها هديًا إِنْ لبسته، فقال ابن عباس: (لتكفِّر [٢٥٨/ ب] عن يمينها) (٣).
وقول عائشة ــ أيضًا ــ فيمن جَعَلَ ماله في ميزاب الكعبة قالت: (يُكفِّر عن يمينه) (٤).
قال: (وروى أبو إسحاق الشالنجي بإسناده عن منصور بن عبد الرحمن الحُجبي، عن أمه، عن عائشة: مَنْ جعل ماله في سبيل الله أو في رتاج الكعبة. قالت: يكفر يمينه) (٥).
قال: وروى الشالنجي، عن محمد بن عبد الله السدوسي، عن ابن عباس: في النذر كفارة يمين (٦).
стр. 983
وروى ــ أيضًا ــ عن عقبة بن عامر قال: (النذر حَلْفَةٌ) (١).
وروى ــ أيضًا ــ عن أبي الخير (٢) قال: (نذرت أَنْ أصومَ بإيلياء رمضان، فشغلني شيء فلم أصم، فسألت عقبة بن عامر ﵁ فقال: إنما النذر حَلْفَةٌ، كَفِّر عن يمينك) (٣).
قال القاضي: (فجعل هذا مذهب ستة من الصحابة، ولا يعرف لهم مخالف).
* * * *
стр. 984
فصلٌ
قال المعترض:
(وتمام الكشف في هذه المسألة شيءٌ أذكره على سبيل النظر فيه، وهو أَنَّ القائل: إنْ فعلتُ كذا فعليَّ عِتْقٌ مثلًا؛ تضمن كلامه أمرين:
أحدهما: الامتناعُ عن الفعل. والثاني: التزامُ العتقِ على تقدير الفعل، وتسمية هذا النوع نذرًا للمعنى الثاني لا للأول، لأنَّ النذر هو الالتزام لا الحث أو المنع، ولهذا يُشترط (١) في ذلك أَنْ يكون قربة كما يشرط في المنذور، والمنذور ههنا هو الإعتاق، وتسميته نذرًا لذلك، وأما تسميته يمينًا فالأسبق إلى الفهم من كلام الفقهاء أنه لأجل المعنى الأول وهو الامتناع من الفعل، فكأنه حَلَفَ ألا يَفعل ذلك الفعل، ويحتمل أَنْ يقال: إِنَّ جهةَ اليمين فيه التزام الإعتاق لأنَّ الحالفَ ملتزمٌ كما تقدم، فلذلك سمي يمينًا، والفقيه قد يَرُدُّ هذا الاحتمال في أول وَهْلَة، ولكن ينبغي أنْ يتمهل حتى ينظر فيه من جهات:
أحدها: أَنَّ النبي ﷺ قال: «كفارة النذر كفارة يمين»؛ ففي هذا إشارة إلى أنه أعطى النذر حكم اليمين، والنذر إنما هو التزام الإعتاق لا الامتناع ــ كما تقدم آنفًا ــ فكذلك اليمين) (٢).
والجواب أَنْ يقال: بعضُ ما ذكره هنا بحث جيد، ومن جيد ما ذكره المعترض وهو يؤيد قول المجيب؛ فإنَّ قولَهُ: إنَّ كلامه تضمن شيئين: الامتناع عن الفعل، والتزام العتق على تقديره، وتسميتُهُ نذرًا للمعنى الثاني لا
стр. 985
[٢٥٩/ أ] للأول= كلامٌ صحيح.
ثم قال: (وأما تسميته يمينًا؛ فالأسبق إلى الفهم من كلام الفقهاء أنه لأجل المعنى الأول، وهو الامتناع من الفعل، فكأنه حَلَفَ ألا يفعل ذلك. قال: ويحتمل أَنْ يقال: إِنَّ جهة اليمين فيه التزام الإعتاق لأنَّ الحالف ملتزم ــ كما تقدم ــ فلذلك سمي يمينًا) إلى آخره.
فيقال: أما كونه حالفًا لالتزام الإعتاق ــ كما ذكره ــ وهو المعنى المشترك الذي عُلِّقَ به وجوب الكفارة؛ فهذا في غاية الفساد إِنْ لم يقرن بذلك التزام ما يكره لزومه له، لينفصل بذلك عن نذر التبرر، فإنه لو كان جهة اليمين كونه التزم الإعتاق لكان كل ملزم للإعتاق يمينًا مكفرة، ونذر التبرر فيه التزام الإعتاق وهو واجب عليه، وهو قد عَرَفَ أَنَّ هذا القول مردود عند الفقهاء، فقال: (والفقيه قد يرد (١) هذا الاحتمال، لكن ينبغي له أَنْ يتمهل حتى ينظر فيه).
فيقال: حقيقةُ الأمر أن كلًّا من هذا النظر وهذا النظر يقتضي أَنَّ صاحبه لَحَظَ بعض صفات اليمين، أما كونه ممتنعًا من الفعل وحاضًّا عليه، فهذا أحد أوصاف اليمين، لكن لا يجوز أَنْ تكون يمينًا لهذا المعنى وحده، كما قد يظنه بعض الفقهاء، وكما ألزمه المعترض للمجيب وبنى عليه عامة اعتراضه، وهو هنا اعترف بفساده، إذ لو كان الموجب لليمين كونه حاضًّا ومانعًا لكان إذا قال: إِنْ فعلتُ فلله عليَّ أَنْ أطلقك؛ أي: فوالله لأطلقنك، إنما كان حالفًا لكونه مَنَعَ نفسه من الفعل لا لكونه حلف ليطلقنها إذا فعل.
стр. 986
وأما ما رجحه من أَنَّ جهةَ اليمين هو التزام العتق فهو قد لحظ فيه بعض معاني اليمين، وهو أنه لا بُدَّ في اليمين مع الحض والمنع من أن يلتزم عند الحنث أمرًا من الأمور، وإلا فمجرد قصد الحض والمنع ليس كافيًا في كونه حالفًا، إذ لو كان حالفًا بذلك لكان كل مَنْ تَوَعَّدَ حالفًا؛ كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧ ــ ٨]، وقوله سبحانه: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣]، وقوله ــ ــ: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] ونحو ذلك، بل لا بُدَّ أن يلتزم عند الشرط ما يَكره لزومه.
فاليمين تتضمن هذه الصفات [٢٥٩/ ب] الثلاثة: الحضُّ والمنع في الطلب، والتصديق والتكذيب في الخبر، وتوكيد ذلك بالتزام أَمْرٍ من الأمور عند المخالفة، ولا بُدَّ أَنْ يكون ذلك اللازم مما يكره لزومه له وإن وجد الحنث، لتكون كراهته للزومه عند الحنث مانعًا من الحنث، وإلا فلو أراد وجوده على تقدير الحنث وَإِنْ كان مكروهًا بدون الحنث= امتنع ــ حينئذٍ ــ أَنْ يكون مانعًا من الحنث.
فإنَّ ما يراد على تقدير الحنث ملائمٌ للحنث مناسبٌ له، بل هو موجب الحنث، ومقتضاه بمنزلة المعلول، والمعلولُ الموجب المقتضي لا يكون مضادًّا منافيًا مانعًا من عِلَّتِهِ وَسَبَبِهِ وموجبه الذي يقصد المعلول إذا وجد، ولكن إذا كان الجزاء مكروهًا بتقدير الحنث يكرهه مع وجود الحنث= صار لزومه للحنث مانعًا من الحنث يقتضي التعليقُ وجودَه إذا وجد الحنث، وهو مكروهٌ على هذا التقدير فتكون كراهةُ هذا اللازم موجبةٌ لكراهةِ الملزوم، والملزوم هو الحنث، فيبقى الحالف ممتنعًا بيمينه من الحنث، وأما إذا كان
стр. 987
مرادًا بتقدير الحنث امتنع أن يكون مانعًا من الحنث.
ولهذا يكون الوعيد مانعًا للمتوعَّدِ من الفعل، لأنه يكره ما توعد به بتقدير الفعل فيمنعه ذلك، وأما الذي توعده بالعقوبة فلا يكون الوعيد مانعًا له من الفعل، فإنه لا يكره معاقبة المخالف له الذي توعده، وألا يمتنع من ذلك، إذ لو كان ممتنعًا كارهًا للوعد وَإِنْ وجدت المعصية= لم ينزجر العاصي، فإنه يقول: وإن عصيت فهو ممتنع من عقوبتي، وإنما يمتنع إذا عَلِمَ أنه لا يَكره عقوبَتَهُ. والمحلوفُ عليه بَرَّ قَسَمَ الحالف (١) كرامةً له، وكراهته أن يؤذيه بالحنث؛ إما لمحبته فيه وإما لرغبته في إبرار قسمه وإما لخوفه منه إذا حَنَّثَهُ، فجهة الحض والمنع مشتركة بين الحالف والمتواعِدِ، لكنَّ الحالف لا يحلف إلا بما يَكره وقوعه عند الحنث والمخالفة بخلاف المتواعِد.
ومن جعله من الفقهاء حالفًا لأجل امتناعه من الفعل وحَضِّهِ عليه، فهو إنما جعل ذلك في الصورة التي يقصد فيها اليمين كالتعليق الذي يقصد به اليمين، لم يجعل ذلك في كل تعليق، وهو مع قصد اليمين لا بُدَّ أَنْ يكون [٢٦٠/ أ] كارهًا لوجود الجزاء، ويجعلونه حانثًا بوجود الفعل، لأنه هو الفعل الذي منع نفسه منه، وهذا الحنث يخير فيه بين الكفارة وبين فعل ما التزمه.
وأما الحنث الموجب للكفارة حتمًا فهو وجود الشرط مع عدم الجزاء؛ فهذه اليمين يُعَبَّر بالحنث فيها في مجرد وجود الفعل، وهو معنى قولنا: التزم عند الحنث ما يكره لزومه له؛ فالمراد بالحنث هنا هو: وجود الفعل الذي مَنَعَ نفسه منه، ويراد بالحنث أنه وجد الفعل اللازم ولم يوجد الجزاء اللازم
стр. 988
له، وهذا هو الحنث الموجب للكفارة حتمًا، حتى إنه ما دام الجزاء ممكنًا لا يحكم بتحتم الكفارة عليه لإمكان أَنْ يأتي بالجزاء، فإذا مات ولم يَأْتِ به تحتمت الكفارة، فيعبر بالحنث عن هذا وعن هذا؛ فلهذا وقعت فيه الشبهة حتى ظَنَّ بعض الناس أَنَّ الحنث الأول هو الموجب للكفارة عينًا، وإنما موجبها الحنث الثاني.
وهذا كما أَنَّ الحالف باسم الله إذا حَلَفَ بالله ليفعلنَّ كذا، فإنه إنما تتعين الكفارة إذا أراد الفعل مع انتفاء ما التزمه عند الحنث من هَتْكِ حُرْمَةِ إيمانه، وإلا فلو قُدِّرَ أنه لا يكره هَتْكَ حرمة (١) إيمانه، بل هو مُسْتَخِفٌّ بحرمة (٢) الإيمان مرتدًّا عن الإسلام= امتنع مع هذا أَنْ يؤمر بكفارة يمين، فإنه التزم ما يلزمه عند الحنث ــ وَإِنْ كُنَّا لا نأمره به ــ كما إذا قال: والله إِنْ فعلتُ هذا الفعل لَأَكْفُرَنَّ بالله أو لأفعلنَّ كبيرةً من القتل والزنا وشرب الخمر ونحو ذلك، فنحن نأمره إذا فعله أَنْ يكفِّر يمينه ولا يأتي تلك الكبيرة، لكن لو قُدِّرَ أنه فعل ما التزمه من الكفر والكبائر لم نأمره بالكفارة، لأنه لم يحنث في يمينه، بل فَعَلَ ما التزمه من الكفر والكبائر.
وما ذكره من قول النبي ﷺ : «كفارة النذر كفارة يمين» (٣) والنذر هو: الالتزام للإعتاق لا الامتناع كلامٌ صحيحٌ، وكلاهما فيه التزام النذر واليمين، لكن النذر فيه التزامٌ لله، واليمين فيها التزام بالله، وهما مشتركان في الالتزام بالله؛ إما للتقرب إليه وإما لتوكيد الحض والمنع به.
стр. 989
فصلٌ
قوله: (الثانية [٢٦٠/ ب]: أَنَّا إذا جعلنا جهتي النذر واليمين واردتين على شيءٍ واحدٍ حَسُنَ النظرُ في تغليب أَيِّ الشائبتين أقوى أو تساويهما، وأَمَّا إذا جعلناه حالفًا على الفعل وناذرًا للإعتاق على ذلك التقدير فلا تزاحم بينهما) (١) كلامٌ صحيحٌ؛ ولهذا مَنْ جعله ناذرًا من الفقهاء ألزمه الوفاء بنذره لوجود شرطه، كما اتفقوا كلهم على لزوم النذر إذا علَّقه بشرطٍ يريدُ كونه، فلو كان في نذر اليمين ناذرًا للإعتاق كما هو ناذر له في نذر التبرر للزمه الإعتاق، بل من جعله حالفًا قال: إنه لم يقصد ما عَلَّقَهُ من التزام الإعتاق وغيره، بل هو كارهٌ للزومه إياه.
ولكن؛ يقال له: وليس هو ــ أيضًا ــ حالفًا لكونه التزم الإعتاق على ذلك التقدير كما ظننتَه، إذ لو كان كذلك لكان الملتزم للإعتاق عند الشرط الذي يريده حالفًا، وليس كذلك، بل إنما كان حالفًا لكونه التزم ما يكره لزومه له.
وقوله: (إذا جعلنا جهتي النذر واليمين واردتين على شيءٍ واحدٍ حَسُنَ النظر في التغليب أو التسوية) هو كلامُ مَنْ يَظُنُّ أنه يجتمع قصد النذر وقصد اليمين في تعليقٍ واحدٍ، وليس الأمر كذلك، بل هما يجتمعان في التعليق على طريق البدل والمعاقبة لا على طريق الاجتماع، فالحالف لا يلتزم إلا ما يكره أن يلزمه، والناذر يلتزم ما يريد لزومه، ولا تجتمع إرادةُ الفعل الموجبة له وكراهته المانعة منه في آنٍ واحدٍ، وحينئذٍ؛ فلا يحتاج إلى تغليب ولا تسوية، بل إذا قصد الجزاء عند الشرط كان ناذرًا ومطلِّقًا ومعتقًا ومظاهرًا وجاعلًا ومخالعًا وغير ذلك.
стр. 990
وإن كان يكره لزومه له وَإِنْ وُجِدَ الشرط فهو الحالف، لا يكون حينئذٍ لا ناذرًا ولا مطلقًا ولا معتقًا، ولكن يكون قد ألزم نفسه بالنذر والطلاق والعتاق على ذلك التقدير مع كراهته للزومه، ليكون لزومه مانعًا من ثبوت الملزوم، لا لإرادته للزومه إذا وجد الملزوم؛ فالمقصود بالتعليق والربط وجعل الجزاء لازمًا للشرط ألا يكون الملزوم لأنه لا يريد اللازم البتة، بل يكرهه ويمتنع منه أعظم من كراهته لوجود الملزوم، ويكرهه ــ أيضًا ــ وَإِنْ وجد الملزوم، فهو أقوى كراهةً وأدومُ كراهةً، والملزوم الذي هو الشرط كراهتُهُ أَخَفُّ وَأَقَلُّ [٢٦١/ أ] بقاء؛ ولهذا تزول هذه الكراهة في غالب الأوقات عن الحالف، فيريد ــ حينئذٍ ــ أَنْ يوجد الشرط ولا يكرهه، وهو مع ذلك كاره للجزاء ممتنع منه لا يريده.
فإن اعتقد لزوم الجزاء؛ فقد يُرَجِّحُ إرادته للملزوم ويحتمل ضرر لزوم الجزاء المكروه، وهو الذي يفعل المحلوف عليه وَإِنْ طُلِّقَت امرأته وعتق عبيده ولزمه الحج والصدقة إذا كان ممن يرى لزوم هذه الأيمان، وقد يترجح عنده كراهته للازم فَيَلَجُّ في يمينه ويصر عليها ولا يختار الحنث خوفًا من تلك اللوازم التي لا يختار لزومها؛ فالأول يلتزم ما يضره من اللوازم لرغبته فيما يحبه من الحنث، والثاني يمتنع مما يحبه من الحنث خوفًا أن يلزمه ما يضره من اللوازم.
فلا بُدَّ للحالف الذي يريد الحنث إذا لم تكن له كفارة (١) أَنْ يمتنع عما يريده خوفًا من لزوم ما يكرهه، إذا كان ما يريده لا يحصل إلا به، وأما على شرع خاتم الرسل ﷺ الذي فيه تكفير، فيمكنه مع الكفارة أَنْ يفعل ما يختاره من الحنث، ولا يلزمه ما يكرهه من المصائب التي التزمها.
стр. 991
فصلٌ
قوله: (والاعتلال بأنه لم يَقصد القربة يقتضي عدم صحة النذر لفوات شرطه، [ويترتَّبُ] (١) عليه أنه لا حث ولا منع لعدم اللزوم على هذا التقدير= فلم يبق إلا مجرد قصد الحث والمنع وأنه غير كافٍ في اليمين، كما لو قال: إِنْ فعلت كذا فأنا زانٍ أو عاصٍ لله تعالى) (٢).
فيقال: هذا كلامٌ صحيحٌ؛ وهو يناقض ما تقدم ذكره له غيرَ مرةٍ من أَنَّ الفرق بين تعليق الطلاق وتعليق الإعتاق والنذر: أنه لم يقصد القربة، بعد دعاوى ممتنعة بُيِّنَ فسادها؛ فثبت أَنَّ قصد اليمين غير مانع ــ يعني: من لزوم المعلق ــ، والمقتضي لوقوع الطلاق قائم باتفاق مِنَّا ومن الخصم ــ أعني: ابن تيمية ــ؛ فإنه يُسَلِّمُ تعليقَ الطلاق على الشرط، فيرتب عليه حكمه.
قال: (فإنْ قلتَ: هذا منتقضٌ بنذرِ اللجاج والغضب، فإنه إذا قال: إِنْ كلمتُ فلانًا فعليَّ المشيُ مثلًا، لا يجب عليه المشي عندكم وعند جمهور العلماء، مع كون التعليق مقتضيًا له، وإخراجه على وجه اللجاج والحلف غيرُ مانعٍ على ما قررتم.
قلت: الجواب [٢٦١/ ب] عنه من وجهين:
أحدهما: أَنَّ هاهنا مانعًا آخر غير مجرد اليمين، وهو: كون النذر لا يلزم إلا على وجه التبرر، فلم يكن المانع مُطْلَقَ كونِهِ حالفًا، بل خصوصُ ذلك
стр. 992
المعلق، وهو كونه نذرًا، وأنه لا يثبت إلا إذا قصد به الشخصُ الطاعةَ، فهذا التعليق على هذا الوجه الخاص مانع، ولا استحالة أن يكون الخاص مانعًا، والعام ليس بمانع.
وإنما خصصنا هذا باسم النذر دون الأول، لأنَّ المشروط في هذا التزام أمرٍ فهو وما أشبهه من باب النذر، ومسألتنا المشروط فيها ليس التزامًا وإنما هو حكم، فلم يدخل تحت هذا النذر ولم يشرط فيها القربة).
فيقال: قد تقدم الكلام على فساد هذا الفرق، وإنما المقصود هنا: أَنَّ المعترض وأمثاله معترفون بفساد ما يذكرونه من الفرق إذا رجعوا إلى فطرتهم السليمة، كما قال هنا رَادًّا على نفسه وموافقيه: (والاعتلال بأنه لم يقصد القربة يقتضي عدم صحة النذر لفوات شرطه)، وهذا كما قال: (وهم أوجبوا عليه كفارة يمين)، فلولا أَنَّ قصد اليمين هو المؤثر لما أوجبوا عليه كفارة يمين، ولو كان المؤثِّر في عدم لزوم النذر أنه لم يقصد القربة= لكان الواجب ألا يلزمه نذر ولا كفارة، وَتَرَتَّبَ على ذلك أنه (١) لم يؤكد الحض والمنع بأمرٍ يلزمه على ذلك التقدير، فلم يَبْقَ إلا مجرد قصد الحث والمنع من غير التزام أمر لازم على تقدير المخالفة.
وهذا معنى قوله: (وترتب عليه أنه لا حث ولا منع) ــ أي: أنه لم يبق هناك حث ولا منع ــ يلزمه الوفاء به، لأنه لم يلزم على تقدير عدمه لازم لا نذر ولا يمين، لم يبق إلا مجرد قصد الحث والمنع، ومجردُ ذلك لا يوجب كونه حالفًا يلزمه كفارة يمين، وإذا لم يلزمه بتقدير المخالفة شيء وَمَثَّلَهُ بقوله: إِنْ فعلتُ كذا فأنا زانٍ وسارقٌ، فإنه إذا فعله لا يصير زانيًا ولا سارقًا
стр. 993
ولا قاذفًا لنفسه بذلك، وكذلك لو قال: إِنْ فعلتُ كذا فأنا ولد زنا، أو إِنْ لم أفعل كذا لم أكن ابن فلان ونحو ذلك مما يُعَلِّقُ بالشرط ما يكره لزومه له، لكنه لا يلزم به حكم في الشرع، ولأنه قد عرف أنه لم يقصد الإقرار بهذه الأفعال على هذا [٢٦٢/ أ] التقدير، ولم يقصد الانتفاء من نَسَبِهِ مع أَنَّ الانتفاء لا (١) يصح ولو قصده، وهذا الإقرار لو كان حقًّا لم يكن فيه هَتْكُ حرمة.
وهذا ــ أيضًا ــ حجةٌ عليه وعلى أمثاله؛ يبيِّن الفرقَ بين التعليق الذي يقصد به لزوم ما علقه، وبين التعليق الذي لم يقصد فيه لزوم ما علقه، فإنه لو قال: إذا جاء رأس الشهر فلفلانٍ عليَّ ألف درهم، أو قيل: هل أخذتَ مالَ فلان الذي كان في بيته؟ فقال: انظروا؛ إِنْ كان في بيتي شيء فقد أخذته، أو قال: إِنْ كنتُ أعطيت فلانًا ألف درهم فأنا ضامنها لك ونحو ذلك= كان تعليقًا يقصد به لزوم ما علقه.
ولو قيل له: سافرْ معنا. فقال: إِنْ سافرتُ معكم كان لكم عليَّ ألف درهم لم يلزمه شيء، كما لو قال: إِنْ سافرتُ معكم أكون زانيًا أو سارقًا، فلو كان كل معلِّق قد قصد لزوم ما عَلَّقَهُ لكان ضامنًا في هذه الصورة، كما كان ضامنًا في الأخرى.
ولو قال بعض أهل السفينة إذا ثقلت عليهم لمن كان له فيها شيءٌ ثقيل كالرصاص والحديد ونحوه: إِنْ ألقيتَ متاعك في البحر فعليَّ ضمانه، أو أَلْقِ متاعك في البحر وعليَّ ضمانه، أو عليَّ الثمن الذي اشتريت به وهو ألف كان ضمانًا معلقًا بشرط.
ولو قال على وجه اليمين: إِنْ سافرتُ معكم كان لك عليَّ ألف درهم لم يكن هذا ضمانًا، وكذلك لو قال: إِنْ أَعتقتَ عبدَك عَنِّي فعليَّ قيمته، أو قال:
стр. 994
أعتقه عَنِّي وعليَّ ثمنه فأعتقه لزمه ثمنه، كان قد عَلَّقَ لزوم الثمن له على إعتاقه عنه ولزمه الثمن.
ولو قال: إِنْ سافرتُ معكم فعليَّ ثمنُ عبيدك لم يلزمه ذلك ولا شيءَ عليه، لأنه لم يقصد لزوم ذلك وإنما قصد اليمين، ولكن لم يلتزم عند الحنث ما فيه هتك حرمة إيمانه، فإنَّ ضمان الثمن حقٌّ لآدمي لو جحده لم يكن ذلك هتكًا لحرمة إيمانه، كقوله: أنا زان أو أنا سارق، فإنه إقرار بالذنب لا يوجب هتك حرمة إيمانه، بخلاف قوله: إِنْ فعلتُ فأنا يهودي أو نصراني ونحو ذلك، فإنَّ التزام هذا يوجبُ هتكَ حرمةِ إيمانِهِ، ولهذا لو قَصَدَ لزومه له كان كافرًا، وهناك لو قَصَدَهُ لكان ضامنًا أو مُقِرًّا، لكن جميع ذلك فيه معنى اليمين إِنْ فعلتُ كذا، كما لو عَلَّقَ دعاءه على [٢٦٢/ ب] نفسه بقوله: إن فعلت كذا فقطع الله يدي ونحو ذلك.
وهذا للعلماء في لزوم الكفارة له إذا حنث قولان: فطاووس ﵁ يوجب عليه الكفارة إذا حنث (١)، وهو لا يكون حانثًا في الحلف بالتعليقات إلا إذا وجد الشرط دون الجزاء، ولهذا لو حَلَفَ بالنذر فقال: إِنْ فعلتُ كذا فعليَّ الحج ومالي صدقة؛ متى التزم ما عَلَّقَهُ فحج وتصدق لم يكن عليه كفارة يمين.
وكذلك لو قال: إِنْ فعلت فأنا يهودي أو نصراني إذا قُدِّرَ أنه التزم الكفر وَرَضِيَ بأنْ يكون يهوديًا ونصرانيًا صار كافرًا مرتدًّا، ولم يؤمر ــ حينئذٍ ــ بكفارة، فإنَّ الكفارة وجبت لئلا يهتك حرمة إيمانه بالله، فإذا قَصَدَ الهتك
стр. 995
انهتك إيمانه فلم تنفعه الكفارة، بخلاف مَنْ جعله لازمًا له وهو يكره لزومه له، فإنَّ هذا هو الحالف.
وأما المعلِّق للنذر؛ فإنه إذا التزم ما عَلَّقَهُ وَفَّى بموجب عقده مع بقاء إيمانه، وَإِنْ لم يَفِ به فقد التزم لله على تقدير الحنث ما لم يَفِ بِهِ، وفي تَرْكِ الوفاءِ به هَتْكٌ لحرمةِ إيمانه بالله، فلزمته الكفارة على هذا التقدير إذا لم يقصد الهتك، ولو قصد الهتك بِأَلا يرى للالتزام لله ولا بالله حرمة فهو ــ أيضًا ــ كافر لا تنفعه الكفارة، كمن لا يرى للحلف بالله حرمة لاستهزائه بالله وآياته ورسوله ﷺ .
* * * *
стр. 996
فصلٌ
قال: (الثالثة: إن صاحب التهذيب (١) وجماعة قالوا: إذا كان النذر هنا مباحًا أنه يلزمه كفارة يمين بتركه. قال الرافعي في المحرر (٢): إنه لو نذر فعل مباح أو تركه لم يلزمه، لكن إِنْ خالفَ لَزِمَهُ كفارةُ يمين على المرجح في المذهب، وَصَرَّحَ صاحب التهذيب (٣) أنه إِنْ قال [لامرأته]: إِنْ دخلتِ الدار فلله عليَّ أَنْ أطلقك، فهو كقوله: إِنْ دخلتِ الدارَ فوالله لأطلقنَّك، حتى إذا مات أحدهما قبل التطليق لزمه كفارة يمين، فلو كانت اليمين هي جهة الامتناع لكان المحلوف عليه الدخول لا التطليق) (٤).
فيقال: هذه المسألة هي مذهب أحمد المنصوص عنه، وهو المشهور في مذهبه، فإنَّ مذهبه المشهور عنه القول المأثور [٢٦٣/ أ] عن الصحابة وأكثر السلف، كعمر وابن عمر وابن عباس وجابر وعمران بن حصين وسمرة بن جندب ﵃: أَنَّ النذرَ يمينٌ (٥)؛ فمن لم يفعل ما نذره فعليه كفارة يمين، كما قال النبي ﷺ : «كفارة النذر كفارة يمين» (٦) وسواء كان
стр. 997
المنذور مباحًا أو معصية أو طاعة، لكن إِنْ [كان] (١) طاعة وجب الوفاء بها، وَإِنْ كان معصية حرم ولزمته الكفارة، وَإِنْ كان مباحًا فهو مخيَّر كما يخيَّر لو حلف عليه، وعليه الكفارة إذا تركه. وفي الواجب وجهان: أصحهما أَنَّ عليه كفارة يمين إذا تركه مع ما عليه في تركه لو لم ينذره، فإنَّ النذر زاده توكيدًا.
وأما مذهب الشافعي ﵁ المنصوص عنه؛ فإنه لا شيء عليه في نذر المعصية والمباح، وهو رواية عن أحمد ﵁.
ولهذا كان قول الشافعي ﵁ أنه إذا نَذَرَ ذَبْحَ نفسِهِ أو ولده فلا شيء عليه، والجمهور يوجبون عليه إما كفارة يمين وإما الهدي، كما ثبت عن ابن عباس ﵄ (٢)، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد ومالك وغيرهم ﵃، وهو ثلاث روايات عن أحمد؛ أصحها: أنه إِنْ نَذَرَهُ كان عليه هدي، وَإِنْ حَلَفَ عليه أَجزأَه كفارة يمين، وعلى هذا تدل عامة نصوصه، والآثار المنقولة عن ابن عباس ﵄ توافقُ هذا.
وأبو حنيفةَ نَقَلَ عنه طائفة أَنَّ نذر المعصية فيه كفارة يمين، فالمباح بطريق الأولى، لكن الذي ذكره أصحابه أنه إِنْ كان مقصوده بالنذر اليمين، فعليه كفارة يمين، وهذا ــ والله أعلم ــ هو الذي قَصَدَهُ الخراسانيون من أصحاب الشافعي، وإلا فهو مخالفة صريحة لنصوص الشافعي.
فإذا كان المنذور مباحًا وقصده بالنذر اليمين، مثل أَنْ يقول الرجل: لله عليَّ أَنْ أطلق امرأتي أو أسافر من هذه المدينة أو آكل من هذا الطعام ونحو
стр. 998
ذلك، فإنَّ عامة هذا يَقْصِدُ به الناذر حَضَّ نفسه على الفعل، لا يقصد به التقرب إلى الله ــ تعالى ــ، فإنه يعلم أَنَّ هذا ليس بقربة، فيكون هذا بمنزلة قوله: والله لأطلقنَّ امرأتي أو لأسافرنَّ أو لآكلنَّ فيلزمه كفارة يمين بهذا الاعتبار، وهذا [٢٦٣/ ب] كلامٌ صحيح، وهو مذهب أحمد وأبي حنيفة وغيرهما.
فكذلك لو نَذَرَ المعصية يقصد بذلك اليمين، كما يقول: لله عليَّ أَنْ أقتل فلانًا، وَإِنْ أظفرني الله بفلان فلله عليَّ أَنْ أقتله ونحو ذلك، وهو لا يقصد التقرب بقتله، بل يَقصد حضَّ نفسه على القتل؛ كما قال [ ... ] (١):
فليتَ رجالًا منكِ قد نذروا [دمي] (٢)
وقال [ ... ] (٣):
والنَّاذِرِينَ إذا لَقِيتُهُمَا [دَمِي] (٤)
فنذر هؤلاء كان معناه معنى اليمين، لم يقصدوا بذلك التقرب إلى الله ــ تعالى ــ، فهذا فيه كفارة يمين.
وأما إذا قصد التقرب بالمباح أو المعصية إلى الله ــ تعالى ــ بأنْ يعتقد
стр. 999
ذلك قربة، مثل أَنْ يعتقد أَنَّ تطليق نساءه وترهُّبَهُ طاعة، أو يعتقد قتل نفسه قربة، أو يعتقد أَنَّ امتناعه من أكل الخبز وشرب الماء قربة وكلام الناس قربة، فيقول: لله عليَّ أَلا آكل خبزًا ولا أشرب ماء ولا أكلم في شهر رمضان أحدًا، أو لله عليَّ أَلا أستظل بظلٍّ ولا أغسل رأسي ونحو ذلك؛ فهذا في مذهب أحمد وأكثر السلف عليه كفارة يمين، وَإِنْ كان طائفةٌ من المصنفين في الخلاف كالقاضي وأصحابه يجعلون لزوم الكفارة في نذر المباح والمعصية من مفردات أحمد التي انفرد بها عن الفقهاء الثلاثة، فهو انفرد بعموم ذلك من غير تفصيل. ومذهب الشافعي المنصوص عنه أنه لا شيء عليه. وكذلك الذي ذكره أصحاب أبي حنيفة بأنه لم يقصد حَضَّ نفسه عليه حتى يُجعل يمينًا، بل التزمه ليتقرب بذلك إلى الله، والله ــ تعالى ــ لم يأمره بهذا، وأولئك يقولون: بل التزامه لله إذا لم يُوف به أبلغ من التزامِهِ بالله، وهو إذا قصد اليمين فإنما تكلم بصيغة الالتزام لله، فصار بذلك حالفًا، وكونُهُ فعلًا لله زاده توكيدًا، فإنَّ هذا موجب الفعل إذا صادف محلًّا، وإنما لم يوجبه هنا لأنَّ الله ــ سبحانه ــ لا يوجب معصية ولا مباحًا.
وأما المعنى الموجب للكفارة في النذر الذي يقصد به اليمين، فهو موجود في هذا النذر وزيادة، فلا معنى لإسقاط الكفارة عن هذا.
فصلٌ
وهذه المسائل حجة لمحل النزاع؛ فإنه إذا قال لامرأته: إِنْ دخلتِ الدارَ فلله عليَّ أَنْ أُطلقك [٢٦٤/ أ] لزمته الكفارة في مذهب أحمد، وقد نَصَّ أحمد على ذلك وأبو حنيفة وغيرهما، وهو المرجَّحُ في مذهب الشافعي،
стр. 1000
كما ذكره هؤلاء الخراسانيون، كما لو قال: إِنْ دخلتِ الدارَ فوالله لأطلقنَّك، وهنا التزم أن يطلقها عند الصفة، والطلاق لم يلزمه لكونه ليس بقربة يجب بالنذر، ولزمته الكفارة لأنه نَذَرَ الطلاقَ ولم يفعله، أو لأنه نذره على وجه اليمين ولم يفعله، فهو كما لو قال: إِنْ فعلت كذا فلله عليَّ أن أعتق عبدي فهذا نذرُ يمين عليه فيه كفارة يمين، وإذا قال: إِنْ سافرتُ معكم فامرأتي طالق وعبدي حر قصده ــ أيضًا ــ اليمين، لا يريد الطلاق والعتاق عند الصفة، كما أنه هناك لا يريد وجوب الطلاق عند الصفة، وإنما جعله واجبًا عند الشرط ليمتنع بذلك من فعل الشرط، ولذلك هنا إنما جعل العتق والطلاق واقعًا عند الشرط ليمتنع بذلك من فعل الشرط، لا ليقع عند الشرط، فالمعلَّق هنا وقوعه وهناك وجوبه، وهو لم يقصد الوجوب ولا الوقوع.
فإنْ قيل: لو نذره بقصد اليمين لزمته الكفارة، ولم يجب إذا قال: لله عليَّ أَنْ أُطَلِّقَ امرأتي؛ فلذلك لزمه عند التعليق، وإذا نَجَّزَ الطلاق وقع، فكذلك يلزمه إذا عَلَّقَهُ.
قيل: لأنه إذا نذره بقصد الحض كان حالفًا. فقوله: عليَّ أَنْ أطلقك، كقوله: والله لأطلقنَّك، واليمين لا توجب فعل المحلوف عليه، بل له أَنْ يحنث ويكفر إذا نَجَّزَهُ قَصْدَ إيقاعه، فكذلك إذا عَلَّقَهُ بقصد إيقاعه عند الشرط وَقَعَ كما يقع منجزًا، فما (١) يقع منجزًا يقع معلقًا إذا قصد إيقاعه عند الصفة.
وأما إذا قصد اليمين عند التعليق فهو لم يقصد وقوعه كما لم يقصد الوجوب إذا قال: إِنْ فعلت فعليَّ الحجُّ، ولم يقصد وجوبه إذا قال: إِنْ فعلتُ
стр. 1001
فعليَّ أَنْ أطلقك، فهنا لم يقصد وجوب الطلاق، ولو قَصَدَهُ لم يلزمه، بل عليه كفارة، وفيما إذا قال: لله عليَّ أَنْ أطلقك قصد لزومه له، لكن لا يلزم بل تجزئه الكفارة، ففيما إذا علق وجوبه بمانعان (١) يمنعان من الوقوع، وإذا أوجبه بالنذر فالمانع واحد، وإذا عَلَّقَهُ بقصد اليمين فالمانع واحد، فقصد التبرر مانع وقصد النذر مانع [٢٦٤/ ب] وإذا حَلَفَ بنذره صار مانعان، فإذا كان قصده اليمين فهو لم يقصد إيقاعه، كما لم يقصد في نذر اليمين وجوبَ ما عَلَّقَهُ، بل جعل ذلك لازمًا له للحض أو المنع على الفعل، كما جعل وجوب الطلاق لازمًا له، [وهو لم يقصد إيجابه عند الشرط، بخلاف ما إذا حلف ليفعلنَّه بصيغة النذر] (٢) أو غيرها، كقوله: لله عليَّ أَنْ أطلقك، أو والله لأطلقنَّك؛ فهنا قَصْدُهُ حَضَّ نفسه على الطلاق وَجَعَلَهُ لازمًا له، واليمين تقتضي إما الحنث والتكفير، وإما فعل المحلوف عليه.
وأَمَّا إذا عَلَّقَ وجوبه على فعل أو ترك، كما يعلق وجوب العبادات كقوله: إِنْ فعلت كذا فلله عليَّ أَنْ أطلق امرأتي أو فوالله لأطلقنَّك، وهذا كقوله: لله عليَّ أَنْ أحج، أو فوالله لأحجنَّ؛ فهنا (٣) لم يقصد حَضَّ نفسه على الطلاق، ولا قَصَدَ أَنْ يطلِّق لله، فلا قصد الحلف عليه مطلقًا ولا نذره، وإنما جَعَلَ الحَلِفَ عليه أو نَذْرَهُ لازمًا له إذا حنث، كما جَعَلَ الحلف على العبادات أو نَذْرَهَا لازمًا له إذا حَنثَ في مثل قوله: إِنْ فعلتُ كذا فلله عليَّ ثلاثونَ حجة،
стр. 1002
أو فوالله لأحجنَّ ثلاثين حجة؛ فهذا تعليقٌ للنذر واليمين على وجه اليمين، وهو متضمن يمينًا في يمين.
فقوله: إِنْ سافرتُ معكم فوالله لأحجنَّ ثلاثين حجة تضمَّنَ يمينَين، يمينًا أنه لا يسافر، ويمينًا أنه إِنْ سافر ليحجنَّ، وهكذا سائر التعليقات التي يقصد بها اليمين، وَإِنْ كان المعلَّق نذرًا أو تطليقًا أو ظهارًا أو تحريمًا إذا قال: إِنْ سافرت معكم فعليَّ الحج أو فعليَّ الطلاق أو فامرأتي عليَّ كظهر أمي ونحو ذلك= فهو يشبه قوله: فوالله لأحجنَّ أو لأطلقنَّ أو لأظاهرنَّ، لكن هناك المعلق نفس النذر والطلاق والعتاق، وهنا (١) المعلق الحلف على فعل ذلك، ومقصوده في الموضعين الحض أو المنع من الفعل، والنذر حَلْفَةٌ؛ فصار هذا التعليق متضمنًا يمينين، ولهذا صار فيهما حنثان حنثٌ بوجود الشرط؛ موجبه إما الكفارة وإما وجود الجزاء، وحنث ثانٍ بوجود الشرط وبعدم الجزاء، وهذا الحنث هو الموجب للكفارة عينًا كما أَنَّ قوله: إِنْ سافرت فوالله لأطلقنَّك في هذا الشهر أو عليَّ أَنْ أطلقك في هذا [٢٦٥/ أ] الشهر؛ فيه حنثان: حنثٌ إذا سافر موجبه أن يطلقها أو يكفِّر، والحنث الثاني إذا سافر ولم يطلقها في ذلك الشهر؛ فموجب هذا الحنث الكفارة عينًا.
فهكذا الكلام في سائر التعليقات التي يقصد بها اليمين، وَمَنْ فَهِمَ هذا تبين له حقيقة الأمر، وَمِنْ أينَ غَلِطَ من فهم بعض صفاتها دون بعض، والمعترض قد لحظ ما ذكرته، وقد أحسن في ذلك، وهو من أجود ما ذكره من المعاني في هذا الاعتراض، لكنه هابه ولم يحقِقْهُ، وهو ينقض سائر اعتراضاته على المجيب، ومن فهم ذلك عرف حقيقة المسألة.
стр. 1003
فصلٌ
ولهذا قال المعترض: (فلو كانت اليمين هي جهة الامتناع لكان المحلوف عليه الدخول لا التطليق، وبهذا يتضح التخيير؛ بمعنى (١) أَنَّا نقول للناذر: إِنْ أتيت بالمنذور فقد وَفَّيت بالتزامك، وإلا فالكفارة تَسُدُّ مَسَدَّهُ) (٢).
وقد صَدَقَ في قوله: (لو كانت اليمين هي جهة الامتناع كان المحلوف عليه هو الدخول)، وأخطأ في ظَنِّهِ أَنَّ المحلوف عليه التطليق وحده؛ بل الصواب أَنَّ كليهما (٣) محلوفٌ عليه، وهذا يَنقض ما يقوله غيرَ مرة من أَنَّ اليمين هي يمين لكونه منع نفسه من الفعل، فهو تارة يجعل جهة اليمين المنع من الفعل، وتارة يجعل جهة اليمين التزام الفعل الثاني؛ وكلاهما خطأ، بل جهة اليمين تتضمن حضًّا على الفعل الأول ومنعًا منه، ويلتزم فيها ما يكره لزومه له؛ فهي يمينٌ لاجتماعِ الأمرين فيها.
وقوله: إِنْ فعلت فوالله لأطلقنَّك في معنى يمينين في يمين، فالدخول محلوفٌ عليه ألا يكون، وقد حلف عليه بيمين أخرى تلزم إذا حنث، والطلاق محلوفٌ عليه أَنْ يكون إذا كان الدخول، وقد التزم إذا لم يطلقها ما يكرهه من الحنث، فهو حالفٌ يمينًا يحضُّ بها نفسه على الفعل بتقدير وجود فعل يمنع نفسه منه، فهو مانعٌ نفسه من الفعل الأول، ملتزم باليمين الثانية إذا فعله أَنْ يفعل الفعل الثاني، وسواء في ذلك أَنْ قال: إِنْ دخلتُ الدارَ فوالله لأطلقنَّك، أو فلله عليَّ أَنْ أطلقك، أو فَنَذْرٌ عليَّ أَنْ أطلقك ونحو ذلك؛ فمتى
стр. 1004
فعل الأول كان حالفًا ليطلقها، فإنْ لم يطلقها مع وجود الفعل الأول لزمته كفارة في مذهب أحمد المنصوص المشهور عنه، وهو مذهب أبي حنيفة، وهو الذي [٢٦٥/ ب] ذَكَرَهُ الخراسانيون مذهبًا للشافعي، ولم أجد عنه نَصًّا يخالفهم؛ فإنَّ نَصَّهُ على أَنَّ نذر المعصية والمباح لا كفارة فيه، إنما يتضمن إذا كان نذرًا محضًا بخلاف ما إذا قصد به اليمين، بل قد وجد عنه ما يوافقهم فإنه نَصَّ على ما إذا قال: إِنْ فعلتُ كذا فعليَّ نذر أَنَّ عليه كفارة يمين، مع قوله فيمن قال: عليَّ نذر لا شيء عليه، وهنا إذا وجد الشرط قلنا له: أنت مخير بين أَنْ تحنث في اليمين الثانية وتكفِّر، وبين أَنْ تفعل ما حلفت عليه من الطلاق.
كما نقول له في نذر اللجاج والغضب: أنت مخير إذا وجد الشرط بين أَنْ تحنث في اليمين الثانية بتكفير، وبين أَنْ تفعل ما التزمته من العبادات، لكن لَمَّا كانت هذه العبادات لم يقصد التزامها لله ولا يفعلها لقصد التقرب بها إلى الله ــ تعالى ــ، بل لاعتقاده أنها لازمة؛ لهذا أَمَرَهُ السلف والأئمة بالتكفير ولم يخيروه كما خَيَّرَهُ طائفةٌ من المتأخرين من أصحاب الشافعي وأحمد، وَظَنَّ طائفةٌ أخرى أن الكفارة لازمة وإِنْ فعل ما التزمه وهذا ضعيفٌ جدًّا.
فصلٌ
وأما قول المعترض: (وبهذا يتضح التخيير؛ بمعنى أَنَّا نقول للناذر: إِنْ أتيت بالمنذور فقد وَفَّيْتَ بالتزامك، وإلا فالكفارة تَسُدُّ مَسَدَّهُ) فهذا الكلام خطأ؛ وهو مبنيٌ على أصلين فاسدين:
أحدهما: أنه ناذرٌ حقيقة، والثاني: أَنَّ الناذر الملتزم تسد الكفارة مَسَدَّ نَذْرِهِ إذا لم يُوفِ به، وأنه يخيَّر بين الوفاء وبين التكفير مع كونه ناذرًا حقيقة.
стр. 1005
وهذا الأصل الثاني فاسدٌ مخالفٌ للكتاب والسنة وإجماع الأئمة وسائر علماء الأمة المعروفين (١)، فإنَّ الخلاف الذي حكاه بعض المتأخرين عن بعض أهل الحديث من أَنَّ كلَّ ناذرٍ يخير بين الوفاء والتكفير قولٌ باطلٌ، لا يُعرف به قائل معروف، وقد حكوه عن أحمد، وهو خطأ على أحمد، ونصوصُ أحمد وأصحابه المتواترة على وجوب الوفاء بالنذر، وأنه ليس لكل ناذر أَنْ يمتنع من الوفاء ويكفر كما له مثل ذلك في اليمين= أشهرُ وأكثر من أَنْ يمكن ذكرها هنا.
ولكن أحمد يقول ما قاله جمهور السلف من أَنَّ كُلَّ مَنْ لم يُوفِ [٢٦٦/أ] بنذره، لا بالمنذور ولا ببدله الشرعي فعليه كفارة يمين، لكن لا يجوز له أَنْ يترك الوفاء بالنذر ويُكفِّر كما يجوز للحالف على فعل مباح أَنْ يترك ما حَلَفَ عليه ويكفر، بل أحمد مذهبه مذهب سائر علماء المسلمين أَنَّ نذر الطاعة يجب الوفاء به كما دَلَّ عليه الكتاب والسنة.
ولو قُدِّرَ أَنَّ قائلًا قال هذا القول؛ فهذا مخالفٌ للكتاب والسنة ولإجماع السلف، ولمذاهب سائر علماء المسلمين المعروفين الأربعة وغير الأربعة.
ولو قُدِّرَ أنه مذهبٌ سائغٌ؛ فالكلام هنا مع من يُسَلِّم وجوبَ الوفاء بنذر التبرر مع أنه ملتزم فيه، كما هو ملتزمٌ في نَذْرِ اللجاج والغضب، فلو كان في كليهما (٢) ناذر حقيقة وهو في كليهما قاصد (٣) للزوم الجزاء عند الشرط= لكان الواجب التكفير فيهما، وليس الأمر كذلك؛ فإنَّ الكفارة لا تَسُدُّ مَسَدَّ
стр. 1006
الالتزام الواجب بالنذر مع قدرته عليه.
ولكن الفرق: أَنَّ هذا ليس بناذر حقيقة، بل هو ملتزم كما أَنَّ الناذر ملتزم، لكنَّ الناذر قَصَدَ أَنْ يلتزم الجزاء إذا وجد الشرط، وهذا لم يقصد أَنْ يلزمه الجزاء سواء وجد الشرط أو لم يوجد الشرط، ولكن التزمه ليمتنع بالتزامه مِنْ فعل الشرط، فإنه امتنع من فعل الشرط فجعل هذا الجزاء لازمًا له على تقديرٍ وهو كارهٌ للزوم الجزاء، فالتزم ما لا يُريدُ أَنْ يلزمه على ذلك التقدير، ليكون لزومه له على ذلك التقدير مانعًا له من ذلك التقدير لا لأنْ يَلزَمَهُ على التقدير، فهو ونذر التبرر يشتركان في الالتزام بمعنى أنه جعل الجزاء لازمًا له على تقدير الشرط في الموضعين، لكنْ هو في أحدهما يُريدُ الشرط ويريد لزوم ما جعله لازمًا إذا وجد الشرط، وفي الآخر يَكره الشرط ويكره لزوم ما جعله لازمًا له وَإِنْ وجد الشرط؛ فهو في نذر اليمين كارهٌ للشرط وللجزاء، وهو للجزاءِ أشد كراهةً وأدوم كراهة= فجعل هذا المكروه الأعلى لازمًا للمكروه الأدنى ليمنع ملزوم الأعلى من الأدنى، أو لِيَحُضَّ ملزوم الأعلى على الأدنى.
وفي نذر التبرر هو مريدٌ للشرط إرادةً تامةً، وَعَلَّقَ به الجزاء إما شكرًا لنعمة الله ــ تعالى ــ عليه إذا وجد الشرط، وإما لاعتقاده [٢٦٦/ ب] أَنَّ التزامه للجزاء سببٌ لوجود الشرط= فصار مريدًا للجزاء إذا وجد الشرط، ولا يريده بدون الشرط، وهو مريدٌ للشرط أقوى من إرادةِ الجزاء؛ فهنا كلاهما مراد، لكنَّ الجزاء مراد على تقدير الشرط تبعًا لوجوده، كما يريد البائع أداء الثمن إذا حصل له المبيع، وأما الشرط فمراد (١) أصلًا واستقلالًا. وأما في نذر
стр. 1007
اليمين فكلاهما غير مراد بل مكروه له، وهو ممتنع منهما، ولكن هو للجزاء أشد وأدوم كراهة منه للشرط، ولكن علقه بالشرط وجعله لازمًا له ليكون لزوم الجزاء المكروه مانعًا وزاجرًا وناهيًا عن فعل الشرط، فهو كارهٌ للجزاء ممتنع منه كراهةً تامةً ثابتةً، وَعَلَّقَهُ بما هو مكروهٌ له كراهةً عارضةً خفيفةً.
والمكروه يهرب منه الناس ويدفعه عن نفسه ويُقْصيه، فيكون كلما هرب من هذا المكروه الأعلى دفعه عنه وأقصاه صار هاربًا من ملزومه وهو الشرط، وصار الشرط مدفوعًا عنه بعيدًا منه، فَقَصْدُهُ إبعادُ هذا الشرط وإقصاؤه، لكونه (١) مستلزمًا لذلك الذي هو أشد بعدًا منه، وأقوى بُعدًا منه؛ فإنَّ موجب التعليق أنه إذا وجد الملزوم وهو الشرط المكروه وجد لازمه وهو الجزاء الذي كراهته أقوى وأدوم، وهذا بعيدٌ قصي، وإذا انتفى اللازم ــ وهو الجزاء ــ انتفى الملزوم ــ وهو الشرط ــ؛ فكلاهما مقصي عنده بعيد منه مكروه له منتفٍ في إرادته، لم يرد الأول ولا الثاني وإن وجد الأول.
كمن غضب على بعض أصحابه وأراد إبعاده عنه، فَسَلَّمَهُ إلى عدوه الذي أشد كراهة له منه، فاستولى عليه ذلك العدو، ولم يَبْقَ تخليصُهُ ممكنًا إلا بمجيءِ عدوه إليه مثل أَنْ يكون قد ارتدَّ عندهم وصاروا يَنْصُرُونَهُ، فلو طُلِبَ قدومه لم يقدم إلا ومعه الكفار، وهو لا يختار قدوم الكفار المحاربين إلى بلاد الإسلام واستيلاءهم عليها أبدًا، لكن قد يكون قد رضي عن صاحبه وأحبَّ أَنْ يتخلص من أيدي الكفر فيهاجر إليه بدون الكفار، وقد تَعَذَّرَ ذلك للزومهم إياه وتعلقهم به، فلم يبق يمكن وجود هذا الملزوم المحبوب المراد بعد أن كان بغيضًا [٢٦٧/ أ] مكروهًا إلا بهذا المكروه
стр. 1008
البغيض الذي لم يزل مكروهًا بغيضًا، وبغضُهُ وكراهتُهُ أقوى وأبقى.
فهكذا الحالف عَرَضَ له بُغْضٌ لبعضِ الأمور فأراد مَنْعَ نفسِهِ أو غيرِهِ منه فجعلَ له لازمًا هو له أعظم بغضًا، وهو منه أعظم امتناعًا، ثم قد يزول بغضه لذلك الأول ويحبه ويريده، لكن إذا وجد وجد هذا البغيض الثاني الذي بغضه أقوى وأبقى، ووجود هذا لا سبيل إليه، فإنْ كانت اليمين لا كفارة فيها لم يبقَ له سبيل إلى ذلك الفعل الذي يريده إلا بوجود هذا البغيض، وَإِنْ كانت له كفارة حَلَّلَتْ هذا العقد فأمكنه أَنْ يفعل الأول فيكونُ بمنزلةِ مَنْ خَلَّصَ أسيره من عدوه بديةٍ يدفعها إليهم.
وهكذا إذا قال: إِنْ فعلتُ كذا فنسائي طوالق وعبيدي أحرار، فهو مانعٌ لنفسه من الفعل، وجاعلٌ عتقَ (١) عبيدِهِ وطلاقَ نسائِهِ لازمًا له على تقدير الفعل، وهو تقديرٌ يريدُ انتفاءه، لكن إرادة انتفائه عارضةٌ له، فإذا صار بعد ذلك مريدًا للفعل لا لانتفائه= لم يمكنه ذلك إذا كان التعليق لازمًا لا تحلة له إلا بوجود اللازم الذي هو مكروهٌ له، سواءٌ أرادَ الفعل الأول أو لم يرده، فإنه على التقديرين لا يريد هذا الجزاء اللازم البتة، بل يكرهُهُ غايةَ الكراهة، ويمتنعُ منه غايةَ الامتناع، وإنما جعله لازمًا ليمتنع بامتناعه منه الشرط الملزوم المكروه، لا ليوجد إذا وجد الشرط المكروه، وهذا بخلاف ما إذا قَصَدَ الطلاق عند الشرط المكروه، فقال: إِنْ فعلتِ كذا فأنتِ طالق، وهو يريد طلاقها عند الشرط؛ فهذا قاصدٌ لطلاقها عند الشرط، لكن إيقاعًا لا حلفًا عليها.
وإذا قال: إِنْ فعلتِ كذا فوالله لأطلقنَّك؛ فهو قاصدٌ لأنْ يحدث عليها
стр. 1009
طلاقًا، كما إذا قال: إِنْ فعلتِ لأطلقنَّك لكنه وَكَّدَهُ بالقَسَم.
وفي قوله: إِنْ فعلتِ فأنتِ طالقٌ مع قصده= لم يجعل الجزاء التزام إنشاء الطلاق، بل جَعَلَ الجزاءَ نَفْسَ وقوعِ الطلاق، فكان الذي التزمه هنا: وقوعُ الطلاقِ بهذا الإيقاع [٢٦٧/ ب] الذي عَلَّقَهُ بالشرط، وهناك التزم إذا وجد الشرط أَنْ يحدث إيقاعًا آخر غير هذا الإيقاع المعلق، فكان هذا من جنس نذر الطلاق والحلف ليطلقنَّ، وذلك من جنس إيقاعه إذا قَصَدَ إيقاعَهُ عند الشرط، وأما إذا كان كارهًا لوقوعه على التقديرين وإنما عَلَّقَهُ لمجرد المنع من الفعل لا لقصد إيقاعه عند الشرط= فهذا هو الحالف.
وَ مَنْ فَهِمَ هذه الأقسام وَتَصَوَّرَ الفروق بينها= تبين له حقيقة الفروق المؤثرة التي عَلَّقَ الشارعُ بها الأحكام ، وَعَلِمَ أَنَّ مَنْ سَوَّى بين مَنْ قَصَدَ اليمين وَمَنْ قَصَدَ الإيقاع= فقولُهُ من جنس القياس الفاسد، المتضمن للجمع بين ما فَرَّقَ الله بينه، والفرق بينَ ما جَمَعَ الله بينه؛ كقياس الذين ﴿قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] بل ظهور الفرق بين قاصد اليمين وقاصد الإيقاع أظهر لعقول الناس من الفرق بين البيع وبين كثيرٍ من صور الربا، لخفاءِ المفسدة التي حَرَّمَ الشارعُ لأجلها الربا في كثير من الصور، حتى اشتبه كثيرٌ من أبواب الربا عند كثيرٍ من السلف والخلف؛ فهذا لا يحرم شيئًا من ربا الفضل، وهذا لا يحرم إلا الأصناف الستة، وهذا يجعل المناط التماثل ــ وهو يعرف بالتقدير بالكيل أو الوزن ــ، وهذا يجعل المناط الطعم، وهذا يجعل المناط كليهما (١) ــ وهو أقرب من هذا ــ فيجعل المناط
стр. 1010
الاقتيات وما يصلحه (١)، ثم النزاع في الفروع ــ فروع الأجناس ــ مما يطول وصفه هنا.
والمعنى الذي لأجله جَمَعَ الشارعُ وَفَرَّقَ خفيَ هناك في كثيرٍ من الصور على أكابر العلماء، وأما الفَرْقُ بين التعليق الذي يقصد به اليمين والذي يقصد به الإيقاع؛ فهو أَمْرٌ يعرفه عامةُ الناس وخاصتهم، لأنه أمرٌ يجدونه من نفوسهم، ويعرفونه من قلوبهم (٢).
* * * *
стр. 1011
فصلٌ
قال المعترض:
(بقي هاهنا ارتباكة أخرى؛ وهي: أَنَّ كلام الأصحاب وغيرهم من القائلين بالتخيير بينه وبين ما رمزنا إليه بعض المباينة، فإنهم يجعلون الفعل الذي امتنع عليه (١) بمنزلة الحنث، وأنه موجب إما الكفارة [٢٦٨/ أ] وإما الوفاء، وما رمزنا إليه يقتضي أَنَّ الفعل موجب للزوم الوفاء كما التزمه، وجعل له الشرع طريقًا إلى الخروج عن ذلك الالتزام بالتكفير، كما جعل له طريقًا إلى مخالفة اليمين بالتكفير؛ كيف وقد أشرنا إلى أَنَّ فعلَ الملتزم بمنزلة الوفاء باليمين وكأنه لم يحنث، وَتَرْكُهُ بمنزلة الحنث) (٢).
والجواب: أَنَّ هذا اعترافٌ من المعترض بأنَّ قولَهُ وقولَ الموافقين له قولٌ يوجبُ وقوعَ قائِلِهِ في ارتباكة بعد ارتباكة، وهذا قاله بعد البحث التام وما سَلَكَهُ من (التحقيق في التعليق) كما سَمَّى بذلك مُصَنَّفَهُ، وَدَقَّقَ فيه من المعاني، وَذَكَرَ فيه من الآثار وأَتَى فيه من النقل والبحث بما بَرَّزَ به على غيره، وهو مع هذا لمَّا تأمل حقيقة ما يقولونه تبيَّنَ له ما في ذلك من ارتباكة بعد ارتباكة، وهذا شأن كُلِّ قولٍ مخالفٍ للكتاب والسنة، مَنْ نَظَرَ فيه حَقَّ النظر= تبين له أنه قولٌ مختلف يرتبك صاحبه ارتباكًا يجمع فيه بين الحقائق المتباينة، وَيُفَرِّقُ فيه بين المتماثلة.
وقوله: (وبقي هنا ارتباكةٌ أخرى؛ وهي: أَنَّ كلام الأصحاب وغيرهم من
стр. 1012
القائلين بالتخيير بينه وبين ما رمزنا إليه بعض المباينة، فإنهم يجعلون الفعل الذي امتنع عليه بمنزله الحنث، وأنه يوجب إما الكفارة وإما الوفاء، وما رمزنا إليه يقتضي أَنَّ الفعل موجب للزوم الوفاء كما التزمه، وجعل له الشارع طريقًا إلى الخروج عن ذلك الالتزام بالتكفير، كما جعل له طريقًا إلى مخالفة اليمين بالتكفير؛ كيف وقد أشرنا إلى فعل الملتزم بمنزلة الوفاء باليمين وكأنه لم يحنث، وَتَرْكُهُ بمنزلة الحنث).
فيقال له: لا ريب في الفَرْقِ بين ما ذكره الأصحاب وبين ما ذكرتَهُ، وليس ما ذكرتَهُ رمزًا (١) بل كلامًا بَيِّنًا معقولًا، وما ذكرتَهُ فيه بعض الحق وما ذكره الأصحاب فيه بعض الحق، وما ذكرتَهُ أَنْتَ لو وَفَّيْتَ بموجبه لكان أقرب إلى الحق؛ وذلك أَنَّا قد ذكرنا أَنَّ قوله: إِنْ فعلتُ كذا فلله عليَّ أَنْ أُعتق بمنزلة قوله: فوالله لأعتقنَّ، وَأَنَّ هذا يمين تضمنت يمينين، تضمنت امتناعَهُ من الفعل كما يمتنع غيره من الحالفين، وتضمن أنه إذا حنث بفعله [٢٦٨/ب] ذلك الفعل فقد لزمته يمين أخرى، وهو حلفه ليعتقنَّ عبده.
والإنسان إذا حلف ليفعلنَّ فعلًا عند وجود فعل آخر يكرهه كقوله: والله لئن عصيتِنِي لأطلقنَّكِ، أو إِنْ خرجتِ من داري أو خاصمت أمي فوالله لأطلقنك، أو فلله عليَّ أَنْ أطلقك، أو فنذرٌ عليَّ أَنْ أطلقك، أو قوله: إِنْ فعلتِ كذا فوالله لأضربنَّكِ، أو فوالله لأفارقنَّك ونحو ذلك مما يعقده من الأيمان على تقدير الفعل الذي يكرهه= قصده بهذه الأيمان مَنْعَ غيره (٢) من ذلك الفعل الأول، ثم قد يكون مريدًا لأن يفعل ما حلف عليه إذا وجد الفعل
стр. 1013
الأول، وقد لا يكون مريدًا بل يكون كارهًا لذلك الفعل الثاني الذي حلف عليه، سواء وجد الفعل أو لم يوجد، لكن إذا كان يعتقد لزوم الجزاء كمن يعتقد أَنَّ نذرَ اليمين لازم، وكما قيل: إنهم كانوا يعتقدون في شرع من قبلنا وصدر الإسلام: أن اليمين تُوجب وتُحَرِّم؛ فهنا يعتقد أنه إذا فعل الأول لزمه الثاني، وَإِنْ كان كارهًا للزومه له، كما يلزمه وَإِنْ لم يكن كارهًا للزومه له.
والإنسان قد يقول لامرأته: إِنْ فعلتِ كذا فوالله لأطلقنَّك أو لأضربنَّك، وهو يريد طلاقها وضربها إذا عصته، وقد يقول ذلك وهو لا يريد لا تطليقها ولا ضربها وإن فعلت ذلك، بل حلف ليفعلنَّه إِنْ فعلت، مريدًا نهيها عن الأول، معتقدًا أنها لا تخالفه، ولو عَلِمَ أنها تخالفه لم يحلف إذا خالفته أَنْ يفعل هذا، وقد يكون مريدًا إذا خالفته أَنْ يفعل هذا الثاني؛ وإذا عُرِفَ هذا الفرق فيما إذا كان المعلق يمينًا= فكذلك إذا كان المعلق نذرًا أو طلاقًا.
[فهو إذا قال] (١) وتصير الأقسام المعلقة بصيغة النذر مع كونها نوعين:
أحدهما: نذر التبرر ؛ وهو ظاهر أَنْ يكون مقصودُهُ وجودَ الشرطِ، ووجودُ الجزاءِ عنده ضمنًا وتبعًا.
والثاني: نذر اليمين؛ فهذا على وجهين: فإنه تارة يكون يمينًا، وتارة يكون نذرًا، لكن نذرًا قَصَدَ به منع نفسه من الأول، فيكون في معنى اليمين ــ أيضًا ــ لكونه لم يَقصد لزومه له على تقدير الأول، فإنه إذا قال: لله عليَّ أَنْ أحج؛ قد يقصد حَضَّ نفسه فقط لغرضٍ له في الحج؛ إما مباحٍ كتجارة أو [٢٦٩/ أ] غير مباح، وقد يقصد التقرب إلى الله ــ تعالى ــ بالحج المنذور؛
стр. 1014
فهذا الثاني ناذر والأول حالف.
فإذا حلف بصيغة النذر فقال: إِنْ فعلتم بي كذا فلله عليَّ أَنْ أَحُجَّ وأفارقكم، أو فلله عليَّ أَنْ أَخْرُجَ من مالي وأصير فقيرًا، أو فلله عليَّ أَنْ أطلق بنتكم، أو فنذرٌ عليَّ أن أقتل فلانًا أو أطلق فلانة ونحو ذلك= فهنا إنما حَلَفَ يمينًا على تقدير الفعل، كما لو قال: إِنْ فعلتم فوالله لأفعلنَّ؛ وهنا سواء كان قصده وجود ما حلف عليه إذا وجد الشرط أو لم يكن مقصوده وجوده؛ على التقديرين هو حالف يكفر يمينه.
وأبو حنيفة يُسَلِّمُ أنه في مثل هذا عليه كفارة يمين مع قوله: (إن في نذر اللجاج والغضب الوفاء)؛ فإنَّ هذا لو لم يكن معلَّقًا عنده أجزأت فيه الكفارة، فإذا كان معلقًا كان أولى.
والثاني: أَنْ يُعَلِّقَ لله ما يلزم الوفاء به إذا نذره، لكن لم يقصد أَنْ يكون لازمًا له لا لله ولا لغير الله، كما لو حلف ليفعلنَّه وهو لا يريد أَنْ يفعله، فصار حالفًا بالله على ذلك؛ فهو فيما قبله لم يقصد عند وجود الفعل الأول إلا حَضَّ نفسه ومنعها من الفعل (١) الثاني، لم يقصد أَنْ يلتزم شيئًا لله.
فلا فَرْقَ بين قوله: إِنْ فعلتم فلله عليَّ أَنْ أُطَلِّقَهَا، وبين قوله: فوالله لأطلقنَّها؛ كلاهما لم يقصد أَنْ يلتزم شيئًا لله، وإنما يقصد أَنْ يَحُضَّ نفسه على الطلاق؛ وإذا كان هذا المعنى قَصْدُهُ فسواء قال: والله لأطلقنها، أو قال: لله عليَّ أَنْ أُطَلِّقَهَا (٢)؛ فلهذا يقول هنا بإجزاء الكفارة أو لزومها مَنْ لا يقول
стр. 1015
به (١)، إذ كان قد التزم لله ما يلزم بالنذر على ذلك التقدير، مثل أَنْ يقول: إِنْ فعلتُ كذا فعليَّ الحجُّ أو فمالي صدقة، فإنه هنا ليس قصده أَنْ يحضَّ نفسَهُ على الحج والصدقة على ذلك التقدير، بل قَصْدُهُ أَنْ يجعله واجبًا لله على ذلك التقدير، ولكن لم يقصد إيجابه لله، بل هو كاره لإيجابه ووجوبه، وَعَلَّقَهُ بالفعل الأول ليمنع الأول لامتناعه من التزام هذا الإيجاب، فلما التزم عند الشرط ما يكره لزومه له كان يمينًا بهذا الاعتبار، فلم يكن هذا المعلَّق يمينًا إلا مع الشرط، ولو تجرد لم يكن يمينًا، بل لم يكن إلا نذرًا محضًا بخلاف النوع [٢٦٩/ ب] الأول، فإنَّ المعلَّق فيه لو انفرد عن الأول لكان يمينًا، فإذا اقترن به صار يمينًا معلقة على الحنث في الفعل؛ ولهذا فَرَّقَ الشافعي ﵁ بين قوله: لله عليَّ نذر، وبين قوله: إِنْ فعلتُ فلله عليَّ نذر (٢).
وهذه المعاني من تدبرها تبين له الفروق الغامضة على كثير من الناس في هذا الموضع الذي اشتبه على كثير من الناس؛ فالناذر الذي يلزمه الوفاء إنما يكون ناذرًا بثلاثة شروط: أَنْ يقصد الالتزام، وَأَنْ يلتزم لله ــ تعالى ــ وَإِنْ لم يقل بلسانه لله، وَأَنْ يكون ما التزمه طاعة لله ــ تعالى ــ؛ فإذا لم يلتزم طاعةً لله ــ سبحانه ــ لم يلزمه سواء كان منهيًا عنه أو مباحًا، وفي لزوم الكفارة نزاع وتفصيل، وإِنْ كان طاعة ولم يقصد أَنْ يلتزمه ليتقرب به إلى الله، بل لأجل حَضِّ نفسه أو غيره أو منع نفسه أو غيره منه فهذا حالف (٣).
стр. 1016
فإذا قال: والله إن استوفيت مالي لأحجنَّ العام ليتجر بمكة أو ليحج، ولكن ليس مقصوده أَنْ يوجب عليه لله شيئًا، بل قصده حَضُّ نفسه على الفعل؛ فهذا حالفٌ ــ أيضًا ــ تجزئه كفارة يمين.
وكذلك لو قصد هذا المعنى بقوله: إِنْ استوفيتُ مالي فلله عليَّ أَنْ أحج؛ ولم يلتزم هذا لله ــ سبحانه ــ شكرًا له على تخليصه منه وقصدًا للتقرب به إلى الله، بل قَصَدَ بذلك ما يقصده الحالف، وَإِنْ كان لم يقصد الالتزام البتة مع جعله لازمًا له ــ وهو نذر اللجاج والغضب ــ؛ فهذا أبعد عن أَنْ يكون قد التزم شيئًا لله، فإنه لم يقصد أَنْ يلزمه شيءٌ البتة، وإذا فَعَلَ ما نذره لم يفعله ليتقرب بفعله إلى الله ــ تعالى ــ، بل لكونه لزمه بغير قصد منه للزومه له.
فصلٌ
وقوله: (فهذه مدحضة يجب النظر فيها؛ والذي ظهر لي ما رَمزت إليه، ولكني قليل الهجوم على ما لم أسبق إليه) (١).
فيقال له: لو استعملت ترك الهجوم على ما لم تسبق إليه في كثيرٍ مما ذكرته في هذا الاعتراض نقلًا وبحثًا= لم نحتج إلى بيانِ كثيرٍ من بيان غلطك نقلًا وبحثًا، [و] (٢) لكان ذلك مغنيًا عن رَدِّ ما هجمتَ عليه من مخالفةِ العلماء قاطبة في تعليل آثار تلقوها بالقبول والتصديق لم يعللها أحد قبلك، وَمِنْ نَقْلِ أقوالٍ عن الصحابة والتابعين ــ رضوان الله عليهم ــ لم ينقلها عنهم
стр. 1017
أحدٌ [٢٧٠/ أ] قبلك، ومن تأويل ألفاظ صريحة عنهم بتأويلات قرمطية لم يَسبقك إليها أحد قبلك.
وَهَبْ أنك وافقت كثيرًا من أعيان العلماء في حكم مسألة، لكن أولئك لم يُذْكَر لهم من النقول والبحوث المخالفة لقولهم ما قيل لك، ثم تكلفوا من رَدِّ الحق وإبطاله ما تكلفته، ولكن مَثَلُكَ في ذلك مَثَلُ مَنْ ينصر طائفةً من أعيانِ العلماء المشهورين في مسألة خَفِيَ عليه فيها الأدلة الشرعية، كأحاديث صحيحة في المسألة لو بلغتهم لم يعدلوا عنها، فجاء المتعصبون لهم يتكلفون لهم من رَدِّ الحق بالباطل ما نَزَّهَ الله ــ تعالى ــ عنه أولئك الأئمة.
كمن يتكلف نَصْرَ قولِ أهل الكوفة في حِلِّ النبيذ المتنازع فيه، أو نَصْرَ قولِ بعضهم في إبطال الصلاة في الاستسقاء، أو كمن ظَنَّ أَنَّ الكسوف [لا] (١) تُصَلَّى بركوعين في كل ركعة، أو أَنَّ المدينة ليس لها حَرَمٌ، أو أن الوتر لا يجوز بركعة مفصولة ونحو ذلك، أو مَنْ ينصرُ بعض قول أهل المدينة في أَنَّ المفصَّل ليس فيه سجود تلاوة، أو أَنَّ الطيرَ ليس فيها شيء محرَّم، أو أَنَّ الحاجَّ لا يُلَبِّي إذا أفاض من عرفة إلى مزدلفة ولا من مزدلفة إلى منى، أو ينصر قول من يقول: المُحْرِمُ إذا مات فُعِلَ به ما يُفعل بالحلال، أو أَنَّ الصلاة على القبور لا تجوز، أو أَنْ ينصر قول بعض العلماء في وجوب قَسْمِ كل ما فتحه الأئمة، وفي وجوب تخميس الفيء، وفي وجوب قسمةِ الخُمُس على خمسة أسهم متساوية أو ثلاثة، أو أَنَّ التيمم لا يكون إلا بضربتين إلى المرفقين، أو أَنَّ القنوتَ في الفجر منسوخٌ أو أنه سنة راتبة، أو ينصر قول من يوجب الصوم في الشك في الغيم أو الصحو ونحو ذلك من
стр. 1018
الأقوال التي دلت الأدلة الشرعية فيها على قولٍ قال بعض العلماء خلافه، ولو ثبت عنده ما دلت (١) عليه النصوص الشرعية لم يعدل عنه، لكن كان معذورًا في عدوله عنه.
ثم مَنْ يتعصب لقوله إذا نَصَرَهُ وقد ظهرت الأدلة الشرعية بخلافه= احتاجَ أَنْ يتكلف له من رَدِّ الحق الظاهر والاحتجاج بالباطل ما يظهر معه أنه خارج بذلك عن طريقة أهل العلم المتقدمين والسلف [٢٧٠/ ب] الماضين، وعما أوجبه الله ــ ــ على المسلمين حيث يقول تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩].
فصلٌ
وقوله: (ونَشَأَ مما قلته: أَنَّ النذر هاهنا يكون بمثابة اليمين المعلقة على [ذلك] الفعل) (٢) كلامٌ من أجود ما قاله المعترض في هذا الباب، ولكن لا بُدَّ له من تمام، وهو شيئان:
أحدهما: أَنَّ هذا المعلِّق قَصَدَ الحض أو المنع من الفعل الأول بالتزام هذا النذر الذي جعله كاليمين، فصار كلامه متضمنًا يمينين في يمين، كما في مثل قول القائل: إِنْ صمتُ فوالله لأحجنَّ هذا العام.
الثاني: أَنَّ تعليق الالتزام هنا في قوله: إِنْ فعلتُ فعليَّ الحجُّ؛ لم يَقصد به أن يلزمه نذر لله، ولا قَصَدَ به حَضَّ نفسه ومنعها على هذا الحج، كما لو
стр. 1019
قال: والله لأحجنَّ، وإنما جعل الحج لازمًا له على ذلك التقدير مع كراهته للزومه له ليمتنع بلزومه عن الشرط، فصار حالفًا بالمجموع المركَّب لا بأحدهما، بخلاف قول القائل: إِنْ فعلتُ فوالله لأحجنَّ؛ فإنَّ هذه اليمين لو تجردت عن الشرط لكانت يمينًا في يمين، سواء قصد أن يحج إذا وجد الشرط، أو قصد ألا يحج ولكن حلف مع كراهته أن يحج، وأما هناك فلا يكون حالفًا إلا إذا كان الجزاء المعلَّق مكروهًا له عند وجود الشرط؛ إذ لم يعلق هناك ما يكون بمجرده يمينًا وإنما صار بالتعليق يمينًا، للتزامه (١) لله ما يكره لزومه له؛ فهو عند التعليق كارهٌ للزومه له، بخلاف من لا يكون عند عقد اليمين كارهًا لفعل المحلوف عليه.
فصلٌ
وأما قوله: (وينشأ عليه: أَنَّ التكفير قبل فوات الفعل بمنزلة التكفير قبل الحنث، ولكن لعله يترجح هنا ليعلم أنه قد خَلَصَ مما وجب عليه بالنذر، وَأَنَّ التكفير قبل دخول الدار ــ مَثَلًا ــ بمنزلةِ التكفير قبل انعقاد اليمين؛ فلا يصح، ولم أر في شيء من ذلك نقلًا؛ فهذا ما ظهر لي في ذلك، وهو خلافُ ما يَسبق إلى الفهم من كلامِ كثيرٍ من الأصحاب أَبْدَيْتُهُ لِيُنْظَرَ فيه) (٢).
فيقال: بل النقل في ذلك [٢٧١/ أ] موجود بخلاف ما قلته، ولستَ في ذلك مخالفًا لأصحاب الشافعي وحدهم، بل ولأصحاب أحمد وغيرهم من الصحابة والتابعين، وجمهور السلف والخلف الذين يقولون بإجزاء
стр. 1020
الكفارة، فإنهم أمروا بالتكفير بعد عَقْدِ هذه اليمين وقبل وجود الفعل الأول؛ كما تقدم قول عمر بن الخطاب ﵁ لمن قال لأخيه: إِنْ عُدْتَ تذكر القسمةَ لم أكلمك أبدًا، وكل مالي في رتاج الكعبة. فقال له عمر: كَفِّرْ عن يمينك، وَكَلِّم أخاك (١). قال هذا له قبل أن يذكر ذاك القسمة، وقبل أَنْ يكلمه هذا.
وكذلك قال ابن عباس ﵄ لما سُئِلَ عن امرأة أهدت ثوبها إِنْ لبسته. فقال: لتكفر عن يمينها، ولتلبس ثوبها (٢).
وكذلك ابن عمر وحفصة وزينب ومن ذُكِرَ معهم ﵃ قالوا لمن قالت: إِنْ لم أُفَرِّق بينك وبين امرأتك فمالي هدي وما معه. قالوا: كَفِّري يمينك، وَخَلِّي بين الرجل وامرأته (٣)، مع أنه لم يفت الفعلَ الأولَ وقتُ التفريق.
وأما إجزاء الكفارة إذا وجد الفعل الأول، فلم يختلف فيه أَحَدٌ ممن قال بالكفارة في هذا النوع، سواء كان مذهبه جواز الكفارة قبل الحنث أو لم يكن، وسواء فَرَّقَ بين التكفير بالعبادات البدنية والمالية أو لم يُفَرِّق، بل جميع ما نقل عن الصحابة والتابعين في هذا الباب يتضمن إجزاء الكفارة إذا وجد الفعل الأول، وما علمت في ذلك نزاعًا بين العلماء.
ولو كان الذي ذكره هذا أو قاله قائل لكان ضَعْفُهُ من جنس ضعف