السبكي في "جمع الجوامع"، لكن الغزالي إنما نقل عن القاضي أنها ظاهرة في الحصر محتملة للتأكيد، ثم قال: وهو المختار.
وعبارة القاضي في "التقريب": إنها محتملة للحصر ولتأكيد الإثبات، وأن العرب استعملتها لهما. ثم قال: (ولا يَبْعُد أنها ظاهرة في الحصر). انتهى
وقد نَص الشافعي على ذلك في "الأم"، فقال: (وإذا أَسلم الرجل على يد الرجل ووالاه ثم مات، لم يكن له ميراثه [مِن قِبَل] (١) قوله ﷺ : "إنما الولاء لمن أعتق" (٢)، وهذا يدل على معنيين، أحدهما: أن الولاء لا يكون إلا لمن أعتق، والثاني: لا يتحول الولاء عمن أعتق) (٣). انتهى
ولهذا قال الماوردي في "الحاوي": (مذهب الشافعي وجمهور أصحابه أنها في قوة الإثبات والنفي. وذهب ابن سريج وأبو حامد المروروذي إلى أن حُكم ما عدا الإثبات موقوف على الدليل؛ لِمَا تضمنه من الاحتمال، والمذهب الأول) (٤). انتهى
والقول بأنها ليست للحصر جرى عليه الآمدي، وكذا أبو حيان قال: كما لا يفهم ذلك من أخواتها المكفوفة بـ "ما"، مِثل: "لَيْتَما" و"لَعَلَّمَا"، وإذا فُهم من "إنما" حصر فإنما هو من السياق، لا أنها تدل عليه بالوضع.
وبالغ في إنكار ذلك، ونقله عن البصريين.
وفيه نظر؛ فإن إمام اللغة الأزهري نقل عن أهل اللغة أنها تفيده، نحو: "إنما المرء
стр. 1017
بِأَصغريه، [قلبه ولسانه] (١) "، أي: كماله بهذين العضوين، لا بهيأته ومنظره.
قلتُ: وكلام النحاة في تقرير تقديم المبتدأ على الخبر وعكسه وتقديم الفاعل على المفعول وعكسه حيث حصر بِ "إنما" (اتفاقًا) أو بِـ "ما" و"إلا" (على الأصح) كالصريح في أنه لا خِلاف في إفادة "إنما" الحصر، وإلا لم يترتب الحكم المذكور.
وأبو حيان ممن قرر ذلك في كُتبه النحوية كَشَرْحَي "الألفية" و"التسهيل" و"الارتشاف" وشرح "الغاية" و"مختصر المقرب" وغيرها.
ومَن تأمل كلامهم، لا يشك في إجماعهم عليه.
نعم، للعلماء طُرق في إفادتها:
أقواها: نقل أهل اللغة، واستقراء استعمالات العرب إياها في ذلك.
وأضعفها: طريقة الإمام الرازي وأتباعه أنَّ "إنَّ " للإثبات و"ما" للنفي ولا يجتمعان، فيجعل الإثبات للمذكور والنفي للمسكوت.
ورُدَّ بمنع كُلٍّ من الأمرين؛ لأن "إنَّ" لتأكيد النسبة نفيًا كان أو إثباتًا، نحو: إنَّ زيدًا قام، إنَّ زيدًا لم يقم. و"ما" كافَّة، لا نافية على المرجح، وبتقدير التسليم فلا يلزم استمرار المعنى في حالة الإفراد حالة التركيب.
وقال السكاكي: ليس الحصر في "إنما" لكون "ما" للنفي كما يَفْهمه مَن لا وقوف له على النحو، لأنها لو كانت للنفي لكان لها الصدر.
ثم حكى عن ابن عيسى الربعي واستلطفه أنَّ: ("إنَّ" لتأكيد إثبات المُسْنَد للمسنَد
стр. 1018
إليه، و"ما" مؤكِّدة، فناسب معنى الحصر). انتهى
وفيه نَظَر؛ إذْ لا يَلْزم مِن حصولِ تأكيدٍ على تأكيد الحصرُ، كما في: قام القوم كلهم أجمعون.
وقال بعضهم: أحسن ما يُستدل به انفصال الضمير بعدها في نحو: (وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مِثلي). أي: فكأنها نفي واستثناء تقديرًا.
وفيه أيضًا نظر؛ فإن ذلك لأجل أنه مِن قَصْر الصفة على الموصوف.
وأما استدلال ابن دقيق العيد وغيره بِفَهم ابن عباس الحصر من "إنما الربا في النسيئة" (١) ففيه نظر أيضًا؛ فإن ابن عباس رواه عن أسامة بلفظ: "ليس الربا إلا في النسيئة" (٢) كما في "مسلم"، فيحتمل أنه مُسْتَنَد ابن عباس.
لكن قد يجاب بأنهم قد رووا أنه استدل بذلك وأنهم لَمَّا وافقوه كان كالإجماع وإنْ كان قد رواه مرة أخرى بصيغة "إلا"، وغايته أن الصيغتين سواء، فاستدل بهذه تارة وبهذه أخرى.
وقال الشيخ تقي الدين السبكي: (من دلائل إفادتها الحصر قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ [النحل: ٨٢]؛ إذْ لو لم تُفِد إلا معنى "عليك البلاغ" لَمَا استقام الكلام؛ لأنه ﷺ عليه البلاغ تَوَلَّوا أو لم يَتَوَلَّوا) (٣).
وفي المسألة مذهب ثالث: أنها تفيد الحصر بالمنطوق. حكاه الشيخ أبو إسحاق في
стр. 1019
"التبصرة" عن القاضي أبي حامد المروروذي، قال: مع نفيه لدليل الخطاب.
وكذا حكاه الماوردي وجهًا لأصحابنا أيضًا، بل وإذا قُلنا: إنه إنما انتفى بالمفهوم، فقد اختلفوا أيضًا في أن: ذلك من لسان العرب لُغةً؟ أو أَوْجَبه دليلُ الخطاب شرعًا؟
تنبيه:
تظهر ثمرة الخلاف في نحو: (إنما قام زيد وعمرو)، هل يكون "وعمرو" تخصيصًا؟ أو نسخًا؟ أيْ إذا قلنا: إن التخصيص نسخ، وإذا لم يُشترط تراخي دليل النسخ، وإلا فهو في الحقيقة إخراج بعض العام.
ومن فوائده: الاستدلال على الحنفية المنكِرين للمفهوم بنحو: "إنما الشفعة فيما لم يقسم" (١). فان كان الحصر في "إنما" بالمفهوم فلا يُستدل به عليهم.
واعلم أن هذا كله في صيغة "إنِّما" بالكسر، وأما "أنَّما" بفتح الهمزة فقد ادَّعى الزمخشري إفادتها أيضا القصر -يعني الحصر- في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الأنبياء: ١٠٨]، وقال: (إنَّ القصر في "إنما" المكسورة الأُولى في الآية: قصر الحكم على الشيء، وفي "أنما" الثانية المفتوحة: قصر الشيء على الحكم) (٢).
يريد بذلك قصرَ الصفة على الموصوف، وعَكْسَه.
و[بناء] (٣) المسألة على أن المفتوحة فرع المكسورة على أصح المذاهب، ولهذا ترجم سيبويه باب إن وأخواتها بِـ "باب الأحرف الخمسة"، وعَدَّ المكسورة والمفتوحة واحدًا.
стр. 1020
وقيل: المكسورة فرع المفتوحة. وقيل: كل منهما أصل برأسه.
فتبين بذلك أن إنكار أبي حيان على الزمخشري ذلك وأنه تَفَرَّد به -ممنوعٌ لهذا البناء. واعتراضه عليه بأنه يقتضي أنه لم يُوحَ إليه سِوَى التوحيد -عجيبٌ؛ لأن ذلك مِن قَصر القلب، فإن خطابه بذلك للمشركين، أي: ما يوحَى إلَيَّ في الربوبية إلا التوحيد، لا الإشراك الذي يعتقدونه.
وأيضًا فبتقدير كونه قصرًا حقيقيًّا قد يلتزمه الزمخشري على رأيه الفاسد في الاعتزال من إنكار الصفات، بل لَعَله مأخذه في تقرير الحصر هناك.
قلت: لكن لا يخرج بذلك عن كونه غير حقيقي؛ لأنه قد أُوحي إليه غير الصفات من فروع الشريعة والأخبار ونحوها.
والذي أظنه أن الشيخ أبا حيان إنما اعترض بما قاله سهوًا؛ لأن الكلام فيما حصر بِـ "أنما" الأخيرة المفتوحة، وذلك حصر الإلهية في واحد، وهذا حصر حقيقي لا تَردُّد فيه، وإنما يصلح هذا التقرير اعتراضًا على الحصر في "إنما" الأُولى وهي المكسورة، فإن أبا حيان ينازع في إفادتها الحصر أيضًا كما سبق، لكن كلامه مصرح بذلك في "أنما" الأخيرة.
نعم، قد يدفع قول الزمخشري بأن حصر الإلهية في واحد مستفاد من نفس الكلام، فإن لفظ "إلهكم" اسم جنس مضاف، فيعم، وقد حصر في واحد بالإخبار بذلك صريحا، فلا حاجة إلى إسناده إلى "أنما"؛ ولهذا جوَّز المعْرِبون أن "ما" في "أنفي" هذه موصولة، وما بعده صلة حُذِف صَدرُها، أي: هو إلهكم.
على أن عبارة أبي حيان يمكن أن تُؤَول بإعادة الكلام للأُولى، وأنه بعد خوضه في المفتوحة رجع لِمَا كان قَرره في "إنَّ" المكسورة؛ لأنهما في آية واحدة، ولكنه بعيد.
стр. 1021
والثالث: الحصر بضمير [الفَصْل] (١):
نحو: (زيد هو العالم). ومنه قوله تعالى: ﴿فَاللَّهُ هُوَ الْوَلِيُّ﴾ [الشورى: ٩]، ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ [الكوثر: ٣]. ذكره البيانيون.
وقال ابن الحاجب في "أماليه": صار إليه بعض العلماء؛ لوجهين:
أحدهما: قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧٣]، فإنه لم يُسَق إلا للإعلام بأنهم الغالبون دُون غيرهم، وكذا قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [غافر: ٤٣]، و ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الشورى: ٥].
والثاني: أنه لم يوضع إلا للإفادة، ولا فائدة في مثل قوله: ﴿وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [الزخرف: ٧٦] سوى الحصر.
والرابع: الحصر بتقديم المعمول:
نحو: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، أي: نخصك بالعبادة والاستعانة، وهذا معنى الحصر كما سنذكره من بعد، وسواء في المعمول المفعول والحال والظرف والخبر بالنسبة للمبتدأ، نحو: تميميٌّ أنا.
وبه صرح صاحب "المثل السائر"، وأنكره [عليه] (٢) صاحب "الفلك الدائر" وقال: (لم يَقُل به أحد) (٣).
وإنكاره عجيب؛ فكلام البيانيين طافح به.
стр. 1022
وقد احتج أصحابنا على تعيين لَفْظَي التكبير والتسليم بقوله ﷺ : "تحريمها التكبير وتحليلها التسليم" (١)، ومنعه الحنفية؛ لمنعهم المفاهيم، وزيَّفه إمام الحرمين بأن التعيين مستفاد من الحصر المدلول عليه بالمبتدأ والخبر، فإن التحريم منحصر في التكبير كانحصار زيد في صداقتك إذا قلتَ: (صديقي زيد)، ولكنه لا يخرج عن كونه مفهومًا.
نعم، قرر الشيخ بهاء الدين ابن النحاس وَجْه الحصر فيه بأن المبتدأ لا يكون أَعم من الخبر، لا تقول: (الحيوان إنسان). فإذا قلتَ: (زيد صديقي)، كان الخبر صالحًا لأنْ يكون أعم من المبتدأ، فتجعله كذلك؛ ولذلك قالوا: لا يلزم انحصار الصداقة في زيد، بخلاف قولك: (صديقي زيد)، فلا يكون الخبر الذي هو "زيد" أَعَم مِن المبتدأ، فما بَقي إلا أن يجعل مساويًا، وإلا كان الخبر أخص من المبتدأ وهو غير جائز. وإذا كان مساويًا، لزم الانحصار؛ ضرورةَ صِدْق أن كل صديق هو زيد.
стр. 1023
تنبيهان
الأول: إفادة التقديم الاختصاص الذي قال به البيانيون خالفهم فيه ابن الحاجب وأبو حيان، فقال ابن الحاجب في "شرح المفصل": (إنَّ تَوَهُّم الناس لذلك وَهْم، وتمسكهم بالتقديم في نحو: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ﴾ [الزمر: ٦٦] ضعيفٌ؛ لورود ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ﴾ [الزمر: ٢]) (١). فيلزم أن المؤخَّر يفيد عدم الحصر، لكونه نقيضه.
وأُجيب بأن التأخير لا يستلزم حصرًا ولا عدمه، ولا يَلزم من عدم إفادة الحصر إفادة نفيه، لاسيما و"مُخْلِصًا" في قوله تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا﴾ [الزمر: ٢] مُغْن عن إفادة الحصر.
وقال أبو حيان أول "تفسيره" في رد دعوى الاختصاص: إن سيبويه قال: إن التقديم للاهتمام والعناية، فهو في التقديم والتأخير كما في "ضرب زيدٌ عَمرًا" و"ضرب عمرًا زيدٌ" (٢)، فكما أنَ هذا لا يدل على الاختصاص فكذلك مثالنا.
وأُجيب بأنَّ تشبيه سيبويه إنما هو في أصل الإسناد، وأن التقديم يُشْعر بالاهتمام والاعتناء، ولا يَلزم من ذلك نفي الاختصاص.
ومما يستدل به بعض المتأخرين على المنع أيضًا ورود: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ [هود: ٤١]، و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] ونظائره.
ويجاب عنه بما سبق، بل يُقال: إنَّ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ لا يمنع أن يقرأ بغير الاسم،
стр. 1024
و ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا﴾ لا يمنع أنها لا تجري إلا بِاسْمه.
وقال صاحب "الفلك الدائر": (الحقُّ أنه لا يدل على الاختصاص إلا بالقرائن، وإلا فقد كثر في القرآن التصريح به مع عدم الاختصاص، نحو: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى﴾ [طه: ١١٨] ولم يكن ذلك خاصًّا به؛ فإنَّ حواء كذلك) (١).
وأما كون الاختصاص الحصر فهو رأْي الجمهور، وخالف الشيخ تقي الدين السبكي في ذلك، فقال: ليس معنى الاختصاص الحصر، خِلافًا لِمَا يفهمه كثير من الناس؛ لأن الفضلاء- كالزمخشري- لم يُعبروا في نحو ذلك إلا بالاختصاص، والفرق بينه وبين الحصر أن "الاختصاص" افتعال من الخصوص، و"الخاصُّ" مُركَّب من عموم ومعنى يفصله، فالضربُ مثلًا عام، فإذا قلتَ: "ضربتُ" خصصته بإسناده لك، فإذا قلتَ: "زيدًا" خصصتَ ضربَك بوقوعه على زيد، فالمتكلم إما أن يكون مقصوده الثلاثة أو بعضها، فتقديمه أحدها يُشعر باختصاصه لها مِن مُطْلق الضرب؛ لدلالة الابتداء بالشيء على الاهتمام، ويبقى ذِكر الباقي بالتبعية لِمَا قَصَده، وليس فيه حينئذٍ ما في الحصر مِن نَفْي غيره، وإنما جاء الحصر في ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ونحوه لِلعِلم به مِن خارج، لا من نفس اللفظ، بدليل أن بقية الآيات لا يطرد فيها ذلك. ألا تَرى أن قوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ﴾ [آل عمران: ٨٣] ليس المراد إنكار كَوْنهم لا يبغون إلا غير دين الله، بل كونهم يبغون غير دين الله مُطلقًا) (٢). انتهى ملخَّصًا.
وقد يحتج للتغاير بقوله تعالى: ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ١٠٥]، فإن رحمة الله لا تنحصر.
стр. 1025
الثاني:
مما ذُكر مِن صِيَغ الحصر المعتبر مفهومه: حصر المبتدأ في الخبر، ولذلك صيغتان:
إحداهما: نحو: "صديقي زيد". صرح بذلك إمام الحرمين والغزالي وإلْكِيَا وغيرهم مستدلين بأن "صديقي" عام، فإذا أخبر عنه بخاص وهو زيد، كان حصرًا لذلك العام (وهو الأصدقاء كُلهم) في الخبر (وهو "زيد")؛ إذْ لو بقي من أفراد العموم ما لم يدخل في الخبر، لَزِمَ أن يكون المبتدأ أعم من الخبر، وذلك لا يجوز. قال الغزالي (١): لا لُغةً ولا عقلًا. فلا تقول: (الحيوان إنسان) ولا: (الزوج عشرة)، بل أن يكون المبتدأ أَخَص أو مساؤيا.
نعم، حَكَى ابن الحاجب في "أماليه" فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: هذا، نقله عن إمام الحرمين، فقال: زعم أنك إنْ أخرت "صديقي" عن "زيد" كانت الصداقة غير محصورة في زيد. وإنْ قَدَّمْتَه، كانت محصورة فيه.
قال: وكلامه مُشْعر بأن "صديقي" هو الخبر في الجملتين جميعًا. ووجه ما قال أن "صديقي " يقتضي الخبرية لإفادة النسبة إلى "زيد"، فإذا كان خبرًا فأخَّرته، لم يَلْزم الحصر؛ لجواز أن يكون الخبر أَعَم، فإذا قدمته مع كونه خبزا فلم تُقَدمه إلا لغرض، وذلك هو قصد الحصر.
والقول الثاني: مِثله، إلا أن أيهما قدمته فهو المبتدأ، لكن تقديم "صديقي" يفيد الحصر، وتقديم "زيد" لا يفيده كما قدمناه. ووَجْه ذلك أن المعرفتين إذا اجتمعتَا، كان أسبقهما المبتدأ، وتوجيه الحصر -في تقديم "صديقي" وعدمه في تأخيره- ما سبق.
стр. 1026
قال ابن الحاجب: (وليس القولان بِقَوِيَّيْن) (١).
والثالث: استواء التقديم والتأخير. قال: والدليل على أن المعرفتين إذا اجتمعتا فالمقدم هو [المبتدأ] (٢) مذكور في موضعه، وحينئد فإما أن تريد بِـ "صديقي" خاصًّا أو عامًّا، إنْ أردتَ عامًّا فلا حصر، سواء قدمت أو أخَّرت. وإنْ أردتَ خاصًّا، أفاد الحصر، سواء قدمت أو أخرت.
وقريب من ذلك قول العبدري في الرد على الغزالي: إنَّ "صديقي" ولو كان عامًّا إنما عمومه من حيث هو، أما إذا وقع مبتدأ أو خبرًا، يجب أن يكون مقصورًا على خصوص ما أخبر عنه أو [العكس] (٣).
وأنكر القاضي وجمعٌ من المتكلمين -وتبعهم الآمدي- إفادةَ نحو ذلك الحصر.
ثم اختلف القائلون بالحصر: هل هو من حيث المنطوق؟ أو المفهوم؟
وبالأول قال الإمام الرازي وأتباعه، وبالثاني قال الغزالي وبعض الفقهاء.
الصيغة الثانية:
"العالِم زيدٌ" و"زيدٌ العالم".
إذا جعلت "اللام" للحقيقة أو للاستغراق لا للعهد، فلذلك قال القاضي مُجَلِّي في "الذخائر" في باب "الرد بالعيب" في حديث: "الخراج بالضمان" (٤): إنَّ اللام فيه للتعريف،
стр. 1027
أي: للعهد، كأنه قال: الخراج في مقابلة [نَيْل] (١) هذا بالضمان. ودَلَّ على هذا التقييد قيام الدليل مِن خارج أنَّ ضمان الغاصب والمقبوض عن سوم البائع والعقود الفاسدة الضمان فيها، ولا خراج للضامن.
أما إذا كان الخبر بمِرة (نحو: "زيد قائم") فالأصح: لا يفيد الحصر، كما في حديث: "الصيام جُنة" (٢)، فإنه لا يمنع أنَّ غيره أيضًا جُنة؛ ولهذا جاء: "فَلْيتق النار ولو بِشقِّ تمرة" (٣).
وقيل: يفيده. فقيل: [نُطْقًا] (٤). وقيل: فَهْمًا.
إذا علِمتَ ذلك، ظهر لك أن إسقاطي في النَّظم لهذا النوع (وهو حصر المبتدأ في الخبر) لِمَا فيه من الغموض والاختلاف، والله أعلم.
ص:
٤٧٤ - وَأَظْهَرُ الْأَقْسَامِ مَا بِـ "اسْتِثْنَا" ... فَمَا مِنَ الْمَنْطُوقِ قِيلَ وَهْنَا
٤٧٥ - كَـ "غَايَةٍ"، وَبَعْدَ ذَاكَ "الشَّرْطُ" ... فَـ "صِفَةٌ [نَسِيئةٌ] (٥) "ذَا ضَبْطُ
٤٧٦ - فَغَيْرُ ذَا مِنْ صِفَةٍ إلَّا الْعَدَدْ ... فَـ "عَدَدٌ"، فَمَا بِتَقْدِيمٍ وَرَدْ
стр. 1028
الشرح:
لَمَّا ذكرتُ أقسام المفهوم بينتُ هنا ترتيبها باعتبار القوة والضعف؛ ليظهر بذلك فائدته في التراجيح.
فأظهر الأقسام: ما كان من الحصر بالنفي والاستثناء إنْ قُلنا: إنه بالمفهوم. لكن سبق أن الأرجح كونه منطوقًا.
ويلي هذا النوع كل ما قِيل بأنه من قبيل المنطوق وإنْ كان القول بذلك ضعيفًا؛ إذْ لولا قوته لَمَا جُعِل منطوقًا على قولٍ. وهو معنى قولي: (فَمَا مِنَ الْمَنْطُوقِ قِيلَ وَهْنَا)، أي: فالذي هو من المنطوق قِيل به حال كونه واهنًا، فَـ "وهنًا" مصدر منصوب على الحال، وذلك كالغاية، فقد قيل: إنه بالمنطوق كما سبق.
وكذا الحصر بـ "إنما"، فَهُما في الرتبة سواء كما قرره السبكي في "شرح المختصر" وجعل بعدهما حصر المبتدأ في الخبر مُقَدَّمًا على الشرط، إلا أني لَمَّا لم أذكره في النَّظم؛ لِمَا سبق، لم أتَعَرَّض له في الترتيب.
ثم بعد ذلك مفهوم الشرط؛ لأنه لم يَقُل أحد بأنه بطريق النُّطق.
ثم بعده الصفة، وإنما قُدِّم عليها؛ لأنه قد قال به مَن لا يقول [بها] (١)، كابن سريج كما أسلفناه.
والصفة لها مراتب:
أعلاها: المناسبة، وهو معنى قولي: (نَسِيبَةٌ) فعيلة بمعنى الفاعل وإنْ كان من غير الثلاثي. وإنما قُدمتْ لاتفاق القائلين بالصفة عليها؛ ولأنه في "المستصفى" جعلها من قبيل
стр. 1029
الإشارة، وهي قريبة من النطق.
ثم بعد ذلك الصفة غير المناسبة سِوَى العَدد، فدخل تحت ذلك العِلَّة والظرف والحال، فتكون في مرتبة واحدة، لكن ينبغي تقديم العلة؛ لدلالتها على الإيماء، فقربتْ من المنطوق.
ثم بَعد الثلاثة مِن الصفة: العَدد؛ لإنكار كثير له كما سبق وإنْ كان الأرجح خِلافه.
ثم بَعد ذلك مفهوم تقديم المعمول؛ لِمَا سبق من إنكار بعضهم إفادته الاختصاص، وبتقدير ذلك فهل الاختصاص الحصر؟ أو أَعَم منه؟ فأُخِّر عن الكل لذلك، والله أعلم.
ص:
٤٧٧ - وَمَا بِإسْمٍ عُلِّقَ الْحُكْمُ "لَقَبْ" ... وَلَيْسَ حُجَّةً، وَبَعْضٌ ارْتَكَبْ
الشرح:
أي: ما سبق من المفاهيم هو المعتبر، وأما "مفهوم اللقب" فليس بحجة.
ومفهوم اللقب: أَنْ يعلق الحكم بِاسْم عَلَم (نحو: أَكْرِم زيدًا) أو اسم نوع (نحو: في الغنم الزكاة)، فلا يدل على نفي الحكم عَمَّا عداه.
وقد نَص عليه الشافعي كما قاله إمام الحرمين في "البرهان"، وقال الأستاذ أبو إسحاق: لم يختلف قول الشافعي وأصحابه فيه.
وقولي: (وَبَعْضٌ ارْتَكَبْ) أي: وقد ارتكب بعض العلماء القول بِحُجِّيَّة مفهوم اللقب، والمشتهر عنه ذلك أبو بكر الدقاق محمد بن محمد بن جعفر القاضي الأصولي الفقيه الشافعي، ناظره الأستاذ أبو إسحاق فيه، وقال عنه في "شرح الترتيب": إنه ممن يُنسب إلى أصحاب الحديث والشافعي، وكان معتزلي الذهب في الأصل، وتمذهب بمذهب الكعبي في أن أصل الأشياء على الحظر. وتوفي الدقاق سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة.
стр. 1030
قال ابن الرفعة وغيره: لم يَقُل بمفهوم اللقب من أصحابنا غيره.
وليس كذلك؛ فقد قال سليم: إنه صار إليه من أصحابنا الدقاق وغيره.
وكذا حكاه ابن فورك عن بعض أصحابنا، ثم قال: وهو الأصح.
وكذا نقل إلْكِيَا في "التلويح" عن ابن فورك أنه كان يميل إليه ويقول: إنه الأظهر والأَقْيَس.
وحكاه السهيلي في "نتائج الفكر" في "باب العطف" عن أبي بكر الصيرفي.
قيل: ولَعلَّه تحرَّفَ عليه بالدقاق أبي بكر.
ونقله عبد العزيز في "التحقيق" عن أبي حامد [المروروذي] (١)، لكن المعروف أن أبا حامد ينكر المفهوم مطلقًا.
وقال إمام الحرمين: (القول باللقب صار إليه طوائف من أصحابنا) (٢).
ونقله أبو الخطاب الحنبلي في "التمهيد" عن منصور بن أحمد (٣)، ومنهم من عزاه إلى أحمد نفسه. قال أبو الخطاب: وبه قال مالك وداود وبعض الشافعية.
ونقله المازري عن ابن خويز مِنداد من المالكية، وحكاه الباجي عنه وعن ابن القصار.
و"خويز مِنداد" بالميم المكسورة، وعن ابن عبد البر بالموحدة بدلها.
وقال المازري: نسب إلى مالك القول به؛ لاستدلاله في "المدونة" على عدم إجزاء الأضحية إذا ذبحت ليلًا؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج:
стр. 1031
٢٨]. قال: فذكر الأيام ولم يذكر الليالي.
وزُيِّفَ هذا المذهب بأن المصير إليه يلغي تعيين كل ما اعتبر الشارع عَيْنه، ويستلزم إنكار قيام كل مَن في العالم عند قولنا: (زيد جالس)، ويَلزم تكفير مَن قال: عيسى رسول الله. ويمكن الجواب عن ذلك بأن المفهوم إنما يُحتج به عند عدم معارضة منطوق.
وفي المسألة مذهب ثالث بالتفصيل بين أسماء الأنواع فيعتبر مفهومها، وبين أسماء الأشخاص فلا يُعتبَر.
ووقع في كلام جماعة من أئمتنا -كالشيخ أبي حامد وابن السمعاني وغيرهما- ذِكر مفهوم الأعيان، قالوا: وهو كقولك: "في هذا المال زكاة"، و"على هذا الرجل حج". قالوا: وهو كاللقب.
والمتأخرون اكتفوا باسْم اللقب عن الكل، فإن المراد ليس اللقب عند النحاة الذي هو أحد أنواع العَلم مقابلًا للاسم و [الكنية] (١)، إنما المراد اللغوي وهو مطلق الاسم سواء أكان اسم جنس أو عَلمًا، ولا يخرج به إلا الصفات المشتقة؛ فإنها من قبيل مفهوم الصفة كما سبق.
وبه صرح ابن السمعاني، وأوضح ابن الحاج في "تعليق المستصفى" ذلك، قال: فإنه قد يكون الاسم مشتقًا ولكنه في معنى الجامد؛ لغلبة الاسمية عليه، كتمثيل الغزالي اللقب بحديث: "لا تبيعوا الطعام بالطعام" (٢)، وكذا لا فرق بين قولنا: "في الغنم زكاة" و"في الماشية زكاة"؛ لأن الماشية هان كانت مشتقة لكن لم يُلحظ فيها المعنى، بل غلب عليها الاسمية.
стр. 1032
وحكى ابن حمدان وأبو يعلى من الحنابلة قولًا رابعًا: وهو التفصيل بين أن تدل قرينة فيكون حُجة، كقوله ﷺ : "جُعلت لي الأرض مسجدًا وتربتها طهورًا" (١)، إذْ قرينة الامتنان تدل على الحصر فيه، أوْ لا فلا.
وقريب من هذا قول الغزالي في "المنخول": (إنه حُجة مع قرائن الأحوال) (٢).
وينبغي أن يُعد من ذلك ما وقع لأصحابنا في مواضع من الاحتجاج بمفهوم اللقب، كاستدلالهم بحديث: "حتيه ثم اقرصيه بالماء" (٣)، وبحديث: "وتربتها طهورًا" على تَعَيُّن ذلك، لكن نَفْي ما سواه ليس من حيث الحكم بالاسم فقط، بل للانتقال من العام إلى الخاص، فإنه يدل على تَقَيُّد الحكم به، فلما ترك مطلق المائع وأتى بالماء وترك الأرض وأتى بالتراب، دَلَّ على الاختصاص، فلا يخرج عن عهدة الأمر إلا بامتثال الخاص. كذا قرره ابن دقيق العيد في "شرح الإلمام"
قلتُ: مَن تأمل ذلك يجده لا يخرج عن اعتبار مفهوم اللقب.
نعم، أشار ابن دقيق العيد إلى التحقيق في المسألة، وهو أن يقال: إن اللقب ليس بحجة إذا لم يوجد فيه رائحة التعليل، فإنْ وُجدت، كان حجة.
قال: كما في قوله: "إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها" (٤)، يُحتج به على أن الرجُل يمنع امرأته من الخروج إلا بإذنه؛ لأجل تخصيص النهي بالخروج للمسجد، فإنه يقتضي المنع من الخروج لغير المسجد، ولا يقال: إنه مفهوم لقب؛ لِمَا في المسجد من المعنى
стр. 1033
المناسب وهو محل العبادة، فلا تمنع منه، بخلاف غيره. وقد حصل الجواب عما سبق في "اقرصيه بالماء"، و"تربتها طهورًا".
تنبيه
حيث قلنا باعتبار مفهوم من المفاهيم السابقة ففيه بحثان:
الأول:
ظاهر كلام كثير من القائلين به أن محله في الإنشاء، لا في الخبر؛ ولهذا لَمَّا ذكر ابن الحاجب من اعتراضات المانع أنه: (لو ثَبتَ، لَثَبتَ في الخبر، وهو باطل؛ لأن مَن قال: "في الشام الغنم السائمة" لم يدل على خِلافه قطعًا)، ثم قال:
(وأجيب بالتزامه، وبأنه قياس في اللغة).
قال: (ولا يستقيمان). لأن الالتزام مكابرة مخالفة المنقول. ولو سُلم ثبوته في الخبر فليس ذلك قياسًا في اللغة، بل باستقراء.
ثم قال: (إن الحقَّ -أيْ في الجواب- الفَرق بين الخبر والإنشاء، فإنَّ الخبر وإنْ دَلَّ على أن المسكوت عنه غير مُخْبَر به فلا يلزم أن لا يكون حاصلًا).
أي: في الخارج؛ لجواز أن يكون حاصلًا ولم يخبَر عنه؛ لأن الخبر يفتقر إلى خارج وهو مُتعلَّقُه.
: (بخلاف الحكم -أي الإنشائي- إذْ لا خارج له حتى يجري فيه ذلك) (١).
стр. 1034
فإن وجوب الزكاة [نشأ مِن] (١) نَفْس قوله: "أوجبتُ" أو نحوه. فإذا انتفى هذا القول فيه، فقد انتفى وجوب الزكاة فيه، ولا يَلزم من الانتفاء في قولك: (في الشام الغنم السائمة) انتفاء كونها في غير الشام، بل قد تكون وأنت لم تخبر عنها لكنه وإن كان صحيحًا فقد لا يكون له غرض في الإخبار عنه.
فلهذا قال ابن السمعاني: (إن المخبِر قد يكون له غرض في الإخبار بأن في الشام غنمًا سائمة ولا يكون له غرض في الإخبار عن غير الشام. وأما الشارع في مقام الإنشاء فغرضه أن يبين جميع الأحكام التي كلفنا بها، فإذا قال: "زكوا عن الغنم السائمة"، عَلِمنا أنها لو كانت الزكاة في جميع الغنم لَعَلَّق بِمُطْلَق الاسم) (٢).
الثاني:
إن المفاهيم إنما يُعمل بها في كلام الشارع؛ لِعِلمه بواطن الأمور وظواهرها، دون كلام الناس كألفاظ الواقفين والموصين والمقِرين والمصنفين في ذلك؛ لِغَلبة الذهول على الناس، فيكون كالقياس لا يُعمل به في أمور الناس كما قرره الشيخ تقي الدين السبكي، وهو ظاهر المذهب.
فنقل الرافعي عن فتاوى القاضي حسين -وأقره- أنه لو ادُّعِي عليه بعين مال مثلًا فقال: (لا يلزمني تسليم هذا إليك اليوم)، لا نجعله مُقِرًّا.
قال: (لأن الإقرار لا يثبُت بالمفهوم) (٣).
قيل: وله التفات إلى ما سبق من كون العمل بالمفهوم من جهة الشرع أو اللغة. فإنْ قُلنا
стр. 1035
بالأول فيقع الفرق، أو بالثاني فلا فرق؛ ولهذا يطلقون الخلاف في المسألة.
وقد حكى الغزالي في "البسيط" -فيما لو قال: (قارضتك على أن لي النصف) وسكت عن جانب العامل- أنَّ: (ظاهر النص أنه فاسد؛ لأن جميع أجزاء الربح تضاف إليه بحكم الملك، وإنما تنصرف عنه بإضافته إلى غيره، ولم يُضف. وذكر ابن سريج قولًا مُخَرَّجًا: إنه يصح؛ تمسكا بالفحوى والمفهوم). انتهى
وقال الهروي في "الإشراف": (لو قال: "ما لِزَيْد علَيَّ أكثر من مائة درهم" لم يكن مُقِرًّا بالمائة؛ لأنه نَفْي مجرد؛ فلا يدل على الإثبات. وفيه وجه أنه إقرار وهو قول أبي حنيفة، وأصل هذا أن دليل الخطاب هل هو حُجة؟ أو لا؟ ). انتهى
وحكى ابن تيمية في بعض مؤلفاته التفصيل بين كلام الشارع وكلام الناس، وقال: (إنه خِلاف الإجماع؛ فإن الناس إما قائل بأن المفهوم من جملة دلالات الألفاظ؛ ولهذا يستدلون -على أنه حُجة- بكلام الناس، أوْ لا، فالتفصيل إحداثُ قولٍ ثالث. وأما إلحاقه بالقياس فممنوع؛ لأنه ليس من دلالات الألفاظ حتى يستوفي فيه الشرع والناس، إنما صار دليلًا بِتَصَرُّف الشارع وجَعْله حُجة) (١).
وقد يقال: هذا التفصيل قريب من الذي قبله، وهو الفرق بين الخبر والإنشاء؛ لأن الناس مخبرون عما في أنفسهم، لا منشئون.
وعَكَس بعض الحنفية هذا التفصيل، فقال الخبازي في حواشي "الهداية" في باب "جنايات الحج": إن شمس الأئمة ذكر في "السير الكبير" أن تخصيص الشيء بالذِّكْر لا يدل على كون الحكم بخلافه، إنما هو في خطابات الشرع، فأما في معاملات الناس وعُرفهم فإنه يدل.
стр. 1036
ويدل على ما قاله ما سبق عن حكاية الهروي، فإنَّ أبا حنيفة جعله مُقِرًّا مع أنه لا يقول بالمفهوم، على أن التفصيل الأول موجود قديمًا، فدعْوَى ابن تيمية أنه خرق للإجماع ممنوعة، وكذلك اقتصار تاج الدين السبكي على أنه كلام والده، بل ولا خصوصية له بالمفهوم؛ فقد حكى إلْكِيَا الهراسي الخلاف في أن قواعد الأصول المتعلقة بالألفاظ كالعموم والخصوص وغير ذلك هل تختص بألفاظ الشارع؛ أو تجري في كلام الآدميين؟
وسيأتي في "باب العموم" حكايته عن القاضي حسين أيضًا، والراجح الاختصاص، ويشهد له هنا قولهم: إن المفهوم إنما كان حُجة لأنه في معني العلة، فيقتصر على المذكور دون المسكوت، ولا شك أن العِلَل لا ينظر إليها في كلام الناس؛ إذ لا يجري فيها القياس قطعًا.
وكذا قولهم: (إن المسكوت قد لا يخطر بالبال) إنما هو في غير كلام الشارع.
ومن هذا تخريج مسائل الفروع على القواعد الأصولية إذا كانت تلك الفروع من كلام الناس، ففيه نظر ظاهر، والله أعلم.
تذنيب
الشرح: ترجمتُ بذلك لِمَا بقي من مسائل وضع اللغة المحتاج إليها في الاستدلال.
وهو من مادة "ذنب" الدالة على التأخر والتعقب، ومنه: ذنب الدابة والذنابة، فهو استعارة منه.
والغرض بهذه الترجمة أمران:
أحدهما: بيان مَن هو واضع اللغة.
والثاني: بيان الطريق إلى معرفتها.
فإلى الأول أشرت بقولي:
стр. 1037
ص:
٤٧٨ - اللهُ جَلَّ وَاضِعُ اللُّغَاتِ ... فَلَا تَدُلُّ بِالْمُنَاسَبَاتِ
٤٧٩ - وَوَقَّفَ الْعِبَادَ إمَّا وَحْيَا ... أَوْ خَلْقَ فَهْمٍ، أَوْ وَعَوْهَا وَعْيَا
٤٨٠ - لِعِلْمِهَا ضَرُورَةً، لَا الْبَشَرُ ... وَلَوْ لِقَدْرِ حَاجَةٍ تُعْتَبَرُ
الشرح:
ومعنى "جَلَّ": عَظُم، فهو تعالى ذو الجلال والإكرام، ومن أسمائه الحسنى " الجليل " وهو الموصوف بنعوت الجلال، وهي: الغِنى والمُلْك والقُدْس والعِلم والقدرة ونحوها.
والمضارع من "جَلَّ " يَجِل بالكسر، بخلاف نحو: "جل الرجل عن منزلته" بمعنى: جَلَا عنها، و: "جل القوم عن البلد" جَلوا عنها جلولًا، و: "هُم الجالَّة" فإنَّ مضارع هذا "يَجُل" بالضم.
وقد اشتملت هذه الأبيات على مسألتين:
إحداهما: احتياج اللغة إلى وضع.
والثانية: أن واضعها هو الله ﵎.
فأما احتياجها فهي مسألة: دلالة اللفظ على المعنى هل يشترط فيه المناسبة؟
فالجمهور على المنع؛ لأن اللفظ علامة على المعنى ومُعَرف له بطريق الوضع.
وذهب عباد بن سليمان الصيمري (وهو أبو سهل من معتزلة البصرة من أصحاب هشام ابن عمرو، وكان الجبَّائي يصفه بالحذق في الكلام) إلى أن دلالة اللفظ على المعنى لا بُدَّ لها من مناسبة طبيعية، وتبعه بعضهم.
ثم اختلف في النقل عنه ذلك في محلين:
стр. 1038
أحدهما: نقل عنه في "الحصول" أنه أراد أن اللفظ يفيد المعنى بذاته من غير وضع واضع؛ لِمَا بينهما من المناسبة الطبيعية. قال الأصفهاني: (وهو الصحيح عنه) (١).
ونقل عنه الآمدي أن المناسبة حاملة للواضع على أن يضع.
واحتج عباد بأن المناسبة لو لم تعتبر لكان اختصاص اللفظ بذلك المعنى ترجيحًا من غير مُرجِّح.
وجوابه -على النقل الأول- أنه ترجح بإرادة الواضع. ولو كانت ذاتية، لَمَا اختلفت باختلاف النواحي، ولاهتدى كل أحد لمعرفة كل اللغة، ولكان الوضع للضدين -إذا قُلنا بجواز [الاشتراك] (٢) بين الضدين كـ "الجون" للأسود والأبيض- مُحَالًا.
وعلى النقل الثاني: يكون المرجِّح ليس الباعث العقلي، وإلا لَمَا اختلف العرب والعجم فيه، لكن إرادة الواضع، أو إلهام الله تعالى إياه إنْ قُلنا: (الواضع البشر)، أو خُطُوره ببالهم.
الثاني: قال السكاكي: هذا المذهب متأول على أن للحروف خواص تناسب معناه من شدة وغيرها كالجهر والهمس والتوسط، كَـ "الفصم"، فإنه بالفاء -التي هي حرف رخو- معناه: كسر الشيء من غير إبانة، و"القصم" الذي هو حرف شديد: كسره بإبانة ونحو ذلك.
لكن القائل باعتبار المناسبة إنْ قَصد أن ذلك علِة مقتضية -لِذَاتها- هذه المعاني، فخرقٌ للإجماع. وإنْ قصد أن الواضع راعَى هذا المعنى في وضعه وإنْ لم يكن هو الباعث له عليه -وهو الظاهر من كلامه- فهو مذهب جَمْعٍ من أرباب عِلم الحرف زعموا أن للحروف طبائع في طبقات من حرارة وبرودة ورطوبة ويبوسة، فناسب أن يوضع لكل مسمّى ما يناسبه من
стр. 1039
طبيعة تلك الحروف؛ ليطابق لفظه معناه.
وكذا زعم المنجمون أن حروف اسم الشخص مع اسم أُمه واسم أبيه تدل على أحواله مُدة حياته؛ لِمَا بينهما من المناسبة.
فَيُرَد على عبَّاد حينئذٍ بما هو مشهور في رَد هذه المذاهب الفاسدة.
وعبارة [الخُويي] (١) في المسألة: هل للحروف في الكلمات خواص؟ أو وضعت لمعانيها اتفاقًا؛ فوضع " الباب" لمعنى، و"الناب" بالنون لآخَر، ولو عُكس لم يمتنع.
قال: والاشتغال بالمناسبة لكل لفظ لمعناه -اشتغال بما لا يمكن، وتضييع للزمان. فإنِ اتفق أنْ وقع شيء في الذهن من غير نكير، قيل به كما سبق في الشدة والرخاوة في "قصم " و"فصم".
وبناء المسألة على مسألة حكمية، وهي أن الفاعل المختار هل يشترط في اختياره وجود مرجِّح؟
والأظهر: لا، كاختيار الجائع -لِدفع جوعه- أحد رغيفين.
وحكى الواحدي في "البسيط" عند قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١] أن الزجاجي فصل في هذه المسألة بين:
- الألقاب، فلا تحتاج للمناسبة؛ لأن القصد بتسمية "زيد" مثلًا ليس هو لمعنى الزيادة.
- أو غيرها، فيحتاج.
ثم قال بعض شيوخنا: تظهر ثمرة هذا الخلاف فيما إذا تعارض مدلول اللفظ والعُرف، أيهما يُقَدَّم؟ فيه وجهان، أصحهما عند إمام الحرمين والغزالي اعتبار العُرف. ووجَّهَه الإمام
стр. 1040
بأن العبارات لا معنى لأعيانها، وهي في الحقيقة أمارات منصوبة على المعاني المطلوبة.
المسألة الثانية (في تعيين الواضع):
وهي مُرتبة على التي قبلها، وهو معنى قولي: (فَلَا تَدُلُّ بِالْمُنَاسَبَاتِ). أي: فلأجل ذلك كانت اللغة لا بُدَّ لها من واضع، وهو الله تعالى، إذ ليست تدل بالمناسبة حتى يُكتفَى بها عن الوضع، ولا أن الباعث لواضعها المناسبة؛ لأن أفعال الله تعالى لا تُعَلل بالغرض.
هذا معنى تعقيبي بالفاء، لا أن مسألة المناسبة مُفَرعة على اشتراط الواضع، فاعْلَمه.
والمسألة فيها مذاهب:
أحدها وعُزي للأشعري، وبه قال أبو بكر بن فورك من كبار أصحابه والجمهور: اللغات توقيفية، لا مدخل للخلق في وضعها، فالله تعالى وضعها، ثم وقَّف العباد عليها إما:
- بوحي إلى أنبيائهم الذين يتلقون الشرائع منهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ إذا لم نَقُل: معناه المسميات، ولا الخواص، ولا نحو ذلك.
- وإما بخلق فَهْم لها من أصوات خلقها فسمعوها.
- أو بخلق عِلم ضروري في صدورهم علموها ووعوها وعيًا كما عبرت به في النَّظم.
وقيل: إن الأشعري إنفي تكلم في الوقوع، لا في الجواز، وإلا لَنقله عنه القاضي أبو بكر وغيره من أصحابه. ولكن ذكر إمام الحرمين الخلاف في الجواز وأن الوقوع لم يثبت.
وممن اختار هذا المذهب أيضًا ابن فارس في "فقه اللغة" (١)، قال: (لأن إجماعهم على الاحتجاج بِلُغة القوم لو كان لكونها مواضعة، لم يكونوا أَوْلى منا بالاحتجاج باصطلاحنا
стр. 1041
اليوم على لغة) (١).
وفي "شرح سيبويه" لابن خروف: لو كانت اصطلاحًا، لم يختلفوا فيقول بعضهم: "مررت بأبيك"، وآخَرون: "بأباك". وأيضًا فقد استعملوا أبنية وتركوا غيرها، ولا سبيل إلى الاصطلاح؛ لأنه لم توجد أُمة وُلدت متكلمة ولا تكلمت حتى عُلِّمت.
واحتج ابن فورك بأنها لو كانت اصطلاحية لاحتاجت إلى لغة أخرى أو إشارة أو كناية، وذلك يحتاج إلى آخر، والآخر كذلك حتى ينتهي إلى غير مصطلح عليه؛ فيؤول إلى التوقيف.
المذهب الثاني: أن الله ألهم العباد أن يتكلموا بها من غير أن يضعها واضع، كأصوات الطير والبهائم حيث كانت أمارات على إرادتها فيما بينها بإلهام الله تعالى. حكاه صاحب "الكبريت الأحمر" عن الفارسي.
قلتُ: قد يقال: إن هذا عَيْن الذي قَبْله؛ لأنه لَمَّا ألهمهم ذلك كان عَين إرادته أنَّ هذا اسم لهذا، وهذا معنى الوضع بالنسبة إليه، فلا تَغايُر بينهما، وقد سبق أن من طُرق تعليم العباد "الإلهام"، فهو هذا.
وأخرج الحاكم في "المستدرك" عن جابر: "أن رسول الله ﷺ تلا قوله تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ [يَعْلَمُونَ] (٢)﴾ [فصلت: ٣]، ثم قال: ألهم إسماعيل هذا اللسان إلهامًا" (٣). قال
стр. 1042
الحاكم: صحيح الإسناد.
قال الذهبي في "مختصره": (حقه أن يقول: "على شرط مسلم"، ولكن مدار الحديث على إبراهيم بن إسحاق بن إبراهيم الغسيلي، وكان ممن يسرق الحديث). انتهى
المذهب الثالث وبه قال أكثر المعتزلة: أنها اصطلاحية، على معنى أن واحدًا أو جَمْعًا من البشر وضعوها، وحصل التعريف للباقين بالإشارة والقرائن، كتعريف الوالدين لغتهما للأطفال. وحكاه ابن جني في "الخصائص" عن أكثر أهل النظر.
وقال إلْكِيَا الطبري: معنى الاصطلاح أن يعرفهم الله مقاصد اللغات، ثم يهجس في نفس واحد منهم أن ينصب أمارة على مقصوده، فإذا بسطها وكررها واتصلت القرائن بها، أفادت العِلم، كالصبي يتلقى من والده.
وفسر ابن السمعاني الاصطلاح بأنه لا يبعد أن يحرك الله نفوس العقلاء لذلك ويُعَلم بعضهم مراد بعض، ثم ينشئون على اختيار منهم صِيَغًا لتلك المعاني المرادة، كتسمية الأب مولوده، وكذا تستحدث صنعة أو آلة فتسميها.
وعلى هذا القول قال ابن جني في "الخصائص": (إنها متلاحقة، بعضها يتبع بعضًا، لا أنها وضعت في وقت واحد) (١).
قال: وهو قول أبي الحسن الأخفش.
وهو الصواب بناء على أن الواضع وضع من أول الأمر شيئًا ثم احتيج للزيادة عليه بحصول الداعية إليه، فَزِيدَ فيه شيئا فشيئًا.
الرابع وبه قال الأستاذ أبو إسحاق الأسفراييني: القَدْر المحتاج إليه في التعريف توقيفي،
стр. 1043
وأمما غيره - وهو الزائد على الاحتياج - فاصطلاحي. كذا حكاه عنه ابن القشيري، وجرى عليه صاحب "المحصول" وأتباعه كالبيضاوي.
لكن الذي حكاه عنه ابن برهان والآمدي وغيرهما - وهو الصواب الموجود في كتاب الأستاذ - أنه محتمل لأنْ يكون توقيفيًّا أو اصطلاحيًّا. ونقله عن بعض المحققين من أصحابنا، وعلى النقلين يَصيران مَذهبين.
الخامس (عكس هذا المذهب): أن يكون القدر المحتاج محتملًا أو مصطلحًا على [النقلين] (١)، والباقي توقيفًا. وربما عُبر عن هذين القولين بأن مبتدأ اللغة توقيفي والباقي مصطلح، وبالعكس.
وإلى ذلك أشرت بقولي في النَّظم: (وَلَوْ لِقَدْرِ حَاجَةٍ تُعْتَبَرُ)، ثم بينتُ في البيت الذي بعده القول الآخر بقولي: (وَعَكْسٌ). وهذه الاحتمالات في النقل يمكن دخولها في هذه العبارة.
السادس: الوقف في المسألة، فلا يُقْضَى فيها بتوقيف ولا باصطلاح، لا في الكل ولا في البعض. وبه قال كثير، كالقاضي وجمهور المحققين كما في "المحصول"؛ لتعارض الأدلة عندهم، فلم يرجحوا شيئًا.
والسابع (وهو مختار ابن الحاجب وتبعه في "جمع الجوامع" واختاره أيضًا ابن دقيق العيد): الوقف عن القطع بواحد من الاحتمالات، ولكن التوقيف مطلقًا هو الأغلب على الظن.
الثامن (وهو يخرج من كلام ابن السمعاني): أن الكل محتمل مع ظهور مذهب الأستاذ.
التاسع: يخرج من كلام بعض المتأخرين أن الأعلام يُقطع فيها بالاصطلاح، والباقي محتمل.
стр. 1044
العاشر (حكاه الأستاذ أبو منصور): التوقيف في الابتداء على لغة واحدة، وما سواها من اللغات تفرقوا فيه.
قال: وقد رُوي عن ابن عباس أن أول مَن تكلم بالعربية المحضة إسماعيل ﵇. وأراد به عربية قريش التي نزل بها القرآن، وأما عربية قحطان وحمير فكانت قبل إسماعيل ﵇.
تنبيهات
أحدها: قال السمناني في "الكفاية": قال المتأخرون من الفقهاء: هذا الخلاف إن كان في الجواز العقلي فهو ثابت بالنسبة إلى جميع المذاهب؛ إذْ لم يَلزم منه محُال، وإنْ كان في الوقوع السمعي فباطل؛ لأن الوقوع إنما يكون بالنقل، ولم يوجد فيه خبر متواتر ولا برهان عقلي.
الثاني: قال الأستاذ أبو منصور في "التحصيل": أجمع أصحابنا على أن أسماء الله تعالى توقيفية، ولا يجوز إطلاق شيء منها بالقياس وإن كان في معنى المنصوص. وجَوَّزه معتزلة البصرة.
قال: (وأما أسماء غيره فالصحيح من مذهب الشافعي جواز القياس فيها، وقال بعض أصحابه مع أكثر أهل الرأي [بامتناع] (١) القياس. وأجمعوا أنه لو حدث في العالم شيء بخلاف الحوادث كلها جاز أن يوضع له اسم، واختلفوا في كيفيته، فمنهم مَن قال: [يُسَمَّى] (٢) باسم الشيء القريب منه في صورته، ويكون ذلك من جملة اللغة التي قِيس عليها. ومنهم من قال: يُسند إليه اسم كيف كان، ويكون ذلك لغة مختصة بالمسمَّى بها).
стр. 1045
انتهى
الثالث: قال الأبياري في "شرح البرهان": (لا فائدة للمسألة، وذِكرها في الأصول فضول) (١).
وقال بعضهم: لا فائدة لها إلا تكميل العِلم بهذه الصناعة أو جواز قلب ما لا يُطلَق له بالشرع، كتسمية الفرس ثورًا وعكسه.
وقال بعضهم: إنها جرت في الأصول مجرى الرياضيات، كمسائل الجبر والمقابلة.
وزعم بعضهم خلاف ذلك وأن لها فوائد، فخرج عليها:
ما لو عقد بصداق في السر وبآخَر في العلانية.
أو استعملا لفظ شركة المفاوضة في شركة العنان حيث نَص الشافعي على جوازها.
أو تبايعا بالدنانير وسَمَّياها دراهم، أو عكسه، فإن ابن [الصباغ] (٢) قال: لا يصح.
وكما لو قال لزوجته: إذا قلتُ: "أنت طالق ثلاثًا" فإني لم أُرِد به الطلاق، وإنما غرضي أن تقومي أو تقعدي، ثم قال لها ذلك، وقع.
وحكى الإمام في "باب الصداق" وجهًا أن الأثمان بما [يتواضعان] (٣) عليه.
وفي "البسيط" (٤): سمى أَمته "حرة" ولم يكن ذلك اسمها، ثم قال لها: "يا حرة"، الظاهر أنها لا تعتق إذا قصد النداء. وجعله ملتفتًا على هذه القاعدة.
стр. 1046
قال في "المطلب": والأشبه عدم بنائه على ذلك؛ لأنه مُفَرع على وضع الاسم بالاصطلاح، وإذا جاز، صار كالاسم المستمر. ولو كان اسمها بعد الرق "حرة" ولم يكن ذلك من تسميته وناداها به وقصد ذلك، لم يقع، فكذا هنا.
وغير ذلك من الصوَر.
والحقُّ أنه لا يتخرج شيء من ذلك على هذه القاعدة؛ لأن مسألتنا في أن اللغات التي هي بين أَظْهُرنا هل هي توقيف؟ أو اصطلاح؟ لا في شخص خاص اصطلح مع صاحبه على تغيير الشيء عن موضوعه.
وإنما تناسب هذه الفروع قاعدة: "إن الاصطلاح الخاص هل يرفع الاصطلاح العام؟ أو لا؟ " وفيها خلاف.
ومنهم من قال: فائدة الخلاف في مسألتنا تظهر في جواز قلب اللغة، فالقائلون بالتوقيف يمنعونه مطلقًا، وبالاصطلاح يجوزونه إلا أن يمنع الشرع منه كما قاله القاضي وإمام الحرمين وغيرهما.
وأما المتوقفون فقال المازري: اختلف فيه المتأخرون، فقال [الآذري] (١) بالجواز كمذهب الاصطلاح، وعبد الجليل الصابوني بالمنع.
وقال الماوردي في "تفسيره": (فائدة الخلاف أن مَن قال بالتوقيف جعل التكليف مقارنًا لكمال العقل، ومَن جعله اصطلاحًا جعله متأخرًا مدة الاصطلاح).
ثم حكى وجهين في تعليم الأسماء لآدم ﵇:
(أحدهما ان التعليم كان للاسم دون المعنى.
стр. 1047
والثاني: للأسماء ومعانيها، وإلا فلا فائدة في الأسماء وحدها.
وعلى الأول وجهان:
أحدهما: عَلَّمه إياها باللغة التي كان [يتكلم] (١) بها.
والثاني: بجميع اللغات، وعَلَّمها آدم ولده، فلمَّا تفرقوا تكلم كل قوم منهم بلسان استسهلوه منها وألِفوه، ثم نَسوا غيره بتطاوُل الزمان.
وقيل: أصبحوا وكُل قوم منهم تكلموا بِلُغة نسوا غيرها في ليلة واحدة. و [قيل] (٢): هذا في [العُرف] (٣) ممتنع) (٤). انتهى
وزعم بعض الحنفية أنهم يقولون بالتوقيف، وعزا الاصطلاح لأصحابنا، ثم قال: (وفائدة الخلاف أنه يجوز التعلق باللغة عند الحنفية لإثبات حكم الشرع من غير رجوع إلى الشرع، وبنوا عليه أن حكم الرهن الحبس؛ لأن اللفظ ينبئ عنه. وعند الشافعية أن [التعلق] (٥) باللغة لأحكام الشرع لا يجوز؛ لأن الواضعين في الأصل كانوا جُهالًا وضعوا عبارات لِمُعَبرات لا لمناسبات، ثم استُعملت وصارت لُغة). انتهى
والله أعلم.
стр. 1048
ص:
٤٨١ - بِهِ، وَعَكْسٌ، ثُمَّ طُرْقُ الْمَعْرِفَهْ ... مِنْ أَهْلِهَا بِمَا تَرَى أَنْ تَعْرِفَهْ
٤٨٢ - النَّقْلُ بِالْآحَادِ أَوْ تَوَاتُرِ ... كَذَلِكَ اسْتِنْبَاطُ عَقْلٍ وَافِرِ
٤٨٣ - مِنْ ذَاكَ، لَا مُجَرَّدُ الْقِيَاسِ ... وَلَا بِعَقْلٍ دُونَ ذَا الْأَسَاسِ
الشرح:
قولي: (بِهِ، وَعَكْسٌ) متعلق بما سبق من الإشارة إلى بقية المذاهب في تلك المسألة كما بيناه.
وقولي: (ثُمَّ طُرْقُ الْمَعْرِفَهْ) إشارة إلى الأمر الثاني مما عقد له الترجمة بالتذنيب، وهو بيان الطريق إلى معرفة اللغة من أهلها الذين قد تلقوها من واضعها:
- إما من الله تعالى إنْ قلنا بالتوقيف بواسطة ما سبق من الوحي إلى الأنبياء أو الإلهام أو غيره على ما سبق.
- وإما من الذي وضعها من البشر.
والذي يقتضيه التقسيم ثلاثة أقسام: نقل محض، وعقل محض، ومركَّب منهما.
فالأول والثالث صحيحان، والثاني باطل كما سنبينه.
فأما النقل المحض فَعَلَى ضربين:
إما [تَواتُر] (١): كالأرض والسماء والحر والبرد، وهو يفيد القطع.
وإما آحاد: كالقرء ونحوه، وهو يفيد الظن عند اجتماع الشروط السابقة في
стр. 1049
[موضعها] (١).
وحكى القاضي من الحنابلة عن الشيباني: أن اللغة لا تثبت بالآحاد، وكأنه قول الواقفية في صِيَغ العموم، والحقُّ: أنه حُجة في العمليات دون العقائد.
والدليل على وجوب التمسك بالآحاد في اللغة هو الدليل على وجوب التمسك به في الشرعيات، لأنها وسيلة إليها.
وللإمام الرازي في "المحصول" طريقة في الرد على [المخالِف] (٢)، وهي أن اللغة إنْ كانت مما عُلم بالاحاد -[أيْ مِن] (٣) الضروريات وهو أكثر اللغة- فلا يسمع التشكيك؛ لأنه تشكيك في الضروريات، أو من غير الضروريات فيكتفَى فيه بالظن كما في الشرعيات.
نعم، قال ابن السيد: إنما يسمى لغةً ما كان في الكلام، أما ما ينفرد به الشعر فإنما يسمى ضرورة، لكن ذكره في الاستعمالات النحوية، لا الألفاظ المفردة.
وأما المركَّب -وهو استنباط العقل من النقل- فله ثلاث طرق:
إحداها: استقراء كلام العرب في أمر، فيفيد إما القطع وإما الظن على ما سيأتي في الكلام على الاستقراء من الأدلة المختلَف فيها.
ومن هذا أبنية اسم الفاعل والمفعول وغيرها من أحكام التصريف والنحو والبيان على ما فُصل كل واحد في فنه.
الثانية: أنه إذا ثبت مقدمة بحكم من أحكام الكلم العربي ومقدمة أخرى لذلك وكانتا
стр. 1050
بحيث يتركب منهما قياس [مستوف لشرائط] (١) الإنتاج على القانون المبرهن في المنطق، أنتج نتيجة وهي باجتماع الأمرين: النقل في كل من المقدمتين، والعقل في تركيب إحداهما مع الأخرى على الوجه المنتج.
كما نقل أن الجمع المعرَّف باللام يدخله الاستثناء وأنَّ كل ما يدخله الاستثناء مما يحتمل العموم وغيره يكون عامًّا؛ لكون الاستثناء إخراج ما لولاه لوجب دخوله؛ فينتج أن الجمع المعرف بِـ "أل" للعموم.
ثم إنْ كانت المقدمتان قطعيتين فالنتيجة قطعية، أو ظنيتين أو إحداهما ظنية فالنتيجة ظنية على ما قررناه في الكلام على الدليل.
واعترض في "المحصول" بأن الاستدلال بالمقدمتين النقليتين على النتيجة لا يصح إلا إذا ثبت أن المناقضة [ممنوعة] (٢) على الواضع، وهذا إنما يثبت إذا قُلنا: [الواضع غير] (٣) الله تعالى. وقد قلنا: إن ذلك غير معلوم (٤).
الثالثة: القياس على معنى القياس الشرعي ونَظْمه الذي سبق أن أهل المنطق يسمونه "التمثيل"، وهو أنْ ينقل عن العرب تسمية شيء بلفظ يلحظ في تسميتهم له ذلك معنى، فإذا وجد ذلك المعنى في شيء آخر، سُمي بذلك الاسم.
стр. 1051
كتسمية النباش سارقًا، قياسًا على مَن سرق من غير القبر، بجامع أن كلًّا منهما أخذ من حرز بِخفيه.
وكتسمية اللائط زانيًا، قياسًا على الواطئ في قُبل أنثى بشروطه المعروفة، بجامع أن كلًّا إيلاج في فرج محرَّم.
وكتسمية النبيذ (وهو ما كان من غير العنب) خمرًا؛ قياسًا على المتخَذ من عصير العنب، بجامع أن كلًّا فيه مخامرة العقل ما لم يجعل الخمر اسمًا لِمَا خامر العقل مطلقًا؛ فيشمل الكل. وشبه ذلك.
وفي ثبوت اللغة به قولان للأصوليين، وهُما وجهان لأصحابنا كما في "اللمع" للشيخ أبي إسحاق و"الحاوي" و"البحر":
أحدهما: المنع، وبه قال الصيرفي والقاضي كما هو في "تقريبه"، وحكاه عنه [المازري] (١) وغيره خِلافًا لحكاية ابن الحاجب عنه الجواز.
وإلى ذلك ذهب ابن القطان وإمام الحرمين وإن كان يقول به في أثناء [استدلالاته] (٢)؛ لأن هذا المحل هو مظنة تحقيق [هذه] (٣) المسألة، وأما مقام المناظرة فقد يُرتكب فيها في الرد على الخصم غير المعتقد.
وكذلك قال الغزالي والآمدي، بل معظم أصحابنا والحنفية. وهذا معنى قولي في النظم: (لَا مُجَرَّدُ الْقِيَاسِ).
والحجة في ذلك أنه ما من شئ إلا وله اسم في اللغة ولو بطريق الشمول له ولغيره، فلا
стр. 1052
يَثبُت له آخَر قياسًا، كما في الأحكام لا يكون للشيء حُكم بالنص وحُكم آخَر بالقياس مخالِف له.
قلتُ: قد يُفرق بالاستحالة هناك؛ لأن فيه جمع ضدين، بخلاف الاسمين، فإنه لا تَضاد بينهما؛ لأن كلًّا منهما علامة، ولا يمتنع تَعدُّد العلامة، كدليلين على حُكم واحد.
وأيضًا فقد سبق أنه لا يَلزم أن يكون كل معنى له لفظ يدل عليه، بل كل معنى محتاج إلى لفظ، وهذا يوجد بطريق العموم.
واحتُج أيضًا للمنع بأن القياس إنما هو في المشتق حتى يكون ما منه الاشتقاق هو العلة، والعرب قد لا تَطْرُد الاشتقاق كما سبق.
قلتُ: قد تكون العِلة غَيْر ما منه الاشتقاق، بل تناسب الاسم، كما في تسمية اللائط زانيًا؛ فإن العلة ليست ما اشتق منه لفظ "الزاني" وهو "الزنَى"، ونحو ذلك. وأيضًا التجوز إذا قُدِّر بأنه في المصدر كاللواط وكالنبش، فأين الاشتقاق على القول المرجَّح أن المصدر أصل للفعل والوصف؟
الثاني (وعليه الأكثر من أصحابنا كما قاله القاضي أبو الطيب وابن برهان والسمعاني ومنهم ابن سريج وابن أبي هريرة وأبو إسحاق الشيرازي والإمام): الجواز.
قالوا: لأن الاشتقاق في الاسم كالتعليل، فحيثما وُجد المشتق منه نُلحقه بالمشتق في التسمية. ونقله الأستاذ أبو منصور في كتاب "التحصيل" عن نَص الشافعي، فإنه قال في الشفعة: إن الشريك جارٌ؛ قياسًا على تسمية امرأة الرجل جارة له.
و[لذلك] (١) قال ابن فورك: إنه الظاهر من مذهب الشافعي؛ إذ قال: الشريك جار.
стр. 1053
وفي "الخصائص" لابن جني أنه قول أكثر علماء العربية كالمازني وأبي علي الفارسي. وحكى ابن فارس في "فقه العربية" إجماع أهل اللغة عليه.
وأُلزم ابن درستويه في مناظرة في المسألة أن يسمِّي كل ما يستقر فيه الماء "قارورة"، كالجب والحوض والبحر، فالتزمه؛ وشنعوا عليه. وكان له أن ينفصل بقيد آخَر فيقول: ما استقر فيه الماء وخَفَّ حَمْلُه.
نعم، في التعليل بالاشتقاق النظر السابق.
وفى المسألة مذهب ثالث: أنه يجوز ولكن لم يقع. حكاه ابن فورك.
ورابع حكاه ابن السمعاني عن ابن سريج خِلاف ما سبق نقلُه عنه، وهو: جواز ثبوتها بالقياس في الأسماء الشرعية دُون اللغوية، واختاره.
قال: (لأنَّا نَعلم أن الصلاة إنما سميت بذلك لصفة متى انتقصت عنها لم تُسم صلاة، فنعلم أن ما شاركها في تلك الصفة يكون صلاة، بخلاف الأسماء اللغوية فإنه لم يُلتزم فيها ما ذُكِر مِن اطراد معاني الاسم، وعلى هذا نثبت اسم الخمر للنبيذ شرعًا، ثم نحرمه؛ للآية، ونثبت اسم الزنا للواط شرعًا، ثم نحده [بالآية] (١)، والسارق للنباش شرعًا، ثم نقطعه بالآية) (٢). انتهى بمعناه.
وعُلم منه فائدة الخلاف في المسألة، فَعَلَى القياس اللغوي تندرج المسميات تحت العموم ولا يحتاج لقياس شرعي ولا لشرائطه، ويكون الدليل عليه النص.
ومَن يمنع، يقيس الحكم، ويحتاج لاستيفاء شرائط القياس، ولا يكون من دلالة النص. وتظهر فائدة ذلك في النَّسخ والتخصيص وغير ذلك من التعارض.
стр. 1054
ومذهب خامس: وهو أنه يثبت بالقياس الحقيقة، لا المجاز؛ لأنه أنقص رُتبة منها؛ فتُميَّز عليه. وهذا يخرج من كلام القاضي عبد الوهاب.
وسادس: وهو ما سبق أن الأستاذ أبا منصور حكاه في "التحصيل" من إجماع أصحابنا أن أسماء الله تعالى لا يجوز إطلاق شيء منها بالقياس، وأسماء غيره الصحيح من مذهب الشافعي جواز القياس فيها، خلافًا لبعض أصحابه مع أكثر أهل الرأي.
وقولي: (وَلَا بِعَقْلٍ دُونَ ذَا الْأَسَاسِ) بيان لكون العقل الصِّرْف لا يُجْدي شيئًا في ثبوت اللغة كما قاله البيضاوي وغيره؛ إذ لا مجال له في كيفية الموضوعات اللغوية.
قلتُ: إلا إنْ فرَّعنا على مذهب عبَّاد -على أحد النقلين عنه- أنه يفيد بذاته، وأن العقل يدرك ذلك.
تنبيهات
الأول: عُلم -من لفظ القياس من قولنا: (لا يثبت بالقياس) وتقريره- الاستغناءُ عن تقييد محل الخلاف بما لم يثبت تعميمه بالاستقراء، كرفع الفاعل ونصب المفعول، فإن عموم ذلك بالاستقراء (وهو تَتَبُّع الأمر الكلي من الجزئيات كما سيأتي)، ولا يتحقق فيها أصل وفرع؛ لأن بعضها ليس أَوْلى من بعض بذلك.
وكذا يُستغنى به عن أسماء الأعلام، فإنها غير معقولة المعنى، والقياس يُعتبر فيه فَهْم المعنى، فيصير كالحكم التعَبُّدي.
الثاني: زاد بعضهم طريقًا آخَر غير ما سبق وهو القرائن، قال ابن جني في "الخصائص": مَن قال: "إنَّ اللغة لا تُعرف إلا نقلًا" فقد أخطأ؛ فإنها تُعلم بالقرائن أيضًا، فإن الرجل إذا سمع قول الشاعر:
стр. 1055
قومٌ إذا الشَر أَبْدَى ناجِذَيْه لهم ... طاروا إليه زرافات وَوحْدانا
عَلِم أن "زرافات" بمعنى جماعات.
ولا يخفَى ما في ذلك مِن نظر؛ فإن نفس اللفظ نُقل بطريق، وإنما القرينة في إرادة الشاعر به هنا ذلك.
الثالث: قد عُلم في سبق من تغايُر النقل الصِّرْف والاستقراء بطريق الاستقراء ما قاله الخطيب البغدادي في "شرح الخطب النباتية" من أن اللغوي شأنه أن ينقل ما يظفر به عن العرب ولا يتعداه، والنحوي شأنه أن يتصرف فيما ينقله اللغوي ويقيس عليه، كالمحدِّث شأنه أن ينقل الحديث، والفقيه شأنه أن يتلقاه ويتصرف فيه ويقيس عليه الأشباه.
الرابع: قال الشافعي ﵁ في "الرسالة": (لسان العرب أوسع الألسنة، لا يحيط بجميعه إلا نبي، ولكنه لا يذهب منه شيء على عامَّتها. والعِلم به عند العرب كالعلم بالسُّنة عند أهل الفقه، لا نَعلم رجُلًا جمع السُّنن فلم يذهب منها عليه شيء، وتوجد مجموعة عند جميعهم) (١).
ونقل ابن فارس في "فقه العربية" عن بعض الفقهاء أنه لا يحيط بها إلا نبي، قال: (وهو كلام خليق أن يكون صحيحًا. قال: وما بلغنا عن أحد من الماضين أنه ادَّعَى حِفظ اللغة. وما وقع في آخِر "كتاب الخليل" أن هذا آخِر كلام العرب فالخليل أتْقَى لله من أن يقول ذلك) (٢).
قال: (وذهب علماؤنا -أو أكثرهم- إلى أن الذي انتهى إلينا من كلام العرب هو الأقل، ولو جاءنا جميع ما قالوه لجاءنا شِعر كثير وكلام كثير، وأحْرِ بهذا القول أن يكون