← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 32476

الفوائد السنية في شرح الألفية

شمس الدين البرماوي

Полный текст (2 306 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

ص: ٤٦٨ - وَشَرْطُهُ أَنْ لَا يَكُونَ سُكِتَا ... عَنْهُ لِخَوْفٍ أَوْ لِجَهْلٍ ثَبَتَا ٤٦٩ - وَلَا جَرَى لِلْغَالِبِ الْمَذْكُورُ ... أَوْ لِسُؤَالٍ طَابَقَ الْمَحْصُورُ ٤٧٠ - أَوْ حَادِثٍ وَنَحْوِهِ مِنْ مُقْتَضِي ... تَخْصِيصِ ذِكْرٍ، غَيْرَهُ لَا يَقْتَضِي (١) الشرح: أي: يُشترط في العمل بمفهوم المخالفة (وهو إثبات خلاف المذكور للمسكوت) شروط، بعضها راجع للمسكوت وبعضها للمذكور. فمِن الأول ما بدأ به ابن الحاجب: أنْ لا تظهر فيه أولوية بالحكم مِن المذكور ولا مساواة. أي: فإنه حينئذٍ "مفهوم الموافقة" كما سبق، لا "مفهوم المخالفة". وإنَّما لم أذكر هذا شرطًا في النَّظم لأنه معلوم مِن لفظ المخالفة المشار إليها بقولي أولًا: (وَإنْ يَكُنْ خَالَفَ، كَـ "الْمُخَالَفَهْ")، فإن الأولوية والمساواة منتفيان [بذلك] (٢). ومنه: أنْ لا يكون المسكوت تُرك ذِكر حُكمه لخوف على المخاطب أمرًا ما، فإنَّ الظاهر أن هذا فائدة التخصيص للمذكور بالذِّكر، أو لكون المتكلِّم يخاف من التصريح بحكم المسكوت أمرًا من ذلك، وهذا في المتكلِّم إذا كان غير الشارع. والأمران داخلان في قولي: (لِخَوْفٍ).

стр. 982

نعم، كلام ابن الحاجب يقتضي أن هذا مِن شروط المذكور، لكن على معنى أن المذكور صُرح به لرفع الخوف، كقولك لمن يخاف من ترك الصلاة الموَسَّعة في أول الوقت: (تركُها أول الوقت جائز)، ليس مفهومه عدم الجواز في باقي الوقت، وهكذا إلى أن يتضيق كما سبق في المُوَسَّع. ومنه: أن لا يكون سُكت عنه لكون المخاطَب غير جاهل به، ويمكن جعْل هذا من شروط المذكور، على معنى أن يكون ذِكره لأجل جهالة المخاطَب إياه، بخلاف المسكوت فإنه يَعلمه. كما لو قيل: (صلاة السُّنة فروضها كذا وكذا)، فلا يُقال: مفهومه أن الفرض ليس كذلك؛ لأنَّ ذلك معلوم. وربما قُدِّر أن المتكلِّم جاهل بحكم المسكوت، وذلك في غير الشارع كما سبق نظيره في الخوف، فيكون التكلِّم - غير الشارع - إنما تَرك حُكم المسكوت جَهْلًا، فظهر للتخصيص بالذِّكر سبب آخَر. وربما يُدَّعى أن ذلك من شروط المذكور، على معنى أنَّه خُص بالذكر؛ [لِجَهْل] (١) حُكم غيرِه. ومن القسم الثاني: أنْ لا يكون ذُكر لكونه الغالب عادةً، فأما إنْ جَرَى على الغالب فإنه لا يُعتبر مفهومه، كقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ﴾ [النساء: ٢٣]، فتقييد تحريم الربيبة بكونها في حجره لكونه الغالب، فلا يدل على حِل الربيبة التي ليست في حجره. قال الماوردي: (﴿فِي حُجُورِكُمْ﴾ أي: في بيوتكم. واختلف الفقهاء في اعتباره، فقال داود: إنه شرط في تحريم الربيبة. ومذهب الشَّافعي وأبي حنيفة وجمهور الفقهاء أنَّها

стр. 983

حرام) (١) . انتهى قلت: وممن قال بقول داود: علي بن أبي طالب فيها نقله عنه إلْكِيا الطبري في «أحكامه»، قال فيما رواه عنه مالك بن أوس: (إذا لم تكن الربيبة في حجر الزوج وكانت في بلد آخر وفارق الأم [بعد] (٢) الدخول، فله أن يتزوج بها) (٣) . ومثله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، فإن الخلع جائز في حالة الشقاق وغيرها، خلافا لابن المنذر من أصحابنا حيث اشترط الشقاق، وتخصيص الخوف بالذكر إنما هو لأجل الغلبة. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، فذكر السفر لأنه الغالب في فَقْد الكاتب. ومثله أيضا قوله: «أيما امرأة نكحت نفسها بغير إِذْن وليها فنکاحها باطل» (٤) ، فإن الغالب أن المرأة إنها تتحمل مشقة العقد على نفسها مع استحيائها من المماكسة على فَرْجها عند إرهاق الولي إياها بمنعه، فلا يُفهم منه أنها إذا نكحت نفسها بإذن الولي يكون صحيحا کما هو قول أبي ثور [و محمد بن الحسن] (٥) .

стр. 984

واعلم أن إمام الحرمين نقل هذا الشرط عن الشافعي ثم قال: (والذي أراه أن خروج الكلام على العُرف لا يسقط التعلق بالمفهوم، لكن ظهوره أضعف من ظهور غيره) (١). انتهى لكن الشافعي إنما صار إلى ذلك بناء على أصله أن القيد لا بد له من فائدة، والفائدة منحصرة في نفي الحكم عما عدا المنطوق، فإذا لاح للتخصيص فائدة أخرى غير نفي الحكم، تطرق الاحتمال إلى المفهوم، فيصير الكلام مجملا حتى لا يُقْضَى في المسكوت بموافقة ولا مخالفة. أشار إلى ذلك في «الرسالة» حيث قال: تعارض [الفوائد] (٢) في المفهوم کتعارُض الاحتمالات في المنطوق، فيُكسبه نعت الإجمال. والإمام وإن لم يُسقط التعلق به لكنه قال: دلالته ضعيفة حتى لو عارضه دليل أقوى منه قُدِّم عليه. وذكر الغزالي في «المنخول» نحوه، ووافقهما الشيخ عز الدين ابن عبد السلام على ذلك، وزاد أنه ينبغي العكس وهو أنه لا يعمل بالمفهوم إلا إذا خرج مخرج الغالب؛ محتجا بأن القيد إذا كان الغالب يدل عليه فذكره حينئذ يُعَيِّن فائدة أخرى وهي المفهومية، بخلاف ما إذا لم يخرج مخرج الغالب.

стр. 985

لكنه أجاب في "أماليه" بأنَّ المفهوم إنما قُلنا به لخلو القيد عن الفائدة لولاه، أما إذا كان الغالب وقوعه: فإذا نُطق باللفظ أوَّلًا، فُهم القيد لأجل غَلَبته، فذِكره بعد يكون تأكيدًا للحُكم المتصف بذلك القيد. فهذه فائدة أمكن اعتبار القيد فيها، فلا حاجة إلى المفهوم، بخلاف غير الغالب. واعْلَم أن ابن دقيق العيد في "شرح العنوان" بعد أنْ نصر مقالة الجمهور قال: (يشكل على الشَّافعي في قوله: "في سائمة الغنم الزكاة" (١)، فإنه قال فيه بالمفهوم وأسقط الزكاة في المعلوفة مع أن الغالب والعادة السوم، فمقتضَى هذه القاعدة أن لا يكون لهذا التخصيص مفهوم). انتهى وهذا السؤال ذكره القفال الشاشي وأجاب عنه بما حاصله أن اشتراط السوم لم يَقُل به الشَّافعي مِن جهة المفهوم، بل مِن جهة أن قاعدة الشرع أن لا زكاة فيما أُعِد للبذلة، وإنَّما تجب في الأموال النامية، فعُلم مِن ذلك اعتبار السوم. نعم، قصد القفال بذلك إبطال المفهوم بالكُلية، ولكنه مردود، وسيأتي مِن نَص الشَّافعي ما يدل على أنَّه إنما أوجب في السائمة دُون المعلوفة تَعلُّقًا بما في الحديث مِن القيد. ومنه: أن لا يكون المذكور خارجًا لجواب سؤال عنه، مِثل أن يُسأل النبي ﷺ : "هل في الغنم السائمة زكاة؟ "، فلا يَلزم مِن جواب السؤال عن إحدى الصفتين أن يكون الحكم على الضد في الأخرى؛ لظهور فائدة في الذِّكر غير الحكم بالضد. ومنه أيضًا: أن لا يكون خرج لبيان حكم حادثة اقتضت بيان الحكم في المذكور، كما لو قيل بحضرة النبي ﷺ : "لزيد غنم سائمة"، فقال: "في السائمة الزكاة"، إذِ القصد الحكم على تلك الحادثة، لا النفي عمَّا عداه.

стр. 986

ومن هذا قوله تعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: ١٣٠] فإنه وَرَد على ما كانوا يتعاطونه في الآجال أنَّه إذا حَلَّ الدَّين، يقول للمديون: (إما أن تعطي وإما أن تزيد في الدَّين)؛ فيتضاعف بذلك مضاعفة كثيرة. وهنا سؤال: وهو أنَّه لمَ جعلوا هنا السؤال والحادثة قرينة صارفة عن القول بضد الحكم في المسكوت ولم يجعلوَا ذلك في ورود العام على سؤال أو حادثة صارفًا له عن عمومه على الأرجح؟ بل لم يُجْروا هنا ما أَجْروه هناك من الخلاف في أن العبرة بعموم اللفظ أو بخصوص السبب وإنْ كان ابن تيمية في "المسودة" حكى عن القاضي أبي يعلى وأصحابهم فيه احتمالين. وقد يُجاب بأنَّ المفهوم لَمَّا ضَعُف عن المنطوق في الدلالة، اندفع بذلك ونَحْوِه، وقوة اللفظ في العام تخالف ذلك، حتَّى إنَّ الحنفية ادَّعوا أن دلالة العام على كل فردٍ من أفراده قطعية كما سيأتي في موضعه؛ فلَم يندفع بذلك (على الطريقة الراجحة). قولي: (وَنَحْوِهِ مِنْ مُقْتَضِي) إلى آخِره - إشارة إلى أن احتمال وجود فائدة للتخصيص بالذكر يُحال الأمر عليها حتَّى لا يُعمل بالمفهوم - ليس منحصرًا فيما ذُكِر، بل كل ما وُجِد له فائدة يمكن الإحالة عليها يمتنع العمل به؛ ولهذا ذكر البيضاوي عبارة شاملة للصُّوَر كلها، وهي: أنْ لا تظهر لتخصيص المنطوق بالذِّكْر فائدة غَيْر نَفْي الحكم عن المسكوت (١). فمِن الفوائد أيضًا: أنْ لا يكون عَهْدٌ، فإنْ كان فهو بمنزلة الاسم اللقب الذي يُحتاج إليه في التعريف، فلا يدل على نَفْي الحكم عمَّا عداه. ومنها: أن لا يُقْصَد بذكره زيادة الامتنان على المسكوت، كقوله تعالى: ﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النحل: ١٤]، فلا يدل على منع القديد.

стр. 987

ومنها: أن لا يخرج مخرج التفخيم والتأكيد، كحديث: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخِر أن تحد على ميت" (١) الحديث، فَقَيْد "الإيمان" لِلتفخيم في الأمر وأن هذا لا يليق بمن كان مؤمنًا. ومما يذكر مِن شروط العمل بالمفهوم أن لا يعود على الأصل - الذي هو المنطوق فيه - بالإبطال، كحديث: "لا تَبع ما ليس عندك" (٢). لا يُقال: مفهومه صحة بيع الغائب إذا كان عنده " إذْ لو صَحَّ فيه لَصَحَّ في المذكور وهو الغائب الذي ليس عنده، لأن المعنى في الأمرين واحد، ولم يُفَرق أحدٌ بينهما. وقد ذُكِرتْ لشروط أخرى غير مما سبق وصُوَر من الفائدة يحتمل رجوعها إلى ما سبق، وفَهْمُها منه، ولا حاجة إلى التطويل بها بَعْد تَقَرُّر الضابط بما سبق. قولي: (لَا يَقْتَضِي) أي: لا يقتضي العمل بالمفهوم، أي: إن هذه الأمور تقتضي تخصيص المذكور بالذِّكْر، لا نَفْي الحكم عن غيره. ولكن وراء هذا بحث آخَر، وهو أن المقترِن مِن المفاهيم بما يمنع القول به لوجود فائدة تقتضي التخصيص في المذكور بالذكر كما سبق شرحه: هل يدل اقترانه بذلك على إلغائه وجعله كالعدم؛ فيصير المعروض [لقيد] (٣) المفاهيم - إذا كان فيه لفظ عموم - شاملًا للمذكور والمسكوت حتَّى لا يجوز قياس المسكوت بالمذكور بِعِلَّة جامعة، لأنه منصوص، فلا حاجة لإثباته بالقياس؟ أوْ لا يدل، بل غايته الحكم على المذكور وأما غير المذكور فمسكوت عن حُكمه؛ فيجوز

стр. 988

حينئذٍ قياسه عليه؟ مثاله في الصفة مثلًا: لو قيل: هل في الغنم السائمة زكاة؟ فيقول المسئول: في الغنم السائمة زكاة. فغيْر السائمة مسكوت عن حُكمه، فيجوز قياسُه على السائمة، بخلاف ما لو أَلْغَى لفظ "السائمة" وصار التقدير: "في الغنم زكاة"، فلا حاجة حينئذٍ لقياس المعلوفة بالسائمة؛ لأن لفظ "الغنم" شامل لهما. في ذلك خلاف، والمختار الثاني، حتَّى إنَّ بعضهم حَكى فيه الإجماع، وهو ظاهر ما أَوْرَدَه ابن الحاجب في أثناء مسألة "مفهوم الصفة" عند ذِكر اعتراضات مِن جهة القائل بِنَفْي مفهوم الصفة، ومن جُملتها: لا نُسَلِّم أن فائدة التقييد بالصفة نَفْيُ ما عداها، بل تقوية حُكم المذكور بحيث لا يجوز إخراجه مِن العموم المعروض. أيْ: كما يمتنع إخراج صورة السبب من العموم الوارد عليها. فأجاب ابن الحاجب بأنَّ ذلك فَرعُ العموم، ولا قائل به، أمَّا القائل بالمفهوم فظاهر، وأما النافي له فلأنه يقول: إنه مسكوت عن حُكمه. لكن ابن الحاجب لم يُصرح به في مسألتنا بخصوصها، بل فيما لو لم يُقَلْ بالمفهوم مُطلقًا. فإذا لم يُقَلْ به لِمانع، يكون كذلك؛ إذْ لا فَرق. فلا ينبغي أنْ يُنقل عن ابن الحاجب ادِّعاء الإجماع في عَيْن المسألة، والله أعلم.

стр. 989

ص: ٤٧١ - أَقْسَامُهُ: الْوَصْفُ، وَمنْهُ: عِلَّةُ ... ظَرْفٌ وَحَالٌ، عَدَدٌ قَدْ أثبَتُوا الشرح: إذا عُلم مفهوم المخالفة، فَلَهُ أقسام ذكرناها واحدًا واحدًا: أحدها: مفهوم الصفة: وقَدَّمْتُه، لأنه رأس المفاهيم. قال إمام الحرمين: (ولو عبَّر مُعبِّر عن جميع المفاهيم بالصفة لَكان ذلك منقدحًا؛ لأن المعدود والمحدود موصوفان بِعَددهما وحَدِّهما) (١). ثم قال بعد ذلك: (وكذا سائر المفاهيم). انتهى ومراده أن معنى الوصفية يُدَّعَى رجوع الكل إليه باعتبارٍ وإن كان المقصود هنا نوعًا مِن ذلك خاصًّا بالاعتبار الآتي بيانه. فبعضهم يُعبر عنه بتعليق الحكم بإحدى صِفَتَي الذات أو أوصافها، كقوله ﷺ : "في سائمة الغنم زكاة" (٢)، وهو حديث معناه ثابت في "الصحيح"، كحديث كتاب الصديق الذي أرسله إلى أَنس حين وجَّهه إلى البحرين حكاية عن فرض رسول الله ﷺ ، وفيه: "وفي الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين" (٣) الحديث، وقال فيه: "فإذا كانت سائمة الرجل ناقصة

стр. 990

عن أربعين شاة واحدة، فليس فيها صدقة" (١). فإنَّ الغنم ذات، والسوم والعَلف وَصْفان لها، ومثله تعليق [النفقةِ] (٢) البينونة على الحمل، وشرط ثمرة النخل للبائع بما إذا كانت مؤبَّرة. فهو يدل على أنْ لا زكاة في المعلوفة، وأنْ لا نفقة [للحائل] (٣)، وأنْ لا ثمرة لبائع النخل غير المؤبَّرة. وربما عُبِّر عن ذلك بتقييد لفظ مشترك المعنى بلفظ آخَر مختص ليس بشرطٍ ولا استثناء ولا غاية. وبالجملة فليس المراد بالصفة النعت فقط كما هو اصطلاح النحاة؛ ولذلك يُمَثِّلون ب "مَطْل الغَنِي ظُلْم" (٤) مع أن التقييد به إنما هو بالإضافة. نعم، قد يُدَّعَى بأنَّ هذا نَعت محذوف منعوته، إذِ التقدير: مطل الشخص الغني. وإنَّما إدخال الإضافة في مفهوم الصفة في نحو: "في سائمة الغنم زكاة" فإن التقييد فيه بالإضافة كما مَثَّل به البيضاوي، لا بلفظ "الغنم"؛ لئلَّا يكون ذلك من مفهوم اللقب؛ لأنه اسم جامد، فلا فرق حينئذٍ في قوله: "في الغنم السائمة زكاة" و"في سائمة الغنم زكاة" في أن كُلًّا منهما مِن مفهوم الصفة، إلَّا أن ظاهر كلام البيضاوي استواؤهما في المفهوم. ولكن الظاهر التغاير؛ فالقيد في الأول "الغنم" بوصف السوم، وفي الثاني "السائمة" بوصف كونها من الغنم.

стр. 991

فمفهوم الأول عدم وجوب الزكاة في معلوفة الغنم، ومفهوم الثاني عدم الوجوب في سائمة غيْر الغنم مِن الإبل والبقر. قال ابن السبكي في "منع الموانع": (إنَّ هذا هو التحقيق، أما عدم وجوب الزكاة في الغنم المعلوفة بالنسبة للتركيب الثاني فمِن باب مفهوم اللقب، كما أن عدم وجوب الزكاة في الإبل والبقر بالنسبة إلى قولنا: "في الغنم السائمة الزكاة" مِن مفهوم اللقب أيضًا؛ لأن المقيد في هذا - وهو "الغنم" - لم يشمل غير الغنم، فلم يخرج بالصفة التي لو أُسقطت لم يَخْتَل الكلام. والمقيد في "سائمة الغنم" - وهو "السائمة" - لم يشمل المعلوفة حتَّى يخرج بقيد الإضافة للغنم التي لو أُسقطت لاختل الكلام؛ ولذلك لم يَقُل أَبو عُبَيد في "مَطْل الغَنِي ظُلم" إلَّا أن مفهومه أن مَطْل غير الغَنِي ليس بظلم، لا أن غير المَطْل ليس بظلم، ولا أن الغَنِي الذي ليس بمماطل ليس بظالم. وقد عُلم بما تَقرر أن لكل من التركيبين منطوقًا ومفهوم صفة ومفهوم لقب، فمنطوقهما واحد، وهو وجوب الزكاة في السائمة مِن الغنم، ومفهوم الصفة فيهما مختلف، وكذا مفهوم اللقب أيضًا فيهما مختلف كما سبق تقريره) (١). انتهى ملخصًا. قلتُ: قد تَقرر أنَّه ليس مرادهم بالصفة النعت الذي هو أحد التوابع في النحو، بل الأَعَم منه ومما يكون صفة في الأصل، فمعروض (٢) الصفة في "سائمة الغنم" هو لفظ "الغنم" وإنْ تقدمت صفته؛ لكونها أُضِيفت له. ولذلك وقع الخلاف - في إضافة الصفة للموصوف - بين البصريين والكوفيين، فالكوفيون لَمَّا جَوَّزوه لم يحتاجوا إلى تأويل، والبصريون أَوَّلُوه، فلم يخرج - على الرأيين -

стр. 992

بذلك عن كونه صفةً إلَّا صناعة فقط، فيتحد على هذا مفهوم التركيبين معًا كما أبداه ابن السبكي احتمالًا لأبيه وإنْ رَجَّح هو خِلافَهُ وزعم أنَّه التحقيق كما سبق. فَعَلَى هذا: مفهوم"في سائمة الغنم الزكاة" أنْ لا زكاة في معلوفة الغنم - من مفهوم الصفة، لا اللقب؛ لأن "اللقب" - كما سيأتي - أنْ يُرتب فيه الحكم على محكوم عليه جامد، وهذا مشتق، ولكنه لَمَّا كان الوصف مضافًا، لُوحِظَت الإضافة فيه تتميمًا، فيخرج منه سائمة نحو البقر، لا بلفظ "الغنم"، بل بإضافة "السائمة"، فيُدَّعَى خروج الأمرين معشًا، وأنهما مِن مفهوم الصفة. وقد تَعرَّض أَبو عُبيد في "مَطْل الغَني ظُلم" للثاني (لِخَفَائه) دُون الأول (لِوضُوحه)، فاعْلَمه. وسيأتي في هذا التركيب مباحث أُخرى في التنبيهات الآتية. وبالجملة ففي كون مفهوم الصفة حُجةً معمولًا بها مذاهب: أحدها: نعم، وبه قال الشَّافعي ومالك وأحمد وأَبو عُبيدة معمر بن المثنى فيما حكاه القاضي في "التقريب" وإمام الحرمين وغيرهما، ونقله الآمدي وابن الحاجب وابن السمعاني عن أبي عُبيد والفقهاء والمتكلمين، ونقله ابن الحاجب عن إمام الحرمين، وحكاه سليم الرازي عن اختيار المزني والإصْطَخْري وأبي إسحاق المروزي وابن خيران وأبي ثور وداود الظاهري، ومنهم مَن يَنقل عنه أنَّه إنما يقول بمفهوم الموافقة، لا المخالفة، فالنقل عنه مضطرب، وهو منصوص الشَّافعي في كتاب "أحكام القرآن"، وبه أيضًا قال الصيرفي ونقله عن نَص الشَّافعي، إذْ قال: (ومعقول في لسان العرب أن الشيء إذا كان له وصفان فوُصف بأحدهما، أن ما لم يكن بتلك الصفة بخلافه). انتهى وكذا حكاه ابن القطان عن نَصه في "كتاب الزكاة"، وحكاه القاضي عن نَص الأشعري في إثبات خبر الواحد، فقال: قال الله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات:

стр. 993

٦] مفهوم ذلك يدل على أن غير الفاسق لا نَتبَيَّنه، وتَمسك أيضًا في إثبات الرؤية بقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين: ١٥] فإنَّ مفهومه إثبات الرؤية لأهل الجنان. وجرى على القول به أكثر أصحابه. وفي "صحيح البخاري" في "كتاب الجنائز" و"مسلم" في "كتاب الإيمان" عن ابن مسعود قال: (قال رسول الله ﷺ : "مَن مات يُشرك بالله شيئًا، دخل النار". وقلتُ: مَن مات لا يشرك بالله شيئًا، دخل الجنَّةَ) (١). قيل: وهذا مصير منه إلى القول بالمفهوم؛ لأن الجملة حالية، ومفهوم الحال من باب الصفة كما سيأتي. قلتُ: وقد سبق في "باب القياس" احتمال أنَّه من باب قياس العكس، فلا امتناع أنَّه يدل بالطريقين. وهو يُشْبه قول الشَّافعي في مفهوم الموافقة: إنه مِن باب القياس. لكن ذاك قياس مستوٍ، وهذا قياس عكس، وسبق أنَّه جاء مرفوعًا عن النبي ﷺ ، فلم يحتج لمفهوم ولا قياس. المذهب الثاني: نَفْي حُجيته، وإليه ذهب أَبو حنيفة وأصحابه، ووافقهم من أصحابنا ابن سريج والقفال وأَبو بكر الفارسي وطوائف مِن المالكية، ونقله الإمام في "المعالم" عن مالك، لكن القاضي عبد الوهاب في "الملخص" نقل عن أصحاب مالك أنَّه حجة وأنه ظاهر قول مالك. انتهى واختاره الغزالي والآمدي وصاحب"المحصول" على خِلاف ما اختاره في "المعالم". الثالث قاله الماوردي: التفصيل بين أن يقع ذلك جرابًا لسؤال فلا يكون حجة، أو

стр. 994

ابتداءً فيكون حُجة؛ لأنه لا بُدَّ لتخصيصه بالذكر من موجِب، فلَمَّا خرج عن الجواب، ثبت وروده للبيان. قال: (وهذا هو الظاهر مِن مذهب الشَّافعي وقول جمهور أصحابنا) (١). قيل: وينبغي أن لا يُعد هذا مذهبًا ثالثًا؛ لأنَّ مِن شرط القول بالمفهوم في الأصل أن لا يظهر للتخصيص بالذِّكْر فائدة غَيْر نَفْي الحكم. الرِّبَا: قول إمام الحرمين في "البرهان" (٢) بالتفصيل بين: - أن يكون الوصف مناسبًا، فيكون حُجة، نحو: "في الغنم السائمة الزكاة"، فإنَّ خفة المؤونة مناسبة للمواساة بالزكاة. - وبين ما لا مناسبة فيه، فلا، نحو: "الإنسان الأبيض ذو إرادة". قال ابن السمعاني: (وهو خلاف مذهب الشَّافعي، فإن العِلة ليس مِن شرطها الانعكاس) (٣). لكن الإمام قد أورد هذا على نفسه، وأجاب بأن قضية اللسان هي الدالة عند إحالة الوصف على ما عداه بخلافه. وقال: إن هذا وضع اللسان ومقتضاه، بخلاف العِلل المستنبطة. الخامس: قول البصري، وهو أَبو عبد الله كما حكاه عنه صاحب "المعتمد" أنَّه حُجة في ثلاث صور: إحداها: أن يكون الخطاب وَرَد للبيان، كالسائمة في قوله ﷺ : "في الغنم السائمة زكاة"، فإنه ورد بيانًا لآية الزكاة.

стр. 995

الثانية: أن يكون ورد للتعليم، أي: الابتداء بما لم يَسْبق حُكمه لا مُجْمَلًا ولا مُبَيَّنًا، كحديث: "إذا اختلف المتبايعان، تحالفا" (١)، فإنَّ في رواية: "إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة، تحالفا" (٢) مفهومه أن السلعة إذا لم تكن قائمة، لا تحالف، وهو من مفهوم الحال الآتي

стр. 996

بيانها من أقسام الصفة. كذا أورده وقرره أَبو الحسين [البصري] (١) في "شرح المعتمد". والحديث بهذه الزِّيادة رواه الدَّارَقُطني بإسناد ضعيف. الثالثة: أن يكون ما عدا الصفة داخلًا تحتها، كالحكم بالشاهدين؛ لأن المفهوم - وهو الشاهد الواحد - داخل تحت لفظ "الشاهدين". ومثله: حديث القلتين، فإن القُلة الواحدة داخلة تحت القُلتين، أي: فلو لم يكن الحكم في الواحد مخالفًا، لَمَا كان لِذِكْر الاثنين فائدة. ويخرج مما سيأتي في أقسام الصفة مذاهب أخرى، ويجري بعض هذه المذاهب أيضًا في غير مفهوم الصفة كما سنشير إليه في كل واحد. تنبيهات أحدها: قد سبق أن المراد بالصفة أَعم مِن النعت النحوي وغيره، لكن إذا كان نعتًا فإِنما يكون له مفهوم حيث سِيق للتخصيص، ويكثر ذلك في النكرات، نحو: "رجل صالح"، أو للتوضيح وهو في المعارف، وربما تَردد بين الأمرين واحتملهما، كقوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [النحل: ٧٥]، فيحتمل: - أن يكون للتخصيص، فيكون حجة للمالكية (وهو القديم عندنا) أن العبد يملّك بتمليك السيد. - وأن يكون للتوضيح، أي: شأنه أن لا يَقدر على شيء. فيكون حجة للجديد من مذهبنا أنَّه لا يملك.

стр. 997

وكذا قوله ﷺ لَمَّا استعار من صفوان بن أمية (إذ قال له صفوان: "أغَصْبًا يا محمد؟ " فقال: "بل عارية مضمونة" (١) (يحتمل الإيضاح، أي: إن العارية شأنها ذلك، فهو حُكم العارية مطلقًا، ويحتمل التخصيص، أيْ: إنه شرط فيها الضمان، فلا تكون العارية مضمونة حتَّى يُشرط فيها ذلك، فيكون حجة للحنفية أنَّها لا تُضمن إلَّا بالشرط. ومثله في الفروع الفقهية: لو قال: (إذا [تظاهرتُ] (٢) مِن فلانة الأجنبية، فأنتِ عَلَيَّ كظهر أمي)، ثم تزوجها فظاهر منها، هل يصير مُظاهرًا مِن الأُولى؟ وجهان. أما إذا سِيقَ النعت للتوكيد (نحو: ﴿نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [الحاقة: ١٣]) أو للمدح (كصفات الله تعالى، نحو: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)، أو لمجرد الذم (نحو: الشيطان الرجيم) أو للترحم والتحنن (نحو: انظر لعبدك المسكين)، فهذه كُلها لا مفهوم لها. ثانيها: ما سبق مِن مُثُل "مفهوم الصفة" إذا كان هناك اسم تجري عليه الصفة متقدمًا أو متأخرًا على ما قررناه. أما لو ذكر الاسم المشتق بلفظ نحو: "في السائمة الزكاة" فهل هو كالصفة؛ لأن غايته أن الموصوف فيها محذوف؟ أوْ لا مفهوم له؛ لأن "الصفة" إنما جُعِل لها مفهوم لأنه لا فائدة لها إلَّا نَفْي الحكم، والكلام بدونها لا يختل، وأما "المشتق" فكاللقب يختل الكلام بدونه؟ اختلف أصحابنا في ذلك كما حكاه الشيخ أَبو حامد وابن السمعاني وغيرهما.

стр. 998

قال ابن السمعاني: (جمهور أصحاب الشافعي على الأول) (١). و [إنْ] (٢) وقع في "جمع الجوامع" ترجيح خلافه. واعْلَم أنَّ هذا غير مسألة "التعليق بالاسم المشتق يدل على تعليله بما منه الاشتقاق"، والفرق أن ذلك نَظرٌ في العِلة، ولا يلزمها الانعكاس، وهذا نظرٌ في دلالة هذا اللفظ. وقد سبق نحوه مِن كلام إمام الحرمين وإنْ تعقبه بعض شُراح كلامه بشيء ضعيف. نعم، الصفة المقيدة بذكر موصوفها أقوى دلالة في المفهوم مِن الصفة المطلقة؛ لأن المقيدة كالنص؛ ولهذا جعل أبو الحسن السُّهيلي -مِن أصحابنا- في كتاب "أدب الجدل" أن محل الخلاف في الاقتصار على الصفة دون الاسم، فإنْ ذُكِرَا جميعًا فظاهره أنه حُجة قطعًا. وقال الهندي: الخلاف في هذا أَبعَد؛ لأن في صورة التخصيص بالصفة من غير ذِكر العام يمكن أن يكون الباعث على التخصيص عدم [خُطُورِه] (٣) بالبال (٤). وهذا الاحتمال وإنْ أَمْكَن في الصفة المقيدة بذكر موصوفها إلا أنه بعيد جدًّا. وأَبْعَد مِن ذلك أيضًا إجراء الخلاف في صفة ليس مِن شأنها أنْ تطرأ وتزول، بل هي ملازمة للجنس، كالطعم في قوله ﷺ : "لا تبيعوا الطعام بالطعام" (٥)، فهو قريب من

стр. 999

التخصيص بالاسم. و [لهذا] (١) جزم العبدري وابن [الحاج] (٢) باشتراط هذا الشرط، بل زادا اشتراط أن يكون نقيض الصفة يخطر بالبال. قلتُ: وفيه نظر؛ لأن المعنى: لا تبيعوا الشيء الموصوف بأنه طعام، أي: مطعوم. فهو لا ينفك عن موصوف محذوف تطرأ فيه الصفة وتزول. ثالثها: حيث قُلنا بأنَّ المفهوم حجة على معنى نَفْي الحكم المذكور في المنطوق عن المسكوت سواء مفهوم الصفة وغيرها فهو من حيث دلالة اللغة ووضع اللسان كما قاله أكثر أصحابنا كما نقله ابن السمعاني، وهو الصحيح، وهو ظاهر إطلاقِي في النَّظم؛ إذِ الكلام فيما يستفاد من اللغة. وقال بعضهم: إنما هو مِن قِبل الشرع بتصرف منه زائد على وضع اللغة. وحكى الروياني في "البحر" وجهين في ذلك. وقال الإمام في "المعالم": (إن ذلك من قبيل العُرف العام؛ لأنَّ أهل العرف يقصدون مثل ذلك) (٣). أما في "المحصول" فوافق الحنفية في المنع من الأصل. وقيل: من حيث العقل. ويوافقه ما سيأتي في باب العموم أن عموم المفهوم عند بعضهم بالعقل.

стр. 1000

رابعها: اختلفوا أيضًا: هل دل على النفي عمَّا عداه مطلقًا سواء أكان من جنس المنعوت فيه أو لم يكن؟ أو تختص دلالته بما إذا كان من جنسه؟ ففي نحو: "في الغنم السائمة الزكاة" هل الزكاة منفية عن المعلوفة مطلقًا سواء أكانت من الإبل أو البقر أو الغنم؟ أو معلوفة الغنم فقط؟ على قولين حكاهما الإمام الرازي وغيره، وحكاه الشيخ أبو حامد خلافًا لأصحابنا، وصحح الثاني. ووَجْهُه أن المفهوم نقيض المنطوق، والمنطوق سائمة الغنم دُون غيرها. قال ابن السبكي: (ولعل هذا الخلاف مخصوص بصورة "في الغنم السائمة زكاة"، أما صورة "سائمة الغنم" فقد قُلنا: إنَّ المنفي فيها سائمة غير الغنم، فالمنفي "سائمة"، لا "غير سائمة"، والمنفي هناك "غير سائمة". لكن "غير سائمة" على العموم؟ أو على الخصوص؟ فيه القولان) (١). قلت: وقد سبق ما فيه من النظر. خامسها: قال ابن السمعاني: إذا اقترن بالحكم المعلَّق بالصفة حُكم مطلق، فقد اختلف قول الشافعي في دليل المقيَّد بالصفة (أي: دليل الخطاب فيه، وهو مفهوم المخالفة) هل يصير مستعملًا في المطلق؟ على قولين. مثاله قوله تعالى: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩] فكان مقيَّدًا بصفة اقتضت أن لا عدة

стр. 1001

على غير المدخول بها، ودليله وجوب العدة على المدخول بها. ثم قال تعالى: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩]، فهل تكون المتعة معطوفة على العدة في اشتراط الدخول فيها؟ على قولين: أحدهما: تصير بالعطف مشروطة. والثاني: لا، ويجري قوله تعالى: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ على إطلاقه. سادسها: ذكر بعضهم أنَّ أبا حنيفة إنما يخالف في مفهوم الصفة إذا ورد دليل العموم ثم ورد إخراج فَرْد منه بوصفٍ، كمجيء دليل بوجوب زكاة الغنم مطلقًا، ثم يقول: "في الغنم السائمة زكاة"، فلا ينفي الزكاة عن غير السائمة؛ استصحابًا لدليل العموم السابق. أما إذا لم يسبق عموم بل جاء ابتداءً "في السائمة الغنم الزكاة"، فأبو حنيفة يوافق على عدم الزكاة في المعلوفة. قولي: (وَمنْهُ: عِلَّةُ) إلى آخِره -إشارة إلى أن مفهوم الصفة يدخل تحته أقسام أربعة وإنْ كان كثير من الأصوليين يغاير بينها وبين الوصف. لكن إمام الحرمين جعلها من الوصف؛ لرجوعها إليه، فقال: (لو عُبِّر عن جميع هذه الأنواع بالصفة لَكان ذلك منقدحًا؛ فإنَّ المحدود والمعدود موصوفان بعددهما وحدهما، والمخصوص بالكون في زمان أو مكان موصوف بالاستقرار فيهما، فقول القائل: "زيد في الدار" أي: مستقر فيها، وكذا القتال يوم الجمعة، أي: كائن فيه) (١). وكذلك صرح القاضي أبو الطيب في العَدد بأنه قِسم مِن الصفة، وأشار إليه ابن

стр. 1002

الحاجب أيضًا. أحدها: مفهوم العلة: وهو تعليق الحكم بِعِلَّة، كـ "حرمت الخمر؛ لشدتها، والسُّكَّر؛ لحلاوته"، فيدل على أنَّ غير الشديد وغير الحلو لا يحرم، وإنما كان هذا أَخَص مِن مفهوم الصفة؛ لأن الوصف قد يكون تتميمًا للعلة، كالسوم، فإنه تتميم للمعنى الذي هو [عِلة] (١)، فالخلاف فيه هو الخلاف في مفهوم الصفة كما قاله القاضي والغزالي حتى لا يعمل بمفهوم ذلك على قاعدتهما. أما نَفْي الحكم عند إضافة الحكم إلى وصف، نحو: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾ [المائدة: ٣٨]، و ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ [النور: ٢]، فليس مِن مفهوم العِلة كما قال الغزالي، بل هو ملحق بدلالة الإشارة، وجعله ابن الحاجب مِن أقسام المنطوق غير الصريح، وسيأتي في مباحث القياس إيضاحه. الثاني: مفهوم الظرف: أما الزمان فنحو: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]، ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩]. وهو حجة عند الشافعي كما نقله إمام الحرمين والغزالي في " المنخول ". فلو قال لوكيله: (بعْ يوم الخميس)، فليس له أن يبيع في غيره؛ لأن الراغبين قد يكثرون ذلك اليوم كما لو أمره ببيع الفراء في الشتاء. ولو قال: (زَوِّج يوم الخميس)، لا يُزوج قبله، أو: (طَلِّق زوجتي يوم الخميس)، فالمنقول أنه إذا طَلَّق قَبْل ذلك الوقت، لا يقع، وبَعْده يقع. واستشكله النووي، ولعل جوابه أن ما بعد الوقت المأذون فيه مُستصحَبٌ، بخلاف ما قَبْله؛ لِعَد الإذْن أصلًا.

стр. 1003

ولو ادَّعى عليه بعشرة فقال: (لا يلزمني اليوم)، لا يكون إقرارًا؛ لأنَّ الإقرار لا يثبت بالمفهوم. نقله الرافعي عن القاضي [حسين] (١). وأما المكان فنحو: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]، وهو حُجة كما نقله الإمام والغزالي في "المنخول"، ولو قال: (بعْ في مكان كذا)، تَعَين على الأصح. نَعَم، هنا بحث، وهو أنه هل يُشترط كَوْن الفاعل والمفعول في المكان؟ مقتضَى كلام النحاة أنه لا يشترط، وقد فرق أصحابنا بين ما لو قال: (إنْ قتلتِ زيدًا في المسجد فأنت طالق) وبين قوله: (إنْ قذفتِ زيدًا في المسجد فأنت طالق) بِشَرط وجود القاذف فيه والمقتول فيه. والتحقيق في هذه القاعدة التفصيل بين الحسي فيشترط وجوده كالمسألة الأولى، و [المعنوي فلا يشترط] (٢) كالثانية. ونشأ مِن هذا خلاف بيننا وبين [الحنفية] (٣) في حديث: "صَلَّى على سُهيل بن بيضاء في المسجد" (٤). فَهُم يقولون: كان النبي ﷺ في المسجد وسهيل خارجه. ونحن نقول: كانا في المسجد. ويُضعِّف قولهم أن الصلاة مِن الحسي، فلا بُدَّ من وجود الفاعل والمفعول في الظرف. وَيرُد قولهم أيضًا أن الواقع أنْ ليس في حائط مسجده ﷺ فُرْجة من جهة القِبلة حتى يكون النبي ﷺ يراه منها فيُصلي عليه وهو خارج عن المسجد.

стр. 1004

ونحو ذلك أيضًا: "البصاق في المسجد خطيئة" (١)، فهل يمتنع مَن بالمسجد أن يبصق إلى خارجه؟ يجري فيه هذا العمل. الثالث: "مفهوم الحال": كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. ذكره ابن السمعاني في "القواطع" وإنْ لم يذكره أكثر المتأخرين، وقال: (إنه كالصفة) (٢). وهو ظاهر؛ لأن الحال صفة في المعنى قُيِّد بها. الرابع: "مفهوم العدد": أي: تعليق الحكم بِعَدد مخصوص، كقوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤]، وهو كالصفة كما قاله الشيخ أبو حامد وابن السمعاني، وجرى عليه الإمام والغزالي وابن الصباغ في "العدة"، وسليم قال: وهو دليلنا في نصاب الزكاة والتحريم بخمس رضعات. ونقله الشيخ أبو حامد عن نَص الشافعي. وكذا الماوردي في باب "بيع الطعام قبل أن يستوفى"، ومَثَّله بقوله ﷺ : "في أربعين شاةً شاةٌ" (٣)، وقوله ﷺ : "إذا بلغ الماء قُلتين، لم يحمل خبثًا" (٤).

стр. 1005

لكن في الثاني نظر؛ فقد قال ابن الصباغ في "العدة": (إن مذهب الشافعي أن مفهوم العدد حُجة إلا إذا كان في ذِكر المعدود تنبيه على ما يُزاد عليه، نحو: "إذا بلغ الماء قُلتين لم يحمل خبثًا"، فإنه تنبيه على أن ما زاد عليهما أَوْلى بأن لا يحمل). انتهى ومِثله قال الشافعي في "اختلاف الحديث": (إنَّ في حديث "إذا بلغ الماء قُلتين، لم يحمل نجسًا" دلالتين: إحداهما: أن ما بلغ قُلتين فأكثر لم يحمل نجسًا. والثانية: إذا كان دون قُلتين، يحمل النجاسة؛ لأن قوله: "إذا كان الماء كذا، لم يحمل النجاسة" دليل على أنه إذا لم يكن كذا، حمل النجاسة، وهذا يوافق حديث أبي هريرة في غسل الإناء من الولوغ؛ لأن آنيتهم كانت صغارًا) (١). انتهى وعلى هذا الثاني يحمل كلام الماوردي وأنه حُجة بالنسبة إلى عدم النقصان، لا الزيادة. قال ابن الرفعة في "المطلب" في "باب الجماعة": إن القول بمفهوم العدد هو العمدة عندنا في عدم تنقيص الحجارة في الاستنجاء من الثلاثة، ولا زيادة على ثلاثة أيام في خيار الشرط، ويتعَجَّب من النووي- رحمه الله تعالى- في قوله: إن مفهوم العدد باطل عند الأصوليين. قال: (ولَعَلَّه سبق الوهم إليه مِن اللقب). انتهى ونقل اعتباره أيضًا أبو الخطاب الحنبلي عن منصور بن أحمد، وبه قال مالك وداود. وأما القول بأنه غير حُجة فهو رأْى منكري مفهوم الصفة، كالقاضي وإمام الحرمين، وبه قال صاحب "الهداية" من الحنفية، ونُقل عن بعض الحنفية غير ذلك، فعندهم اضطراب

стр. 1006

فيه. وممن أنكر مفهوم العدد الإمام الرازي في تفصيل مُطَوَّل حاصله أنه لا يدل على نَفْي الحكم فيه فيما زاد أو نقص إلا بدليل. تنبيهان أحدهما: محل الخلاف فيه في عَدد لم يقصد به التكثير، كالألْف والسبعين ونحوهما مما يُستعمل في لغة العرب للمبالغة. قاله ابن فورك وغيره، فإن قولهم: (أسماء العدد نصوص) إنما هو حيث لا قرينة تدل على إرادة المبالغة، نحو؛ (جئتُك ألف مرة فلم أجدك). وبذلك يُعلم ضعف الاحتجاج بقوله ﷺ لَمَّا نزل: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]: "لأزيدن على السبعين" (١)، فعمل ﷺ بالمفهوم فيه، وذلك مِن أَشهر حجج المعْتَبِرين لمفهوم العَدد، بل ويجاب عنه بأمر آخَر، وهو أنه لَعلَّه قاله رجاءً لحصول المغفرة؛ بناءً على بقاء حُكم الأصل وهو الرجاء الذي كان ثابتًا قبل نزول الآية، لا لأنه فَهِمه من التقييد. وأما جواب القاضي أبي بكر والإمام والغزالي ومَن تبعهم بالطعن في الحديث فعجيب؛ فإنه في "الصحيحين" لكن بلفظ "سأزيد". قال أبو بكر الرازي: (فأما ما رواه أبو عبيد: "لأزيدن على السبعين" فهي رواية باطلة لا تصح ولا تجوز؛ فإنه يمتنع غفران ذنب الكافر، وإنما الروي: لو علمتُ أنه يغفر له إذا زدتُ على السبعين لَزِدْتُ) (٢). انتهى

стр. 1007

وهذه الرواية في "البخاري" في "باب الجنائز" بلفظ: "لو أعلم أني إن زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها" (١). وقد قال ابن فورك: لا معنى لتوهين الحديث؛ لأنه قد صح، وليس بمستنكَر استغفاره ﷺ ؛ لأنها لا تستحيل عقلًا، والإجابة ممكنة، ولو خُلِّينا وظاهر الآية لكان الزائد على السبعين يقتضي الغفران، لكن نزل بعده: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٤]، فَدَلَّ ذلك على زوال حُكم المفهوم " فإن صلاته ﷺ توجِب المغفرة؛ ولهذا امتنع مِن الصلاة على المدين. وتَلَطَّف ابن المنير فقال: لَعلَّ القصد بالاستغفار التخفيف، كما في الدعاء به لأبي طالب، وقوله: " لأزيدن على السبعين" أي: أفعل ذلك لأُثاب على الاستغفار، فإنه عبادة. الثانى: قال الشيخ تقي الدين السبكي: (التحقيق عندي أن الخلاف في مفهوم العدد إنما هو عند ذِكر نفس العدد، أما المعدود فلا يكون مفهومه حُجة، كقوله ﷺ : "أُحِلَّت لنا ميتتان ودمان" (٢)، فلا يكون فيه [عدم تحريم] (٣) ميتة ثالثة) (٤). ثم ذكر تمثيل الأصوليين بقوله ﷺ : "إذا بلغ الماء قُلتين"، ولم يرتضه، لأنه ليس فيه ذِكر عدد، واعتل بأنَّ العدد يشبه الصفة، والمعدود يشبه اللقب، فما ذكره إنْ لم يكن تنقيح مناط

стр. 1008

فهو تفصيل حَسَن، والله أعلم. ص: ٤٧٢ - وَالشَّرْطُ، وَالْغَايَةُ، حَصْرٌ أُبْرِ مَا ... بِـ "النَّفْيِ وَاسْتِثْنَاءٍ" اوْ بِـ "إنَّمَا" ٤٧٣ - أَوْ بِضَمِيرِ الْفَصْلِ، أَوْ تَقْدِيمِ ... مَعْمُولٍ انْ عُدَّ مِنَ الْمَفْهُومِ الشرح: أي: مِن أقسام مفهوم المخالفة مفهوم الشرط، فقولي: (وَالشَّرْطُ) عطف على قولي: (الْوَصْفُ). فلمَّا فرغتُ مِن الوصف وأقسامه شرعتُ في بيان باقي المفاهيم، وقد اشتمل البيتان منها على أقسام: أحدها: "الشرط": والمراد به ما علق مِن الحكم على شيء بأداة شرط كـ "إنْ" و "إذَا" ونحوهما، وهو المسمى بالشرط اللغوي، وليس المراد الشرط الذي هو قسيم السبب والمانع السابق بيانهما في خطاب الوضع. مثال الشرط اللغوي: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ [الطلاق: ٦] دَلَّ منطوقه على وجوب النفقة على أُولات الحمل، فهل دَلَّ بالمفهوم بالعدم على العدم حتى يُستدل به على منع وجوب النفقة للمعتدة [غير الحامل] (١)؟ أوْ لا؟ ذهب الشافعي إلى دلالته عليه، وكُل مَن قال بمفهوم الصفة يقول به؛ لأنه أقوى منه. وأما المنكِرون له فاختلفوا، فقال به ابن سريج وابن الصباغ والكرخي وأبو الحسين

стр. 1009

البصري، ونقله إمام الحرمين عن أكثر العلماء وبالغ في الرد على مُنكِره، وابن القشيري عن معظم أهل العراق، وأبو الحسن السهيلي في "أدب الجدل" عن أكثر الحنفية. وذهب أكثر المعتزلة -كما قال في "المحصول"- إلى المنع، وقالوا: لا ينتفي بعدمه، بل هو باقٍ على الأصل الذي كان قبل التعليق، ورجحه المحققون من الحنفية، ونُقل عن أبي حنيفة، ونقله ابن التلمساني عن مالك، واختاره القاضي والغزالي والآمدي. فَتَلَخَّص أنه لا خِلاف في انتفاء الحكم عند انتفاء الشرط، لكن هل الدال على الانتفاء صيغة الشرط؟ أو البقاء على الأصل؟ فمَن جعل الشرط حُجة، قال بالأول، ومَن أنكره، قال بالثاني. وقد احتج القاضي حسين في "باب بيع الأصول والثمار" من "تعليقه " على الحنفية بحديث يعلى بن أُمية أنه قال لعمر بن الخطاب: لماذا نقصر وقد أمِنا وقال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٩]؟ فقال: عجبتُ مما عجبتَ منه، فسألت النبي ﷺ عن ذلك، فقال: "صَدَقة تَصدَّق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته" (١). قال: وكانا من صميم العرب وأرباب اللسان، وأن المفهوم إنما تُرك لقول النبي ﷺ ذلك. ولا حُجة للمانع في نحو قوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: ٣٣]، لأن الإكراه حرامٌ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا أَم لم يُرِدْن، فلو كان معتبرًا لَتَقَيَّد بإرادة التحصُّن. بل جوابه:

стр. 1010

- أنه مما خرج مخرج الغالب؛ إذِ الغالب أن الإكراه يكون عند إرادة التحصن، فلا يعمل بمفهومه كما سبق. - وأنه مُعارَض بالإجماع على تحريم الإكراه على البغاء مطلقًا، فلا يُعمل بالمفهوم مع مُعارَضة الإجماع. وهذان أجاب بهما ابن الحاجب، وأَحسن منهما الجواب بأنه لا يُتصور الإكراه عند عدم إرادة التحصن؛ لأن اجمراه حَمْلُ المرء على ما يَكره، فإذا لم يُتصور الإكراه، جاز أن يقول: ليس بحرام؛ لأنه غير متصور، والتحريم فرع كونه مُتصوَّرًا. وعلى هذا فالفائدة في الشرط التنصيص على قُبح فعلهم وتشنيعه عليهم، وإنما يُعتبر مفهوم الشرط وغيره حيث لم يظهر للتخصيص فائدة كما سبق، وقد ظهر للتقييد -بإرادة التحصن- فائدة كما قررناه. ومِثله: ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢]، وقول القائل لابنه: (أطعني إنْ كنتَ ابني)، فإنَّ المراد التنبيه على السبب الباعث للحكم، لا تقييد الحكم به. تنبيه: حرف هذه المسألة الذي نشأ منه الخلاف فيها أن لفظ "أنت طالق" و"أنت حر" مثلًا عِلة في حصول الطلاق والعتق، فإذا قُيد بشرطٍ كـ "أنت طالق -أو حر- إنْ دخلت الدار"، فيقال: إن دخول الشرط هل يمنع انعقاد العِلة؟ أو لا يمنع إلا الحكم؟ فعند الحنفية يمنع انعقاد العلة، وعندنا لا يمنع. فإذا بقيت العلة منعقدة مع وجدان الشرط، أَوجبت الحكم عند وجود المعلق عليه و [نَفَتْه] (١) عند عدمه. وأما عندهم فإذا

стр. 1011

انتفت العلة، لم يكن انتفاء الحكم مسندًا إلى انتفائها. والخلاف بين الفريقين في ذلك طويل، محله ما وُضع للحجاج. الثاني: "مفهوم الغاية": وهي مد الحكم بأداة الغاية كـ "إلى" و"حتى" و"اللام" ونحوها. وألحقَ بعضهم به نحو: "صوموا صومًا آخِره الليل". قال الهندي: وفيه نظر (١). فمثال الغاية [بحرفها] (٢) قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]، وحديث: "لا زكاة في مالٍ حتى يحول عليه الحول" (٣). وهو حُجة كما نَص عليه الشافعي، فقال في "الأم": (وما جعل الله تعالى له غاية فالحكم بعد مُضِي الغاية فيه غَيْره قَبْل مُضِيها). ثم مَثَّله بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: ١٠١] الآية: (وكان في شرط القصر بحالةٍ موصوفةٍ دليلٌ على أن حُكمهم في غير تلك الصفة غير القصر) (٤). انتهى وقد اعترف به جمعٌ ممن أنكر مفهوم الشرط، كالقاضي أبي بكر والغزالي والقاضي عبد الجبار وأبي الحسين، وإليه ذهب مُعظم نُفاة المفهوم كما قاله القاضي في "التقريب"، قال: وكنا

стр. 1012

نصرنا إبطال حُكم الغاية، والأصح عندنا الآن القول به. قال: ولهذا أجمعوا على تسميتها "حروف الغاية"، وغاية الشيء: نهايته، فلو ثبت الحكم بعدها، لم يفد تسميتها "غاية". واحتج القاضي أيضًا بالاتفاق على تقدير ضد الحكم بعدها، ففي: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ يُقَدر: "فاقربوهن"، وفي: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠] يُقَدر: "فتحِل"، ونحو ذلك. ولا شك أن المضمر كالملفوظ به؛ لأنه إنما أُضمِر لَسَبقه إلى فَهم العارف باللسان، فكأنه نَص أهل اللغة على أنه منطوق. وهذا مِن القاضي يدل على أن انتفاء الحكم فيما بَعد الغاية مِن جهة المنطوق لا المفهوم، على خِلاف ما نقله ابن الحاجب عنه. ولهذا قال العبدري في "المستوفى" وابنُ الحاج في "تعليقة المستصفى" وجَرَى عليه صاحب "البديع" من الحنفية: ذهب طائفة من الحنفية إلى انتفاء الحكم فيما بعدها مع ذهابهم إلى عدم اعتبار مفهوم الغاية، تصميمًا على إنكار المفاهيم. ووافقهم الآمدي، ونقله المازري عن [الأزدي] (١) تلميذ القاضي (٢).

стр. 1013

تنبيه: إذا تُصُوِّر في الغاية تطاول، هل يتعلق الحكم بأولها؟ أو يتوقف الحكم على تمامها؟ الأكثر على الأول. تظهر فائدته في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فيجب دم التمتع عندنا إذا فرغ مِن العمرة وأحرم بالحج؛ لأنه يسمى حينئذٍ "متمتعًا"، [فيكتفَى] (١) بأولها. وقال مالك ما لم يقف بعرفة لا يجب دم التمتع. وقال عطاء: ما لم يَرْمِ جمرة العقبة. منشأ ذلك أنه لا يكتفَى بأول الغاية. ولنا قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾، والاتفاق على التعلق بأوله، وليس استيعاب الليل ولا مُضِي شيء منه شرطًا. الثالث: "مفهوم الحصر": وذكرت منه أربعة أمور: أولها: الحصر بالنفي والاستثناء، سواء فيه الاستثناء من التام والاستثناء المفرغ، وسواء أكان النفي فيه بـ "ما" أو "لا" أو "ليس" أو "لم" أو "إن"، أو ما هو في معنى النفي، نحو: ﴿فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٥]، ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ [التوبة: ٣٢]، وسواء أكانت أداة الاستثناء "إلا" أو غيرها، نحو: لا إله إلا الله، وما لي سِوَى

стр. 1014

الله. رضيتُ بك اللهم ربًّا فلن أرى ... أدين إلها غيرك الله واحدا ونحو: ما قام القوم إلا زيد، و: ما رأيت إلا زيدًا، ونحو ذلك من الأمثلة، وهي واضحة. وقد اعترف أكثر منكري المفهوم -كالقاضي والغزالي- باعتبار الفهوم هنا، وأصرَّ الحنفية على نفيهم. نعم، الصحيح أن الدلالة هنا بالمنطوق؛ بدليل أنه لو قال: (ما له عَلَيَّ إلا دينار)، كان ذلك إقرارًا بالدينار. ولو كان بالمفهوم، لم يؤاخَذ به؛ لعدم اعتبار المفهوم في الأقارير. وبذلك صرح أبو الحسين بن القطان في نحو: "لا نكاح إلا بولي" (١)، و"لا صيام لمن يبيت الصيام من الليل" (٢)، فقال: إن النفي والإثبات كلاهما بالمنطوق، وليس أحدهما بالمفهوم؛ لأنك لو قلتَ: "لا تُعطِ زيدًا شيئًا إلا إنْ دخل الدار"، كان العطاء والمنع منصوصًا عليهما. وممن جزم بأنه منطوق أيضًا الشيخ أبو إسحاق في "الملخص"، ورجحه القرافي في "القواعد"، وإنما أدخلتُه في [المفاهيم] (٣) تبعًا للمشهور في الأصول. قال الماوردي في قوله ﷺ : "لا يقبل الله صلاة بغير طهور" (٤): إنه يدل على قبولها بالطهور، ونَفْي الحكم عن تلك الصفة موجِب لإثباته عند عدمها، وهو الظاهر من مذهب

стр. 1015

الشافعي. قال: (ويحتمل قول مَن جعل ما عدا الإثبات في "إنما" موقوفًا أن يجعل ما عدا النفي هنا موقوفًا) (١). انتهى وظاهره أن الدلالة على النفي بطريق التضمن اللفظي وأن الإثبات هو محل الخلاف: هل هو بالمنطوق؟ أو بالمفهوم؟ وسيأتي في المخصصات -في جريان الخلاف في أن الاستثناء من النفي إثبات وعكسه- فروع لم يجعل فيها الاستثناء من النفي إثباتًا؛ لمدارك فقهية، لكن في نحو: (ما زيد إلا قائم) نسبةُ ثبوت القيام لزيد نُطق قطعًا، وإنما النظر في نفي القيام عن غيره: هل هو بالنطق؛ أو بالفهم؛ والظاهر أن الحال مختلف بحسب التراكيب، ولهذا قال إلْكِيَا: المفهوم يجرى في النفي كالإثبات، فلا فرق بين قولنا: "القطع في رُبع دينار" وقولنا: "لا قطع إلا في ربع دينار". قال: ومِن العلماء مَن قال: إذا قال: "لا قطع إلا في ربع دينار"، كان نَصًّا في القطع بالربع، مفهومًا فيما فوقه ودُونه. فأفاد أن محل النزاع في التراكيب موضع النفي، وأنه يختار عدم الدلالة فيه، فيكون فيه الآراء الثلاثة: هل هو بالنُّطق؟ أو بالفهم؟ أو لا يدل أصلًا؟ كما هي آراء في "إنما" كما سيأتي. وقد سبق إشارة الماوردي إلى ذلك. الثاني: الحصر بـ "إنما": والجمهور على إفادتها الحصر، وهو إثبات الحكم في المذكور ونفيه عما عداه. وبه قال الشيخ ابو اسحاق والغزالي وإلْكِيا والإمام الرازي وأتباعه وغيرهم كما نقله عنهم ابن

стр. 1016

السبكي في "جمع الجوامع"، لكن الغزالي إنما نقل عن القاضي أنها ظاهرة في الحصر محتملة للتأكيد، ثم قال: وهو المختار. وعبارة القاضي في "التقريب": إنها محتملة للحصر ولتأكيد الإثبات، وأن العرب استعملتها لهما. ثم قال: (ولا يَبْعُد أنها ظاهرة في الحصر). انتهى وقد نَص الشافعي على ذلك في "الأم"، فقال: (وإذا أَسلم الرجل على يد الرجل ووالاه ثم مات، لم يكن له ميراثه [مِن قِبَل] (١) قوله ﷺ : "إنما الولاء لمن أعتق" (٢)، وهذا يدل على معنيين، أحدهما: أن الولاء لا يكون إلا لمن أعتق، والثاني: لا يتحول الولاء عمن أعتق) (٣). انتهى ولهذا قال الماوردي في "الحاوي": (مذهب الشافعي وجمهور أصحابه أنها في قوة الإثبات والنفي. وذهب ابن سريج وأبو حامد المروروذي إلى أن حُكم ما عدا الإثبات موقوف على الدليل؛ لِمَا تضمنه من الاحتمال، والمذهب الأول) (٤). انتهى والقول بأنها ليست للحصر جرى عليه الآمدي، وكذا أبو حيان قال: كما لا يفهم ذلك من أخواتها المكفوفة بـ "ما"، مِثل: "لَيْتَما" و"لَعَلَّمَا"، وإذا فُهم من "إنما" حصر فإنما هو من السياق، لا أنها تدل عليه بالوضع. وبالغ في إنكار ذلك، ونقله عن البصريين. وفيه نظر؛ فإن إمام اللغة الأزهري نقل عن أهل اللغة أنها تفيده، نحو: "إنما المرء

стр. 1017

بِأَصغريه، [قلبه ولسانه] (١) "، أي: كماله بهذين العضوين، لا بهيأته ومنظره. قلتُ: وكلام النحاة في تقرير تقديم المبتدأ على الخبر وعكسه وتقديم الفاعل على المفعول وعكسه حيث حصر بِ "إنما" (اتفاقًا) أو بِـ "ما" و"إلا" (على الأصح) كالصريح في أنه لا خِلاف في إفادة "إنما" الحصر، وإلا لم يترتب الحكم المذكور. وأبو حيان ممن قرر ذلك في كُتبه النحوية كَشَرْحَي "الألفية" و"التسهيل" و"الارتشاف" وشرح "الغاية" و"مختصر المقرب" وغيرها. ومَن تأمل كلامهم، لا يشك في إجماعهم عليه. نعم، للعلماء طُرق في إفادتها: أقواها: نقل أهل اللغة، واستقراء استعمالات العرب إياها في ذلك. وأضعفها: طريقة الإمام الرازي وأتباعه أنَّ "إنَّ " للإثبات و"ما" للنفي ولا يجتمعان، فيجعل الإثبات للمذكور والنفي للمسكوت. ورُدَّ بمنع كُلٍّ من الأمرين؛ لأن "إنَّ" لتأكيد النسبة نفيًا كان أو إثباتًا، نحو: إنَّ زيدًا قام، إنَّ زيدًا لم يقم. و"ما" كافَّة، لا نافية على المرجح، وبتقدير التسليم فلا يلزم استمرار المعنى في حالة الإفراد حالة التركيب. وقال السكاكي: ليس الحصر في "إنما" لكون "ما" للنفي كما يَفْهمه مَن لا وقوف له على النحو، لأنها لو كانت للنفي لكان لها الصدر. ثم حكى عن ابن عيسى الربعي واستلطفه أنَّ: ("إنَّ" لتأكيد إثبات المُسْنَد للمسنَد

стр. 1018

إليه، و"ما" مؤكِّدة، فناسب معنى الحصر). انتهى وفيه نَظَر؛ إذْ لا يَلْزم مِن حصولِ تأكيدٍ على تأكيد الحصرُ، كما في: قام القوم كلهم أجمعون. وقال بعضهم: أحسن ما يُستدل به انفصال الضمير بعدها في نحو: (وإنما يدافع عن أحسابهم أنا أو مِثلي). أي: فكأنها نفي واستثناء تقديرًا. وفيه أيضًا نظر؛ فإن ذلك لأجل أنه مِن قَصْر الصفة على الموصوف. وأما استدلال ابن دقيق العيد وغيره بِفَهم ابن عباس الحصر من "إنما الربا في النسيئة" (١) ففيه نظر أيضًا؛ فإن ابن عباس رواه عن أسامة بلفظ: "ليس الربا إلا في النسيئة" (٢) كما في "مسلم"، فيحتمل أنه مُسْتَنَد ابن عباس. لكن قد يجاب بأنهم قد رووا أنه استدل بذلك وأنهم لَمَّا وافقوه كان كالإجماع وإنْ كان قد رواه مرة أخرى بصيغة "إلا"، وغايته أن الصيغتين سواء، فاستدل بهذه تارة وبهذه أخرى. وقال الشيخ تقي الدين السبكي: (من دلائل إفادتها الحصر قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ [النحل: ٨٢]؛ إذْ لو لم تُفِد إلا معنى "عليك البلاغ" لَمَا استقام الكلام؛ لأنه ﷺ عليه البلاغ تَوَلَّوا أو لم يَتَوَلَّوا) (٣). وفي المسألة مذهب ثالث: أنها تفيد الحصر بالمنطوق. حكاه الشيخ أبو إسحاق في

стр. 1019

"التبصرة" عن القاضي أبي حامد المروروذي، قال: مع نفيه لدليل الخطاب. وكذا حكاه الماوردي وجهًا لأصحابنا أيضًا، بل وإذا قُلنا: إنه إنما انتفى بالمفهوم، فقد اختلفوا أيضًا في أن: ذلك من لسان العرب لُغةً؟ أو أَوْجَبه دليلُ الخطاب شرعًا؟ تنبيه: تظهر ثمرة الخلاف في نحو: (إنما قام زيد وعمرو)، هل يكون "وعمرو" تخصيصًا؟ أو نسخًا؟ أيْ إذا قلنا: إن التخصيص نسخ، وإذا لم يُشترط تراخي دليل النسخ، وإلا فهو في الحقيقة إخراج بعض العام. ومن فوائده: الاستدلال على الحنفية المنكِرين للمفهوم بنحو: "إنما الشفعة فيما لم يقسم" (١). فان كان الحصر في "إنما" بالمفهوم فلا يُستدل به عليهم. واعلم أن هذا كله في صيغة "إنِّما" بالكسر، وأما "أنَّما" بفتح الهمزة فقد ادَّعى الزمخشري إفادتها أيضا القصر -يعني الحصر- في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الأنبياء: ١٠٨]، وقال: (إنَّ القصر في "إنما" المكسورة الأُولى في الآية: قصر الحكم على الشيء، وفي "أنما" الثانية المفتوحة: قصر الشيء على الحكم) (٢). يريد بذلك قصرَ الصفة على الموصوف، وعَكْسَه. و[بناء] (٣) المسألة على أن المفتوحة فرع المكسورة على أصح المذاهب، ولهذا ترجم سيبويه باب إن وأخواتها بِـ "باب الأحرف الخمسة"، وعَدَّ المكسورة والمفتوحة واحدًا.

стр. 1020

وقيل: المكسورة فرع المفتوحة. وقيل: كل منهما أصل برأسه. فتبين بذلك أن إنكار أبي حيان على الزمخشري ذلك وأنه تَفَرَّد به -ممنوعٌ لهذا البناء. واعتراضه عليه بأنه يقتضي أنه لم يُوحَ إليه سِوَى التوحيد -عجيبٌ؛ لأن ذلك مِن قَصر القلب، فإن خطابه بذلك للمشركين، أي: ما يوحَى إلَيَّ في الربوبية إلا التوحيد، لا الإشراك الذي يعتقدونه. وأيضًا فبتقدير كونه قصرًا حقيقيًّا قد يلتزمه الزمخشري على رأيه الفاسد في الاعتزال من إنكار الصفات، بل لَعَله مأخذه في تقرير الحصر هناك. قلت: لكن لا يخرج بذلك عن كونه غير حقيقي؛ لأنه قد أُوحي إليه غير الصفات من فروع الشريعة والأخبار ونحوها. والذي أظنه أن الشيخ أبا حيان إنما اعترض بما قاله سهوًا؛ لأن الكلام فيما حصر بِـ "أنما" الأخيرة المفتوحة، وذلك حصر الإلهية في واحد، وهذا حصر حقيقي لا تَردُّد فيه، وإنما يصلح هذا التقرير اعتراضًا على الحصر في "إنما" الأُولى وهي المكسورة، فإن أبا حيان ينازع في إفادتها الحصر أيضًا كما سبق، لكن كلامه مصرح بذلك في "أنما" الأخيرة. نعم، قد يدفع قول الزمخشري بأن حصر الإلهية في واحد مستفاد من نفس الكلام، فإن لفظ "إلهكم" اسم جنس مضاف، فيعم، وقد حصر في واحد بالإخبار بذلك صريحا، فلا حاجة إلى إسناده إلى "أنما"؛ ولهذا جوَّز المعْرِبون أن "ما" في "أنفي" هذه موصولة، وما بعده صلة حُذِف صَدرُها، أي: هو إلهكم. على أن عبارة أبي حيان يمكن أن تُؤَول بإعادة الكلام للأُولى، وأنه بعد خوضه في المفتوحة رجع لِمَا كان قَرره في "إنَّ" المكسورة؛ لأنهما في آية واحدة، ولكنه بعيد.
следующие страницы →