كتسمية النباش سارقًا، قياسًا على مَن سرق من غير القبر، بجامع أن كلًّا منهما أخذ من حرز بِخفيه.
وكتسمية اللائط زانيًا، قياسًا على الواطئ في قُبل أنثى بشروطه المعروفة، بجامع أن كلًّا إيلاج في فرج محرَّم.
وكتسمية النبيذ (وهو ما كان من غير العنب) خمرًا؛ قياسًا على المتخَذ من عصير العنب، بجامع أن كلًّا فيه مخامرة العقل ما لم يجعل الخمر اسمًا لِمَا خامر العقل مطلقًا؛ فيشمل الكل. وشبه ذلك.
وفي ثبوت اللغة به قولان للأصوليين، وهُما وجهان لأصحابنا كما في "اللمع" للشيخ أبي إسحاق و"الحاوي" و"البحر":
أحدهما: المنع، وبه قال الصيرفي والقاضي كما هو في "تقريبه"، وحكاه عنه [المازري] (١) وغيره خِلافًا لحكاية ابن الحاجب عنه الجواز.
وإلى ذلك ذهب ابن القطان وإمام الحرمين وإن كان يقول به في أثناء [استدلالاته] (٢)؛ لأن هذا المحل هو مظنة تحقيق [هذه] (٣) المسألة، وأما مقام المناظرة فقد يُرتكب فيها في الرد على الخصم غير المعتقد.
وكذلك قال الغزالي والآمدي، بل معظم أصحابنا والحنفية. وهذا معنى قولي في النظم: (لَا مُجَرَّدُ الْقِيَاسِ).
والحجة في ذلك أنه ما من شئ إلا وله اسم في اللغة ولو بطريق الشمول له ولغيره، فلا
стр. 1052
يَثبُت له آخَر قياسًا، كما في الأحكام لا يكون للشيء حُكم بالنص وحُكم آخَر بالقياس مخالِف له.
قلتُ: قد يُفرق بالاستحالة هناك؛ لأن فيه جمع ضدين، بخلاف الاسمين، فإنه لا تَضاد بينهما؛ لأن كلًّا منهما علامة، ولا يمتنع تَعدُّد العلامة، كدليلين على حُكم واحد.
وأيضًا فقد سبق أنه لا يَلزم أن يكون كل معنى له لفظ يدل عليه، بل كل معنى محتاج إلى لفظ، وهذا يوجد بطريق العموم.
واحتُج أيضًا للمنع بأن القياس إنما هو في المشتق حتى يكون ما منه الاشتقاق هو العلة، والعرب قد لا تَطْرُد الاشتقاق كما سبق.
قلتُ: قد تكون العِلة غَيْر ما منه الاشتقاق، بل تناسب الاسم، كما في تسمية اللائط زانيًا؛ فإن العلة ليست ما اشتق منه لفظ "الزاني" وهو "الزنَى"، ونحو ذلك. وأيضًا التجوز إذا قُدِّر بأنه في المصدر كاللواط وكالنبش، فأين الاشتقاق على القول المرجَّح أن المصدر أصل للفعل والوصف؟
الثاني (وعليه الأكثر من أصحابنا كما قاله القاضي أبو الطيب وابن برهان والسمعاني ومنهم ابن سريج وابن أبي هريرة وأبو إسحاق الشيرازي والإمام): الجواز.
قالوا: لأن الاشتقاق في الاسم كالتعليل، فحيثما وُجد المشتق منه نُلحقه بالمشتق في التسمية. ونقله الأستاذ أبو منصور في كتاب "التحصيل" عن نَص الشافعي، فإنه قال في الشفعة: إن الشريك جارٌ؛ قياسًا على تسمية امرأة الرجل جارة له.
و[لذلك] (١) قال ابن فورك: إنه الظاهر من مذهب الشافعي؛ إذ قال: الشريك جار.
стр. 1053
وفي "الخصائص" لابن جني أنه قول أكثر علماء العربية كالمازني وأبي علي الفارسي. وحكى ابن فارس في "فقه العربية" إجماع أهل اللغة عليه.
وأُلزم ابن درستويه في مناظرة في المسألة أن يسمِّي كل ما يستقر فيه الماء "قارورة"، كالجب والحوض والبحر، فالتزمه؛ وشنعوا عليه. وكان له أن ينفصل بقيد آخَر فيقول: ما استقر فيه الماء وخَفَّ حَمْلُه.
نعم، في التعليل بالاشتقاق النظر السابق.
وفى المسألة مذهب ثالث: أنه يجوز ولكن لم يقع. حكاه ابن فورك.
ورابع حكاه ابن السمعاني عن ابن سريج خِلاف ما سبق نقلُه عنه، وهو: جواز ثبوتها بالقياس في الأسماء الشرعية دُون اللغوية، واختاره.
قال: (لأنَّا نَعلم أن الصلاة إنما سميت بذلك لصفة متى انتقصت عنها لم تُسم صلاة، فنعلم أن ما شاركها في تلك الصفة يكون صلاة، بخلاف الأسماء اللغوية فإنه لم يُلتزم فيها ما ذُكِر مِن اطراد معاني الاسم، وعلى هذا نثبت اسم الخمر للنبيذ شرعًا، ثم نحرمه؛ للآية، ونثبت اسم الزنا للواط شرعًا، ثم نحده [بالآية] (١)، والسارق للنباش شرعًا، ثم نقطعه بالآية) (٢). انتهى بمعناه.
وعُلم منه فائدة الخلاف في المسألة، فَعَلَى القياس اللغوي تندرج المسميات تحت العموم ولا يحتاج لقياس شرعي ولا لشرائطه، ويكون الدليل عليه النص.
ومَن يمنع، يقيس الحكم، ويحتاج لاستيفاء شرائط القياس، ولا يكون من دلالة النص. وتظهر فائدة ذلك في النَّسخ والتخصيص وغير ذلك من التعارض.
стр. 1054
ومذهب خامس: وهو أنه يثبت بالقياس الحقيقة، لا المجاز؛ لأنه أنقص رُتبة منها؛ فتُميَّز عليه. وهذا يخرج من كلام القاضي عبد الوهاب.
وسادس: وهو ما سبق أن الأستاذ أبا منصور حكاه في "التحصيل" من إجماع أصحابنا أن أسماء الله تعالى لا يجوز إطلاق شيء منها بالقياس، وأسماء غيره الصحيح من مذهب الشافعي جواز القياس فيها، خلافًا لبعض أصحابه مع أكثر أهل الرأي.
وقولي: (وَلَا بِعَقْلٍ دُونَ ذَا الْأَسَاسِ) بيان لكون العقل الصِّرْف لا يُجْدي شيئًا في ثبوت اللغة كما قاله البيضاوي وغيره؛ إذ لا مجال له في كيفية الموضوعات اللغوية.
قلتُ: إلا إنْ فرَّعنا على مذهب عبَّاد -على أحد النقلين عنه- أنه يفيد بذاته، وأن العقل يدرك ذلك.
تنبيهات
الأول: عُلم -من لفظ القياس من قولنا: (لا يثبت بالقياس) وتقريره- الاستغناءُ عن تقييد محل الخلاف بما لم يثبت تعميمه بالاستقراء، كرفع الفاعل ونصب المفعول، فإن عموم ذلك بالاستقراء (وهو تَتَبُّع الأمر الكلي من الجزئيات كما سيأتي)، ولا يتحقق فيها أصل وفرع؛ لأن بعضها ليس أَوْلى من بعض بذلك.
وكذا يُستغنى به عن أسماء الأعلام، فإنها غير معقولة المعنى، والقياس يُعتبر فيه فَهْم المعنى، فيصير كالحكم التعَبُّدي.
الثاني: زاد بعضهم طريقًا آخَر غير ما سبق وهو القرائن، قال ابن جني في "الخصائص": مَن قال: "إنَّ اللغة لا تُعرف إلا نقلًا" فقد أخطأ؛ فإنها تُعلم بالقرائن أيضًا، فإن الرجل إذا سمع قول الشاعر:
стр. 1055
قومٌ إذا الشَر أَبْدَى ناجِذَيْه لهم ... طاروا إليه زرافات وَوحْدانا
عَلِم أن "زرافات" بمعنى جماعات.
ولا يخفَى ما في ذلك مِن نظر؛ فإن نفس اللفظ نُقل بطريق، وإنما القرينة في إرادة الشاعر به هنا ذلك.
الثالث: قد عُلم في سبق من تغايُر النقل الصِّرْف والاستقراء بطريق الاستقراء ما قاله الخطيب البغدادي في "شرح الخطب النباتية" من أن اللغوي شأنه أن ينقل ما يظفر به عن العرب ولا يتعداه، والنحوي شأنه أن يتصرف فيما ينقله اللغوي ويقيس عليه، كالمحدِّث شأنه أن ينقل الحديث، والفقيه شأنه أن يتلقاه ويتصرف فيه ويقيس عليه الأشباه.
الرابع: قال الشافعي ﵁ في "الرسالة": (لسان العرب أوسع الألسنة، لا يحيط بجميعه إلا نبي، ولكنه لا يذهب منه شيء على عامَّتها. والعِلم به عند العرب كالعلم بالسُّنة عند أهل الفقه، لا نَعلم رجُلًا جمع السُّنن فلم يذهب منها عليه شيء، وتوجد مجموعة عند جميعهم) (١).
ونقل ابن فارس في "فقه العربية" عن بعض الفقهاء أنه لا يحيط بها إلا نبي، قال: (وهو كلام خليق أن يكون صحيحًا. قال: وما بلغنا عن أحد من الماضين أنه ادَّعَى حِفظ اللغة. وما وقع في آخِر "كتاب الخليل" أن هذا آخِر كلام العرب فالخليل أتْقَى لله من أن يقول ذلك) (٢).
قال: (وذهب علماؤنا -أو أكثرهم- إلى أن الذي انتهى إلينا من كلام العرب هو الأقل، ولو جاءنا جميع ما قالوه لجاءنا شِعر كثير وكلام كثير، وأحْرِ بهذا القول أن يكون
стр. 1056
صحيحًا) (١).
الخامس: قال ابن الحاجب: إذا خرج بعض العرب عما عليه الناس واستعمال الفصحاء، كان مردودًا عند أهل التحقيق؛ لأن قبولنا إياه إنما هو لغلبة الظن بوفق ما وضعه الواضع، فإذا خالف استعمال الفصحاء، غلب على الظن النقيض؛ فزال الموجِب لقبوله.
والله أعلم.
بيان معاني كلم يُحتاج إليها
الشرح: عادة الأصوليين يختمون مباحث اللغة بذكر بعض معاني حروف تتداول في القرآن والسُّنة يحتاج إليها غالبًا في مواضع الاستدلال، وربما ذكروا أسماءً وأفعالًا؛ فلذلك ترجمتُه بـ "كلم"؛ ليعم الأنواع الثلاثة، ولم أقتصر على حرفين أو ثلاثة كما فعل ابن الحاجب، ولا أوسع كما فعل صاحب "جمع الجوامع" وكثير من الحنفية في مختصراتهم.
وربما ذكروا أحكامًا نحوية متعلقة ببعضها قليلة الجدوى في الاستدلال.
بل سلكتُ طريقًا وسطًا، ورتبت ما ذكرتُ على حروف المعجم؛ ليسهل كشفه، والله أعلم.
ص:
٤٨٤ - مِنْ ذَاكَ "إنْ" لِلشَّرْطِ وَالنَّفْيِ، وَقَدْ ... تُزَادُ بَعْدَ النَّفْيِ فِيمَا قَدْ وَرَدْ
الشرح: الإشارة بقولي: (ذَاكَ) إلى بيان الذي هو مذكور في صدر الترجمة.
стр. 1057
"إنْ" - بالكسر والسكون - للشرط غالبًا، بل هي أَعم أدواته؛ لأنها الحرف الموضوع له، واستعمال ما عداها من أسماء الشرط كَـ "إذا" و"متى" إنما هو تضمين لها معناها؛ ولذلك كان العلة في بنائها.
والمراد بِـ "الشرط": تعليق حصول مضمون جملة لم يوجد على مضمون جملة أخرى لم يوجد، يكون سببًا له، إنْ وُجد وُجد، وإنِ انتفى انتفى. نحو: (إنْ قام زيد، قام عمرو). وربما نُزِّل قطعي الوجود أو الانتفاء منزلة المشكوك، فأدخل فيه الشرطية؛ لنكتة مُوضَّح أنواعها في علم البيان.
وتجيء "إنْ" نافية أيضًا، سواء عملت عمل "ليس" عند مَن يرى ذلك وهُم الكوفيون (كقراءة سعيد بن جبير: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأعراف: ١٩٤]) أَم لم تعمل (نحو: ﴿إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ﴾ [الملك: ٢٠]).
وزعم بعضهم أنها لا تكون نافية إلا وبعدها "إلَّا" أو "لَما"، نحو ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق: ٤] على قراءة التشديد.
ورُد بنحو قوله تعالى: ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [يونس: ٦٨]، ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ﴾ [الأنبياء: ١١١].
وقد تأتي زائدة، وذلك بعد النفي، كقوله: بني غدانة ما إن أنتم ذهب.
أي: ما أنتم ذهب.
ووقع لابن الحاجب أنها تزاد بعد "لما" الإيجابية.
ورُدَّ بأن تلك "أنْ" المفتوحة، نحو: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ﴾ [يوسف: ٩٦].
أما "إنَّ" المشددة فللتأكيد، وسيأتي في "باب القياس" في طُرق العلة كوْنها للتعليل أوْ لا؛ فلذلك لم أذكرها هنا، والله أعلم.
стр. 1058
ص:
٤٨٥ - وَمنْهُ: "أَوْ" شَكٌّ وَتَشْكِيكٌ، كَمَا ... إبَاحَةٌ، تَخْيِيرُهَا قَدْ عُلِمَا
٤٨٦ - وَالْجَمْعُ، أَوْ مَعْنَى "إلَى" أَوْ "إلَّا" ... تَقْسِيمٌ، الْإضْرَابُ فِيهَا حَلَّا
٤٨٧ - وَقِيلَ: وَالتَّقْرِيبَ أَيْضًا قَدْ [حَوَتْ] (١) ... وَالْبَاءُ لِلْإلْصَاقِ فِيمَا قَدْ ثَبَتْ
الشرح:
أي: ومن ذلك، أي: من بيان معاني الكلم أيضًا "أو"، وتَرِد لِمَعانٍ:
أحدها: الشك، وهو معنى قولي: ("أَوْ" شَكٌّ)، أي: [ذات] (٢) معنى شك، فحذف المضاف، وأُقيم المضاف إليه مقامه، وكذا ما عُطف على "شك" تقديره ما ذكرناه.
مثالها للشك: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف: ١٩].
و[يشاركها] (٣) "إما" في هذا المعنى وفي غالب ما يأتي، إلا أن الشك في "إما" [مبني] (٤) عليه في الابتداء، و"أو" تأتي بعد الجزم، فيُبين بها الشك فيه.
ثانيها: التشكيك، وربما عُبر عنه بِـ "الإبهام"، وهو التعمية على المخاطَب مع أن المتكلم عالِم بالحال، نحو: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤].
وربفي عُبر عن هذا المعنى بِـ "الإيهام" (بالمثناة تحت) كما جوَّزه القرافي؛ لأن القصد التلبيس على السامع.
стр. 1059
قلتُ: وفيه نظر؛ فإنَّ الإيهام القصد فيه أن يقع المخاطَب في الوهم، وأما الإبهام فعدم الإعلام بالتعيين ولو لم يقصد وقوعه في الوهم، فهو أعم.
ثالثها: الإباحة، نحو: جالِس الحسن أو ابن سيرين.
رابعها: التخيير، نحو: (تزوج زينب أو أختها)، و: (خُذ من مالي درهمًا أو دينارًا)، ومنه قوله تعالى: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩]، وحديث الجبران في الزكاة في الماشية: "شاتان أو عشرون درهمًا" (١). ومنهم من جعل ذلك هو الإباحة، والأكثر على المغايرة.
والفرق بينهما أن الجمع هنا ممتنع، وفي الإباحة غير ممتنع.
ولا يُقال: المخاطَب بآية الكفارة ونحوها لا يمتنع أن يجمع.
لأنَّا نقول: يمتنع على أن يكون ذلك كفارة، لا على أنه تبرع كما أجاب به صاحب "البسيط" من النحاة.
خامسها: مطلق الجمع، كَـ "الواو"، نحو قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧]. وقيل في الآية غير ذلك كما سيأتي.
سادسها: بمعنى "إلى"، نحو: (لألزمنك أو تقضيني حَقي)، أي: إلى أن تقضيني.
قيل: ومنه قوله تعالى: ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [البقرة: ٢٣٦] إذا قُدِّر "تفرضوا" منصوبًا بِـ "أن" مُقدرة.
سابعها: بمعنى "إلا"، نحو: (لأقتلن الكافر أو يُسْلم). أي: إلا أن يسلم، فلا أقتله.
стр. 1060
ومنه قول الشاعر:
وكنت إذا غمزت قناة قوم ... كسرت كعوبها أو تستقيما
أي: إلا أن تستقيم، فلا أكسرها.
ثامنها: التقسيم، نحو: الكلمة اسم أو فعل أو حرف.
وعبَّر ابن مالك بالتفريق المجرد، أي: عن المعاني السابقة، ومَثَّله بقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١٣٥]، أي: انقسموا إلى قِسمين: قِسم يهود قالوا: (كونوا هودًا)، وقِسم نصارى قالوا: (كونوا نصارى). ولهذا أدخله البيانيون في نوع اللف والنشر، لأن فيه رد كل قول إلى قائل مما جُمع أولًا.
قال ابن مالك: والتعبير عنه بالتفريق أَوْلى من التقسيم؛ لأن استعمال الواو فيما هو تقسيم أَجود من استعمال "أو".
ونُوخ في ذلك بأن مجيء الواو في التقسيم أكثر -لا يقتضي أنَّ "أو" لا تأتي له، بل تقتضي ثبوته غير أكثر.
وفيه نظر؛ فإنه لم يَنْفِ، إنما جعله أَوْلى، وذلك باعتبار الأكثرية.
قلتُ: ويمكن رد ما سبق من معنى "إلى" أو "إلَّا" إلى هذا؛ لأنه قَسَّم حالَهُ في "لألزمنك أو تقضيني حقي" مثلًا إلى قِسمين: الملازمة وقضاء الحق، وأن الواقع أحد الأمرين.
وكذا "لأقتلن الكافر أو يسلم" قسَّم حَالَهُ معه إلى [حالَيْن] (١): إسلامه، وقتلِه. والمعنى: لا بُدَّ من أحدهما.
ولم يذكره ابن مالك في الخلاصة في ذكر معاني "أو" في حروف عطف النسق، بل تَعَرَّض
стр. 1061
له في نواصب المضارع.
تاسعها: الإضراب، نحو: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: ١٤٧]، أي: بل يزيدون، أي: عند مَن لا يجعلها لمطلق الجمع في الآية.
ثم قيل: إنها تأتي للإضراب مطلقًا.
وعن سيبويه: لا تجيء إلا بشرطين: تَقدُّم نفي أو نهي، وإعادة العامل، نحو: (ما قام زيد أو ما قام عمرو)، و (لا يَقُم زيد أو لا يَقُم عمرو).
عاشرها: التقريب. ذكره الحريري، ولم يذكره الأكثرون؛ فلذلك عبَّرتُ فيه بقولي: (قِيلَ). ومثله بقولهم: (ما أَدْرِي أَسَلَّم أو وَدعَّ). أي: لسرعته فينْ كان يَعلم أنه سَلَّم. ونحو: ما أدري أَأَذَّن أو أقام.
وظاهر كلام ابن هشام في "المغني" أن الحريري ابتكر ذلك، وليس كذلك؛ فقد سبقه إليه أبو البقاء في "إعرابه" وجعل منه: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ [النحل: ٧٧].
وبالجملة فقد رُدَّ هذا القول بأنه لم يخرج عن معنى الشك، وأن القُرْب هو المقتضي للشك، وأما في الآية فيكون للتشكيك؛ لِتَعذُّر كونه للشك.
وفيه نظر؛ فإن هذه المعاني كلها إذا حُققت، ترجع إلى شيء واحد وهو أحد الشيئين أو الأشياء؛ ولهذا قيل: إنها للقَدْر المشترك بينها وهو ذلك، وما عدا ذلك فمستفاد من قرائن خارجية. فمَن عدَّد وغايَر بين المعاني فإنما قصد باعتبار تلك الأمور، فين كان لها قرينة خارجية فلا [تُنافي] (١) عَدَّ التقريب.
стр. 1062
وبذلك يجاب أيضًا عمَّا سبق من دخول بعض المعاني تحت بعض.
واعْلَم أن هذه المعاني لا تخلو مِن كونها في طلب أو خبر، فالإباحة والتخيير في الطلب ما لم يكن نهيًا نحو: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [الإنسان: ٢٤] فيكون مُنْصَبًّا على كُل منهما، خلافًا لابن كيسان في تجويزه في "لا تضرب زيدًا أو عمرًا" أن يكون النهي عن ضرب واحد وأنْ يكون عن الجمع.
قلتُ: ومن هنا أُخِذت مسألة تحريم واحد من خصلتين أو أكثر لا بِعَيْنه، وقد سبقت، والله أعلم.
قولي: (وَالْبَاءُ لِلْإلْصَاقِ فِيَما قَدْ ثَبَتْ) تتمته قولي بعده:
ص:
٤٨٨ - حَقِيقَةً يَكُونُ أَوْ مَجَازَا ... أَوْ سَبَبًا، أَوْ مُسْتَعَانًا [حَازَا] (١)
٤٨٩ - أَوْ صُحْبَةً، ظَرْفِيَّةً، أَوْ بَدَلَا ... تَقَابُلًا، وَقَسَمًا، وَ"عَنْ"، "عَلَى"
الشرح:
والمعنى أن الباء لها مَعَانٍ:
أحدها: الإلصاق، وهو أنْ يضاف الفعل إلى الاسم ويلصق به بعد ما كان لا يضاف إليه لولا دخولها، نحو: "خُضْتُ الماء بِرِجْلي" و"مسحتُ برأسه".
وهو أصل معاني "الباء"، وعليه اقتصر سيبويه.
стр. 1063
قال بعضهم: وكُل معنى جُعل لها لا ينفك عنه، وقد لا يكون مع الإلصاق غيره.
وقال عبد القاهر: وقولهم "الباء" للإلصاق إنْ حملناه على ظاهره، اقتضى إفادتها له في كل ما دخلت عليه، وهذا محُال؛ لأنها [تجيء] (١) مع الإلصاق نفسه، كقولك: "ألصقتُ كذا بكذا" و"لصق به". فلا بُدَّ من تأويل كلامهم بأن الملابسة فيه لملابسة، كقولك: ألصقه به.
وقولي: (حَقِيقَةً يَكُونُ أَوْ مَجَازَا) إشارة إلى تقسيم الإلصاق إلى:
حقيقة: وهو الأكثر، نحو: (أمسكت الحبل بيدي)، أي: [ألصقته] (٢).
وإلى مجاز: نحو: "مررت بزيد"، فإنك لم تلصق المرور بنفس زيد، بل بمكان يقرب منه كما قرره الزمخشري وغيره.
الثاني: السببية، نحو: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت: ٤٠].
الثالث: الاستعانة، وهو معنى قولي: (أَوْ مُسْتَعَانًا حَازَا) فَـ "مستعانًا" مصدر ميمي بمعنى الاستعانة، وهو مفعول بالفعل الذي بعده، وباء الاستعانة هي الداخلة على آلة الفعل ونحوها، نحو: "كتبت بالقلم " و"قطعت بالسكين"، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ٤٥].
وقد أدرج في "التسهيل" هذا المعنى في السببية، وقال في "شرحه": (إن التعبير بالسببية أَوْلى؛ لأنه يستعمل في الأفعال المنسوبة إلى الله تعالى، فإنها لا يقال فيها: "استعانة"، ويقال: "سببية") (٣).
نعم، زاد في "التسهيل" التعليل، واستغنى عنه كثير بالسببية؛ لأن العِلة والسبب واحد.
стр. 1064
لكن ابن مالك قد غاير بينهما ومَثَّل التعليلية بقوله تعالى: ﴿ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة: ٥٤]، وقوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾ [النساء: ١٦٠].
ويؤيده ما فَرق به بعضهم بين السببية والتعليل بأن العلة مُوجِبة لمعلولها، بخلاف السبب فإنه أمارة على المسبَّب.
قال: ومن هنا اختلف [أهل السنة] (١) والمعتزلة في أن أفعال العبد هل هي عِلة لثوابه وعقابه؟ أو سبب؟
فقال المعتزلة بالأول.
وأهل السنة بالثاني، وفرَّعوا على ذلك الحج عن الغير، فمَن قال: (عِلة)، أبطله؛ لأن عمل زيد لا يكون علة لبراءة عمرو. ومَن قال: (سبب)، قال: يصح؛ لجواز أن يكون سببًا للبراءة وعَلَمًا عليها.
قلتُ: قد سبق أن مذهب أهل السنة أن كُلًّا من السبب والعلة مُعَرِّف، لا موجِب مُؤَثِّر بذاته، فلا فرق حينئذٍ بينهما من هذه الجهة وإنِ افترقا كما سبق من حيث إنَّ العلة فيها مناسبة وملائمة للحُكم، والسبب أَعَم من ذلك؛ فيُكتفَى به؛ ولذلك اقتصرتُ في النَّظم عليه.
الرابع: المصاحبة بمعنى "مع "، كقوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [النساء: ١٧٠] ويغني عنها وعن مصحوبها الحال، فالتقدير هنا: "مُحِقًّا"؛ ولهذا يسميها كثير من النحويين "باء" الحال.
الخامس: الظرفية بمعنى "في" المكانية، نحو: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ [آل عمران: ١٢٣]، أو الزمانية، نحو: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ﴾ [الصافات: ١٣٧، ١٣٨]. وربما كانت الظرفية مجازية، نحو: "بكلامك بهجة".
стр. 1065
ولو قلنا بكونها للظرف مجازًا فلا بِدْعَ أن يتعدد المجاز في الواحد بحسب الاعتبار.
السادس: البدَلية، وهي ما يصح أن يحل محلها لفظ "بدل"، كما في حديث: "ما يَسُرني بها حُمر النعم" (١). أي: بَدَلها.
السابع: المقابلة، وذلك في الداخلة على الأثمان والأعواض، نحو: اشتريت الفرس بألف. ودخولها غالبًا على الثَّمن، وربما دخلت على المثَمَّن، نحو: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ٤١]، ولم يَقُل: (ولا تشتروا آياتي بثمن قليل)، فيُؤَوَّل على حذف مضاف كما قال الفارسي: إن التقدير: "ذا ثمن قليل". ومن ثَم قال أصحابنا: إذا كان العوضان في البيع نقدين أو عرضين، فالثمن ما دخلت عليه "الباء".
ولا يُنافي ذلك قول الفراء: إذا كانا نقدين، جاز دخول الباء على كل منهما. وكذا إذا كانا معنيين، نحو: ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٦].
نعم، قال بعضهم: "الباء" تدخل على المتروك المرغوب عنه في باب الشراء، بخلاف البيع.
ورَدَّ بعضهم هذا المعنى والذي قبله إلى السببية؛ إذِ التقدير: إنَّ هذا بسبب كذا.
الثامن: القَسَم، نحو: "بالله لأفعلن". وهي أصل حروف القَسَم.
التاسع: تكون للمجاوزة، وتكثر بعد السؤال، نحو: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٥٩]، ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج: ١]. وتَقِل بَعْد غيره، نحو: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ [الفرقان: ٢٥].
стр. 1066
ومنهم مَن يَرُدُّ هذا العنى أيضًا إلى السببية.
العاشر: الاستعلاء بمعنى "على"، كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ﴾ [آل عمران: ٧٥] (١). أي: على قنطار. وحكاه الإمام في "البرهان" عن الشافعي، ويؤيده قوله تعالى: ﴿هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ﴾ الآية [يوسف: ٦٤].
الحادى عشر: التبعيض، قاله الأصمعي والفارسي وابن مالك، مستدلين بقوله تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ [الإنسان: ٦]، أي: منها. وخرج عليه قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]. ومَن أَثبتها قَصَرها على ورودها مع الفعل المتعَدِّي.
وأنكر هذا العنى ابن جني، وأَوَّلوا ما استُدِل به على التضمين، أو أن التبعيض إنما استُفيد من القرائن.
ورَدَّ الإمام فخر الدين قول ابن جني بأن قوله ذلك شهادة نَفْي، فلا تُقْبل.
ولكن هو قَبْل ذلك قال: زَعَم قومٌ أخها للسببية، وهو ضعيف؛ لأنه لم يَقُل به أحد من أهل اللغة.
فيُقال له: هذه شهادة نَفْي أيضًا، فكيف ترتكبها؟ !
نعم، ابن دقيق العيد أجاب عن ذلك فيما كتبه على "فروع ابن الحاجب": ليس هو شهادة نَفْي، إنما هو إخبار مبني على ظن غالب مُستنِد إلى الاستقراء ممن هو أَهْل لذلك مُطَّلِع على لسان العرب، كما في سائر الاستقراءات لا يُقال فيها: شهادة نفي، وحينئذٍ فتتوقف مقابلته على ثبوت ذلك من كلامهم.
فيقال للشيخ: قال ابن مالك فى "شرح الكافية" (٢): إن الفارسي في "التذكرة" أثبت
стр. 1067
مجيئها للتبعيض كما أثبته الأصمعي من قول الشاعر:
شَرِبْنَ بماء البَحْر ثُم ترَفَّعَتْ ... مَتَى لُجَجٍ خُضْرٍ لهُنَّ نَئِيجُ
وقال الشيخ في "شرح الإلمام": إن المثبتين للتبعيض فرقوا بين الفعل المتعدي بنفسه فتكون فيه للتبعيض؛ حذرًا من زيادتها، وبين غير المتعدي فلا يكون كذلك.
واعتُرض بأن كونها زائدة لا يُنافي أن تكون حينئذٍ للتبعيض. ولو سُلِّم أن الأصل عدم الزيادة لكن هذا الأصل متروك إذا دَل دليل على تركه، وقد دل دليل عليه، وهو عدم كونها للتبعيض بالاستقراء ممن هو أَهْل للاستقراء؛ فوَجَبَ الحمل على أنها زائدة.
هذا مع أن الزيادة في الحروف كثيرة، قال ابن العربي: إنها تفيد فائدة غير التبعيض، وهو الدلالة على ممسوح به. قال: والأصل فيه: "امسحوا برؤوسكم الماء"، فيكون من باب القلب، والأصل: رؤوسكم بالماء.
تنبيهان
أحدهما: الحرف إذا وافق حرفًا آخر في معناه فمرة يُعَبرون عن المعنى صريحًا، ومرة يحيلون على ذلك الحرف، فيقولون: بمعنى كذا. والأمر في ذلك سهل، غَيْر أن التعبير الثاني إنما يكون غالبًا عند اشتهار ذلك الحرف في ذلك المعنى. وسنذكر خِلاف البصريين والكوفيين: هل [تتعارض الحروف] (١) في المعنى؟ أو لا؟
الثاني: أهملتُ من معاني ما ذكرت من الأدوات كثيرًا؛ إما اقتصارًا على الأشهر، وإما لأن ذِكره أنفع في الاستدلال، أو لغير ذلك. وربما كان ذلك اختصارًا، ولكني أذكر ذلك في
стр. 1068
الشرح تكميلًا للفائدة:
فمِن معاني الباء مما لم أذكره:
الغاية: نحو: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ [يوسف: ١٠٠]. أي: أحسن إلَيَ.
ومنها: مجيئها للتوكيد، وهي الزائدة:
- إما مع فاعل، نحو: "أحسن بزيد" على قول البصريين: (إن "بِزَيْد" فاعل زِيدَ فيه الباء). فأما على قول الكوفيين: (إنه مفعول) فهي مُعدِّية، لا زائدة.
- وإما مع المفعول، نحو: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ [مريم: ٢٥].
- أو مع المبتدأ، نحو: "بحسبك درهم".
- أو الخبر، نحو: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦].
ومن استعمالات "الباء" أيضًا أنه يدخل للتعدية، وتُسمَّى "باء النقل"، فتنقل الفاعل، فتصيِّره مفعولًا، نحو: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٧]، ﴿لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٠]. ولابن مالك في التعبير عن هذا القِسم كلام تَعَقَّبه عليه أبو حيان وأُجِيب عنه، ومحل بسطه النحو، فلا نُطَوِّل به.
وذكر العبادي في كتاب "الزيادات" للباء معنى آخَر وهو التعليق، نحو: "أنت طالق بمشيئة الله أو بإرادته". أي: إن شاء الله، أو: إن أراد. فَعَلَى هذا لا تطلق؛ لأن اللغة كذلك، كما لو قال: (أنت طالق بدخول الدار). أي: إنْ دخلتِ.
قال: (أما لو قال: "أنت طالق بأمر الله" أو: بتقدير الله، أو: بحكم الله، أو: بعلم الله، فإنها تطلق في الحال). انتهى
وهذا يدل على أنه إنما أخذ هذه التفرقة من العُرف، لا من اللغة؛ لأن مسائل الفقه لا
стр. 1069
تُبْنَى على دقائق النحو، والله أعلم.
ص:
٤٩٠ - وَبَعَّضَتْ، وَمنْهُ: "بَلْ" لِلْعَطْفِ ... كَذَا لِإضْرَابٍ بِبُطْلٍ تُلْفِي
٤٩١ - أَوِ انْتِقَالٍ، "ثُمَّ" لِلتَّشْرِيكِ ... بِمُهْلَةٍ في ذَلِكَ [الشَّرِيكِ] (١)
الشرح:
قولي: (وَبَعَّضَتْ) هو من تمام معاني "الباء" كما سبق، والمعنى أن "الباء" أيضًا أفادت البعضية، وقد مضى شرح ذلك.
وقولي: (وَمنْهُ: "بَلْ") إلى آخِره -الضمير للمذكور أولًا في الترجمة وهو الأدوات المحتاج إليها في الاستدلال، فالضمير [يذكر] (٢) باعتبار عَوْده لما ذكر.
و"بل" من حروف العطف، تشرك ما بعدها لما قبلها في الإعراب إذا كانا مفردين، سواء في الإثبات وما في حُكمه، أو في النفي وما في حكمه، إلا أنها في القسم الأول [تسلب الحكم قطعًا] (٣) عما قبلها وتجعله لما بعدها، أي: تُصَيِّر الأول كالمسكوت عنه وتثبت الحكم للثاني. نحو: (جاء زيد بل عمرو)، و: (أَكْرِم زيدًا بل عمرًا).
واختُلف في القسم الثاني، نحو: (ما قام زيد، بل عمرو)، و: (لا تضرب زيدًا، بل عمرًا).
فقال الجمهور: إنها لتقرير ما قبلها وجعل ضده لما بعدها، فتقرر نفي القيام أو
стр. 1070
النهي لزيد وضده لعمرو.
وأجاز المبرد وعبد الوارث وتلميذه الجرجاني مع ذلك أن تكون ناقلة للحكم الأول لما بعدها كما في الإثبات وما في حُكمه.
فيحتمل عندهم في نحو: (ما قام زيد بل عمرو) أن يكون المراد: بل ما قام عمرو. وفي: (لا تضرب زيدًا بل عمرًا) أن يكون التقدير: بل لا تضرب عمرًا أيضًا. حتى لو قال: (ما له عَلَيَّ درهم بل درهمان) لا يلزمه شيء؛ إذ التقدير: بل ما له عَلَيَّ درهمان أيضًا. فيكون النفي للأمرين.
بل قال القواس في "شرح ألفية ابن معطي": (إنهم أوجبوا تقدير حرف النفي بعدها، فتتحقق المطابقة في الإضراب عن منفي إلى منفي كما يتحقق من موجب إلى موجب).
ثم قال: (ويجب أن يُقال: إن كان المعطوف غلطًا، قُدِّر حرف النفي؛ ليشتركا في نفي الفعل عنهما، وإن لم يكن غلطًا فلا؛ لأن الفعل ثابت له، فلا ينفى عنه) (١). انتهى
نعم، ضُعِّفَ هذا المذهب من الأصل بما في "إيضاح الفارسي" أنه لا يجوز في "ما زيد خارجًا بل ذاهب" إلا الرفع؛ لأن الخبر موجب، و"ما" الحجازية لا تعمل في الخبر إلا منفيًّا، فلو قُدِّر النفي، لجاز النصب، فالعرب إذا [قرنت] (٢) في ذلك لزم تفسير أحد المعنيين بالآخَر، فإذا أرادوا نفي الفعل، صرحوا بالنفي وشبهه، فيقولون: ما قام زيد بل ما قام عمرو، و: لا تضرب زيدًا بل لا تضرب عمرًا.
أما إذا وقع بعد "بل" جملة نحو: "ما قام زيد بل عمرو قائم" فلا تكون حينئذٍ عاطفة عند الجمهور، بل حرف ابتداء يفيد الإضراب.
стр. 1071
[ثم] (١) هو ضربان:
إضراب إبطال للحكم السابق، كقوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ [المؤمنون: ٧٠]، ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦] ففي ذلك كله رد على ابن العلج في "البسيط" وتبعه ابن مالك في "شرح الكافية" أنَّ هذا القسم لم يقع في القرآن، بل قال في "البسيط": ولا في كلام فصيح.
وإنما يقع الثاني، وهو إضراب الانتقال من حُكم إلى حكم من غير إبطال للأول، كقوله تعالى: ﴿وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٢) بَلْ قُلُوبُهُمْ فِي غَمْرَةٍ﴾ [المؤمنون: ٦٢، ٦٣]، وقوله تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل: ٦٦]. لم تبطل شيئًا مما سبق، وإنما فيه انتقال من خبر عنهم إلى خبر آخَر. فالحاصل أن الإضراب الانتقالي قَطعْ للخبر لا للمخبَر عنه.
ثم ظاهر كلام ابن مالك أن هذه عاطفة أيضًا لكن جملة على جملة، وصرح به ولده في "شرح الخلاصة".
وأيَّده بعضهم بأن اختلافهما في النفي والإثبات لا ينافي العطف، كما تقول: "ما قام زيد ولم يخرج عمرو"، و: "ما قام بكر وخرج خالد".
لكن الفرق بين هذا وبين ما نحن فيه أن "بل" لَمَّا كانت للإضراب صار ما قبلها كأنه لم يذكر، وكأنه لا شيء يعطف عليه.
نعم، كان مقتضى هذا أنَّ "حتى" عاطفة إذا وقع بعدها جملة، إلا أنها لَمَّا لم يكن أصلها العطف بل الغاية والانتهاء -كَـ "إلى"- ووقع بعدها الجُمَل، لم يتعذر بقاؤها على أصلها، ولَمَّا وقع بعدها المفرد مع عدم صلاحيتها للغاية، جُعلت حرف عطف؛ ولهذا يُدَّعَى فيها
стр. 1072
-مع كونها عاطفة- معنى الغاية.
إذا علمت ذلك، علمت أنَّ بين الأمرين المذكورين في "بل" -وهُما العطف والإضراب- عمومًا وخصوصًا من وجه؛ لأن الداخلة بين مفردين عاطفة، أَعَم أن تكون للإضراب وغيره، والإضراب أعم أن تكون عاطفة (وذلك في المفردات) أو غير عاطفة (وذلك في الجُمَل عَلَى غير رأْي ابن مالك وولده).
أما إذا قُلنا بذلك، فبينهما عموم وخصوص مطلق؛ لأن العطف أعم أن يكون بإضراب (كما في الجمل وفي نوع من المفرد) وبغير إضراب (كما في نوع من المفرد).
فقولي: (كَذَا لِإضْرَابٍ) لم أُرِد به تغايُر المعنيين من كل وجه، بل أردت ما سبق.
وقولي: (ثُمَّ) إلى آخِره -إشارة إلى الكلام على "ثُم"، وهي للتشريك بين ما قَبلها وما بعدها في الحكم لكن مع التراخي والمهلة، نحو: "قام زيد ثم عمرو".
فأما كونها للتشريك فالمخالف فيه الكوفيون، جوَّزوا أن تقع زائدة، كقوله تعالى: ﴿وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١١٨]، فليست عاطفة البتة حتى يكون فيها تشريك.
وأما الترتيب فالمخالف فيه الفراء فيما حكاه عنه السيرافي، وعزاه وغيره للأخفش، محتجًّا بقوله تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الزمر: ٦]، ومعلوم أن هذا الجَعل كان قبل خَلْقنا. والجمهور تأوَّلوه على الترتيب الإخباري.
وفيها مذهب ثالث: أنها للترتيب في المفردات دون الجُمل، كقوله تعالى: ﴿فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٤٦]، إذ شهادة الله مُقدَّمة على المرجع. قاله ابن الدهان، وجرى عليه ابن السمعاني في "القواطع".
والصحيح أنها للترتيب مطلقًا، لكنه في المفردات معنوي وفي الجُمل ذِكْرِيّ، نحو:
стр. 1073
إنَّ مَن ساد ثُم ساد أبُوه ... ثُم ساد قبل ذلك جده
فهو ترتيب في الإخبار، لا في الوجود.
واعلم أنه في "جمع الجوامع" نقل المخالفة في الترتيب عن العبادي فقط، وهو مع قصوره وَهْم على العبادي تبع فيه والده في "فتاويه" وغيره من المتأخرين، فنقلوا عنه في نحو: "وقفت هذا على زيد ثم على أولاده ثم أولاد أولاده" أنه يشترك الكل.
وأنكروه حتى قال ابن أبي الدم في "أدب القضاء": إن هذا زلة من كبير.
وقال الشيخ تقي الدين: لعل مأخذه أن "وقفت" إنشاء، [فلا] (١) مدخل للترتيب فيه، نحو: بِعْتُ هذا ثم هذا.
لكن العبادي إنما قاله في صورة ما لو زاد على التصوير المذكور بطنًا بعد بطن كما نقله عنه القاضي حسين في كتاب "الوقف" بناء عنده على أن هذا يقتضي التسوية، فهو ينافي معنى "ثم"، فيرجع إلى أصل الاشتراك؛ حملًا على السداد، لا لكون "ثم" ليست للترتيب، فهو كما لو قال: (له عَلَيَّ درهم ثم درهم)، يَلْزمه درهمان؛ لأن الترتيب لا معنى له، فهو هنا جمع كالواو.
قلتُ: قولهم (يقتضي عنده التسوية) يُنَبِّه على أن لفظ "بطنًا بعد بطن" عند غيره يقتضي الترتيب أيضًا، فهو موافق لمعنى "ثُم"، لا مخرج لها عن الترتيب، بل لو كان العطف بالواو وزاد قوله بعد ذلك: (بطنًا بعد بطن)، كان للترتيب، خِلافًا للبغوي، ووافقه عليه في "المحرر" و"المنهاج".
والمختار ما سبق؛ لأن لفظ "بعد" يُشعر بالترتيب قطعًا، وذِكر "بعد" للوجود، لا
стр. 1074
للاستحقاق (وكأنه قال: الذين يوجَدون بطنًا بعد بطن) بعيدٌ من العُرْف.
وأما التراخي فالمخالف فيه الفراء، قال: (بدليل "أعجبني ما صنعت اليوم، ثم ما صنعت أمس أعجب") (١).
فَـ "ثم" في ذلك كله لترتيب الإخبار، ولا تراخي بين الإخبارين.
ووافقه على ذلك ابن مالك، وجعل منه: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا﴾ [الأنعام: ١٥٤].
قال ابن دقيق العيد في "شرح الإلمام": ولكونها للتراخي امتنع أن يجاب بها الشرط؛ لأن الجزاء لا يتراخى عن الشرط؛ ولذلك أيضًا لا تقع في باب التفاعل والافتعال؛ لمنافاة معناها معناهما.
ورُد بغير ذلك أيضًا.
قال الراغب: (والعبارة الجامعة أن يُقال في "ثم": إنها حرف عطف يقتضي تَأخُّر ما بعده عمَّا قَبْله، إما تأخُّرًا بالذات، أو بالمرتبة، أو بالوضع) (٢).
والله أعلم.
ص:
٤٩٢ - "عَلَى" للاسْتِعْلَاءِ، وَالْمُصَاحَبَهْ ... تَجَاوُزٍ، وَعِلَّةٍ مُصَاحِبَهْ
٤٩٣ - ظَرْفِيَّةً تُفِيدُ، وَاسْتِدْرَاكَا ... أَيْضًا، وَقَدْ تُزَادُ، فَاعْرِفْ ذَاكَا
стр. 1075
الشرح:
"على" -التي هي حرف جر- لها معانٍ:
أحدها: الاستعلاء إما حسًّا نحو: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] أو معنًى نحو: ﴿وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون: ٩١]، و: (عَلَى فلان دَيْن). كأنه بلزومه صار عاليًا على المديون، كما يقال: (ركبهُ الدَّين). ولم يُثبِت لها أكثر البصريين غير هذا المعنى، وردُّوا الكل إليه.
نعم، مثل قوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٣] لا استعلاء فيه، لا حقيقةً ولا مجازًا، وإنما هو بمعنى الإضافة، أي: أضفتُ توكُّلي إلى الله.
الثاني: المصاحبة، نحو: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ [البقرة: ١٧٧].
الثالث: المجاوزة بمعنى "عن"، كقوله:
إذا رضيت على بنو قُشير ... لعمر الله أعجبني رضاها
وخرج عليه المزني وابن خزيمة قوله ﷺ : "من صام الدهر، ضيقت عليه جهنم" (١). أي: عنه، فلا يدخلها.
الربع: التعليل، كقوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وهو معنى قولي: (وَعِلَّةٍ مُصَاحِبَهْ). أي: مصاحبة لمعلولها، غير متخلفة عنه. وهذا شأنها، فليس المراد به قيدًا مُخْرِجًا.
الخامس: الظرفية، كقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾
стр. 1076
[البقرة: ١٠٢]. أي: فيه.
السادس: الاستدراك، نحو: (فلان لا يدخل الجنة؛ لسوء صنيعه، عَلَى أنه لا ييأس من رحمة الله).
وربما تكون "على" زائدة، لا معنى لها غير التوكيد والتقوية، خلافًا لقول سيبويه: إنها لا تزاد.
ومثال زيادتها قوله ﷺ : "مَن حلف على يمين" (١). أي: مَن حلف يمينًا. ومنهم من خرجه على أن المراد: على محلوف يمين، فلا زيادة فيه، ويبقى النظر في أي المجازين أرجح: الزيادة؟ أو النقص؟ والأكثر الثاني.
وقد تُزاد للتعويض مِن "على" أخرى محذوفة، كقول الشاعر: إنْ لم يجد يومًا على مَن يتكل.
أي: إنْ لم يجد مَن يتكل عليه.
تنبيه:
قد تخرج "على" عن الحرفية، وهو ما احترزنا عنه أولًا بقولنا: "على" التي هي حرف جر، فتكون اسمًا -على الأصح- بمعنى "فوق"، وذلك إذا دخل عليها حرف جر، كقول الشاعر: غَدَتْ مِن عليه بَعْدَمَا تَمَّ ظمؤهَا.
قال الأخفش: أو يكون مجرورها ومتعلقها (أي: معموله) ضميرين لمسمى واحد، كقوله تعالى: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: ٣٧].
ومقابِل الأصح قول السيرافي: إنها لا تكون اسمًا أبدًا ولو دخل عليها حرف جر، بل
стр. 1077
يُقَدَّر لذلك الحرف لمجرور محذوف.
وعكس هذا مذهب ابن طاهر وابن خروف وابن الطَّرَاوة والأبّدي والشلوبين أن "على" اسم دائمًا، وزعموا أنه مذهب سيبويه، ولكن مشهور مذهب البصريين أنها حرف جر في غير ما سبق.
وقد تكون "على" فِعلًا ماضيًا، فتقول: "عَلَا يعلو عُلوًّا"، قال تعالى: ﴿وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون: ٩١] الأُولى فِعل ماض، والثانية حرف جر كما سبق.
قولي: ("عَلَى" لِلاسْتِعْلَاءِ) مبتدأ وخبر، أي: لفظ " على" لهذه المعاني.
وقولي: (تَجَاوُز) يجوز أن يُقرأ بالرفع خبرًا بعد خبر، وإن كان الخبر الأول جارًّا ومجرورًا.
ويجوز أن يُقرأ بالجر، أي: (وتأتي لتجاوز أيضًا). وحُذِف العاطف كما يقع ذلك كثيًرا في النَّظم، وسبق بيانه مرات.
وأن يُقرأ بالنصب على نزع الخافض بالتقدير المذكور في الجر، وكذا ما بعده.
وقولي: (ظَرْفِيَّةً) بالنصب مفعول مقدم لِـ "تُفِيدُ". والله أعلم.
ص:
٤٩٤ - وَالْفَاءُ لِلْعَطْفِ عَلَى التَّرتيبِ ... مَعْنًى، كَذَا ذِكْرًا مَعَ التَّعْقِيبِ
الشرح:
"الفاء" حرف عطف [يفيد] (١) الترتيب المعنوي، نحو: جاء زيد فعمرو.
стр. 1078
والذِّكري إذا عُطف بها مُفَصَّل على مُجْمل، نحو: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾ [البقرة: ٣٦]، ونحو: "توضأ فغسل وجهه" (١) الحديث.
وربما كان في الكلام تقدير؛ فيُظن عدم الترتيب في معطوفها، نحو: ﴿أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا﴾ [الأعراف: ٤] التقدير: أردنا إهلاكها. ونحوه: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ﴾ [النحل: ٩٨]، أي: إذا أردت أن تقرأ. وزعم الفراء أنها لا تفيد الترتيب؛ تمَسُّكًا بظاهر نحو هذا. وجوابه ما سبق، والعجب منه أنه يقول في "الواو" إنها للترتيب!
واعْلَم أن الترتيب في "الفاء" قد يكون في الإخبار وهو الذِّكري (كما تقدم وكما سبق في "ثم") نحو: "مُطرنا بمكان كذا فمكان كذا" وإنْ لم يُعْلَم [فيه] (٢) تَقدُّم ولا تَأخُّر.
ونازع ابن دقيق العيد في "شرح الإلمام" في إفادتها الترتيب الإخباري، وذكر أنها لترتيب الرُّتَب، نحو: "رحم الله المحلِّقين فالمقصِّرين". فإن رُتبة التقصير دُون رتبة التحليق. ومنه: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا﴾ [الصافات: ١ - ٢]، أي: باعتبار أن رُتبة الأوَّلين أعلا مما بعدهم.
وقولي: (مَعَ التَّعْقِيبِ) إشارة إلى أن "الفاء" يلازمها مع الترتيب التعقيب، فيكون الثاني أعقيب، (٣) الأول بلا مُهْلة، عَكْس "ثُم"، لكن المعاقبة فيها في كل شيء بِحَسَبه؛ فلهذا يقال: (تزوج فلان فَوُلد له) ليس المراد أنها ولدت عقب التزوج في الزمان، بل أنه لم يكن بينهما مهلة غير مدة الحمل ولو تطاولت. وتقول: (دخلت البصرة فالكوفة) إذا لم تُقِم بالبصرة ولا بين البلدين.
стр. 1079
وبهذا يجاب عن استناد السيرافي في منع إفادتها التعقيب بذلك؛ لأنَّا نقول: في هذا تعقيب على الوجه الممكن.
وقال ابن الحاجب: المراد بالتعقيب ما يُعَد في العادة تعقيبًا لا على سبيل المضايقة. قال تعالى: ﴿خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ﴾ [المؤمنون: ١٤] الآية، مع أنه بين كل أمرين زمان (١) جاء مُصَرحًا به في حديث ابن مسعود: "إن أحدكم ليجمع خلقه في بطن أُمه أربعين يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك" (٢) الحديث.
وأما ابن مالك فقال: (إن الفاء قد تكون للمهلة، نحو: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ [الحج: ٦٣]) (٣).
وجوابه -على الأحسن- أن يجعل للتعقيب بالتقدير السابق.
ووقع في "إيضاح" الفارسي أن "ثم" أشد تَراخيًا من "الفاء"، فأَوهم أن "الفاء" فيها تراخٍ.
فقال ابن أبي الربيع في شرحه: إن مُراده إذا كان الاتصال -أي: التعقيب- فيها مجازيًّا، وحينئذٍ ففيها تراخ بلا شك، لكن تراخي "ثُم" أشد.
وهو تنزيل حسن.
стр. 1080
تنبيه:
جَعْل التعقيب في "الفاء" العاطفة يقتضي أن "الفاء" المجاب بها الشرط لا تعقيب فيها؛ لأن انعقاد السببية في الشرط والجزاء يُغْني عن ذلك. وقد صرح القاضي في "التقريب" بأن "الفاء" لا تقتضي التعقيب في الأجوبة؛ فرارًا من مذهب المعتزلة في أن الكلام حروف وأصوات، فقالوا في قوله تعالى: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ [البقرة: ١١٧]: إن الكلام عندهم القديم هو الكاف والنون، فإذا تعقبه الكائن فإما أن يؤدي إلى قِدم الحادث أو حَدث القديم.
ومن معاني "الفاء" أيضًا السببية، وهو معنى قولي في البيت الآتي: (وَلتَسَبُّبٍ).
مثاله قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٣٧]، ﴿لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ [الواقعة: ٥٢، ٥٣].
وجعل منه العبدي في "شرح الجُمل" "طلعت الشمس فوجد النهار" وحديث: "فإذا ركع، فاركعوا" (١).
لكن السببية قد استُفيدت من كونه جوابًا للشرط ولو لم توجد "الفاء".
واعْلَم أن السهيلي حصر معنى "الفاء" في التعقيب، ورَدَّ الترتيب والسببية إليه؛ لأن الثاني إذا تعقبه، تَرتب عليه وتَسَبب عنه.
قلتُ: وفيه نظر؛ لجواز أن يكون الأول [بعد] (٢) الثاني مع كونه عقبه، وكَوْن الشيء عقب الشيء لا يَلزم أن يكون متسببًا عنه، وهذا ظاهر. والله أعلم.
стр. 1081
ص:
٤٩٥ - وَلتَسَبُّبٍ، وَ "في" لِلظَّرْفِ ... مَكَانًا اوْ وَقْتًا لِهَذَا الْحَرْفِ
٤٩٦ - وَالصُّحْبة، التَّعْلِيلِ، وَاسْتِعْلَاءِ ... وَأَكَّدُوا بِهَا [لَدَى] (١) الْإعْلَاءِ
٤٩٧ - وَعِوَضًا تَأْتِي، وَمَعْنَى "الْبَاءِ" ... وَ"مِنْ، إلَى" [تُعْطَى] (٢) بِلَا امْتِرَاءِ
الشرح:
قولي (وَلتَسَبُّبٍ) من تمام معاني "الفاء" كما سبق.
وأما "في " فَلَها مَعانٍ:
أحدها: الظرفية، مكانية أو زمانية، وقد اجتمعا في قوله تعالى: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: ٢ - ٤].
والمراد أن يكون شيء محلًّا لشيء:
حقيقةً كان كما مَثلنا، لأن الأجسام قابلة للحلول.
أو مجازًا، نحو: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ [الشورى: ٨] جعلت الرحمة كالجسم المحيط بالمؤمن. ونحو: "النجاة في الصدق"، جعل العرضان كجسمين حل أحدهما في الآخر.
فلو قال: (أنت طالق اليوم وفي الغد وفيما بعد الغد)، قال المتولي: يقع عليها في كل يوم طلقة، لأن الظرف لا بُدَّ له من مظروف.
стр. 1082
قال الرافعي: (وليس هذا الوجه بواضح؛ إذ يجوز أن يختلف الظرف ويتحد المظروف) (١).
الثاني: المصاحبة، نحو: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ [القصص: ٧٩].
الثالث: التعليل، نحو: ﴿فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف: ٣٢]، ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: ٦٨].
الرابع: الاستعلاء، نحو: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١].
وقيل: إنما هي هنا للظرفية المجازية، فكأنه لَمَّا قصد المبالغة في الاستقرار جعل ظرفًا له. قال الزمخشري في "المفصل": (لِتَمَكُّن المصلوب في الجذع تَمَكُّن الكائن في الظرف فيه) (٢).
الخامس: التوكيد، نحو: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ﴾ [هود: ٤١].
السادس: التعويض، وهي الزائدة عوضًا من أخرى، نحو: "ضربت فيمن رغبت"، أي: فيه. كذا نقله ابن هشام في "المغني" عن ابن مالك، قال: (وذلك لأن الأصل "ضربت من رغبت فيه"، فحذف "في" بعد رغبت وزادها بعد "ضرب"، وأنه قاس ذلك على "الباء" في قوله: "انظر بمن تثق". أي: انظر مَن تثق به).
ثم قال: (وفيه نظر) (٣).
السابع: معنى "الباء"، كقوله تعالى: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ [الشورى: ١١]، أي: يلزمكم به.
الثامن: معنى "إلى"، كقوله تعالى: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ [إبراهيم: ٩]، أي: إلى
стр. 1083
أفواههم.
التاسع: معنى "من"، كقول امرئ القيس:
وهل يعمن مَن كان أحدث عَهْده ... ثلاثين شهرًا في ثلاثة أحوال
أي: من ثلاثة أحوال. والله أعلم.
ص:
٤٩٨ - وَ"كُلٌّ" اسْمٌ شَامِلٌ أَفْرَادَا ... مُنكَّرٍ، أَوْ مَا لِجَمْعٍ عَادَا
٤٩٩ - مُعَرَّفًا، وَ [مُفْرَدًا] (١) إنْ عُرِّفَا ... أَجْزَاؤُهُ، وَ"اللَّامُ" تَعْلِيلًا وَفَى
الشرح:
من الكلمات المحتاج إلى تفسيرها "كل"، وهو اسم واجب الإضافة، فما يضاف إليه إنْ كان مفردًا نكرة فهي لشمول أفراده، نحو: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]. وإن كان لجمع مُعَرَّف نحو: "كل الرجال" فكذلك، وإنْ كان لمفرد معرفة فهي لشمول الأجزاء، نحو: "اشتريت كل الدار وكل العبد".
ولا خلاف في ذلك إلا في الحالة الثانية، فإن فيها احتمالين للشيخ تقي الدين السبكي في أن الألف واللام هل أفادت العموم و"كُل" تأكيد لها؟ أو هي لبيان الحقيقة و"كُل " تأسيس؟
ثم قال: ويمكن أن يُقال: إنَّ الألف واللام تفيد العموم في مراتب ما دخلت عليه، و"كُل" تفيد العموم في أجزاء كل من تلك المراتب. فإذا قلت: "كل الرجال" أفادت الألف واللام استغراق كل مرتبة من مراتب جميع الرجال، وأفادت "كل" استغراق الآحاد كما قيل
стр. 1084
في أجزاء العشرة، فيصير لكل منهما معنى، وهو أوْلى من التأكيد.
قال: (ومن هنا يُعلم أنها لا تدخل على المفرد المعرف بالألف واللام إذا أريد بكل منهما العموم، وقد نَص عليه ابن السراج في "الأصول") (١). انتهى
وتعقب عليه بعض شيوخنا بأنه لِمَ لا يجوز أن تكون "كل" مؤكدة كما هو أحد الاحتمالين السابقين عنده في المعرف المجموع؟ ويمكن الفرق.
فائدة:
جعل بعضهم من دخولها على المفرد المعرَّف قوله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [آل عمران: ٩٣]، وقوله ﷺ : "كل الطلاق واقع إلا طلاق المعتوه والمغلوب على عقله" (٢). رواه الترمذي.
واستُشكل بأنه لشمول الجزئيات.
وجوابه أنه لَمَّا أريد الجنس كان بمنزلة المجموع المعرَّف، كما في حديث: "كل الناس يغدو، فبائع نفسه، فمعتقها أو موبقها" (٣). والله أعلم.
وقولي: (وَ"اللَّامُ" تَعْلِيلًا وَفَى) تمامه قولي بعده:
ص:
٥٠٠ - كذَاكَ الِاخْتِصَاصُ وَاسْتِحْقَاقُ ... مِلْكٌ وَعُقْبَى لَهُمَا إطْلَاقُ
стр. 1085
٥٠١ - وَهَكَذَا تَمْلِيكٌ اوْ شَبِيهُهُ ... تَوْكِيدُ نَفْي أَوْ سِوًى (١) [تَزِيدُهُ] (٢)
٥٠٢ - مَعْنَى "إلَى"، "عَلَى" وَ"فِي" وَ"عِنْدَا" ... وَ"مِنْ" وَ"عَنْ" تَأْتِي لِذَاكَ قَصْدَا
الشرح:
فَـ "تَعْلِيلًا" مفعول مقدم، وعامله "وَفَى"، أي: إنَّ حرف اللام يَفِي بمعنى التعليل، أي: يفيده. وكذا تفيد المعاني التي ذكرت بعده.
والحاصل أن اللام لها مَعانٍ كثيرة بلغت فوق الثلاثين، وأفردها الهروي بكتاب "اللامات"، وقد ذكرت في النَّظم طائفة يُحتاج إليها في الاستدلال:
أحدها: التعليل، كقوله تعالى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ [النساء: ١٠٥]، ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥].
ومنه قول الزوج: (أنت طالق لرضا فلان)، فإنه يقع الطلاق في الحال سواء رضي أو سخط؛ لأنه للتعليل، لا للتعليق.
الثاني: الاختصاص، نحو: (الجُلُّ لِلْفَرَس). قال القرافي: وهو ما شهدت به العادة، كَـ "السرج للفرس" و"الباب للدار". وقد لا تشهد له عادة، كَـ "الولد لزيد"، فإنه ليس من لازم البشر أن يكون له ولد.
الثالث: الاستحقاق، نحو: النار للكافر.
الرابع: الملك، نحو: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٨٤].
стр. 1086
ومنهم من يجعله داخلًا في الاستحقاق، وهو أقوى أنواعه، وكذلك الاستحقاق نوع من الاختصاص؛ ولهذا اقتصر الزمخشري في "المفَصل" على الاختصاص.
وقيل: إن اللام لا تفيد بنفسها الملك، بل استفادته من أمر خارجي.
الخامس: العاقبة، ويُعبر عنها ايضًا بالصيرورة وبالمآل، نحو: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨].
ويعزى للبصريين إنكار لام العاقبة، لكن في كتاب "الابتداء" لابن خالويه أن اللام في قوله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ لام "كي" عند الكوفيين، ولام الصيرورة عند البصريين.
نعم، قال ابن السمعاني في "القواطع": (عندي أن هذا على طريق التوسع والمجاز) (١).
ولهذا قال الزمخشري: (إنه لا يتحقق). قال: (فإنه لم تكن داعية الالتقاط كونه لهم عدوًّا، بل المحبة والتبني، غَيْر أن ذلك لَمَّا كان نتيجة التقاطهم له وثمرته، شُبِّه بالداعي الذي يفعل الفعل لأجله).
قال: (واللام مستعارة لِمَا يُشبه التعليل، كما استُعير "الأسد" لن يشبه الأسد) (٢).
ويمثل بعضهم لام العاقبة بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ﴾ [الأعراف: ١٧٩].
لكن قال ابن عطية: إنه ليس بصحيح؛ لأن لام العاقبة إنفي تتصور إذا كان فِعل الفاعل لم يُقصد به ما يصير الأمر إليه مِن [سكناهم] (٣).
стр. 1087
السادس: التمليك، كَـ: (وهبت لزيد دينارًا)، ومنه: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠] الآية.
السابع: شبه التمليك، نحو: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [النحل: ٧٢].
الثامن: توكيد النفي، أي نَفْي كان، نحو: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣]. ويُعبر عنها بِـ "لام" الجحود؛ لمجيئها بعد النفي؛ لأن الجحد هو نفي ما سبق ذِكره.
التاسع: مُطلق التوكيد، وهي الداخلة لتقوية عامل [ضعيف] (١) بالتأخير، نحو: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣] الأصل: تعبرون الرؤيا، أو لكونه فرعًا في العمل، نحو: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٦]. وهذان مَقِيسان.
وربما أكد بها بدخولها على المفعول، نحو: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النمل: ٧٢].
نعم، لم يذكر سيبويه زيادة اللام، وتابعه الفارسي؛ ولهذا أوَّل بعضهم ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ على التقريب، أي: اقترب. ويشهد له تفسير البخاري "ردف" بمعنى: قرب.
العاشر: أن تكون بمعنى "إلى"، نحو: ﴿سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ [الأعراف: ٥٧]، ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٥].
стр. 1088
الحادى عشر: بمعنى "على"، نحو: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ﴾ [الإسراء: ١٠٧]. وحكى البيهقي عن حرملة عن الشافعي ﵁ في قوله ﷺ : "واشترطي لهم الولاء" (١) أن المراد: عليهم.
الثاني عشر: بمعنى "في"، نحو قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧].
الثالث عشر: بمعنى "عند"، أي: الوقتية وما يجري مجراها، كقوله ﷺ : "صوموا لرؤيته" (٢). ومنه أن تقول: (كتبته لخمس ليال من كذا). أي: عند انقضائها.
قال الزمخشري: ومنه: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، ﴿يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر: ٢٤].
الرابع عشر: بمعنى "مِن"، نحو: (سمعت له صراخًا)، أي: منه.
الخامس عشر: بمعنى "عن"، نحو: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١] أي: قالوا عنهم ذلك.
وضابطها أنْ تَجُرَّ اسم مَن غاب حقيقةً أو حُكمًا عن قول قائل يتعلق به، ولم يَخُصُّه بعضهم بما بَعْد القول، ومَثَّله بقول العرب: (لقيته كفة لكفةٍ). أي: عن كفةٍ؛ لأنهم قالوا: (لقيتُه عن كفةٍ)، والمعنى واحد.
تنبيه:
دلالة حرف على معنى حرف آخر هو طريق الكوفيين، وأما البصريون فهو عندهم على
стр. 1089
تضمين الفعل المتعلق به ذلك الحرف ما يَصْلُح معه معنى ذلك الحرف على الحقيقة، ويَرَوْن التجوُّز في الفعل أسهل من التجوز في الحرف. والله أعلم.
ص:
٥٠٣ - وَمنْهُ "لَوْلَا"، وَهْوَ حَرْفٌ يَقْتَضِي ... في اسْمِيَّةٍ أَنَّ جَوَابَ الْمُقْتَضِي
٥٠٤ - مُمْتَنِعٌ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ ... وَفي مُضَارعٍ [لِحَضٍّ] (١) تُعْطِي
٥٠٥ - وَالْمَاضِ تَوْبِيخًا، وَممَّا قُدِّمَا ... "لَوْ" لِامْتِنَاعِ مَا يَلِيهَا اسْتَلْزَمَا
الشرح:
"لولا" حرف معناه باعتبار ما يدخل عليه، فإن دخلت على جملة اسمية، كانت للشرط، فتقتضي امتناع جوابها؛ لوجود شرطها، نحو: (لولا زيد لأكرمتك)، أي: لولا زيد موجود، فحذف خبر المبتدأ وجوبًا.
وأما نحو قوله ﷺ : "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك" (٢) فالتقدير فيه: لولا مخافة أن أشق عليهم لأمرتهم أمر إيجاب. فالمنفي أمر الإيجاب، لوجود خوف المشقة، وإلا لانعكس المعنى، إذِ الممتنع المشقة والموجود الأمر.
وإن دخلت على جملة فعلية فِعلها مضارع، كانت للتحضيض، أي: للطلب الحثيث، نحو: ﴿لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ﴾ [النمل: ٤٦].
وإن دخلت على فِعلية فِعلها ماض، كانت للتوبيخ، كقوله تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ
стр. 1090
بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ١٣]، ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ﴾ [النور: ١٦]، ونحو ذلك.
وربما كانت للعَرْض، وذلك حيث تَعذَّر التوبيخ، نحو: ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ [المنافقون: ١٠].
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا﴾ [يونس: ٩٨] عند الجمهور، خِلافًا لمن زعم أنها فيه للنفي بمنزلة "لم" كما نقله الهروي في "الأزهية"، وتقرير التوبيخ: فهلا كانت قرية واحدة من القرى المهلَكة تابت عن الكفر قبل مجيء العذاب، فنفعها ذلك؟
قولي: (أَنَّ جَوَابَ) في محل نصب مفعول "يَقْتَضِي".
وقولي: (لِحَضٍّ تُعْطِي) أي: تعطي معنى الحض، أي: التحضيض. فزيدت اللام في المفعول مقدَّمة لضعف العامل بالتأخر كما سبق تقريره في معاني اللام.
وقولي: (وَالْمَاضِ تَوْبِيخًا) أي: وتُعطي في الماضي -أي في الجملة المصدَّرة بالفعل الماضي- معنى التوبيخ، والله أعلم.
وقولي: (وَممَّا قُدِّمَا) إلى آخِره -تتمته ما بعده، وهو:
ص:
٥٥٦ - تَالِيَهُ، فَيَنْتَفِي إنْ نَاسبَا ... وَلَا مُقَدَّمٌ يَكُونُ ذَاهِبَا
٥٠٧ - يَخْلُفُهُ غَيْرٌ، مِثَالٌ أُكْمِلَا ... ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا﴾، فَكُنْ مُكَمِّلَا
٥٥٨ - لَا إنْ يَكُنْ [يَخْلُفُهُ] (١) مَرْعِيَّا ... "لَوْ كَانَ إنْسَانًا لَكَانَ حَيَّا"