← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 32476

الفوائد السنية في شرح الألفية

شمس الدين البرماوي

Полный текст (2 306 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

ومنهم من يجعله داخلًا في الاستحقاق، وهو أقوى أنواعه، وكذلك الاستحقاق نوع من الاختصاص؛ ولهذا اقتصر الزمخشري في "المفَصل" على الاختصاص. وقيل: إن اللام لا تفيد بنفسها الملك، بل استفادته من أمر خارجي. الخامس: العاقبة، ويُعبر عنها ايضًا بالصيرورة وبالمآل، نحو: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: ٨]. ويعزى للبصريين إنكار لام العاقبة، لكن في كتاب "الابتداء" لابن خالويه أن اللام في قوله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ لام "كي" عند الكوفيين، ولام الصيرورة عند البصريين. نعم، قال ابن السمعاني في "القواطع": (عندي أن هذا على طريق التوسع والمجاز) (١). ولهذا قال الزمخشري: (إنه لا يتحقق). قال: (فإنه لم تكن داعية الالتقاط كونه لهم عدوًّا، بل المحبة والتبني، غَيْر أن ذلك لَمَّا كان نتيجة التقاطهم له وثمرته، شُبِّه بالداعي الذي يفعل الفعل لأجله). قال: (واللام مستعارة لِمَا يُشبه التعليل، كما استُعير "الأسد" لن يشبه الأسد) (٢). ويمثل بعضهم لام العاقبة بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ﴾ [الأعراف: ١٧٩]. لكن قال ابن عطية: إنه ليس بصحيح؛ لأن لام العاقبة إنفي تتصور إذا كان فِعل الفاعل لم يُقصد به ما يصير الأمر إليه مِن [سكناهم] (٣).

стр. 1087

السادس: التمليك، كَـ: (وهبت لزيد دينارًا)، ومنه: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠] الآية. السابع: شبه التمليك، نحو: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [النحل: ٧٢]. الثامن: توكيد النفي، أي نَفْي كان، نحو: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣]. ويُعبر عنها بِـ "لام" الجحود؛ لمجيئها بعد النفي؛ لأن الجحد هو نفي ما سبق ذِكره. التاسع: مُطلق التوكيد، وهي الداخلة لتقوية عامل [ضعيف] (١) بالتأخير، نحو: ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف: ٤٣] الأصل: تعبرون الرؤيا، أو لكونه فرعًا في العمل، نحو: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج: ١٦]. وهذان مَقِيسان. وربما أكد بها بدخولها على المفعول، نحو: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النمل: ٧٢]. نعم، لم يذكر سيبويه زيادة اللام، وتابعه الفارسي؛ ولهذا أوَّل بعضهم ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ على التقريب، أي: اقترب. ويشهد له تفسير البخاري "ردف" بمعنى: قرب. العاشر: أن تكون بمعنى "إلى"، نحو: ﴿سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ [الأعراف: ٥٧]، ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٥].

стр. 1088

الحادى عشر: بمعنى "على"، نحو: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ﴾ [الإسراء: ١٠٧]. وحكى البيهقي عن حرملة عن الشافعي ﵁ في قوله ﷺ : "واشترطي لهم الولاء" (١) أن المراد: عليهم. الثاني عشر: بمعنى "في"، نحو قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: ٤٧]. الثالث عشر: بمعنى "عند"، أي: الوقتية وما يجري مجراها، كقوله ﷺ : "صوموا لرؤيته" (٢). ومنه أن تقول: (كتبته لخمس ليال من كذا). أي: عند انقضائها. قال الزمخشري: ومنه: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، ﴿يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [الفجر: ٢٤]. الرابع عشر: بمعنى "مِن"، نحو: (سمعت له صراخًا)، أي: منه. الخامس عشر: بمعنى "عن"، نحو: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ [الأحقاف: ١١] أي: قالوا عنهم ذلك. وضابطها أنْ تَجُرَّ اسم مَن غاب حقيقةً أو حُكمًا عن قول قائل يتعلق به، ولم يَخُصُّه بعضهم بما بَعْد القول، ومَثَّله بقول العرب: (لقيته كفة لكفةٍ). أي: عن كفةٍ؛ لأنهم قالوا: (لقيتُه عن كفةٍ)، والمعنى واحد. تنبيه: دلالة حرف على معنى حرف آخر هو طريق الكوفيين، وأما البصريون فهو عندهم على

стр. 1089

تضمين الفعل المتعلق به ذلك الحرف ما يَصْلُح معه معنى ذلك الحرف على الحقيقة، ويَرَوْن التجوُّز في الفعل أسهل من التجوز في الحرف. والله أعلم. ص: ٥٠٣ - وَمنْهُ "لَوْلَا"، وَهْوَ حَرْفٌ يَقْتَضِي ... في اسْمِيَّةٍ أَنَّ جَوَابَ الْمُقْتَضِي ٥٠٤ - مُمْتَنِعٌ عِنْدَ وُجُودِ الشَّرْطِ ... وَفي مُضَارعٍ [لِحَضٍّ] (١) تُعْطِي ٥٠٥ - وَالْمَاضِ تَوْبِيخًا، وَممَّا قُدِّمَا ... "لَوْ" لِامْتِنَاعِ مَا يَلِيهَا اسْتَلْزَمَا الشرح: "لولا" حرف معناه باعتبار ما يدخل عليه، فإن دخلت على جملة اسمية، كانت للشرط، فتقتضي امتناع جوابها؛ لوجود شرطها، نحو: (لولا زيد لأكرمتك)، أي: لولا زيد موجود، فحذف خبر المبتدأ وجوبًا. وأما نحو قوله ﷺ : "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك" (٢) فالتقدير فيه: لولا مخافة أن أشق عليهم لأمرتهم أمر إيجاب. فالمنفي أمر الإيجاب، لوجود خوف المشقة، وإلا لانعكس المعنى، إذِ الممتنع المشقة والموجود الأمر. وإن دخلت على جملة فعلية فِعلها مضارع، كانت للتحضيض، أي: للطلب الحثيث، نحو: ﴿لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ﴾ [النمل: ٤٦]. وإن دخلت على فِعلية فِعلها ماض، كانت للتوبيخ، كقوله تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ

стр. 1090

بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ١٣]، ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ﴾ [النور: ١٦]، ونحو ذلك. وربما كانت للعَرْض، وذلك حيث تَعذَّر التوبيخ، نحو: ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ [المنافقون: ١٠]. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا﴾ [يونس: ٩٨] عند الجمهور، خِلافًا لمن زعم أنها فيه للنفي بمنزلة "لم" كما نقله الهروي في "الأزهية"، وتقرير التوبيخ: فهلا كانت قرية واحدة من القرى المهلَكة تابت عن الكفر قبل مجيء العذاب، فنفعها ذلك؟ قولي: (أَنَّ جَوَابَ) في محل نصب مفعول "يَقْتَضِي". وقولي: (لِحَضٍّ تُعْطِي) أي: تعطي معنى الحض، أي: التحضيض. فزيدت اللام في المفعول مقدَّمة لضعف العامل بالتأخر كما سبق تقريره في معاني اللام. وقولي: (وَالْمَاضِ تَوْبِيخًا) أي: وتُعطي في الماضي -أي في الجملة المصدَّرة بالفعل الماضي- معنى التوبيخ، والله أعلم. وقولي: (وَممَّا قُدِّمَا) إلى آخِره -تتمته ما بعده، وهو: ص: ٥٥٦ - تَالِيَهُ، فَيَنْتَفِي إنْ نَاسبَا ... وَلَا مُقَدَّمٌ يَكُونُ ذَاهِبَا ٥٠٧ - يَخْلُفُهُ غَيْرٌ، مِثَالٌ أُكْمِلَا ... ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا﴾، فَكُنْ مُكَمِّلَا ٥٥٨ - لَا إنْ يَكُنْ [يَخْلُفُهُ] (١) مَرْعِيَّا ... "لَوْ كَانَ إنْسَانًا لَكَانَ حَيَّا"

стр. 1091

٥٠٩ - وَيَثْبُتُ التَّالِي إذَا بِالْأَوْلَى ... نَاسَبَهُ فَلَمْ يُنَافِ أَصْلَا ٥١٠ - مِثَالُهُ: "لَوْ لَمْ يَخَفْ لَمْ يَعْصِ" ... أَوْ بِالْمُسَاوَاةِ، الْمِثَالُ الْمُحْصِى ٥١١ - "لَوْ لَمْ تَكُنْ رَبِيبَةً مَا حَلَّتِ" ... أَوْ أَدْوَنَ، الْمِثَالُ: لَوْ تَنَفَّت ٥١٢ - أُخُوَّةٌ مِنْ نَسَبٍ لَمْ تَحْلِلِ ... فَإنَّهَا أُخْتِي بِرَضْعٍ مُكْمَلِ ٥١٣ - وَللتَّمَنِّي، الْعَرْضِ، وَالتَّحْضِيضِ ... كَذَلِكَ التَّقْلِيلُ في التَّعْوِيضِ الشرح: أي: ومما تَقدم في الترجمة وهو "بيان معاني كلم يحتاج إليها" بيان معاني "لو"، وهي تَرِد على وجوه: أحدها: الشرطية في الماضي، نحو: (لو قام زيد لقام عمرو)، فيكون قيام عمرو مرتبطًا بقيام زيد، لكنهما منتفيان، عكس "إن" الشرطية وما تضمن معناها، فإنها تقتضي في الاستقبال أن وجود جوابها مرتبط بوجود شرطها مع احتمال أن يوجدَا وَأنْ لا يوجدَا، فمقابلتها لها من وجهين: أحدهما؛ باعتبار المضي والاستقبال. والثاني: باعتبار أن "لو" تدل على الانتفاء و"إن" وما في معناها لا تدل على انتفاء ولا وجود. هذا ما صرح به ابن مالك والزمخشري وغيرهما. وأَبَى قوم تسميتها حرف شرط؛ لأن حقيقة الشرط إنما تكون في الاستقبال، و"لو" إنما هي للتعليق في الماضي؛ فليست من أدوات الشرط. قيل: والخُلْف لَفْظي؛ لأنه إنْ أريد بالشرطية الربط فهي شرط، وإنْ أريد العمل في

стр. 1092

الجزئين فلا. قلتُ: وينتقض ذلك بِـ "إذَا" الشرطية، فإنها للشرط بلا خلاف. وهل تَرِد "لو" للشرط في المستقبل؟ أَثبته جمعٌ؛ [كقوله] (١) تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [يوسف: ١٧]، وقوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٩]. وخطَّأهم ابن الحاج في نقده على "المقرب" (٢)؛ للقطع بامتناع "لو يقوم زيد فعمرو منطلق" كما يقال: "إن لا يقم زيد فعمرو منطلق". أي: من حيث إنها إذا كانت للشرط في المستقبل تكون باقية على حُكمها في انتفاء جوابها لانتفاء شرطها، لكن لا يَلزم من كون الشرط منتفيًا أن يكون الجواب منتفيًا في غير "لو"، فكذا في "لو" إذا انتفى شرطها فقدْ لا ينتفي جوابها، فاتفاقهم على منع "لو يقوم زيد فعمرو منطلق " ينافي أن يكون شرطًا كَـ "إن". وفيما قاله نظر؛ لأن الذي يجعلها كَـ "إن" لا يقدر فيها امتناعًا لامتناع؛ ولذا منع بدر الدين ابن مالك ذلك؛ لصحة حمل ما أورده على الشرط في المعنى. ثم إذا قُلنا بالظاهر المشهور من اختصاصها بالماضي، فقال أبو علي الشلوبين: إنها لمجرد الربط. والجمهور على أنها تقتضي امتناع ما دخلت عليه. ولهم في التعبير عن معناها عبارات:

стр. 1093

إحداها وهي المشهورة: أنها حرف امتناع لامتناع. أي: تقتضي امتناع جوابها؛ لامتناع شرطها. وهي عبارة الأكثرين لا سيما المُعْرِبين. الثانية: عبارة سيبويه: إنها حرف لِمَا كان سيقع؛ لِوقوع غيره. والعبارة الأُولى راجعة إلى هذه؛ لأن المعنى: لكنه لم يقع، فلم يقع [المترتب] (١) عليه. وممن رجع ذلك إلى عبارة سيبويه بدرُ الدين ابن مالك، وقال: (يستقيم على وجهين: أحدهما: أن المراد أن جواب "لو" ممتنع لامتناع الشرط، غَيْرُ ثابتٍ لثبوت غيره؛ بناءً على أن اعتبار مفهوم الشرط من طريق اللغة، لا العقل. ثانيهما: أن المراد أن جواب "لو" امتنع؛ لامتناع شرطه، وقد يكون ثابتًا؛ لثبوت غيره، لكن النظر إلى طرف الامتناع للامتناع؛ فيَصْدُق التعبير بِـ "امتناع؛ لِامتناع ") (٢). قيل: وعلى كل حال فالتعبير مدخول؛ لأن التالي قد يكون ثابتًا في بعض المواضع كما سيأتي؛ فلذلك اختار المحققون العبارة الثالثة، وهي أنها: حرف يقتضي امتناع ما يليه واستلزامه لتاليه. وممن اختارها الشيخ تقي الدين السبكي وولده، وربما وقعت في بعض نُسخ "التسهيل"، لكن ليس فيها تقييد ذلك بالمضي، فينبغي أن يُزاد فيها ذلك، فيقال: (يقتضي في الماضي امتناع) إلى آخِره. وبالجملة فحاصل المقصود منها أنها تدل على أمرين: أحدهما: امتناع تاليها وهو الشرط.

стр. 1094

والثاني: استلزام الشرط للجزاء، أي: يكون الشرط ملزومًا والجزاء لازمًا. وحينئذٍ فينظر فيهما: إنْ تَساويا، لَزِمَ مِن انتفاء الشرط انتفاء الجواب، وإنْ لم يتساويا فلا يَلزم من انتفائه انتفاؤه. فمِن الأول نحو: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، فتَعدُّد الآلهة ملزوم للفساد الذي هو لازم، وهو مساوٍ له، فيلزم من انتفاء كل منهما انتفاء الآخر، ومن وجود كل منهما وجودُ الآخر. وعلى هذا النوع يَصْدُق أنها حرف امتناع؛ لامتناع. وِمن الثاني -وهو ما يكون اللزوم فيه أَعَم- نحو: (لو كان إنسانًا لكان حيوانًا)، فإن مِن لازِم الإنسان الحيوان، ولكنه أعم من الإنسان وغيره، فلا يَلزم مِن انتفاء كونه إنسانًا انتفاءُ كونه حيوانًا. قيل: هذا وارد على مَن يقول: (امتناع؛ لامتناع). وهذا معنى قولي: (فَيَنتفِي إنْ نَاسَبَا وَلَا مُقَدَّمٌ يَكُونُ ذَاهِبَا يَخْلُفُهُ غَيْرٌ). أي: فيرتب على ما سبق -من كونها تقتضي امتناع ما يليها وأنها حال- كَوْنُ ذلك المقدم استلزم تاليه ما ذكر، وهو أنه إذا كان المقدم مناسبًا للتالي ولا يمكن أن يذهب ويخلفه غيره وهو المشارك الذي شرحناه. ومعنى قولي: (يَخْلُفُهُ غَيْرٌ) أي: غيره. ثم قلتُ: إن مثال هذا القسم أكمل. أي: ذكر في القرآن العظيم مكملًا، (فكُنْ) إذا ذكرته (مُكَمِّلًا) له بتلاوتك الآية بكمالها. نعم، اشتراط الناسبة في هذا القسم وقع في عبارة كثير، وهو مستغنًى عنه؛ فإن المدار على كونه لا يخلف المقدم غيره، أي: للمساواة بينهما، بخلاف ما إذا لم يتساويَا.

стр. 1095

ثم وراء كون المقدم أَخَص من التالي وأنه لا يَلزم مِن انتفائه انتفاؤه أن التالي قد يكون ثابتًا باعتبار أن المقدم المنفي بِـ "لو" [قد اقتضى ثبوته بأن] (١) كان المنفي في المقدم مناسبًا له إما بطريق الأولوية أو المساواة أو الأَدْوَبيَّة. ولكلٍّ مثال: فمثال الأول: قول عمر ﵁: "نِعْم العبد صهيب، لو لم يخف الله لم يعصه" (٢). فدخلت "لو" فيهما وهُما نفي؛ فاقتضت امتناع أولاهما وهي الشرط، فصارت مثبتة؛ لأن نَفْي النفي إثبات، فيثبت الخوف، وهو مناسب لثبوت التالي الذي هو نَفي العصيان بالأولوية على حال عدم الخوف وهو الإجلال؛ لأن مَن لا يخاف إذا كان لا يعصي إجلالا فَلأنْ لا يعصي عند الخوف من باب أَوْلى. فَلِعَدَم العصيان سببان: الإجلال، والخوف. فإذا كان يوجد مع الإجلال وإن لم يكن خوف فمع الخوف أَوْلى. ومثل هذا قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ﴾ [لقمان: ٢٧] الآية، فعدم النفاد ثابت على تقدير كون ما في الأرض من الشجر أقلامًا وسبعة أبحر تمد البحر الذي يمد منه، فثبوت عدم النفاد على تقدير عدم ذلك أَوْلى. وكذا: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ﴾ [الأنفال: ٢٣] يقتضي أنه ما عَلِم فيهم

стр. 1096

خيرًا وما أسمعهم. ثم قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٣]، فيكون معناه أنه ما أسمعهم وأنهم ما تولوا، ولكن عدم التولي خير من الخيرات، فإن أول الكلام يقتضي نفي الخير، وآخِره يقتضي حصوله، وهُما متنافيان، إلا أن عدم إسماعهم أَوْلى بأنْ يُعْرضوا مما لو أسمعهم؛ لأنهم إذا أعرضوا مع سماع كلمات النصح فتوليهم مع عدم [سماعها] (١) من باب أَوْلى، فلا تنافي حينئذٍ بين أولها وآخِرها. ومثال الثاني: قوله ﷺ في بنت أُم سلمة: "إنها لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي، إنها لابنة أخي من الرضاعة" (٢). فإن عدم حِلها له ﵇ من وجهين: كونها ربيبة، وكونها ابنة أخيه من الرضاعة. ومثال الثالث: وهو أن تكون مناسَبة ذلك دون مناسبة المقدم، فيلحق به؛ [لِلاشتراك] (٣) في أصل المعنى، كقول القائل: (لو انتفت أُخوة هذه مِن النَّسب لَمَا كانت حلالًا؛ لِمَا بيننا من الرضاع). فإن تحريم الرضاع دون تحريم النسب. واعْلَم أن بعضهم طبق عبارة سيبويه على هذه العبارة الثالثة؛ لأنه قال: (لِمَا كان سيقع؛ لوقوع غيره)؛ لأنه إنما تَعَرَّض لامتناع الشرط، كأنه قال: لكن ذلك الغير لم يقع؛ فلذلك لم يقع المُرَتَّب عليه. أما كونه لا يقع المرتَّب عليه دائمًا فلا دلالة فيه. فائدة: ما مثّل به للقسم الأول -من قول عمر في صهيب- قال بعض الحفاظ: كثيرًا ما نسأل عنه ولم نجد له أصلًا.

стр. 1097

نعم، في "الحلية" لأبي نعيم -في ترجمة "سالم مولى أبي حذيفة" بسند فيه ابن لهيعة- أن عمر قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن سالمًا شديد الحب لله ، لو لم يخف الله لم يعصه" (١). ومن جهته أورده صاحب "الفردوس"، فيحصل الغرض في التمثيل بذلك. وأما [مثال] (٢) الثاني وهو: "لو لم تكن ربيبتي في حجري" فإنه في "الصحيحين". الثاني من معاق "لو": التمني، نحو: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ [الشعراء: ١٠٢]. أي: فليت لنا كرة، ولهذا ينصب المضارع في جواب "لو" كما ينصب في جواب "ليت". ثم اختُلف في هذه، فقيل: إنها الامتناعية، أشربت معنى التمني. وقيل: قسم برأسه. وقيل: إنها المصدرية، أغنت عن التمني، لكونها لا تقع غالبًا إلا بعد مفهم تَمَنٍّ. واختار هذا القول ابن مالك، وغلط الزمخشري في عَدِّها حرف تَمَنٍّ، لمجيئها مع فِعل التمني في قوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩]، ولو كانت للتمني لَمَا جمع بينهما، كما لا يُجْمَع بين ["ليت"] (٣) وفِعل تَمَنٍّ. وأُجيبَ بأن حالة دخول فِعل التمني عليها لا تكون حرف تمنٍّ، بل مجردة عنه، وهو مراد الزنحشري وغيره ممن أثبتها للتمني. الثالث: العَرْض، نحو: لو تنزل عندنا فتصيب خيرًا.

стр. 1098

الرابع: التحضيض، وقَلَّ مَن ذكره، إنما ذكره العكبري في "الشامل"، ومَثَّله بنحو: (لو فعلت كذا يا هذا)، بمعنى: افْعَل. والفرق بينه وبين العَرْض أنه طلب بِحَثٍّ، والعَرْض طلب بِلِين. الخامس: التقليل، ذكره ابن هشام الخضراوي وابن السمعاني في "القواطع"، نحو: "التمس ولو خاتما من حديد" (١)، "اتقوا النار ولو بشق تمرة" (٢)، "تصدق ولو بظِلف محرق" (٣)، وهو أشد في التقليل. و"الظِّلف" -بكسر الظاء المعجمة- من البقر والغنم كالحافر من الفرس. وهذا معنى قولي: (كَذَلِكَ التَّقْلِيلُ)، أي: في مقام ذكر التعويض أنه يكتفي بذلك؛ لحقارته، وتعوض الكثير من فضل الله ، والله أعلم. ص: ٥١٤ - وَ"لَنْ" لِنَفْيِ مَا يُرَى مُسْتَقْبَلَا ... أَمَّا لِتَأْكِيدٍ وَتَأْبِيدٍ فَلَا الشرح: "لن" من نواصب المضارع لكنها لنفي المستقبل؛ فلذلك تخلصه للاستقبال، ولا [تفيد] (٤) مع ذلك تأكيدًا في [نفيها] (٥) ولا تأبيدًا له، خلافًا للزمخشري فيهما، الأول صرح به

стр. 1099

في "الكشاف"، والثاني في "الأنموذج" في كثير من نُسخه. قال ابن مالك: (وحَمَله على ذلك اعتقاده أن الله [لا] (١) يُرى، وهو اعتقاد باطل) (٢). وقال ابن عصفور: (ليس له دليل على مقالته، بل قد يكون النفي بِـ "لا" آكد من النفي بِـ "لن") إلى آخِر ما قال. ومما يُرَد به على الزمخشري في التأبيد أنها لو أفادته لم يقيد نفيها باليوم في قوله تعالى: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [مريم: ٢٦]، أو بحالة حادثة، نحو: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ [طه: ٩١]، ولكان ذِكر أبدًا في قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ [البقرة: ٩٥] تكرارًا. نعم، وافق الزمخشري على التأبيد ابن عطية إذ قال في قوله تعالى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]: (إنه لو مَضَيْنا على هذا النفي بمجرده لتَضمَّن أن موسى لا يراه أبدًا ولا في الآخرة، لكن [ردّوه من] (٣) جهة أخرى [في الحديث] (٤) المتواتر أن أهل الجنة يرونه، فاقتضى أن موضوعها لغةً ذلك) (٥). لكن يحتمل أن مراده أن المستقبل بعدها يَعُم جميع الأزمنة المستقبلة؛ من جهة أن الفعل نكِرة، والنكرة في سياق النفي تَعُم. ووافق أيضًا الزمخشري على القول بتأكيد النفي ابن الخباز في "شرح الإيضاح" إذ قال:

стр. 1100

ولكنه أَبلغ مِن نفْي "لا"، ألا ترى أنه [مستعمل] (١) في المواضع التي يستمر عدم الاتصال فيها، كقوله: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]، أي: إلى آخِر الدنيا. ومِثله: ﴿وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ [الحج: ٤٧]؛ لأنَّ خُلْف الوعد على الله تعالى مُحَال. ووافقه أيضًا صاحب "التبيان" على أن النفي بها أوكد. وزعم ابن عصفور أنها تَرِد للدعاء، نحو: ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص: ١٧]. والصحيح عند ابن مالك وغيره أنه لم يستعمل في الدعاء إلا "لا" خاصة، ولا حُجة له فيما سبق؛ لاحتمال أن يكون خبرًا, ولأن الدعاء لا يكون للمتكلم. والله أعلم. ص: ٥١٥ - وَ"مَا" كَـ"مَنْ" لِلشَّرْطِ وَاسْتِفْهَامِ ... نَكِرَةٌ بِوَصْفٍ اوْ تَمَامِ ٥١٦ - مَوْصُولَةٌ، وَ"مَا" فَقَطْ لِلنَّفْيِ ... وَقَدْ تُزَادُ في كثِيرٍ يُعْنِي (٢) الشرح: "ما" مثل "مَن" في المعاني المذكورة، وتنفرد "ما" عنها بما سنذكره. فمِمَّا يشتركان فيه أمور: أحدها: الشرطية: زمانية، نحو: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ [التوبة: ٧]، وغير زمانية، نحو: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]، ونحو: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣].

стр. 1101

الثاني: الاستفهام، نحو: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى﴾ [طه: ١٧]، ﴿فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى﴾ [طه: ٤٩]. الثالث: تَرِد كل منهما نكرة موصوفة، نحوة "مررت بما معجب لك". أي: بشيء. ومنه ما أنشده سيبويه: رُبما تَكْره النُّفوسُ منَ الأَمْـ ... رِ لَهُ فرْجَةٌ كحَلِّ العقَالِ أي: رُب شيء، وجملة "تكره النفوس" صفة له، والعائد محذوف، أي: تكرهه. ونحو: "مررت بمن معجب لك"، أي: بإنسان ونحوه. وشرط الكسائي في "مَن" هذه أنها لا تقع إلا في موضع لا يقع فيه إلا [النكرة] (١)، نحو: "رُب مَن عالم أكرمت"، و"رب مَن أتاني أحسنت إليه". ورُدَّ ما بما أنشده سيبويه: فكفى بنا فضلا على مَن غيرنا ... حب النبي محمد إيانا مع أن مجرور "على" يكون نكرة ومعرفة. الرابع: أن يقعا نكرة تامة. نحو: ما أحسن زيدًا. ويُعبر عنها بِـ"ما" التعجبية، فَـ"ما" مبتدأ، وما بعدها الخبر، أَي شيء حسن زيدًا، أي: صَيَّرَه حسنًا. والمسوغ للابتداء بها -مع كونها نكرةً- إفادةُ التعجب، كما في نحو: [عجبٌ] (٢) لزيد. هذا مذهب سيبويه، وزعم الأخفش أن "ما" التعجبية موصولة، والفعل بعدها صلة لها،

стр. 1102

والخبر محذوف وجوبًا. ونحو قول الشاعر: ونِعْمَ مَن هو في سرٍّ وإعلان. قاله أبو علي الفارسي، فزعم أن الفاعل مستتر، و"مَن" تمييز، والضمير المنفصل هو المخصوص. وقال غيره: "مَن" موصول فاعل. الخامس: ورودهما موصولتين بمعنى "الذي". نحو: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦]، ونحو: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [الأنبياء: ١٩]. وهُما حينئذٍ مفردان مذكران في اللفظ، وأما المعنى فقد يكونان كذلك، وقد يكون المعنى غير ذلك، ويظهر بِعَوْد الضمير ونحوه كما هو معروف في محله من النحو. وقولي: (وَ"مَا" فَقَطْ لِلنَّفْيِ) إشارة إلى ما يختص به "ما"، وذلك أنها تكون على وجهين: اسمية: ولها الأوجُه السابقة. وحَرْفية: وهي ما تنفرد به عن "من". والحرفية إما نافية أو زائدة أو موصولة. فالأول: إما عاملة على لغة الحجاز، كقوله تعالى: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ [المجادلة: ٢]، أو غير عاملة، نحو: "ما قام زيد"، و"ما يقوم عمرو". والثاني: إما كافة أو غير كافة. والكافة إما: - عن عمل الرفع، نحو: "قلَّما" و"طالما". - أو النصب والرفع، وهي المتصلة بِـ"إنَّ" وأخواتها حيث كفت، نحو: إنما زيد قائم.

стр. 1103

- أو الجر، نحو: ربما. وغير الكافة إما: - عوض، نحو: أمَّا أنت منطلقًا انطلقت، كما قال: أما أنت ذا نفر ... فإن قومي لم تأكلهم الضبع - وإما غير عوض، نحو: شتان ما بين زيد وعمرو. وإلى كثرة أقسام الزائدة أشرت في النظم بقولي: (وَقَدْ تُزَادُ في كَثِيرٍ يُعْنِي). أي: يُعْني طالبه؛ لكثرته، وذلك على وجه المبالغة، ومحله كتب العربية. الثالث: من أقسام الحرفية أن تكون موصولًا حرفيًا، أي: تكون هي وما بعدها في تأويل مصدر، نحو: أعجبني ما قلت. أي: قولك. وهي ضربان: - ظرفية: وذلك بأن يقع المصدر المؤوَّل منها موقع الظرف، نحو: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، أي: مدة استطاعتكم. - وغير ظرفية، نحو: ﴿بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: ٢٦]، ﴿لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ﴾ [النحل: ١١٦]. ونازع ابن عصفور أبا موسى الجزولي في كون هذا قِسمًا آخَر؛ لأن المصدر الصريح يقع موقع الظرف، نحو: أتيتك خفوق النجم، أي: وقت خفوقه. وخلافة زيد، أي: مدة خلافته. فالمصدر المؤول كذلك، لا أن ذلك معنى يختص بِـ"ما" المصدرية. وإنما لم أذكر في النَّظم هذا القسم الثالث لدخوله تحت إطلاق قولي: (مَوْصُولَةٌ)، وهو بالرفع كالذي قبله، وهو قولي: (نكِرَةٌ). وهو على إرادة سرد المعاني، وإلا فكان حقهما أن يُعطفا بالواو، فإن النظم يبيح مثل ذلك كما ذكرناه غير مرة.

стр. 1104

فإنْ قلتَ: يشكل هذا بأنك جعلت "ما" كَـ"مَن" في هذه المعاني، فيقتضي أن يكون "مَن" موصولًا حرفيًّا وليس كذلك. قلتُ: التشبيه يَصْدُق بصورة "من" الموصولية، ولا يَلزم أن يكون بسائر الوجوه، والله أعلم. ص: ٥١٧ - وَ"مِنْ" بِكَسْرٍ لِابْتِدَاءِ الْغَايَهْ ... وَلِبَيَانِ الْجنْسِ في الدِّرَايَهْ ٥١٨ - وَهَكَذَا التَّبْعِيضُ وَالتَّعْلِيلُ ... وَبَدَلٌ وَغَايَةٌ [تَحُولُ] (١) ٥١٩ - وَمثْلُهُ التَّنْصِيصُ لِلْعُمُومِ ... وَالْفَصْلُ وَالْمَجيءُ في التَّفْهِيمِ ٥٢٠ - كَـ"الْبَا"، كَذاكَ "في" وَ"عِنْدَ" وَ"عَلَى" ... وَ"هَلْ" لِتَصْدِيقٍ [يُرَادُ] (٢) بِانْجِلَا الشرح: الاحتراز بالكسر عن "مَن" المفتوحة التي سبق ذكرها مع "ما". فـ"مِن" المكسورة (وفيها لغة "منا" بألِف، حكاه في "التسهيل") تَرِد على وجوه: أحدها: لابتداء الغاية، وهو الأغلب عليها، وتُعْرف بأن يذكر بعدها "إلى"، فيستقيم الكلام، نحو: "سِرتُ من البصرة"، فإنه يَصْدُق أن يقول: "إلى بغداد"، وهو معنى قول بعضهم: وقد يحذف انتهاء الغاية بعدها؛ للعِلم به. وقد لا يقصد فيه انتهاء الغاية أصلًا، نحو: "أعوذ بالله من الشيطان"، و"زيد أفضل من

стр. 1105

عمرو"، ونحوه. ثم هي لابتداء الغاية في المكان اتفاقًا، نحو: ﴿مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: ١]، وفي الزمان عند الكوفيين، نحو: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ [التوبة: ١٠٨]، ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ [الإسراء: ٧٩]، ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم: ٤]. وصححه ابن مالك وغيره؛ لكثرة شواهده، وأما تأويل البصريين ففيه تَعسُّف. قال ابن أبي الربيع: ومحل الخلاف أن "من" هل تقع موقع "مُذْ"؟ فإنها لابتداء الغاية في الزمان بلا خلاف، فالبصريون يمنعونه، والكوفيون يجوزونه. وما ورد في القرآن لا يحتج به على البصريين؛ لأنه لم يرد "مُذ" قبل ولا "مُذْ" بعد. الثاني: بيان الجنس، وعلامتها أن يصح وضع "الذي" قبلها، نحو: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠]. أي: الذي هو [مِن] (١) الأوثان، فإن الأوثان كلها [رجس] (٢) وإنْ كان الرجس قد يكون من غير الأوثان. ونحوه قوله تعالى: ﴿خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ﴾ [الكهف: ٣١]. وحكى الصيمري -من أصحابنا- عن الشافعي فيما لو قال: (له مِن هذا المال ألف)، وكان المال كله ألفًا، أنه إقرار بجميعه، حملًا على أن "مِن" للتبيين. الثالث: التبعيض، وعلامتها صحة "بعض" محلها، نحو: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٥٣]. نعم، فرق بعضهم -كما قال ابن أبي الربيع- بين "أكلت من الرغيف"، و"أكلت بعض

стр. 1106

الرغيف" بأن مع "من" كان يحتمل تَوجُّه الأكل للكل وللبعض، [فبَيّنت] (١) "من" أن المراد أكل البعض، وأما لو صرح بِـ "بعض" فإن الأكل متوجه ابتداءً للبعض. هذا معنى ما نقله، ولكنه قليل الجدوى. نعم، البعض يَصْدُق على النصف أو ما دونه، قولان لأهل اللغة، فقياس ذلك أن يجري في البعض المستفاد من "مِن" القولان. ويشهد للثاني قوله تعالى: ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠]، وفي "النهاية" في "كتاب الوكالة": لو قال: "بعْ مِن عبيدي مَن شئت"، فليس للوكيل أن يبيع جميعهم، بل له أن يبيعهم إلا واحدًا باتفاق الأصحاب. وإنْ كان التبعيض في النظم المعروف إنما يورد على النصف فما دونه. قال: وهذا يناظر الاستثناء، فإن الغالب استثناء الأقل واستبقاء الأكثر، ولكن لو قال: "له عَلَيَّ عشرة إلا تسعة"، صَحَّ، وجُعِل مُقرًّا بدرهم. الرابع: التعليل، نحو: ﴿يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ﴾ [البقرة: ١٩]. الخامس: البدل، نحو: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ [التوبة: ٣٨]، أي: بدل الآخرة. السادس: الغاية، كذا عبر به كثير، وهو محتمل لأمرين: أحدهما: الغاية كلها. كذا حكاه ابن أبي الربيع عن قوم، نحو: "أخذت من الياقوت"، فالياقوت مبدأ الأخذ ومنتهاه. قال: وهذا إذا تحقق, رجع لابتداء الغاية؛ لأنه لَمَّا لم يكن للفعل [امتداد] (٢)، وجب أن

стр. 1107

يكون المبدأ والمنتهى واحدًا. ثانيهما وهو الظاهر: أنه على حذف مضاف، أي: انتهاء الغاية، فيكون بمنزلة "إلى"، وربما وقع في بعض نُسخ "التسهيل": وبمعنى "إلى"، ومثلوه بقول الشاعر: عَسَى سائل ذو حاجة إنْ مَنَعْتَه ... مِن اليوم [سؤلًا] (١) أْن يُيَسَّر في غَد وفي "التسهيل" -قبل ذلك- أنها تكون للانتهاء. ومثلوه بقريب من ذلك، فتكون لابتداء الغاية من الفاعل، ولانتهاء غاية الفعل من المفعول، مثل: "رأيت الهلال من داري من خلل السحاب". فابتداء الغاية وقع من الدار، وانتهاؤه من خلل السحاب. قال ابن مالك: (وسيبويه أشار إلى هذا) (٢). وإنْ أنكره جماعة وقالوا: لم تخرج عن ابتداء الغاية، لكن الأُولى ابتداؤها في حق الفاعل، والثانية في حق المفعول؛ لأن الرؤية إنما وقعت بالهلال وهي في خلل السحاب. ومنهم مَن جعلها في الثانية لابتداء الغاية أيضًا، إلا أنه جعل العامل فيها فِعلًا، كأنه قال: "رأيت الهلال مِن داري ظاهرًا مِن خلل السحاب"، فجعل "مِن" لابتداء غاية الظهور؛ لأن ظهور الهلال بدأ من خلل السحاب. ورُدَّ بأن الخبر المحذوف الذي يقوم المجرور مقامه إنما يكون بما يناسب معناه الحرف، و"مِن" الابتدائية لا يفهم منها معنى الكون ولا الظهور، فلا ينبغي أن يحذف. ومنهم من جعلها بدلًا من الأولى. السابع: تنصيص العموم، وهي الداخلة على نكرة لا تختص بالنفي، نحو: (ما جاءني مِن رجل). فإنه كان قبل دخولها محتملًا لنفي الجنس ولنفي الوحدة؛ ولهذا يصح أن تقول:

стр. 1108

(بل رجلان)، ويمتنع ذلك بعد دخول "مِن". أما الواقعة بعد "ما" فلا تستعمل إلا في النفي والتأكيد لا غير، نحو: (ما جاءني من أحد). وزعم الكوفيون أنها تزاد في الإثبات نحو: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٣١]؛ بدليل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣]. وأُجيب بأن "مِن" للتبعيض؛ لأن مِن الذنوب حقوق العباد، والله لا يغفرها، بل يستوهبها إذا شاء. وقوله: ﴿يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ إنما هو في هذه الأُمة، وقوله في الآية الأخرى: ﴿مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ هو في قوم نوح، فلم يتواردا على محل. ولو سُلِّم أنها أيضًا في هذه الأُمة فلا يبعد أن يغفر بعض الذنوب لقوم وجميعها لآخَرين. الثامن: الفصل، نحو: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، وتُعْرف بدخولها على ثاني المتضادين. التاسع: مجيئها بمعنى "الباء"، وهو معنى قولي: (وَالْمَجِيءُ في التَّفْهِيمِ كـ "الْبَا")، أي: مجيء "مِن" لإفهام هذه المعاني كما تُفهمها الحروف المذكورة. مثالها بمعنى "الباء" قوله تعالى: ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥]. قال يونس: أي: بِطرف. ويحتمل أنه من ابتداء الغاية. العاشر: بمعنى "في"، كقوله تعالى: ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾ [فاطر: ٤٠]، أي: في الأرض. كذا مُثِّلت، والظاهر أنها على بابها؛ لصحة المعنى بذلك. والأحسن أن يمثل بما حكاه ابن الصباغ في "الشامل" عن الشافعي ﵁ في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ [النساء: ٩٢] أنها بمعنى "في"؛ بدليل قوله: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [النساء: ٩٢]. الحادى عشر: بمعنى "عند"، كقوله تعالى: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ

стр. 1109

مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٠]. قاله أبو [عبيدة] (١). الثاني عشر: بمعنى "على"، كقوله تعالى: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ [الأنبياء: ٧٧]. وقيل: بل هو على التضمين، أي: منعناه. وهو أَوْلى من التجوُّز في الحروف كما سبق تقريره والخلاف فيه، والله أعلم. وقولي: (وَ"هَلْ" لِتَصْدِيقٍ يُرَادُ بِانْجِلَا) تمامه قولي: ص: ٥٢١ - في مُوجَبٍ لَا غَيْرِهِ، وَالْوَاوُ ... لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ إذَا يُسَاوُوْا الشرح: فقد اشتمل مع هذا البيت على بيان معنى حرفين: "هل"، و"الواو". فأمل "هل" فموضوع لطلب التصديق الإيجابي دون التصور ودون التصديق السلبي. تقول: "هل جاء زيد؟ " و"هل عمرو منطلق؟ " ولا يجوز "هل زيد قائم؟ أَم عمرو؟ " إذا أُريد بِـ"أَم" المتصلة، ولا "هل لم يَقُم زيد؟ ". ونظيرها في الاختصاص بطلب التصديق "أَم" المنقطعة، و [عكسهما] (٢) "أم" المتصلة. قيل: ومن معاني "هل" النفي؛ بدليل دخول "إلا" على الخبر بعدها، نحو: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]، و"الباء" في قوله: (ألا هل أخو عيش لذيذ بدائم).

стр. 1110

وغير ذلك. والأصوب أن يقال: إنها للاستفهام، ولكن أريد بالاستفهام بها النفي، كما يقال بذلك في الاستفهام الإنكاري، نحو: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٣٥]. قيل: وتأتي أيضًا بمعنى "قد"، وذلك مع الفعل، كما في ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْر﴾ [الإنسان: ١]. وبالغ الزمخشري حتى قال: إنها أبدًا بمعنى "قد"، وإنَّ الاستفهام إنما هو مستفاد من همزة مقدَّرة معها. ونقله في "المفصل" عن سيبويه. وضُعِّف ما قاله الزمخشري بأنه لو كان كما قال، لم تدخل إلا على فعل كَـ "قد". وأما نَص سيبويه فمذكور في "باب أَم المتصلة"، ولكن قد نَص على خلافه في "باب عدة ما يكون عليه الكلم"؛ فَلْيُؤَوَّل نَصُّه. نعم، معنى "قد" المحمول عليها "هل" في ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ [التقريب] (١). قال في "الكشاف": (إن التقدير في ﴿هَلْ أَتَى﴾: "أقد أتى؟ " على معنى التقرير والتقريب جميعًا، أي: أتى على الإنسان قبل زمان قريب طائفة من الزمان الطويل الممتد لم يكن [فيه] (٢) شيئًا مذكورًا، بل شيئًا منسيًّا نطفة في الأصلاب، والمراد بالإنسان: الجنس؛ بدليل: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ [الإنسان: ٢]) (٣). انتهى وفسرها غيره بِـ "قد" خاصة، ولم يحملوا "قد" على التقريب، بل على معنى التحقيق. وقيل: بل معناها التوقُّع، وكأنه قيل لقوم يتوقعون الخبر عما أتى على الإنسان وهو آدم

стр. 1111

عليه السلام. قيل: و"الْحِين" زمن كَوْنه طِينًا. وفي "التسهيل" أنه يتعين مرادَفة "هل" لِـ "قد" إذا دخلت عليها الهمزة، أي: كما في قوله: سائل فوارِس يَرْبُوع بِشِدَّتنَا ... أَهَلْ رَأَوْنَا بسفْحِ القاع ذِي الأكم ومفهوم ما قاله ابن مالك أنه لا تتعين لذلك إذا لم تدخل عليها، بل قد تأتي لذلك كما في الآية، وقد لا تأتي له. وقد عَكَس قومٌ ما قاله الزمخشري، فزعموا أن "هل" لا تأتي بمعنى "قد" أصلًا. قال ابن هشام في "المغني": (وهذا هو الصواب عندي) (١). ثم ذكر توجيه تصويبه وأطال فيه، فليراجَع منه، فمَن ثَم لم أتعرض لغير ما سبق في النَّظم. وأما "الواو" فإنْ كانت عاطفة فمعناها -على المرجَّح- مُطْلَق الجمْع، فتعطف متقدمًا على متأخِّر كعَكْسه، وتعطف المتساويين في الزمان، وتعطف مع التراخي ومع الفورية، نحو: "جاء زيد وعمرو" سواء أكان في الواقع جاء قبله أو بعده أو معه، وسواء تَعقبه أو تَراخَى. ومعنى قولي: "إذا يُسَاوُوا" أن العرب تأتي "بالواو" إذا أرادت المساواة بين المعطوف والمعطوف عليه في مطلق اشتراكهما في معنى العامل مِن غير إرادة شيء مما ذكرناه. فإذا أرادوا ذلك، أتوا بقرينة أو بما وُضِع للترتيب والمهلة (وهو "ثُم") أو للترتيب والتعقيب (وهو "الفاء") بحسب قصدهم استغناءً عن القرينة، وعند "الواو" إنما يُستفاد ذلك من القرينة، لا مِن نفس "الواو".

стр. 1112

وإنما حذفتُ "النون" في النَّظم من قولي: (يُسَاوُوْا) مع عدم الناصب والجازم اضطرارًا، وإلا فالأصل: "يساوون"، بل ربما حذفت في غير ذلك كما هو مشهور في العربية. وما قررته في معنى "الواو" هو الصحيح من الأقوال الذي عليه الجمهور ونَصُّ سيبويه إذ قال: (وذلك قولك: "مررت برجُل وحمار" لم تجعل للرجُل منزلة بتقديمك إياه يكون بها أَوْلى مِن الحمار، كأنك قلت: "مررت بهما"، وليس في هذا دليل على أنه بدأ بشيء قبل شيء) (١). انتهى [فَبَيَّن] (٢) بهذا أنها لمجرد الجمع وأنها كالتثنية لا ترتيب فيها ولا مَعِيَّة. قيل: ونَص عليه سيبويه في سبعة عشر موضعًا من كتابه. ونقل الفارسي والسيرافي في "شرح سيبويه" والسهيلي وغيرهم إجماع أئمة العربية عليه وإنْ كان في حكايته الإجماع نظر مع وجود الأقوال الآتية وشهرتها، وحكاه القاضي أبو الطيب في "شرح الكفاية" عن أكثر الأصحاب، وزعم ابن برهان أنه قول الحنفية بأَسْرهم ومعظم أصحاب الشافعي. وفي إطلاقه ذلك عن الحنفية نظر؛ لِمَا سيأتي. ثم قال: وهو الذي صَحَّ عن الشافعي؛ فإنه نَص على أنه إذا قال: "هذه الدار وقف على أولادي وأولاد أولادي"، أنهم يشتركون فيه، بخلاف "ثم أولاد أولادي". وإذا قال: "إذا مت فسالم وغانم وخالد أحرار" وكان الثلث لا يَفِي إلا بأحدهم، فإنه يقرع. فلو كانت الواو عنده للترتيب لَقال: يعتق سالم وحده. ودليل هذا القول موارد استعمالها، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ﴾ [الحديد:

стр. 1113

٢٦]، وفي الآية الأخرى: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [الشورى: ٣]، وقال: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾ [العنكبوت: ١٥]، وقال: ﴿وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾ [الأحزاب: ٧]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧]، فالرد بُعيد إلقائه في اليَم، والإرسال وقع متراخيًا، فإنه على رأس أربعين سَنة. القول الثاني: إنها للترتيب. قاله ابن عباس، فأسند إليه ابن عبد البر في "التمهيد": (ما ندمت على شيء لم أكن عملت به ما ندمت على المشي إلى بيت الله أن لا أكون مشيت؛ لأني سمعت رسول الله ﷺ يقول حين ذكر إبراهيم وأُمر أن ينادي في الناس بالحج: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ (١)، فبدأ بالرجال قبل الركبان) (٢). وإلى هذا القول ذهب من أهل العربية من الكوفيين ثعلب والفراء وهشام وأبو عمر الزاهد على ما نقله الشيخ أبو إسحاق في "التبصرة". لكن في كتاب أبي بكر الرازي: (قال لي أبو عمر غلام ثعلب: "الواو" عند العرب للجمع لا للترتيب، وأخطأ مَن قال: إنها للترتيب) (٣). انتهى ومن البصريين قطرب وعلي بن عيسى الربعي وابن درستويه، وعُزي للشافعي، فذكر بعض الحنفية أنه نَص عليه في كتاب "أحكام القرآن"، وبعضهم أخذه من لازِم قوله في اشتراط الترتيب في الوضوء والتيمم ونحو ذلك. والحقُّ أنه ليس مستدركه في ذلك "الواو"، بل الترتيب عنده بدليل آخَر، وهو قطع النظير

стр. 1114

عن النظير وإدخال الممسوح بين المغسولين، والعرب لا تفعل ذلك إلا إذا أرادت الترتيب. نعم، هو وجه لأصحابنا حكاه الماوردي في "باب الوضوء" عن جمهورهم، وكذا الصيدلاني في "شرح المختصر"، قال: وقولنا: إن "الواو" للترتيب هو قول أبي عبيد والفراء وغلام ثعلب. وفي "الأساليب" لإمام الحرمين أنه صار إليه علماؤنا، وفي "البرهان" له أنه الذي اشتهر عن أصحاب الشافعي (١)، ونصره الشيخ أبو إسحاق في "التبصرة"، وجزم به ابن سريج في "الودائع"، وقال: إنه لا خلاف فيه بين أهل اللغة. وقال بعض المحققين من شيوخنا: إن الذي يظهر من تَصرُّف الشافعي أن إفادة "الواو" للترتيب ليس لغةً، بل مِن عُرف الشرع، فهو حقيقة شرعية، لا لغوية، ويدل لذلك قوله ﷺ حين خرج من باب الصفا وهو يريد الصفا: "نبدأ بما بدأ الله به" (٢). أي: شرعنا دائمًا أن نبدأ بذلك، فهو عام وارِد على سبب خاص، فكل موضع وقع فيه التردد فإنما يحمل على الشرعي، وحينئذٍ فإطلاق كثير من أصحابنا الترتيب ونقلهم ذلك عن مذهب الشافعي إنما مرادهم ذلك، وبه يجتمع الكلام ويرتفع الخلاف. وأما النقل عن اتفاق أئمة اللغة ذلك كما سبق ففيه منازعة. فقد قال ابن الأنباري في مصنفه المفرد في هذه المسألة: إن ما نقل عن ابن درستويه والزاهد وابن جني وابن برهان والربعي من أنها للترتيب فليس بصحيح، وكتبهم تنطق بضد ذلك. ثم ذكر كلام عَلي الربعي في "شرح كتاب الجرمي"، وهو أنه قال: إن "الواو" للجمع

стр. 1115

على مذهب النحويين والفقهاء إلا الشافعي. قال: ولقوله وَجْه. ولكن هذا يدل على تقويته في الجملة، لا أنه مُختاره. وقال ابن مالك في "شرح الكافية": (زعم بعض الكوفيين أنها للترتيب، وعلماء الكوفة بُرآءمن ذلك) (١). وبالجملة فقد استُدل لقول الترتيب بنحو قول الله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: ١٨]، ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (١) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (٢)﴾ [الزلزلة: ١ - ٢]. لكن لا دلالة في ذلك، غايته أنها استُعملت في الترتيب، وليس ذلك بلازم، كما استعملت في عكسه، نحو: ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ [القمر: ١٦] والنذر قبل العذاب؛ بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. ومن حجج الترتيب أيضًا ما في "البخاري" عن البراء قال: "أتى النبي ﷺ رجل مقنع بالحديد، فقال: يا رسول الله، أُقاتل وأُسلم؟ قال: أَسلم ثم قاتِل. فأَسلم ثم قاتَل، فقُتل، فقال رسول الله ﷺ عمل قليلًا وأُجِرَ كثيرًا" (٢). و[يجاب] (٣) عنه بأنه قال له ذلك خوفًا أن يختار من الأمر المحتمل المقاتلة قبل الإِسلام فيُقتل كافرًا، والمبادرة للإسلام واجبة، لا من حيث إفادة "الواو" الترتيب.

стр. 1116

ومنها حديث الخطيب: "قُل: ومَن يطع الله ورسوله" (١). ولا حُجة فيه؛ لأنه إنما نهاه لأن الأدب أن لا يجمع بين اسم الله وغيره في ضمير، كما في قوله: "وصدق الله ورسوله"، ولم يَقُل: وصَدَقَا. وكذا لا حُجة لهم في الترتيب بنحو: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٧]، حيث رتب العمل على الإيمان؛ لأن ذاك ليس من "الواو"، بل لكونه لا يصح بدونه، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [طه: ١١٢]. القول الثالث في "الواو": إنها للمعية، واستعمالها في غير ذلك مجاز. ويُنسب لبعض الحنفية. نعم، أنكره ابن السمعاني وغيره. ونسبه بعضهم لأبي يوسف ومحمد؛ أَخْذًا مِن قولهما فيما لو عقد لأختين على رجُل من غير إذنه: إن أجاز نكاحهما معًا، بطل فيهما، أو إحداهما ثم الأخرى، بطل في الثانية، فإن قال: "أجزت نكاح فلانة وفلانة" فهو كما لو أجاز نكاحهما معًا. ومن قولهما في "إن دخلت الدار فأنت طالق وطالق وطالق": يقع الثلاث. وعند أبي حنيفة واحدة. ونُسب هذا القول أيضًا للشافعي في "القديم" ولمالك حيث قالا في غير المدخول بها: لو قال لها: "أنت طالق وطالق وطالق"، يقع الثلاث. الرابع: إنها للترتيب حيث يستحيل الجمع، كقوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]. حكاه بعضهم عن الفراء، وقال المراغي: لم أره في كتابه، ولو صح عنه، رجع إلى

стр. 1117

أنها للمعية إلا إذا تَعذَّر الجمع، فيتعين الترتيب؛ لاستحالة الجمع، لا لكونها دالة عليه. الخامس: إنْ دخلت بين أجزاء بينها ارتباط، كانت للترتيب، كآية الوضوء، أو أفعال لا ارتباط بينها نحو: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] فلا. وهو قول أبي موسى من الحنابلة، ورجحه بعض متأخِّريهم. السادس: تقتضي الترتيب في المفردات دون الجمل. حكاه ابن الخباز عن شيخه. وفيها أقوال أخرى ضعيفة أو راجعة إلى ما سبق. تنبيهات أحدها: قال ابن مالك في "التسهيل": (إن "الواو" تنفرد عن "الفاء" و"ثم" ونحوهما -مما يقتضي التشريك- بأنَّ متبعها في الحكم محتمل للمعية برجحان، وللتأخُّر بكثرة، وللتقدم بِقِلَّة) (١). وزعم بعضهم أن نَص سيبويه السابق يَرُد ما قاله، وفيه نظر، فإن سيبويه تكلم على أصل احتمالها، والشيخ تكلم على مَحال استعمالها. الثاني: التعبير بِـ "مُطْلَق الجمع" قيل: إنه أصوب من التعبير بِـ"الجمع المطلق"؛ لأن مطلق الجمع أعم من الجمع الذي فيه قرينة ترتيب أو معية أو فور أو ضد ذلك. والجمع المقيد بالإطلاق أخص؛ لأن الماهية بعدم القيد أعم من الماهية بقيد عدم شيء معها, ولذلك نظائر، كمطلق الماء والماء المطلق، ومطلق التصور والتصور المطلق. لكن ذهب بعض المحققين أنه لا فرق؛ لأن مطلق الجمع إنما معناه المقيد بالإطلاق من

стр. 1118

المجموع؛ لأن الإضافة فيه على معنى "مِن" التبعيضية، فلا فرق بين أن تتأخر صفة الشيء أو تتقدم. وممن جرى على عدم الفرق بينهما الشيخ تقي الدين السبكي. الثالث: مما يتفرع من الفقه على الخلاف المذكور: "إنْ دخلتِ الدار وكلمتِ زيدًا فأنت طالق"، ففي التتمة وَجه لا يقع حتى تدخل أولًا، والصحيح لا فرق. نعم، قالوا فيما لو قال لوكيله: "خذ مالي من زوجتي وطَلِّقها": لا بُدَّ من أخذ المال أولًا على أصح الوجهين كما نقله الرافعي عن البغوي، وكأن ذلك للاحتياط، لكن السرخسي (١) لما حكى الوجهين استدل على عدم الاشتراط بأنه لو قال: "طلقها وخذ مالي منها"، لا يشترط تقديم الأخذ. ثم قال: وثانيهما يشترط؛ لأنه ذَكر أخْذ المال قبل الطلاق، أي: فجعل المدرك المتقدم والتأخر، ولو رُوعِي الاحتياط، لم يكن فرق بين أن يتقدم الأخذ في لفظِه أو يتأخر. ومنها: قال لغير المدخول بها: "إنْ دخلتِ الدار فأنت طالق وطالق وطالق" أو قَدَّم قوله: "أنت طالق وطالق وطالق" على "إن فعلت"، يقع الثلاث في أصح الأَوْجُه. وقيل: واحدة. وقيل: إن قدم الشرط فواحدة، أو الجزاء فثلاث. ولو أتى بِـ"ثم" أو "الفاء" لم يقع إلا واحدة، فربما يقال فيها: إنها للمعية. وهو قول الحنفية.

стр. 1119

وقد يجاب بأن نسبة الكل عند وجود الصفة واحدة، فتعذر غير المعية، كما أخرجوا من محل الخلاف نحو: "اشترك زيد وعمرو"، و"تقاتل عبد الله وبكر". الرابع: إنما أطلتُ الكلام على "الواو"؛ لأنها من المهمات، واقتصرتُ في النظم على ذِكر معنى العاطفة؛ لوضوح بقية أنواع "الواو" في الاستدلال، كـ"واو" المفعول معه، و"واو" القَسم، و"واو" الحال، و"وا و" رُب والزائدة، و"واو" الثمانية عند مثبتها. بل وذُكر للعاطفة مَعَانٍ أُخَر ضُعِّف القول بها، أهملتها أيضًا، ككونها بمعنى "أو" وبمعنى "الباء" ونحو ذلك، وهو مبسوط في محله. والله أعلم.

стр. 1120

باب في بيان أحكام المهم من الأمور السابقة وفيه فصول: الأول: في "الأمر" و"النهي" لَمَّا فرغت من تقسيم الألفاظ وكان من جملة الأقسام أمور مقصودة في هذا الفن يشتد تَعلُّق الاستدلال بها ولها أحكام كثيرة تفتقر إلى إفراد كل منها بترجمة تخصه يُذكر فيها أنواعه وأحكامه كالأمر والنهي والعام والخاص والمطلق والمقيد والظاهر والمؤَوَّل والمجمَل والمبيَّن، شرعتُ في ذِكرها على هذا الترتيب في فصول، الفصل الأول منها في بيان الأمر والنهي. فأما "الأمر" فإنما بُدئ به لأنه إثبات، وهو أشرف من "النهي"، ولو لوحظ الزمان لَقُدِّم النهي؛ لأن العدم سابق على الوجود. ولفظة "الأمر" تطلق على معانٍ: منها: المعنى الاصطلاحي الذي هو مقصود الفصل على الخلاف الآتي فيه أول هل هو الصيغة الدالة على طلب إيجاد فِعل نحو: "اضرب"؟ أو نفس الطلب الذي تدل عليه الصيغة؟ ومنها: الفعل، فيقال: (زَيد في أمر عظيم)، أي: في فِعل مهم من سفر أو غيره. ومنه قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩]، أي: في الفعل الذي تعزم عليه، ونحوه قوله تعالى: ﴿أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [هود: ٧٣]، ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا﴾ [هود: ٤٠]. ومنها: الشأن، كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧]، أي: ما شأنه،

стр. 1121

والمعنى الذي هو [متلبس] (١) به. ومنها: الصفة، كقول الشاعر: لأمر ما يُسوَّد من يسود. أي: لصفة من صفات الكمال. ومنها: الشيء، كقولنا: تحرك هذا الجسم لأمر. أي: لشيء. ومنها: الطريق، وقع ذلك في عبارة "المعتمد" لأبي الحسين، فقيل: إنه غير ما سبق. [لكنه] (٢) قال في "شرح العمد": إن الطريق والشأن بمعنى واحد، فَيُكتفَى بأحدهما. وربما ذكر أنه يطلق على القصة والمقصود وليس المراد غير ما ذكر، بل اختلاف في العبارة. وبالجملة فإطلاقه بالمعنى الاصطلاحي حقيقة بلا خلاف. واختلفوا في إطلاقه بالمعاني المذكورة على أقوال: أحدها وهو قول الأكثرين: أنه مجاز وإلا لَزم الاشتراك، والمجاز خير منه. وفرَّعوا على ذلك أن جمع "الأمر" بالأول "أوامر"، وجمعه ببقية المعاني "أمور". ومما يُعرف به المجاز -كما سبق- أن يخالف جمعُه جمعَ الحقيقة، ولكن هذا لا يُعْرف لأهل اللغة إلا للجوهري، وقد قال الأزهري في "التهذيب": ("الأمر" ضد النهي، واحد "الأمور") (٣). وقال ابن سِيده في "المحكم": (إن "الأمر" لا يكسر على غير "الأمور") (٤).

стр. 1122

وأما أئمة النحو فلم يَقُل أحد منهم: إن "فَعْلًا" يجمع على "فواعل" مع ذِكرهم الصيَغ الشاذة ومع ذلك لم يذكروه منها. وممن نبه على أن قول الجوهري في ذلك شاذ غير معروف عند أئمة العربية أبو الحسن الأبياري في "شرح البرهان"، ثم حكى عن بعضهم أن "أوامر" جمع "آمِر" بوزن فاعل، قال: (وفيه تَجوُّز؛ لأن الآمِر هو المتكلم، فإطلاقه على المصدر أو الصيغة مجَاز وإنْ كانت صيغة فاعل أو فاعلة تُجمع على فواعل، اسمًا كان كَفَواطم، أو صفة ككواتب) (١). انتهى وقد تُعُقِّب عليه بأن ابن جني في كتاب "التعاقب" ذكر ما يقتضي أن جمع "أمْر" و"نهي" على "أوامر" و"نواهٍ" شائع، وذكر له نظيرًا. وأما جَعْل "أوامر" جمعًا لِـ "آمِر" بوزن فاعل وإنْ كان فيه تَجوُّز إلا أنه عُرف شائع؛ ولهذا يُقال في صِيَغ القرآن والسُّنة: إنها آمِرَةٌ بكذا وناهِية عن كذا. وقال الأصفهاني في "شرح المحصول": (إن بعضهم قال: إن "أوامر" جمع الجمع، فجُمع أولًا جَمع قِلة على أَفْعُل، ثم جُمع أَفْعُل على أفاعِل، كما فُعِل في كلْب وأكلُب وأكالِب) (٢). وضُعِّف بأن "أوامر" فواعل، لا أفاعل، فليس مثل أكالب. ولكن في هذا نظر؛ فقد يُدَّعَى أنه أفاعل لا فواعل [وأيضًا فإنَّا] (٣) إذا قُلنا: إنه جمع "آمِر"، فهو أفاعل، والهمزة التي هي فَاء "أَمْر" هي المبدلة واوًا في "أوامر"، فهو وزن أكالب سواء، لكن هذا وإنْ كان محتملًا فجعله على فواعل كَـ "ضوارب" أوضح. القول الثاني: إنه مشترك بين القول -الذي هو الصيغة- وبين الفعل بالاشتراك

стр. 1123

اللفظي؛ لأنه أُطلق عليهما، والأصل في الإطلاق الحقيقة. نقله في "المحصول" عن بعض الفقهاء، وعزاه ابن برهان إلى كافة العلماء. والثالث: إنه للقدر المشترك بينهما، من باب المتواطئ؛ دَفْعًا للاشتراك والمجاز. وهذا القول لا يُعرف قائله، وإنما ذكره الآمدي في "الأحكام" على وجه الإلزام للخصم، أي إنه لو قيل بذلك فما المانع منه؟ ولهذا لَمَّا تعرض له ابن الحاجب قال في آخِر المسألة: (وأيضًا فإنه قول حادث هنا) (١). وبذلك يصح قول ابن الحاجب وغيره: إنَّ إطلاقه على القول المخصوص حقيقة اتفاقًا، فإن الذي يقول بالتواطؤ يجعله حقيقة باعتبار المعنى المشترك، لا أنه حقيقة في أحد مَحَليه. الرابع: إنه مشترك بين الصيغة وبين الفعل وبين الشأن. ويُعزى لأبي الحسين البصري، كذا نُقل عنه، لكن عبارته في "المعتمد": (وأنَا أذهب إلى أن قول القائل "أمر" مشترك بين الصفة والشيء والطريق وبين جملة الشأن وبين القول المخصوص) (٢). انتهى فلم يذكر "الفعل" أصلًا إلا أن يكون من حيث دخوله في الشأن. وذكر "الطريق"، وسبق أنه في "شرح العمد" وَحَّد بينه وبين الشأن، والأمر في ذلك سهل. والخامس: إنه مشترك بين الكل، فإذا أُطلق، احتمل كل واحد ما لم تكن قرينة للمراد منها. وحكاه ابن برهان عن كافة العلماء، وحكاه القاضي عبد الوهاب والباجي عن أكثر أصحابنا. ويمكن تخريج قول سادس: أنْ يكون للقدر المشترك بين الكل كما ذكر ابن الحاجب تبعًا

стр. 1124

للآمدي على وجه الإلزام في الصيغة والفعل كما سبق. وقول سابع: حكاه صاحب "المصادر" من المعتزلة عن أبي القاسم البستي: أنه حقيقة في القول الذي هو الصيغة والشأن والطريق دُون آحاد الأفعال، وقال: إنه الأقرب؛ لأن مَن صَدر منه فِعل قليل غير مُعْتَد به -كتحريك أصابعه وأجفانه- لا يُقال: إنه مشغول بأمر، أو: هو في أمر. قال: (والذي أداهم إلى البحث في هذه المسألة اختلافهم في أفعال النبي ﷺ : هل هي على الوجوب؟ أم لا؟ ). انتهى وكذا قال صاحب "المعتمد" لما اختار ما اختار: (إنَّ أفعال النبي ﷺ على الوجوب" لأنها داخلة تحت قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٢]) (١). وقال الشيخ أبو إسحاق في "شرح اللمع": أفعال الرسول ﷺ هل تُسمى أمرًا؟ فيه وجهان، أصحهما: لا. وفرَّع صاحب "المحصول" على الخلاف في المسألة أيضًا لو قال: (إنْ أمرت فلانًا فعبدي حر) ثم أشار بما يُفهم منه مدلول الصيغة فإنه لا يحنث، ولو كان حقيقة في غير القول لزم العتق. قال: (ولا يُعارَض هذا بما إذا خرس وأشار فإنه يعتق؛ لأنَّا نمنع هذه المسألة) (٢). انتهى قلتُ: لكن رجع كلامه إلى أن الدال على الأمر الذي هو الطلب هل هو مثل الصريح؟ أو لا؟ من غير تَعَرُّض لبقية المعاني، والله أعلم.

стр. 1125

ص: ٥٢٢ - "الْأَمْرُ": الِاقْتِضَا لِفِعْلٍ غَيْرِ كَفْ ... مَا لَمْ يُفَدْ بِنَحْوِ "كُفَّ" أَمْرُ كَفْ الشرح: الكلام في الأمر في مقامين: أحدهما: في لفظِه، وقد سبق. والثاني: في معناه، وهو ما ذكرته في النظم من المختار في تعريفه، وذلك أن الأمر والنهي نوعان من الكلام، وفي كونه حقيقة في النفساني أو في اللساني أو مشتركًا أو في الحادث حقيقة في اللساني -مذاهب سبق بيانها، فالتعاريف مَبنية على ذلك. فمِن المعَرِّفين مَن يلاحظ في تعريفهما النفساني فقط، ومنهم مَن يلاحظ اللفظي فقط، ومنهم مَن يلاحظهما معًا. فالأول: طريقة القاضي وإمام الحرمين، قال القاضي في "مختصر التقريب": الأمر الحقيقي معناه قائم بالنفس (١)، والعبارات دالة على ذلك المعنى. وسيأتي كلامه بتمامه لغرض آخَر، وعَرَّف هو وإمام الحرمين "الأمر" بأنه: القول المقتضي بنفسه طاعة المأمور بفعل المأمور به (٢). فأخرجَا بقولهما: "بنفسه" الصِّيَغ الدالة على الاقتضاء؛ لأن دلالتها بواسطة الوضع. وبيَّنا أن المراد بالقول النفسى، وأن التعريف للأمر النفساني، فإسقاط ابن الحاجب -في
следующие страницы →