← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 32476

الفوائد السنية في شرح الألفية

شمس الدين البرماوي

Полный текст (2 306 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

والمعنى الذي هو [متلبس] (١) به. ومنها: الصفة، كقول الشاعر: لأمر ما يُسوَّد من يسود. أي: لصفة من صفات الكمال. ومنها: الشيء، كقولنا: تحرك هذا الجسم لأمر. أي: لشيء. ومنها: الطريق، وقع ذلك في عبارة "المعتمد" لأبي الحسين، فقيل: إنه غير ما سبق. [لكنه] (٢) قال في "شرح العمد": إن الطريق والشأن بمعنى واحد، فَيُكتفَى بأحدهما. وربما ذكر أنه يطلق على القصة والمقصود وليس المراد غير ما ذكر، بل اختلاف في العبارة. وبالجملة فإطلاقه بالمعنى الاصطلاحي حقيقة بلا خلاف. واختلفوا في إطلاقه بالمعاني المذكورة على أقوال: أحدها وهو قول الأكثرين: أنه مجاز وإلا لَزم الاشتراك، والمجاز خير منه. وفرَّعوا على ذلك أن جمع "الأمر" بالأول "أوامر"، وجمعه ببقية المعاني "أمور". ومما يُعرف به المجاز -كما سبق- أن يخالف جمعُه جمعَ الحقيقة، ولكن هذا لا يُعْرف لأهل اللغة إلا للجوهري، وقد قال الأزهري في "التهذيب": ("الأمر" ضد النهي، واحد "الأمور") (٣). وقال ابن سِيده في "المحكم": (إن "الأمر" لا يكسر على غير "الأمور") (٤).

стр. 1122

وأما أئمة النحو فلم يَقُل أحد منهم: إن "فَعْلًا" يجمع على "فواعل" مع ذِكرهم الصيَغ الشاذة ومع ذلك لم يذكروه منها. وممن نبه على أن قول الجوهري في ذلك شاذ غير معروف عند أئمة العربية أبو الحسن الأبياري في "شرح البرهان"، ثم حكى عن بعضهم أن "أوامر" جمع "آمِر" بوزن فاعل، قال: (وفيه تَجوُّز؛ لأن الآمِر هو المتكلم، فإطلاقه على المصدر أو الصيغة مجَاز وإنْ كانت صيغة فاعل أو فاعلة تُجمع على فواعل، اسمًا كان كَفَواطم، أو صفة ككواتب) (١). انتهى وقد تُعُقِّب عليه بأن ابن جني في كتاب "التعاقب" ذكر ما يقتضي أن جمع "أمْر" و"نهي" على "أوامر" و"نواهٍ" شائع، وذكر له نظيرًا. وأما جَعْل "أوامر" جمعًا لِـ "آمِر" بوزن فاعل وإنْ كان فيه تَجوُّز إلا أنه عُرف شائع؛ ولهذا يُقال في صِيَغ القرآن والسُّنة: إنها آمِرَةٌ بكذا وناهِية عن كذا. وقال الأصفهاني في "شرح المحصول": (إن بعضهم قال: إن "أوامر" جمع الجمع، فجُمع أولًا جَمع قِلة على أَفْعُل، ثم جُمع أَفْعُل على أفاعِل، كما فُعِل في كلْب وأكلُب وأكالِب) (٢). وضُعِّف بأن "أوامر" فواعل، لا أفاعل، فليس مثل أكالب. ولكن في هذا نظر؛ فقد يُدَّعَى أنه أفاعل لا فواعل [وأيضًا فإنَّا] (٣) إذا قُلنا: إنه جمع "آمِر"، فهو أفاعل، والهمزة التي هي فَاء "أَمْر" هي المبدلة واوًا في "أوامر"، فهو وزن أكالب سواء، لكن هذا وإنْ كان محتملًا فجعله على فواعل كَـ "ضوارب" أوضح. القول الثاني: إنه مشترك بين القول -الذي هو الصيغة- وبين الفعل بالاشتراك

стр. 1123

اللفظي؛ لأنه أُطلق عليهما، والأصل في الإطلاق الحقيقة. نقله في "المحصول" عن بعض الفقهاء، وعزاه ابن برهان إلى كافة العلماء. والثالث: إنه للقدر المشترك بينهما، من باب المتواطئ؛ دَفْعًا للاشتراك والمجاز. وهذا القول لا يُعرف قائله، وإنما ذكره الآمدي في "الأحكام" على وجه الإلزام للخصم، أي إنه لو قيل بذلك فما المانع منه؟ ولهذا لَمَّا تعرض له ابن الحاجب قال في آخِر المسألة: (وأيضًا فإنه قول حادث هنا) (١). وبذلك يصح قول ابن الحاجب وغيره: إنَّ إطلاقه على القول المخصوص حقيقة اتفاقًا، فإن الذي يقول بالتواطؤ يجعله حقيقة باعتبار المعنى المشترك، لا أنه حقيقة في أحد مَحَليه. الرابع: إنه مشترك بين الصيغة وبين الفعل وبين الشأن. ويُعزى لأبي الحسين البصري، كذا نُقل عنه، لكن عبارته في "المعتمد": (وأنَا أذهب إلى أن قول القائل "أمر" مشترك بين الصفة والشيء والطريق وبين جملة الشأن وبين القول المخصوص) (٢). انتهى فلم يذكر "الفعل" أصلًا إلا أن يكون من حيث دخوله في الشأن. وذكر "الطريق"، وسبق أنه في "شرح العمد" وَحَّد بينه وبين الشأن، والأمر في ذلك سهل. والخامس: إنه مشترك بين الكل، فإذا أُطلق، احتمل كل واحد ما لم تكن قرينة للمراد منها. وحكاه ابن برهان عن كافة العلماء، وحكاه القاضي عبد الوهاب والباجي عن أكثر أصحابنا. ويمكن تخريج قول سادس: أنْ يكون للقدر المشترك بين الكل كما ذكر ابن الحاجب تبعًا

стр. 1124

للآمدي على وجه الإلزام في الصيغة والفعل كما سبق. وقول سابع: حكاه صاحب "المصادر" من المعتزلة عن أبي القاسم البستي: أنه حقيقة في القول الذي هو الصيغة والشأن والطريق دُون آحاد الأفعال، وقال: إنه الأقرب؛ لأن مَن صَدر منه فِعل قليل غير مُعْتَد به -كتحريك أصابعه وأجفانه- لا يُقال: إنه مشغول بأمر، أو: هو في أمر. قال: (والذي أداهم إلى البحث في هذه المسألة اختلافهم في أفعال النبي ﷺ : هل هي على الوجوب؟ أم لا؟ ). انتهى وكذا قال صاحب "المعتمد" لما اختار ما اختار: (إنَّ أفعال النبي ﷺ على الوجوب" لأنها داخلة تحت قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٢]) (١). وقال الشيخ أبو إسحاق في "شرح اللمع": أفعال الرسول ﷺ هل تُسمى أمرًا؟ فيه وجهان، أصحهما: لا. وفرَّع صاحب "المحصول" على الخلاف في المسألة أيضًا لو قال: (إنْ أمرت فلانًا فعبدي حر) ثم أشار بما يُفهم منه مدلول الصيغة فإنه لا يحنث، ولو كان حقيقة في غير القول لزم العتق. قال: (ولا يُعارَض هذا بما إذا خرس وأشار فإنه يعتق؛ لأنَّا نمنع هذه المسألة) (٢). انتهى قلتُ: لكن رجع كلامه إلى أن الدال على الأمر الذي هو الطلب هل هو مثل الصريح؟ أو لا؟ من غير تَعَرُّض لبقية المعاني، والله أعلم.

стр. 1125

ص: ٥٢٢ - "الْأَمْرُ": الِاقْتِضَا لِفِعْلٍ غَيْرِ كَفْ ... مَا لَمْ يُفَدْ بِنَحْوِ "كُفَّ" أَمْرُ كَفْ الشرح: الكلام في الأمر في مقامين: أحدهما: في لفظِه، وقد سبق. والثاني: في معناه، وهو ما ذكرته في النظم من المختار في تعريفه، وذلك أن الأمر والنهي نوعان من الكلام، وفي كونه حقيقة في النفساني أو في اللساني أو مشتركًا أو في الحادث حقيقة في اللساني -مذاهب سبق بيانها، فالتعاريف مَبنية على ذلك. فمِن المعَرِّفين مَن يلاحظ في تعريفهما النفساني فقط، ومنهم مَن يلاحظ اللفظي فقط، ومنهم مَن يلاحظهما معًا. فالأول: طريقة القاضي وإمام الحرمين، قال القاضي في "مختصر التقريب": الأمر الحقيقي معناه قائم بالنفس (١)، والعبارات دالة على ذلك المعنى. وسيأتي كلامه بتمامه لغرض آخَر، وعَرَّف هو وإمام الحرمين "الأمر" بأنه: القول المقتضي بنفسه طاعة المأمور بفعل المأمور به (٢). فأخرجَا بقولهما: "بنفسه" الصِّيَغ الدالة على الاقتضاء؛ لأن دلالتها بواسطة الوضع. وبيَّنا أن المراد بالقول النفسى، وأن التعريف للأمر النفساني، فإسقاط ابن الحاجب -في

стр. 1126

النقل عنهما- لفظَة "بنفسه" ليس بجيد. ثم قال: ورُدَّ -أي: هذا التعريف- بأن المأمور مشتق منه، وأن الطاعةَ موافَقةُ الأمر؛ فيجيء الدَّوْرُ فيهما. أي: لأن المشتق يتوقف معرفته على المشتق منه، فلو عُرّف به لَتَوَقَّف عليه، فيدور. وكذا قوله: "طاعة المأمور" أُضيف إلى ما لا يُعْرف إلا بمعرفة الأمر، والمضاف لا يُعْرف إلا بمعرفة المضاف إليه؛ فيدور أيضًا. وأجاب النقشواني بأن المراد بِـ"المأمور" و"المأمور به" المعنى اللغوي، وهو المخاطَب والمخاطَب به، وبِـ"الطاعة" مطلق الموافقة، فلا دَوْر. ووجَّه نَفْي الدَّوْر بأمر آخَر، ونازعه الأصفهاني في "شرح المحصول" فيهما. الثاني: هُم المعتزلة، لَمَّا أنكروا كلام النفس حَدُّوهما تارة باعتبار اللفظ، وتارة باقتران صفة الإرادة، وتارة جعلوه نفس صفة الإرادة. فقال بعضهم في "الأمر": إنه قول القائل لمن دُونه: "افْعَل"، ونَحْوه. وأشار بِـ"نَحْوه" إلى شمول سائر اللغات. وأُورِدَ على ذلك ورُود صيغة "افعل" ونحوها من غير أن يكون طلبًا، بل لتهديد أو تعجيز أو تسخير أو غير ذلك، والمبلِّغ والحاكي لأمر غيْره. وقال بعضهم: صيغة "افعل" بتجردها عن القرائن الصارفة عن الأمر. ورُدَّ بأنه تعريف "الأمر" بِـ "الأمر". وإنْ أُسْقِطَتْ، وَرَدَ ما سَبَق وغَيْرُه (١). وقال مَن اعتبر الاقتران بالإرادة: "الأمر" صيغة "افْعَل" بإرادات ثلاث: إرادة وجود

стр. 1127

اللفظ، وإرادة دلالتها على الأمر، وإرادة الامتثال. واحترزوا بالأول عن نحو النائم، وبالثاني عن نحو التهديد، وبالثالث عن نحو المبلِّغ. ورُدَّ بأنه كلام متهافت؛ لأن المراد بِـ"الأمر" في قوله: (دلالتها على الأمر) إنْ كان اللفظ، فَسدَ؛ لقوله: (وإرادة دلالتها على الأمر)، واللفظ غير مدلول عليه، فكأنه اشترط دلالة الشيء على نفسه. وإنْ كان المعنى (أي: معنى الصيغة)، فسد؛ لقوله: (الأمر صيغة افعل)؛ لأن "الأمر" -على تقدير إرادة المعنى- يكون غير صيغة "افْعَل". وقال مَن اعتبر منهم نفس الإرادة: إن الأمر إرادة الفعل. ورُدَّ بأن السلطان لو أَنكر -مُتوعِّدًا بالإهلاك- ضَرْبَ سَيِّدٍ لِعَبْده، فادَّعَى السيدُ أنه يخالِفه فيما يأمره به، فأَمَره -لتمهيد عُذْره- عند الملِك، فإنَّ ذلك إنما يكون لمخالفته، فهو يأمره ويقصد مخالفته؛ فانْفَكَّ "الأمر" عن الإرادة. ويمكن أن يجاب بأن الموجود هنا صيغة الأمر، لا نفس الأمر. وأيضًا فَيَرِد مثل ذلك على الطلب؛ لأن العاقل كما لا يريد هلاك نفسه لا يطلب هلاك نفسه. كذا أورده الآمدي، وقال ابن الحاجب: إنه لازم (١). وقد يجاب عن الأخير أيضًا بأن الموجود صيغة الطلب، لا الطلب. سلَّمْنَا، وقولكم: (العاقل لا يطلب هلاك نفسه) إنْ أريد به المقرون بالإرادة فمُسَلَّم ولا نُسَلم أنه موجود هنا، أو العاري عنها فممنوع. قال ابن الحاجب تبعًا للآمدي: (والأوْلى -أَيْ في الرد عليهم في دعوَى أن الأمر

стр. 1128

الإرادة- أن يُقال: لو كان إرادة، لَوقعت المأمورات كلها، وأن معنى الإرادة تخصيص الفعل بحالة حدوثه، فإذا لم يوجد الفعل، لم يتخصص) (١). قيل: وإنما يَرِد هذا عليهم لو كانوا يفسرون "الإرادة" بما ذكر، ولكنهم يفسرونها يكون المزيد مُوجِدًا إنْ كان في فِعل نفسه، وإن كان في فِعل غيره بكونه آمِرًا به، ويفسرونها مرة بغير ذلك مما لا ينافي ما ذكروه. والثالث: وهُم مَن يلاحظ شمول التعريف اللفظي والنفسي؛ لأن اللفظي هو المبحوث عنه في فن أصول الفقه وفي التفسير وعلم النحو والبيان ونحو ذلك، والنفسي إنما هو بحث المتكلمين كما سبق إيضاحه، وهي طريقة التحقيق. وجرى عليها ابن الحاجب في "مختصره" بقوله: (حد "الأمر" اقتضاء فِعل غير كَف على جهة الاستعلاء) (٢). فَجَعْل الأمر الاقتضاء، أَعَم أن يكون في حال كونه نفسانيًّا أو مدلولًا عليه بصيغة، خلافًا لمن زعم مِن الشُّراح أنه إنما عَرَّف الأمر النفساني؛ لأن العمل على الأعم محتمل مع أنه أكثر فائدة. وكذا البيضاوي -تبعًا لإمامه- حيث قال: (إنه القول الطالب للفعل) (٣). أي: سواء أكان ذلك القول نفسيًّا أو لفظيًّا، إلا أنه إذا كان لفظيًّا، كان نسبة الطلب إليه مجازًا؛ لأن الطالب إنما هو المتكلم، فإسناد الطلب لآلَة الطالب مجاز. وإذا كان نفسانيًّا فالإسناد حقيقة؛ لأن القول الطالب في النفس هو نفس الطلب القائم بالنفس.

стр. 1129

نعم، على التعريفين اعتراضات كثيرة تظهر من شرح ما [اخترته] (١) في النظم في تعريفه، وهو: اقتضاء فِعل غَيْر كَفٍّ مدلول عليه بغير صيغة "كُفَّ" أو "لِتكفَّ" أو نحو ذلك. فَـ"الاقتضاء" جنس، والمراد به الطلب، أَعَم أن يكون قائمًا بالنفس أو مدلولًا عليه بصيغة. وخرج عنه نحو: التهديد والحكاية، لانتفاء الاقتضاء. ولا يقال: (خرج به)؛ لأن الجنس لا يخرج به؛ لأنه للإدخال، لا للإخراج. نعم، حكى أبو [المحاسن] (٢) المراغي في "غُنْية المسترشِد" عن الإِمام محمَّد بن يحيى أن: (تفسير أمر الله تعالى بالطلب محُال؛ لأن الطلب [مَيْل] (٣) النَّفْس، وهو مُنَزَّه عنه، فيجب تفسيره بالإخبار عن الثواب والعقاب). انتهى واعترض بعضهم على التعريف بالطلب بأن الطلب أَخْفَى من الأمر، فكيف يُعرف به؟ ! والجواب عن الأمرين بأن الطلب معنًى قائم بالنفس، لا ميلها أو نحوه مما يليق بالمخلوق. والطلب بَدِيهِيُّ التصور؛ لأن كل أحد يفرق بينه وبين غيره، ويفرق بين طلب الفعل والترك، فليس تعريفًا بالأخفَى. وبإضافة الاقتضاء للفعل يخرج الاستفهام، فإنه طلب إعلام وإخبار، لا إيجاد فعل.

стр. 1130

ولَمَّا كان الفعل شاملًا للكف كما سبق وطلب الكف يقع على وجهين: أحدهما: أن يكون بصيغ النهي، مثل: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢]، و"لا تأكلوا مال اليتيم"، ونحو ذلك. الثاني: أن يقع بصيغة الأمر، مثل قوله ﷺ : "كف عليك هذا" (١). يعني: اللسان، وقوله تعالى: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ [الأحزاب: ٣٧]، ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا﴾ [الحجر: ٣]. أخرجتُ (٢) النهي بقولي: (غَيْر كَفْ)، لكن بقيد كونه مدلولًا عليه بغير نحو: "كُف"؛ لأنه إذا كان مدلولًا عليه بنحو "كُف"، كان أمرًا، فهو مخُرج من مخرج من الكف، والمخرج من المخرج عن شيء داخِلٌ في ذلك الشيء، فهو وارد على قول ابن الحاجب: "غير كف"، إذ مقتضاه أن كل ما كان مقتضيًا لكف لا يكون أمرًا، بل نهيًا؛ فَيَرِد عليه ما أُخْرِج من المُخرج. وأما قوله: (على جهة الاستعلاء) فهو على اختياره في اشتراط الاستعلاء، ولكنه ضعيف كما سيأتي. وأما عبارة البيضاوي فَيَرِد عليها النهي، فإنه طَلَب فِعل، وهو لم يُخْرِجه بشيء. نعم، في كلام الإِمام الرازي ما يقتضي التقييد للطلب بكونه مانعًا من النقيض؛ ليخرج بذلك أمر الندب، لكن هذا على رأي ضعيف أن "المندوب" ليس مأمورًا به، والصحيح أنه مأمور به، وقد سبقت المسألة في الكلام على تقسيم الحكم في مقدمة الكتاب.

стр. 1131

قال القاضي في "مختصر التقريب": (الأمر الحقيقي معنى قائم بالنفس، وحقيقته اقتضاء الطاعة). قال: (ثم ذلك ينقسم إلى ندب ووجوب؛ لتحقق الاقتضاء فيهما، وأما العبارة الدالة على المعنى القائم بالنفس كقول القائل: "افْعَل" فمتردد بين الدلالة على الوجوب والندب والإباحة والتهديد؛ فَيُتَوَقَّف فيها حتى يثبت بقيود القال أو قرائن الأحوال تخصيصها ببعض المقتضيات، فهذا ما نرتضيه من المذاهب) (١). انتهى واعْلَم أن بعض شُراح "البيضاوي" جعل التعريف للأمر اللفظي، لا للنفساني، وعاب عليه إطلاق "القول" مع شموله النفساني. والأحسن حمل كلامه على الأعم كما قررناه؛ لأنه أكثر فائدة. نعم، أُورِدَ عليه أنه كان ينبغي أن يقول: (الطالب للفعل بذاته)؛ [لتخرج الأخبار المستلزمة] (٢) للطلب، نحو: "أوجبت عليك كذا"، و: "أنا طالِب منك كذا". وقد صرح به البيضاوي في تقسيم الألفاظ، وهنا أوْلى بأن يُذكر. فإنْ قيل: هذا وارد على مختارك أيضًا وعلى ابن الحاجب وغيره، بل وَيرِد كل طلب فعل بصيغة ترَجٍّ أو عرض أو تحضيض أو نحو ذلك مما سبق بيانه في تقسيم الكلام. قلتُ: المراد هنا الأمر من حيث هو، سواء كان بصيغته الصريحة أو باللازم. ثم يتبَيَّن بعد ذلك أن صيغته الصريحة الدالة بالذات هي "افْعَل" و"لِتَفْعَل". بل ولو لم تَرِد صيغة بل كان النفساني فقط، كان أمرًا؛ لأنَّا قد قلنا: إن المراد الأعم.

стр. 1132

ولهذا لَمَّا فرغ ابن الحاجب من بيان التعريفات المختارة عنده والمزيف، قال: (إن القائلين بالنفسي اختلفوا في كون "الأمر" له صيغة تخصه). ثم قال: (والخلاف عند المحققين في صيغة "افْعَل") (١). أي: وأما في دلالة صيغةٍ ما فَبِلَا خِلاف، لكن لا يكون بالوضع. وسنزيد ذلك بيانًا بَعْد. فإنْ قيل: كيف تدَّعِي أن تعريفك شامل للنفسي واللفظي مع ذِكرك فيه ما يقتضي انطباقه على اللفظي فقط؟ وذلك قولك: (مدلولًا عليه بغير "كُف")، فاقتضَى أن كلامك فيما له صيغة. قلتُ: المراد بـ"مدلول عليه" أنه لو أُريد الدلالة عليه لَكان بهذا، لا أن المراد أن يكون موجودًا فيه دلالة لفظ "كُف". قولي: (مَا لَمْ يُفَدْ بِنَحْوِ "كُفَّ")، أي: ما لم يُستفَد بنحو "كف"، أي: مِثل: "أَمْسِك" و"دع" كما سبق، ومنه نحو: "لِتكُف" و"لِتمْسِك"، فإن صيغة الأمر الموضوعة له -كما صرح به ابن فارس وغيره- إما فِعل الأمر وإما المضارع المقرون بلام الأمر، نحو: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧]، ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾ [المائدة: ٤٧]. نعم، اختلف النحاة أيهما الأصل؟ فالأكثرون أنه "افْعَل"؛ لإفادته المعنى بلا واسطة، و"لتفعل" إنما تفيده بواسطة اللام. وقيل: الأصل "لتفعل"؛ لأن الأمر معنى، والأصل في المعاني أن يدل عليها بالحروف.

стр. 1133

حكى هذا الخلاف العكبري في "شرح الإيضاح"، وقد صرحت في تمثيل الأمر في البيت الثاني بالنوعين، وهو قولي: (كَـ "لِتَصُمْ" وَ"صَلِّ") وإن كان دخول لام الأمر على فعل المخاطب المبني للفاعل قليلًا. ومنه قراءة عثمان وأُبَي وأنس: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْتَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨] بالتاء من فوق، بل ذلك أَقَل من جزمها فعل المتكلم، نحو قوله تعالى: ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢]، وقول النبي ﷺ : "قوموا فلأُصَلِّ لكم" (١). وسواء أكان النوعان في الأمر من فعل ثلاثي أو أكثر؛ فلذلك أتيت بكاف التشبيه في النَّظم. وشمل التشبيه أيضًا أسماء الأفعال، نحو: "صَهْ" و"مَهْ"، كقوله ﷺ : "مَهْ، عليكم من العمل ما تطيقون" (٢). ومنه قوله ﷺ للحسن حين أخذ تمرة من الصدقة: "كخ كخ" (٣). وفي معنى ذلك أيضًا المصدر القائم مقام الأمر، نحو: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤]، ولو حول من النصب إلى الرفع نحو: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]. والله أعلم.

стр. 1134

ص: ٥٢٣ - كَـ "لِتَصُمْ "وَ"صَلِّ"، وَ"النَّهْيُ": طَلَبْ ... كَفٍّ بِغَيْرِ نَحْوِ "كُفَّ" يُجْتَنَبْ الشرح: قولي: (كَـ "لِتَصُمْ" وَ"صَلِّ") مثالان للأمر كما أوضحناه. وقولي: ([وَ "النَّهْيُ"]) (١) إلى آخِره -تعريف للنهي بعد بيان تعريف الأمر. والنهي وزنه "فَعْل"، وجمعه "نواهي"، وفيه الإشكال السابق في "أمر"، وهو أن القياس في جمعه "أَفْعُل" لا "فواعل" سواء أكان صحيحًا أو معتلًّا بالواو أو بالياء، كَـ"أَكْلُب" جمع كلب، وأدل جمع دلو، وأظب جمع ظبي، وأصل هذين أدلو وأظبي، فقلبوا الضمة كسرة والواو ياء؛ فصار منقوصًا كقاضٍ وغازٍ. ويجاب عنه بما سبق من كونه جمع "ناهية"؛ لأن الصيغة ناهية. ولا يجاب هنا بما سبق في "أوامر" أنه جمع الجمع؛ لأن النون "فاء" الكلمة، فينبغي أن يقال: إنهم إنما قالوا: "أوامر" و"نواهٍ" للمجانسة، كما قالوا: غدايا وعشايا، فإن الغدوة لا تجمع على فعائل، بل لمجانسة عشايا قالوا: غدايا. هذا ما يتعلق بلفظ النهي، وأما تعريفه فكل ما سبق في "الأمر" يأتي فيه سوى أنه متعلق بالترك لا بالفعل، وحينئذٍ فيكون الأحسن في تعريفه ما ذكرته في النظم وهو أنه: طلب كَف بغير نحو "كُف". فالطلب: جنس، وبإضافته للكف المذكور خرج الأمر.

стр. 1135

والمراد بِـ "غير نحو كُف": أن يكون بصيغة "لا تفعل"، نحو: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ [التوبة: ١٠٨]، ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٥١]، ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ [الحجرات: ١١]، "لا يبع بعضكم على بيع بعض" (١)، وشبه ذلك. أما إذا كان بصيغة نحو: "كُف" و"أَمْسِك" و"دع"، و"لِتكف" و"لتمسك" و"لتدع" وما أَشبه ذلك، فإنه أَمْرٌ كما سبق تقريره. نعم، في كلام ابن فورك أنه يسمى نهيًا، فإنه قال: (صيغة النهي عندنا: "لا تفعل"، و"انته"، و"اكفف"، ونحوه). انتهى فإنْ أراد أنه في معنى النهي في الجملة فواضح، وإنْ أراد حقيقةً فمخالف لكلام أهل العربية والأصول وغيرهم، وإذا جرينا على قول ابن فورك، لم نحتج في حد "الأمر" أن نقول: (مدلول عليه بغير "كُف")، ولا في حد النهي أن نقول: (بغير نحو "كُف"). والله أعلم. ص: ٥٢٤ - كَـ "لَا تَبِعْ"، وَلَيْسَ الِاسْتِعْلَاءُ ... شَرْطًا، وَلَا يُشْتَرَطُ الْعَلَاءُ الشرح: وقولي: (كَـ "لَا تَبعْ") هو مثال للنهي، كقوله ﵊: "لا تبع ما ليس عندك" (٢). ونحو ذلك مما سبق من الأمثلة.

стр. 1136

وقولي: (وَلَيْسَ الِاسْتِعْلَاءُ) إلى آخِره -المراد به أنه لا يشترط في الأمر والنهي لا استعلاء ولا عُلُو على أرجح المذاهب، ونقله في "المحصول" عن أصحابنا. والمراد بِـ "العُلُو" أن يكون الآمِر في نفسه عاليًا، أيْ أعلى درجة من المأمور، و"الاستعلاء" أنْ يجعل الآمِر نفسه عاليًا بكبرياء أو غير ذلك، سواء أكان في نفس الأمر كذلك أو لا، فالعلو من الصفات العارضة للآمِر، والاستعلاء من صفة صيغة الأمر وهيئة نُطقه مثلًا. والمذهب الثاني: أنهما يعتبران في الأمر والنهي. وبه جزم ابن القشيري والقاضي عبد الوهاب. والثالث: يعتبر العلو، لا الاستعلاء. وهو قول المعتزلة، ووافقهم من أصحابنا الشيخ أبو إسحاق الشيرازي وابن الصباغ وحكاه عن أصحابنا وابن السمعاني، واختاره القاضي أبو الطيب الطبري والقاضي عبد الوهاب في "الملخص" ونقله عن أهل اللغة وسليم وأبو بكر الرازيان وابن عقيل الحنبلي وأبو الفضل بن عبدان من أصحابنا في "شرائط الأحكام". قالوا: فإنْ كان مساويًا فهو التماس، أو دُونه فسؤال. الرابع: يعتبر الاستعلاء، دون العلو. وهو قول أبي الحسين من المعتزلة، وصححه الإمام والآمدي وابن الحاجب وابن برهان في "الأوسط". ويفسد كلاًّ من القولين -العلو والاستعلاء كما قاله البيضاوي- قولُه تعالى حكايةً عن قول فرعون لقومه في مجلس المشاورة: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ [الشعراء: ٣٥]، ومعلوم انتفاء العلو؛ لأن فرعون أعلَى رتبة منهم، وانتفاء الاستعلاء؛ لأنهم لا يستعلون عليه. ولكن فيه نظر؛ لأنه ليس الأمر في الآية بمعنى القول المخصوص، وإنما المراد: ماذا تشيرون به عَلَيَّ؟

стр. 1137

ومثله قول عمرو بن العاص في مشاورته في رجل من بني هاشم خرج في العراق على معاوية فأمسكه، فأشار عمرو بقتله، فخالفه معاوية، لشدة حلمه وعفا عنه، فخرج عليه ثانيًا، فقال: أمرتُك أمرًا جازمًا فعصيتني ... وكان من التوفيق قتل ابن هاشم ومثل ذلك من المحتمل للتأويل كثير، عَلى أن البيضاوي -في تقسيم الألفاظ- اعتبر في الأمر العلو، إلا أن يقال: ذاك بحسب الاصطلاح، وهذا بحسب اللغة. نعم، أصرح منه في إفساد قول العلو قوله تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: ٢٦٨] مع أن الشيطان أَدْوَن، وفي إفساد الاستعلاء ورود آيات في الكتاب العزيز فيها الأمر مع اقتران غاية التلطف ونهاية الاستجلاب بتذكيرهم النعم، كقوله تعالى: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١]، وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] إلى غير ذلك. قولي: (الْعَلَاءُ) عبَّرتُ به دون لفظ "العلو"؛ لأن المراد: الشرف، ويقال فيه: "عَلِيَ" بالكسر "يَعْلَى" بالفتح "علاء"، وفي المكان "عَلَا" -بالفتح- يعلو علوًّا, ولأن العلو قد يستعمل في الاستعلاء. قال الجوهري: (وعلا في الأرض: تكبَّر علوًّا) (١). هذا مع ملائمة لفظ "العلاء" [للنَّظم] (٢) كما ترى، والله أعلم.

стр. 1138

ص: ٥٢٥ - فَصِيغَتَا الْأَمْرِ عَلَى الْوُجُوبِ ... حَقِيقَةً، كَـ "صَلِّ" لِلْمَكْتُوبِ ٥٢٦ - وَلسِوَى هَذَا مَجَازًا يَرِدُ ... كَالنَّدْبِ في ﴿فَكَاتِبُوهُمْ﴾ يُوجَد الشرح: المراد بصيغتي الأمر نحو: "افعل" ونحو: "ليفعل" كما سبق، فهُما للوجوب حقيقة، واستعمالهما في غير الوجوب مجاز على الصحيح من المذاهب الآتي بيانها بعد ذكر صُوَر غير الوجوب وغالبها في "افعل"؛ لأنها الأكثر في الاستعمال؛ فلهذا يقتصرون في الأمثلة على ذلك. فمثال ورودها للوجوب نحو: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [الأنعام: ٧٢] إذا كان المراد به المكتوبات الخمس "صلوا كما رأيتموني أصلي" (١)، بخلاف نحو: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] أي: ادْع لهم. ومن الوجوب أيضًا: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق: ٧]، ﴿وَلْيَتَّقِ (٢) اللَّهَ رَبَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وهذا أحد ما تَرِد له صيغة الأمر. وقد ذكر البيضاوي منه نحو الستة عشر موضعًا، وزِيد عليه كثير كما في النَّظْم. الثاني: ورودها للندب، كقوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣]، فإن ذلك للندب على أصح قولَي الشافعي، وبمقابِلِه قال داود وجَمْعٌ. وقرينة صرفه عن الوجوب -على الأول- إما لكونه علق على رأي السادات، أو لكونه

стр. 1139

أمرًا بعد حظر، وسيأتي -إن شاء الله- أنه قرينة الإباحة، إما لأن بيع ملكه بملكه فاسد حرام أو غير ذلك كما بُين في محله. والله أعلم. ص: ٥٢٧ - وَكَالْإباحَةِ الَّتِي مِثْلُ ﴿كُلُوا ... مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ تَلُوا الشرح: الثالث: ورود الصيغة للإباحة، وقد مَثَّله بعضهم بقوله تعالى لأهل الجنة: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ [الطور: ١٩]، فقال الجبائي: هو إباحة ولا يريده القديم تعالى ولا يَكرهه. وقال أبو هاشم: يجوز أن يريده؛ لِمَا فيه من زيادة السرور للمُثاب. وقال القاضي عبد الجبار: يجب أن يريده؛ لأن الثواب لا يصح إلا بها. ومرادهم بإرادته [تَحَتُّم] (١) وقوعه على قواعدهم في الاعتزال، والحقُّ خِلاف ذلك. ولا يصح التمثيل للإباحة بذلك؛ لأن الإباحة من الأحكام التكليفية كما سبق بيانه، وهي مرفوعة في الآخِرة؛ لأنها دار الجزاء. ومَثَّل بعضهم بقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١]. وضُعِّف بأن إحياء النفس بذلك واجب. فالأَوْلى أن يمثَّل بقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢]، ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [المؤمنون: ٥١]. وقد سمَّى النبي ﷺ ذلك أمرًا، فقال: "إن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [المؤمنون: ٥١]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا

стр. 1140

الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢"] (١). وقد مثلتُ في النُّظم بهذه، وزدت قولي: (تَلُوا) تفسيرًا، أي: حال كونكم تلوه، أي: لكم عليه ولاية تقتضي حل أكله، إذ لا إباحة إلا في الرزق الحلال. وإنْ كان الرزق يُطلق على الحرام خلافًا للمعتزلة، إلا أنَّ المقام هنا إنما هو في الرزق الحلال. واعلم أن الإباحة إنما تستفاد من الخارج؛ فلهذه القرينة يحمل الأمرُ عليها مجازًا بعلاقة المشابهة المعنوية؛ لأنَّ كلاًّ منهما مأذون فيه، فمَن أنكر من المتأخرين ذلك وقال: (إنه لم يثبت عندي لغةً كون "افْعَل" للإباحة)، ضَعْفُ إنكاره ظاهر. نعم، التمثيل إنما يستقيم إذا قلنا: (الأصل في الأشياء الحظر)، أما إن قلنا: (الإباحة)، فلا تستند الإباحة للصيغة، بل للأصل، والله أعلم. ص: ٥٢٨ - وَفي ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ التَّهَدُّدُ ... وَهَكَذَا الْإرْشَادُ في ﴿وَاسْتَشْهِدُوا﴾ الشرح: الرابع: التهديد، وعبَّرت عنه بالتهدد؛ لأنه مطاوع هدد تهديدًا، فلمَّا استلزمه عبرت عنه به؛ لأجل النظم. مثاله قوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]. وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ﴾ [الإسراء: ٦٤] الآية.

стр. 1141

الخامس: الإرشاد، كقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وهو معنى قولي: (في ﴿وَاسْتَشْهِدُوا﴾)، أي: الكائن في هذه الآية. ومِثله قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، ونحو: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. والضابط فيه: أن يرجع لمصلحة في الدنيا، بخلاف الندب، فإنه لمصالح الآخرة. كذا فرق بينهما القفال الشاشي وغيره، قالوا: والأول لا ثواب فيه، والثاني فيه الثواب. نعم، قد يكون الأمر له جهتان مرادتان كما قرره الشافعي في "الأُم" في قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]، وسماه الشافعي في "أحكام القرآن" "الرشد"، ومَثَّله بقوله ﷺ : "سافروا تَصِحُّوا" (١)، وأشار إلى الفرق بينه وبين الطلب بالإيجاب، فقال: وفي كل حَتْمٍ من الله رشد، فيجتمع الحتم والرشد. وسماه الصيرفي "الحظ". والله أعلم. ص: ٥٢٩ - وَالْإذْنُ في "اصْطَادُوا" لَدَى التَّحَلُّلِ ... كَذَلِكَ التَّأْدِيبُ "كُلْ مِمَّا يَلي" الشرح: السادس: الإذن، كقولك لمن طرق الباب: (ادْخل).

стр. 1142

ومنهم من يُدخِل هذا في قسم الإباحة، وقد يقال: الإباحة إنما تكون من صِيَغ الشرع الذي له الإباحة والتحريم، وإنما الإذن [مُعْلِم] (١) بأن الشرع أباح دخول ملك ذلك الآذِن مثلًا، فتغايَرا. ومنهم مَن يمثله بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، أيْ إذا قُلنا بأن الأمر بعد الحظر للإباحة، فيكون المعنى أنَّ هذا الإذن يَرُد ذلك الفعل إلى ما كان عليه قبل التحريم. وستأتي المسألة مبسوطة، وإلى هذا [المثال] (٢) أشرتُ بقولي: (لَدَى التَّحَلُّلِ). أي: للآية الدالة على ذلك. السابع: التأديب، كقوله ﷺ لعمر بن أبي سلمة المخزومي: "سَمِّ الله، وكُلْ بيمينك، وكُلْ مما يليك" (٣). أخرجاه في "الصحيحين" من حديث عمر المذكور. وفي "المستصفي" و"المحصول" أنه ﷺ قاله لابن عباس، ولا يُعْرَف. نعم، في "الترمذي" و"الطبراني" وغيرهما أن النبي ﷺ قال لعكراش في حديث طويل: "كُل من موضع واحد؛ فإنه طعام واحد" (٤).

стр. 1143

تنبيهان الأول: منهم مَن يُدخل التأديب في قسم الندب. وفي "المنهاج" للبيضاوي في الندب: (ومنه: "كُل مما يليك") (١). أي: فإنَّ الأدب مندوب إليه. ونقل في "المحصول" عن بعضهم أنه جعله قِسمًا آخر، فقال في الندب: (ويقرب منه) (٢). وذلك أيضًا يدل على المغايرة، لكن المغايرة إما لكونه أَخَص، وإما لغير ذلك. قلتُ: والظاهر أن بينهما عمومًا وخصوصًا من وجه؛ لأن الأدب متعلق بمحاسن الأخلاق، أَعَم أن يكون لمكلَّف أو غيره؛ لأن عُمَر كان صغيرًا؛ ولهذا في بعض الروايات: "يا غلام، سَمِّ الله" إلى آخِره، والندب مختص بالمكلَّفين، وأَعَم أن يكون في محاسن الأخلاق وغيرها. نعم، نَص الشافعي -في "الأُم" في باب "صفة نهي النبي ﷺ " بعد باب من أبواب الصوم- على تحريم الأكل من غير ما يليه، فَيشْكل التمثيل به [للأدب] (٣) أو للندب، فقال: (فإنْ أكلَ مما لا يليه أو من رأس الطعام أو عرس على قارعة الطريق -أيْ نزل ليلًا- أَثِمَ بالفعل الذي فعله إذا كان عالِمًا بما نهى النبي ﷺ ) (٤). انتهى ونَص في "البويطي" و"الرسالة" على نحو ذلك، وكذا نقله الضمير في في "شرح الرسالة".

стр. 1144

وهذه إحدى المسائل الخمس الغرائب التي أفردها الشيخ تقي الدين السبكي بكتابه المسمَّى بِـ"كشف اللبس عن المسائل الخمس". فالتحريم: - إما لأن الشافعي ﵁ أخذه من كون الأصل في الأمر من قوله: "كل مما يليك" للوجوب، وتَرْك الواجب حرام؛ لأن الخطاب وإنْ كان لعمر بن أبي سلمة وهو صغير إلا أن المراد به عموم الأُمة، ولا يضر ذلك، فإنَّا ولو قُلنا بالندب فقد خاطب به مَن لا وجوب عليه ولا ندب. وقد سبق أنَّ أَمْر الصبي بالصلاة لسبع ونحو ذلك من خطاب الوضع، لا لوجوب ولا لندب، ولو قُلنا: الأمر بالأمر بالشيء أَمْرٌ به. على أنه قد خاطب ﷺ بهذا المعنى غير الصبي، وهو عكراش كما ذكرناه. - وإما لِأَخْذ الشافعي ذلك من دليل آخَر. الثاني: منهم مَن عَبَّر عن هذا النوع بِـ "الأدب" على معنى طلب الأدب، فهو بمعنى التأديب، ويمثلهما بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، قال: وليس في القرآن غيره. ومَثَّله ابن القطان بالنهي عن التعريس على قارعة الطريق، والأكل من وسط القصعة، وأن يقرن بين التمرتين. والمدار فيه على ما سبق مِن إصلاح الأخلاق، والله أعلم.

стр. 1145

ص: ٥٣٠ - وَمِثْلُهُ الْإنْذَارُ ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا﴾ ... وَالِامْتِنَانُ في ﴿كُلُوا﴾ لَنْ [تُمْنَعُوا] (١) الشرح: الثامن: الإنذار، كقوله تعالى: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ﴾ [إبراهيم: ٣٠]. وقد جعله قوم قِسمًا مِن التهديد، وهو ظاهر قول البيضاوي: (ومنه ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا﴾). وعبارة "المحصول": (ويَقْرُب منه الإنذار) (٢). والقصد بذلك بيان أنهما ليسا متغايرين كما زعم بعضهم، لكنه أصوب؛ فإن الفرق بينهما ظاهر، إذِ التهديد هو التخويف، والإنذار إبلاغ المخوف كما هو تفسير الجوهري لهما. وفرَّق الهندي (٣) بينهما بأنَّ الإنذار يجب أن يكون مقرونًا بالوعيد كما في الآية المذكورة، والتهديد لا يجب فيه ذلك، بل قد يكون مقرونًا وقد لا يكون. وفرَّق آخَرون بأنَّ التهديد عُرْفًا أَبْلَغ في الوعيد والغضب من الإنذار. وقيل في الفرق أيضًا: إنَّ المهدد عليه يكون ظاهره التحريم والبطلان أو يكون مكروهًا؛ ولهذا كانت العلاقة بينه وبين الوجوب التضاد، وأما الإنذار فقد يكون كذلك وقد لا يكون. وفيه نظر؛ فإنه إذا كان مقرونًا بالتخويف فكيف لا يكون حرامًا؟ ! بل يكون كبيرة على

стр. 1146

رأْي مَن ضبطها بالتوعُّد عليها كما سبق. وقد يمثَّل بقوله تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا﴾ [الحجر: ٣] مع كونها ليس فيها لفظ الأمر بالإبلاغ، بل معناه. التاسع: الامتنان، وسمَّاه إمام الحرمين "الإنعام"، كقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٤٢]. والفرق بينه وبين الإباحة أنها مجرد إذن، والامتنان لا بُدَّ فيه من اقتران حاجة الخلق لذلك وعدم قدرتهم عليه ونحو ذلك، كالتعرض في هذه الآية إلى أن الله تعالى هو الذي رزقه. والعلاقة بين الامتنان والوجوب: المشابهة في الإذن؛ إذِ الممنون لا يكون إلا مأذونًا فيه. وقيل في الفرق بينه وبين الإباحة أيضًا: إنها يسبقها حَظْر، بخلافه. والله أعلم. ص: ٥٣١ - و ﴿كُنْ﴾ لِتكْوِينٍ، وَلِلْإكْرَامِ ... نَحْوُ ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ﴾ نَامِي الشرح: العاشر: التكوين، نحو: "كُنْ" في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠]، وهو تفعيل مِن "كان" بمعنى: وُجِد. فتكوين الشيء إيجادُه مِن العَدَم، والله تعالى هو المُوجِد لكل شيء وخالقه. وسمَّاه الغزالي والآمدي: "كمال القدرة". وسماه القفال والشيخ أبو إسحاق وإمام الحرمين: "التسخير".

стр. 1147

الحادى عشر: الإكرام، نحو: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر: ٤٦]، فإن قرينة ﴿بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ تدل عليه. قال صاحب "التنقيحات": ولا وَجْه لحمله على الوجوب كما زعم بعض المعتزلة؛ فإن الآخِرة ليست دار تكليف. أي: فإنما هو غاية في إكرام أهل الجنة؛ بسلامتهم من جميع آفات الآخرة. وهذا معنى قولي: (بِسَلَامٍ نَامِي)، أي: زائد، بالغ إلى الغاية. والله أعلم. ص: ٥٣٢ - كَذَلِكَ التَّسْخِيرُ "كُونُوا قِرَدَهْ" ... ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ﴾ لِعَجْزٍ أَوْرَدَهْ الشرح: الثاني عشر: التسخير، كقوله تعالى: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [البقرة: ٦٥]، والمراد به: السخرياء بالمخاطَب به، لا بمعنى التكوين كما سمَّاه [به] (١) القفال وغيرُه كما سبق. والفرق بينه وبين التكوين أن التكوين: سرعة الوجود عن العدم، وليس فيه انتقال إلى حالة مُمْتَهَنَة، بخلاف التسخير، فإنه لُغةً: الذِّلة والامتهان في العمل، ومنه قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾ [الزخرف: ١٣]، أي: ذَلَّلَه؛ لنَرْكَبه. ونقول: فلان سُخْرة السلطان. وبالجملة فالعلاقة فيه وفي التكوين المشابهة المعنوية وهو التحتم في وقوع ذلك. وقد يقال: العلاقة هي الطلب وإنِ اختلفت جهته.

стр. 1148

الثالث عشر: التعجيز، كقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣]. والعلاقة بينه وبين الوجوب المضادة؛ لأن التعجيز إنما هو في الممتنعات، والإيجاب في الممكنات. ومثله: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ [الطور: ٣٤]. ومَثَّله الصيرفي والقفال بقوله تعالى: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠)﴾ [الإسراء: ٥٠]، قال: ومعلوم أن المخاطَبين ليس في قدرتهم قَلْب الأعيان؛ فَيُعْلَم أن ذلك تعجيز لهم. والفرق بين هذا وبين التسخير أن التسخير نوع من التكوين، فمعنى ﴿كُونُوا قِرَدَةً﴾ [البقرة: ٦٥]: انقلبوا إليها. وأمَّا التعجيز فإلزامهم أن ينقلبوا، وهُم لا يقدرون أن ينقلبوا حجارة أو حديدًا. نعم، قال ابن عطية في "تفسيره": (في التمثيل بهذا نظر. وإنما التعجيز حيث يقتضي بالأمر فِعْلَ ما لا يَقْدر عليه المخاطَب، نحو: ﴿فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ﴾ [آل عمران: ١٦٨]، وأمَّا هذه الآية فمعناها: كونوا بِالتوهُّم والتقدير كذا وكذا) (١). وهو معنى قولي: (لِعَجْزٍ أَوْرَدَهْ)، أي: أورده لعجز المخاطَب عن ذلك، فهو معنى التعجيز، والله أعلم. ص: ٥٣٣ - ولإهَانَةٍ كـ ﴿ذُقْ﴾، وَالتَّسْوِيهْ ... مِثْلُ ﴿اصْبِرُوا أَوْ لَا (٢)﴾ كُمْ ذي التَّصْلِيَهْ الشرح: الرابع عشر: الإهانة للمخاطَب بصيغة "افعل"، كقوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ

стр. 1149

الْكَرِيمُ (٤٩)﴾ [الدخان: ٤٩]. ومنهم مَن يسميه "التهكم". وضابِطُه أن يؤتى بلفظ ظاهره الخير أو الكرامة والمراد ضده. ويمثَّل أيضًا بقوله تعالى: ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤] الآية، والعلاقة هنا أيضًا المضادة. الخامس عشر: التسوية، كقوله تعالى: ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا﴾ [الطور: ١٦]، بعد قوله: ﴿اصْلَوْهَا﴾، أي: هذه التصلية لكم سواء صبرتم أو لا، فالحالتان سواء. والعلاقة المضادة؛ لأن التسوية بين الفعل والترك مضادة لوجوب الفعل. ومنه حديث أبي هريرة في "البخاري" لَمَّا قال للنبي ﷺ : "إني أخاف العنت، ولا أجد ما أتزوج به من النساء" ثلاث مرات وهو يسكت عنه، ثم قال له: "يا أبا هريرة، جرى القلم بما أنت لاقٍ، فاختص على ذلك أو ذر" (١). والله أعلم. ص: ٥٣٤ - وَكَالدُّعَا في ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ ... كَذَا التَمَنِّي في "أَلا انْجَلي لنَا" الشرح: السادس عشر: الدعاء، نحو: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا﴾ [آل عمران: ١٤٧] الآية، و [كأنه] (٢) طلب أن يعطيهم ذلك على وجه التفضل والإحسان، والعلاقة بينه وبين الإيجاب طلب أن يقع ذلك لا محالة.

стр. 1150

السابع عشر: التمني، كقول امْرئ القيس: (ألا أيها الليل الطويل ألا انْجَلي). وإنما حُمل على التمني دون الترجي؛ لأنه أَبلَغ، لأنه نَزَّلَ ليلَه -لِطولِه- منزلة المستحيل انجلاؤه، كما قال آخَر: (وليل المحب بلا آخِر). والأحسن تمثيل هذا كما مثَّله ابن فارس بقولك لشخص تراه: (كن فلانًا)؛ لأن بيت امرئ القيس قد يُدَّعَى استفادة التمني فيه من "ألَا"، لَا من صيغة "افْعَل"، بخلاف هذا المثال. وقد يقال: إنَّ "ألَا" قرينة إرادة التمني بِـ "افْعَل"، وأما: "كن فلانًا" فليس تَمَنيًا أن يكون إياه، بل الجزم به وأنه ينبغي أن يكون كذلك، والله أعلم. ص: ٥٣٥ - وَخَبَرٌ نَحْوُ "إذَا لَمْ تَسْتَحِيْ ... فَاصْنَعْ لِمَا شِئْتَ"، فَفَازَ الْمُسْتَحِي الشرح: أي: وكذا الخبر يراد بصيغة "افعل" و"لِتفعل"، وهو الثامن عشر مِن معانيهما، نحو: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا﴾ [التوبة: ٨٢]، ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم: ٧٥]، ﴿وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢]. ومنه على رأْيٍ: "فليتبوأ مقعده من النار" (١). أي: فهو مُتَبَوِّء ذلك. وقيل: المراد: لِيَتَخَيَّر أيّ المواضع من النار شاء، فإنَّ دخوله لها لا بُدَّ منه. ومن ذلك أيضًا حديث أبي مسعود في "البخاري" أن النبي ﷺ قال: "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأُولى: إذا لم تَسْتَحِي، فاصنع ما شئت" (٢). أي: مَن لا يَسْتَحْيِي فهو يصنع

стр. 1151

ما يشاء، أخبر عنه الشارع بذلك. وقيل: المعنى: إذا لم تَسْتَحِي من شيء لِكونه جائزا فاصنعه؛ إذِ الحرام يُستَحْيَا منه، بخلاف الجائز. وقال ابن عبد السلام: هو إما تَهكُّم أو معناه: اعْرِضْه على نفسِك، فإنِ استحييت منه لو اطُّلع عليه فلا تفعله، وإنْ لم تستحي فاصنع ما شئت من هذا الجنس. وجَوَّز غيره أن يكون معناه الوعيد، أي: افعل ما شئت، فأنت تُجازَى به. فيكون كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]. وقيل: المراد: لا يمنعك الحياء من فعل الجائز. وقيل: إنه على طريقة المبالغة في الذم، أي: إذا لم تستحي فاصنع ما شئت، فتركك الحياء أعظم مما تفعله؛ لأن السياق في مدح الحياء، فقد قَدَّم أنه من النبوة الأُولى، أي: إنه أمر ثابت منذ زمان النبوة، فما مِن نبي إلا وقد ندب إلى الحياء وبعث عليه، ولم يُنسخ فيما نُسخ من شرائعهم، ولم يُبَدَّل فيما بُدِّل؛ لأنه معلوم صفاته وفضله. وقولي: ("إذَا لَمْ تَسْتَحِيْ) إما أن أصله "تستحيي" بكسر الياء؛ لأن أصل الفعل "تستحيي" بيائين، فحذفت الثانية؛ للجازم، فسكنت الياء الثانية؛ للضرورة؛ لأن "اسْتَحْيَى يَسْتَحْيِي" هو الأفصح الأشهر. وإما أنه جاء على اللغة الأخرى، وهي "استحَى يستحِي" بياء واحدة، فهو مُستحٍ، مثل: استقَى يستقِي فهو مستقٍ. وقُرئ بذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦]، ويُروى عن ابن كثير، وهذه الياء تحذف؛ للجازم. وإنما أُشبِعَت في النظم للضرورة.

стр. 1152

وقولي: (فَفَازَ الْمُسْتَحِي) أي: سَلمَ مِن الذم، وهو اسم فاعل من "استحَى" كما سبق وهو ظاهر، أو من "استحْيَى"، وأصْله "المستحْيِي" ولكن حُذفت الياء الثانية وسُكنت الأُولي؛ للضرورة. تنبيه: كما جاءت صيغة الأمر بمعنى الخبر جاء عكسه وهو الخبر بمعنى الأمر، نحو: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ﴾ [البقرة: ٢٣٣]. وكذا يجيء بمعنى النهي، كما في حديث ابن ماجه بسند جيد أن رسول الله ﷺ قال: "لا تُزَوِّجُ المرأة المرأة، ولا تزوجُ المرأة نفسها" (١) بالرفع، إذْ لو كان نهيًا لَجُزِم، فيُكسر؛ لالتقاء الساكنين. قالوا: وهو أَبْلَغ من صريح الأمر والنهي؛ لأن المتكلم -لشدة تَأَكُّد طلبه- نَزَّل المطلوب منزلة الواقع لا محالة. ومن هنا تعرف العلاقة في إطلاق الخبر بمعنى الأمر والنهي. وحركَ ابن دقيق العيد في "شرح العنوان" هنا بحثًا لطيفًا، وهو أن صيغة الخبر بمعنى الأمر والنهي هل يجري فيهما الخلاف في كونهما حقيقة في الوجوب والتحريم ويترتب عليهما أحكام ذلك؟ أو لا؟ ولم يرجِّح شيئًا. ووقع النزاع في ذلك بين ابن تيمية، فقال: (إنه يجري كذلك)، وبين ابن الزملكاني، فقال: (لا يجري فيه شيء من ذلك، إنما ذلك في الصيغة الأصلية). قال: فدعوَى خِلاف

стр. 1153

ذلك مكابَرة. قال: ويغلط في ذلك كثير من الفقهاء، ويغترون بإطلاق الأصوليين، فيُدخلون فيه كل ما أفاد أمرًا أو نهيًا وإنْ لم يكن فيه الأمر أو النهي من المحقق. وأيَّد بعضهم القول الأول بقول القفال: ومن الدليل على أن ذلك معناه [وأنَّ ذلك كُله مِن] (١) الامر والنهي: دخول النّسخ فيه؛ إذِ الأخبار المحضة لا يدخلها النسخ، ولأنه لو كان خبرا، لَمْ يوجد خِلافُه. قال: ومن هذا عند أصحابنا قوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩)﴾ [الواقعة: ٧٩]. واستند بعضهم في ذلك لقول البيانيين وغيرهم: إن ذلك أَبْلَغ من صريح الأمر والنهي، فينبغي أن يكون للوجوب قطعًا. والجواب عن الأول: بأن عبارة القفال [تُشعِرُ] (٢) بأن كلامه في أنه: هل هو خبر؟ أو لا؟ لا أنه يُعْطَى حُكم الأمر والنهي في سائر أحوالهما. وعن الثاني: بأن الأبلغية في كل شيء بحسبه، فلمَّا احتمل أن يكون: - للوجوب، كان ذلك أَبلغ في مراتبه. - أو الندب، كان ذلك أَبلغ في مراتبه. - أو الإباحة، فكذلك. فَحَقِّق ذلك؟ فإنه دقيق، والله أعلم.

стр. 1154

ص: ٥٣٦ - كَذَلِكَ التَّفْوِيضُ ﴿فَاقْضِ﴾ تَجْتَبِي ... ﴿كُونُوا حِجَارَةً﴾ مِنَ التَّعَجّب الشرح: التاسع عشر: ورود لفظ الأمر للتفويض، مثل قوله تعالى: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه: ٧٢]. ذكره إمام الحرمين في "البرهان"، ويسمى أيضًا "التحكيم"، وسمَّاه ابن فارس والعبادي "التسليم"، وسمَّاه محمد بن نصر المروزي "الاستبسال"، قال: أَعْلَموه أنهم قد استعدوا له بالصبر، وأنهم غير تاركين لدينهم، وأنهم يستقلون بما هو فاعل فى جنب ما يتوقعونه من ثواب الله تعالى. قال: ومنه قول نوح ﵇: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾ [يونس: ٧١]، أخبرهم بهوانهم عليه. العشرون: التعجب، نقله العبادي في "الطبقات" عن أبي إسحاق الفارسي، ومَثَّله بقوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾ [الإسراء: ٤٨]. ومثَّله الصفي الهندي بما ذكرته في النَّظم، وهو قوله تعالى: ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠)﴾ [الإسراء: ٥٠]، لكن سبق أن الصيرفي والقفال مثَّلَا به للتعجيز، وأن ابن عطية قال: فيه نظر. وهو الظاهر؛ فإن التمثيل به [للتعجب] (١) أوضح؛ لأن المراد به التعجيب، وربما عبر به بعضهم. والمعنى أن المخاطَب يحصل له التعجب من مِثل ذلك، وانقلابهم حجارة أو حديدًا مما

стр. 1155

يُتعجَّب منه، والله أعلم. ص: ٥٣٧ - كَذَاكَ في مَشُورةٍ، نَحْوُ: "انْظُرِ ... مَاذَا تَرَى"، وَفي اعْتِبَارٍ مُذْكِرِ ٥٣٨ - لِلثَّمَرِ ﴿انْظُرُوا﴾، وَفي التَّكْذِيبِ ... ﴿فَأْتُوا [بِسُورَةٍ] (١)﴾ عَلَى الْكَذُوبِ الشرح: الحادى والعشرون: المشورة، كقول إبراهيم لابنه إسماعيل عليهما الصلاة والسلام: ﴿فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات: ١٠٢]، فأشار إلى مشاورته في هذا الأمر. ذكر ذلك العبادي. الثانى والعشرون: الاعتبار، كقوله تعالى: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ﴾ [الأنعام: ٩٩] الآية، فإن في ذلك عبرة لمن يعتبر. الثالث والعشرون: التكذيب، كقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣]، ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٣)﴾ [آل عمران: ٩٣]، ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ﴾ [الأنعام: ١٥٠] الآية. تنبيهان أحدهما: ذكر بعضهم زيادة على هذه المعاني فيها نظر؛ فلذلك لم أتعرض لها في النظم: منها: ما في "البرهان" لإمام الحرمين: الإنعام، كقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا

стр. 1156

رَزَقْنَاكُمْ﴾ [طه: ٨١]. قال: (فهذا وإنْ كان فيه معنى الإباحة فإن الظاهر تذكير النعمة) (١). انتهى ويشبه أن يندرج هذا في قسم الامتنان كما سبق تقريره. ومنها: الاحتقار، كقوله تعالى حكاية عن موسى ﵇ يخاطب السحرة: ﴿أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٨٠)﴾ [يونس: ٨٠] إذ أَمْرُهم في مقابلة المعجزة حقير، وهو مما أورده البيضاوي. قيل: والفرق بينه وبين "الإهانة" أنها إما بِقَول أو فعل أو تقرير، كترك إجابته أو نحو ذلك، لا بمجرد اعتقاد. و"الاحتقار" قد يكون بمجرد الاعتقاد؛ فلهذا يقال في مثل ذلك: احتقَره، ولا يقال: أَهانهُ. ولكن جواب ذلك أن المراد بالإهانة: اعتقاد كونه هينًا، سواء انضم إليه ما يُنكيه من قول أو فعل أو ترك أو لا، فهُما سواء. ألا ترى أن نحو: ﴿ذُقْ﴾ من الاستهزاء به إنما نشأ من حقارته عند المتكلِّم؟ ومنها: الوعد، كقوله تعالى: ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠)﴾ [فصلت: ٣٠]. وقد يقال بدخول ذلك في الامتنان؛ فإنَّ بُشرى العبد مِنَّة عليه. ومنها: الوعيد، نحو: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] ولكن هذا من التهديد، بل قال بعضهم: إن التهديد أَبلغ من الوعيد. ومنها: الاحتياط. ذكره القفال ومَثَّله بقوله ﷺ : "فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا" (٢)، بدليل "فإنه لا يدري". وهذا داخل تحت الندب، فلا حاجة لإفراده.

стр. 1157

ومنها: الالتماس، كقولك لنظيرك: (افْعَل). وقد يقال: إن هذا وشبهه مما يقل جدواه في دلائل الأحكام. وفيه نظر. ومنها: التحسير والتلهيف. ذكره ابن فارس، ومَثَّله بقوله تعالى: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٩]، ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨)﴾ [المؤمنون: ١٠٨]. ومنها: التصبير، كقوله تعالى: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]، ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (١٧)﴾ [الطارق: ١٧] , ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا﴾ [الزخرف: ٨٣] ذكره القفال. ومنها: قرب المنزلة. ذكره الصيرفي، ومَثَّله بقوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ [الزخرف: ٧٠]. ومنها: التحذير والإخبار عما يَؤُول الأمر إليه، نحو: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [هود: ٦٥] (١). ذكره الصيرفي. ومنها: إرادة الامتثال فقط، كقولك عند العطش: اسقني ماء. فإنْ كان مِن السيد لعبده فللوجوب أو الندب، ولا يخفَى دخول هذا فيما سبق وهو الإيجاب أو الندب. ومنها: إرادة الامتثال لأمر آخَر، كقوله ﷺ : "كن عبد الله المقتول، ولا تكن عبد الله القاتل" (٢). فإنما المقصود الاستسلام والكَف عن الفتن. ومنها: التخيير، نحو: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢]. ذكره القفال، وقد يقال: نفس صيغة "افعل" ليس فيها تخيير، بل بانضمام أمر آخَر بضده، لكن مثل ذلك

стр. 1158

يأتي في التسوية. الثانى: في نجاز ما سبق الوعد به مِن ذِكر الخلاف في كون صيغتَي الأمر حقيقة في غير الوجوب أو مجازًا. فنقول الأصح من المذاهب أنهما حقيقة في الوجوب فقط، وفيما سواه مجاز؛ ولهذا أشرنا في غالبها إلى علاقة ذلك إلا ما يكون ظاهرًا. هذا مذهب الجمهور، وهو المحكي عن الشافعي ﵁. وقال إمام الحرمين في "تلخيص التقريب والإرشاد": (إن الشافعي قد ادَّعَى كل مِن أهل المذاهب في هذه المسألة أنه على وفاقه، وتمسكوا بعبارات متفرقة. وهذا عدول عن سَنن الإنصاف؛ فإن الظاهر والمأثور من مذهبه حمل مطلق الأمر على الوجوب) (١). انتهى ونقله الشيخ في "شرح اللمع" وابن برهان في "الوجيز" عن الفقهاء، واختاره الإمام وأتباعه. قال الشيخ أبو إسحاق: (وهو الذي أملاه الشيخ أبو الحسن على أصحاب أبي إسحاق -يعني المروزي- ببغداد) (٢). ثم اختلف القائلون بهذا المذهب كما في "تقريب القاضي" وغيره: هل اقتضاء الوجوب بوضع اللغة؟ أَم بالشرع؟ أَم بالعقل؟ ثلاثة مذاهب، صحح الشيخ أبو إسحاق الأول، ونقله إمام الحرمين عن الشافعي ثم اختار هو أنه بالشرع. الثانى: أنه حقيقة في الندب. وبه قال أبو هاشم كما نقله عنه ابن الحاجب.

стр. 1159

ونُوزع بأن عبارته لا تقتضيه، ونقله أيضًا عن كثير من المتكلمين، وكأن مراده المعتزلة؛ فقد نقله الشيخ أبو حامد عن المعتزلة بأَسْرها. نعم، نُقل عن جماعة من الفقهاء ونقله الغزالي والآمدي قولًا للشافعي، قال القاضي عبد الوهاب: كلامه في "أحكام القرآن" دالٌّ عليه. الثالث: أنه حقيقة في الإباحة؛ لأن الجواز محقَّق، والأصل عدم الطلب. وربما يُفهم ذلك من المحرر في النقل عن المعتزلة، بناءً على أن المباح عند أكثرهم حسن. وحكاه البيهقي في "سُننه" عن حكاية الشافعي في "كتاب النكاح". الرابع: أنه مشترك بين الوجوب والندب. وحُكي عن المرتضى من الشيعة، لكن الذي حرره عنه صاحب "المصادر" غير ذلك. وقال الغزالي: صرح الشافعي في كتاب "أحكام القرآن" بتردد الأمر بالوجوب والندب. لكن ابن القطان أَوَّله. الخامس: أنه حقيقة في القدر المشترك بينهما وهو الطلب. لكن قال أبو منصور الماتريدي: يحكم بالوجوب ظاهرًا في حق العمل -احتياطًا- دُون الاعتقاد. السادس: الوقف. وبه قال القاضي وأتباعه، فقالوا: حقيقة إما في الوجوب وإما في الندب وإما فيهما جميعًا بالاشتراك اللفظي، لَكِنَّا لا ندري ما هو الواقع مِن الأقسام الثلاثة. ونقله ابن القطان عن ابن سريج ونسبه للشافعي، لأنه قال في "أحكام القرآن": (لَمَّا قال تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] احتمل أمرين) إلى آخِره. قال أصحابنا: (وهذا تَعنُّت مِن أبي العباس؛ لأن الشافعي يقول ذلك كثيرًا ويريد أنه يحتمل أن يَرِد دلالة تخصه ويحتمل أنْ يخلى والإطلاق، إنما أراد الشافعي بذلك أنه يجوز أن

стр. 1160

يختص كما يقول به [في] (١) العموم). انتهى السابع: وحكاه الصفي الهندي عن القاضي وإمام الحرمين والغزالي: التوقُّف في أنه حقيقة في الوجوب فقط أو الندب فقط أو فيهما بالاشتراك اللفظي أو المعنوي. فزاد على القول الذي قبله أمرًا رابعًا. الثامن: أنه مشترك بين الوجوب والندب والإباحة اشتراكًا لفظيًّا. الثامن: الاشتراك في الثلاثة اشتراكًا معنويًّا. العاشر: أنه مشترك بين خمسة: هذه الثلاثة، والكراهة، والتحريم. حكاه في "المحصول"، وكأن المراد بهما ما يتضمنه التهديد، وربما عُبِّر عنه بأنه مشترك بين الثلاثة والتهديد، وهو أوضح. الحادى عشر: قول عبد الجبار: إنه حقيقة في إرادة الامتثال فقط، والوجوب وغيره مُستفاد من القرائن. وعزاه ابن السمعاني لأبي هاشم، وأوضحه فقال: (إذا قال القائل لغيره: افعل، دَلَّ على أنه مُرِيد منه الفعل، فإنْ كان القائل حكيمًا، وَجَبَ كون الفعل على صفة زائدة على حُسْنه يستحق لأجلها المدح. فإذا كان المقُول له مُكلَّفًا، جاز أن يكون واجبًا وأن يكون مندوبًا. فإذا لم يَقُم دليل على وجوب الفعل، وَجَب نَفْيُه والاقتصار على المحقَّق وهو كَوْن الفعل ندبًا يستحق فاعله المدح) (٢). الثانى عشر: حكاه القاضي عبد الوهاب في "ملخصه" عن شيخه أبي بكر الأبهري بأن أمر الله تعالى للإيجاب وأمر النبي ﷺ المبتدأ للندب، أي: الذي ليس موافقًا لنَص أو بيانًا
следующие страницы →