← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 32476

الفوائد السنية في شرح الألفية

شمس الدين البرماوي

Полный текст (2 306 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

بداية نص كتاب الفوائد السنية في شرح الألفية تأليف: الحافظ البرماوي شمس الدين محمد بن عبد الدائم (٧٦٣ - ٨٣١ هـ) وهو شرح لألفيته (١٠٣٢ بيتًا) في علم أصول الفقه تحقيق الشيخ عبد الله رمضان موسى كلية الشريعة الجزء الأول مكتبة دار النصيحة الناشر مكتبة التوعية الإسلامية للتحقيق والنشر والبحث العلمي جوال: ٠١٠٠٥٢٥٥١٤/ ٠١١١٨٧٣٧٦٠٥

стр. 107

[بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ] (١) [قال الشيخ الإمام العلَّامة شمس الدين محمد بن عبد الدائم بن موسى البرماوي الشافعي تغمده الله بغفرانه، وأسكنه بحبوحة جنانه] (٢): الحمد لله الذي شرح الصدور بكتابه المبين وشَفَاها، وبَيَّنَ ما نزَّل بِسُنة نَبِيِّه محمد المصطفى فِعْلًا وشِفاهًا، وعَصَم أُمَّته من الخطأ، فَمَن شذَّ عنهم ركب ضلالة وسِفَاها، ومَن حاد عن سَنَن قياس شَرْعه بَذَّ (٣) السفهاء سِفَاها، فأصبحت أحكام فِقهه بوضوح أَوْضاح أدلتها تتباهى، وتراجيحُ سنَاها لا تتناهى، وانفتح للمجتهدين بذلك صَوبُ صَواب فتواها. فصلى الله على محمد المخصوص بعموم الرسالة فجَلَّاها، ومَحَى دُجَى ليل الجهل مِن الأمم إذا يغشاها، قد أفلح مَن زكاها، وقد خاب مَن دساها، وعلى آله وصحبه ما بَلغَ أُولو النُّهى [البَهِي] (٤) مُناها. أمَّا بَعْد: فهذا تعليق مبارك على أرجوزتي المُسَمَّاة بِـ "النُّبْذة الألفيَّة في الأُصول الفقهية"، يوضحُ أسرارها، ويكشف أستارها، مع فوائد مَزِيدة، ولطائف عديدة، والتعرض للخلاف المشهور، وبعض أدلة تُرَى كالصارم المشهور، سمَّيتُه "الفوائد السَّنية في شرح الألفية"،

стр. 108

ضارِعًا إلى الله تعالى في أنْ ينفع بذلك، ويفتح به إلى هذا الفن المسالك، عليه توكلتُ وهو رب العرش العظيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم. ص: ١ - بِاسْمِ الحمِيدِ قال عَبدٌ يَحْمَدُ ... ذَا البِرْمَوِيُّ الشافِعِيْ مُحَمَّدُ ٢ - الحمْدُ للهِ الذِي مَنْ وَفَّقَا ... لِلْفِقْهِ في الدِّينِ وأَصلِهِ، ارْتَقَا ٣ - ثُمَّ الصَّلَاةُ والسَّلَامُ [الأَبَدِي] (١) ... عَلَى النَّبِيِّ الهاشِمِيْ [مُحَمَّدِ] (٢) ٤ - وآلِهِ وصحْبِهِ والتُّبَّعِ ... عَلَى الهُدَى بِهَدْيِهِ المُتَّبَعِ الشرح: القصد الابتداء بحمد الله؛ لحديث: "كل أَمْرٍ ذِي بالٍ لا يُبدَأ فيه بحمد الله فهو أجْذَمُ" (٣). رواه أبو داود وغَيْره. وجَرَت عادة كثير أنْ يبدءوا تصنيفهم بِـ "قال فُلان"، ثُم يأتوا بالحمد، كقول ابن مالك (٤): قال محمد هو ابن مالك ... أحمد ربي الله خير مالك

стр. 109

فيفوت غرض الابتداء بالحمد حتى يجاب عنه إمَّا بأنه كَتَب البسملة أولًا، أو بأن المقصود هو ما بعد وقد بدأه بالحمد، أو نحو ذلك؛ فحافظتُ في هذا النَّظْم على الابتداء بِاسْم الله في أَصْل النَّظْم بقولي: (بِاسْم الحميد). ثم قلتُ: (الحمد لله)؛ على قاعدة الخُطَب؛ لِمَا في بعض الروايات بلفظ: "لا يُبدأ فيه بالحمد لله" (١). فالباء في قولي: (بِاسْم الحميد) متعلِّقة بحال محذوفة مِن فاعل "قال"، أيْ: مُتبَرِّكَا بِاسْم الحميد، أو نحو ذلك. و"الحميد" فَعِيل بمعنى مفعول؛ لأنه حمد نفسه، والخلق تحمده، أو بمعنى الفاعل؛ لأنه حامد لِنفسه ولمن شاء مِن خَلْقه. ومعنى "الحمد": الثناء بالوصف الجميل، فخرج نحو ما جاء في الجنازة: "فأثنوا عليها شرًّا" (٢). ومنهم مَن يزيد على ذلك: "على جهة التفضيل"؛ ليخرج نحو: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩]، فإنه على جهة التهكم، لا على جهة التفضيل، ولكن هذا مجاز، إمَّا باعتبار ما كان في الدنيا (٣)، وإمَّا باعتبار ضدّ حالته (٤)؛ تَهكُّمًا عليه، والمجاز لا يُحْتَرز عنه في لفظ الحَدِّ؛ لانصرافه للحقيقة. وجملة: "يحمد" صفة لِـ "عَبْد". ومفعول "وَفَّق" محذوف، هو العائد على "مَن" الشَّرطية، أيْ: وَفَّقَه. وكذلك مفعول جواب الشرط (وهو "ارتقى") حُذِفَ؛ لِيَعُم كل ما يصلح له أنْ يرْقَى إليه. و"التوفيق" خَلْق قُدْرة الطاعة وداعِية فِعْلها، مأخوذ مِن معنى الموافقة؛ لأنَّ به يوافق

стр. 110

فِعْل العبد ما أُرِيد منه. هذا قَوْل الأشعري والمحققين (١)، وضِدُّه "الخذلان". و"الفقه في الدِّين" فَهْمه ودرايته؛ لأنه الفَهْم لُغَةً كما سيأتي. وجملة الشرط والجزاء صلةٌ للذي، والإشارة بذلك إلى قوله ﷺ فيما انفرد بإخراجه الصحيحان مِن حديث معاوية: "مَن يُرِد الله به خيرًا، يُفَقِّهه في الدِّين، وإنما أنا قاسِم، واللهُ يُعطِي، ولن يزال أمرُ هذه الأُمة مستقيمًا حتى تقوم الساعة" (٢). ففي ذلك الثناء العظيمُ على المتفقه في الدِّين، وأنَّ الله تعالى هو المُفَقِّه له بتوفيقه وإرادته، وأنَّ النبي ﷺ إنما هو خازِنٌ لِمَا أوحاه إليه مِن الشرع وأنواع الخير، وقاسِمٌ ذلك بين الناس على حسب إرادته تعالى، ولهذا في بعض الروايات: "وإنما أنا خازِنٌ" (٣)، [أيْ] (٤): على ما عندي مما بعثني الله تعالى به. والله هو الموَفِّق المقدِّر. والمراد بِـ "الدِّين" الأعم مِن الإيمان والإسلام والإحسان؛ لحديث: "جاء جبريل يُعَلمكم دِينكم" (٥)، وأشار ﷺ بقوله: "ولن يزال أمرُ هذه الأُمة مستقيمًا" إلى أنَّ استقامتها إنما هو بالتفقه في الدِّين؛ فإنَّ العِلم سابق على العمل كما ترجم به البخاري: "باب: العِلم قَبْل القول والعمل؛ لقول الله : ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: ١٩]، فبدأ بالعِلم". وقد سبقه إلى الاستدلال بذلك سفيان بن عيينة. والضمير في قوله: (وأَصْله) يَعُود للفقه، أو إلى الدِّين. وعلى كل حال فالبراعة حاصلة؛ لأنَّ الدِّين شاملٌ للفروع أيضًا. و"الهاشمي" نسبته ﷺ لجده هاشم؛ لأنه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن

стр. 111

عبد مناف. وفي حديث واثلة بن الأسقع في "مسلم": "ثم اصطفاني من بني هاشم" (١). فهاشم أقرب نسبه. و"التُّبَّع" جمع "تابِع". والهَدْي في قولي: (بهَدْيه) بفتح الهاء وسكون الدال: الطريق التي يُمشَى فيها، فهو استعارة ما للجسم للمعنى. والضمير [فيه] (٢) للنبي ﷺ ، أيْ: التابعين للصحابة بإحسان، وهو اتِّباعهم على ما هم عليه من الاهتداء بهدي النبي ﷺ ، أيْ: شَرْعه الذي شرعه وبَيَّنه، وأَوْجَب على الخَلْق اتِّباعه فيه. ص: ٥ - وَبَعْدُ: فَالقَصْدُ عَلَى رَوِيَّهْ ... نَظْمُ أُصُولِ الْفِقْهِ في أَلْفِيَّهْ ٦ - مُعْرًى مِنَ الخِلَافِ وَالدَّلِيلِ ... وَنُبْذَتِي أَصْلٌ لِذَا التَّأْصِيلِ ٧ - فَسَمَّهَا بِـ "النُّبْذَةِ الألْفِيَّهْ" ... مَعْ زَيْدِ في أُصُولِنَا الفِقْهِيَّهْ ٨ - وَاللهَ رَبِّي أَسْأَلُ الْإعَانَهْ ... عَلَى الَّذِي قَصَدتُ في الْإبانَهْ الشرح: "القصد" مصْدَر "قَصَد" بمعنى المقصود. "عَلَى رَوِيَّة" في موضع نَصْب على الحال، أَيْ: على تَفَكُّر، و"الرَوِيَّة": التفكر في الأمور، والمراد: على ما ظَهَر في التفكر في ذلك أنه صواب؛ لِمَا في المنظوم مِن سهولة الحفظ ومَيْل الطبْع إليه، لا سيما إذَا كان لطيفًا؛ فإنَّ الهِمَم قَلَّتْ، والهموم كَثُرَتْ وأَذلَّت، فالله تعالى يُحسن العاقبة. و"ألْفِيَّة" صفة لمحذوف، أَيْ: أرجوزة ألفية، أو قصيدة ألفية.

стр. 112

و"مُعْرًى" حال مِن "أصول الفقه"، أَيْ: مُعرًى ذلك، أَيْ: أُعْري ما فيها مِن أصول الفقه مِن الخلَاف والأدلة؛ لِيَكُون أَسْرَع إلى ضَبْط الفن، وثبوت الراجح في الذهن، على قاعدة "الحاوي" في الفقه ونَظْمه، وألفية ابن مالك في النحو، ونَحْو ذلك، والمعْنَى: أنَّي لا ألْتَزِم ذلك، وربما أَتَعَرَّض لخلاف أو لدليل في النادر؛ فإنَّ القَصْدَ عَدَمُ التزام ذلك، لا التزام عَدَمه. ومعنى قَوْلي: (وَنُبْذَتِي أَصلٌ لِذَا التأْصِيلِ) أَيْ: المقدمة التي جمعتها قَبْل ذلك خاليةً مِن الخلاف والدليل - وسمَّيتُها: "النبذة الزكية في القواعد الأصلية" - هي الأصل لهذا النَّظْم، فالمَرَدُّ إليها، والمحافظةُ على ما فيها إلَّا اليسير وكثيرًا مِن الأمثلة. و"النُّبذة" بِضَم النون وبالذال المعجمة: الشيء اليسير، وفي حديث أُم عطية: "خذي نُبذةً مِن قسطٍ وأظفار" (١). وكثيرًا ما تُستعمل في الطيب ونحوه كما في الحديث؛ فلذلك قلتُ في التسْمية: (الزكية). وقولي: (مع زَيْد) هو مَصدَر بمعنى الزيادة، أَيْ: مع زيادة قولك كذا. وأشرتُ بقولي: "أصولنا" (وإن كان ليس مُلتزمًا في التسمية، بل يقال: في الأصول) إلى مراعاة أصول الشافعية في هذه الألفية حَسْب القدرة، وسأذكر في هذا الشرح ما يظهرُ مِن تفريعات في الفقه في بعض المسائل على ذلك إنْ شاء الله تعالى. وقولي: (وَاللهَ رَبِّي) قُدِّمَ فيه المنصوب؛ لإفادة الاختصاص، مِثْل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، والله أعلم.

стр. 113

ص: ٩ - أَبْوَابُها أَرْبَعَةٌ مُنَظَّمَهْ ... بَعْدَ الَّذِي جَعَلْتُهُ مُقَدِّمَهْ الشرح: أَيْ: رتَّبتها على مقدمة وأربعة أبواب. المقدمة في تعريف هذا العِلم وفائدته واستمداده، وما يتصل بذلك من مقدِّمات ولواحق. والباب الأول في بيان أدلة الفقه وتفسيرها، والباب الثاني فيما يتوقف عليه الاستدلال بها، والباب الثالث في تَعارُض الأدلة وما حُكم ذلك، والباب الرابع في بيان مَن هو أَهْل للاستدلال بالأدلة، و [مُقابِلِه] (١). ووَجْه ذلك أنَّ المبحوث عنه في هذا الكتاب أو في هذا العِلم إمَّا المقصود الأصلي وإمَّا المُتَوقِّف عليه المقصود. والثاني (٢) المقدِّمة، والأول (٣) الأبواب الأربعة التي بَيَّنَّاها؛ وذلك لأنَّ موضوع هذا العِلم الذي يُبحث فيه عن عوارضه الذاتية له هو أدلة الفقه، كَبَدن الإنسان بالنسبة إلى عِلم الطب. وأمَّا مسائل كل عِلم فهو ما يُبحث فيها عن أحكام تلك العوارض، فالبحث عن موضوعه هو الباب الأول. والاستدلال بالأدلة لَمَّا تَوَقَّف على أمور، ذَكَرتُ هذه الأمور في الباب الثاني. ثُم هذه الأدلة إذَا تَمَّت وصَحَّت، ربما تتعارَض، فَمَا يُفْعَل فيها هو الباب الثالث. ثُم ليْس كل أَحد يستطيع أنْ يستدل، ولا يُقَدِّم ما يُقَدَّم [و] (٤) يُؤَخِّر ما يُؤَخَّر إلَّا مَن كان أَهْلًا، وهو "المجتهد"، فَبُيَّن في الباب الرابع، وذُكِر معه مُقابِلُه وهو "المقَلِّد" الذي ليس أَهْلًا للاستنباط. فالبحث عن مسائله وما يتصل بذلك هو الأبواب الثلاثة.

стр. 114

و" المُقَدِّمة " بِكَسر الدال: كلام متقدم أمام المقصود؛ لتَوَقُّفه عليه أو انتفاعه به بِوَجْهٍ، كمقدمة الجيش طائفة تتقَدَّمه. وهو مِن "قَدَّم" بمعنى: تَقدَّم، كما في قوله تعالى: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١]، أَيْ: لا تتقدَّموا. وقد تفتح الدال؛ لأنَّ صاحب الكلام أو أمير الجيش قَدَّمها، أو لأنها مُشبهة بمقدمة الرَّحْل، وهي ما أمام الراكب مقابلة لمؤخرته وهي ما وراءه. وعلى الفتح جَرَى الشيخ أبو حيان، وادَّعَى أنَّ تجويز الكسر مِن تغييرات النَّقَلة، واقتصر جَمْعٌ على الكسر، والحقُّ جواز الوجهين بالاعتبارين، والله تعالى أعلم. المقدمة ١٠ - أَقُولُ فِيهَا: حَقُّ كُلِّ مَنْ طَلَبْ ... عِلْمًا تَصَوُّرٌ لَهُ قَدِ انْتَسَبْ ١١ - مِنْ حَيْثُ مَعْنًى جَامِعٌ لِكَثْرَتِهْ ... لَا جِهَةُ التَّفْصِيلِ في حَقِيقَتِهْ ١٢ - فَطَلَبُ المجْهُولِ مُسْتَحِيلُ ... وَمَنْ يُحَصِّلْ حاصِلًا، مَطْلُولُ ١٣ - وَالْعِلْمُ بِالْغَايَةِ [مِنْهُ] (١) بَعْدُ ... نَفْيًا لِمَا في عَبَثٍ يُعَدُّ ١٤ - وَمَا اسْتُمدَّ مِنْهُ كَيْ يَرْجِعَ لَهْ ... إنْ رَامَ تحْقِيقَ الَّذِي قَدْ حَصَّلَهْ الشرح: بدأتُ هذه المقدمة بقاعدةٍ كُلية، وهي أنَّ حق كُل مَن [حاول] (٢) عِلْمًا مِن العلوم وطَلَب معرفته أنْ يَعْرِف أمورًا ثلاثة:

стр. 115

أولها: مَعْرفة ذلك العِلم، أَيْ: تَصَوُّره بِوَجْهٍ؛ لأنَّ طَلَب الإنسان ما لا يَعْرفه - مُحالٌ ببديهة العقل. وذلك الوجه الذي يَعرفه به هو المعنى الذي يحيط بِكَثرته. ثُم يَطْلبه مِن جهة تفصيله. فإنْ عَرفه مِن جهة التفصيل، كان طَلَبه له مُحالًا؛ لأنه تحصيل الحاصل؛ فلذلك بَرْهَنْتُ على الأمْرَيْن مَعًا. وقولي: (وَمَنْ يُحَصِّلْ حاصِلًا) أَيْ: مَن يُرِيد تحصيل الحاصل، فهو مطلول، أَيْ: مُهْدَرٌ، لا التفات له؛ لأنه طالبُ مُحال، مِن قولهم: (طُلَّ دَمُه) بالبناء للمفعول، أَيْ: هُدِرَ. ثُم الجهة التي يَعرفه بها إنْ كانت ذاتية، فالمُنْبِئُ عنها "الحدُّ"، وإلَّا فَـ "الرسمُ" كما سيأتي بيانُ ذلك. وثانيها: أنْ يَعْرف غاية ذلك العِلم؛ لئلَّا يَكون سَعيه عَبَثًا؛ لأنه تضييع للعُمر فيما لَمْ يعْلَم له فائدة، وهو معنى قولي: (نَفْيًا لِمَا في عَبَثٍ يُعَدُّ) بالنصب على المفعول لأجله. و"في عَبَثٍ" متعلِّق بِـ "يُعَد". وثالثها: أنْ يَعْرِف ما يُسْتَمَد مِنه ذلك العِلم؛ لأنه إذَا رام تحقيقه والاطِّلاع على أصله الذي نشأ منه، فلا بُدَّ له مِن معرفة ما استُمِد منه؛ ليرجع في تلك الجزئية إلى مَحَلِّها منه. واعْلَم أنَّ أصل هذه القاعدة أنَّ كُلَّ معدوم يُوجَد يتوقف وجوده على أربع عِلَل: العِلة الصُّورية: وهي التي تقُوم بها صُورتُه، وتتميز عن غيرها، فَتَصَوُّر "المُرَكَّب" مُتَوَقِّف عَلَى تَصَوُّر أركانه وانتظامها على الوجه المقصود. وتَصَوُّر "البسيط" باعتبار تميُّزه عن غيره مما شاركه - يَكون بِتَصَوُّر مُتَعَلّقِه معه؛ فيصير كالمُرَكَّب؛ ولهذا أَدْخَله بعضُهم في المُركَّب تقديرًا مِن هذه الحيثية، وجعله يُعَرَّف بالحدِّ الحقيقي الذي هو بالذاتيات. والعِلة الغائية: وهي الباعث على إيجاده، وهي الأُولَى في الفِكر مُقَدَّمة على سائر العِلَل وإنْ كانت آخِرًا في الوجود الخارجي؛ ولهذا يقال: "مَبْدَأُ العِلْمِ مُنْتَهَى العمل"، ويقال أيضًا:

стр. 116

هي عِلة في الذهن، معلولة في الخارج. والعِلَّة المادية: هي التي منها [تُستمد] (١) المُرَكَّباتُ أو ما في حُكمها كما تَقَدَّم، كالعلوم المتميزة بمتعلقاتها بِدُون ملاحظة الهيئة التي هي عليها؛ فإنَّ تلك العلة الصورية كما سبق. والعِلة الفاعلية: هي المؤثِّرة في إيجاد ذلك وإخراجه مِن العَدَم للوجود، ولكن هذه عند أهل السُّنة لا حقيقة لها في شيء مِن العالَم؛ لأنَّ الوجود كُله بإرادة الله تعالى وتأثيره فيه بالقدرة والإرادة، وليس لشيء عندهم تأثير في وجود شيء بالذات. وقولي: (جامع) مرفوع؛ لأنه صفة لِـ "مَعْنًى"، و"مَعْنًى" مبتدأ وخبره محذوف، أَيْ: موجود، والجملة في محل خفض بإضافة "حَيْثُ"؛ لأنها [لا] (٢) تضاف لِمُفْرَد إلَّا شذوذًا، والله أعلم. ص: ١٥ - فَلِأُصُولِ الْفِقْهِ مَعْنَيَانِ ... إضَافَةٌ وَلَقَبٌ، فالثَّاني ١٦ - مَقْصُودُنَا: عِلْمٌ بِطُرْقِ الْفِقْهِ ... مِنْ حَيْثُ إجْمَالٌ لها بِوَجْهِ ١٧ - وَكَيْفَ يُسْتَفَادُ مِنها حُكْمُهُ ... وَحَالِ مُسْتَفِيدِها، ذَا رَسْمُهُ الشرح: لَمَّا [ثَبَتَ] (٣) أنَّ كُلَّ طالب عِلم لا بُدَّ له مِن مَعرفة أمور ثلاثة، شرعتُ في بيانها فيما أنا بِصدده، وهو عِلم أصول الفقه، فلا بُدَّ مِن معرفته مِن حيث المعنى الجامع لجزئياته كلها،

стр. 117

ومعرفة غايته، ومعرفة استمداده. فالأول: لَفْظ "أُصُول الفقه" مُرَكَّبٌ إضافيٌّ في الأصل، ثُم صار بكثرة الاستعمال في عُرْف أهل الأصول والفقه له معنًى آخَر غَيْر الأول، وصار عَلَمًا عليه بالغَلَبة، لَقَبًا مُشْعِرًا بِرِفعته؛ فينبغي أنْ يُعَرَّفَ مِن حيث معناه الإضافي ومِن حيث معناهُ اللَّقَبيُّ، وهو مَعْنَى قولي في النَّظْم: (إضافةٌ ولَقَبٌ)، أَيْ: ذو إضافةٍ، كَـ "رَجُل عَدْل" أَيْ: ذُو عدل، والمراد: مَعْنًى إضافة ومعنى لقبٍ، فهو على حَذْف مُضَاف دَلَّ عليه مَعْنيان، أَيْ: المعنى الذي دَلَّ عليه بالإضافة، والمعنى الذي دَلَّ عليه باللقب. فأمَّا المعنى اللقبي وبدأتُ به لأنه المقصود وإنْ كان مَعرفة المُفْرد ينبغي أنْ تَكون قَبْل المُرَكَّب، بل أقول: إنَّ ذلك فيما تركيبه ملحوظ، أمَّا ما صار كالمفرد فلَا. واعْلَم أنَّ العِلْم لَمَّا كان بسيطًا كان تَنَوُّعه وانقسامه إنما هو بِحَسب مُتَعَلَّقه، فجهة معلومات كل عِلْم (التي تجمعُ كثرتَه وتضبطها) لا تَكون ذاتية كُلها، بل مع لازِمٍ وهو متعلَّقها المُمَيِّزُ لها، إلَّا بالتأويل الذي حكيناه عن بعضهم قريبًا، فالمُعَرف له دائمًا "الرسم"، إلَّا على هذا القول؛ فلذلك قلتُ بَعْد فراغ تعريفه: (ذَا رَسْمه)، ولَمْ أَقُلْ: (ذَا حَدُّه). فَرَسْم "أُصول الفقه" مِن حيث اللقب: عِلْم طُرُق الفقه مِن حيث الإجمال، وكيفية الاستفادة منها، وحال المستفيد. فَلفْظ "عِلْم" كالجنس، يشمل سائر العلوم، والمراد به هنا ما هو أَعَم مِن اليقين والظن؛ لأنَّ بعض مسائل أصول الفقه ظنيَّة، خِلَافًا لِمَن زَعَم أنَّ الكل قَطْعِي، ولِمَن قال: إنَّ الظني فيه يَرْجع إلى القَطْع. وما بَعْده خاصَّةٌ يخرج به ما سواه، فيخرج عِلْم نَفْس الفقه، وطُرُق غَيْر الفقه. والمراد بِـ "الطُّرُق" المُوَصِّلات إليه، وهي أدلته. وإنْ خُصَّت الأدلة بالقَطْع وجُعِل ما يفيد الظنَّ

стр. 118

أمارة، فهو داخِل في الطُّرُق. وإنما أَتَيْتُ بالجَمْع في قولي: (طُرُق) إشارة إلى التنوع، كما أضيف العِلم إلى ثلاثة أشياء؛ لإفادة أنَّ أُصول الفقه أنواع يَصْدُق على كُل نوع منه أنه "أصول الفقه"؛ لأنَّ طُرُق الفقه إذَا كانت أنواعًا وكُل نوع منها أصول فقهٍ، كان كُل مِن الأمور الثلاثة كذلك أيضًا، فَكُل مِن عِلم الطُّرُق وعِلم الاستفادة وعِلم حال المستفيد - تحته أنواع، وانقسام أصول الفقه إلى كُل مِن أنواعه - مِن قِسمة الكُلي إلى جزئياته، لا مِن قِسمة الكُل إلى أجزائه؛ ولهذا لَمْ يَصِر عِلْمًا بالغَلبَة إلَّا جَمْعًا؛ ملاحظةً لهذا المعنى، فتأَمَّله؛ فإنه نفيس. وخرج بِكَوْنه "مِن حيث الإجمال" عِلمُ الأدلة في نَفْس الفقه؛ لأنه "مِن حيث التفصيل" كما سيأتي بيانه في تعريف "الفقه". وقولي: (وكيفية الاستفادة) أَيْ: استنتاج الحُكْم مِن الدليل بالجهات التي تُفَصَّل في أقسام الألفاظ وفي تَعَارُض الأدلة وأشباه ذلك. وقولي: (وحال المستفيد) [يشمل] (١) المستفيد مِن الأدلة وهو المجتهد، والمستفيد مِن المجتهد وهو المقلِّد لكن بدليل إجمالي كما سيأتي. وعُلِمَ مِن هنا وَجْه مُغايرة تفسير "أصول الفقه" باعتبار اللقب وتفسيره باعتبار الإضافة بكَوْنها أدلَّةَ الفقه، ومدلولُ اللقبي عِلْمٌ متعلِّق بثلاثة أمور، وذاك نفسُ الأدلة بلا زيادة، فحكاية خِلَافٍ في أنَّ أصول الفقه هل هو الأدلة أو العِلم بالأدلة - لا حاصلَ له؛ لِعَدَم التوارُد على محَلٍّ واحدٍ. وأَبْعَد مِنه مَن يجعلُ "أُصول الفقه" أدلَّته، ويجعل العِلمَ بها وبِطُرُق استفادتها ومستفيدها - مِن أوصاف الأُصولي، لا مِن نَفْس الأُصول (كما وقع في "جَمْع الجوامع" لابن

стр. 119

السبكي، وقَرَّره في "مَنْع الموانع" بما لا يَشْفِي). فهل يَكون "المنسوبُ" فيه زيادة على "المنسوب إليه" قَيْدًا له مِن حيث النسبة؟ هذا لا يُعْرَف، والله أعلم. ص: ١٨ - وَالْأَوَّلُ: "الْأُصُولُ" جَمْعُ "أَصلِ" ... وَهْوَ الدَّلِيلُ ها هُنَا بِوَصْلِ ١٩ - وَ"الْفِقْهُ" عُرْفًا عِلْمُ حُكْمٍ شرْعِيْ ... مُفَصَّلِ الدَّلِيلِ مِنْهُ فَرْعِيْ الشرح: هذا تعريف "أصول الفقه" بالمعنى الأول وهو الإضافي، وكُل مُركَّبٍ فإنما يُعرف بمعرفة أجزائه. فَـ "أصول الفقه" مُرَكَّب مِن مضاف ومضاف إليه. فأمَّا المضاف فَـ "أصول": جَمْع "أَصْلٍ"، وهو لُغَةً: ما يُبْنَى عَلَيْه غَيْرُه، أو ما يُحتاج إليه، أو ما مِنْه الشيء، أو نحو ذلك مِن الأقوال التي لا طائل في اختلافها. وفي الاصطلاح يُطْلَق غالبًا على الدليل، فإذا وَصلْتَه بالفقه فَقُلْتَ: (دليل الفقه)، كان تفسيرًا لِـ "أصول الفقه" مِن حيث الإضافةُ، وهو معنى قولي: (بِوَصْلِ)؛ لأنَّ المضاف يُفَسَّر مِن حيث هو ومِن حيث اتصاله بالمضاف إليه. واحترَزْتُ بقولي: (ها هنا) عن إطلاق "الأصل" على غَيْر الدليل في مواضعَ أخرى، كما يُطْلَق: - عَلَى "الراجح مِن الأَمْرَيْن" في نحو قولك: (الأَصْلُ في الإطلاق الحقيقةُ، لا المجازُ). أَيْ: الراجح. - وعَلَى "الأَمر المستمر"، كقولك: (أَكْل الميتة على خِلَاف الأصل). أَيْ: على خِلَاف الحالة المستمرَّة في الحُكْم.

стр. 120

- وعَلَى ما يُقابِل "الفَرْع" في باب القياس، وسيأتي. وأَمَّا المضاف إليه (وهو "الفقه") فهوَ في اللغة: الفَهْم، قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤]، وعَبَّر عنه ابن فارس في "المجمل" بِـ "العِلْم"، وجَرَى عليه إمام الحرمين في "التلخيص"، وإلكِيَا الهْرَّاسِي وأبو نصر القُشيري والماوردي، وفَسَّره الراغبُ بِأَخَصّ مِن الفَهْم والعِلم، فقال: (التوصل إلى عِلْمٍ غائبٍ بِعِلْمٍ [شاهدٍ]) (١). وقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي وصاحب "اللُّباب" مِن الحنفية: (فَهْم الأشياء الدقيقة). ولا يَحْسُن الردُّ عليهما بِنَحْو: ﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤]، ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٧٩]، ﴿مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ [هود: ٩١]؛ لأنَّ ذلك كُله مَظِنَّة الخفاء. وأمَّا في الاصطلاح: فهو عِلْم حُكْمٍ شرعي فَرْعي مِن دليل تفصيلي. فَـ "العِلْم" كالجنس، والمراد به هنا مُطْلَق التصديق، وهو ثاني إطلاقات "العِلْم" الآتي ذِكْرها؛ ليشمل اليقين والظن؛ لأنَّ مجرد الدليل النقلي لا يفيد إلَّا الظن، وأدلة الفقه نَقْلِيَّة. نَعَم، ما كان يقينًا لِكَوْنه مِن ضروريات الدِّين (كإيجاب الصلوات الخَمس، والزكاة، والصوم، والحج، وتحريم الزنى والسرقة، ونحو ذلك) ليس مِن الفقه؛ لأنه ليس مُسْتَخْرَجًا مِن دليل تفصيلي، وهذا أَصْوَبُ مِن ادِّعاء أنَّ الفقه قَطْعي كما زَعَمه الإمام وأتباعه كالبيضاوي، وقَرَّروه بدليل لا يُفِيدُهم المُدَّعَى؛ لفساده مِن وجوه كما بُيَّن ذلك في مَوْضعه. نَعَم، سَبَق الإمامَ إلى نحو ذلك إمامُ الحرمين حيث قال في جواب السؤال: (ليست الظنون فِقْهًا، إنما الفقه العِلْم بوجوب العمل عند قيام الظنون) (٢).

стр. 121

فأخذه الإمام الرازي وبسطه (١). ثُم المراد بِـ "العِلم بالأحكام": التصديق بِتَعَلُّقها بأفعال المكلَّفين، لا تَصَوُّرها (لأنَّ ذلك مِن مبادئ أصول الفقه كما سيأتي)، ولا التصديق بثبوتها (لأنَّ ذلك مِن عِلم الكلام). وإنما قُلْتُ: (عِلْم) بالتنكير، ولَم أُعَرِّفه باللام؛ لأنَّ التعريف إنما هو للماهية مِن غير اعتبار كميَّة مشخَّصاتها، ودخول اللام إنما هو لكمية عموم أو خصوص يُعْهَدُ. فإنْ أُرِيدَ بها الجنس فَلَم تُفِد زيادة، فلا حاجة لها؛ لأنَّ اللفظ المُنَكَّر هنا لَمْ يقصد به فَرْد مُبْهَم شائع، بل أُرِيدَ به مُطْلَق الحقيقة، وسيأتي الفَرْق بين المُطْلَق والنَّكرة. وخرج بِقَيْد إضافة "العِلْم" لِلْـ "حُكْم" ما تَعَلَّق بالذات أو الصفة أو الفعل. وإنما لَمْ أَقُل "بالحكم" لأنَّ "عِلْم" يَتَعَدَّى بنفسه، فزيادة الباء تحتاج إلى تأويله بتضمين العلم معنى الإحاطة، أو غَيْر ذلك، وإنْ كُنتُ أتيتُ بالباء في تعريف "أصول الفقه" جَرْيًا على المشهور في العبارة؛ لِمَا حصل به مِن سهولة نَظْمه هناك. وإنما لَمْ أُعَرِّف الحكم ولا قُلتُ "الأحكام" بالجَمْع؛ لِمَا ذُكِرَ في تنكير "عِلْم". وأيضًا فلو أَتَيْتُ باللام: ١ - فإنْ كانت للاستغراق، فيخرج فِقْه الأئمة الذين أجابوا في مسائل بِـ "لا أَدْرِي"؛ فلا يَكُون التعريف جامعًا؛ فَقَدْ روى ابن عبد البر في مقدمة "التمهيد" أنَّ مالكًا سُئِل عن ثمانية وأربعين مسألة، فقال في اثنتين وثلاثين منها: "لا أَدرِي". وحكى العبادي (مِن أصحابنا) في فتاويه أنَّ أبا حنيفة سُئل عن خمس مسائل، فقال فيها: "لا أدْرِي": الخنثى الذي له آلة الرجال وآلة النساء، ووقت الختان، وأطفال المشركين، ومَن حلف لا يكَلِّم فلانًا دَهْرًا، وهل يَجوز للقَيِّم نقش جدار المسجد مِن غلة الوقف؟

стр. 122

وفي كتاب "مآل الفتاوى" للشريف أبي القاسم ابن يوسف الحَسَني الحنفي (مؤلف كتاب "النافع" وغَيْره) مسائلُ غَيْرُ [الخمسة] (١) قال فيها أبو حنيفة: "لا أَدْرِي"، فذكر ثمانية: ما الدهر؟ ومحل أطفال المشركين، ووقت الختان، وإذَا بال الخنثى مِن الفرجين، والملائكة أفضل؟ أَمِ الأنبياء؟ ومتى يصير الكلب معلَّمًا؟ وسؤر الحمار، ومتى يطيب لم الجلَّالة؟ فيحصل مِن مجموع النَّقْلَيْن تِسع مسائل. وفي مقدمة "شرح المهذب" للنووي: (عن الأثرم: سمعتُ أحمدَ بنَ حَنْبَل يُكْثِرُ أنْ يَقُول: "لا أَدْرِي") (٢). وفي "تذكرة السامع والمتكلم" لقاضي القضاة بدر الدِّين ابن جماعة أنَّ الشافعي سأله محمد بن عبد الحكم عن المتعة [أَكَان] (٣) فيها طلاقٌ أو ميراثٌ أو نفقة تجبُ أو شهادةٌ؟ فقال: (والله ما نَدْرِي) (٤). وهذا وإنْ لَمْ يَكُن مِن النوع الماضي بل مِن قبيل التاريخ لكن فيه التنبيه على أنَّ العالِمَ إذَا سُئِلَ عَمَّا لا يَعْرِف، يقول: "لا أَدْرِي"؛ فعن ابن عباس ﵄: (إذَا أَخْطَأ العالِمُ "لا أَدْرِي"، أُصِيبَتْ مَقَاتِلُه) (٥). ورواه البيهقي في "المدخل" مِن حديث أحمد، عن الشافعي، عن مالك، عن محمد بن عجلان: أنَّ محمد بن عجلان قاله أيضًا، لكن بِلَفْظ: (إذَا أَغْفَلَ

стр. 123

الحاكِمُ) (١). وإذَا كان كذلك، فلا يَكُون التعريف جامعًا. وقد أُجِيبَ عن ذلك بأنهم كانوا يَعرفون الكل بالقوة، بمعنى أنهم لو اجتهدوا فيه، لَعَلِمُوه، ولكن شَغَلهم (وقت الجواب بِـ "لا أَدْرِي") ما هو أَهَم، أو تَرَكوا الجواب لِمَعنى آخَر، فالله أعلم. نَعَم، إطلاق أنهم عَلِموا بِمَعْنى القوة - مَجَاز يُصان عنه الحدُّ، إلَّا أنْ يُدَّعَى قرينة أو اشتهار عُرْفِي صَيَّرَه حقيقة. ٢ - وإنْ كانت اللام للعهد، فليس هناك معهود، ولو سُلِّمَ فالمراد الأَعَم. ٣ - وإنْ كانت للجنس، فتقتضي أنَّ بِعِلْم المقَلِّد بعض [مسائل] (٢) الفقه يَكون فقيهًا، ولا قائل به؛ فلا يَكون التعريف مانعًا؛ لأنَّ ما عَرَفه المقلِّد ليس فِقْهًا وقد دخل في التعريف. وقد أُجِيب عنه بأنه لَمْ يَعْرف ذلك مِن دليل تفصيلي، وإلَّا لكان فقيهًا، والمراد إنما هو أنْ يَعرفه مِن دليله التفصيلي كما سيأتي. إذَا عَلِمتَ ذلك، عَلِمْتَ أنَّ حذف لام التعريف تُغْنِي عن الأسئلة والأجوبة، ولذلك أيضًا لَمْ أَقُل: "أحكام" بالجمع كما عَبَّر به كثيرٌ؛ لأنَّ الكمية خارجة عن الحقيقة، وهو واضح، فَفِي الإفراد سلامة مِن ذلك، وفي التجريد مِن اللام نقص لفظ واستغناء عن قرينة تَصْرف عن العموم والعهد للجنس. وخرج بِقَيْد "الشرعي" نحو: عِلمُ الحساب والطب والهندسة وعلوم العربية مِن نحو وتصريف ولغة وبيان وعَرُوض، وغير ذلك.

стр. 124

وخرج بِقَيْد "الفرعي" الأصليُّ، كأصول الدِّين وأصول الفقه، وهو أحسن مِن التعبير بِـ "العَمَلِي"، أَيْ: عمل الجوارح؛ ليخرج الاعتقادات؛ لأنَّ فيه مجاز تخصيص العمل ببعض أنواعه، فَمِن الفقه ما ليس بعمل جارحة، كالنيَّة وأحكامها وسائر القصُود المذكورة في الفقه، إلَّا أنْ يُجاب بأنه تابع لأفعال الجوارح، لا مُجَرَّد اعتقاد كعقائد الأَصْلَين. وخرج بِكَوْن عِلم ذلك مِن دليل تفصيلي: - ما ليس مُكْتَسَبًا أصلًا، كَعِلْم الله . - أو كان مكتسبًا لا مِن دليل تفصيلي، كَعِلْم الملائكة، وعِلْم الرُّسُل فيما ليس مِن اجتهادهم حيث جَوَّزناه، وكذا ما عُلِمَ مِن الدِّين بالضرورة كما تَقَدَّم وإنْ كان يُسَمَّى فروعًا بالنسبة إلى أُصُول الدِّين (كما يقال في "تكليف الكافر بالفروع"، مرادهم بذلك الصلاة والزكاة والحج وغير ذلك كما سيأتي)، وكذا عِلْم المقلِّد؛ فإنه مِن دليل إجمالي وهو أنَّ كل ما أفتاه به المفتي فهو حُكم الله في حقه؛ لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٧] وقيام الإجماع كما سيأتي بيانه في الباب الرابع. لا يُقال: إنَّ الذي يَعلمه المقلِّد هو أيضًا مِن دليل تفصيلي باعتبار أنَّ مُقَلَّدَه أَخَذه مِنه، فينبغي أنْ يُزاد "بالاستدلال"؛ ليخرج. لأنَّا نَقُول: مُسَلَّم، لكن المُقَلِّد ما أخذ مِن الدليل التفصيلي، وهو معنى قولي: (مِنْه)، وهو متعلق بِـ "عِلْم"، وفاعل "العِلم" محذوف، أَيْ: عِلْم إنسان، أو نحو ذلك، فذلك الفاعل مُقَيَّد بِكَوْنه عَلِمه مِن الدليل التفصيلي؛ فَلَم يَدخل المُقَلِّد أَصْلًا، والله أعلم. ص: ٢٠ - وَغَايَةُ الْفَنِّ هُوَ التَّوَصُّلُ ... لِكُلِّ خَيْرٍ يَقْتَضِيهِ الْعَمَلُ الشرح: لَمَّا فرغ الكلام في الأول مِن الثلاثة (وهو تَصَوُّر العِلم) شَرعْتُ في الثاني

стр. 125

(وهو الغاية والفائدة منه). و"الفنُّ" قال الجوهري: (هو النوع. و"فَننَ الرَّجُل": كَثُرَ تَفَنُّنه في الأمور، أَيْ: تَنَوُّعُه. ومِنه "أَفنت الشَّجَرَة": صارت ذات أفنان، أَيْ: أغصان. وَاحِدُهُ "فَنَن") (١). والمراد هنا فَنُّ "أُصُول الفقه"، فاللام للعهد. فغايةُ "أصول الفقه" التوصُّل إلى استنباط الأحكام الشرعية، أو معرفة كيف استُنْبِطَت حيث تَعَذَّر إمكان الاستنباط والاجتهاد؛ لِيَسْتَنِد العِلمُ إلى أَصْله، وذلك مُوصلٌ إلى العمل، والعمل مُوصلٌ إلى كُل خير في الدنيا والآخرة، وهو معنى قولي: (يقتضيه العمل). ومعناه هنا: يُعَرِّفه ويَدُل عليه، لا التأثير؛ لحديث: "لن يَدخُل الجنةَ أَحَدٌ بِعَمله" (٢) إلى آخِره. وإنما الكُلُّ بفضل الله ورحمته، والله أعلم. ص: ٢١ - وَمَا اسْتُمِدَّ مِنْهُ فَالْكَلَامُ ... وَعَرَبِيَّةٌ، كَذَا الْأَحْكَامُ الشرح: هذا هو الثالث مِن الثلاثة، وهو مادة "أصول الفقه"، فهو مستمد مِن ثلاثة أمور: مِن عِلْم الكلام، ومِن عِلْم العربية، ومن معرفة الأحكام. ووَجْهُ الحصر الاستقراءُ، وأيضًا: ١ - فالتوقُّف إمَّا أنْ يَكون مِن جهة ثبوت حُجِّيَّة الأدلة، فهو عِلم الكلام، أَيْ: أُصُول

стр. 126

الدِّين؛ فإنَّ حُجية الأدلة تستدعي مَعْرفة الصانع خالِق الخَلْق وباعث الرُّسُل إليهم بالشرائع؛ حتى يُسْتَدَل بما جاءوا به على الأحكام. وثبوت رسالتهم متوقف على المعجزة الدالة على صدقهم، حتى يُعْلَم أنَّ ما جاءوا به مِن عند الله، ويتفرع مِن ذلك ما يُسْتَدَل به في شَرعِنا مِن الكتاب والسُّنة والإجماع والقياس، وما نشأ مِن ذلك عند مُثْبِتِه، وثبوت ذلك إنما هو في أصول الدِّين؛ فحصل التوقف عَلَيه. ٢ - وإمَّا أنْ يَكون التوقُّف مِن جهة دلالة الألفاظ على الأحكام؛ إذِ الأدلة هي موضوع أصول الفقه كما سبق، وعوارضُها هي مسائل أصول الفقه، والأصلُ في الأدلة الكتابُ والسُّنةُ، وهُمَا عربيَّان؛ فَتَوقَّفَ فَهْمُهما على معرفة الكلم العربية وأحكامها. فإنْ كان مِن حيث المدلول فهو عِلمُ اللغة، أو مِن أحكام تركُّبها فَعِلمُ النحو، أو مِن أحكام إفرادها فَعِلْمُ التصريف، أو مِن جهة مطابقته لِمُقْتضَى الحال وسلامته مِن التعقيد وتحسينه بشيء مِن وجوه الحُسْن فَعِلْمُ البيان بأنواعه الثلاثة. ٣ - وإمَّا أنْ يتوقَّف مِن جهة تَصَوُّر ما يدل بها عليه، وهو الأحكام؛ فإنه لا بُدَّ مِن تَصَوُّر الأحكام؛ لِيُتَمَكَّن مِن إثباتها ونَفْيها؛ فالحُكْم على الشيء فَرعُ تَصَوُّرِه، والله أعلم. ص: ٢٢ - إذَا عَرَفْتَ مَا مَضَى بِالْجُمْلَهْ ... [فَهاءَ] (١) شرْحَ مَا ذَكَرْتُ أَصْلَهْ ٢٣ - العِلْمُ، والدَّلِيلُ، ثُمَّ النَّظَرُ ... والْحُكْمُ بِالتَّفْصِيلِ فِيمَا حَرَّرُوا الشرح: أَيْ: إذَا عَرَفْتَ ما قَدَّمْتُه في صَدْر هذه المقَدِّمة إلى هنا، تَبَيَّن لك أنه لا بُدَّ مِن شَرْح أمور

стр. 127

أربعة مُهِمة تضمنها ما سبق، وهي: العِلْم، والدليل، والنظر، والحُكْم. فأمَّا العِلْم فلوقوعه في التعاريف السابقة. وأمَّا الدليل فلأنه مدلول أصول الفقه الإضافي، ولوقوعه في تعريف اللقبي (حيث كان هو المراد بالطُّرُق) وتعريف الفقه. وأمَّا النظر فلأنَّ الأحكام إذا كانت مِن أدلتها التفصيلية فإنما يُتَوَصَّل إليها بالنظر. وأمَّا الحُكْم فلوقوعه في التعاريف، ولِكَوْن تَصَوُّره هو أحد الثلاثة المستمد منها. فَخُذْ شَرْحَ كُلٍّ منها بالتفصيل والإيضاح إلى آخر المقَدِّمة. و"هاءَ" اسم فِعْل بمعنى "خُذْ"، و"شَرْح" مفعول به، و"العِلْم" وما بَعْده بالرفع خبر مبتدأ محذوف، أَيْ: وما ذَكرْتُ أَصْلَه هو العِلم وكذا وكذا، والله أعلم. العِلْم ٢٤ - فَمُطْلَقُ الْعِلْمِ لَهُ مَعَانِي ... عَلَى اصْطِلَاحاتٍ لَها مُعَانِي (١) ٢٥ - أَحَدُهَا: مُجَرَّدُ الْإدْرَاكِ ... وَلَوْ مَعَ احْتِمَالِ ضِدٍّ زَاكِي (٢) ٢٦ - أَوْ مُسْتَوٍ، وَكُلُّ هذَا مُنْقَسِمْ ... إلى تَصَوُّرٍ وَتَصْدِيقٍ فُهِمْ ٢٧ - فَأَوَّلٌ حُصُولُ صُورَةٍ بِلَا ... حُكْمٍ، وثانٍ مَعَ حُكْمٍ حُصِّلَا ٢٨ - إثباتًا اوْ نَفْيًا، وكُلُّ مَا دُرِيْ ... إمَّا ضَرُورِيٌّ وَإمَّا نَظَرِيْ ٢٩ - فَمَا عَلَى مِثْلٍ لَهُ تَوَقَّفَا ... فالنَّظَرِيُّ فِيهِمَا، وَمَا انْتَفَى

стр. 128

٣٠ - عَنْ عِلْمِهِ التَّوَقُّفُ المُعَيَّنُ ... هُوَ الضَّرُورِيُّ، فَلَا يُبَرْهَنُ الشرح: هذا هو الأول مِن الأربعة التي لا بُدَّ مِن شرحها وإيضاحها، وهو العِلم، وله إطلاقات في اللغة والعُرْف، وهو معنى قولي: (عَلَى اصْطِلَاحات). فإنه يشمل اللغة والعُرْف؛ إذِ المراد هنا اصطلاح التخاطب، لا المقابِلُ لِلُّغة والشرع كما سيأتي. وقد ذَكرتُ منها ثلاثةً يحتمل أنْ يَكون حقيقةً في كُل منها، أو حقيقةً في البعضِ مَجَازًا في الباقي، أو لِقَدْر مشترك؛ مِن باب التواطؤ. وتحريرُ ذلك عَسِرٌ، ولا طائل في بَسْطه في هذا المختصر. وقولي: (لها مُعَاني) هو - بِضَم الميم - اسم فاعل "عَانَا الشيءَ" أَيْ: لَزِمَه وأَلِفَه. وقولي: (مُطْلَقُ العِلْمِ) أَيْ: لَفْظُهُ المُطْلَقُ السالم مِن قَيْدٍ ومِن قرينةٍ. أَحَدُ المعاني الثلاثة: مُجَرَّد الإدراك، وبدأتُ به لأنه الأَعَم، سواء أَكان ذلك الإدراك جازِمًا أو مع احتمال خِلَافِه، رَجحَ ذلك الاحتمال أو ضَعُفَ أو ساوَى. ولَمَّا كان الراجح والمساوي يَبْعُد معهما أنْ يُقال: (عَلِمَ الشيءَ) أتَيْتُ بهما بَعْد "لو" في قولي: (وَلَوْ مَعَ احْتِمَالِ ضِدٍّ زَاكِي)، أَيْ: راجِح أو مُستوٍ. وأمَّا عند الجَزْم أو الرجحان في الأول فواضح، ومن هذا قوله تعالى: ﴿قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾ [يوسف: ٥١]؛ إذِ المراد نَفْيُ كل إدراكٍ ولو تَوَهُّمًا. وقولي: (وَكُلُّ هذَا مُنْقَسِمْ) إلى آخِره - بيان لأقسام "العِلْم" بهذا المعنى العام. ويَنْبَغِي أنْ نُقَدِّم على هذا التقسيم أَمْرَيْن: أحدهما: قد اختُلِف في "العِلْم" هل تَصَوُّره ضروري؟ أو نَظَرِي؟ ذهب الإمام الرازي

стр. 129

إلى أنه ضروري لا يحتاج [لِتَعْرِيف] (١)، وكأنَّ مراده "العِلْم" بهذا المعنى الأَعَم، لا بالمعنى الثالث الذي هو أخَصُّ هذه الثلاثة؛ فإنه قد عَرَّفَ ذلك في ضِمْن تقسيم كما سيأتي؛ فَنِسْبَتُه إلى المناقَضَة ليس بِجَيِّد. وقال إمامُ الحرمين: إنَّ "العِلْم" لا يُحَدُّ؛ لِعُسْره، لا لِكَوْنه ضروريًّا؛ فإنه قد اخْتُلِفَ في حقيقته: أَهُو جوهَر؟ أمْ عَرَض؟ وعَلَى أنه عَرَضٌ: أَهُوَ مِن مَقُولة الكيف ولكنه وصفٌ حقيقي تَلْزَمُه الإضافة؟ أمْ هو مِن مَقُولة الإضافة؟ أَمْ هو مِن مقولة الانفعال، لا الفعل؟ وإذَا لَمْ تتميز ذاتياته عن عَرَضياته، عَسُرَ تحديده؛ فلا طريق لتعريفه، إلَّا إنْ تَمَيَّز عن غَيْره بالقسمة بِأَنْ يُؤْخَذ المشتركُ بَيْنه وبَيْن غَيْره ثُمَّ يُؤخَذ المُمَيَّزُ؛ حتى يَخْرُج لنا "العِلْم". قلتُ: فَعَاد إلى تعريفه بالرَّسْم، وتَبَيَّن أنه إنما أراد عُسْر التعريف بالحَدِّ. نَعَم، ظاهر كلام الإمام والغزالي في "المستصفَى" وغيرهما مِن المحققين أنَّ الخلافَ المذكور إنما هو في "العِلْم" بالمعنى الذي يأتي في ثالث الإطلاقات وإنْ زَعَمَ بعضُهم أنَّ المذكور هنا هو مَحَل الخلاف، وليس تحت هذا الخلاف كبيرُ فائدة؛ فلا حاجة للتطويل فيه. الثاني: أنَّ مُجَرَّد الإدراك الذي قُلناه - يشارك "العِلْم" فيه ألفاظ تُظَنُّ مترادفة لكنها لِمعانٍ تتميَّز بقيود لا ينبغي أنْ يَخْلُوَ مُرِيدُ العِلم مِن معرفتها؛ لكثرة دَورها في الكلام، فَلنَذْكُرها مختصرة: فَمِن ذلك: الشُّعور، وهو أول مراتب وصول العِلْم إلى القوة العاقلة. مأخوذ مِن الشعار، وهو ما يَلي الجسد؛ ولهذا كان وَصْف الكفار [بأنهم لا يشعرون] (٢) أَبْلَغ مِن نَفْي العِلم ونحوه عنهم.

стр. 130

ثانيها: الإدراك الذي سبق ذِكْرُه، وهو وصول المعقول إلى العقل، مأخوذٌ مِن "أَدْرَكْتُ الشيءَ": وَصَلْتُ إليه. ثالثها: التَّصَوُّر، وهو حصول الصورة في العقل، كما سيأتي. رابعها: الحفظ، وهو تَأَكُّد المعقول في العقل، واستحكامُه. خامسها: التَّذَكُّر، وهو محاولة القوة استرجاع ما زال مِن المعلومات. سادسها: الذِّكْر، وهو فائدة التذَكُّر، وهو رجوع الصورة المطلوبة إلى الذِّهْن. ويقال بضم الذال وكسرها. قال ابن سِيدَه: (هو ضِد النسيان) (١). وزَعَم ابنُ جنِّي أنه بِالكَسْر: بِاللسان، وبِالضَمِّ: بالقلب. وكأنَّ هذا باعتبار الأكثر في الاستعمال. سابعها: الفَهْمُ، وهو متعلِّق بِلَفْظِ مَن يُخَاطِبُك في الغالب. ثامنها: الفقه، وقد سَبق. تاسعها: الدِّراية، وهي المعرفة الحاصلة بَعْد تَرَوٍّ ومقدماتٍ. عاشرها: اليقين، وهو أنْ يَعْلَم [الشيءَ] (٢)، لا يَتَخَيَّلُ خِلَافَه. الحادي عشر: الذهنُ، وهو قوةُ النَّفْس واستعدادُها لِكَسْب العلوم غَيْرِ الحاصلة. الثاني عشر: الفِكْر، وهو الانتقال مِن الأمور الحاضرة إلى الأمور المُحْضَرَة، كما سيأتي بيانه [في "النَّظَر"] (٣). الثالث عشر: الحَدْسُ، وهو الذي يتميَّزُ به عَملُ الفِكْر، وهو استعداد النفْس بوجود

стр. 131

المتوسِّط بَيْن الطرفين. الرابع عشر: الذكاء، وهو قوة الحدس وبلوغه الغاية؛ لأنه مِن "ذكت النار". الخامس عشر: الفِطْنَةُ، وهي التَّنَبُّه للشيء الذي [يقصد] (١) معرفته. السادس عشر: الكَيْس، وهو استنباط الأنفَع والأَوْلَى، ومنه الحديث عن النبي ﷺ : "الكَيِّسُ مَن دَانَ نَفْسَه وعمل لِمَا بعد الموت" (٢). ولذلك جُعِلَ [مُقابِلَ] (٣) العَجْز في حديث: "كُلُّ شيء بِقضاءٍ وقَدرٍ، حتى العَجْز والكَيْس" (٤). السابع عشر: الرأي، وهو استحضار المقدمات، وإجَالةُ الخاطِر فيها وفيما يُعارِضُها. الثامن عشر: التبَيُّن، وهو عِلْمٌ يَحْصُل بَعْد الالتباس. التاسع عشر: الاستبصارُ، وهو عِلْم بَعْد التأَمُّل. العشرون: الإحاطة، وهي العِلم بالشيء مِن جميع وُجُوهه. الحادي والعشرون: العقل، تقُول: (عَقلْتُ الشيء)، أَيْ: عَلِمْتُه. وتكَرَّر في القرآن ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤]، ﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾ [يس: ٦٨]، وفي الحديث في تسوية الصفوف: "حتى رَأَى أنْ قد عَقلْنَا" (٥). فهو مَصْدَر "عَقلْتُ الشيءَ أعْقلُه". وفي الفَرْق بين العقل والعِلْم أَوْ هُمَا مترادفان - خِلَافٌ مشهورٌ.

стр. 132

الثاني والعشرون: الحِسْبَان، وبابه مِن الظن والإخالة وغيرهما مما ذُكِر في العربية في باب "ظنَّ" وأخواتها، وقد نَظَمْتُ هذه الأنواع قديمًا، فَقُلْتُ: عليك بأنواع العلوم مُرَتّبًا ... شُعُورٌ وإدراكٌ تَصَوُّرُ حِفْظِهَا تَذَكُّرُ مَنْ بالذِّكْرِ يَفْقَهُ فَهْمَها ... ويَدْرِي يَقينًا ذِهْنُهُ مُتَوَجَّهَا وفي الفِكْرِ مِن حَدْسِ الذَّكِي بِفطْنَةٍ ... يرى الكَيْسَ منها قد تَبَيَّن مَا وَهَى [كذلك] (١) في استبصاره بإحاطةٍ ... وفي العقل مع حِسْبَانِه ما يُتِمُّها إذَا عرفت ذلك، فَلنَرْجِع للمقصود، وهو انقسام العِلْم بهذا المعنى إلى تَصَوُّر وتصديق، فالتصور حصول صورة الشيء في الذهن بِشَرْط عَدَم الحُكْم، والتصديقُ تَصَوُّرٌ مع حُكْم، فالأول ساذِجٌ، أَيْ مشروط فيه عدمُ الحكم، والثاني مشروط فيه الحكمُ، فليس فيه تقسيمُ الشيء إلى نَفْسه، ولا كَوْنُ قِسْم الشيء قسيمه؛ إذِ الفَرْق ظاهر بين الماهية "لَا بِقَيْدٍ" و"بِقَيْدِ لَا"، ومن معنى هذا الفَرْق تظهر التفرقة بين مُطْلَق الماء والماء المُطْلَق (٢)، ومُطْلَق الجَمْع والجَمْع المُطْلَق، وما أَشبه ذلك. ومعنى "الحُكْم" في التصديق: إسنادُ أَمْرٍ إلى آخَر إثباتًا أو نَفْيًا. نحو كَوْن زَيْد قائمًا، أو ليس بقائم؛ فَخَرجَ: ما لا نِسْبَة فيه أَصْلًا، وما فيه نِسبةٌ قد تُصِوِّرت ولَم يُحْكَم فيها بإثبات أو نَفْي.

стр. 133

وكُل تصديق متضمِّنٌ مِن مُطْلَق التصوُّر [ثلاثة تَصَوُّرات] (١): تَصَوُّر المحكوم عليه والمحكوم به مِن حيث هُمَا، ثُمَّ تَصَوُّر نِسْبة أحدهما للآخَر، فالحُكْمُ يَكونُ تَصَوُّرًا رابعًا عَلَى ما قاله المحقِّقون؛ لأنه تَصَوُّرُ تلك النسبة مُوجبَة أو تَصَوُّرُها مَنْفِيَّة، وهذا التصور أيضًا مِن مُطْلَق التصور، لا تَصَوُّرٌ مُطْلَق؛ لأنه قسيمُه. وبهذا التقرير لا يخرج التصديق عن مَقُولة الانفعال التي منها العِلْم على قول الأكثرين، أو مِن مقولة الكَيْف وبه قال كثير، وليس المراد مِن [الحُكْم بالنفي أو الإثبات] (٢) إلَّا هذا، لا التأثير في إيجاده أو في عَدَمه؛ لأنَّ ذلك مِن مقولة الفعل وهو خارج عن مقولة العِلْم، فَيَعُود معنى الحُكْم إلى اعتقاد [الشيء] (٣) مُثْبَتًا أو اعتقاده منفِيًّا. وفي الموضع مباحثُ أخرى ليس في التطويل بها كبيرُ فائدة. نَعَم، ذهب الأقدمون - كابن سينا وغيْره - إلى أنَّ التصديق نفسُ الحُكْم كيف [فرضته] (٤)، وتلك التصوراتُ الثلاثة السابقةُ عَلَيه شَرْطٌ له. وذهب الإمامُ الرازي وجَمْعٌ مِن المحققين إلى أنَّ المجموع هو التصديق، فالتصورات السابقة عَلَى الحكم شطْرٌ مِن التصديق، لا [شَرْطٌ] (٥)، وإنما سُمِّي التصورُ تصَوُّرًا لِأَخْذِه مِن الصُّورة؛ لأنه حصول صورة الشيء في الذهن، والتصديق تصديقًا؛ [لأنَّ فيه] (٦) حُكْمًا يُصَدَّق فيه أو يُكَذَّب؛ فَسُمِّي بِأَشْرَف لَازِمَي الحُكْم في النسبة.

стр. 134

وقولي: (وكُلُّ مَا دُرِيْ) إلى آخِره - أَيْ: كُل ما عُلِم، وسَبق تفسيرُ "الدراية"، والذي دُرِي فيما ذكرناه المرادُ به التصور والتصديق السابقان، لا يخلو كل منهما إمَّا أنْ يَكون ضروريًّا، أَيْ: يَحْصُل للإنسان بالضرورة مِن غَيْر نَظَر، أو نَظَريًّا وهو بِخِلَافه فيهما، فالأقسام أربعة: أحدها: التصور النظري: وهو ما تَوَقَّف على تَصَوُّر آخَر، بِأنْ يَكون المُتَصَوَّرُ مُرَكَّبًا؛ فيتوقف تَصَوُّره على تَصَوُّر ما تَرَكَّب مِنه، فَيُطْلَب تَصَوُّرُه مِن تَصَوُّرِ مادَّته وجُزئِه الصُّوري وهو جهة التركب؛ ولذلك يُسَمَّى مطلوبًا وذلك بمعرفة جُزئه الشامل له ولِغَيْره، ثُمَّ جُزئه المُمَيِّز له عن غَيْره، وهُمَا "الجنس" و"الفصل"، وربما عرفه بِلَازِمه كما سنذكره مِن بَعْدُ مُفَصَّلًا. وفي معناه ما كان مِن البسيط في حُكم المُرَكَّب؛ فَيُمَيَّزُ باعتبار تَعَلُّقه اللازم له وإنْ كان خارجيًّا؛ ليتميز عن غَيْره، فتعريفه حينئذ بالرسم، لا بِالحَدِّ كما سيأتي، وذلك كَتَصَوُّر حقيقة الصلاة والحج ونحو ذلك. ثانيها: التصديق النظري: وهو ما يتوقف على تصديقٍ سابقٍ عليه؛ لِكَونه دالًّا عليه، فَيُطْلَب مِنه؛ فلذلك يُسَمَّى النظري مطلوبًا، وسيأتي بيان الدليل وكيفية دلالته. مثاله: الحكم بِكَوْن الصلاة واجبةً أو مندوبةً، وكَوْن الحج واجبًا على الفَوْر أو التراخي. وذلك معنى قولي في التصوُّر والتصديق النظريَّيْن: (فَمَا عَلَى مِثْلٍ لَهُ تَوَقَّفَا فالنَّظَرِيُّ فِيهِمَا). وإنما قَدَّمْتُ النظَرِيَّيْن على الضرورِيَّيْن؛ لأنَّ تقابُلَهما تَقابُل العلم والمَلَكَة، فلا تُعْرَف الأَعدام إلَّا بِمَلَكاتها. ثالثها ورابعها: التصور الضروري والتصديق الضروري، وَهُمَا ما لا يتوقفان على

стр. 135

مثلهما، وهو معنى قولي: (وَمَا انْتَفَى عَنْ عِلْمِهِ التَّوَقُّفُ المُعَيَّنُ)، أَيْ: توقُّف التصور على تصور، والتصديق على تصديق. مثالهما: تَصَوُّر الواحد والحُكْم عليه بأنه نِصْفُ الاثنين. تنبيه: قد عُلِم مِن تقسيم كل مِن التصور والتصديق إلى ضروري ونظري أنه ليس الكل مِن كل منهما ضروريًّا (وإلَّا لَمَا جَهلْنَا شيئًا) ولا نظريًّا (وإلَّا لَمَا تحَصَّلْنَا على شيء)، والمسألةُ فيها مذاهبُ كثيرة وأدلة منتشرة لا يليق بِذِكْرها هذا المختصر، ولا طائل تحتها، والله أعلم. ص: ٣١ - أمَّا الَّذِي [ثانِي] (١) مَعَانِي العِلْمِ ... فَمُطْلَقُ التَّصْدِيقِ عِنْدَ الفَهْمِ ٣٢ - وَهْوَ الَّذِي قَدْ قابَلُوا بِالْمَعْرِفَهْ ... لِأنَّهَا تَصَوُّرٌ دُونَ صِفَهْ ٣٣ - مِنْ أَجْلِ هذَا عُدِّيَتْ لِوَاحِدِ ... وَهْوَ إلَى اثْنَيْنِ؛ [لِحُكْمٍ] (٢) زائِدِ الشرح: أَيْ: الثاني مِن معاني العِلم وإطلاقاته أنْ يُرَاد به مُطْلَق التصديق، سواء أكان قَطْعِيًّا أَم ظنَّيًّا، لا التصور. وحينئذ فيَكون مُقابِلًا للمعْرفة التي هي تَصَوُّرٌ مُجَرَّدٌ لا حُكْم فيه، وهو معنى قولي: (دُونَ صِفهْ). أَيْ: دُونَ حُكْم، وليس مُرادِي هنا بِـ "الصفة" ما هو مُقابِل للذَّات والفعل والحُكْم، ومعنى مقابلته أنك تقول: (إمَّا معْرفة وإمَّا عِلم)، كما تقول: (إمَّا تَصَوُّر

стр. 136

وإمَّا تصديق)، ومن أَجْل ما قَرَّرْناه كان "عَرفَ" وما في معناه مِن مادته - مُتَعَدَّيًا إلى مفعولٍ واحدٍ، تقول: (عَرفْتُ زَيْدًا). أَيْ: تَصَوَّرْتُه، بلا زيادة على ذلك. بِخِلَاف "العِلم" وما تصرّف مِنْه؛ فإنه مُتَعدٍّ إلى مفعولين، تقول: (عَلِمْتُ زَيْدًا صائمًا). إذِ المقصود نِسْبةُ الصيام إلى زَيْد، فَتَوَقَّف عَلَى "مُسْنَدٍ" و"مُسْنَدٍ إليه". فَمِن الأول قوله تعالى: ﴿فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [يوسف: ٥٨]، ومن الثاني قوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠]، عَلَى أنه قد جاء "عَلِمَ" بمعنى "عَرفَ" فيتعدى لِوَاحدٍ، كقوله تعالى: ﴿لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠١]، ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧]، ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾ [غافر: ١٩]، ﴿حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ﴾ [محمد: ٣١]، وغير ذلك. واعْلَم أنَّ الفرق بَيْن "العِلْم" و"المعرفة" بذلك ذكره جماعةٌ كما قرره الماوردىُّ في تفسيره، وأَوْرَدَه ابن الحاجب في مختصره، ولكِن ذُكِرَ بينهما فُروقٌ أخرى، فَلْنَذكر أَحْسنها؛ تكميلًا للفائدة: فَمِن ذلك أنَّ "المعرفة" تتعلق بالجزئيات، و"العِلْم" بالكُليات. قاله السهيلي في "نتائج الفِكَر"، ونقله غيْره عن ابن سِينا. وقيل: "العِلْم" ما كان بدليل، و"المعرفة" ما كان فيه الإدراك أَوَّلِيًّا بِلَا استدلال. ذكره ابن الخشاب، لكن يَلْزَم منه أنَّ "العِلم" لا يَكون إلَّا نَظَرِيًّا، ولا يَكون ضروريًّا، وهو ضعيف كما سبق؛ ولذلك لَمْ أعُد مِن إطلاقات "العلم" ما كان لدليل فقط. وقِيل: "المعرفة" عِلم الشيء مِن حيث تفصيله، بِخِلَاف "العلم"؛ فإنه المتعلق بالشيء مُجْمَلًا ومُفَصَّلًا. ذكره العسكري في "الفروق" (١).

стр. 137

وقيل: "المعرفة" لا تَكون إلا بَعْد جَهْل، بِخِلَاف "العلم"؛ فَقَدْ يَكون بَعْد جهل (كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل: ٧٨]) وقد لا يَكون كذلك (كالعِلم القديم). نقله ابن إياز في "شرح الفصول" عن بعضهم، وكذا [النيلي] (١) في شرح الحاجبية. وَرُدَّ بأنَّ "المعرفة" تُطْلَق نِسْبتها إلى الله تعالى كالعِلْم. وأُجِيبَ بأنَّ اشتراط سَبْق الجهل فيها إنما هو فيمن يُتَصَوَّرُ فيه الجهلُ، لا مُطْلَقًا. وقيل: "العِلم" في الإنسان، و"المعرفة" تَكون في الناس وفي البهائم. قاله ابن القطاع. وقيل: "المعرفة" فيما يَكون مشعورًا به بالحواس، و"العِلْم" في غير ذلك. حكاه ابن جني في خاطرياته عن الفارسي، ويدل له قوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ [الرحمن: ٤١]، ومنه أيضًا قول الشاعر (٢) وهو مِن أبيات سيبويه: أَوَكُلَّمَا وَرَدَتْ عُكاظَ قبيلةٌ ... بَعَثُوا إلَىَّ عَريفَهم يَتَوَسَّمُ

стр. 138

وقيل: "المعرفة" لِمَا نُسِي ثُمَّ ذُكِر، كقوله تعالى: ﴿فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ [يوسف: ٥٨]، ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦]، ونحو ذلك، بِخِلَاف "العلم"؛ فإنه أَعَم. وفروق أخرى أَضْرَبْتُ عنها؛ لِضعفها. قولي: (عُدِّيَتْ لِوَاحِدِ) أَيْ: المعرفة، (وَهْوَ إلَى اثْنينِ) أَيْ: العِلم. فالتمييزُ بينهما بالتذكير والتأنيث في الضمير. وقولي: (لِحُكْمٍ زائِدِ) تعليل للتعدية إلى اثنين؛ لأنَّ الحُكم يستدعي محكومًا عليه ومحكومًا به كما قررناه، والله سبحانه أعلم. ص: ٣٤ - وَالثَّالِثُ: الْمَعْنَى الشَّهِيرُ الْفَائِقُ ... حُكْمٌ لِذِهْنٍ جازِمٌ مُطَابِقُ ٣٥ - لِمُوجِبٍ، فَغَيْرُ جازِمٍ رَجحْ ... "ظَنٌّ"، ومَرْجُوحٌ [فَوَهْمٌ] (١) اتَّضَحْ ٣٦ - وَمُسْتَوِي الطَّرْفَيْنِ "شَكٌّ" نُبِذَا ... وَإنْ يَكُنْ غَيْرَ مُطابِقٍ، فَذَا ٣٧ - يُسْمَى "اعتِقَادًا فَاسِدًا" وَ"جَهْلَا ... مُرَكَّبًا"، أمَّا "الْبَسِيطُ" نَقْلَا ٣٨ - فَهْوَ انْتِفَاءُ الْعِلْمِ بِالْمَقْصُودِ ... عَنْ قابِلٍ لِلْعِلْمِ، لَا جُلْمُودِ (٢) الشرح: أَيْ: الثالث مِن إطلاقات "العِلم" (وهو أشهرها وأكثرها استعمالًا): أنْ يَكون بمعنى

стр. 139

التصديق اليقيني، وهو "حُكمُ الذِّهنِ الجازمُ المطابِقُ؛ لِمُوجِبٍ". كذا عَرَّفه الإمامُ فخر الدين الرازي في "المحصول" في تقسيم حَصَر به "العِلم" وأضداده، ولكن بَعْد أنْ ذَكر قَبْل ذلك أنَّ العِلم ضروري لا يحتاج إلى تعريف، وأقام على ذلك دليلين ذكرهما ابن الحاجب في مختصره، وأجاب عنهما؛ فَعُدَّ ذلك مِن تناقض كلام الإمام. والجواب عندي أنه أراد بـ "الضروري الذي لا يحتاج لِحَدٍّ" [العِلْمَ] (١) بالإطلاق الأول (وهو مُجَرَّد الإدراك)، وما ذَكَره في التقسيم إنما هو العِلم بالمعنى الثالث الذي نَحْن فيه وهو أَخَصُّ مِن ذلك، ولا يَلْزَم مِن كَوْن الأَعَم ضروريًّا أنْ يَكون الأَخَصُّ ضروريًّا - كما سبق الوَعْدُ به. وبالجُمْلَة فحاصل ما ذُكِر مِن قيود هذا التعريف ثلاثة: الجَزْمُ، والمطابقَةُ لِمَا في الخارج، وكَوْنُ ذلك لِمُوجِبٍ يَقْتَضِيه. وَكُل مِن الثلاثة مُحْتَرَزٌ به عن أمور هي أضداد للعِلم، فلا بُدَّ مِن شرح كل قَيْد وما احْتُرِزَ به عنه مِن قسائم العِلْم. فقولي: (فَغَيْرُ جازِمٍ) إلى آخِره - بيان للمُحْتَرَز عنه بالقيد الأول وهو "الجَزْم"، ومعناه أنْ يعتقده بحيث لا يُحتمل عنده نقيضُه؛ فخرج عنه المحتملُ، وهو قِسمان: ما فيه طرفٌ راجحٌ، وما استوى طرفاه. فالأول يُسَمَّى الراجِحُ فيه "ظَنًّا" والمرجُوحُ فيه "وَهْمًا". والثاني (وهو المستوِي) يُسَمَّى "شَكًّا"، وربما أُطْلق "العِلْم" بمعنى "الظن" مجازًا كَعَكْسه إنْ قُلْنَا العِلْم حقيقةٌ في هذا المعنى الثالث؛ فَمِن ثَمَّ لَمْ أعُدّ مِن إطلاقات "العِلم" كَوْنه بمعنى الظن مِن حيث هو ظن، فإنَّ تلك إمَّا حقائق لُغَوِية إنْ ثَبَتَ استعمالُ العرب لها كذلك، وإمَّا حقائق عُرْفِية اشتهرت لِكَثْرة الاستعمال. فَمِن إطلاق "العِلم" بمعنى الظن قوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [الممتحنة:

стр. 140

١٠] الآية، فليس المرادُ اليقينَ؛ إذْ لا اطِّلَاع لنا على الباطن، إنما حَكَمْنَا به لِمُطْلَق [التلفُّظ] (١) بالشهادتين، لكن لَمَّا نزل ذلك مَنْزِلة اليقين لِتَعَذُّر اليقين ولِعِظَم هاتين الكلمتين، أُطْلِقَ على ذلك عِلْمًا. ومِن عَكْسه (وهو إطلاق الظن بمعنى العِلْم) قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦]، فإنَّ المرادَ هنا اليقينُ؛ لأنه مِن عقائد الدِّين، لكن قُصد فيه التيسيرُ والبشارةُ لِمَن قد دَخَل فيه بضعف اعتقادٍ (كالمؤلَّفة قَبْل أنْ يَحْسُن إسلامُهم)، فَلَعَلَّه بذلك يَحْسُن إسلامُه ويَقْوَى حتى يَصِير يقينًا، فهو مِن ألطاف الله تعالى؛ فإنه إذَا كان بهذا الظن مُبَشَّرًا بهذه السعادة، فكَيْف إذَا حَسُن اعتقادُه وقَوِيَ؟ وكَيْف مَن كان يَقِينه ابتدائيًّا؟ تنبيه: "الشك" في اللُّغة: مُطْلَق التردد، وكَوْنه مع الاستواء إنما هو اصطلاحٌ للأصوليين، وزَعَم النووي أنه عند الفقهاء كما في اللغة، فلا يُفَرَّق في الفقه بَيْن حالَتَي التساوِي والرجحان. ورُدَّ ذلك بأنَّ هذا إنما هو في بعض الأبواب، كباب الحدث في قاعدة "مَن تَيَقَّن الطهارة وشَكَّ في الحدث، أو عَكْسه"؛ ولذلك ضُعِّف ما قاله الرافعي وتبعه في "الحاوي الصغير" فِيمَن تَيَقَّن الحدث وظنَّ الطهارة بَعْدَه: (إنه يرتفع به، لا مَن شَكَّ، أَي استوى عنده الطرفان) [بِأنه] (٢) لا فَرْق بَيْن الشك والظن في هذا الباب ونحوه؛ لِمَعْنى يخصُّ ذلك الموضع، لا مُطْلَقًا، فَقَدْ فَرَّقُوا في أبواب بينهما كالأصوليين:

стр. 141

فقالوا في باب الإيلاء: لو قيد بِمُسْتَبْعَدِ الحصولِ في أربعةِ أشهُر (كنزول عيسى ﵇ فمول، وإنْ ظَنَّ حصوله قَبْلها فليس بمول قَطْعًا. وإنْ شك فوجهان، أصحهما كذلك. ولو شك في المذبوح: هل فيه حياة مستقرة؟ أو لا؟ فإنْ غَلَب على ظنه بقاؤها، حَلَّ، وإلَّا حَرُم؛ للشك في المُبِيح. وقالوا في القاضي: يَقْضي بِعِلْمه وبِغَلَبة الظن باستصحاب الحال، وعند الشك المستوِي لا يَقْضي. وفي الأكل مِن مال مَن يغلب على ظنه الرِّضَا: يَحِلُّ، دُونَ مَن يَشُك. وغَيْر ذلك مما لا ينحصر. وقولي: (وَإنْ يَكُنْ غَيْرَ مُطابِقٍ) إلى آخِره - هذا هو المحترز عنه بالقيد الثاني، وهو المطابقة لِمَا في الخارج، فَغَيْر المطابِق مع الجَزْم هو الاعتقاد الفاسد، ويُسَمَّى "الجهْل المُرَكَّب"؛ لأنه مُرَكَّب مِن عَدَم العِلم بالشيء واعتقادٍ غَيْرِ مطابِقٍ، وهذا كاعتقاد المعتَزلي أنَّ الله تعالى لا يُرَى في الدار الآخِرة. وسَواءٌ في هذا القِسم: - ما اعتقده تقليدًا، كما في اعتقاد بعض الكفار الذين حَكَى الله تعالى قولهم: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢]. -[أو] (١) اعتقده بشيء باطلٍ ظَنَّه دليلًا، كما في رؤوس المبتدعة وكثير مِن الكفار يَحْسبون أنهم على شيء إلَّا أنهم هُم الكاذبون.

стр. 142

وأمَّا الجهل البسيط فهو انتفاء إدراك الشيء بِالكُلِّيَّة بحيث لا يَخْطُر بالبال أصْلًا. وهو معنى قولي: (انْتِفَاءُ الْعِلْمِ بِالمَقْصُودِ). وهو أحسن مِن التعبير بِـ "انتفاء العِلْم بالشيء"؛ لأنَّ الشيء لا يُطْلَق على المعدوم، ولَفْظ "المقصود" شامل للموجود والمعدوم. نَعَم، شَرْط هذا النوع أنْ يَكون انتفاؤه عن القابِل للعِلْم، أَيْ الذي مِن شأنه الإدراك؛ فيخرج نَفْيه عن نحو "الجَلْمُود" بفتح الجيم والضم كما قاله الجوهري، أَيْ: الصَّخْر، ومِثْله الحيوان غَيْر العاقل، فلا يُوصَف شيء مِن ذلك بالجهل؛ لِعَدَم القابِلية. كذا ذَكَره الآمدي في "أبكار الأفكار". وقد عُلِمَ مِن "تَقْرِير أنهما نَوْعان للجهل" أنَّ ما في "جَمْع الجوامع" مِن حكاية العبارتين قولين - ليس بِجَيِّد، وإنما تبع في ذلك ابن مكي في قصيدته. وما أحسن قول الإمام الرافعي في باب الربا مِن "شرح الوجيز" في الكلام على قاعدة مُدّ عجوة: (إنَّ الجهل معناه المشهور: الجَزْمُ بِكَوْن الشيء على خِلَاف ما هو عليه) (١). قال: (ويُطْلَق ويُراد به عَدَمُ العِلم) (٢). انتهى. فأشار إلى أنهما نوعان وإنْ كان إطلاق الجهل في أحدهما أَشْهَر. نَعَم، تعبيره بِـ "الشيء" فيه ما سَبَق. وقَوْلي: (أمَّا البَسِيطُ نَقْلَا) يجوز أنْ يَكون نَصْبُ "نَقْلَا" فيه على الحال (أَيْ: حال كَوْنه مَنْقُولًا عن العلماء)، وأنْ يَكون تمييزًا (أَيْ: معنى البسيط مِن حيث النقل عنهم)، والله أعلم.

стр. 143

ص: ٣٩ - فَإنْ يَكُنْ [ذَا] (١) بَعدَ عِلْمٍ وُجِدَا ... فَـ "السَّهْوَ" يُسْمَى، وبِطُولٍ في المَدَى ٤٠ - يَكُونُ "نِسْيَانًا"، فَكُلُّ قِسْمِ ... أَخَصُّ مِمَّا قَبْلَهُ في الرَّسْمِ الشرح: هذا تقسيم للجهل البسيط إلى ثلاثة أقسام: سَهْو، ونسيان، وغيرهما. وذلك أنه إنْ سَبقه إدراك ثُمَّ زال، سُمِّيَ سَهْوًا. وإنْ لا، فَلَا. والأولُ إنْ قَصُرَ فيه زمانُ ذهابِ الإدراك، اشتهر تسميته "سَهْوًا"، وربما سُمي "غَفْلةً"؛ ولهذا قال الجوهري: (السهو: الغفلة) (٢). وإنْ طال زمانه وامتد، سُمِّي - مع كَوْنه سَهْوًا - "نسيانًا"؛ لاستحكام الغفلة فيه بالطول، فهو أَخَص مِن مُطْلَق السهو، ومُطْلَق السهو أَخَص مِن مُطْلَق الجهل البسيط. وهو معنى قولي: (فكُلُّ قِسْم أَخَصُّ مِمَّا قَبْلَهُ في الرَّسْمِ)، أَيْ: في رَسْمه وتعريفه الذي يُعَرَّف به، وهذا أَحْسَنُ ما فُرَّق به بَيْن "السهو" و"النسيان" كما يُؤخَذ ذلك مِن استقراء استعمال اللفظين في كلام العَرَب. ومنهم مَن فَرَّق بينهما بأنَّ "النسيانَ" عَدَمُ ذِكْر ما كان مذكورًا، و"السهو" غَفْلةٌ عمَّا كان مذكورًا وعمَّا لَمْ يَكُنْ مذكورًا؛ فَعَلَى هذا "النسيان" أخَصُّ مِن "السهو" مُطْلَقًا، فهو باعتبار آخَر غير الأول. ومنهم مَن يُفَرِّق بِغَيْر ذلك، وهو كثير، فلا حاجة للتطويل به. وذهب كثير إلى أنَّ معناهما واحد. قال القاضي عياض في "المشارق": (السهوُ في

стр. 144

الصلاة: النسيانُ فيها) (١). وقال الشيخ تقي الدين في "شرح العمدة": (إنَّ الفَرق بينهما مِن حيث اللغة بَعيدٌ) (٢). والله أعلم. ص: ٤١ - وَالْمُوجِبُ الْمَذْكُورُ إمَّا فَرْدُ ... أَوْ ذُو تَرَكُّبٍ، وكُلٌّ عَدُّوا ٤٢ - مُوجَبَهُ مِنَ الضَّرُورِيِّ سِوَى ... مُحَصَّلٍ بِنَظَرٍ لَهُ حَوَى ٤٣ - فَالْفَردُ حِسٌّ ظَاهِرٌ مِنْ خَمْس ... وَالْعِلْمُ في هذَا يُسَمَّى "الْحِسِّي" ٤٤ - أوْ بَاطِنٌ وَمَا بِهِ "وِجْدَانِي" ... كَالْعِلْمِ أَوْ كَالْجُوعِ، ثُمَّ ذَانِ ٤٥ - مَا بِهِمَا "الْمُشاهدَاتِ" يُسْمَى ... وَمِنْهُ عَقْلٌ دُونَ شَيْءٍ ضُمَّا ٤٦ - فَإنْ يَكُنْ بَدِيهةً، أَيْ تُلْفِي ... تَصَوُّرَ الطَّرْفَيْنِ فِيهِ يَكْفِي ٤٧ - فَذَا "الْبَدِيهِيُّ" وَيُسْمَى "الْأَوَّلِيْ" ... أَوْ [إنْ] (٣) يَكُنْ قِياسُهُ معْهُ جَلِيْ ٤٨ - فَسَمِّهِ "الْفِطْرِيَّ"، نَحْوُ: الْأَرْبَعُ ... زَوْجٌ؛ لِكَوْنِ الْقَسْمِ فِيهَا يَقَعُ ٤٩ - بِمُتَسَاوِيَيْنِ، أَمَّا بِالنَّظَرْ ... فَـ "النَّظَرِيُّ" اسْمٌ لِعِلْمِهِ اشْتَهَرْ ٥٠ - وَمِنْهُ مَا رُكِّبَ مِنْ عَقْلٍ وَمِنْ ... سَمْعٍ مُكَرَّرٍ مُفِيدٍ لِلْفَطِنْ

стр. 145

٥١ - وَذَا تَوَاتُرٌ، وَعِلْمُنَا بِهِ ... تَوَاتُرِيٌّ، وَسَيَأْتِي، فَادْرِهِ ٥٢ - وَمِنْهُ مَا ترْكِيبُهُ مِنْ عَقْلِ ... وَحِسَّ غيْرِ السَّمْعِ، بَلْ بِوَصْلِ ٥٣ - مُشَاهَداتٍ كُرِّرَتْ بِتَجْرِبَهْ ... فَـ "التَّجْرِبِيُّ" اسمٌ لِعِلْمٍ أَكْسَبَهْ ٥٤ - وَإِنْ تَكُنْ قَرائِنٌ قَوِيَّهْ ... في حَدْسِ نِسْبَةٍ، فَذِي "الْحَدْسِيَّهْ" ٥٥ - بَلْ كُلُّ ظَنِّيٍّ حَوَى قَرَائِنَا ... يَصِيرُ عِلْمِيًّا بِمَا قَد قَارَنَا الشرح: أَيْ: الثالث مِن قيود "العِلْم": كَوْن الجَزْم - المُطَابِق - لِمُوجِبٍ (١)، وهذا الموجِبُ المذكور له أقسام كثيرة، يتنوع العِلْم بسببها إلى أنواع، ولِكُل نوع لَقَبٌ، فَذَكَرْتُ في هذه الأبيات ذلك مُرَتَّبًا على وَجْهٍ حَسَن. ثُمَّ أَذْكُر بعد ذلك ما يَخْرُج بهذا القيد. فَـ "المُوجِبُ" المراد به المُقْتَضِي لذلك والمُحَصِّلُ له، وهو بِخَلْق الله تعالى العِلْم عنده، لا على جهة تأثير ذلك المُوجِب كما هو رَأْي المعتزلة في العِلَل كما سيأتي. وهو إمَّا مُفْرَد أو مُرَكَّب، والمُفْرَد إمَّا حِسٌّ وَحْده (ظاهرٌ أو باطنٌ)، أو عَقْل وَحْده [بِضرورةٍ أو نَظَر] (٢). والمُرَكَّبُ إمَّا مِن حِسًّ مُطْلَقًا (٣) وعَقْل، وإمَّا مِن حِس سَمْعٍ وعَقْل. وكُلُّ ما أَوْجَبَه شيء مِن هذه الموجِبات فَمَعْدُودٌ عندهم مِن العلوم الضرورية (عَلَى خِلَاف في بَعْضه)، سِوَى ما اسْتُفِيدَ بِنَظَرِ العَقْل، فإنه عِلْمٌ نَظَرِيٌّ كما سيأتي بيانه.
следующие страницы →