← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 32476

الفوائد السنية في شرح الألفية

شمس الدين البرماوي

Полный текст (2 306 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

فقالوا في باب الإيلاء: لو قيد بِمُسْتَبْعَدِ الحصولِ في أربعةِ أشهُر (كنزول عيسى ﵇ فمول، وإنْ ظَنَّ حصوله قَبْلها فليس بمول قَطْعًا. وإنْ شك فوجهان، أصحهما كذلك. ولو شك في المذبوح: هل فيه حياة مستقرة؟ أو لا؟ فإنْ غَلَب على ظنه بقاؤها، حَلَّ، وإلَّا حَرُم؛ للشك في المُبِيح. وقالوا في القاضي: يَقْضي بِعِلْمه وبِغَلَبة الظن باستصحاب الحال، وعند الشك المستوِي لا يَقْضي. وفي الأكل مِن مال مَن يغلب على ظنه الرِّضَا: يَحِلُّ، دُونَ مَن يَشُك. وغَيْر ذلك مما لا ينحصر. وقولي: (وَإنْ يَكُنْ غَيْرَ مُطابِقٍ) إلى آخِره - هذا هو المحترز عنه بالقيد الثاني، وهو المطابقة لِمَا في الخارج، فَغَيْر المطابِق مع الجَزْم هو الاعتقاد الفاسد، ويُسَمَّى "الجهْل المُرَكَّب"؛ لأنه مُرَكَّب مِن عَدَم العِلم بالشيء واعتقادٍ غَيْرِ مطابِقٍ، وهذا كاعتقاد المعتَزلي أنَّ الله تعالى لا يُرَى في الدار الآخِرة. وسَواءٌ في هذا القِسم: - ما اعتقده تقليدًا، كما في اعتقاد بعض الكفار الذين حَكَى الله تعالى قولهم: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢]. -[أو] (١) اعتقده بشيء باطلٍ ظَنَّه دليلًا، كما في رؤوس المبتدعة وكثير مِن الكفار يَحْسبون أنهم على شيء إلَّا أنهم هُم الكاذبون.

стр. 142

وأمَّا الجهل البسيط فهو انتفاء إدراك الشيء بِالكُلِّيَّة بحيث لا يَخْطُر بالبال أصْلًا. وهو معنى قولي: (انْتِفَاءُ الْعِلْمِ بِالمَقْصُودِ). وهو أحسن مِن التعبير بِـ "انتفاء العِلْم بالشيء"؛ لأنَّ الشيء لا يُطْلَق على المعدوم، ولَفْظ "المقصود" شامل للموجود والمعدوم. نَعَم، شَرْط هذا النوع أنْ يَكون انتفاؤه عن القابِل للعِلْم، أَيْ الذي مِن شأنه الإدراك؛ فيخرج نَفْيه عن نحو "الجَلْمُود" بفتح الجيم والضم كما قاله الجوهري، أَيْ: الصَّخْر، ومِثْله الحيوان غَيْر العاقل، فلا يُوصَف شيء مِن ذلك بالجهل؛ لِعَدَم القابِلية. كذا ذَكَره الآمدي في "أبكار الأفكار". وقد عُلِمَ مِن "تَقْرِير أنهما نَوْعان للجهل" أنَّ ما في "جَمْع الجوامع" مِن حكاية العبارتين قولين - ليس بِجَيِّد، وإنما تبع في ذلك ابن مكي في قصيدته. وما أحسن قول الإمام الرافعي في باب الربا مِن "شرح الوجيز" في الكلام على قاعدة مُدّ عجوة: (إنَّ الجهل معناه المشهور: الجَزْمُ بِكَوْن الشيء على خِلَاف ما هو عليه) (١). قال: (ويُطْلَق ويُراد به عَدَمُ العِلم) (٢). انتهى. فأشار إلى أنهما نوعان وإنْ كان إطلاق الجهل في أحدهما أَشْهَر. نَعَم، تعبيره بِـ "الشيء" فيه ما سَبَق. وقَوْلي: (أمَّا البَسِيطُ نَقْلَا) يجوز أنْ يَكون نَصْبُ "نَقْلَا" فيه على الحال (أَيْ: حال كَوْنه مَنْقُولًا عن العلماء)، وأنْ يَكون تمييزًا (أَيْ: معنى البسيط مِن حيث النقل عنهم)، والله أعلم.

стр. 143

ص: ٣٩ - فَإنْ يَكُنْ [ذَا] (١) بَعدَ عِلْمٍ وُجِدَا ... فَـ "السَّهْوَ" يُسْمَى، وبِطُولٍ في المَدَى ٤٠ - يَكُونُ "نِسْيَانًا"، فَكُلُّ قِسْمِ ... أَخَصُّ مِمَّا قَبْلَهُ في الرَّسْمِ الشرح: هذا تقسيم للجهل البسيط إلى ثلاثة أقسام: سَهْو، ونسيان، وغيرهما. وذلك أنه إنْ سَبقه إدراك ثُمَّ زال، سُمِّيَ سَهْوًا. وإنْ لا، فَلَا. والأولُ إنْ قَصُرَ فيه زمانُ ذهابِ الإدراك، اشتهر تسميته "سَهْوًا"، وربما سُمي "غَفْلةً"؛ ولهذا قال الجوهري: (السهو: الغفلة) (٢). وإنْ طال زمانه وامتد، سُمِّي - مع كَوْنه سَهْوًا - "نسيانًا"؛ لاستحكام الغفلة فيه بالطول، فهو أَخَص مِن مُطْلَق السهو، ومُطْلَق السهو أَخَص مِن مُطْلَق الجهل البسيط. وهو معنى قولي: (فكُلُّ قِسْم أَخَصُّ مِمَّا قَبْلَهُ في الرَّسْمِ)، أَيْ: في رَسْمه وتعريفه الذي يُعَرَّف به، وهذا أَحْسَنُ ما فُرَّق به بَيْن "السهو" و"النسيان" كما يُؤخَذ ذلك مِن استقراء استعمال اللفظين في كلام العَرَب. ومنهم مَن فَرَّق بينهما بأنَّ "النسيانَ" عَدَمُ ذِكْر ما كان مذكورًا، و"السهو" غَفْلةٌ عمَّا كان مذكورًا وعمَّا لَمْ يَكُنْ مذكورًا؛ فَعَلَى هذا "النسيان" أخَصُّ مِن "السهو" مُطْلَقًا، فهو باعتبار آخَر غير الأول. ومنهم مَن يُفَرِّق بِغَيْر ذلك، وهو كثير، فلا حاجة للتطويل به. وذهب كثير إلى أنَّ معناهما واحد. قال القاضي عياض في "المشارق": (السهوُ في

стр. 144

الصلاة: النسيانُ فيها) (١). وقال الشيخ تقي الدين في "شرح العمدة": (إنَّ الفَرق بينهما مِن حيث اللغة بَعيدٌ) (٢). والله أعلم. ص: ٤١ - وَالْمُوجِبُ الْمَذْكُورُ إمَّا فَرْدُ ... أَوْ ذُو تَرَكُّبٍ، وكُلٌّ عَدُّوا ٤٢ - مُوجَبَهُ مِنَ الضَّرُورِيِّ سِوَى ... مُحَصَّلٍ بِنَظَرٍ لَهُ حَوَى ٤٣ - فَالْفَردُ حِسٌّ ظَاهِرٌ مِنْ خَمْس ... وَالْعِلْمُ في هذَا يُسَمَّى "الْحِسِّي" ٤٤ - أوْ بَاطِنٌ وَمَا بِهِ "وِجْدَانِي" ... كَالْعِلْمِ أَوْ كَالْجُوعِ، ثُمَّ ذَانِ ٤٥ - مَا بِهِمَا "الْمُشاهدَاتِ" يُسْمَى ... وَمِنْهُ عَقْلٌ دُونَ شَيْءٍ ضُمَّا ٤٦ - فَإنْ يَكُنْ بَدِيهةً، أَيْ تُلْفِي ... تَصَوُّرَ الطَّرْفَيْنِ فِيهِ يَكْفِي ٤٧ - فَذَا "الْبَدِيهِيُّ" وَيُسْمَى "الْأَوَّلِيْ" ... أَوْ [إنْ] (٣) يَكُنْ قِياسُهُ معْهُ جَلِيْ ٤٨ - فَسَمِّهِ "الْفِطْرِيَّ"، نَحْوُ: الْأَرْبَعُ ... زَوْجٌ؛ لِكَوْنِ الْقَسْمِ فِيهَا يَقَعُ ٤٩ - بِمُتَسَاوِيَيْنِ، أَمَّا بِالنَّظَرْ ... فَـ "النَّظَرِيُّ" اسْمٌ لِعِلْمِهِ اشْتَهَرْ ٥٠ - وَمِنْهُ مَا رُكِّبَ مِنْ عَقْلٍ وَمِنْ ... سَمْعٍ مُكَرَّرٍ مُفِيدٍ لِلْفَطِنْ

стр. 145

٥١ - وَذَا تَوَاتُرٌ، وَعِلْمُنَا بِهِ ... تَوَاتُرِيٌّ، وَسَيَأْتِي، فَادْرِهِ ٥٢ - وَمِنْهُ مَا ترْكِيبُهُ مِنْ عَقْلِ ... وَحِسَّ غيْرِ السَّمْعِ، بَلْ بِوَصْلِ ٥٣ - مُشَاهَداتٍ كُرِّرَتْ بِتَجْرِبَهْ ... فَـ "التَّجْرِبِيُّ" اسمٌ لِعِلْمٍ أَكْسَبَهْ ٥٤ - وَإِنْ تَكُنْ قَرائِنٌ قَوِيَّهْ ... في حَدْسِ نِسْبَةٍ، فَذِي "الْحَدْسِيَّهْ" ٥٥ - بَلْ كُلُّ ظَنِّيٍّ حَوَى قَرَائِنَا ... يَصِيرُ عِلْمِيًّا بِمَا قَد قَارَنَا الشرح: أَيْ: الثالث مِن قيود "العِلْم": كَوْن الجَزْم - المُطَابِق - لِمُوجِبٍ (١)، وهذا الموجِبُ المذكور له أقسام كثيرة، يتنوع العِلْم بسببها إلى أنواع، ولِكُل نوع لَقَبٌ، فَذَكَرْتُ في هذه الأبيات ذلك مُرَتَّبًا على وَجْهٍ حَسَن. ثُمَّ أَذْكُر بعد ذلك ما يَخْرُج بهذا القيد. فَـ "المُوجِبُ" المراد به المُقْتَضِي لذلك والمُحَصِّلُ له، وهو بِخَلْق الله تعالى العِلْم عنده، لا على جهة تأثير ذلك المُوجِب كما هو رَأْي المعتزلة في العِلَل كما سيأتي. وهو إمَّا مُفْرَد أو مُرَكَّب، والمُفْرَد إمَّا حِسٌّ وَحْده (ظاهرٌ أو باطنٌ)، أو عَقْل وَحْده [بِضرورةٍ أو نَظَر] (٢). والمُرَكَّبُ إمَّا مِن حِسًّ مُطْلَقًا (٣) وعَقْل، وإمَّا مِن حِس سَمْعٍ وعَقْل. وكُلُّ ما أَوْجَبَه شيء مِن هذه الموجِبات فَمَعْدُودٌ عندهم مِن العلوم الضرورية (عَلَى خِلَاف في بَعْضه)، سِوَى ما اسْتُفِيدَ بِنَظَرِ العَقْل، فإنه عِلْمٌ نَظَرِيٌّ كما سيأتي بيانه.

стр. 146

فَأَوَّل أقسام المُوجِبِ المُفْرَدِ: الحِسُّ الظاهرُ، أَيْ: يَكون المُدْرِكُ لِلشيء إحدَى الحواس الخَمْس التي هي: البَصَر، والسَّمْع، والذوق، والشَم، واللمس. كإدراك كَوْن الشمس مضيئة وأنَّ صَوْتَ البلبُل حَسَنٌ دُونَ صوت الحمار، وأنَّ ريح الوَرْد طيب، وطَعْم العسل حلوٌ، وأنَّ القطنَ لَيِّنٌ. ويُسَمَّى العِلم بشيء مِن هذه الخَمْس "العِلْم الحِسِّي"، سواء قُلْنَا: إنَّ نَفْس الحواس مُدرِكة، أو المُدْرِكَ النَّفْسُ بواسطتها، على الخلاف في ذلك. ومنهم مَن أَنْكَر إفادةَ الحواسِّ اليقين، وهو مباهتة، وتَعَلَّقُوا في ذلك بِشُبَه ضعيفة. وَجَعْلُ الإدراك بِالحِس مِن قبيل العلوم هو قَوْل الأشعري، خِلَافًا لِمَن خَصَّ العِلم بالمعنوي [وهو الأمر الكُلِّي، لا الحسي] (١). الثاني: الحسُّ الباطن، كإحساس الإنسان بحصول عِلْم شيء، وبحصول جوع أو عطش، ويُسَمَّى هذا النوع "العِلْم الوِجْداني"؛ نِسْبَة إلى الوِجدان، أَيْ: الوجود النفساني. وكُلٌّ مِن [المحسوس] (٢) بالظاهر والباطن يُسَمى "المشاهَدة"، ويقال لقضاياهما: المشاهَدات. الثالث: العقل الصَّرْف، وهو معنى قولي: (عَقْلٌ دُونَ شَيْءٍ ضُمَّا)، أَيْ: بدون شيء انضم إليه العِلم. وهذا ضربان: أحدهما: أنْ يَكون ببديهة العقل، وهو القضية التي يجزم العقل بها بِمُجَرَّد تَصَوُّر الطرفين الموضوع والمحمول، سواء أكان تَصَوُّر كُل مِن طَرَفَيْها بِضَرورة أو بِنَظَر، فهي أربعة أقسام.

стр. 147

مثاله قَوْلنا: (الكُل أعْظَم مِن الجُزْء)، و (الواحد نِصف الإثنين). وتُسَمَّى القضايا المعلومة بذلك "الأوليات"؛ نِسْبَة إلى الأول؛ لحصولها أَوَّلًا مِن غير تَوَقُّفٍ على قضية أخرى، بخلاف النظريات كما سيأتي. ويلحق بهذا القِسْم ما هو كالبديهي، وهي القضايا التي قياساتها معها، وذلك بأنْ يَحْكُم العقل بها بواسطة لا يغفُلُ عنها الذهن عند تَصَوُّر حدود تلك القضايا المحكوم عليه وبه فيها. كقولنا: (الأربعةُ زوجٌ)؛ لانقسامها بمتساويين؛ فإنَّ الانقسام بمتساويين وسطٌ حاضرٌ في الذهن دائمًا عند تَصَوُّر الأربعة والزوجيَّة؛ فلذلك قِيل فيها: إنَّ قياساتها معها. فَمِن حيث إنَّ لها دليلًا - هي نظرية، ومِن حيث إنه معه في العِلم - بديهية، وهذا يَغْلب فيها؛ ولذلك تُسَمَّى "القضايا الفِطْرِيَّة"؛ لأنَّ عِلْمها بالفطرة. فقَوْلي: (أو إنْ يَكُنْ قِياسُهُ مَعْهُ) ينبغي أنْ يَكون عَطْفًا على تفسير البديهي بِقَوْلي: (أَيْ تُلْفِي)، أَيْ: تَجِد يَأَيُّها المخاطَبُ تَصَوُّرَ الطرفين كافِيًا في حصول العِلْم، أو إنْ كان قياسُه معه فهو أيضًا بديهي. وقَوْلي بَعْده: (أَمَّا بِالنَّظَرْ) هو بِفَتْح الهمزة، أَيْ: أمَّا إذا كان حصول العِلْم بالعقل الصِّرف إنما هو [بالنظر] (١) والتفكْر المؤدِّي إليه، فهذا هو الضرب الثاني مِن المستفاد بالعقل، وهو "العِلم النظري"، وذلك كل قضية يَقُوم عليها البرهان، نحو: "العَالَم حادِث؛ لأنَّ العالَم مُتَغَيَّر، وكُل مُتَغَيِّر حادث"؛ فأنتج المطلوب، والعِلْم حينئذ يحصل عند الدليل، لا بِهِ - كما تَقَدَّم تقريره، لا أنه متولِّد منه كما يقوله المعتزلة. واعْلَم أنَّ النظري لا يتقيَّد بِكَون كل مِن مُقَدِّمَتَي دليله بالعقل الصِّرف، بل قد تَكون إحداهما سمعية حيث أفاد السمعُ اليقين بأنْ يَكون مِن ضروريات الدِّين (كوجوب الصلاة

стр. 148

ونحوه)، وربما كانت القضيتان سمعيتين لكن إنتاجهما المطلوب وإفادتهما العِلْم به - بالعقل الصِّرف، ولا يَضُر كَوْن عِلم النسبة في كلتيهما أو إحداهما بِغَيْر العقل. وأمَّا الموجِبُ المُرَكَّب - وإليه أَشَرْتُ بقولي: (وَمِنْهُ مَا رُكِّبَ) إلى آخِره - فأقسام: أحدها: ما تَرَكَّب مِن "عقل" و"حِس هو سَمْعٌ" بواسطة كثرة ذلك السمع وتكَرُّره، وهو "التواتُر"، وسيأتي بيانه في باب "طريق ثبوت الدليل" أَيْ: سَنَد الأخبار، وفي إفادته العِلم وَكَوْنه عِلْمًا ضروريًّا أو نَظَريًّا خِلَافٌ يأتي هناك [أيضًا] (١)، وذلك كَعِلْمنا بالقرون الماضية كعاد وثمود و [قَوْم] (٢) موسى وعيسى والبلاد النائية كالرُّوم والهند، ويُسَمَّى الإدراكُ بذلك "العِلم التواتُري". الثاني: أنْ يَتَرَكَّب الموجِب مِن "عَقْل" و"حِسّ غَيْر سَمع"، وهو أنواع: أحدها: بواسطة مشاهداتٍ متكررة تُؤدِّي إلى جَزْم العقل بِتَرْتيب أَمْر على أَمْر، لا على سبيل الاتفاق، كمشاهدة تَرَتُّب الإسهال على السقمونيا؛ فَيَحْكُم بأنَّ السقمونيا مُسْهِلة. وتُسَمَّى هذه القضايا "التجربيَّات". وثانيها: أنْ يَكون بواسطة قرائن قوية يَجْزِم العقلُ - بسبب توسطها - بالحُكم المترتِّب عليها، كقولنا: (نورُ القمر مستفاد مِن الشمس). فإنه لَمَّا اختلف تشكل النور في القمر بسبب قُرْبه مِن الشمس وبُعْده منها، فكُلما قَرُب مِن الشمس وانحرف مِن مقابلتها ينقص نورُه، وكُلما بَعُد عنها ازداد نورُه؛ فيحصل حَدسٌ قوي بأنَّ نُورَه مستفاد منها. و"الحدْسُ" عبارة عن سرعة انتقال الذِّهن مِن المبادئ إلى المطالب، وليس بِفِكْر؛ إذْ لا بُدَّ في

стр. 149

الفِكْر مِن حركة؛ لأنَّ المبادئ [تَسْبَح] (١) في الذهن؛ فيحصل المطلوبُ مِن غَيْر حركة. وتسمى هذه القضايا "الحَدْسيات". واعْلَم أنَّ كُلًّا مِن التجربي والحدسي مقصورٌ حصول العِلْم به على صاحبه، فليس حُجَّةً على غَيْره؛ لِجَواز أنْ لا تَحْصُل التجربةُ أو الحدسُ لِغَيْره عَلَى الوجْه الذي أفادَهُ العِلْمَ. قلتُ: ويَجْرِي مِثْل ذلك في التواتر وغَيْره؛ فإنَّ العِلْم إنما يحصل لِمَن حصَل عنده المُوجِبُ، فلا يُقْصَر ذلك على التجربي والحدسي، ولكن يَتَميزان بأنَّ أصلهما "ظَنٌّ" انضم إليه قرائن قَويَتْ حتى أفادت العِلْم، بِخِلَاف ما سبق، فإنه عِلْمٌ في أَصْله؛ وعلى هذا فلا يختص ذلك [بهما] (٢) أيضًا، بل كُل ظني انضم إليه قرائن يَحْدُث عنها يَقينٌ - يصير ذلك عِلْمِيًّا. وإليه أَشَرْتُ بِقَوْلي: (بَلْ كُلُّ ظَنِّي حَوَى القرائن) إلى آخِره. وسيأتي بيان أنَّ الدليل السمعي لا يفيد اليقين إلَّا بواسطة قرائن تنضم إليه، ومثله ثبوت المَروِي بالآحاد لا يُقْطَع بِصحته عَمَّن نُقِلَ عنه إلَّا بقرائن، بِخِلَاف المتواتر، والله أعلم. ص: ٥٦ - وَالْجَزْمُ لَا لِمُوجِبٍ "تَقْلِيدُ" ... صَحيحُ الِاعْتِقَادِ ذَا الْمُفِيدُ الشرح: لَمَّا بُيَّنَ القَيْدُ الثالث في حَدِّ العِلم (وهو كَوْنه لِمُوجِب) وشُرِحَ الموجِب، ذُكِرَ هنا ما يُحْتَرَز به عنه. فإذَا كان حُكْمُ الذِّهنِ الجازِمُ المطابِقُ لَا لِمُوجِب، سُمِّيَ ذلك "تقليدًا"؛ لاستناده إلى

стр. 150

غَيْر دليل، بل مأخوذ بالتسليم، ويُسَمَّى اعتقادًا صحيحًا؛ لِكَوْنه مُطابِقًا للواقع، وبذلك يفارق الاعتقاد الفاسد وهو الجهل المُرَكَّب - كما سبق، والله أعلم. الدليل ٥٧ - حَدُّ الدَّلِيلِ هُوَ مَا يُمْكِنُنَا ... بِالنَّظَرِ الصَّحِيحِ فِيهِ بَيِّنَا ٥٨ - تَوَصُّلٌ لِمَطْلَبٍ تَصْدِيقِي ... المَنْطِقِيْ: مُعَدَّدُ التَّصْدِيقِ ٥٩ - حَيْثُ يَكُونُ مُنْتِجًا لِلْحُكْمِ ... هُوَ الدَّلِيلُ عِنْدَهُ في الرَّسْمِ ٦٠ - لَكِنَّهُ سَمَّى "قِيَاسًا" ذَا، وَمَا ... يُعْرَفُ بِـ "الْقِيَاسِ" "تَمْثِيلًا" سَمَا الشرح: لَمَّا انتهى الكلامُ في أول الأربعة (وهو العِلْم)، شَرَعْتُ في الثاني (وهو الدليل)، وهو فَعِيل بمعنى فاعِل، مِن دَلَّ يَدُلُّ دَلَالة - بِفَتْح الدال على الأفصح، وبكسرها، وقِيل بالفتح في الأعيان وبالكسر في المعاني. تقول: دَلَّه على الطريق دَلالة، ودَلَّ الدليلُ على الحُكْم دلالة، ومعنى "الدلالة": الإرشاد إلى الشيء. فالدليل إمَّا المُرْشِد حقيقة وإمَّا ما به الإرشاد. والمُرْشِد إمَّا الناصب لِلَّذِي به الإرشاد مِن العلامات مثلًا، وإمَّا الذاكِر لذلك. ففيما نحن فيه: الناصبُ هو البارئ ، والذاكِرُ هو الرسول ﷺ ، وما به الإرشاد هو كتاب الله تعالى وسُنة رسوله ﷺ وما نشأ عنهما مِن الإجماع والقياس وغيرهما عِند مَن يَقُول به - كما سيأتي. وأمَّا "الدليل" في الاصطلاح فَفِيه رأيان: أحدهما للفقهاء وأهل الأصول وكذا المتكلمون (إلَّا فيما سيأتي): ما يُمْكِن التوصُّل - بصحيح النَّظَر فيه - إلى مَطْلُوب خَبَرِي. وهو معنى قولي: (تَصْدِيقي). مثاله: الدليلُ على حَدَث العالَم نَفْسُ العالَم؛ لأنَّ بالنظر في أحواله مِن التغير والتجدد

стр. 151

والتحول - على اختلاف أنواع ذلك - يُتَوصَّل إلى المطلوب وهو الحدوث فيه، وإنما عُبِّر بِـ "ما يُمْكن" دُون "ما يتوصل"؛ للإشارة إلى أنَّ المعتبَر التوصل بالقوة، لا بالفعل؛ لأنَّ الدليل [قد] (١) لا يُنْظر فيه، ولا يُخْرِجه ذلك عن أنْ يَكون دليلًا. وقولي: (بَيِّنَا) نَصْب على الحال مِن "النظر"، وقد خرج بذلك ما لا يمكن التوصل به إلى المطلوب، [أو يمكن] (٢) لَكِن لا بالنظر، كسلوك طريق يمكن أن يتوصل بها اتفاقًا، أو يمكن لا بصحيح النظر، بل بفاسده، ككاذب المادة في اعتقاد الناظر، أو يمكن التوصل بصحيح النظر لكن لمطلوب تَصَوُّري لا تصديقي، فإنَّ المفِيد لذلك إنما هو المعَرِّفُ كما سيأتي. فَكُل ذلك لا يُسَمَّى دليلًا. نَعَم، يدخل في التعريف المذكور ما يفيد القَطْع وما يفيد الظن، فَيُعْلَم أنَّ كُلًّا يُسَمَّى دليلًا، وهو طريقة الفقهاء ونحوهم؛ لأنَّ مطلوبهم عَمَلٌ، وهو لا يتوقف على اليقين. ومنهم مَن لا يُسَمِّي مُفِيدَ الظنَّ "دليلًا"، بل "أَمَارَةً"، وهو اصطلاح المتكلمين؛ لأنَّ مطلوبهم يقين، فحينئذ يُزاد فيه: "إلى العِلم بالمطلوب الخَبَرِي". وخَرَج مِن التعريف بذلك أيضًا الدليل بَعْد تمامه مُرَتَّبًا صحيح المادة والصورة؛ فإنه قد حصل به المطلوب، فلا يُسَمَّى دليلًا؛ إذْ لا يُتَوَصَّل به؛ لأنَّ المطلوب حاصل به مِن قَبْل النظر فيه في الحال، وتحصيلُ الحاصل مُحَال. ويدخل فيه أيضًا ما فَسد فيه الدليلُ لِفَسَادِ صُورته لكن مادته صحيحة؛ لأنه يمكن التوصل بصحيح النظر فيه إلى المطلوب، بِخِلَاف فاسد المادة، سواء أكانت صورته

стр. 152

صحيحة أَمْ لَا. وكذلك ما [تُوُصِّل] (١) بِفاسد النظر فيه إلى المطلوب ومادته صحيحة؛ فإنَّ الوصول مع الفساد إنما هو اتفاق، ومِثل ذلك لا ينافي التوصل بصحيح النظر فيه إلى المطلوب. الثاني: وإليه أَشَرْتُ بِقَولي: (المَنْطِقِي) إلى آخِره، أَيْ: وقال المنطقي. والمراد أنَّ أهل المنطق رأوا تفسير "الدليل" بأنه تصديقان فصاعِدًا، يَكون عن ذلك تصديقٌ آخَرُ هو المطلوب، وذلك معنى قَوْلي: (مُعَدَّدُ التَّصْدِيقِ). أَيْ: عَدَدٌ مِن التصديقات (اثنان فأكثر)، فاللام في "المنطقي" للجنس. نَعَم، هذا إنما هو بناءٌ على جواز القياس المُرَكَّب، وهو ما كان فيه أكثرُ مِن مقدمتين، وعلى ذلك جَرَى ابنُ الحاجب بقوله: (قولان فصاعدًا). وأمَّا مَن يَرَى بأنَّ ذلك قياسان لا قياسٌ واحد - لا يحتاج أنْ يقول: (فصاعِدًا)، بل يقول: (تصديقان يَكُون عنهما تصديق ثالث). وقَوْلي: (حيث يَكون مُنْتِجًا لِلحُكْم) إشارة إلى أنَّ التصديقين - أو أكثر - إنما يُسَمَّى دليلًا إذَا كان على وَجْهٍ يُنْتِج الحُكمَ المطلوبَ، بأنْ يَكون على القانون [المُبَيَّن] (٢) في المنطق المُبَرْهَن على صحته. والتعبير بقولنا: (يَكُون عنهما قول ثالث) إشارة إلى شمول ما يُنْتِج القَطْعَ والظن، أمَّا مَن يُخَصِّص الدليلَ بما يُنْتِج القطعي فيقول: "يَلْزمُ" مَوْضِع "يَكُون". نَعَم، أهل المنطق يُسَمُّون ذلك قياسًا، سواء أفاد الظن أو القَطْعَ - كما سيأتي، ويُقسِّمونه إلى اقتراني واستثنائي. فالاقتراني: ما كان مُقَدِّمتاه خَبَرِيَّتَيْن، نحو: "العالَم مُتَغَيِّر، وكُل مُتَغَيِّر حادِث" فَيُنْتِج

стр. 153

"العالَم حادث"؛ لأنَّ المحكوم عليه في المقدِّمة الأُولَى (وهو المُسَمَّى بـ "الموضوع") قد اندَرَج في المحكوم به فيها (وهو المُسَمَّى بِـ "المحمول"). وهذا المحمولُ مندرجٌ تحت محمول الثانية؛ لأنه موضوع له؛ فَلَزِمَ اندراج موضوع الأُولى تحت محمول الثانية، وسَقَط الوسطُ المتكَرِّرُ، ويُسَمَّى موضوع الأُولى "الحد الأصغر" ومحمول الثانية "الحد الأكبر" والوسط المتكَرِّر "الحد الأوسط"، و [تُسَمَّى] (١) ذات الأصغر "الصُّغْرَى" وذات الأكبر "الكُبْرَى". وهذا هو الشكل الأول عندهم الذي هو ضروري الإنتاج بِشَرْطه. فأمَّا إذَا كان الحدُّ المتكرِّرُ "موضوعًا في الصغرى، محمولًا في الكُبرى" عكس ما سبق، فهو الشكل الرابع (نحو: "كُل أب" (٢) و"كُل ج أ") (٣)، أو كان محمولًا في المقدمتين فهو الشكل الثاني (نحو: "كُل ب أ" و"كُل ج أ")، أو كان موضوعًا في المقدمتين فهو الشكل الثالث (نحو: "كُل ب أ" و"كُل ب ج"). ولا ينتج شيء مِن هذه الثلاثة إلَّا بَعْدَ الردِّ [للأول] (٤) غالبًا على الوجْه المُبَيَّن في الفن. وأمَّا الاستثنائي فهو ما كان بشرط أو تقسيم. فالأولُ (ويُسمَّى المتصل) نحو: إنْ كان هذا إنسانًا، فهو حيوان. ويُسَمَّى الشرطُ "مُقَدمًا" والجزاءُ "تاليًا"، ثُم يُستثنى بِـ "لَكِن"، فيقال: "لكنه ليس بحيوان؛ فليس إنسانًا"، أو: "لكنه إنسان؛ فهو حيوان"؛ فيحصل الإنتاجُ باستثناء نقيض التالي؛ فينتج نقيض المقدم، وباستثناء عَيْن المقدم؛ فينتج عَيْن التالي كما مَثَّلناه؛ لأنه يَلْزَم مِن ثبوتِ المَلْزُوم ثبوتُ

стр. 154

اللازم، ومن انتفاء اللازِم انتفاءُ [الملزُوم] (١). أمَّا استثناء عَيْن التالي أو نقيض المقدم فلا ينتجان؛ لِجَوَاز أنْ يَكون اللازِم أَعَم مِن الملزوم. أمَّا إذَا استوى المقدم والتالي في التلازم، فينتج الأربعة، نحو: "لو كان بَشَرًا لَكَان إنسانًا". والثاني (ويُسَمَّى المنفصل) نحو: "العَدَد إمَّا زَوْجٌ أو فَرْد، لكنه زَوْج؛ فليس بِفَرْد"، أو: "فَرْد؛ فليس بِزَوْج"، أو: "لكنه ليس بِزَوْج؛ فهو فَرْد"، أو: "ليس بِفَرْدٍ؛ فهو زَوْج". وهذا مُبَيَّن في مَوْضعه بشروطه، وإنما ذَكَرْته أنموذجًا؛ لِتفسير قولي: (حَيْثُ يَكُونُ مُنْتِجًا لِلْحُكْمِ). ومَن أراد بَسْطَه، يَطْلُبه مِن موضعه. تنبيه: الحاصل مِن الفَرْق بين تعريف "الدليل" على الرأي الأول وتعريفه على الثاني أنَّ "الدليل" عند المناطقة هو المادة والصورة، وعند غَيْرهم المادة فقط، فإذا أُرِيدَ الدليل على إثبات الصانع بِحدُوث مَصْنُوعه (وهو العالَم)، كان مجموع قَوْلنا: (العالَم حادث، وكُل حادث له صانع) هو الدليل على أنَّ العالَمَ له صانعٌ عند المناطقة، والدليل عند غيرهم "العالَمُ" فقط؛ لأنَّ النظر فيه يُتَوَصَّل به إلى المطلوب، أمَّا بَعْد أنْ يَترتَّب ويَحْصُل المطلوب فكيف يَكون دليلًا؟ ! ورُجح رأي المناطقة بأنَّ النظر إلى دلالة الشيء بالفعل أقوى مِن النظر إليه باعتبار دلالته بالقوة. واعْلَم أني إنما قلتُ: (مُعَدَّدُ التصديق) ولَمْ أَقُلْ: (مُقَدِّمتان فَصَاعِدًا)؛ لأنَّ التصديق لا

стр. 155

يُسَمَّى مُقَدِّمَة حتى يَكون جُزْءًا مِن الدليل، فلو عَبَّرْتُ بذلك، لَزِمَ الدَّوْرُ. وأمَّا تعبيرُ ابن الحاجب بقوله: (قولان) فَفِيه استعمال القول مقصورًا على القضية - مع كَوْن القول (في الأصل) لِلْأَعَم. وقولي: (وَمَا يُعْرَفُ بِالْقِيَاسِ تَمْثِيلًا) معناه أنَّ المنطِقي لَمَّا سَمَّى هذا "قياسًا"، سَمَّى ما هو معروف بِـ "القياس" - في أُصول الفقه وغَيْره - "تمثيلًا"؛ لأنه حُكْم [بِمَا] (١) لِأحَد المِثْلَين في تلك [الْعِلَّة] (٢) على المِثْل الآخَر؛ تحقيقًا للمماثلة الحاصلة بينهما. وقولي: (سَمَا) أَيْ: عَلَا وارتفع هذا التمثيل؛ لأنه أحَدُ الأدلة المتفق عليها بين الأئمة كما سيأتي؛ فَشَرُفَ بذلك. ومَوْضعُ جملة "سَمَا" حينئذ نَصْبٌ على [الحالية] (٣) مِن المفعول (وهو "مَا" الموصولة) أو على الصفة لِـ "تمثيلًا"، والله أعلم. ص: ٦١ - فَإنْ يَكُنْ جَمِيعُهُ قَطْعًا، فَلَا ... يُنْتِجُ إلَّا القَطْعَ مَهْمَا حَصلَا ٦٢ - وَذَا هُوَ الْبُرْهَانُ، أمَّا مَا قُضِي ... فِيهِ بِظَنٍّ فَلِظَنٍّ [يَقْتَضِي] (٤) ٦٣ - وَمِنْهُمُ مَنْ قَالَ: ذَا "أَمَارَهْ" ... وَخَصَّ بِالقَطْعِ الدَّلِيلَ اخْتَارَهْ الشرح: أَيْ: إذَا كانت مُقَدِّمَتَا الدليل أو مقدماته كُلها قَطْعِية، فلا ينتجُ إلَّا قَطعِيًّا،

стр. 156

ويُسمَّى حينئذ "برهانًا". وإنْ كان قد قُضِي في مقدماته كلها أو بعضها بِمُقْتَضَى الظن، فلا ينتجُ إلَّا ظنِّيًّا؛ لأنَّ النتيجة دائمًا تَتْبَع أَدْوَن المقدمتين. وَمَا يُفِيد الظن سَمَّاه المتكلِّمون "أَمَارة"، ولَمْ يُسموه "دَلِيلًا" كما سبق. فمثال القَطْع ما سبق، ومثال الظن قولنا: (الوضوء عبادة، وكُل عبادة بِنِيَّة)، ينتج أنَّ "الوضوء بِنِيَّة". ومثال ما إحْدَى مقدمتيه قطعية والأخرى ظنية قولنا: (صلاة الظهر فَرْض، وكُل فَرْض يُسَنُّ له الأذان؛ فصلاة الظهر يُسَنُّ لها الأذان). وقولي: (اخْتَارَهْ) جُملة حالية، أَيْ: حال كَوْن هذا القائل اختار هذا القول، والله أعلم. ص: ٦٤ - أَمَّا الَّذِي يُكْسِبُنَا التَّصَوُّرَ ... فَهْوَ الْمُعَرِّفُ، وَ"حَدًّا" قَدْ يُرَى ٦٥ - وَحَصْرُهُ في خَمْسَةٍ أَقْسَامِ ... "الْحَدِّ" وَ"الرَّسْمِ" ذَوَيْ تَمَامِ ٦٦ - أَوْ دُونَهُ، وَالْخَامِسُ "اللَّفْظِيُّ" ... فَـ "الْحَدُّ": مَا كَانَ بِهِ الذَّاتِيُّ ٦٧ - جِنْسًا قَرِيبًا، ثُمَّ فَصْلًا مُخْرِجَا ... وَ"الرَّسْمُ": مَا بِلَازِمٍ قَدْ أَخْرَجَا ٦٨ - فَـ "الْحَدُّ" لِلْإنْسَانِ إذْ [تُطَابِقُ] (١) ... تَقُولُ فِيهِ: "حَيَوَانٌ نَاطِقُ" (٢) ٦٩ - والرَّسْمُ فِيهِ: "حَيَوَانٌ ضَاحِكُ" ... وَ ["النَّاقِصَانِ": الْجِنْسَ] (٣) أَنْتَ تَارِكُ

стр. 157

٧٠ - و"الْخَنْدَرِيسُ: الْخَمْرُ" في اللَّفْظِيِّ ... [فَيُبْدَلُ] (١) الْأَشْهَرُ بِالْخَفِيِّ ٧١ - وَشَرْطُ كلٍّ كَوْنُهُ "مُطَّرِدَا" ... أَيْ: يُوجَدُ الْمَحْدُودُ حَيْثُ وُجِدَا ٧٢ - "مُنْعَكِسًا" أَيْ: يَنْتَفِي بِالِانْتِفَا ... وَالمَنْعُ فَالْجَمْعُ بِذَيْنِ عُرِّفَا الشرح: لَمَّا [ثَبتَ] (٢) أنَّ الدليل هو ما يمكن التوصُّل به إلى المطلوب مِن التصديقات، ذَكَرْتُ بَعْده ما يُحْتَرَز عنه بهذا القَيْد وأوضَحْتُه استطرادًا، فقُلْتُ: إنَّ الذي يُكْسِبُ التصوراتِ هو المُعَرِّف، ومُعَرِّف الشيء هو ما [تَكُون] (٣) معرفته سَبَبًا لمعرفته، أَعَم مِن أنْ [يَكون] (٤) معرفة حقيقته وذاته، أو بِوَجْهٍ يَتَمَيَّزُ به على جميع ما عَدَاه. وهذا المُعَرِّف ينقسم إلى خمسة أقسام: الحَد التام، والحد الناقص، والرَّسْم التام، والرسم الناقص، واللفظي. وربما سُمِّي الكُل حدودًا؛ تَوَسُّعًا كما هو طريقة المتكلمين خِلَافًا للمناطقة، وجَرَى على ذلك ابنُ الحاجب حيث قال: (والحدُّ حقيقي ورسميٌّ ولفظي) إلى آخِره، وهو معنى قولي: (وَحَدًّا قَدْ يُرَى). أَيْ: قد يُقال فيه (عَلَى رَأْيٍ): إنه حَدٌّ. وبالجُملة فلا بُدَّ مِن تفسير كُلٍّ مِن الأقسام الخمسة. فَـ "الحَدُّ" لُغَةً: المنع، ومِنْه "الحديد" لِمَنْعه، وسُمِّي البوَّابُ حَدَّادًا لذلك، فَسُمِّي "التعريف" حَدًّا؛ لِمَنْعِه الداخل مِن الخروج، والخارج مِن الدخول. والتامُّ منه (ويُسَمَّى "الحقيقي"): ما أنبأَ عن جميع ذاتيات الشيء الكُلية المُرَكبة، كَـ "الحيوان الناطق" في حَدِّ "الإنسان".

стр. 158

فقولنا: (ما أنبأ) جنس يشمل الخمسة، وخرج: بِـ "الذاتي": الرسميُّ؛ لأنه باللازِم. وبِجَمْع "الذاتي": التعريفُ اللفظي؛ لِوحدته. وباشتراط استيعابها: الناقصُ. وبِـ "الكُلية": المشخَّصات وإنْ كانت هي ذاتيًّا للمشخَّص مِن حيث هو مشخَّصٌ؛ فإنه لا يُحَدُّ بها حَدًّا حقيقيًّا؛ لأنَّ الحدَّ للكليات؛ لأنَّ التشخيصَ خارجٌ عن الماهية. وخرج بِـ "المركبة" ما لَمْ يُفَسَّر التركيبُ معها، وهو الهيئة الصُّوريَّة التي يحصُل بها صورةٌ [وحْدانية] (١) مطابِقة لِصورة المَحْدُود، بل ذلك مجرَّد ذِكْر الموادِّ المفردة وإسقاط لبعض الأجزاء وهو الصُّوري، وذلك بأنْ يذكُر مثلًا الفصلَ قَبْل الجنس، بل يَكون الصوابُ ذِكر الجنس ثم الفصل بَعْده كما مَثَّلْناه. لا يقال: جميع ذاتيات الشيء هو عَيْن الشيء، والشيء لا يُفَسِّر نَفْسَه. لِأنَّا نقول: دلالة المحدودِ مِن حيث الإجمال، والحدّ مِن حيث التفصيل، فليس عَيْنَه مِن كل وَجْهٍ؛ فَصَحَّ تعريفُه به؛ ولذلك لَمْ يُجْعل اللفظان مترادفين (عَلَى المُرَجَّح) إلَّا إذَا كان الحد لفظيًّا كما سيأتي. وأمَّا "الناقص": فهو ما اقتُصِر فيه على ذِكْر الفصل وَحْده. كقولك في الإنسان: (ناطِق). أو يُؤتَى به (٢) مع الجنس البعيد، نحو: (جِسْم [ناطِق]) (٣).

стр. 159

وأمَّا "الرسم" فمأخوذ مِن رَسْم الدار، وهو أثَرُها الباقي بَعْد زوالها، وهو ما أنبأ عن الشيء بِلَازِمٍ له مُخْتَصٍّ به، كَـ: (الإنسان حيوان ضاحك)، أَيْ: فيه قوة أنْ يضحك. فَـ "التام" مِنْهُ: أنْ يُؤتَى بذلك اللازِم مع الجنس القريب، كما مثَّلنا. و"الناقِص": أنْ يُؤتَى بتلك الخاصَّةِ وَحْدها أو مع الجنس البعيد، نحو: (الإنسان جسم ضاحك). و"اللفظي" لَفْظٌ مرادِفٌ أَشْهَرُ عند السامع مِن الذي ذَكَره في سؤاله، كَـ: (الخندريسُ: الخمر). ويُسَمى "لفظيًّا"؛ لأنه تعريف المعنَى بلفظٍ لمنْ كان عالِمًا بالمعنى مِن حيث هو مدلول اللفظ الأظهر، وجاهلًا به مِن حيث هو مدلول اللفظ الأخفى. وقد عُلِمَ بهذا التقرير الفرقُ بين هذا وبين تفسير اللفظ مِن حيث اللغة مثلًا، فإنه قد يَكون لمن لا يَعْرف مدلوله أصْلًا، لا مِن حيث ذلك ولا مِن غَيْره. نَعَم، هو راجِعٌ إلى الرسم؛ فإنَّا عَرَّفْنَا مدلول "الخندريس" (مِن حيث هو مجهول) بمدلول "الخمر" (مِن حيث هو معلوم)، ومدلول "الخمر" خاصّة لمدلول "الخندريس"؛ لأنَّ نِسْبة مدلولية هذا إلى لفظه غَيْرُ مَدلولِيَّة الآخَر إلى لَفْظه، وإنْ كان المدلولان مِن حيث هُما متحدَين؛ ولأَجْل ذلك اقتصر أكثر المناطقة على التعريفين الحَدِّي والرسْمِي، تامَّيْن وناقصين. قولي: (أَوْ دُونَهُ) أَيْ: دُون التمام فيهما، وهُمَا الناقصان. وقولي: (إذْ تُطَابِقُ) أَيْ: إذْ تُرِيدُ أنْ تُعَرِّفه بِمُطَابِقٍ لأجزائه، المادِّيِّ منها والصُّورِيِّ. وقولي: (الناقصان) أَيْ: الحَد والرسم الناقصان ما أنت تارِكٌ فيهما الجنس. فَـ "الجنس" مفعول مُقَدَّم لِـ "تارِك". واللام في "الجنس" للعَهْد، وهو الجنس القريب؛ فَدَخَل في ذلك ما ليس فيه جنس أصْلًا، وما فيه جنس بعيد. وقولي: (وَشَرْطُ كُلٍّ كَوْنُهُ مُطَّردَا) أَيْ: شَرْط المُعَرِّفات الخمسة الاطِّراد والانعكاس.

стр. 160

ومعنى كَوْن التعريف مُطَّرِدًا: أنْ يوجَد بوجودِه المُعَرَّف، فلا يُعَرَّفُ الإنسانُ بأنه "جِسْم نامٍ حَسَّاسٌ"؛ لوجود الحدِّ في الفرس ولا مَحْدُودَ (١). ومعنى كَوْنه منعكسًا: أنْ يَنتفي المُعَرَّف بانتفائه، فلا يُعَرَّف الإنسانُ بِـ "الكاتِب بالفعل"؛ لانتفاء الحَدِّ في الأُمِّي دُون المَحْدُود (٢). وكذا في اللفظي لا يُؤتَى بِلَفْظٍ أَعَم (فيوجَد ولا محدود) ولا أخَصّ (فينتفي والمحدود موجود). ولكن هذا مفهوم مِن قولهم: (مرادِف). وربما عُبِّر عن هذا الشرط بِـ "المساواة في العموم والخصوص". وقولي: (وَالمَنْعُ فَالْجَمْعُ بِذَيْنِ عُرِّفَا) مِن باب اللف والنشر المُرَتَّب، أَيْ: ربما عُرِّفَ كَوْن التعريف مانعًا بِكَوْنه مُطَّردًا، وكَوْنه جامِعًا بِكَوْنه منعكسًا، [أيْ: عُبِّرَ عنهما بذلك] (٣)؛ لِمَا قَرَّرْناه في تفسيرهما الملائم للتسمية بكُل مِن ذلك. وَوَهِمَ القرافي فَعَكَسَ ذلك، فجعَل الجامِع هو المُطَّرِد، والمانِع هو المنعكس، وهو بعيد المناسبة، ومخالِف للاصطلاح، والله أعلم. النَّظَر ٧٣ - وَ"النَّظَرُ": الْفِكْرُ الَّذِي يُؤَدِّي ... لِلْعِلْمِ أَوْ لِلظَّنِّ لَا [لِلضِّدِّ] (٤) ٧٤ - ومِنْهُ مَا مَضَى مِنَ التَّرْتِيبِ ... فِي "الْحَدِّ" وَ"الدَّلِيلِ" بِالتَّقْرِيبِ

стр. 161

الشرح: هذا هو الثالث مِن الأربعة الموعود ببيانها في المقدمة. و"النظر" لُغَةً: يُطْلَق على الانتظار، وعلى رؤية العَيْن، وعلى الإحسان، وعلى المقابَلَة، وعلى الاعتبار. وأمَّا في الاصطلاح: فَمَا ذَكَرْناه، وهو: فِكْرٌ يُطْلَبُ به عِلْمٌ أو ظَنٌّ. وتعبيري في النَّظْم بالمُعَرَّف باللام في الثلاثة؛ للسهولة فيه، وإلَّا فلا ينبغي أنْ يُؤْتَى بها كما قررناه في تعريف "الفقه". وهذا التعريف للقاضي أبي بكر. فَـ "الفِكْر" كالجنس، ويُطْلَق على ثلاثة معانٍ: حركة النَّفْس بالقوة التي آلتها مُقَدَّم البطن الأوسط مِن الدماغ إذَا كانت تلك الحركة في المعقولات. فإنْ كانت في المحسوسات، سُمِّيَت "تَخَيُّلًا". والثاني (وهو أَخَص مِن الأول): حركتها مِن المطالب إلى المبادئ، ورجوعها مِن المبادئ إلى المطالب. ويُرْسَم "الفِكْر" بهذا المعنى بِـ "تَرْتيب أمورٍ حاصلة في الذِّهْن؛ لِيُتَوَصَّل بها إلى تحصيل غَيْرِ الحاصل". والثالث: إطلاقه على جُزْء الثاني، وهو الحركة مِن المطالب إلى المبادئ، وإنْ كان الغرض منها الرجوع. وهذا هو الذي يُستعمل بإزائه "الحدْس" كما تَقَدَّم وهو سرعة الانتقال مِن المبادئ إلى المطالب. وقوله: (الذي يُطْلَبُ به عِلْمٌ أو ظَنٌّ) هو "الفِكر" بالمعنى الثاني، فيخرج "الفِكر" بالمعنى الأول والثالث. وعُلِم مِن قوله: (يُطْلَبُ به) أنه متضمن لمبادٍ وأنها [مَعْلُومَة] (١)؛ لأنَّ الطَّلَب مِن

стр. 162

المجهول مُحَال، ومُتضمن لِمَا يَقَع به الطَّلَب وهو ترتيب تلك المبادئ. وهو معنى قولي: (ومِنْهُ مَا مَضَى مِنَ التَّرْتِيبِ) أَيْ: في الكلام على "الدليل" وعلى "المُعَرِّفات"، فإنَّ المطلوب أَعَم مِن أنْ يَكون تَصَوُّرًا أو تصديقًا. وقوله: (عِلْم أو ظن) يدل على عدم حصولهما، وإلَّا لكان تحصيل الحاصِل، وهو معنى قول الحكماء: (إلى تحصيل ما ليس بحاصِل). ويخرج بذلك حديث النفْس الذي لا يؤدي لِعِلْم ولا لِظَن. وهنا أسئلة وشكوك جدواها قليل، فلا حاجة للتطويل بها، والله أعلم. الحُكْم ٧٥ - وَ"الْحُكْمُ" في الشَّرْعِ: خِطَابُ اللهِ ... عُلِّقَ بِالْفِعْلِ بِلَا اشْتِبَاهِ ٧٦ - مِنَ الْمُكَلَّفِ اقْتَضَى أَوْ خَيَّرَا ... وَمَا أَتَى وَضْعًا يَكُونُ خَبَرَا ٧٧ - وَلَيْسَ يَخْتَصُّ بِذِي تَكْلِيفِ ... فَافْطَنْ لِمَا ضُمِّنَ فِي التَّعْرِيفِ الشرح: هذا هو الرابع مِن الأربعة، وهو الثالث مما استُمِدَّ أصول الفقه مِنْه كما سبق. و"الحُكْم" الشرعي الإنشائي: هو خِطاب الله المُتَعَلِّق بِفِعل المُكَلَّف اقْتِضَاءًا أو تَخْيِيرًا. وإنما قلتُ: (الإنشائي) لأنَّ الوضعي سيأتي الخلاف في كَوْنه حُكْمًا أو لَا (لِكَوْنه خَبَرًا)؛ ولذلك لمْ أُقَيِّده في النَّظْم؛ لأنَّ الكلام هنا في الإنشائي، وسيأتي التنبيه على الوضعي. فَـ "خِطَاب" جِنْسٌ، وهو مَصْدَر "خاطَب"، لكن المراد به هنا الكلامُ المخاطَبُ به، لا مَعْنَى المصدر الذي هو توجيه الكلام لِمُخَاطَب.

стр. 163

نَعَم، في تسمية الكلام في الأزَل "خِطَابًا" خِلَافٌ لَمْ يُرَجِّح ابنُ الحاجب منه شيئًا، ورَجَّح القاضي المنع، وجَرَى عليه الآمدي؛ لِعَدَم المخاطَب حينئذ، بِخِلَاف تسميته في الأزَل "أَمْرًا" و"نَهْيًا" ونحوهما؛ لأنَّ مِثْله يَقُوم بِذَات المتكَلِّم بِدُون مَن يتعلق به، كما يُقال في المُوصِي: (أَمَر في وصيته ونَهَى)، ولا يُقال: (خاطَبَ). وعلى هذا فينبغي التعبير بِـ "الكلام " لا بِـ "الخطَاب"، إلَّا أنْ يُراد باعتبار القوة والتهيُّؤ مَجَازًا، وقرينته العِلْمُ بِكَوْن الأزَل لا مُخَاطَب فيه؛ فَتَعَذَّرَت الحقيقة. بل ولو وُجِدَ المُخَاطَب، لا يَحْصُل الخطاب إلَّا بإسماعه ما خُوطِبَ به: - إمَّا بإسماع الخطاب القديم إذَا جَوَّزْنَا ذلك - عَلَى مَعْنَى قوة سمعيَّة يُدْرِكَ بها القديم على الوجه اللائق، وهو قَوْل أهل السُّنَّة، كما في إسماع موسى ﵇. - وإمَّا بإسماع ما يدل على القديم مِن اللفظ، كما في قوله: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦]، ونحو ذلك. نَعَم، قال ابن القشيري في "المرشد": (إنَّ الصحيح وقَوْل الأشعري: إنه يُسَمَّى خِطابًا في الأزَل). وحينئذ فيستقيم التعبير هنا بِـ "الخطاب" قَطْعًا. وخَرَج بإضافة "الخطاب" إلى الله تعالى خطابُ غَيْره، ولا يُعْتَرَض بخطاب الرسول وبخطاب الملائكة عليهم الصلاة والسلام؛ لأنَّ ذاك دالٌّ على خطاب الله . وقولي: (عُلِّقَ بِالْفِعْلِ مِنَ الْمُكَلَّفِ) جُملة حاليَّة خَرَج بالتقييدِ بها: المُتَعَلِّقُ بِذَات الله تعالى (نحو: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: ١٨])، وبِفِعْله (نحو: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢])، وصِفَته (نحو: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥])، وبِغَيْر المكَلَّف مِن الخَلْق (نحو: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ﴾ [الكهف: ٤٧])، وبِذَوَات المكَلَّفين (نحو: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [النساء: ١])، ونحو ذلك. والمراد بِـ "المُتَعَلِّق" الذي مِن شأنه أنْ يتعلق، وإلَّا يَلْزَم أنه قبل التعلق لا يَكون حُكْمًا؛

стр. 164

إذِ التعلق حادث - على المُرَجَّح عند الإمام وأتباعه. وإذَا كان المجاز بقرينةٍ، لا يَضُرُّ وقوعُه في التعريف كما سبق. نَعَم، إذَا قُلنا: (التعلُّق قديم) كما في "المحصول" في باب القياس واختاره الشيخ تقي الدين السبكي، أو قُلنا: (له اعتباران: قَبْل وجود التكليف، وبَعْدَه) كما هو ظاهر كلام الغزالي في "المستصفى" وصَرَّح به في "الوسيط" في مسألة "أنت طالق إن شاء الله"، فلا مَجَاز في التعريف، إلَّا أنْ يُقال: [إنَّ] (١) الحُكْم يتعلق بالفعل قَبْل حصوله؛ لئلَّا يَلْزَم تحصيل الحاصل، وهو في حالة عَدَمه لا يُسَمَّى فِعْلًا إلَّا مَجَازًا باعتبار ما [يؤول] (٢)، أو باعتبار القابلية. وسيأتي إن شاء الله تعالى مسألة تَعَلُّق الحُكْم قَبْل المباشرة. وقد عُلِم بما قَرَّرْناه أنَّ مِثل ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] و ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] لا بُدَّ فيه مِن تقدير فِعْل، والحنفية وإنْ عَلَّقوا في ذلك الحُكم بِذَوات الأمهات وذات الميتة - ونحو ذلك - فليس مرادهم إلَّا وصف العين بالتحريم مع مراعاة الفعل، لا مَعَ قَطْع النظر عنه أصلًا، وكذا سائر الأحكام. والمراد بِـ "فِعْل المكلَّف": الأَعَم مِن القول والاعتقاد؛ ليدخل عقائد الدِّين والنيَّات في العبادات و [القصود] (٣) عند اعتبارها، ونحو ذلك. وقولي: (المُكَلَّف) بالإفراد، ولَمْ أَقُلْ كالبيضاوي وغَيْره: (المُكَلَّفِين)؛ لِيَشْمَل ما تَعَلَّق بِفِعل الواحد، كخصائص النبي ﷺ ، وكالحكم بشهادة خزيمة (٤)، وإجزاء العناق في

стр. 165

الأضحية لأبي بُردة (١) (لكن قد ثَبَت ذلك لِغَيْره، كزيد بن خالد الجهني وعقبة بن عامر الجهني)، وشِبْه ذلك. والمراد بِـ "المُكَلَّف": البالغ العاقل الذاكِر، غَيْر المُلْجَأ (كما سيأتي إيضاحه)، لا مَن تَعَلَّق به التكليفُ، وإلَّا لَزِمَ الدَّوْرُ؛ إذ لا يَكون مُكَلَّفًا حتى يتعلق به التكليف، ولا يتعلق التكليف إلا بمكلَّف. نَعَم، لنا خِلَافٌ في أنَّ الصبي المأمور بالصلاة والصوم - ونحوهما - مِن الوَلِي هل يَصِير بذلك مأمورًا مِن الشرع أيضًا؟ أو لا؟ إنْ قُلنا: (نَعَم)، فيشكل التعبير بِـ "المكلَّف"، وإنما ينبغي أنْ يُعَبَّر بما يشمل الصبي، لكن الظاهر المنع، وما يُحْكَم به مِن صحة عباداته والثواب عليها فَمِن خطاب الوضع كما سيأتي. [وقولي: (مِنَ الْمُكَلَّفِ) حالٌ مِن قولي: (بالفعل) أو صفة له؛ لأنَّ المُحَلَّى بِلام الجنس يجوز في الظرف بَعده الوجهان] (٢). وقولي: (اقْتَضَى أَوْ خَيَّرَا) حال، والتقييد بها هو آخِر قيود التعريف لِلْحُكْم، فيخرج به ما تَعَلَّق بِفِعل المكلَّف على جهة الإخبار، نحو: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦]، فإنه إخبار بِخَلْق العمل، لا إنشاء مُتَعَلِّق بالعمل اقتضاءًا أو تخييرًا؛ لأنَّ "الاقتضاء" هو الطلب للفعل (جَزْمًا أو غَير جَزْم)، أو التَّرْك (جَزْمًا أو غَيْر جَزْم) بِنَهْي مقصود أو غَيْره، و"التخيير" هو الإباحة؛ فتدخل الأحكام كلها كما سيأتي إيضاح ذلك. نَعَم، في كَوْن الإباحة حُكْمًا شرعيًّا خِلَافٌ. فإنْ قُلْنَا بالمنع، فلا حاجة لقولنا: (أو تخيير).

стр. 166

لكن الصحيح فيها أنها حُكْم شرعي. ومنهم مَن يُعَبِّر عن هذا القيد بقوله: (على [جهة] (١) الإنشاء)؛ ليتخلَّص مِن وقوع "أو" في التعريف؛ لأنها لِأَحَد الشيئين، وذلك مُنَافٍ للبيان، لكن "أو" هنا إنما هي للتقسيم، فلا تَرْدِيد، بل [يرجح] (٢) التعبير بهذا؛ لإفادته تنوع الحكم وسلامته مِن إيهام لفظ "الإنشاء"؛ لأنَّ له معاني لا يُدْرَى ما المراد منها. وهذا أحسن أيضًا مِن تعبيره في "جَمْع الجوامع" بقوله: (مِن حيث إنه مكلَّف)؛ لأنها حيثية مجهولة. نَعَم، هو أراد أنْ يُدْخِل في التعريف خطاب الوضع الآتي بيانه؛ تفريعًا على أنه حُكم شرعي، لكن أُورِدَ عليه أنه غَيْر جامع؛ لخروج الندبِ والإباحةِ وخِلَافِ الأَوْلَى؛ فإنه لا تكليف فيها، وتَعَلُّق الحُكم بصلاة الصبي وصومه وسائر عباداته حتى إنه يُثاب عليها. وأجاب في "منع الموانع" بأنه لَمْ يَقُل: (مِن حيث إنه مكلَّف به) حتى يَرِدَ، أَيْ: ومسألة الصبي مِن خطاب الوضع، وهو داخل على مختاره. قلتُ: لكن هو مُكَلَّف بالندب والإباحة ونحوهما - على معنى الاعتقاد لِنَدْبِيَّتها و [إباحتها] (٣)؛ فَيَكون هذا جوابًا آخَر عنه، لكنه مُشْكل مِن حيث إنَّ المكلَّف إذَا كان المراد به هنا مَن تَعَلَّق به التكليف، يَلْزَم الدَّوْر كما سبق، ولا يقال: إنه أراد [ما] (٤) سبق مِن القابِل لِتَعَلُّق التكليف؛ لأنه جعل القَيْد مِن حيثية التكليف، أَيْ مِن جهة تَعَلُّقه، فَتَأَمَّله. [والضمير في قولي: (اقْتَضَى أَوْ خَيَّرَا) إما أنْ يعود على الخطاب مجازًا شائع الاستعمال، وإلَّا فالحقيقة في الطالب والمُخَيِّر هو المخاطِب لا الخطاب، ويحتمل - وهو الأحسن - أنْ

стр. 167

يُعاد على الله تعالى في قولي: (خِطَابُ اللهِ)] (١). وقولي: (وَمَا أَتَى وَضْعًا) هو إشارة إلى بيان خطاب الوضع، والضمير في "أَتَى" للخطاب، أَيْ: وَمَا أَتَى مِن الخطاب لا اقتضاءًا ولا تخييرًا، وإنما وَرَدَ بِجَعْلِ شيءٍ سَبَبًا لِشَيءٍ (كدلوك الشمس لِوجوب الصلاة)، أو شَرْطًا له (كالطهارة للصلاة)، أو مانعًا له (كالنجاسة لإفساد الصلاة أو البيع)، أو لِكَوْنه صحيحًا أو فاسدًا - كما سيأتي شرحُ هذه الأقسام. فهذا في الحقيقة خَبَرٌ عن تَرَتُّب آثارها عليها، لا إنشاء، فَعَلَى هذا لا يُسَمَّى "حُكْمًا" إلَّا مَجَازًا. وَقِيل: بل هو حُكْم شرعي؛ لأنه لَمْ يُعْلَم إلَّا بِوَضْع الشرع، فكأنَّ الشارع أنشأه؛ وعَلَى هذا فلا يستقيم تعريفُ الحكم حتى يُزاد فيه فيقال: (اقتضاءًا، أو تخييرًا، أو [وَضْعًا]) (٢). وإليه أشار ابن الحاجب بقوله: (فَزِيدَ "أو الوضع"؛ فاستقام). وقِيلَ: هو داخِل تحت الاقتضاء والتخيير؛ لأنه لا مَعْنى لِكَوْن الدلوك سَبَبًا إلَّا وجوب الصلاة، ولا لِكَوْن الطهارة شَرْطًا إلَّا إباحة الإقدام عند وجودها، ولا [لِصحة] (٣) البيع إلَّا إباحة الانتفاع، ونحو ذلك. فهو داخل بالاستلزام باعتبار المعنى المقصود منه، لا أنه منهما حقيقةً، وليس تحت هذا [الخلاف] (٤) كبيرُ فائدة. وعَلَى كل تقدير فَخطاب الوضع يتعلق بفعل المكلَّف وغير المكلَّف، وهو معنى قولي: (وَلَيْسَ يَخْتَصُّ بِذِي تَكْلِيفِ)؛ ولهذا تجب عندنا الزكاة في مال الصبي والمجنون، والوَلِي

стр. 168

مُخَاطَبٌ بالإخراج خطاب تكليف، وكذلك ضمان مُتْلفهما ونحوهما كالنائم، ومنه أيضًا كما سبق صحة صلاة الصبي وصومه وحجِّه وسائر عباداته وإثابته عليها. وسيأتي لذلك مَزِيدُ بيان. فإنْ قُلْتَ: هل يقال في مِثل ذلك: (إنه وَجَب على غَيْر المكلَّف) أو: (وَجَبَ في مالِه)؟ قلتُ: حكى المتولي وغيره من أصحابنا أنه لا يقال: (وَجَب على الصبي والمجنون الزكاة) مَثَلًا، وإنما يقال: (يَجِب في مالهما). ولَمْ يَمتنع قَوْمٌ من إطلاق ذلك، لا على معنى تكليفهما، بل على معنى تكليف مَن يَقُوم مقامهما عنهما فيه، وهو ما صححه القاضي حسين والروياني حتى قال: إنَّ الأول غَلَط. ولكن الذي يظهر رجحانُ الأول؛ لأنه الحقيقة، وهذا مجاز بتأويل. وقولي: (فَافْطَنْ لِمَا ضُمِّنَ فِي التَّعْرِيفِ) أَيْ: تَفَطَّن لِكُل قَيْدٍ ذُكِرَ في تعريف "الحُكْم"، فإنه تخرج منه مسائل الفصل كلها كما ستراها، وبه ينضبط ارتباط المسائل و [مناسباتُ] (١) وَضْعها، [ولا] (٢) تنتشر ولا تختلط. وهو بِكَسْر الطاء وفتحها؛ لأنَّ ماضيه "فَطنَ" بالفتح والكسر، فَعَلَى الفتح في الماضي يجيء الكسر في المضارع، وبالعكس، والله أعلم. ص: ٧٨ - مِن ذَاكَ مَا يُعْلَمُ أنَّ العَقْلَ ... لَيْسَ بِحُكْمٍ يَسْتَقِلُّ أَصْلَا ٧٩ - إذْ لَيْسَ مُدْرِكًا لِمَا فِي الْفِعْلِ ... مِنْ حُسْنٍ اوْ قُبْحٍ بِدُونِ نَقْلِ ٨٠ - مِنْ حَيْثُ مَا يُمْدَحُ أَوْ يُذَمُّ ... لَكِنْ بِمَعْنَى "وَفْقِ طَبْعٍ" يَسْمُو

стр. 169

٨١ - أَوْ "صِفَةِ الْكَمَالِ" أَوْ ضِدِّهِمَا ... فَالشُّكْرُ وَاجِبٌ لِمَنْ قَدْ أَنْعَمَا ٨٢ - بِالشَّرْعِ، ثُمَّ لَيْسَ حُكْمٌ قَبْلَهُ ... وَخَالَفَ الْمُعْتَزِلِيُّ كُلَّهُ الشرح: هذا الذي يخرج بأول قَيْد مِن تعريف الحُكم، وهو إضافة الخطاب لله تعالى؛ فَيُعْلَم مِنه أنه لا حُكْم للعقل، أَيْ: ليس له استقلال بِحُكم مِن أحكام الشرع أصْلًا، خِلَافًا للمعتزلة بَنَوْهُ على قاعدتهم الفاسدة أنَّ العقل له إدراكُ حُسْن الفعل وقُبْحه، إمَّا باعتبار ذاته أو صفةٍ فيه أو بوجوهٍ واعتبارات يظهَر للعقل بها حُسْن الفعل أو قُبْحه - على خِلَافٍ عندهم في ذلك، وقَسَّموا الحكم باعتبار إدراك العقل إلى أقسامه المشهورة. فقال بعضهم: إنَّ الفعل الاختياري إمَّا أنْ يشتمل على مَفْسَدة أو مصلحة أَوْ لَا [وَلَا] (١). فالأول: إنْ كانت في جانِب: - التَّرْك، فواجبٌ. - أو الفعل، فَحَرامٌ. والثاني: إمَّا في جانب: - الفعل، فمندوب. - أو التَّرْك، فمكروه. والثالث: المباحُ. وما تَحَيَّر العقل فيه فَلَمْ يُدْرِك شيئًا - فيه ثلاثة أقوال عندهم: الحَظْر احتياطًا،

стр. 170

والإباحة [بالأصالة] (١)، والوقْف؛ للتعارُض. ولبعضهم عبارة أخرى في التقسيم، هذه أَجْوَد منها. ومَذْهَب أهْل السُّنَّة أنَّ إدراك المصلحة والمفسدة في الفعل (المُؤْذِنَة بِحُسْنه وقُبْحه) إنما تُتَلَقَّى مِن الشرع؛ لأنَّ الله تعالى هو الحاكم بما يشاء، الفعَّال لِمَا يريد. وقولي: (مِنْ حَيْثُ مَا يُمْدَحُ أَوْ يُذَمُّ) أَيْ: الحُسْن والقُبْح الذي يمتنع إدراك العقل له - على قَوْل أهل السُّنة - إنما هو مِن حيث تَرَتُّب المدح في الحال [والثواب في الآجِل، والذم في الحال] (٢) والعقاب في الآجِل. أمَّا إذَا فُسِّر "الحُسْن" بملائمة الطَّبْع و"القُبْح" بمنافرته (كإنقاذ الغريق واتهام البريء)، أو باعتبار الكمال والنقص (كَحُسْن العِلم وقُبْح الجهل) فالعقلُ مستقِلٌّ بإدراكهما بِهَذَيْن الاعتبارَيْن اتفاقًا. ومنهم مَن يَرُدُّ هذين الاعتبارين لِمَعْنى واحدٍ وهو اللذة والألم. واعْلَم أنَّ لازِم قَوْل المعتزلة باستقلال العقل بإدراك ترَتُّب المدح والذم أنَّ العقلَ هو الحاكمُ، والشرعَ تَبَعٌ له؛ فلذلك قلتُ: إنَّ كَوْن الحاكم العقل عندهم مَبْنِيٌّ على قاعدة التحسين والتقبيح. وإنما قالوا: إنَّ الشرع تاجٌ له؛ لأنه لو لَمْ يوافقه، لَكان ظُلْمًا، وهو نَقْصٌ مُحَال على الله تعالى. ولَنَا: أنَّ المالِك يتصرف في ملكه كيف شاء، لا يُسْأَل عَمَّا يَفْعل. ومِن العلماء مَن قال: إنَّ الشرعَ هو الحاكمُ اتفاقًا مِنَّا ومنهم، وإنما الخلاف في أنَّ العقل هل يُدرِك ما حَكَم به الشرعُ؟ أَوْ لَا؟ لكن مَن يقول بأنه يُدرِك إنما هو لأجل أنَّ الشرع لا

стр. 171

يخرج عن حُكْم العقل، فبذلك يُعْلَم حُكمه، [فيرجع] (١) إلى أنَّ العقل هو الحاكم؛ لأنَّ الشرع (٢) يوافقه ولا يخالفه؛ فَيَكُون مؤكِّدًا له ومُقَرِّرًا لِحُكْمه، فهو الأول بِعَيْنه. نَعَم، للمعتزلة مذهبٌ آخَر: أنَّ العقل يُدْرِك المدحَ والذمَّ في الحال، ولا يُدْرِك الثواب والعقاب في الآجِل، فاقتصر عليه كثيرٌ مِن النَّقَلة، وقوَّاه بَعْضُهم. وقولي: (فَالشُّكْرُ وَاجِبٌ) إلى آخِره - تَضَمَّن فَرْعَيْن على هذه القاعدة، جَرَت عادة الأصوليين بإفرادهما بِالذِّكْر ورَدِّهما؛ لِمَا يَخُصُّهما مِن وجوه الفساد زيادةً على فساد القاعدة؛ فلذلك عَقَّبتهما بالفاء؛ للترتيب، وإنما يَحْسُن إفرادهما ممن يَذكُر أدلة المسائل، أمَّا مَن يقتصر على مُجَرَّد الحُكم فلا فائدة في إفرادهما بِالذِّكْر إلَّا لِغَرضِ قَصْدِ التصريح بهما أو نحو ذلك كما فعل ذلك في "جمع الجوامع"، فاتَّبعتُه فيه: الأول: شُكْرُ المُنعِم واجب بالشرع، لا بالعقل؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. ولو وَجَب عَقْلًا، لَعُذِّبَ تارِكُه وإنْ لَمْ يَرِد شَرْعٌ. الثاني: أنه لا حُكْم قَبْل الشرع، بل الأَمْر موقوف إلى وُرُودِه؛ للآية السابقة. كذا عَبَّر به القاضي في "مختصر التقريب" عن أهل الحق، أَيْ: إنَّ الحكم مَنْفِيٌّ، والتوقُّف إنما هو عن ثبوته حتى يَجِيء الشرعُ بإثباته، وليس المراد أنَّ هناك حُكْمًا ولكن لا نَعْلَمه فَيَكُون التوقُّف عن العِلْم به كما زعم ذلك الإمام في "المحصول" في تفسير الوقْف المنقول عن الأشعري، وكذا البيضاويُّ بَعْد أنْ نَسَب الذي قَبْله للإمام، ولكنه وَهْمٌ مِنه على الإمام. وبالجملة فالصواب الأول، وهو نَفْي الحكم كما قاله إمامُ الحرمين في "البرهان"

стр. 172

والغزاليُّ وابنُ السمعاني وغيرُهم. وقال النووي في "شرح المهذب": (إنه الصحيح عند أصحابنا) (١)؛ إذِ المراد بِنَفْي الحكم إنما هو نَفْي التعلق، والتعلق حادث كما سبق؛ فلا محذور، فاعْلَمه. وقيل: بل [المَنْفِي العِلم] (٢)؛ لأنَّ الأشعري يقول بالتكليف بالمُحَال. وفيه نَظَر؛ لأَنَّه مِن تكليف المُحَال؛ لأنه جاهل بذلك. أمَّا بَعْد وُرُود الشرع في صورة لا يوجد فيها حُكْمٌ في الشرع أصْلًا ففيها ثلاثة أقوال: - الحظْرُ؛ لقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٤] الآية، [يدلُّ] (٣) على أنَّ التحريم كان سابقًا. - والإباحة؛ لقوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]. - والوَقْف؛ لِتَعَارُض الدليلين. وقولي: (قَبْلَهُ) الضمير فيه عائد إلى الشرع. وقولي: (وَخَالَفَ الْمُعْتَزِلِيُّ كُلَّهُ) أَيْ: القاعدة وأصْلها وما تَفَرَّع منها مِمَّا بَيَّنَّاه، فاللام في "المعتزلي" للجنس. وذكرتُ الخلاف هنا وإنْ كان موضوعُ هذا النَّظْم تجريده مِن الخلاف والدليل؛ لِمَا ذَكرْتُ أنَّ المراد أنِّي لا أَلْتَزِمُ فيه ذلك، وليس مُرادي التزام أنْ لا أَذْكُره، فَقَدْ أذكره تبرعًا، وسيأتي في الكتاب مواضع مِن ذلك أُنَبِّه عليها إن شاء الله تعالى، والله أعلم.

стр. 173

ص: ٨٣ - وَمِن تَعَلُّقِ الْخِطَابِ في الْأَزَلْ ... يُعْلَمُ أنَّ كُلَّ مَعْدُومٍ دَخَلْ ٨٤ - لَكِنْ عَلَى "مَعْنَى": إذَا يُؤَهَّلُ ... يَكُونُ بِالْحُكْمِ الْقَدِيمِ يَفْعَلُ الشرح: أيْ: ومما يُعْلَم مِن هذا القَيْد أيضًا (وهو إضافة الخطاب لله تعالى المقتضية لِكَوْن الحُكم قديمًا؛ لأنَّ خِطابَه تعالى كلامُه، وهو قديم على مذهب أهل السُّنة في أنه صفة قديمة قائمة به وهي الكلامُ النفساني (١)، خِلَافًا لِمَن زعم أنَّ كلامه حَرْفٌ وصوتٌ قائمان به فَيَكونان قديمين كما يُنْقَل ذلك عن الحنابلة، وخِلَافًا لِمَن قال: إنَّ كلامه حَرْفٌ وصوتٌ [لا قائمان] (٢) به، بل حادثان يخلقُهما فيما شاء مِن شجر ونحوه كما هو مذهب المعتزلة (٣)، [قالوا: كما كلم موسى كذلك] (٤). وفسادُ المذهبين ظاهرٌ؛ لأنَّ الحادث لا يَقُوم بالقديم، ولا يُوصَف أَحَد بما لَمْ يَقُم به) أنَّ خطاب المعدوم جائز (٥)؛ لأنه إذَا ثَبتَ الكلام النفساني وقِدَمُه (خِلَافًا للطائفتين) وَثَبتَ أنَّه مُتَعَلِّق بأفعال المكلَّفين وهُم معدومون في الأزَل، ثَبتَ أنَّ المعدوم داخِلٌ في الحكم، وأنه محكوم عليه بالأحكام كُلها في القِدَم لا عَلَى معنى أنه مخاطَبٌ بأنْ يأتي بها في حال عَدَمه (لأنه ظاهر الفساد)، وإنما المراد أنه إذَا وُجِدَ وَوُجِدَتْ فيه أَهْلِيَّة

стр. 174

التكليف، يَكُون محكومًا عليه مَأْمُورًا بأنْ يَمْتَثِل بالحُكم القديم الذي تَعَلَّق به [قُبيل] (١) وجوده، لا بِأَمْرٍ آخَر مُتَجَدِّد؛ لأنَّ تَجَدُّد القديم مُحَالٌ، والمتجدد إنما هو الدال على القديم. قال الشيخ تقي الدين السبكي: (وأَقْرَبُ مثالٍ لذلك "الوكالة"، فإنَّ تعليقها باطل على المذهب. فإذَا نجّزها وعَلَّق التصرف عَلَى شَرْطٍ، جاز، وهو الآن وكيل وكالة منجّزة، ولكن لا يتصرف إلَّا على مقتضاها وهو وجدان الشرط) (٢). ولَمَّا كانت المعتزلة تُنكِر كلام النفْس مَنَعُوا تَعَلُّق الحُكم بالمعدوم، وحينئذ فيتخَرَّج عَلَى هذا الخلاف الحكم على أطفال المؤمنين بالإيمان وعلى أطفال الكفار بالكفر حتى يجوز سَبْي هؤلاء ودخولهم في الرق. ومنهم مَن قال: إنه حُكم على موجود في العِلم، فليس معدومًا على الإطلاق، بخلاف مَن عَلِم الله أنه لا يوجد. وأمَّا قَوْل المعتزلة: (يؤدِّي ذلك إلى أمرٍ ونهيٍ ولا مأمورَ ولا مَنْهِيَّ، وهو عَبَث) فَمَبْنِي على قاعدة التحسين والتقبيح العقليين وهي باطلة، عَلَى أنَّ كثيرًا مِن الطوائف وافق المعتزلة في منع تَعَلُّق الحكم بالمعدوم كما هو ظاهر كلام الإمام في "البرهان"؛ ولهذا قال الصفي الهندي: (خِلَافًا للمعتزلة وأكثر الطوائف) (٣). نَعَم، نَصَر الإمامُ مذهبَ الأشعري في "الشامل". واعْلَم أنَّ بِناء هذه المسألة على الأصل السابق وهو أنَّ كلام الله في الأزل هل يُسَمَّى خِطابًا؟ أوْ لَا؟ وقد سبق بيانه.

стр. 175

وذهب عبد الله بن سعيد والقلانسي (مِن أصحابنا) إلى أنه لا يُسَمَّى في الأزل أمرًا ولا نَهْيًا ولا خَبَرًا حتى يوجد المأمور والمنهي والمُخْبَرُ؛ تَعَلُّقًا بهذه الشبهة. ولكن جوابها أنه يَلْزَم مِن رفع جزئيات الكلام النفساني كلها رَفْعُه؛ إذْ لا يوجَد إلَّا في ضمنها، وَهُم لا يُثْبِتونه؛ فَوَجَب الحكم بأنه في الأزل أمرٌ ونهي وخَبَر وغيرها. تنبيه: قِيل: قد تستشكل هذه المسألة مع ما سيأتي مِن أنَّ الغافل غَيْر مكلَّف؛ لأنَّ مُقْتَضَى ما هنا أنْ يَكون الغافل داخِلًا في الخطاب لا على معنى أنْ يَفعل في حال غَفْلته، بل إذَا تَذَكَّر يَفْعَل بِالأمر السابق، بل الغافل أَوْلَى؛ لأنه موجود، فَمَا الفَرْق؟ فإنِ التُزِم أنَّ الغافل مأمور بَعْدَ تَذَكُره بالأَمْر الوارِد حال غَفْلَته فَيَكُونان سواء، فَيُقال: فَلِمَ أفردت هذه المسألة عن تلك؟ ! قلتُ: المُمْتَنِع تكليف الغافل على معنى المباشرة حال الغفلة أو ثبوته في الذمة حتى تزول الغفلة، وأمَّا تَعَلُّق الحكم بالمعدوم فَعَلَى ما سبق تقريره أنْ يُعَلَّق به في الأزَل بالقوة حتى يتأهل فَيَتَعَلَّق به حِسًّا، والغافل وغَيْره في ذلك سواء، فإنَّ التعَلُّق مُسْتَصحَب حتى تَزُول غفلته ويَصِير أهْلًا. فإنْ أُرِيدَ [في الغافل] (١) أنْ يتعلق به تَعَلُّقًا جديدًا بهذا الوجه، فلا فائدة فيه. وإنْ أُرِيدَ بالتعلق به أنْ يَفْعَله حال غفلته، فَمُحال؛ فافترقت المسألتان، والله أعلم.

стр. 176

ص: ٨٥ - نَعَمْ، لَهُ تَعَلُّقٌ بِالْفِعْلِ ... بَعْدَ وُجُودِ مُقْتَضِيهِ الْأَصْلِي ٨٦ - مِنْ قَبْلِ أَنْ يُبَاشِرَ الْفِعْلَ إلَى ... فَرَاغِهِ، وَالْفِعْلُ نَقْلًا شَمِلَا الشرح: مما يتعلق بالمسألة السابقة وهي تَعَلُّق الحُكم بالمعدوم: تَعَلُّقه بالفعل المعدوم مِن الفاعل الموجود بعد وجود سببه المُقْتَضِي له، كدخول الوقت (مَثَلًا) للصلاة. وهذه المسألة مِن أشكل مسائل أصول الفقه؛ لِمَا فيها مِن اضطراب [المنقول] (١) وغموض المعقول، وهي في الحقيقة دخِيلَة فيه، وإنما هي مِن عظائم مسائل الكلام، وهي قليلة الجدْوَى في الفقه، وإنما ذَكَرتُها لِمُناسبتها لِمَا قَبْلها، كالاستطراد. ومُلَخَّصُ ما فيها مذاهب لِأَهل السُّنة والمعتزلة، نذكرها مختصرة. أحدها: مما ذكرناه في النَّظْم، وهو تَعَلُّق الأمر بالفعل قَبْل المباشرة له، واستمراره إلى فراغه، وعلى ذلك قولان: أحدهما: أنَّ التعلق الذي قَبْل المباشرة على معنى الاقتضاء والترغيب، والتعلق حال حدوث الفعل على معنى الطاعة لا الاقتضاء؛ لأنَّ المقصود فيه محققٌ. نقله القاضي (كما في تلخيص الإمام) عن مُحَقِّقي أهل السُّنة، ونقله ابن الحاجب عن الأشعري، وضَعَّفه بما هو مَردود عند المحققين. والثاني (ونَقَله أيضًا القاضي عن بعض مَن ينتمي إلى أهل الحق): أنه قَبْل الفعل أَمْر

стр. 177

إنذار وإعلام، وعند [الحدوث] (١) اقتضاء و [إلزام] (٢). وجَرَى على هذا القولِ الإمامُ وأتباعُه، ولَمْ يُعَرِّجُوا على ما قَبْله. نَعَم، ضَعَّفه إمام الحرمين في "البرهان" بَعْد أنْ نَقَله عن أصحاب الشيخ بما معناه أنه يَلْزَم مِنْه تحصيل الحاصل، وأنه لا يرتضيه لِنَفْسه عاقِل. المذهب الثاني: وحكاه القاضي عن القدرية (أَيْ المعتزلة)، أنَّ التعلق قَبْل الحدوث وينقطع عند الحدوث، ثم اختلفوا في مقدار زَمَن التقدم، فَقِيل: بِوَقتٍ واحد. والأكثرُ: بأوقات. ثم اختلف هؤلاء: هل يشترط اجتماع شرائط التكليف في كل الأوقات؟ أو عند حدوث الفعل؟ وأمَّا قَبْله فالشرط كَوْنُ المخاطَب ممن يَفهم الخطاب. ثم اختلفوا مِن وجْهٍ آخَر: هل يشترط أنْ يَكون فيما قَبْل الفعل بأوقات لطف ومصلحة [زائدٌ ذلك] (٣) على التبليغ مِن المبلغ والقبول مِن المخاطَب؟ أوْ لَا؟ هذا معنى كلام القاضي، وهو أَثبت منقول. واختار الإمامُ في "البرهان" مذهبَ المعتزلة أنَّ الأمرَ قَبْل الحدوث، لا بَعْدَه. وقال الآمدي: (اتفق الناس على جواز التكليف بالفعل قبل حدوثه، سوى شذوذ مِن أصحابنا، وعلى امتناعه بَعْد حدوث الفعل. واختلفوا في جواز تَعَلُّقه في أول زمان حدوثه، فَأَثْبَته أصحابنا ونفاه المعتزلة) (٤).

стр. 178

وتَبعه ابنُ الحاجب إلَّا أنه نَسَبَ القول بِعَدَم انقطاع التكليف حال حدوث الفعل إلى الشيخ الأشعري، والشيخُ لَمْ يَنُص عليه، إنما تُلُقِّيَ مِن قضايا مذهبه، ولا يَخْفَى ما في نَقْلَيهما مِن المخالفة لِلنقول السابقة عند التأمل. وذكر صاحب "جمع الجوامع" (١) أنَّ التحقيق أنَّه لَمْ يَتَعَلَّق إلَّا عند المباشَرة، وأنَّ المَلَام قَبْلها على التَّلَبُّس بالكَفِّ [المَنْهِي] (٢). واستصوبه بَعْضهم. قلتُ: وهو عجيب، فإنَّ النهي عن الضِّد فَرْعُ تَعَلُّق الأمر، فإذَا لَمْ يَتَعَلَّق - عَلَى قَوْله - فَكيف يُلام على التلَبُّس بالكفِّ المَنْهِي؟ ! وقد اجتمعت هذه النقول المتفرقة والأقوال المنتشرة بما قررناه، وقد بسطتها في "إيضاح الفصول مِن منهاج الأصول" بما يَتَعَيَّن على مُرِيده الوقوفُ عليه. وفيما أَوْرَدته هنا كفاية في غَرض هذه المنظومة، والله تعالى أعلم. وقولي: (وَالْفِعْلُ نَقْلًا شَملَا) تَتِمَّتُه ما بَعْدَه، وهو: ص: ٨٧ - لِلتَّرْكِ؛ فَهْوَ أَنْ يَكُفَّ نَفْسَهُ ... فَكَانَ مَطْلُوبًا بِنَهْيٍ مَسَّهُ الشرح: أَيْ: قولنا في تعريف "الحُكم": (المتعلِّق بِفِعل المكلَّف) يَدخُل في الفعلِ "التَّرْكُ"؛ لأنه كَفُّ النفْس، وحينئذ فيتعلق به النهي عَلَى مَعْنَى [أنه] (٣) المطلوب إيجاده، وكذا الأمر بِالكَف ونحوه هو المطلوب فيه، نحو: "اتْرُك" و"امْسِك" وما أشبه ذلك كما

стр. 179

أَشَرْتُ إليه في البيت الآتي بَعْد ذلك بِقَوْلي: (أَوْ مَا بِمَعْنَاه) عَطْفًا على المجرور وهو "بِنَهْيٍ"، أَيْ: ما بِمَعْنَى النَّهي. وهذا أصح المذاهب في المسألة عند ابن الحاجب وغَيْره. وثانيها (ويُنْسَب للجمهور): أنَّ المكلَّف به في النهي ونحوه فِعْل الضِد للمنهي عنه. فإذَا قال: (لا تتحرك)، فمعناه: افْعَل ما يُضاد الحركة. وثالثها (عن أبي هاشم أيضًا): انتفاء الفعل، أَيْ: عدم الحركة في مثالنا، لكن العدَم لا يدخُل تحت القدرة. فإنْ أراد الإعدام، رجع للقول الأول. ورابعها (وهو ظاهر كلام "المستصفى"): إنْ كان مُجَرَّد التَّرْك مقصودًا من غير ملاحظة ضِدٍّ، فهو المكلَّف به، كالصوم؛ فلذلك وَجَبَت فيه النيَّة. وإنْ كان الملاحَظُ فيه إيقاع [الضِدِّ] (١)، فهو المكلَّف به، كالزنا والشرب. وخامسها: ما في "الدلائل والأعلام" (٢) لأبي بكر الصيرفي: أنَّ الواجبَ في المنهياتِ (إذَا ذَكَرها) اعتقادُ تحريمها وهو على أول الحال من الاعتقاد. وسادسها: الكَفُّ بِشَرْط قَصْدِ التَّرْك، حتى يَأْثَم إذَا لَمْ يَقْصد التَّرْك. وهو غريب، نقله [ابن] (٣) تيمية في "مسودة الأصول" (٤). وقولي: (شَمِلَ) هو بِكَسر الميم، وفيه لُغة بالفتح، واللام في "لِلتَّرْك" زائدة؛ لأنه يتعدى

стр. 180

بنفسه. والضمير في "فكَانَ مَطْلُوبًا" يَعُود على "التَّرْك"، والله أعلم. ص: ٨٨ - أَوْ مَا بِمَعْنَاهُ، وَكُلُّ فِعْلِ ... قَدْ عُلِّقَ الْحُكْمُ بِهِ في الْأَصْلِ ٨٩ - يَعُمُّ مَا كانَ مُحَالًا أَنْ يَقَعْ ... لِعِلْمِ رَبِّنا بِأَنَّهُ امْتَنَعْ ٩٠ - كَأَمْرِهِ لِكَافِرٍ أَنْ يُؤْمِنَ ... مَعْ عِلْمِهِ بِكُفْرِهِ إلَى الْفَنَا ٩١ - كَذَاكَ مَا مُحَالُهُ لِلْعَادَهْ ... كَحَمْلِهِ لِجَبَلٍ مَا اعْتَادَهْ ٩٢ - وَمَا مُحَالُهُ لِذَاتِهِ كَذَا ... كَجَمْعِهِ الضِّدَّيْنِ، لَكِنْ نُبِذَا ٩٣ - وُقُوعُ ذَيْنِ دُونَ مَا تَقَدَّمَا ... وَالسِّرُّ الِابْتِلَاءُ حَيْثُ حُكِمَا الشرح: قولي: (أَوْ مَا بِمَعْنَاهُ) راجِعٌ إلى ما سَبَق كما بَيَّنَّاه. وقولي: (وَكُلُّ فِعْلٍ) إلى آخِره - إشارة إلى أنَّ مما يدخل أيضًا تحت الفعل (في قولي في التعريف بالفعل) ما وقوعه في الوجود مُحَال، ويُعَبَّر عن هذه المسألة بأنَّ التكليف بِالمُحَال أو بما لا يُطَاق هل يجوز؟ وتحريرُها أنَّ المُحال على ثلاثة أقسام: - المُحال لِتَعَلُّق عِلْمِ الله تعالى بأنه لا يقع؛ إذْ لو وقع خِلَاف معلومه، لَزِمَ انتفاءُ عِلْمه أو عِلْمُه بالشيء على خِلَاف ما هو عليه، وهو مُحَال. - والمُحال باعتبار العادة، كَصُعُود السماء ورَفْع الجبل أو الصخرة العظيمة التي لا يُعْتَاد رَفْعُها. - والمُحال لِذَاته، كالجَمْع بَيْن الضِّدَّيْن، وهو المستحيل العقلي. فالأول جائِزٌ وواقِعٌ قَطْعًا، وربما عُبِّر عنه بِـ "المستحيل العقلي"؛ لأنَّ جِهَة استحالته تؤول إلى أَمْرٍ عَقْلي، ولكنه خِلَاف المصطلَح.
следующие страницы →