← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 32476

الفوائد السنية في شرح الألفية

شمس الدين البرماوي

Полный текст (2 306 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

رَزَقْنَاكُمْ﴾ [طه: ٨١]. قال: (فهذا وإنْ كان فيه معنى الإباحة فإن الظاهر تذكير النعمة) (١). انتهى ويشبه أن يندرج هذا في قسم الامتنان كما سبق تقريره. ومنها: الاحتقار، كقوله تعالى حكاية عن موسى ﵇ يخاطب السحرة: ﴿أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٨٠)﴾ [يونس: ٨٠] إذ أَمْرُهم في مقابلة المعجزة حقير، وهو مما أورده البيضاوي. قيل: والفرق بينه وبين "الإهانة" أنها إما بِقَول أو فعل أو تقرير، كترك إجابته أو نحو ذلك، لا بمجرد اعتقاد. و"الاحتقار" قد يكون بمجرد الاعتقاد؛ فلهذا يقال في مثل ذلك: احتقَره، ولا يقال: أَهانهُ. ولكن جواب ذلك أن المراد بالإهانة: اعتقاد كونه هينًا، سواء انضم إليه ما يُنكيه من قول أو فعل أو ترك أو لا، فهُما سواء. ألا ترى أن نحو: ﴿ذُقْ﴾ من الاستهزاء به إنما نشأ من حقارته عند المتكلِّم؟ ومنها: الوعد، كقوله تعالى: ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠)﴾ [فصلت: ٣٠]. وقد يقال بدخول ذلك في الامتنان؛ فإنَّ بُشرى العبد مِنَّة عليه. ومنها: الوعيد، نحو: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] ولكن هذا من التهديد، بل قال بعضهم: إن التهديد أَبلغ من الوعيد. ومنها: الاحتياط. ذكره القفال ومَثَّله بقوله ﷺ : "فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا" (٢)، بدليل "فإنه لا يدري". وهذا داخل تحت الندب، فلا حاجة لإفراده.

стр. 1157

ومنها: الالتماس، كقولك لنظيرك: (افْعَل). وقد يقال: إن هذا وشبهه مما يقل جدواه في دلائل الأحكام. وفيه نظر. ومنها: التحسير والتلهيف. ذكره ابن فارس، ومَثَّله بقوله تعالى: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٩]، ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨)﴾ [المؤمنون: ١٠٨]. ومنها: التصبير، كقوله تعالى: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]، ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (١٧)﴾ [الطارق: ١٧] , ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا﴾ [الزخرف: ٨٣] ذكره القفال. ومنها: قرب المنزلة. ذكره الصيرفي، ومَثَّله بقوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ [الزخرف: ٧٠]. ومنها: التحذير والإخبار عما يَؤُول الأمر إليه، نحو: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [هود: ٦٥] (١). ذكره الصيرفي. ومنها: إرادة الامتثال فقط، كقولك عند العطش: اسقني ماء. فإنْ كان مِن السيد لعبده فللوجوب أو الندب، ولا يخفَى دخول هذا فيما سبق وهو الإيجاب أو الندب. ومنها: إرادة الامتثال لأمر آخَر، كقوله ﷺ : "كن عبد الله المقتول، ولا تكن عبد الله القاتل" (٢). فإنما المقصود الاستسلام والكَف عن الفتن. ومنها: التخيير، نحو: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢]. ذكره القفال، وقد يقال: نفس صيغة "افعل" ليس فيها تخيير، بل بانضمام أمر آخَر بضده، لكن مثل ذلك

стр. 1158

يأتي في التسوية. الثانى: في نجاز ما سبق الوعد به مِن ذِكر الخلاف في كون صيغتَي الأمر حقيقة في غير الوجوب أو مجازًا. فنقول الأصح من المذاهب أنهما حقيقة في الوجوب فقط، وفيما سواه مجاز؛ ولهذا أشرنا في غالبها إلى علاقة ذلك إلا ما يكون ظاهرًا. هذا مذهب الجمهور، وهو المحكي عن الشافعي ﵁. وقال إمام الحرمين في "تلخيص التقريب والإرشاد": (إن الشافعي قد ادَّعَى كل مِن أهل المذاهب في هذه المسألة أنه على وفاقه، وتمسكوا بعبارات متفرقة. وهذا عدول عن سَنن الإنصاف؛ فإن الظاهر والمأثور من مذهبه حمل مطلق الأمر على الوجوب) (١). انتهى ونقله الشيخ في "شرح اللمع" وابن برهان في "الوجيز" عن الفقهاء، واختاره الإمام وأتباعه. قال الشيخ أبو إسحاق: (وهو الذي أملاه الشيخ أبو الحسن على أصحاب أبي إسحاق -يعني المروزي- ببغداد) (٢). ثم اختلف القائلون بهذا المذهب كما في "تقريب القاضي" وغيره: هل اقتضاء الوجوب بوضع اللغة؟ أَم بالشرع؟ أَم بالعقل؟ ثلاثة مذاهب، صحح الشيخ أبو إسحاق الأول، ونقله إمام الحرمين عن الشافعي ثم اختار هو أنه بالشرع. الثانى: أنه حقيقة في الندب. وبه قال أبو هاشم كما نقله عنه ابن الحاجب.

стр. 1159

ونُوزع بأن عبارته لا تقتضيه، ونقله أيضًا عن كثير من المتكلمين، وكأن مراده المعتزلة؛ فقد نقله الشيخ أبو حامد عن المعتزلة بأَسْرها. نعم، نُقل عن جماعة من الفقهاء ونقله الغزالي والآمدي قولًا للشافعي، قال القاضي عبد الوهاب: كلامه في "أحكام القرآن" دالٌّ عليه. الثالث: أنه حقيقة في الإباحة؛ لأن الجواز محقَّق، والأصل عدم الطلب. وربما يُفهم ذلك من المحرر في النقل عن المعتزلة، بناءً على أن المباح عند أكثرهم حسن. وحكاه البيهقي في "سُننه" عن حكاية الشافعي في "كتاب النكاح". الرابع: أنه مشترك بين الوجوب والندب. وحُكي عن المرتضى من الشيعة، لكن الذي حرره عنه صاحب "المصادر" غير ذلك. وقال الغزالي: صرح الشافعي في كتاب "أحكام القرآن" بتردد الأمر بالوجوب والندب. لكن ابن القطان أَوَّله. الخامس: أنه حقيقة في القدر المشترك بينهما وهو الطلب. لكن قال أبو منصور الماتريدي: يحكم بالوجوب ظاهرًا في حق العمل -احتياطًا- دُون الاعتقاد. السادس: الوقف. وبه قال القاضي وأتباعه، فقالوا: حقيقة إما في الوجوب وإما في الندب وإما فيهما جميعًا بالاشتراك اللفظي، لَكِنَّا لا ندري ما هو الواقع مِن الأقسام الثلاثة. ونقله ابن القطان عن ابن سريج ونسبه للشافعي، لأنه قال في "أحكام القرآن": (لَمَّا قال تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] احتمل أمرين) إلى آخِره. قال أصحابنا: (وهذا تَعنُّت مِن أبي العباس؛ لأن الشافعي يقول ذلك كثيرًا ويريد أنه يحتمل أن يَرِد دلالة تخصه ويحتمل أنْ يخلى والإطلاق، إنما أراد الشافعي بذلك أنه يجوز أن

стр. 1160

يختص كما يقول به [في] (١) العموم). انتهى السابع: وحكاه الصفي الهندي عن القاضي وإمام الحرمين والغزالي: التوقُّف في أنه حقيقة في الوجوب فقط أو الندب فقط أو فيهما بالاشتراك اللفظي أو المعنوي. فزاد على القول الذي قبله أمرًا رابعًا. الثامن: أنه مشترك بين الوجوب والندب والإباحة اشتراكًا لفظيًّا. الثامن: الاشتراك في الثلاثة اشتراكًا معنويًّا. العاشر: أنه مشترك بين خمسة: هذه الثلاثة، والكراهة، والتحريم. حكاه في "المحصول"، وكأن المراد بهما ما يتضمنه التهديد، وربما عُبِّر عنه بأنه مشترك بين الثلاثة والتهديد، وهو أوضح. الحادى عشر: قول عبد الجبار: إنه حقيقة في إرادة الامتثال فقط، والوجوب وغيره مُستفاد من القرائن. وعزاه ابن السمعاني لأبي هاشم، وأوضحه فقال: (إذا قال القائل لغيره: افعل، دَلَّ على أنه مُرِيد منه الفعل، فإنْ كان القائل حكيمًا، وَجَبَ كون الفعل على صفة زائدة على حُسْنه يستحق لأجلها المدح. فإذا كان المقُول له مُكلَّفًا، جاز أن يكون واجبًا وأن يكون مندوبًا. فإذا لم يَقُم دليل على وجوب الفعل، وَجَب نَفْيُه والاقتصار على المحقَّق وهو كَوْن الفعل ندبًا يستحق فاعله المدح) (٢). الثانى عشر: حكاه القاضي عبد الوهاب في "ملخصه" عن شيخه أبي بكر الأبهري بأن أمر الله تعالى للإيجاب وأمر النبي ﷺ المبتدأ للندب، أي: الذي ليس موافقًا لنَص أو بيانًا

стр. 1161

لِمُجْمَل. ومنهم من ينقل عن الأبهري أنه حقيقة في الندب، فيكون له قولان. الثالث عشر: إنه مشترك بين الخمسة: الإيجاب، والندب، والإباحة، والإرشاد، والتهديد. حكاه الغزالي. ونُقِلت [فيه] (١) مذاهب أخرى إما ضعيفة أو داخلة فيما سبق، أَعْرَضْنَا عن حكايتها؛ لعدم جدواها. تنبيه: إذا وردت صيغة الأمر من الشارع وقُلنا: للوجوب ما لم تَقُم قرينة بخلافه، فهل يحمل ذلك على الوجوب قبل البحث عن القرينة أن المراد بها غيره؟ فيه خلاف "العام" في وجوب اعتقاد عمومه قبل البحث عن المخَصِّص، وستأتي المسألة في موضعها. لكن صرح بجريان الخلاف فيها هنا الشيخ أبو حامد في كتابه في الأصول وابن الصباغ في "العدة"، وقد مَرَّ ذِكرها، والله أعلم. ص: ٥٣٩ - وَإنْ تَرِدْ صِيغَته اثْرَ حَظْر ... أَوْ بَعْدَ الِاسْتِئْذَانِ حَيْثُ يَجْرِي ٥٤٠ - كَانَ قَرِينَةً عَلَى الْإباحَة ... وَالْأَمْرُ فِيهِ طَلَبُ الْمَاهِيَّةِ الشرح: لَمَّا بينتُ أن صيغة الأمر حقيقة في الوجوب -وهو الأرجح- إلا أن تقوم قرينة لِما سِوَى الإيجاب فإنه مجاز، ولابُدَّ للمجاز مِن قرينة، ذكرتُ ما اختُلف في كونه قرينة أو لا،

стр. 1162

وهي إذا وردت صيغة الأمر بعد سَبْق حَظْر، هل يكون سبق الحظر قرينة عدم إرادة الوجوب وبكون حينئذٍ للإباحة؛ لأنها أقل درجات الإذن؟ أو غيرها؟ أقوال: أحدها: هذا الذي اقتصرتُ عليه في النظم ورجحه ابن الحاجب، وجزم به الصيرفي والخفاف في "الخصال"، ونقله ابن برهان في "وجيزه" عن أكثر الفقهاء والمتكلمين والقيرواني في "المستوعب" وابن التلمساني في "شرح المعالم" عن نَص الشافعي، وكذلك نقله عن نَصه عبد العزيز بن عبد الجبار الكوفي كما في "شرح المحصول" للأصفهاني. وفي "مختصر التقريب" للقاضي: إنه أظهر أجوبة الشافعي. وقال الشيخ أبو إسحاق: للشافعي كلام يدل عليه. وفي "قواطع" ابن السمعاني أنه نَص عليه في "أحكام القرآن". وكذا نقله الشيخ أبو حامد، قال: (وقال الشافعي في "أحكام القرآن": وأوامر الله ورسوله تحتمل معاني، منها الإباحة كالأوامر الواردة بعد الحظر، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا﴾ [الجمعة: ١٠]. فاقتضى أن الأمر بعد الحظر للإباحة دون الإيجاب، وإليه ذهب جمعٌ من أصحابنا). انتهى وقال القاضي أبو الطيب: إنه ظاهر مذهب الشافعي. وإليه ذهب أكثر من نظر في أصول الفقه. وقال سليم الرازي: نَص عليه الشافعي. وقال القاضي عبد الوهاب في "الإفادة": إنه الذي صار إليه الفقهاء من أصحاب الشافعي. وأطلقوا أن ذلك قوله الذي نَص عليه في كثير من كلامه، لا يجوز أن يُدَّعَى معه أن مذهبه خِلافُه. قلتُ: ومن نصوصه في "الأم" ما قاله في "كتاب النكاح" في "باب ما جاء في أمر النكاح"، قال: (قال الله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] إلى قوله: ﴿يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢]، والأمر في الكتاب والسُّنة وكلام الناس يحتمل معاني،

стр. 1163

أحدها: أن يكون الله حرم شيئًا ثم أباحه، فكان أمره إحلال ما حرم، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، وكقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠]) (١) إلى آخِر ما ذكره. فذكر مِن الوجوه التي يحتملها ﴿وَأَنْكِحُوا﴾ الوجه الذي ليس غيره في نحو: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠]، فهو جازم فيه بذلك. ونقله القاضي عبد الوهاب أيضًا والباجي وابن خويز منداد عن مالك؛ ولذلك احتج على عدم وجوب الكتابة بقوله تعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣]، فقال: هو توسعة، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]. القول الثانى: أنه على حالِه للوجوب كما لو وردت ابتداءً، وبه قال الإمام وأتباعه كالبيضاوي. وهو قول المعتزلة كما أن صيغة النهي بعد الوجوب لا تخرج عن التحريم، لكن ستأتي المسألة في موضعها والفرق بينهما. وصححه أيضًا القاضي أبو الطيب في "شرح الكفاية" والشيخ أبو إسحاق وابن السمعاني، ونقله الماوردي عن أبي حامد، وهو كذلك، فإنه نصره في كتابه ونقله عن أكثر أصحابنا، قال: وهو قول كافة الفقهاء والمتكلمين. وقال الأستاذ أبو منصور: هو قول أهل التحصيل مِنا. وقال سليم الرازي في "التقريب": إنه قول أكثر أصحابنا. وقال ابن برهان في "الأوسط": إليه ذهب معظم العلماء. وقال إمام الحرمين: إن القاضي قال: لو كنت من القائلين بالصيغة لَقطعتُ بأنها بعد الحظر للوجوب. ونقل غيره عن القاضي غير ذلك، فالنقل عنه مضطرب.

стр. 1164

وقال القاضي عبد الوهاب: إنه الأقوى في النظر. ونقله في "الإفادة" عن المتكلمين أو أكثرهم. الثالث: حكاه إمام الحرمين (١) (في "التلخيص" و"البرهان" عن بعضهم، أنه إنْ ورَدَ الحظر مؤقتا وكان منتهاه صيغة في الاقتضاء فهي للإباحة، فالغرض من [مسَاق] (٢) الكلام رد الحظر إلى غاية، نحو: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] انتهى واختار هذا الغزالي بزيادة بيان، فقال: (إن كان الحظر السابق عارضا لِعلة وعلقت صيغة "افعل" بزواله مثل: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، فَعُرْف الاستعمال يدل على أنه لِرفع الذم فقط حتى يرجع حُكمه إلى ما قَبْله، وإنِ احتمل أن يكون رفع هذا الحظر بندب أو إيجاب لكن هذا هو الأغلب، كقوله ﵊: "كنت نهيتكم عن لحوم الأضاحي، فادخروا" (٣). وإذا لم يكن الحظر عارضًا لِعلة ولا صيغة "افْعَل" فيه متعلقة بزوالها، أي: كالجلد عقب الزنا بعد تَقَرُّر تحريم الإيذاء، فهذا يبقى فيه موجب الصيغة على أصل التردد بين الإيجاب والندب، ويزيد هنا احتمال الإباحة، فيكون هذا قرينة تروج هذا الاحتمال وإنْ لم تُعَيِّنه. وأما إذا لم تَرِد صيغة "افعل" ولكن قال مثلًا: "إذا حللتم فأنتم مأمورون بالاصطياد" فهذا يحتمل الوجوب والندب، ولا يحتمل الإباحة. وقوله: "أمرتكم بكذا" يضاهي قوله: "افعل" في جميع المواضع إلا في هذه الصورة وما يقاربها) (٤). انتهى

стр. 1165

واختاره أيضًا إلْكِيَا الهراسي. قلتُ: وهذا التفصيل مُفرَّع على القول بأنَّ أصل الأشياء الإباحة، أما إذا قيل: الحظر، فكل صيغة أمر بعد حَظر، فلأجْل ذلك قال صاحب "الواضح" من المعتزلة وصاحب "المصادر" من الشيعة: إنَّ محل الخلاف إذا كان الحظر السابق شرعيًّا، لا عقليًّا. وصرح بذلك أيضًا القاضي عبد الوهاب مِن المالكية، وهو أظهر مِن قول أبي الحسين بن القطان من أصحابنا: إنه لا فرق في الحظر السابق بين الشرعي والعقلي. الرابع: الوقف بين الإباحة والوجوب. وحكاه سليم عن المتكلمين، واختاره إمام الحرمين والغزالي في "المنخول"، وقال ابن القشيري: إنه الرأي الحقُّ. والخامس: أنه للاستحباب. وبه جزم القاضي الحسين (١) (في "باب الكتابة" من "تعليقته" (٢) ومَثَّله بنحو: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣]. قال الشافعي: إنه للاستحباب. وإنْ حُكي عنه قول آخَر بالوجوب. وإنما كان ذلك من الأمر بعد الحظر، لأن بيع الإنسان ماله بماله ممتنع بلا شك. وكقوله ﷺ في خِطبة المغيرة: "انظر إليها؛ فإنه أحرى أن يؤدم بينكما" (٣)، ونحو ذلك، فإن أصح الوجهين: الاستحباب، وثانيهما: الإباحة. ومنشأهما -كما قال الإمام- هذه القاعدة. وإنما لم يحمل على الوجوب، لذلك، أو لأن من قرائن الصرف عن الوجوب كون

стр. 1166

الداعية تدعو إلى ذلك الفعل، فورود الأمر على وَفْقها يقتضي عدم الوجوب، أو غير ذلك. أما الصرف بذلك عن الإباحة عند مَن يقول بها هنا فلا. وقد يُدَّعى أن زيادة الاستحباب على أصل الإباحة بدليل آخَر. والسادس: أنها لرفع الحظر السابق وإعادة حال الفعل إلى ما كان قبل الحظر، فإنْ كان مباحًا، كانت للإباحة، نحو: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢] (١)، أو واجبًا، كانت للوجوب، نحو: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢] إذا قلنا بوجوب الوطء. واختاره بعض محققي الحنابلة، ونسبه للمزني، قال: وعليه يُخرج قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]. وهو ظاهر كلام القفال الشاشي حيث قال في ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٢]: إنه ليس بايجاب، بل إباحة، كأنه قال: فإذا تطهرن فهن على الحالة الأُولى. وكذا في زيارة القبور: "فزوروها" (٢)، أي: فقد أبحْتُ لكم الآن ما حظرتُه عليكم. قال ابن دقيق العيد: إنَّ مَن يرى تَقدُّم الحظر قرينة صارفة للأمر عن مقتضاه ليس له مستند إلا العُرف أو أكثرية الاستعمال كما سبق من الأمثلة. أي: وإن ورد في بعضها بخلافِه، نحو: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا﴾ [التوبة: ٥]، فإن الجهاد واجب. ونحو: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] أيْ: فاحلقوا، والحلق نُسُك. وكذا: "إذا أدبرت الحيضة فاغسلي عنك الدم وصلِّي" (٣) فإنه واجب أيضًا.

стр. 1167

قال: وإلا فلا إشكال في إمكان الانتقال مِن بعض الأحكام لبعض كيف كانت. فَعُلم ضعف الاستدلال على الوجوب بأنه يؤدي للانتقال مِن تحريم إلى وجوب، فيقال: وما المحذور في ذلك؟ تنبيهان الأول: قولي: (وَإنْ تَرِدْ صِيغَتُهُ) أي: صيغة الأمر -أوضح من تعبير الماوردي وغيره بالأمر بعد الحظر؛ فإنه إذا كان أمرًا فكيف يكون للإباحة والمباح ليس مأمورًا به؟ إلا على ما سبق مِن قول الكعبي ومَن وافقه في أن المباح ترْك الحرام وهو واجب، وسبق جوابه. نعم، سبق في نَص "الأم" في أول المسألة تعبير الشافعي بالأمر مع قوله: إنه للإباحة. فليحمل على أن المراد لفظ "الأمر"، فإن صيغة "افْعَل" و"لِتَفْعَل" يقال فيها: فِعْل أَمْر، إما بنفسها أو بواسطة لام الأمر، فتُعطَى في العربية أحكام الأمر مِن جَزْم وبناء على السكون أو ما يقوم مقامه وفي نصب الجواب بعده وغير ذلك من أحكام العربية، ولو كانت في المعنى دعاءً أو خبرًا أو نحو ذلك نَظرًا لصورة اللفظ لا للمعنى، فيكون مراد مَن عبَّر بذلك، فلا إشكال وإنْ كان التعبير بالصيغة أوضح في المقصود. الثانى: قد استُشكل المختار من الأقوال -وهو أنه للإباحة- بأمرين: أحدهما: أنَّ كون تَقَدُّم الحظر قرينة صارفة له عن الوجوب ليس بأَوْلى من كونه قرينة مقتضية لكونه تهديدًا، فيكون تقريرًا للحظر السابق. كذا عارض به ابن عقيل الحنبلي. وجوابه: أن أقرب المجازين للحقيقة هو الذي يُصار إليه، وأقربهما كونه طلبًا أو إذنًا في الفعل، لا منعًا؛ لأنه ضده. ثانيهما: أنَّ هذا تعارضه القاعدة الفقهية، وهي أن كل ما كان ممنوعًا لو لم يجب يكون

стр. 1168

الأمر فيه للوجوب، كالختان وقطع السارق، فليكن في مسألتنا للوجوب، فإنه كان ممنوعًا لو لم نَقُل بوجوبه. وجوابه: أن القاعدة قد نُقِضت كما سبق في الكلام في أفعال النبي ﷺ ، وعلى تقدير التسليم فهي مفروضة في شيء كان ممنوعًا منه على تقدير عدم وجوبه، وهذه في ممنوع على الإطلاق، لا لممنوع على هذا التقدير؛ فافترقا. قولي: (أَوْ بَعْدَ الِاستئذَانِ) أي: إن الصيغة إذا وردت بعد الاستئذان إذا جرى استئذان تكون كالواردة بعد الحظر حتى يكون المرجَّح فيها الإباحة؛ لقرينة الاستئذان. ذكر ذلك في "المحصول". إلا أن قصده أن تكون للإيجاب على أصلها وأن الاستئذان ليس قرينة صارفة على مختاره في الوارد بعد الحظر أنه كذلك، فما ذكرها إلا ليقضي بالبقاء في الوجوب. قالوا: وهو حسن؛ لنفعه في الاستدلال على فرضيَّة الصلاة على رسول الله ﷺ في التشهد بقوله لَمَّا قيل له: "قد علمنا كيف نُسلم عليك، فكيف نصلي عليك؟ " قال: "قولوا: اللهم صَلِّ على محمد" (١) إلى آخِره. قلتُ: وفيه نظر؛ لأن هذا ليس أمرًا بعد استئذان، بل أمر بكيفية مسئول عنها بعد تَقَرُّر الأصل، فالأصل ليس فيه استئذان ولا سؤال؛ لأن السؤال بِـ "كيف" يقتضي وجود الأصل، وإنما يكون مما نحن فيه لو قيل: هل نصلي عليك؟ أو نحو ذلك. نعم، هي قريبة من مسألتنا في المعنى وإنْ لم تكن إياها، لكن الأمر بكيفية شيء [منتهٍ] (٢) لذلك الشيء. إنْ يكن واجبًا، كان واجبًا. أو نَدْبًا، كان نَدْبًا، فلا بُدَّ من ثبوت الصلاة أولًا

стр. 1169

حتى يكون الأمر بهذه الكيفية للوجوب، فكيف يستدل بها على وجوب الأصل؟ ثم الذين أوجبوا الصلاة لم يوجبوا هذه الكيفية، حتى لو قال: (اللهم صَلِّ على محمد)، اكتُفِي به. ثم إن هذا طريقة الإمام؛ لأن عنده أنَّ الأمر بعد الحظر للوجوب كما سبق. أما إذا قُلنا بأنه للإباحة كما سبق أو للاستحباب، لا ينتهض الدليل من ذلك. نعم، لوجوب الصلاة في الصلاة أدلة غير ذلك مُبيَّنة في محلها من الفقه، والله أعلم. قولي: (وَالْأَمْرُ فِيهِ طَلَبُ الْمَاهِيَّةِ) تمامه قولي بعده: ص: ٥٤١ - لَا لِتكَرُّرٍ وَلَا لِلْمَرَّهْ ... بَلْ هِيَ مِنْ ضَرُورةٍ مُقَرَّهْ الشرح: مِن مباحث الأمر ما ذكرته مِن هذه المسائل، فمن ذلك أن الأمر هل يقتضي طلب إيقاع المأمور به مرة؟ أو أكثر؟ أو لا يقتضي شيئًا من الأمرين؟ الصحيح الثاني، أي لا يدل على ذلك بذاته، بل إنْ قُيد لفظ الأمر -ولو بدليل منفصل- بالمرة أو بالتكرار، كان كذلك قطعًا. وكذا إذا دل المعنى على مرة كـ "اقتل زيدًا" و"أَعْتِق سالمًا" أو تكرر كـ "اترك الغيبة"، فقد سبق أنَّ هذا وإن كان في معنى النهي فهو أمر مع كونه للتكرار، [لقرينة] (١) كونه في معنى النهي. فإذا لم يكن شيء من ذلك فإنما يفيد طلب الماهية من غير إشعار بوحدة ولا بكثرة، إلا أنه لا يمكن إدخال الماهية في الوجود بأقل من مرة، فصارت المرة مِن ضرورة الإتيان

стр. 1170

بالمأمور به، لا أنَّ الأمر يدل عليها بذاته، بل بطريق الالتزام. وسواء أكان الأمر مجردًا أو معلقًا بشرط أو صفة، فالصحيح في المسألتين ذلك. فمِن ثَم أطلقتُ في النظم ولم أُقيد الأمر بكونه غير مقيد بمرة ولا تكرار؛ فإنَّ من المعلوم أنه متقيد به. ولم أُقيده أيضًا بكونه غير معلق؛ لأن المختار في المسألتين واحد؛ ولهذا يُطلق كثيرٌ المسألة ويجعل القول بالفرق بين الحالين قولًا فيها بالتفصيل، ونحن نُفرِد كلًّا من المسألتين؛ لبيان الخلاف وإيضاحه. فأما مسألة "ما إذا لم يُعلق بشرط ولا صفة": فالصحيح من المذاهب فيها ما ذكرناه، وقال الخطابي في "المعالم": (إنه قول أكثر الناس) (١). قال ابن السمعاني: وهو قول أكثر أصحابنا (٢). وقال إلْكِيَا الطبري: إنه رأى القاضي. واختاره الإمام الرازي والآمدي وأتباعهما. وقال صاحب "اللباب" من الحنفية والباجي من المالكية أنه قول عامَّة أصحابهم. ثم حكى ابن السمعاني -تفريعًا على هذا القول- خلافًا في كونه بعد ما لا يمكن الامتثال إلا به -وهو المرة- هل يحتمل التكرار؟ أو لا؟ أَوْلى الرأيين: نعم، وهو ظاهر كلام إمام الحرمين في "البرهان" إذْ قال: (إنا في الزائد على المرة نتوقف، لا ننفيه ولا نثبته) (٣).

стр. 1171

لكن الأحسن أن مراد الإمام بقوله: "نتوقف" أنه لا ينافيه شيء من قيود التكرار لَوْ وَرَد، فهو لا ينفيه ولا يثبته، لأن اللفظ محتمل لأن يكون موضوعًا لخصوص التكرار أوْ لا. قيل: ولَعلَّ ابن الحاجب لَمَّا لمح أن مراد الإمام هذا، قال بعد قوله: إلا يدل على تكرار ولا مرة): (وهو اختيار الإمام) (١). وإلا فلا معنى لتخصيص الإمام بذلك مع أنه قول الأكثرين. نعم، ممن قال بأنه يحتمل التكرار: أبو زيد الدبوسي، إذ قال: الصحيح أنه لا يقتضيه. ثم قال: ولكن يحتمل كل الفعل المأمور به، لكن لا يثبت إلا بدليل، وعليه دَلت مسائل علمائنا. وكذا قال شمس الأئمة السرخسي. المذهب الثانى: أنه يقتضي المرة الواحدة بلفظِه ووضعِه. وحكاه في "التلخيص" عن الأكثرين والجماهير من الفقهاء، وقال ابن فورك: إنه المذهب. قال ابن القطان: إنه مذهب الشافعي وأصحابه. وكذا قال الغزالي في "المنخول". وقال الشيخ أبو حامد في كتابه في الأصول: (إنه الذي عليه كلام الشافعي في الفروع، وعليه أكثر الأصحاب، وهو الصحيح الأشبه بمذاهب العلماء). انتهى قيل: بل صرح به في "الرسالة" في "باب الفرائض المنصوصة" التي سَن رسول الله ﷺ . قال الشافعي: (فكان ظاهر قوله: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] أقَل ما يقع عليه اسم الغسل مرة، واحتمل أكثر، وبيَّن رسول الله ﷺ الوضوء مرة، فوافق ذلك ظاهر القرآن، ولو لم يَرِد الحديث به لاستُغني بظاهر القرآن) (٢). انتهى وممن اختاره ابن الصباغ، ونقله الأستاذ أبو منصور والشيخ أبو إسحاق وسليم الرازي

стр. 1172

وابن برهان في "الأوسط" عن أكثر أصحابنا وأبي حنيفة وأكثر الفقهاء، وحكاه الشيخ أبو إسحاق عن اختيار شيخه القاضي أبي الطيب، ونقله عبد الوهاب عن أصحاب مالك، ونقله صاحب "المصادر" عن شيوخ المعتزلة وأبي الحسن الكرخي. قيل: والنّقَلة لهذا عن أصحابنا لا يفرقون بينه وبين القول الأول المختار، وإنما غرضهم بذكر المرة نفيُ التكرار والخروج عن العهدة بالمرة؛ ولذلك لم يجمع أحد منهم بين القولين، بل يقتصرون على هذا؛ لأن عندهم أنه عَيْن الأول، فهو اختلاف في العبارة وإن كانا مختلفين في طريق الدلالة: هل هو بالمطابقة؟ أو بالالتزام؟ ولا تظهر له ثمرة في الأحكام. وعلى هذا القول: هل يحتمل التكرار؟ أو لا؟ فيه ما سبق، وقد فَرَّعه ابن الحاجب على هذا، لأنا بَيَّنا أنهما في المعنى سواء. والمذهب الثالث: أنه يقتضي التكرار مُدة العُمر فيما يمكن؛ ليخرج أوقات ضروريات الإنسان من أكل وشرب ونوم ونحو ذلك. وهل يتقيد بما لا بُدَّ منه؟ أو بأوسع من ذلك باعتبار العادة؟ الظاهر هذا كما اقتضاه كلام ابن السمعاني من أنه لا بُدَّ من استئناء شيء وراء الإمكان باتفاق وإنْ أَطلق غيْرُه الإمكان. وبالجملة فهذا القول قال به الأستاذ أبو إسحاق والشيخ أبو حاتم القزويني وغيرهما من أئمتنا، ونقله الشيخ أبو إسحاق عن القاضي أبي بكر، ونقل الأصفهاني أن العالمي نقله عن أكثر الشافعية، وحكاه شمس الأئمة السرخسي عن المزني، ونقله في "المنخول" عن أبي حنيفة والمعتزلة، ونقله الباجي عن ابن خويز منداد، وحكاه ابن القصار عن مالك، وأبو الخطاب الحنبلي عن شيخه. والمراد بالتكرار: فِعل مِثل الأول، لا الأول بِعَيْنه، لأن ذلك محُال كما قرر ذلك الصفى

стр. 1173

الهندي، وهو واضح. وبعضهم يعبر عن التكرار بالعموم. الرابع: أنه يدل على المرة الواحدة قطعًا، ويتردد الأمر في الزائد. قال إمام الحرمين في "التلخيص": (وهو ما ارتضاه القاضي). قال: (والفرق بين هذا وما سبق بأن ذاك مع عدم احتمال الزائد على المرة، وهذا مع الاحتمال حتى تأتي قرينة تدل عليه) (١). قلتُ: هو عيْن ما سبق من الخلاف المُفرَّع على القولين في الاحتمال وعدمه، فينبغي الاكتفاء [به] (٢) عن هذا التفصيل. الخامس: الوقف في الكل. وهو رأي القاضي أبي بكر وجماعة الواقفية. السادس: إنْ كان فِعلًا له غاية يمكن انقطاعه في جميع المدة فيلزمه في جميعها، وإلا فيلزمه الأول. حكاه الهندي عن عيسى بن أبان. ونقل في "المعتمد" عن أبي عبد الله البصري أن ورود النَّسخ والاستثناء على الأمر يدل على أنه قد أُريد به التكرار. السابع: إنْ كان الطلب راجعًا إلى قَطْع الواقع كقولك في الأمر للساكن: (تَحرك)، فللمرة. وإنْ رجع إلى اتصال الواقع واستدامته كقولك في الأمر للمتحرك: (تحرك)، فللاستمرار والدوام. وأما مسألة ما "إذا عُلق بشرط أو صفة أو وقت" نحو: إن كان زانيًا فارجمه، ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾ [المائدة: ٣٨]، و ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨]، فهذه أَوْلى -مِن المُجَرَّد- بالتكرار عند مَن يقول به فيه.

стр. 1174

والمنع فيهما هو العتمد من الخلاف. وقال أبو بكر الصيرفي: إنه أَنْظَر القولين. وابن فورك: إنه الأصح. وقال الشيخ أبو إسحاق وابن السمعاني والشيخ أبو حامد وسليم وإلْكِيَا: إنه الصحيح كما في الأمر المطلق. ونقله في "المعتمد" عن أكثر الفقهاء، وقال صاحب "المصادر": وهو قول أبي حنيفة. وقال السرخسي من الحنفية: إنه المذهب الصحيح. ونقله القاضي عبد الوهاب في "الملخص" عن أكثر الفقهاء من المالكية والشافعية والأصوليين، وربما نُسِب للشافعي. واختار هذا القول أيضًا الآمدي وابن الحاجب، لكنهما والهندي حرروا محل النزاع أنه في غير المعَلَّق بما ثبت كونه عِلة للمأمور به، أما المعلق بذلك فيتكرر بتكرره اتفاقًا، لكن هذا التكرر هو أنه كُلما وُجِدت العِلة وُجِد الحكم، لا أنه إذا وُجِدت العلة يتكرر الفعل به حتى لو قال: (اجلد الزاني)، أو: (مَن زنا فاجلده)، فَزَنَا، جُلِدَ، ثم لا يُعاد الجلد. ومحل الخلاف إنما هو هذا، لا التكرار الأول؛ فلهذا أطلقتُ في النظم أن الأمر به لا يقتضي التكرار. وقد سبقهم إلى حكاية الاتفاق في صورة العلة القاضي في "التقريب" وابن السمعاني، ولكن صاحب "المحصول" وأتباعه أطلقوا الخلاف. ووفَّقَ بعضهم بين الطريقين بأن الإمام لَعَلَّه نَصَب الخلاف مع من يُنكر اقتضاء تَرَتُّب الحكم على الوصف عِلِّيَّة ذلك الوصف (١)، والجماعة نَصبُوه مع القائلين باقتضائه العِلِّيَّة. قلتُ: وفيه نظر؛ فإن الإمام وأتباعه قالوا: إن الراجح أنه لا يقتضيه لفظًا، ولكن يقتضيه قياسًا؛ لأن المعلول يتكرر بتكرر عِلته.

стр. 1175

فشمل كلامهم ما [عِليته] (١) ثابتة. ووراء المختار في هذه المسألة مذاهب: منها: أنه يقتضي التكرار مطلقًا كالنهي. قال ابن القطان: قال أصحابنا: وهو أَشْبَه بمذهب الشافعي، لأنه قال في التيمم لكل صلاة لَمَّا قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] الآية: اقتضى وجوب الوضوء لكل صلاة، فلمَّا توضأ النبي ﷺ للصلوات وضوءًا واحدًا، دَلَّنا على أن المراد بذلك في الطهارة بالماء، وبَقي على التكرر في التيمم. ونقل عن أبي بكر الصيرفي أن الأظهر على المذهب التكرار، وكذا هو في "كتاب الصيرفي". وحكى هذا الاستدلال أيضًا شمس الأئمة السرخسي، ولكنه رَدَّه؛ لأن المراد بقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ أي: محدِثين باتفاق المفسرين، وعلى هذا يستوي الوضوء والتيمم. وقال ابن فورك: (ما تَعَلَّلوا به من احتجاج الشافعي في التيمم فلا حُجة فيه، لأن وجوب تكرر التيمم لا يصح الاستدلال عليه بذلك إلا بعد أن يصح وجوب تكرر الصلاة، فيجري أمر التيمم على ما جرى عليه أمرها). انتهى ومنهم مَن يجيب عن التكرر في الشرع -في هذا ونحوه على تقدير ثبوته- بأنه بدليل خَصَّه، لا من مجرد الأمر المعلق بذلك، ومن ثَم لم يتكرر الحج المعلَّق على الاستطاعة، ولهذا لَمَّا سأل الرجل: "أَكُل عام يا رسول الله؟ " قال ﷺ بعد أن سكت حتى قالها السائل ثلاثًا:

стр. 1176

"لو قلتُ: نعم، لَوَجَبَت" (١). فإنه علق التكرر بقوله: "نعم" لو قالها، لا بمجرد الأمر، وأيضًا فالسائل عربي، فلو اقتضى المعلَّق التكرر بوضعِه لما سأل عنه. والحديث في "مسلم" عن أبي هريرة، وفي السُّنن ما يدل على التكرر. [واعْلَم] (٢) أن التكرر في مثل ذلك لو قيل به، لم يكن هو التكرر المقصود من هذه المسألة كما بيناه آنفًا، فلا يضر نقله عن الشافعي وغيره، فَتَأَمَّله. ومنها: التفصيل بين كون المعلَّق عَليه مناسبًا بحيث يصلح للعِلية فيتكرر بتكرره وإلا فلا. وقد سبق أن هذا تحرير للخلاف، لا قول بالتفصيل. ومنها: ما اختاره البيضاوي تبعًا لإمامه: أنه لا يدل عليه من جهة اللفظ، بل من جهة القياس. وقد سبق ما يُشعِر بأن هذا في الحقيقة هو القول الأول، وأنه إذا كان من حيث القياس فهو لكون التعليق على الوصف يُشعِر بِعليته، فتكرره من حيث العلة، وهو محل وفاق كما سبق. وقيل غير ذلك. قيل: ومحل الخلاف إذا لم يكن التعلق بأداة تقتضي التكرار، نحو: كُلما. ولكن هذا لا يُحتاج [إليه] (٣)؛ لأن التكرار بالصيغة لا من حيث كونه أمرًا، والكلام فيه. ومما يشبه ذلك في التكرر لفظًا: ما لو أُعيد لفظ الأمر، نحو: صَلِّ صَلِّ. وسيأتي إيضاح المسألة بعد ذلك في النَّظم وشرحه.

стр. 1177

تنبيه: قولي في صدر المسألة: "إنَّ الأمر لطلب الماهية" يؤخذ منه أن المطلوب في الأمر بالفعل المطلق هو الماهية الكلية، لا جزئي من جزئياتها، وهو الراجح هناك. وستأتي المسألة في "باب المطلق المقيد"، ويأتي بَسْطها، والله أعلم. ص: ٥٤٢ - وَلَا لِفَوْرٍ، وَالَّذِي يُبَادِرُ ... مُمْتَثِل، وَالْقَطْعُ فِيهِ ظَاهِرُ الشرح: أي: ولكون مطلق الأمر لطلب الماهية، لا لتكرار ولا لمرة، كذلك لا يكون مقتضيًا لا لفورٍ ولا لتراخٍ وإنْ لم أُصرح بهذا؛ لضعف الخلاف كما ستعلمه. أما إذا كان الأمر مقيدًا بوقتٍ مُضَيَّقٍ أو مُوَسَّعٍ، كان بحسب ما قُيد به، وقد مضى بيان المضيق والموسع في مقدمة الكتاب، وكذلك ما يُفعل في الوقت وبعده من كونه أداء أو قضاء. أو لم يُقيد بوقتٍ ولكن قُيد بفورٍ بلفظ المبادرة أو المسارعة أو التعجيل أو نحو ذلك، فهو للفور اتفاقًا. وإن قُيد بتراخٍ أو قيل: (افعل في أي وقت شئت) أو نحو ذلك، كان التراخي فيه جائزًا اتفاقًا. وإنْ لم يُقيد بشيء -وهو الذي الكلام فيه- فأرجَح المذاهب في المسألة أنه لا يقتضي فورًا ولا تراخيًا، بل متى شاء فعل؛ إذ ليس في الصيغة ما يدل على زيادة على طلب الفعل؛ ولهذا مَن يرى دلالتها على التكرار يقول بالفورية؛ لأنها من ضرورة التكرر، فالكلام مع

стр. 1178

القول [بمنع] (١) اقتضاء التكرر. والقول بعدم الفور والتراخى عليه جمهور الشافعية كما قاله الأستاذ أبو منصور، وسليم قال: وهو ظاهر قول الشافعي في "باب الحج" والصحيح من المذهب. قال إمام الحرمين: (وهو اللائق بتفريعاته في الفقه وإن لم يصرح به في مجموعاته في الأصول) (٢). وكذا قال ابن برهان في "وجيزه": (إنه لم يُنقَل عن الشافعي وأبي حنيفة نَقْل في المسألة، وإنما فروعهما تدل على ما نُقل عنهما). قال: (وهذا خطأ في نقل المذاهب؛ إذِ الفروع تُبنى على الأصول). انتهى وقد أُجيبَ عن إشكاله بأن استقراء فروع الإمام يدل على أصله المقصود فيها، وهذا كما يقال: (مذهب الشافعي كذا، مذهب مالك كذا) وإنْ لم يوجد نَص للإمام فيه بِعَيْنه، بل مِن لازم منصوصاته في الفروع. وعلى هذا القول أيضًا أبو علي وابنه وأبو الحسين والغزالي والإمام الرازي وأتباعه والآمدي وابن الحاجب. ويُنقل عن القاضي أبي بكر، قال إمام الحرمين في "البرهان": (وهذا بديع من قياس مذهبه مع استمساكه بالوقف وتجهيله مَن لا يراه) (٣). وسيأتي الرد على ابن الحاجب في نقله عنه غير ذلك.

стр. 1179

والمذهب الثانى: أنه يقتضي الفور. وبه [قال] (١) الحنفية والحنابلة وجمهور المالكية والظاهرية، واختاره من أصحابنا الصيرفي وأبو حامد المروروذي والدقاق والقاضي أبو الطيب، وقال القاضي حسين في "تعليقه" في "كتاب الحج": إنه الصحيح من مذهبنا. قال: وإنما جَوَّزنا تأخير الحج بدليل مِن خارج. وجزم به أيضًا المتولي في "كتاب الزكاة" من "التتمة"، ونقله صاحب "المصادر" عن المزني، وقال الشيخ أبو حامد: إنه قول أهل العراق. وقد اختُلف -تفريعًا على هذا المذهب- أنه إذا لم يبادر، هل يجب أن يفعل بعد ذلك؟ [أَم] (٢) لا إلا بأمر جديد؟ وهو شبيه [ما] (٣) سيأتي في "مسألة القضاء": هل هو بأمر جديد؟ قال ابن فورك: واختلفوا أيضًا: هل اقتضاؤه الفور من اللغة؟ أو بالعقل؟ قال: والأرجح الأول. الثالث: أن الأمر يقتضي التراخي. كذا أطلق جماعة حكايته، ومقتضاه أن المبادِر لا يكون ممتثلًا، أو يتوقف فيه، وذلك بعيد هنا. نعم، سيأتي حكاية الخلاف في ذلك تفريعًا على قول الوقف، وسيأتي أنه خَرق للإجماع. وفي كلام أكثر النقَلة أن المراد بالتراخي في قول الأئمة: عدم الفور، فهو في الحقيقة هو القول الأول الذي قُلنا: إنه الراجح، فإنهم ينقلونه عمن نُقل عنه ذلك القول. قال ابن السمعاني بعد نقل التراخي عن ابن أبي هريرة وأبي بكر القفال وابن خيران وأبي

стр. 1180

علي الطبري صاحب "الإفصاح": (وإن معنى ذلك ليس على التعجيل) (١). قال الشيخ أبو حامد: والعبارة الصحيحة أنه لا يقتضي الفور والتعجيل. وعبارة إمام الحرمين فيما نقلناه عنه فيما سبق: قول التراخي هو اللائق بتفريعات الشافعي. يريد بالتراخي ما ذكرناه. وممن قال به: أبو إسحاق الشيرازي، وهو الذي نصره القاضي أبو بكر في كتاب "التقريب" بهذا المعنى إذْ قال: والوجه عندنا في ذلك القول بأنه على التراخي دُون الفور والوقف. وأراد بنفي الوقف أن المبادِر ممتثل قطعًا، ثم أخذ يطنب في إفساد الأمرين وتصحيح التراخي بالمعنى المذكور وهو أن المراد: طلبُ الفعل فَحَسْب مِن غير تَعَرُّض للوقت. فما نقله ابن الحاجب عن القاضي بأنه للفور أو العزم -كما هو القول الآتي- مدخول. وكذا نقل السرخسي -من الحنفية- عن علمائهم ذلك، وقال: (نَص عليه في "الجامع"، قال: فمَن نذر أن يعتكف شهرًا، اعتكف أي شهر شاء، خِلافًا لقول الشافعي: إنه على الفور) (٢). انتهى وكذا نقله صاحب "اللباب" - منهم- عن البزدوي وأنه بلا خلاف عندهم. فعُلِمَ بذلك أن مَن ينقل عن الأئمة القول بالتراخي مراده ذلك، لا حقيقة هذا القول الثالث.

стр. 1181

المذهب الرابع: أنه يقتضي إما الفور أو العزم. نقله صاحب "المصادر" عن أبي علي وأبي هاشم وعبد الجبار، وسبق حكاية ابن الحاجب له عن القاضي ورَده. الخامس: الوقف إما لعدم العلم بمدلوله، أو لأنه مشترك. وصححه الأصفهاني في "قواعده"، وحُكي عن المرتضى. وعلى هذا القول: هل يكون المبادِر ممتثلًا؟ أو يكون أمره موقوفًا؟ قولان: حكى الأول منهما ابن الصباغ في "العدة"؛ لاحتمال إرادة التراخي، فلا يقطع بأنه ممتثل. قال: وهو خَرْق للإجماع. أما إذا فرَّعنا على القول الصحيح سواء عبَّرنا عنه بالتراخي أو لا أو قُلنا بالفور، فيمطَع بأن المبادر ممتثل. وهو معنى قولي: (وَالَّذِي يُبَادِرُ مُمْتَثل، وَالْقَطْعُ فِيهِ ظَاهِرُ)، ففيه إيماء إلى رَد القول الثالث وأنه لا سبيل إلى القول به. تنبيهات الأول: إذا قُلنا بالمرجَّح وهو جواز التأخير، فالاتفاق على نفي الإثم حيث لم يَغْلب على الظن الفوات. وقد اختلفوا فيما لو مات على قول التراخي في الحج، وحيث أَثِمَ فإنما ذلك لتفويته؛ إذِ التأخير مشروط بسلامة العاقبة، وقد سبق ذلك في المقدمة في بيان الوقت الموَسَّع، والمعنى في الموسع هو المعنى في [المتراخي] (١)، فمَن لا يرى بالموسع لا يرى هنا بالتراخي. لكن الحج ليس مِن الموسع كما سبق، فلذلك يلحقه الإثم في بعض الصُّوَر.

стр. 1182

الثاني: هل يجري الخلاف في هذه [المسألة] (١) في أمر الندب؟ أو يختص بأمر الوجوب؟ فيه خلاف، قال القاضي عبد الوهاب: والصحيح: لا فرق. الثالث: محل الخلاف في الأمر الذي يُطلب به فِعل وجودي، لا نحو: "دع" و"اترك"، فإن ذلك في حُكم النهي، وسيأتي أنه يقتضي التكرار والفور وإلَّا لم يقع فيه امتثال، فكذا [ينتفي] (٢) فى الأمر الكَفِّي. وهذا يُفهَم مِن رَدِّهم على مَن قال: (إن الأمر للفور كالنهي) بأن الفرق بينهما عدم إمكان الامتثال في النهي إلا بذلك؛ فافترقَا. ومما يدخل في هذا المعنى الذي ذكرناه ما ذُكِر في الفقه فيما لو قال: (إنْ لم أطلقك -أو نحو ذلك- فأنت طالق)، فإنها لا تُطلق بهذا التعليق إلا عند اليأس بموت أو بجنون الزوج المتصل بموته أو نحو ذلك مما هو مذكور في محله. ولو قال لها: [أنت طالق إنْ تركت طلاقك، أو: إن تركت طلاقك فأنت طالق] (٣)، فإنها تُطلق بِمُضي زمن يمكنه أن يُطَلِّق فيه فلا يُطَلِّق؛ لأن التعليق على النفي لا يتحقق فيه المعلق عليه إلا باستيعابه أزمنة الإمكان؛ لأن النكرة في النفي للعموم، وقد علق على العموم، فلا بُدَّ من وجوده. وأما المعلق على الترك فمُعَلق على صورة منه؛ لأن الفعل نكرة في إثبات، فَيَصْدُق بصورة. والنكرة وإن كانت في سياق الشرط للعموم، لكن العموم في "إنْ لم أُطَلِّقك" عموم في

стр. 1183

نفي، والعموم في الشرط عموم في إثبات، فالعمل بالعموم فيه كَوْن الطلاق يقع في كل صورة توجد فيه، لا على وجود كل الصُّوَر، لأن ذاك كُلّ [مجموعي] (١)؛ فلذلك إذا طلق مطلقًا بالتعليق على النفي أو على الترك لكن على الفور، لا يقع طلاق؛ لانتفاء المعلق عليه. وفي الجملة ففي التعليقين لم يخرج المعلق عليه عن الفور، لأن المعلق على النفي مبدأ أزمنة المعلق عليه الفور وجميع ما بعده إلى التعذر. نعم، يشكل على "إنْ تركت طلاقك" لو قال: (إنْ سكتُّ عن طلاقك)، فإنه إذا طلَّق عقب التعليق ثم سكت، يقع عليها طلقة ثانية. وإن كانت الصيغة: "كلما"، فيقع ثالثة بما بعد التطليق المنجز بالسكوت أو السكوتين. وأما في "إنْ تركت طلاقك" فإذا طلق عقبه ثم ترك، لا يقع به طلقة أخرى. وقد يُفَرق بأنه لَمَّا طَلَّق، صَدق في العُرف أنه لم يترك طلاقها، وأما إذا سكت بعد أن نجز فإنه يصدق أنه سكت عن طلاقها. قلتُ: ولا يخلو مِن نَظَر؛ فإنَّ السكوت عن الطلاق قد يعود إلى معنى تَرْك الطلاق، فأيُّ فَرْق بينهما؟ ! الرابع: مما فَرَّعه بعض المتأخرين على الخلاف في هذه المسألة: اعتبار قبول الوكيل فيما لو قال الموكِّل: (بع) أو: (اشْتَرِ) أو: (أَعْتِق) ونحوه من صِيَغ الأمر. ولا يخفَى ما في ذلك من النظر، فإنَّ قولَ الموكِّل ذلك إذْن، لا أمر. وبتقدير أنه مِثله فليس هو المدْرَك في اعتبار قبول الوكيل باللفظ؛ لأن الخلاف فيه سواء أكانت صيغة الموكِّل:

стр. 1184

"وكلتُ" أو: "بعْ"؛ ولهذا كان التفصيل رأيًا ثالثًا، فقد اشترط الفور على رأْي وإنْ لم يكن صيغة أمر، ومنع اعتبار الفور على رأْي مع وجودها. على أن الخلاف إنما هو في اعتبار لفظ القبول، حتى لو أَوْجَد الوكيل الفعل على الفور، لا يكفي عند مَن شَرَطَ القبول لفظًا. والله أعلم. ص: ٥٤٣ - وَالْأَمْرُ لَا يَسْتَلْزِمُ الْقَضَاءَ ... بَلْ هُوَ لِلْأَمْرِ الْجَدِيدِ جَاءَ الشرح: هذا أيضًا من المسائل المفرعة على أن الأمر لطلب الماهية من غير زيادة على ذلك، وهي متعلقة بالمأمور به المؤقت إذا خرج وقته ولم يُفعل: هل يجب القضاء بالأمر الأول، نظرًا إلى تحصيل الماهية أي وقت كان؟ أو لا؛ نظرًا إلى تقييد الأمر بوقت، فبِانقضائه زال القيد، فلا بُدَّ مِن أمرٍ جديد يقتضي فِعله بعد خروج الوقت؟ فيه مذهبان: الأول منهما: قول الحنابلة وأكثر الحنفية منهم أبو بكر الرازي، وبه قال عبد الجبار وأبو الحسين من المعتزلة، حكاه عبد العزيز في "الكشف" عن عامة أصحاب الحديث، وقال ابن الرفعة في "المطلب": (إنه ظاهر [كلام] (١) الشافعي في "الأم" في "باب الظهار" لَمَّا قاس بقاء الكفارة في الظهار المؤقت التي وجبت بالعَوْد فيه -وهو الوطء- على مسألتنا، إذ قال: كما

стр. 1185

يقال له: "أَدِّ الصلاة في وقت كذا" أو "قبل وقت كذا"، فيذهب الوقت، فيؤديها؛ لأنها فرض عليه، وإذا لم يؤدها في الوقت وأدَّاها بعده، فلا يقال: زد فيها؛ لِذهاب الوقت قبل أن تؤديها). انتهى إذ لو كانت بأمر جديد لَمَا قاس عليها الظهار. أو المذهب الثانى، (١) هو الأصح وقول الأكثرين. قال إمام الحرمين في "النهاية" في "باب صلاة التطوع": (إن القضاء عند الشافعي بأمر مجدد، ويؤيده نَصه في "الرسالة" على أن الصوم لا يجب على الحائض، وإنما وجب القضاء بأمر جديد). انتهى وبذلك قال أكثر المحققين من أصحابنا، الصيرفي وابن القشيري. وممن نقله عن أكثر أصحابنا الشيخ أبو حامد وسليم وابن الصباغ وأنه الصحيح، وكذا صرح الشيخ أبو إسحاق في "اللمع" بأنه الأصح، خلافًا لمن نقل عنه القول الأول كما وقع في "جمع الجوامع" لابن السبكي وفي شرحِه ["المختصر"] (٢). وحُكي هذا القول أيضًا عن البصري من المعتزلة وعن الكرخي من الحنفية، وقال العالمي من الحنفية: إنه اللائق بفروع أصحابهم. وقال الباجي من المالكية: إنه الصحيح. ونقله عن القاضي أبي بكر وابن خويز منداد. وقال عبد العزيز من الحنفية أنه مذهب أصحابهم، قال: لأن صيغة التأقيت تقتضي اشتراط الوقت في الاعتداد بالمؤقت، فإذا انقضى الوقت، فليس في الأمر بالأداء أمر بالقضاء.

стр. 1186

أَيْ: يستلزمه كما هو مُدَّعَى مَن يقول: (إنه بالأمر الأول)، إذ ليس مراده أنه عَيْن الأمر بالقضاء وإنْ كان الأصفهاني في "شرح المحصول" قال: إنهم يقولون بدلالته عليه بالمطابقة. ويساعده قول ابن برهان: إنَّ الخلاف هل بقيت العبادة بعد الوقت واجبة بالأمر السابق؟ أو وجبت بأمر جديد؟ لكن الصواب ما قدمناه من الاستلزام كما قرره المازري وغيره. وفى المسألة مذهب ثالث حكاه الآمدي عن صاحب "التقويم": أنه يجب بالقياس على العبادات الفائتة التي دل الدليل على وجوب قضائها (١). والجامع بينهما استدراك مصلحة الفائت. وحاصله أن ما لم يُنقل فيه أمر بالقضاء يكون مأمورًا؛ قياسًا، لا بالأمر الأول ولا بأمر جديد. ونُقل معنى ذلك عن أبي زيد الدبوسي، إذ قال: إن ذلك بقياس الشرع. ومراده الاحتراز عن قياس التلازم المذكور في المنطق اقترانيًّا أو استثنائيًّا. وقرر بعض المتأخرين القول بكون القضاء بالأمر الأول بأن الأمر بالأداء مع تَعلُّق العِلم القديم بأنه لا يقع معه الأداء لو لم يكن المراد به وجوب قضائه لكان تكليفًا بما لا يطاق. قلتُ: ولا يخفَى فساد ذلك؛ لأن كل أمر إذا تَعلَّق علم الله بأنه لا يُفعل، لا يخرج بذلك عن كونه مأمورًا به. وهذا النوع من المُحال لا خلاف في التكليف به كما سبق تقريره في مسألة "التكليف بالمحال".

стр. 1187

تنبيهات الأول: المراد بخروج الوقت في هذه المسألة الخروج الذي يُحكم على العبادة حينئذٍ بأنها به تصير قضاء؛ ليخرج بذلك ما لو بقي من الوقت ما يَسَع ركعة كما سبق تقريره في موضعه. الثاني: من المسائل المفرَّعة على هذه القاعدة: ما لو استأجر سَنة فمضت ولم يتسلم المستأجر، انفسخ العقد، ولا يجب بدلها سَنة أخرى اعتبارًا بالعقد الأول، بل لا بُدَّ من إنشاء عقد جديد للمدة الثانية إنْ أرادها. الثالث: يستفاد من التعبير في المسألة بِـ "القضاء" أن ما لا يُسمى "قضاء" لا يجري فيه هذا الخلاف، وذلك في الأمر المطلق إذا قُلنا: (لِلْفَوْر) وفات الفور، فإنَّ فِعله بعده ليس [لكونه] (١) قضاءً عند الجمهور، خِلافًا للقاضي أبي بكر. وقد سبقت المسألة في: الأمر هل هو للفور؟ أوْ لا؟ أما إذا قلنا: (الأمر للتراخي)، فليس بقضاء قطعًا كما صرح به صاحب "المعتمد" وغيره. ومنهم مَن يرتب مسألة "الأمر على الفور" على مسألة "القضاء"، ويقول: إن الغرض الإتيان بالمأمور به سواء أكان مؤقتًا أوْ لا. الرابع: محل الخلاف في مسألة القضاء يرجع إلى أصلين: أحدهما: الأمر بالمركب أمر بأجزائه، سواء أجزاؤه الذاتية وأجزاؤه الخارجية التقييدية. الثاني: إن الأمر بالفعل في وقت معيَّن فيه دلالة على أن المصلحة في إيقاعه فيه حتى لو فات تفوت المصلحة، فيفوت المعنى في أصل الأمر به.

стр. 1188

فمَن لاحظ الأصل الأول، قال: القضاء بالأمر الأول؛ لأنه اقتضى أمرين، [فعدَم أحدهما يوجب] (١) بقاء الآخر بالأمر الأول. ومَن لاحظ الثاني، قال: القضاء بأمر جديد؛ إذ الزمن الثاني قد لا يشرك الأول في تلك المصلحة. وإذا شككنا، لم يثبت وجوب الفعل إلا بأمر آخَر. الخامس: المراد بالأمر الجديد: إجماع أو قياس حلي أو نَص [حيث]، (٢) احتمل مجيئه، كلما استدل على الأمر الجديد بحديث: "مَن نام عن صلاة أو نسيها فليُصلها إذا ذكرها" (٣). إذ لو لم يوجد هذا النَّص لَمَا كان لنا دليل [نَصِّي] (٤) يدل عليه. وإنْ كان هذا الحديث تَعلَّق به مَن يقول بالأمر الأول؛ لكونه [كالبيان] (٥) لبقاء المأمور به في الذمة، لكنه تَعَلُّق ضعيف، والأصوب قَلْبُه عليه. أما إذا فات حدوث النصوص، فلم يَبْقَ إلا القياسات أو الإجماع؛ لأن الوحي قد انقطع.

стр. 1189

السادس: مما يتعلق بهذه المسألة ما هو عكس المعنى فيها، وهو أن المكلَّف إذا أتى بالأمور به على الوجه المطلوب منه، هل يقتضي إجزاءه عنه؟ أو لا يقتضيه؟ وربما تُذكر [هذه] (١) المسألة عقب المسألة السابقة كما ذكرها في "جمع الجوامع" وأن الأصح أن الإتيان بالمأمور به يستلزم الإجزاء وإلا لكان الأمر بعد الامتثال مقتضيًا إما لِما فُعِل وهو تحصيل الحاصل، وإما لغيره فالمجموع مأمور به فلَم يُفعل إلا بعضه، والفَرْض خِلافه. والمخالف في المسألة أبو هاشم وعبد الجبار، قالا: لا يوجب الإجزاء كما لا يوجب النهي الفساد. قال في "المنتهى": (إنْ أرادا أنه لا يمتنع أن يَرِد أمر بعده بمثله فمُسَلَّم، ويرجع النزاع إلى تسميته "قضاء"، وإنْ أرادا أنه لا يدل على سقوطه فساقط) (٢). قيل: مرادهما الأول كما صرح به عبد الجبار في "العمد" حيث قال: لا يمتنع أن يقول الحكيم: افْعَل كذا، فإذا فعلتَ، أديتَ الواجب ويلزمك مع ذلك القضاء. لكن الخلاف المذكور في هذه المسألة مبني على تفسير الإجزاء بسقوط القضاء، أما إذا فسرناه بسقوط التعبد، فالامتثال مُحَصِّل للإجزاء بلا خلاف. فلأجْل ذلك حذفتُ هذه المسألة من النَّظم هنا، لأنها تفريع على ضعيف، وأيضًا فقد صرحتُ في المقدمة بالمسألة وأنَّ صحة العبادة ينشأ عنها الإجزاء، وسبق شرح ذلك هناك، [فراجِعْهُ] (٣). والله أعلم.

стр. 1190

ص: ٥٤٤ - وَالْأَمْرُ بِالْأَمْرِ بِشَيْءٍ لَيْسَا ... أَمْرًا بِهِ، فَلَا يُرَى مَقِيسَا الشرح: هذه المسألة (وهي: الأمر بالأمر بالشيء هل هو أمر للمأمور الثاني بذلك الشيء؟ أو لا؟ ) مفرَّعة أيضًا على قاعدة أن " [الأمر لطلب] (١) الماهية"، فإن الَاآر با لأمر إنما طلب إيجاد الأمر من [مأموره] (٢)، لا الفعل مِن مأمور مأموره. ومَن يجعله أمرًا له إنما هو عنده بطريق الاستلزام؛ لأن الآمر بالأمر بالشيء لولا أنه [طالب] (٣) لإيجاد المأمور الثاني له لَمَا أَمَر بالأمر له. وبالجملة فالجمهور على أنه ليس أمرًا به، ونقل العالمي الحنفي عن بعضهم أنه أمر، ونصره العبدري وابن الحاج في شرحيهما على "المستصفى"، وقالا: (هو أمر حقيقةً لغةً أو شرعًا؛ بدليل قول الأعرابي: "آلله أمرك بكذا؟ " فقال: "نعم". فَفَهم الأعرابي مِن أمر الله لنبيه أنْ يأمرهم بذلك أنهم مأمورون به). انتهى وجواب ذلك أن معناه: آلله أمرك أن تُبلغنا أمره بذلك؟ إذ أوامر الرسول كلها تبليغ لأمر الله. ونحوه استدلال الخصم أيضًا بنحو قوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢]، فإنه لا يُفهم منه إلا أمر الله تعالى لأهل نبيه ﷺ بالصلاة.

стр. 1191

وجوابه كما أشار إليه ابن الحاجب في "مختصريه": بأن معنى أمره بأمرهم تبليغه أمر الله؛ [لقوله] (١) تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ﴾ [المائدة: ٦٧]، فليس ذلك من مسألتنا في شيء؛ لأنه ﷺ تبليغه يكون بأمره، فله علينا الأمر؛ ولهذا من صفاته ﷺ وأسمائه "الآمر الناهي"؛ لقوله تعالى: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وقال ﷺ في حديث المطلب بن حنطب: "ما تركت شيئا مما أمركم الله به إلا وقد أمرتكم به، ولا تركت شيئا مما نهاكم الله عنه إلا وقد نهيتكم عنه" (٢). ويسمى أيضًا "المحلِّل المحرِّم؛ لقوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ [الأعراف: ١٥٧]. وأما غَيره فلا إمرة له على مَن يأمره، فلا يكون أمره تبليغًا لأمر مَن أمره أن يأمر. أما مثال المسألة فأن يقول له: (مُر زيدًا يفعل كذا). وقد مُثِّل فيما مثلوا به بما في "الصحيحين" وغيرهما من قوله ﷺ لعُمر وقد طلَّق ابنُه عبد الله امرأته وهي حائض: "مُره ليراجعها" (٣)، وفي رواية: "فليراجعها حتى تطهر" (٤) الحديث. وفي التمثيل به نظر؛ فإنه صرح فيه بالأمر من الشارع بالمراجعة وهو قوله: (ليراجعها) بلام الأمر، وإنما يكون مثالًا لو قال: (مُره بأن يراجعها)، فتَعيَّن أنْ يكون عمر مُبلغًا ليس

стр. 1192

إلا، فيكون كما لو قال له: "قل له: افعل كذا"، فإن الأول آمِر، والثاني مُبلغ بلا خلاف كما قاله ابن الحاجب في "المنتهى". قلتُ: ولهذا في بعض طُرق الحديث: "فأمره رسول الله ﷺ أن يراجعها" (١). والعجبُ ممن يستدل بذلك على أنَّ الأمرَ بالأمرِ أمرٌ، قال: بدليل ما جاء أنه أَمَره، فلولا أن الأمرَ با لأمرِ أمرٌ لَمَا قال: "أَمَره". وجوابه أنه أمره بصيغة "ليفعل" بلام الأمر. وكلام سليم في "التقريب" يدل على اختيار المذهب الضعيف، فإنه قال: (إذا أمر الله تعالى نبيه ﷺ أن يأمر أُمته بشيء فإن ذلك الشئ يجب فِعله عليهم من حيث المعنى، وهكذا إذا أمر النبي ﷺ الواحد من أُمته أن يأمر غيره بشيء، كان دالًّا على وجوب الفعل عليه، ويصير ذلك بمنزلة ورود الأمر ابتداءً عليه). انتهى وأخذ بعضهم من قوله: (من حيث المعنى) أنه لا يُسمى "أمرًا" وإن قُلنا بأنه وجب عليه، وفيه نظر ظاهر. ومن العجيب أيضًا تفريع وجوب المراجعة أو استحبابها على هذا الخلاف وأنَّ مَن قال بالوجوب فمِن حيث كون الأمر بالأمر أمًرا، ومَن قال بالاستحباب فلكونه ليس أمرًا. فإن مَن يراه أمرًا قد يرى بعدم الوجوب؛ لانصرافه بقرينة كما لو كان أمرًا ابتدائيًّا، لاسيما ونحن بيَّنا أن فيه الأمر صريحًا. وإنما مدْرَك الشافعي وأحمد والأوزاعي وأبي حنيفة وغيرهم في القول بالاستحباب -خِلافًا لقول مالك وأصحابه بالوجوب- انصرافه بقرينة قوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ

стр. 1193

بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢]، فإنما يجامعه التخيير إذا حُمل على الندب" جمعًا بين الدليلين، وغير ذلك من الصوارف. فإن قلتَ: فقد اتفق الأصحاب على الاستحباب، وهو دليل على أنَّ الأمرَ بالأمرِ أمرٌ على ما قررت مِن كون الأمر للأعم. قلتُ: لِمَا ثبت من وجود الأمر الصريح في الحديث. وأيضًا فهو في قوة الأمر بالتبليغ لِما فُهم من تشوُّف الشرع لذلك الفعل، ولهذا في بعض الطرق أنه ﷺ لَمَّا ذكر له عمر ذلك، تغيَّظ فيه، ثم قال له: "مُره فليراجعها" (١)، فكما أنه [بلَّغه] (٢) الواقعة أَمرَه أن يُبلِّغ الحكم. ومما مُثل به المسألة أيضًا قوله ﵊ في الصبيان: "مروهم بالصلاة وهُم أبناء سبع" (٣). رواه أبو داود وغيره. والتمثيل يقتضي أن يكون الصبي مأمورًا بأمر الشارع، والإجماع على أنه ليس مخاطَبًا بخطاب التكليف وإنْ جَرَى خلاف بين أصحابنا الفقهاء في أن الصبي مأمور بأمر الولي؟ أم بأمر الشارع؟ لكن الأرجح الأول، نظرًا إلى [المرجَّح] (٤) في مسألتنا، وهو أن الأمر بالأمر ليس أمرًا، بل جُعِل هذا دليلًا عليه؛ لأنه لا يُتصور أن يُخاطَب.

стр. 1194

والعجب من بعض الفقهاء أنه يجعل هذا محل الخلاف، قال: لأنه أمر [اصطلاحي] (١)، بخلاف: "مُره فليراجعها". ومن المتأخرين من جعل الضابط في الحالين أنه إن قامت قرينة على إرادة التبليغ فهو أمر، وإلا فلا. وهو حَسَن. قلتُ: من أمثلته السالمة مما سبق حديث أنه ﷺ قال لامرأة من الأنصار: "مُري غلامك النجار يعمل لي أعوادًا أجلس عليها" (٢). يعني: المنبر. أخرجه البخاري وغيره. تنبيه: مما يلتحق بهذه المسألة ويشبهها في اعتبار استلزام الطلب فيكون أمرًا -مواضع: أحدها: نحو قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣]، فإن الأمر بالأخذ يتوقف على إعطاءهم تلك، فهل يكون أمرًا لهم بالإعطاء؟ أو لا؟ فيه خلاف حكاه ابن القشيري، فقال بعض الفقهاء: يجب عليهم الإعطاء؛ من حيث إنَّ الأمر بالأخذ يتوقف عليه، فيجب من حيث كونه مُقدمة للواجب، كالطهارة للصلاة وإنِ اختلف الفاعل هنا، فيكون كالأمر لهم ابتداءً. وقال القاضي: يجب لا بهذا الطريق، بل بالإجماع؛ لأنه إذا وجب عليه الأخذ، فيأمر بالإعطاء، وامتثال أمره واجب. الثانى: الأمر بإتمام [الشيء] (٣) يتضمن الأمر بالشروع؛ ولهذا احتج أصحابنا على

стр. 1195

وجوب العمرة من القرآن بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. قلتُ: إن كان الأمر بالإتمام بعد الشروع فلا يكون أمرًا بالشروع؛ لأنه تحصيل الحاصل. وإن كان قبل الشروع فهو أمر بالأصل عُبر عنه بالإتمام، كما في: ﴿أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، لا من حيث إنَّ الأمر بالإتمام تضمنه. ولهذا قال بعض أصحابنا: إن في الآية دليلًا على أنَّ وجوب الحج كان في السنة السادسة في الحديبية؛ لأن الأمر ورد ونزلت آيته حينئذٍ ولم يكونوا في حج حتى يؤمروا بالإتمام؛ فَتَعيَّن أن يكون أمرًا بأصل الحج عُّبر فيه بالإتمام. وأما العمرة فإن كانت الآية نزلت وقد أحرموا بها فلا دليل على وجوب العمرة؛ لأن الشروع تحصيل الحاصل، والإتمام واجب وإنْ كان الابتداء تطوعًا؛ [لآن] (١) هذا حكم الحج والعمرة باتفاق. وإنْ لم يكونوا عند نزول الآية مُحْرمين بالعمرة فالأمر لأصل العمرة كما قلناه في الحج ولكن عُّبر بالإتمام فيهما. الثالث: الأمر بصفة [شيء] (٢) هل يقتضي الأمر بالموصوف؟ قال الشيخ أبو إسحاق: (نعم، كالأمر بالطمأنينة في الركوع والسجود يكون أمرًا بهما). قال: وغلطت الحنفية حيث استدلوا على وجوب التلبية في الإحرام بما رُوي أن جبريل نزل على النبي ﷺ فقال: "مُر أصحابك ليرفعوا أصواتهم بالتلبية" (٣). فجعلوا الندب إلى الصفة -وهي رفع الصوت بها- دليلًا على وجوبها.
следующие страницы →