← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 32476

الفوائد السنية في شرح الألفية

شمس الدين البرماوي

Полный текст (2 306 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

وجوابه كما أشار إليه ابن الحاجب في "مختصريه": بأن معنى أمره بأمرهم تبليغه أمر الله؛ [لقوله] (١) تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ﴾ [المائدة: ٦٧]، فليس ذلك من مسألتنا في شيء؛ لأنه ﷺ تبليغه يكون بأمره، فله علينا الأمر؛ ولهذا من صفاته ﷺ وأسمائه "الآمر الناهي"؛ لقوله تعالى: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، وقال ﷺ في حديث المطلب بن حنطب: "ما تركت شيئا مما أمركم الله به إلا وقد أمرتكم به، ولا تركت شيئا مما نهاكم الله عنه إلا وقد نهيتكم عنه" (٢). ويسمى أيضًا "المحلِّل المحرِّم؛ لقوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ [الأعراف: ١٥٧]. وأما غَيره فلا إمرة له على مَن يأمره، فلا يكون أمره تبليغًا لأمر مَن أمره أن يأمر. أما مثال المسألة فأن يقول له: (مُر زيدًا يفعل كذا). وقد مُثِّل فيما مثلوا به بما في "الصحيحين" وغيرهما من قوله ﷺ لعُمر وقد طلَّق ابنُه عبد الله امرأته وهي حائض: "مُره ليراجعها" (٣)، وفي رواية: "فليراجعها حتى تطهر" (٤) الحديث. وفي التمثيل به نظر؛ فإنه صرح فيه بالأمر من الشارع بالمراجعة وهو قوله: (ليراجعها) بلام الأمر، وإنما يكون مثالًا لو قال: (مُره بأن يراجعها)، فتَعيَّن أنْ يكون عمر مُبلغًا ليس

стр. 1192

إلا، فيكون كما لو قال له: "قل له: افعل كذا"، فإن الأول آمِر، والثاني مُبلغ بلا خلاف كما قاله ابن الحاجب في "المنتهى". قلتُ: ولهذا في بعض طُرق الحديث: "فأمره رسول الله ﷺ أن يراجعها" (١). والعجبُ ممن يستدل بذلك على أنَّ الأمرَ بالأمرِ أمرٌ، قال: بدليل ما جاء أنه أَمَره، فلولا أن الأمرَ با لأمرِ أمرٌ لَمَا قال: "أَمَره". وجوابه أنه أمره بصيغة "ليفعل" بلام الأمر. وكلام سليم في "التقريب" يدل على اختيار المذهب الضعيف، فإنه قال: (إذا أمر الله تعالى نبيه ﷺ أن يأمر أُمته بشيء فإن ذلك الشئ يجب فِعله عليهم من حيث المعنى، وهكذا إذا أمر النبي ﷺ الواحد من أُمته أن يأمر غيره بشيء، كان دالًّا على وجوب الفعل عليه، ويصير ذلك بمنزلة ورود الأمر ابتداءً عليه). انتهى وأخذ بعضهم من قوله: (من حيث المعنى) أنه لا يُسمى "أمرًا" وإن قُلنا بأنه وجب عليه، وفيه نظر ظاهر. ومن العجيب أيضًا تفريع وجوب المراجعة أو استحبابها على هذا الخلاف وأنَّ مَن قال بالوجوب فمِن حيث كون الأمر بالأمر أمًرا، ومَن قال بالاستحباب فلكونه ليس أمرًا. فإن مَن يراه أمرًا قد يرى بعدم الوجوب؛ لانصرافه بقرينة كما لو كان أمرًا ابتدائيًّا، لاسيما ونحن بيَّنا أن فيه الأمر صريحًا. وإنما مدْرَك الشافعي وأحمد والأوزاعي وأبي حنيفة وغيرهم في القول بالاستحباب -خِلافًا لقول مالك وأصحابه بالوجوب- انصرافه بقرينة قوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ

стр. 1193

بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢]، فإنما يجامعه التخيير إذا حُمل على الندب" جمعًا بين الدليلين، وغير ذلك من الصوارف. فإن قلتَ: فقد اتفق الأصحاب على الاستحباب، وهو دليل على أنَّ الأمرَ بالأمرِ أمرٌ على ما قررت مِن كون الأمر للأعم. قلتُ: لِمَا ثبت من وجود الأمر الصريح في الحديث. وأيضًا فهو في قوة الأمر بالتبليغ لِما فُهم من تشوُّف الشرع لذلك الفعل، ولهذا في بعض الطرق أنه ﷺ لَمَّا ذكر له عمر ذلك، تغيَّظ فيه، ثم قال له: "مُره فليراجعها" (١)، فكما أنه [بلَّغه] (٢) الواقعة أَمرَه أن يُبلِّغ الحكم. ومما مُثل به المسألة أيضًا قوله ﵊ في الصبيان: "مروهم بالصلاة وهُم أبناء سبع" (٣). رواه أبو داود وغيره. والتمثيل يقتضي أن يكون الصبي مأمورًا بأمر الشارع، والإجماع على أنه ليس مخاطَبًا بخطاب التكليف وإنْ جَرَى خلاف بين أصحابنا الفقهاء في أن الصبي مأمور بأمر الولي؟ أم بأمر الشارع؟ لكن الأرجح الأول، نظرًا إلى [المرجَّح] (٤) في مسألتنا، وهو أن الأمر بالأمر ليس أمرًا، بل جُعِل هذا دليلًا عليه؛ لأنه لا يُتصور أن يُخاطَب.

стр. 1194

والعجب من بعض الفقهاء أنه يجعل هذا محل الخلاف، قال: لأنه أمر [اصطلاحي] (١)، بخلاف: "مُره فليراجعها". ومن المتأخرين من جعل الضابط في الحالين أنه إن قامت قرينة على إرادة التبليغ فهو أمر، وإلا فلا. وهو حَسَن. قلتُ: من أمثلته السالمة مما سبق حديث أنه ﷺ قال لامرأة من الأنصار: "مُري غلامك النجار يعمل لي أعوادًا أجلس عليها" (٢). يعني: المنبر. أخرجه البخاري وغيره. تنبيه: مما يلتحق بهذه المسألة ويشبهها في اعتبار استلزام الطلب فيكون أمرًا -مواضع: أحدها: نحو قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣]، فإن الأمر بالأخذ يتوقف على إعطاءهم تلك، فهل يكون أمرًا لهم بالإعطاء؟ أو لا؟ فيه خلاف حكاه ابن القشيري، فقال بعض الفقهاء: يجب عليهم الإعطاء؛ من حيث إنَّ الأمر بالأخذ يتوقف عليه، فيجب من حيث كونه مُقدمة للواجب، كالطهارة للصلاة وإنِ اختلف الفاعل هنا، فيكون كالأمر لهم ابتداءً. وقال القاضي: يجب لا بهذا الطريق، بل بالإجماع؛ لأنه إذا وجب عليه الأخذ، فيأمر بالإعطاء، وامتثال أمره واجب. الثانى: الأمر بإتمام [الشيء] (٣) يتضمن الأمر بالشروع؛ ولهذا احتج أصحابنا على

стр. 1195

وجوب العمرة من القرآن بقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. قلتُ: إن كان الأمر بالإتمام بعد الشروع فلا يكون أمرًا بالشروع؛ لأنه تحصيل الحاصل. وإن كان قبل الشروع فهو أمر بالأصل عُبر عنه بالإتمام، كما في: ﴿أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، لا من حيث إنَّ الأمر بالإتمام تضمنه. ولهذا قال بعض أصحابنا: إن في الآية دليلًا على أنَّ وجوب الحج كان في السنة السادسة في الحديبية؛ لأن الأمر ورد ونزلت آيته حينئذٍ ولم يكونوا في حج حتى يؤمروا بالإتمام؛ فَتَعيَّن أن يكون أمرًا بأصل الحج عُّبر فيه بالإتمام. وأما العمرة فإن كانت الآية نزلت وقد أحرموا بها فلا دليل على وجوب العمرة؛ لأن الشروع تحصيل الحاصل، والإتمام واجب وإنْ كان الابتداء تطوعًا؛ [لآن] (١) هذا حكم الحج والعمرة باتفاق. وإنْ لم يكونوا عند نزول الآية مُحْرمين بالعمرة فالأمر لأصل العمرة كما قلناه في الحج ولكن عُّبر بالإتمام فيهما. الثالث: الأمر بصفة [شيء] (٢) هل يقتضي الأمر بالموصوف؟ قال الشيخ أبو إسحاق: (نعم، كالأمر بالطمأنينة في الركوع والسجود يكون أمرًا بهما). قال: وغلطت الحنفية حيث استدلوا على وجوب التلبية في الإحرام بما رُوي أن جبريل نزل على النبي ﷺ فقال: "مُر أصحابك ليرفعوا أصواتهم بالتلبية" (٣). فجعلوا الندب إلى الصفة -وهي رفع الصوت بها- دليلًا على وجوبها.

стр. 1196

أي: فكيف يكون الأمر بالصفة للندب وهو يتضمن الأمر بالموصوف إيجابا؟ قيل: قد نقل غيره عن الحنفية عكس ذلك، فنقل بعض الحنابلة ذلك عن أحمد وأصحابه؛ لأن الأمر بها لَمَّا كان أمرًا بالموصوف، كان ظاهره الوجوب فيهما، فلما دل الدليل على صرف الأمر بالصفة عن الوجوب إلى الندب، بقي الأمر بالموصوف على وجوبه. قال: (وقد تمسك به أحمد على وجوب الاستنشاق بالأمر بالمبالغة، قال: وقالت الحنفية فيما حكاه الجرجاني: لا يبقى فيه دليل على وجوب الأصل). انتهى وقد استُفيد منه جواز دعوى الغلط في المقالة مِن أي قائل كان لما ظهر من مدرك هذه المقالة. نعم، حرر ابن دقيق العيد في "شرح الإلمام" المسألة، فقال: الأمر بالصفة إنْ كان المراد به الإيجاد فهو أمر بالموصوف، أو أنه إنْ وقع الموصوف فليكن بهذه الصفة، فلا يقتضي وجوب الموصوف. قال: وقد يحتمل الحال الأمرين، كقوله ﷺ : "أفشوا السلام بينكم" (١) يحتمل أن [يُراد] (٢): إنْ سلمتم فأفشوا، ويحتمل: أوجدوا الإفشاء بإيجاد السلام. قلتُ: وعكس ذلك أن يَرِد الأمر بصفة مع موصوف ويكون الوجوب في أمر الصفة، لا في الموصوف كما قرر ذلك أصحابنا في حديث: "مَن أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجَل معلوم" (٣) أن المراد: إيجاب كون الأجل معلومًا، لا إيجاب الأجل، وإلا لكان السلم لا يجوز إلا في مكيل وموزون، لا في مذروع ومعدود.

стр. 1197

وقولي: (فَلَا يُرَى مَقِيسَا) أي: مساويًا للأمر الابتدائي، فإن "القياس" لغةً: المساواة والتقدير. والله أعلم. ص: ٥٤٥ - وَآمِر بِمَا لَهُ تَنَاوَلَا ... فَالْأَكْثرونَ: لَيْسَ فِيهِ دَاخِلَا الشرح: هذا من مباحث الأمر باعتبار متعلقه وهو الآمر والمأمور أنه هل من قضية الأمر تَغايُرهما حتى لو كان الأمر بلفظ متناوِل للآمِر لا يكون داخلًا؛ لِفَقْد التغايُر؟ أو لا حتى [يكون] (١) مأمورًا بذلك؟ فيه مذهبان: أحدهما وهو قول الأكثرين: أنَّ الآمر لا يكون داخلًا في أمره. وهو ما رجحه ابن الصباغ من وجهين حكاهما. وسبقه إلى ترجيحه الشيخ أبو حامد وقال: القول بالدخول ظاهر الفساد. وبه أيضًا قطع الجرجاني في "كتاب الوصية"، قال: لأن الظاهر أن المأمور غيره. بل ظاهر كلام الرافعي جزمًا والنووي نقلًا عن أصحابنا أنَّ المتكلم لا يدخل في عموم كلامه ولو كان غير آمرٍ وناهٍ. ففي "الروضة" فيما إذا قال: "نساء المسلمين طوالق"، ففي طلاق زوجته وجهان. ثم صحح من "زوائده" أنه لا يقع، وعلَّله بأن الأصح عند أصحابنا في الأصول أنه لا يدخل (٢). وجزم الرافعي بنحوه أيضًا في الكلام على الكنايات، فقال: (إذا قال: "نساء العوالم

стр. 1198

طوالق وأنت يا زوجتي"، لا تطلق زوجته؛ لأنه عطف على نسوة لم يطلقن) (١). انتهى وهو صريح في أن المتكلم لا يدخل في عموم كلامه. نعم، نقل الإمام في "المحصول" عن الأكثرين عكسه، فقال: المتكلم يدخل في عموم متعلق خطابه عند الأكثرين، سواء أكان خبرًا أو أمرًا أو نهيًا، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٩]، وقول القائل: مَن أحسن إليك فأكرمه، أو: لا تُهِنه (٢). وجرى أيضًا ابن الحاجب على الدخول مطلقًا، فقال في مسائل العموم: (المخاطِب داخل في عموم متعلق خطابه عند الأكثر) (٣) إلى آخِر ما سبق من كلام الإمام. والحقُّ أن الأكثرين في الأمر والنهي على عدم الدخول كما ذكرناه هنا وفي النهي، وأما في الخبر فالاكثرون على الدخول كما سيأتي في باب العموم. وفي كلام الصفي الهندي ما يُشعر بهذا التفصيل تبعًا لأبي الحسين، خلافًا لمن نقل عن الهندي أنه يقول بالدخول مطلقًا، وسيأتي ذِكر كلامه بعد ذلك. ووقع في "جمع الجوامع" اختلاف في الموضعين، فقال هنا: إن الآمِر يدخل في عموم متعلق أمره (٤). وفي "باب العموم": إنه لا يدخل إلا إذا كان خبرًا، لا أمرًا (٥). أي: ولا نهيًا. ولَمَّا استُشكل عليه ذلك أجاب في "منع الموانع" بما لا يخلص عن الإشكال.

стр. 1199

قال شارحه شيخنا بدر الدين الزركشي: (إنه لو جمع بين كلاميه بأن المذكور في "باب الأمر" حيث كان الخطاب متناولًا له نحو: "إن الله يأمرنا بكذا"، ونحو قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١]، والمذكور في "باب العموم" حيث لم يكن بلفظ يتناوله نحو: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] فلا يدخل فيه موسى ﵇؛ بدليل قوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١]، وموسى ﵇ لا يظن به ذلك) (١). قال: (ورأيت هذا التفصيل لأبي الخطاب في "التمهيد"، وبه يزول الإشكال). انتهى قلتُ: وفي ذلك نظر؛ لأن الصيغة إذا لم يمكن أن تكون شاملة للمتكلم فليس محل الخلاف، وإن كانت شاملة له فالحكم كما سبق من التفصيل بين الخبر وبين الأمر والنهي. ويظهر ذلك مما سنذكره في محل الخلاف كما ذكره الهندي نقلًا عن أبي الحسين، وقال: إنه جيد. فلا حاجة لنقله عن "التمهيد". قولي: (بِمَا لَهُ تَنَاوَلَا) إشارة إلى تحرير محل الخلاف، وهو أن يأمر غيره بلفظ عام متناوِل للآمِر. فخرج بذلك ما لو أمر نفسه وحدها، فإنه لا يقال في مثل ذلك: إنه بلفظ يتناوله. وذلك كأن يقول لنفسه: افْعَل كذا. أو يُجرد مِن نفسه مخاطبًا ويأمره بشيء وهو في الحقيقة آمِرٌ لنفسه. أو يأتي بلام الطلب مع فعل المتكلم، نحو: "قوموا فلأُصَلِّ لكم" (٢)، ونحو ذلك، فلا خلاف في جوازه وأن المتكلم هو المراد به.

стр. 1200

ولكن هل يسمى ذلك [حسنًا] (١)؟ قال الهندي تبعًا لأبي الحسين: (الحقُّ المنع؛ لأن فائدة الأمر الإعلام بالطلب، ولا فائدة في إعلام الشخص نفسه) (٢). قال: (وهل يسمى أمرًا؟ إنْ شرطنا الاستعلاء -أيْ: أو العلو- امتنع، وإنْ لم نشرطه فيحتمل المنع أيضًا؛ لأن المغايرة بين الآمِر والمأمور معتبرة) (٣). وخرج مما لو أمر غيره بلفظ خاص بذلك الغير، فهذا غير متناوِل للمتكلم؛ فلا يدخل فيه قطعًا، وسواء في هذا أمر مِن قِبَل نفسه أو إخبار عن أمر غيره، نحو ما سبق في: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾. وخرج ما لو بلغ أمر غيره لكن بلفظ عام يتناوله، كما لو قال ﷺ : "إن الله أمر بكذا" أو: "أمركم بكذا"، فإن شرعه عام له ولغيره إلا أن يدل دليل على خصوصه أو خصوص غيره، فإن هذا في حيز الخبر، فيكون داخلًا فيه على الخلاف الآتي في "باب العموم"؛ ولهذا قال ابن العارض المعتزلي بعد حكاية قولين فيه: إن الصحيح دخوله. وفي كلام الهندي نقلًا عن أبي الحسين وقال: (إنه جيد): (مما يفصل في هذا القسم أن الإنسان إذا خاطب غيره بالأمر، فإنْ نقل كلام الآمِر في ذلك الغير كقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾، دخل؛ لأنه خطاب مع المكلفين، وهذا على سبيل التمثيل وإلا فالأنبياء لا تورث، وإن نقل [أمر غيره] (٤) بكلام نفسه وهو يتناوله، دخل أيضًا؛ [لما

стр. 1201

يشمله] (١)، مثل: إن الله يأمرنا بكذا. وإنْ لم يتناوله، لم يدخل، مثل: إن الله يأمركم) (٢). انتهى وهو عائد إلى التفصيل بين الأمر فلا يدخل والخبر فيدخل، فليس للهندي مخالفة. نعم، زعم بعضهم أن الظاهر أن هذا محل وفاق، وكأنه يقول: إن الذي يُلحظ فيه محض التبليغ ينبغي أن يكون شاملًا قطعًا. لكن الظاهر أنه لا فرق كما سيأتي بسطه في "باب العموم". قولي: (وَآمِرٌ) مبتدأ سوغ الابتداء به -مع كونه نكرة- اختصاصه بمتعلقه، والخبر جملة قولي: (فَالْأكْثَرُونَ: لَيْسَ فِيهِ دَاخِلَا) أي: قائلون ذلك. أو: قال الأكثرون ذلك. و [الفاء لقصد] (٣) العموم في المبتدأ. تنبيه: ذكر في "جمع الجوامع" مسألة النيابة هل تدخل في المأمور به؟ أي: حتى يفعله غير المأمور نيابة عن المأمور؛ لأن الغرض حصوله في الجملة، أوْ لا؛ لأن الغرض الابتلاء والاختبار، فيفعله بنفسه؟ فعُلقتها بالأصول -وإنْ كانت من الفروع الفقهية كما هي مبسوطة في كتب الفقه في "باب الوكالة" وغيرها - أن المخاطَب بالأمر هل هو مكلف بمباشرته بنفسه؛ أوْ لا؟ وتبع في ذلك كثيرًا من الأصوليين كالآمدي وغيره، لكن ذِكرها في الفقه أليق؛ فلذلك لم أذكرها

стр. 1202

في النَّظم. وعبارة الأمدي: (يجوز عندنا دخول النيابة فيما كُلِّف به من الأفعال البدنية، خلافًا للمعتزلة؛ تعلُّقًا بأن المطلوب من المأمور قهر النفس وكسرها، والنيابة تأبَى ذلك) (١). وأجيب بأن فيها أيضا بذل المئونة أو حمل المنة. نعم، شَرْطُ المسألة أن لا يكون ثَمَّ مانع؛ لتخرج النيابة في الصلاة ونحوها. والمسألة مبسوطة في الفروع، والله أعلم. ص: ٥٤٦ - وَالْأَمْرُ في النَّفْسِ بِشَيْءٍ عُيِّنَا ... نَهْيٌ عَنِ الضِّدِّ الْوُجُودِي بُيِّنَا ٥٤٧ - وُجُوبًا اوْ نَدْبًا يُرَى، لَا اللَّفْظِي ... فَلَيْسَ عَيْنَ أَوْ ضَمِينَ اللَّفْظِ الشرح: هذه المسألة أيضًا من مباحث مدلول الأمر، وهي أن دلالة الأمر على طلب الفعل المأمور به قطعية، لكن هل على طلب ترك الكف عنه؟ أو فِعل يحصل به الكَف عنه؟ وهو المراد بقولهم: هل هو نهي عن ضده؟ أو لا؟ واعْلَم أنه قد سبق في الكلام في حد "الأمر" أنه إما أن يراد بالأمر نفس الطلب أو الصيغة الدالة على الطلب، فالكلام في هذه المسألة بكل من الاعتبارين. فالأول: وهو الأمر النفساني الذي هو الاقتضاء والطلب، اختلف المثبتون للكلام

стр. 1203

[النفسي] (١) في كونه نهيًا عن ضد المأمور به أوْ لا - على مذاهب: أحدها: أن الأمرَ بالشيء المعيَّنِ عَيْنُ النهي عن ضده الوجودي. وهو قول الأشعري والقاضي، ونقله في "التقريب" عن جميع أهل الحق النافين لخلْق القرآن، وأطنب في نُصرته، ونقله الغزالي في "المنخول" عن الأستاذ والكعبي، ونقله ابن برهان في "الأوسط" عن العلماء قاطبة، وقال صاحب "اللباب" من الحنفية: إنه قول أبي بكر الجصاص، وهو أشبه. وقال القاضي عبد الوهاب في "الملخص": إنه قول المتكلمين، الأشعري وغيره. قال الشيخ أبو حامد: بَنَى الأشعري ذلك على أن الأمر لا صيغة له، وإنما هو معنى قائم بالنفس، فالأمر عندهم هو نفس النهي من هذا الوجه. أي: فاتصافه بكونه أمرًا ونهئا كاتصاف الكون الواحد بكونه قريبًا من شيء بعيدًا من شيء. قال الماوردي: الأمر له متعلقان متلازمان: اقتضاء إيقاع الفعل، واقتضاء اجتناب تركه، والترك هو فِعل آخَر هو ضد المتروك. الثاني: أنه ليس عَيْن النهي ولكن يتضمنه ويستلزمه من طريق المعنى. وبه جزم القاضي أبو الطيب، ونصره الشيخ أبو إسحاق في "التبصرة" وابن الصباغ في "العدة"، ونقله الشيخ أبو حامد وسليم عن أكثر أصحابنا وأكثر الفقهاء. وقال ابن السمعاني: (هو مذهب عامة الفقهاء) (٢). ونقله القاضي عبد الوهاب عن أكثر أصحاب الشافعي، قال: وهو الذي يقتضيه مذهب أصحابنا وإن لم يصرحوا به. وقال إمام الحرمين وابن القشيري والمازري: إن القاضي أبا بكر مال إليه في آخِر

стр. 1204

مصنفاته. واختاره الإمام فخر الدين والآمدي وأتباعهما، وإنْ جعلوا الخلاف في الأمر الذي هو الصيغة لكن قصدهم مدلولها، فيؤول إلى ما ذكرناه. الثالث: أنه ليس عَيْن النهي عن ضده ولا يقتضيه. ونُقل عن اختيار الإمام والغزالي وإلْكِيَا الطبري. وحكاه خَلقٌ من الأئمة عن المعتزلة، وليس بجيد؛ فإن المعتزلة لا يُثبتون الكلام النفسي بل اللفظ، والكلام الآن ليس فيه. وقال إمام الحرمين وإلْكِيَا: إنه الذي استقر عليه رأي القاضي آخِرًا. وهذا غير ما سبق نقله عنه، فله أقوال مضطربة، وحكى الآمدي وابن الحاجب عنه النفي مطلقًا، وقول أنه يتضمنه، وأنه آخِر قوليه. أما الأمر بالاعتبار الثاني -وهو صيغة الأمر- فلا يجري فيها المذهب الأول وهو كَوْنه عَيْن النهي عن الضد قطعًا إلا أن يُراد اتحاد مدلوليهما، فيعود إلى الأمر النفساني. وإليه أشار الصفي الهندي إذ قال: (لا يمكن أن تكون صيغة: "تحرك" مَثَلًا هي عين صيغة: "لا تسكن"؛ فإن ذلك معلوم الفساد، بل مَن قال: "إن الأمر بالشيء نهي عن ضده" عَنَى أن المعنى المعَبَّر عنه بِـ "تحرك" عَيْن المعنى المعبَّر عنه بِـ "لا تسكن") (١). ويجري فيه المذهبان [الآخَران] (٢)، لكن عند مَن يرى بأن الأمر له صيغة، لا سيما مَن يقول بأنه: لا أمر إلا الصيغ. فقالت المعتزلة -ومنهم عبد الجبار وأبو الحسين- بالقول الثاني، وهو أن الأمر يتضمن النهى عن الضد.

стр. 1205

قال الأَبياري: إنهم إنما ذهبوا إليه لإنكارهم كلام النفس، والكلام عندهم ليس إلا العبارات، ولم يمكنهم أن يقولوا: الأمر بالشيء عَيْن النهي عن ضده؛ لاختلاف الألفاظ قطعًا، فقالوا: يقتضيه، لأن مُريد الشيء كارِهٌ لضده، فكأنه نهَى عنه. وقال بالقول الثالث فيه (وهو أنه لا يدل عليه أصلًا) قدماء مشايخ المعتزلة وكثير من أصحابنا، وهو المختار، وجزم به النووي في "الروضة" في "كتاب الطلاق"؛ لأن القائل: "اسْكُن" قد يكون غافلًا عن ضد السكون وهو الحركة، فليس عَيْنه ولا يتضمنه. وهو معنى قولي في النَّظم: (فَلَيْسَ عَيْنَ أَوْ ضَمِينَ اللَّفْظِ)، أي: لفظ النهي ليس عَيْن لفظ الأمر ولا يتضمنه، فحذف المضاف إليه من الأول، لدلالة الثاني عليه. واللام في "اللفظ" للعهد، أي: لفظ الأمر بالشيء المتكلم عليه. واختار الآمدي (١) أن يقال: إن جوَّزنا تكليف ما لا يطاق فالأمر بالفعل ليس نهيًا عن ضده ولا يستلزمه، بل يجوز أن يأمر بالفعل وبضده في الحالة الواحدة. وإنْ مُنِع فالأمر بالشيء مستلزم للنهي عن ضده. قال الهندي: (لأن ما لا يتم الواجب إلا به واجب) (٢).

стр. 1206

تنبيهات الأول: محل الخلاف في الأمر بمُعين الذات والوقت كما قاله الشيخ أبو حامد وابن القشيري، وكذا قيد به القاضي عبد الوهاب مذهب الشيخ الأشعري، فإن الأمر على التخيير قد يتعلق بالشيء وضده، فيكون المأمور به أحدها لا بعينه، وهو مراد القاضي بتقييده بأن لا يكون له بدل. وربما جمع بينهما تأكيدًا كما عبر به عبد القاهر البغدادي فقال: إنه إنما يكون نهيًا عن الضد إذا كان بلا بدل وتخيير. وأراد بالبدل في المخيَّر لا الرتب؛ لأن الرتب المطلوب فيه مُعَين. وخرج بقولي: "مُعيَّن" [الوقت] (١) الموسَّع، فإنه يُترك في وقتٍ لِيفعل في آخَر، فلا يكون الأمر به نهيًا عن ضده، إلا أن يقال: ضده الترك من أول الوقت إلى آخِره، فلا حاجة لاستثنائه. وهذا معنى قولي في النظم: (بِشَيْءٍ عُيِّنَا)، فإنه يشمل المعيَّن في نفسه وفي وقته. وقولي بعده: (لَا اللَّفْظِي) أي: لا الأمر اللفظي بِقَيْده وهو التعيين، فهو قيد فيهما. وفي "القواطع" لابن السمعاني اشتراط كونه على الفور، فإنَّ ما كان على التراخي لا يُنهَى عن ضده؛ لجواز التأخير، وكذا ذكره بعض الحنفية كشمس الأئمة وغيره. وفيه نظر؛ لأن ضده تركه بالكلية كما سبق نظيره في الموسَّع، فحَقِّق ذلك. الثاني: محل الخلاف أيضًا في الضد الوجودي كما قيدت به في النظم، وذلك أنه هو الذي من لوازم نقيض الشيء المأمور، كالأمر بالحركة هل هو نهي عن نفس السكون الذي

стр. 1207

هو ضِد لها؟ أَم لا؟ فإن لم يكن له إلا ضد واحد فالخلاف في النهي عنه، كصوم يوم العيد، الأمرُ بالفطر فيه نهى عن ضده وهو الصوم، ومِثله الأمر بالإيمان نهيٌ عن الكفر. وإن كان له أضداد كالأمر بالقيام فإن له أضدادًا من قيام وقعود وركوع وسجود ونحوها، ففي النهي عنه -إذا قُلنا: نهي عن ضده أو يستلزمه- هل المراد جميع أضداده؟ أو واحد منها لا بِعَيْنه؟ فيه خلاف حكاه عبد العزيز من الحنفية. قلتُ: والظاهر الثاني. أما النقيض فقيل: نهي عنه بلا خلاف، فالأمر بالحركة نهى عن انتفائها، وبالعكس. قلتُ: إنْ أُرِيدَ العدم المحض فليس داخلًا تحت القدرة، سواء فيه المقابلة في نقيضين أو في عدم وملكة، لأنه إنْ نُظِر إليهما بشرط وجود موضوع قابل للأمرين، فَهُمَا العدم والملكة كالبصر والعمى. وإنْ نُظر إليهما لا بشرط موضوع مستعد لذلك، فَهُمَا السلب والإيجاب، كالإنسانية وعدم الإنسانية. وإنْ أريد فِعل وجودي يُضاد المأمور به فهو ما سبق فيما إذا لم يكن له إلا ضد واحد، وهو داخل في محل الخلاف. فينبغي أن يُقال: إن التحرز بالوجودي عن الفعل الذي هو كَف لا العدم، فقد قال الآمدي وغيره: الأمر بالشيء نهي عن تركه بطريق التضمن قطعًا. الثالث: قولي: (وُجُوبًا اوْ نَدْبًا) إشارة إلى أن مورد الخلاف مطلقُ الأمر، سواء أكان أمر

стр. 1208

إيجاب أَم أمر ندب. وبه صرح القاضي في "مختصر التقريب"، و [جعل] (١) النهي عن الضد في الوجوب تحريمًا وفي الندب تنزيهًا. قال: وبعض أهل الحق خصَّص ذلك بأمر الإيجاب، لا الندب. وهو ما حكاه القاضي عبد الوهاب في "الملخص" عن الشيخ، وأنه قال في بعض كتبه: إنَّ الندب حسنٌ وليس مأمورًا به، وعلى هذا القول لا حاجة لاشتراط الوجوب في الأمر؛ لأنه لا يكون إلا للوجوب. ثم قال عبد الوهاب: والصحيح عندي لا فرق بين الوجوب والندب. افيج: استُشكِل تصوير المسألة بأن الكلام إن كان في النفساني فإنه إلى الله تعالى، فالله تعالى بكل شيء عليم، وكلامه واحد بالذات، وهو أمر ونهي وخبر واستخبار باعتبار المتعلق. وحينئذٍ فأمر الله تعالى بالشيء عَيْن نهيه عن ضده، بل وعَيْن النهي عن شيء آخَر لا تعلق له به -كالأمر بالصلاة والصوم- هو عَيْن النهي عن الزنا والسرقة، فكيف يأتي فيه ذلك؟ ! وإن كان الخلاف بالنسبة إلى المخلوق فكيف يكون هو عَيْن النهي عن ضده أو يتضمنه مع احتمال ذهوله عن الضد مطلقًا؟ كما هو حُجة من قال: لا عَيْنه ولا يتضمنه كما سبق. وجوابه: أن الكلام في "التعلق"، فهل متعلق الأمر بالشيء هو عين متعلق النهي عن ضده؟ أو مستلزم له؟ كالعلم المتعلق بمتلازمين: يمين وشمال، وفوق وتحت، وشبه ذلك. وأما في اللفظي فهل يدل عليهما معًا؟ أو على واحد فقط؟ على أن القرافي والصفي الهندي والتبريزي في "التنقيح" جزموا بأن الخلاف في المسألة في اللساني فقط، وأنه لا يتأتى في كلام الله تعالى أنه غيره.

стр. 1209

قال الهندي: لا على رأْي مَن يرى تَعَدُّد كلام الله تعالى. يريد تنويعه باعتبار المتعلق كما قدمناه. فإن كان مراد مَن خصص بغير كلام الله تعالى لِمَا فيه مِن الاتحاد في ذاته، فليس بينهم وبين الناس خلاف. فإن قيل: على كل حال إنما يُتكلم في أصول الفقه في الأمر اللفظي، فَلِمَ تفرض المسألة في هذا العِلم في النفساني؟ وما فائدتها في هذا الفن؟ قلتُ: لأن اللفظي فرع النفسي؛ لدلالته عليه، فإذا وُجد، أَشْعَر بما يتعلق بالنفسي مِن كَوْنه عَيْنه أو ضمينه، وتأتي حينئذٍ الفائدة بوجود اللفظي. الخامس: عكس هذه المسألة، وهو أن النهي عن الشيء هل هو أمر بضده؟ يأتي الكلام عليه في موضعه وهو مسائل النهي. وقد خرج على القاعدة -[مما] (١) يتعلق بالأمر باعتبار الصيغة- مسائل: منها: ما قاله العلامة شهاب الدين محمود الزنجاني في كتابه "تخريج الفروع على الأصول" بعد أن قرر أن مذهب الشافعي أن الأمر بالشيء ليس نهيًا عن ضده وأن النهي ليس أمرًا بالضد، خلافًا للأصوليين من أصحاب أبي حنيفة: (إنَّ التخلي للعبادة أفضل من الاشتغال بالنكاح، خلافًا لهم، لأن النكاح يتضمن ترك الزنا، والزنا منهي عنه نهي تحريم، لكن لَمَّا كان هذا يؤدي إلى قولهم بوجوب النكاح التزموه فيما إذا تركه جميع عُمره، فإنه يعاقب في الآخِرة) (٢). ولكنه مردود بما محله كتب الفقه. ومنها: ما قاله الزنجاني أيضًا: (إرسال الطلقات الثلاث مباح عندنا، خلافًا لهم. قالوا: لأن الأمر بالنكاح نهي عن قَطْعِه بالكلية، والثلاث هي قَطْعه وقَطعْ مصلحته بالكُلية،

стр. 1210

بخلاف الطلقة والطلقتين فإنه قَطْعٌ لكن لا بالكُلية). قال: (فلئن قُلنا: النكاح عند تنافر الأخلاق يصير مفسدة، فلَم يتضمن قَطْع مصلحة. قالوا: النكاح لا يصير مفسدة لا باعتبار ذاته ولا ما يختص به من الأحكام، وإلا [لامتنعت] (١) شرعيته) (٢). انتهى قلتُ: هذا حيث لا معارض أرجح، وإلا فيُعمل بالمعارِض، وقد يكون في الطلقات الثلاث مصلحة ترجح على عِصمة تلك المرأة، لا مطلقًا. ومنها: ما قاله الرافعي في "الشرح الصغير" تفريعًا على الخلاف في القاعدة: (لو قال لها: "إنْ خالفت نهي فأنت طالق" ثم قال لها: "قومي" فقعدت) (٣). وسيأتي في "باب النهي" في مسألة "النهي عن الشيء أمر بأحد أضداده" الكلامُ على ذلك مبسوطا. والله أعلم. ص: ٥٤٨ - ثُمَّ إذَا تَبَاعَدَ الْأَمْرَانِ ... أَوْ مَا تَمَاثَلَا، هُمَا غَيْرَانِ ٥٤٩ - فَإنْ تَعَاقَبَا مَعَ التَّمَاثُلِ ... وَمَانِعُ التَّكْرَارِ غَيْرُ حَاصِلِ ٥٥٠ - وَذَلِكَ الثَّاني بِعَطْفٍ، عُمِلَا ... بِالْكُلِّ، أَوْ بِدُويهِ فَاحْتَمَلَا الشرح: من مباحث الأمر أنه إذا تَعدد، هل يلزم فيه تَغايُر المطلوب وتعدده؟ أو لا؟ وقد جعلته خمسة أقسام:

стр. 1211

وذلك أن الأمرين إذا كانا من آمِر واحد: - فإما أن يكونا في وقتين غير متعاقبين، بل بينهما فصل طويل بسكوت ونحوه، سواء أكانا بمأمور واحد أو لا. - أو يكونا متعاقبين إلا أنهما بمأمورين متغايرين. - أو يكونا متعاقبين إلا أنهما متماثلان، ولكن منع مانع مِن تَكرُّر المطلوب بهما. - أو في التماثل كذلك ولكن لم يمنع من التكرار مانع، وهو إما بعطف أو بغير عطف. فالأول وإليه أشرت بقولي: (تبَاعَدَ الْأَمْرَانِ)، أي: فهُما متغايران، وتغايُرهما قيل: بلا شك. وفيه نظر؛ فإن الخلاف محكي فيه كما سيأتي نقلًا عن الصيرفي. والثاني: وهو مما إذا تعاقَبَا لكن بمتغايِر، فهُما غَيْران أيضًا، كـ ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]. والثالث: أن يتعاقبا ويتماثلا وهناك مانع من التكرار عادي أو غيره، فهو متحد قطعًا. وهذا القِسم خارج من مفهوم القِسم الذي يأتي بعده. وهو قولي: (وَمَانِعُ التَّكرَارِ غَيْرُ حَاصِل)، أي: أما إذا كان مانع التكرار حاصلًا، فالاتحاد قطعي؛ لأجل المانع. فمِن الموانع: أن يستحيل عقلًا تكرره، كـ "اقتل زيدًا، اقتل زيدًا". أو شرعًا، كـ "أَعْتق فلانًا، أعْتق فلانًا" حيث لا يمكن عتقه مرتين، بخلاف ذِمي التحق بدار الحرب ثم استرق، فإنه يمكن تكرر العتق فيه مرارًا.

стр. 1212

ومنها: أن يكون مستغرقًا، كـ "اجلد الزناة، اجلد الزناة" أو "اجلد الزناة، اجلد زيدًا الزاني". وأمَّا ما حكاه القاضي عبد الوهاب من قولي بالتغاير كقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] أي: لأن التقدير "وحافظوا على الصلاة الوسطى" فإنه يجب أن تكون الوسطى غير الصلوات المذكورة، فذاك خلاف في أنه [دخل] (١)؟ أو لا؟ . وكلامنا فيما إذا كان داخِلًا قطعًا. نعم، حكَى خلافًا فيما إذا كان الثاني أعم كَـ "اقتل أهل الأوثان، واقتل جميع المشركين"، قال: والصحيح أنه لا يقتضي المغايرة، بل ذلك للتفخيم والبدأة بما هو الأهم. ومنها: أن تكون العادة في مِثله المَرَّة، نحو: "اسقني ماء، اسقني ماء"، فإنَّ دفْع الحاجة في ذلك غالبًا بِمَرَّة. ومنها: تعريف الثاني، فإنه يقتضي إرادة الأول، لا غيره، نحو: "صَلِّ ركعتين، صَلِّ الركعتين"؛ لظهور العهد فيه؛ ولهذا حمل ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦)﴾ [الشرح: ٥، ٦] العُسر الثاني على الأول، حتى قال: لن يغلب عُسرٌ يُسْرَين. ومنها: أن يكون بين الآمِر والمأمور عهد ذهني، فإنه يقتضي الاتحاد. والرابع: وهو ما إذا تعاقبَا وتماثلا ولا مانع من التكرار، ولكن الثاني معطوف على الأول، نحو: "صَلِّ ركعتين، وصَلِّ ركعتين"، فهما غَيْر ان؛ لاقتضاء العطف المغايَرة، هذا مع [أن] (٢) التأسيس هو الأصل، فرجحت المغايرة من وجهين، وهذا أرجح القولين في المسألة.

стр. 1213

وهو معنى قولي: (عُمِلَا بِالْكُلِّ). وقد حكى القولين القاضي عبد الوهاب، وقال: إن التعدد هو الذي يجيء على أصول أصحابهم. بل قطع كثير هنا بالتعدد؛ لأن الشيء لا يعطف على نفسه. قاله الباجي وصاحب "الواضح"، وبه جزم ابن الصباغ في "العدة"، إلا أنه قال: إن ذلك حيث لم يكن في المعطوف ألِف ولام، فإنْ كان ففيه خلاف، فقيل بالاستئناف، لأن العطف يقتضي المغايرة، والألف واللام تقتضي الاتحاد (١)، فتساويَا، ووُقِف. قيل: والأرجح التعدد؛ لأن كون العطف يقتضي التغايُر وإنْ كان مُعارَضًا بلام التعريف لكن يبقى كون "التأسيس هو الأصل" مُرجِّحًا سالِمًا مِن المعارضة. نعم، اعتُرض بأن هذا أيضًا يعارضه براءة الذمة، فيبقى العطف، ويعارضه أحد الأمرين، فيبقى سالمًا من المعارضة، وهو يقتضي التأكيد. وعلى هذا فتدخل هذه الصورة في مفهوم قولي: (وَمَانِعُ التكرَارِ [ليس حَاصِلًا]) (٢) فإن مانع التكرار فيها حاصل، فاعْلَمه. الخامس: ما إذا تماثلا وتعاقبا من غير عطف، نحو: "صَلِّ ركعتين، صَلِّ ركعتين". وقد ورد هذا في حديث عبد الله بن مغفل في "البخاري" بلفظ: "صَلِّ قبل المغرب، صَلِّ قبل المغرب"، ثم قال في الثالثة: "لمن شاء" (٣). ورواه ابن حبان بلفظ: "صَلِّ ركعتين، صَلِّ

стр. 1214

ركعتين" (١). فهذا فيه ثلاثة مذاهب، قال بكل منها خلائق؛ فلذلك لم أذكر في النظم ترجيحًا، بل قلتُ: (أَوْ بِدُويهِ فَاحْتَمَلَا)، أي: فاحتمل أن يقال بالتعدد، وأن يقال بالاتحاد. وهُما وجهان لأصحابنا حكاهما الشيخ أبو إسحاق وسليم الرازي وغيرهما. وقيل: يوقف. فنقل قول الاتحاد -وهو كونه تأكيدًا له- عن أصحابنا الأستاذ أبو منصور، ونسبه ابن فورك والشيخ أبو إسحاق وابن الصباغ للصيرفي، وهو كذلك؛ فقد نَص عليه في كتاب "الدلائل والأعلام" (٢)، بل زاد على ذلك فصححه فيما إذا لم يتعاقب الأمران. فمقتضاه أنه من محل الخلاف، وأنه مِثل المتعاقبين. وعبارته: (متى خوطِبنا بإيجاب شيء وكُرِّر، لم يتكرر الفعل بتكرر الأمر، كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ في مواضع كثيرة، والدليل عليه حديث الأقرع بن حابس في الحج). انتهى وبه جزم أبو الخطاب الحنبلي في "تمهيده"، ونقل قول التعدد ابن الصباغ عن أكثر أصحابنا، وصححه الشيخ أبو إسحاق وإلْكِيَا الهراسي.

стр. 1215

وقال ابن برهان: إنه قول الجمهور. وحكاه الهروي عن الأكثرين، ونسبه الأستاذ أبو منصور لأهل الرأي مع أنه قطع بالأول. وقال الباجي أنه قول جماعة من شيوخهم وأنه ظاهر مذهب مالك. قال: وإليه ذهب عامة أصحاب الشافعي. وأما قول الوقف -وهو أنه لا يُحمل على التأكيد ولا على التكرار إلا بدليل- فنسبه الباجي لابن فورك، وهو كذلك؛ ففي كتابه: إنه الصحيح. وحكاه ابن القشيري وغيره عن الواقفية، قال: (وكلام القاضي متردد، فتارة يميل إلى الوقف، وهو الصحيح عنه، وتارة يقول بأنه يقتضي إنشاءً متجددًا). انتهى وممن حكى الوقف عن القاضي: أبو الحسين البصري. قال الشيخ أبو إسحاق: ويمكن تخريج هذين الوجهين من قول الشافعي في الفروع في "أنت طالق أنت طالق" ولا نية له: هل يقتضي التأكيد؟ أو الاستئناف؟ قولان. ولم يرجح ابن الحاجب من الأقوال الثلاثة شيئًا، وجرى على عدم الترجيح أيضًا صاحب "جمع الجوامع" وإنْ كان قال في "شرح المختصر": (إن القول بالعمل بهما هو قول الأكثرين مِنا ومن غيرنا) (١). قؤلي: (هُمَا غَيْرَانِ) حذفت الفاء فيه؛ للضرورة، والأصل: "فهما غيران" على حد: من يفعل الحسنات الله يشكرها. وهو جواب عن الصورتين المذكورتين.

стр. 1216

تنبيهات الأول: لا يخفَى أن محل هذه المسألة إذا لم نَقُل في الأمر الواحد: إنه يقتضي التكرار، بل إما للمرة، وإما لا للتكرار ولا للمرة، وهو الأرجح كما سبق. ولا أن محلها أيضًا ما إذا لم يمتثل الأمر الأول، بل جاء الثاني قبل امتثاله، وإلا فهو مغاير قطعًا. الثاني: نقل ابن القشيري عن القاضي أن فرض الكلام في الأمر الصادر من الخلْق، فلا يبعُد التفصيل بين المتعاقب وغيره. فأما أوامر الله تعالى فلا فرق؛ ولذلك جاز التخصيص. قال ابن القشيري: وفيه نظر؛ فإن المتصل بنا من أوامر الله تعالى هو العبارات الدالة عليه، فأي فرق؟ ولو صح هذا لَصَحَّ تأخير المستثنى عن المستثنى منه. الثالث: إذا تكرر المأمور به دون صيغته، نحو: "صَلِّ ركعتين ركعتين"، قال السبكي في "شرح المختصر": (فلم أَرَه مُصرحًا به في الأصول، والظاهر أنه لا فرق، فإنه قول الأكثرين فيما لو قال: "أنت طالق طالق" أنه مِثل "أنت طالق" في التفصيل والحكم، خلافًا لقول القاضي حسين: إنه يقع به طلقة واحدة قطعًا) (١). الرابع: مما يتفرع على المسألة في بعض الأقسام السابقة لو قال الموكِّل -الذي له زوجتان فأكثر- لوكيله: "طَلِّق زوجتي، طَلِّق زوجتي"، أو مَن له عبيد: "أَعْتِق عبدي، أعتق عبدي"، هل له تطليق ثنتين وإعتاق عبدين؟ أوْ لا؟ بل يجري في الواحدة إذا كان طلاقها رجعيًّا، فينبغي مراجعة نَقْلٍ في ذلك، فبعض المتأخرين قال: إنه لم يحضره نَقْل في ذلك.

стр. 1217

والتخريج فيه على ما قُلناه ظاهر، والله أعلم. ص: ٥٥١ - وَصِيغَةُ النَّهْيِ عَلَى التَّحْرِيمِ ... حَقِيقَةً، كَآبَةِ الْيَتِيمِ الشرح: لما فرغت من مباحث الأمر، انتقلت إلى مباحث النهي، وقد سبق حَدُّه وصيغته. فمن مسائل النهي: أن صيغته تَرِد لمعانٍ كما في صيغة الأمر، لكن منها ما هو حقيقة وما هو مجاز، فأشرتُ إلى أن الحقيقة هي دلالتها على التحريم، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢]. وهو معنى قولي: (كَآيَة الْيَتِيمِ)، وهذا على أصح المذاهب التي سنذكرها إذا فرغنا من بقية معاني الصيغة وأمثلتها، والله أعلم. ص: ٥٥٢ - وَلكَرَاهَةٍ مَجَازًا في ﴿وَلَا ... تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ﴾، ذَاكَ [نُقِلَا] (١) ٥٥٣ - [كَذَاكَ لِلْإرْشَادِ] (٢) في ﴿لَا تَسْأَلُوا﴾ ... وَللدُّعَاءِ ﴿لَا تُزِغْ﴾ فَيُقْبَلُ ٥٥٤ - وَمِثْلُهُ أَيْضًا بَيَانُ الْعَاقِبَهْ ... ﴿لَا تَحْسَبَنَّ﴾ لِلشَّهِيدِ وَاجِبَهْ ٥٥٥ - وَالِاحْتِقَارُ، نَحْوُ ﴿لَا تَعْتَذِرُوا﴾ ... ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ﴾ لِتَقْلِيلٍ أُرُوا

стр. 1218

٥٥٦ - قُلْتُ: وَممَّا أَهْمَلُوهُ التَّسْوِيهْ ... وَآيَةُ الْأَمْرِ الْمِثَالُ فَاسْوِيَهْ الشرح: أي: وتَرِد صيغة النهي مجازًا لهذه المعاني: أحدها: الكراهة، وهو الثاني من معاني صيغة النهي مطلقًا، وربما عُبِّر عنه بنهي التنزيه، وبكراهة التنزيه. مثاله قوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧]. قال الصيرفي: لأنه حثهم على إنفاق أطيب أموالهم، لا أنه [يحرم] (١) عليهم إنفاق الخبيث من التمر أو الشعير من القوت، وسبب النزول أنهم كانوا يعلقون الأقناء في المسجد للصدقة، فربما علقوا الحشف. قال: فهو المراد هنا بالخبيث، لا الحرام الذي في نحو قوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. وربما مُثِّلت الكراهة بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١]، وبقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٥]، أي: على عقدة النكاح، وبقوله ﷺ : "لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول" (٢)، وذلك كثير. الثالث: الإرشاد، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]، والمراد: الدلالة على أن الأحوط ترك ذلك. كذا مَثَّل به إمام

стр. 1219

الحرمين، قيل: وفيه نظر، بل هو للتحريم. قلتُ: الذي يظهر قول الإمام؛ فإن الأشياء التي يسأل عنها السائل لا يعرف حين السؤال هل [تؤدي] (١) إلى محذور؟ أو لا؟ ولا تحريم إلا [بالتحقق] (٢). ومنهم مَن يمثله بقوله ﷺ : "لا تعمروا ولا ترقبوا" (٣). قال الرافعي في "باب الهبة": (هذا إرشاد، ومعناه: لا تعمروا طمعًا في أن يعود إليكم، فإن سبيله سبيل الميراث) (٤). فما تقولونه لغو. وبالجملة فهذه الأمثلة ونحوها النهي فيها لمعنى دنيوي، فكان إرشادًا، ولا امتناع أن يكون أيضا أمرًا شرعيًّا كما نَص عليه الشافعي في نظيره مِن الأمر، وقد سبق ذِكره؛ ولهذا وقع التردد في النهي عن "الماء المشمس" هل هو دِيني؟ أو إرشادي؟ كما بُيِّن ذلك في الفقه. الرابع: الدعاء، نحو: ﴿لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: ٨]، ﴿لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. وقولي: (فَيُقْبَل) استئناف على وجه التفاؤل بقبول هذا الدعاء. الخامس: بيان العاقبة، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ [آل عمران: ١٦٩] الآية في الشهداء؛ فلذلك قلتُ: (لِلشَّهِيدِ وَاجِبَهْ)، أي: نازلة في الشهيد مُبَينة لعاقبته.

стр. 1220

و [مثله] (١) قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: ٤٢]. السادس: الاحتقار، نحو: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٦] الآية، والمراد: تحقير شأن المخاطَب بهذا النهي. السابع: التقليل، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ [طه: ١٣١]، أي: إنَّ ذلك قليل لا يلتفت إليه، وهذا غير التحقير السابق، فإن ذلك لتحقير المخاطب، وهذا التحقير شيء في المخاطب به. فمَن يمثِّل بهذه الآية للتحقير فليس بجيد، وكذا مَن يجعلهما واحدًا ويمثِّل بها لهما كما فعل الأَرْدبِيلي في "شرح منهاج البيضاوي"، ووافقه شيخنا بدر الدين الزركشي في "شرح جمع الجوامع" وشرحَهما فيه على أنهما واحد. نعم، التمثيل به هو ما في "البرهان" لإمام الحرمين، ولكن فيه نظر؛ فإن النهي في الآية للتحريم، فإن من خصائص النبي ﷺ تحريمه عليه. ويستدل أصحابنا له بذلك، إلا أن يجاب بأنه لم يخرج عن كونه فيه تقليل أو تحقير من حيث هو، وهو حيمئذ عام للنبي ﷺ ولغيره وإنْ كان بالنسبة إليه ﷺ حرامًا. فقد اشتمل النهي على التحريم باعتباره، وعلى التقليل أو التحقير من حيث هو عام له ولغيره، فليُتأمَّل. الثامن: التسوية، ولم أر مَن ذكره، وهو أَوْلى بالذكر من كثير مما ذكروه، ويمثَّل له بقوله تعالى: ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الطور: ١٦]؛ لأن المراد التسوية في الأمرين. وهو معنى قولي: (آيَةُ الْأَمْر الْمِثَالُ فَاسْوِيَه)، أي: في هذه الآية التي يمثَّل بها لأمر

стр. 1221

التسوية المثال لنهي التسوية، والمراد صيغة الأمر وصيغة النهي، وإلا فمع التسوية لا أمر ولا نهي حقيقة. وأصل قولي: (فَاسْوِيَهْ) فَاسوه، أي: اسوه معه. فإثبات الياء فيه كإثبات الألف في قول الشاعر: (ولا ترضاها ولا تملق)، وحركت؛ للضرورة، وفتحت؛ لأنه أخف. تنبيهان الأول: هذا ما ذكرته في النظم من المعاني، ومما أأذكره فيه: منها: ورودها للأدب، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]. ولكن هذا راجع للكراهة؛ إذِ المراد: لا تتعاطوا أسباب النسيان، فإن نفس النسيان لا يدخل تحت القدرة حتى يُنهَى عنه. ومنها: التحذير، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]. ولكن هذا أيضًا راجع للتحريم؛ إذِ المراد: ولا تتركوا الإسلام، بل أديموه إلى الموت حتى لا تموتوا إلا وأنتم مسلمون. ومنها: اليأس، كقوله تعالى: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا﴾ [التوبة: ٦٦]. وقد يقال: إنه راجع للاحتقار؛ فلهذا مَثَّل بعضهم له بذلك كما سبق. ومنها: إيقاع الأمن، كقوله تعالى ﴿وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾ [القصص: ٣١]. ولكن هذا راجع إلى الخبر، كأنه قيل: أنت لا تخاف. وسيأتي الكلام على ورودها للخبر. ومنها: الالتماس، نحو قول المساوي للمساوي: لا تفعل كذا. وقد سبق نظيره في "الأمر" وأنه مَنعْ بمنزلة التحريم، ولكنه لا أثر له؛ لأن المتكلم به ليس ممن يَمنع ولا

стр. 1222

يُوجِب. ومنها: الخبر، ومثَّله الصيرفي بقوله تعالى: ﴿لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: ٣٣]. وهو عجيب؛ فإنه لو كان نهيًا لحذفت النون، فهو خبر لفظًا ومعنًى [بعجزهم] (١) عن ذلك. أما ورود الخبر بمعنى النهي فكثير، كقوله تعالى: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢]، أي: لا ترتابوا -على أحد التآويل. وذُكِرت أقسام أُخَر فيها نَظَر، أضربتُ عنها في هذا الشرح أيضًا. الثاني: كون صيغة النهي حقيقةً في التحريم مجازًا في غيره هو أصح المذاهب كما في نظيره في "الأمر" أن صيغته للوجوب حقيقة وما سواه مجاز. فإذا تَجَرَّد النهي عن القرائن، حُمِل على التحريم. وهذا ما تظاهرت عليه نصوص الشافعي وأصحابه. ففي "الرسالة" في "باب العلل في الأحاديث" ما نَصه: (وما نهى عنه فهو على التحريم حتى تأتي دلالة عنه على أنه أراد غير التحريم). انتهى وفي "الأُم" في "كتاب صفة الأمر والنهي من رسول الله ﷺ ": "إن كل ما نهى عنه فهو محرم حتى تأتي دلالة أنه بمعنى غير التحريم). انتهى ونَص عليه أيضًا في "أحكام القرآن"، ولهذا قال الشيخ أبو حامد: قطع الشافعي قوله بأن النهي للتحريم قولًا واحدًا حتى يَرد ما يَصْرفه، وله في الأمر قولان.

стр. 1223

ثاني المذاهب: أنه حقيقة في الكراهة، وربما عُبِّر عنه بأنه للتنزيه، ونظيره في "الأمر" أن يكون للندب. ثالثها: أنه مشترك بين التحريم والتنزيه. ورابعها: الوقف، وعُزي للأشاعرة. وما ذكر من بقية المذاهب في "الأمر" لا يجري هنا وإنْ أمكن جريان بعض ذلك، لكن لم يُنقل؛ ولهذا عَيَّن ابن الحاجب هذه الأربعة، وظاهر ذلك أنه لعدم جريان غيرها. نعم، إذا قُلنا: حقيقة في التحريم، فهل هو بالشرع؟ أو اللغة؟ أو المعنى؟ فيه الخلاف السابق في "الأمر". وحكى القرافي هنا قولًا بالإباحة، وأنكره بعضهم عليه، وإنما قال الغزالي في "المنخول": (إن مَن حمل الأمر على الإباحة ورَفْع الحرج حمل هذا على رفع الحرج في ترك الفعل) (١). وقال أبو زيد في "التقويم": لم أقف على الخلاف في حكم "النهي" كما في "الأمر". فيحتمل أنه على الاختلاف فيه. وقال البزدوي: إن المعتزلة قالوا بالندب في الأمر، وقالوا بالتحريم في النهي؛ لأن الأمر يقتضي حُسن المأمور به، والواجب والمندوب داخلان في اقتضاء الحسن، بخلاف النهي، فإنه يقتضي قُبح المنهي عنه، والانتهاء عن القبيح واجب. والله أعلم.

стр. 1224

ص: ٥٥٧ - فَإنْ [تَكُنْ] (١) بَعْدَ الْوُجُوبِ وَرَدَتْ ... تَبْقَى عَلَى التَّحْرِيمِ فِيمَا قَدْ ثَبَتْ الشرح: اعْلَم أنه قد سبق في الأمر مسائل يقع النظر في كون النهي مِثله فيها أوْ لا، تعرضتُ في النظم لطائفة منها. فمنها هذه المسألة، وهي أن صيغة النهي إذا وردت في شيء قد كان واجبًا إلى حين ورودها، هل يكون سَبْق الوجوب قرينةً تُبيِّن أنَّ النهي خرج عن حقيقته وهو التحريم؟ أوْ لا؟ وهي مَبنية على مسألة: الأمر بعد الحظر. إنْ قُلنا: يستمر على الوجوب، فهنا يستمر على التحريم مِن باب أَوْلى، وإنْ قُلنا: هو هناك قرينة، فهنا طريقان: أحدهما: القطع بعدم كون الوجوب السابق قرينة صارفة عن التحريم، وبها قال الأستاذ أبو إسحاق والغزالي في "المنخول" وحكيَا الإجماع على ذلك. الثاني: طرد ما يمكن طرده من خِلاف الأمر، كالقول بأنه للإباحة. ومنهم مَن قال: إنه للكراهة. وهو مذكور في "مسودة" [بني] (٢) تيمية عن حكاية القاضي أبي يعلى منهم. وفيها قول آخر: إنه هنا رفع الوجوب، فيكون نسخًا، ويعود الأمر إلى ما كان قبله.

стр. 1225

قلتُ: لكنه لا يخرج عما سبق، فإنَّ الوجوب إذا نُسخ، هل يبقى الجواز بمعنى رفع الحرج؟ أو الإباحة؟ أو الاستحباب؟ فيه خلاف سبق وسيأتي في "باب النسخ" أيضًا. وقد حكى ابن فورك الطريقين: القطع، وإجراء الخلاف، وقال: الأشبه التسوية. ومنع إمام الحرمين [الاتفاق] (١)، وطرد الوقف هنا بناء على اعتقاده أن لا فرق بينهما. لكن قد فرق غيره بوجهين: أحدهما: أن حمل النهي على التحريم يقتضي الترك، وهو على وَفْق الأصل؛ لأن الأصل عدم الفعل. وحمل الأمر على الوجوب يقتضي الفعل، وهو على خلاف الأصل. ثانيهما: أن النهي لدفع المفسدة والأمر لتحصيل المصلحة، واعتناء الشارع بِدَرْء المفاسد أشد مِن جَلْب المصالح. وفَرْق ثالث: وهو أن الإباحة أحد محامل "افْعَل"، بخلاف "لا تفعل". وأَوْرَد ابن الحاجب الخلاف على وجه ليس بجيد يحتاج لتأويل إن أمكن. تنبيه: هل يجري هنا في ورود النهي بعد الاستئذان وشبهه ما سبق في ورود الأمر بعده؟ وَرد فيه مواضع متباينة بدليل من خارج أو بحسب ما يدل السياق عليه. فما هو على التحريم: حديث المقداد: "أرأيت إن لاذ مني بشجرة بعد أن قالها -أي: كلمة الإيمان- أفأقاتله؟ قال له النبي ﷺ : لا" (٢). أي: لا تقاتله، وحديث: "أينحني بعضنا

стр. 1226

لبعض إذا التقينا؟ قال: لا" (١). وحديث بيع الرطب بالتمر بعد قوله: "أينقص الرطب إذا جف؟ " فقيل: نعم. قال: "لا" (٢). ومما ليس للتحريم: حديث: "أَنُصَلي في مبارك الإبل؟ قال: لا. أَنُصَلي في مرابض الغنم؟ قال: نعم" (٣). فإن النهي هنا للكراهة. وحديث سعد بن أبي وقاص: "أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا " (٤) الحديث. نعم، صرح القاضي الحسين بأن الوصية بما زاد على الثلث حرام. وعبارة الرافعي: (لا ينبغي أن يوصي بأكثر من الثلث) (٥). فظاهره: أنه نهي إرشاد؛ بدليل: "إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة" (٦). وأيضًا فإن الورثة قد تجيز الوصية، فتحصل الوصية بالزائد على الثلث. والله أعلم.

стр. 1227

ص: ٥٥٨ - وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي الدَّوَامَ مَا لَم ... [يَكُنْ] (١) لَهُ الْمَرَّةُ قَيْدًا زَاحَم الشرح: من المسائل التي يخالف النهي فيها الأمر: أن النهي يقتضي الدوام مطلقًا، بخلاف الأمر على ما سبق من القول الراجح فيه. وقطع كثير في النهي بذلك، كالصيرفي وأبي إسحاق الشيرازي، بل نقل الإجماع فيه الشيخ أبو حامد وابن برهان وأبو زيد في " التقويم ". والفرق بينه وبين الأمر أن له حدًّا ينتهي إليه، فيقع الامتثال فيه بالمرة، وأما الانتهاء عن المنهي عنه فلا يتحقق إلا [باستيعابه] (٢) في العمر، فلا يُتصور فيه تكرار، بل استمرار به يتحقق الكَف. نعم، نقل القاضي عبد الوهاب قولًا أنه كالأمر في اقتضاء المرة، وأنَّ القاضي أبا بكر وغيره أجروه مجَرى الأمر في عدم الاستيعاب. وممن نقل ذلك عن القاضي: أبو الوفاء بن عقيل الحنبلي وإنْ كان المازري نقل عنه خلاف ذلك. قيل: وهو الصواب. وفي "أدب الجدل" للسهيلي أن القول باقتضائه الاجتناب في الزمن الأول وحده مما لا تجوز حكايته؛ لضعفه وسقوطه.

стр. 1228

وممن نقل الخلاف أيضًا الآمدي وابن الحاجب، واختار الإمام في "المحصول" أنه لا يقتضي التكرار مطلقًا. فتَحَصَّلنا على ثلاثة مذاهب، ثالثها: يقتضيه مرة عقب تعلُّق النهي. تنبيهات الأول: هذا في النهي المطلق، أما المقيد بشرط أو صِفة ففيه الخلاف السابق في الأمر باقتضائه للتكرار، وأولى بعدم اقتضائه للتكرار؛ ولهذا فرق إلْكِيَا بين النهي المقيد بشرط أو صفة فلا يقتضي التكرار، وبين النهي المطلق فيقتضيه. ولهذا حكاه صاحب "الواضح" عن أبي عبد الله البصري تسويةً بينه وبين الأمر في حال [التعلق] (١)، بخلاف الأمر، قال: كما إذا قال لعبده: (اسقني الماء إذا دخل زيد الدار)، فيكتفَى بمرة، ولا يجب أن يسقيه كلما دخل زيد الدار. الثاني: يؤخذ من كون النهي للدوام أنه للفور؛ لأنه مِن لازِمه؛ فلذلك لم أذكره في النظم؛ ولهذا قالوا: لا يُتصور مجيء الخلاف في كون الأمر للفور هنا. وقال أبو حامد: إنه يقتضي الفور على المذهب بلا خلاف. وحكى ابن عقيل الحنبلي عن القاضي أبي بكر أنه لا يقتضيه. وقال ابن فورك: يجيء الخلاف في النهي إنْ قُلنا: الأمر يقتضي التكرار بظاهره. وإنْ قُلنا: لا يقتضيه الأمر إلا بدليل، فكالأمر في الخلاف في الفور. وقال الإمام الرازي: إنْ قُلنا في الأمر: "يقتضي التكرار" فهو للفور، أو لا فلا.

стр. 1229

ونازعه النقشواني والأصفهاني في بناء عدم وجوب الفور على عدم اقتضاء التكرار؛ لجواز أن لا يقتضي التكرار ويقتضي الفور. الثالث: قد عُلم أن اقتضاء النهي الدوام ليس بالوضع، بل [بالضرورة] (١) في اجتناب المنهي عنه، فلذلك لم أَقُل في النَّظم: إنه يدل على الدوام، بل يقتضيه، أي: بطريق اللزوم لامتثال النهي. وقولي: (مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ الْمَرَّةُ قَيْدًا زَاحَمْ) معناه أنه إنما يقتضي الدوام إذا لم يكن قُيد بمرة واحدة. كما لو قيل: (لا تفعل هذا مرة فقط)، فإنه حينئذٍ يتقيد بالمرة قطعًا، ولا يجري فيه خلاف. ومعنى "زَاحَمْ": عارَض مع إطلاق النهي. والله أعلم. ص: ٥٥٩ - وَالنَّهْيُ عَنْ شَيْءٍ يَكُونُ أَمْرَا ... بِأَحَدِ الْأَضْدَادِ لَيْسَ يَعْرَى الشرح: هذه المسألة مما يتساوى فيه الأمر والنهي على المختار، فكما أن الأمر النفسي بشيء مُعَين نَهْي عن ضده الوجودي -كما سبق- يكون النهي النفساني عن شيء مُعيَّن أمرًا بأحد أضداده الوجودية، لأن الامتثال لا يتحقق إلا بذلك. ولم نُعِد هنا القيود المذكورة هناك، اختصارًا، فينبغي أن تُستحضر. فإذا لم يكن للمنهي عنه إلا ضد واحد فهو مأمور به قطعًا، كالنهي عن الكفر، فإنه أمر

стр. 1230

بالإيمان، والنهي عن الصوم أَمْرٌ بالإفطار، ونحو ذلك. وإنْ كان له أضداد فلا يكون مأمورًا بالكل قطعًا. وهل يكون مأمورًا [بأحدها] (١)؟ فيه طريقان مشهوران: أحدهما: أنه مأمور به قطعًا، ولا يجري فيه الخلاف السابق في الأمر، وهي طريقة القاضي في "التقريب"؛ لأن دلالة النهي على مقتضاه أقوى من دلالة الأمر على مقتضاه؛ لأن مطلوب النهي فِعل الضد وهو تَرْك المنهي، ولا بُدَّ من حضوره في ذهنه، فإحضار الضد في جانب النهي أَوْلى منه في جانب الأمر؛ ولأن النهي يستدعي درء مفسدة، والأمر جلب مصلحة، واعتناء الشرع بدرء المفاسد أكثر من [اعتنائه بالآخَر] (٢). الطريقة الثانية: إجراء الخلاف الذي في الأمر وإن كان نهيًا عن جميع الأضداد عند القائل به كما سبق. وهو ما قاله إمام الحرمين في "البرهان" والقاضي عبد الوهاب في "الملخص" وابن السمعاني في "القواطع" وسليم في "التقريب"، إلا أنه قال: يكون متضمنًا للأمر بأحد أضداده. وكذا حكى ابن برهان في "الأوسط" عن العلماء قاطبةً أن النهي عن الشيء أمر بأحد أضداده. ونقله صاحب "اللباب" عن الشافعي وعن عامة أصحابهم الحنفية. ومُقَابِله قول أبي عبد الله الجرجاني: إنه لا يقتضي أمرًا بها.
следующие страницы →