لبعض إذا التقينا؟ قال: لا" (١). وحديث بيع الرطب بالتمر بعد قوله: "أينقص الرطب إذا جف؟ " فقيل: نعم. قال: "لا" (٢).
ومما ليس للتحريم: حديث: "أَنُصَلي في مبارك الإبل؟ قال: لا. أَنُصَلي في مرابض الغنم؟ قال: نعم" (٣). فإن النهي هنا للكراهة. وحديث سعد بن أبي وقاص: "أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: لا " (٤) الحديث.
نعم، صرح القاضي الحسين بأن الوصية بما زاد على الثلث حرام.
وعبارة الرافعي: (لا ينبغي أن يوصي بأكثر من الثلث) (٥). فظاهره: أنه نهي إرشاد؛ بدليل: "إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة" (٦). وأيضًا فإن الورثة قد تجيز الوصية، فتحصل الوصية بالزائد على الثلث. والله أعلم.
стр. 1227
ص:
٥٥٨ - وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي الدَّوَامَ مَا لَم ... [يَكُنْ] (١) لَهُ الْمَرَّةُ قَيْدًا زَاحَم
الشرح:
من المسائل التي يخالف النهي فيها الأمر: أن النهي يقتضي الدوام مطلقًا، بخلاف الأمر على ما سبق من القول الراجح فيه.
وقطع كثير في النهي بذلك، كالصيرفي وأبي إسحاق الشيرازي، بل نقل الإجماع فيه الشيخ أبو حامد وابن برهان وأبو زيد في " التقويم ".
والفرق بينه وبين الأمر أن له حدًّا ينتهي إليه، فيقع الامتثال فيه بالمرة، وأما الانتهاء عن المنهي عنه فلا يتحقق إلا [باستيعابه] (٢) في العمر، فلا يُتصور فيه تكرار، بل استمرار به يتحقق الكَف.
نعم، نقل القاضي عبد الوهاب قولًا أنه كالأمر في اقتضاء المرة، وأنَّ القاضي أبا بكر وغيره أجروه مجَرى الأمر في عدم الاستيعاب.
وممن نقل ذلك عن القاضي: أبو الوفاء بن عقيل الحنبلي وإنْ كان المازري نقل عنه خلاف ذلك. قيل: وهو الصواب.
وفي "أدب الجدل" للسهيلي أن القول باقتضائه الاجتناب في الزمن الأول وحده مما لا تجوز حكايته؛ لضعفه وسقوطه.
стр. 1228
وممن نقل الخلاف أيضًا الآمدي وابن الحاجب، واختار الإمام في "المحصول" أنه لا يقتضي التكرار مطلقًا.
فتَحَصَّلنا على ثلاثة مذاهب، ثالثها: يقتضيه مرة عقب تعلُّق النهي.
تنبيهات
الأول: هذا في النهي المطلق، أما المقيد بشرط أو صِفة ففيه الخلاف السابق في الأمر باقتضائه للتكرار، وأولى بعدم اقتضائه للتكرار؛ ولهذا فرق إلْكِيَا بين النهي المقيد بشرط أو صفة فلا يقتضي التكرار، وبين النهي المطلق فيقتضيه.
ولهذا حكاه صاحب "الواضح" عن أبي عبد الله البصري تسويةً بينه وبين الأمر في حال [التعلق] (١)، بخلاف الأمر، قال: كما إذا قال لعبده: (اسقني الماء إذا دخل زيد الدار)، فيكتفَى بمرة، ولا يجب أن يسقيه كلما دخل زيد الدار.
الثاني: يؤخذ من كون النهي للدوام أنه للفور؛ لأنه مِن لازِمه؛ فلذلك لم أذكره في النظم؛ ولهذا قالوا: لا يُتصور مجيء الخلاف في كون الأمر للفور هنا.
وقال أبو حامد: إنه يقتضي الفور على المذهب بلا خلاف.
وحكى ابن عقيل الحنبلي عن القاضي أبي بكر أنه لا يقتضيه.
وقال ابن فورك: يجيء الخلاف في النهي إنْ قُلنا: الأمر يقتضي التكرار بظاهره. وإنْ قُلنا: لا يقتضيه الأمر إلا بدليل، فكالأمر في الخلاف في الفور.
وقال الإمام الرازي: إنْ قُلنا في الأمر: "يقتضي التكرار" فهو للفور، أو لا فلا.
стр. 1229
ونازعه النقشواني والأصفهاني في بناء عدم وجوب الفور على عدم اقتضاء التكرار؛ لجواز أن لا يقتضي التكرار ويقتضي الفور.
الثالث: قد عُلم أن اقتضاء النهي الدوام ليس بالوضع، بل [بالضرورة] (١) في اجتناب المنهي عنه، فلذلك لم أَقُل في النَّظم: إنه يدل على الدوام، بل يقتضيه، أي: بطريق اللزوم لامتثال النهي.
وقولي: (مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ الْمَرَّةُ قَيْدًا زَاحَمْ) معناه أنه إنما يقتضي الدوام إذا لم يكن قُيد بمرة واحدة. كما لو قيل: (لا تفعل هذا مرة فقط)، فإنه حينئذٍ يتقيد بالمرة قطعًا، ولا يجري فيه خلاف.
ومعنى "زَاحَمْ": عارَض مع إطلاق النهي. والله أعلم.
ص:
٥٥٩ - وَالنَّهْيُ عَنْ شَيْءٍ يَكُونُ أَمْرَا ... بِأَحَدِ الْأَضْدَادِ لَيْسَ يَعْرَى
الشرح:
هذه المسألة مما يتساوى فيه الأمر والنهي على المختار، فكما أن الأمر النفسي بشيء مُعَين نَهْي عن ضده الوجودي -كما سبق- يكون النهي النفساني عن شيء مُعيَّن أمرًا بأحد أضداده الوجودية، لأن الامتثال لا يتحقق إلا بذلك.
ولم نُعِد هنا القيود المذكورة هناك، اختصارًا، فينبغي أن تُستحضر.
فإذا لم يكن للمنهي عنه إلا ضد واحد فهو مأمور به قطعًا، كالنهي عن الكفر، فإنه أمر
стр. 1230
بالإيمان، والنهي عن الصوم أَمْرٌ بالإفطار، ونحو ذلك.
وإنْ كان له أضداد فلا يكون مأمورًا بالكل قطعًا.
وهل يكون مأمورًا [بأحدها] (١)؟
فيه طريقان مشهوران:
أحدهما: أنه مأمور به قطعًا، ولا يجري فيه الخلاف السابق في الأمر، وهي طريقة القاضي في "التقريب"؛ لأن دلالة النهي على مقتضاه أقوى من دلالة الأمر على مقتضاه؛ لأن مطلوب النهي فِعل الضد وهو تَرْك المنهي، ولا بُدَّ من حضوره في ذهنه، فإحضار الضد في جانب النهي أَوْلى منه في جانب الأمر؛ ولأن النهي يستدعي درء مفسدة، والأمر جلب مصلحة، واعتناء الشرع بدرء المفاسد أكثر من [اعتنائه بالآخَر] (٢).
الطريقة الثانية: إجراء الخلاف الذي في الأمر وإن كان نهيًا عن جميع الأضداد عند القائل به كما سبق.
وهو ما قاله إمام الحرمين في "البرهان" والقاضي عبد الوهاب في "الملخص" وابن السمعاني في "القواطع" وسليم في "التقريب"، إلا أنه قال: يكون متضمنًا للأمر بأحد أضداده.
وكذا حكى ابن برهان في "الأوسط" عن العلماء قاطبةً أن النهي عن الشيء أمر بأحد أضداده. ونقله صاحب "اللباب" عن الشافعي وعن عامة أصحابهم الحنفية.
ومُقَابِله قول أبي عبد الله الجرجاني: إنه لا يقتضي أمرًا بها.
стр. 1231
ومَن تَردد قوله في أن الأمر عَيْن النهي عن الضد أو يتضمنه -كالقاضي كما سبق- طريقته هنا كذلك.
وكذا قال ابن الحاجب بعد نقل القولين عنه في الأمر: (وقال القاضي: والنهي كذلك فيهما) (١). أي: في الرأيين المنقولين عنه في "الأمر".
إلا أن كلامه يتضمن حكاية طريقة ثالثة: أن النهي ليس أمرًا بضد قطعًا، وأن الخلاف إنما هو في الأمر هل هو نهي عن ضده؟ أو لا؟
وذلك ظاهر من قوله: (ثم اقتصر قوم، وقال القاضي: النهي كذلك فيهما). أي: في أنه عَيْنه أو يتضمنه، أي: اقتصر قوم على أن الأمر نهي عن ضده، ولم يقولوا به في النهي، فلا يكون أمرًا بأحد أضداده.
ثم قال في أثناء الاستدلال تعبيرًا عن هؤلاء: (الفارُّ مِن الطَّرْد) إلى آخِره.
لكن قال السبكي في "منع الموانع" أنه لم يجد له في هذه الطريقة مستندًا مِن معقول ولا منقول.
قال: ولا رأيتها فيما رأيت مِن كتب الأصول، ولا أدري من أين أخذها؟
قال: ولَعَله أخذها مِن قول بعض الأصوليين في الاستدلال على أن الأمر ليس نهيًا عن ضده: "كما أن النهي ليس أمرًا بضده"، فكأنه مُقاس عليه؛ للقَطعْ فيه بذلك. لكن ليس [فيه] (٢) صراحة؛ لاحتمال أن يُراد ذِكر المسألتين معًا، واختيار النفي فيهما، لا لكون إحداهما أصلًا للأخرى. ولا عُلْقة له أيضًا بما سيأتي من الفرعين في الفقه الآتي بيانهما؛ لِمَا سنقرره من أن الفارق بينهما إنما ادُّعِيَ مساعدة العُرف له فيه، لا لهذا المعنى.
стр. 1232
قال: ولهذا حذفتها في "جمع الجوامع".
تنبيهات
الأول: قيل: التحقيق في هاتين المسألتين في الأمر والنهي ما أشار إليه أبو نصر القشيري أن معنا مقامين:
- كون الأمر نهيًا عن الضد، وعكسه.
- وكون المأمور منهيًّا عن الضد، وعكسه. وكذا الآمِر والناهي.
فأما الثاني: فنقل القاضي فيه الإجماع وأنه لا شك فيه.
قال ابن القشيري: وأنا لا شك أنه ممنوع، أي: لأن ما يقال في الأمر والنهي يقال مِثله في المأمور والآمِر والمنهي والناهي.
وأما الأول فلا سبيل إلى القول به مع تجويز عدم خطوره بالبال، وعلى تقدير خطوره فيه فليس الضد مقصودًا بالذات، بل لضرورة تحقُّق المأمور به.
ولكن هذا مردود بما سبق.
الثاني: ظاهر كلام الأصوليين أن هاتين المسألتين ليستا مقصورتين على صيغَتي الأمر والنهي، بل كيف قُدِّر أمر ونهي ولو في ضِمن خبر أو فِعل للرسول ﷺ أو إجماع أو قياس أو غير ذلك مما بيَّناه في أقسام الحكم في المقدمة في تفسير "الاقتضاء".
بل وغالب مسائل هذا الفصل في الأعم من الأمر والنهي بصيغتهما أو بغيرها.
وقد سبق طرف من ذلك في الخلاف في صيغة الأمر هل هي حقيقة في الوجوب فقط؟ أو لا؟ ولهذا يذكر كثير من الأصوليين المسألة في تقسيمات الحكم كما ذكرها هناك الإمام -وأتباعه كالبيضاوي- مُعبِّرًا بأن وجوب الشيء يستلزم حرمة نقيضه.
стр. 1233
الثالث: وقع في كلام أصحابنا في الفقه مسألتان قد تتفرعان على هذه القاعدة، ووقع فيهما اضطراب شديد، نذكرهما باختصار، وهُما:
إذا قال لامرأته: (إن خالفتِ أمري فأنت طالق) ثم قال لها: (لا تكلمي زيدًا)، فكلمته، لم تطلق؛ لأنها خالفت نهيه، لا أمره.
ولو قال: (إن خالفتِ نهيى فأنت طالق)، ثم قال لها: (قومي)، فقعدت، الأظهر عند الإمام وغيره أنه لا يقع، لكن كلام "الروضة" يقتضي عكسه، وعليه جرى البارزي في "التمييز".
وهو مُشْكل؛ لأنه إنْ عمل بالقاعدة، فالمرجح فيها استواؤهما، خلافًا للطريقتين الأخيرتين كما سبق وإنِ اقتضى كلام الرافعي في "الشرح الصغير" تفرعهما على القاعدة، وإنْ لم يعمل بالقاعدة بل عمل بالعُرف كما أشار إليه الغزالي في "الوسيط" في الفرع الأول من كون أهل العُرف يَعُدُّونه مخالفًا للأمر، أي: حتى تطلق وإن كان ذلك خلاف قول الجمهور. ومنعوا العُرف فيه؛ إما لاضطرابه وإما لكون العُرف لا يَعُدُّ الأمر نهيًا ولا النهي أمرًا.
وأما مِن جهة اللغة فقد سبق أن لفظ الأمر ليس عَيْن النهي قطعًا ولا يتضمنه على الأصح، فأشكل الفرق بين الفرعين.
ولبسط القول فيهما موضع أَليَق من هذا، والله أعلم.
ص:
٥٦٠ - وَمَنْ نَهَى بِمَا لَهُ تَنَاوَلَا ... فَإنَّهُ كَالْأَمْرِ لَيْسَ شَامِلَا
الشرح:
هذه المسألة موافقة لنظيرها في الأمر، وهي أن المتكلِّم بالنهي الشامل له هل يكون
стр. 1234
داخلًا فيه؟ أوْ لا؟
الصحيح المنع كما سبق نظيره في الأمر، وبيَّنا ذلك مبسوطًا، فلينظر من هناك، والله أعلم.
ص:
٥٦١ - وَمُطْلَقُ النَّهْيِ وَلَوْ تَنْزِيهَا ... فِيمَا سِوَى عِبَادَةٍ أَوْ فِيهَا
٥٦٢ - لِدَاخِلٍ أَوْ لَازِمٍ مُفِيدُ ... شَرْعًا فَسَادَهُ، وَذَا التَّقْيِيدُ
٥٦٣ - يُخْرِجُ مَا لَيْسَ بِلَازِمٍ بَدَا ... مِنْ خَارِجٍ، كَالْبَيْعِ في وَقْتِ النِّدَا
٥٦٤ - وَكطَلَاقِ حَائِضٍ، وَكَالَّذِي ... صَلَّى بِمَغْصُوبٍ، وَمثْلٍ فَاحْتَذِي
٥٦٥ - وَالشَّكُّ في اللَّازِمِ كَالْيَقِينِ ... أَلْحَقَ ذَاكَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ
الشرح:
من مباحث النهي أنه: هل يقتضي الفساد في المنهي عنه إذا فُعِل؟ أوْ لا؟
وفيه هذا التفصيل المذكور على المختار من الأقوال، وهو أن النهي:
- إما أن يكون لِعَيْن ذلك الشيء، كالنهي عن الزنا؛ حِفظًا للأنساب، والنهي عن اللواط؛ لأنه في غير محل [النسل] (١) الذي شُرع الوطء لأجْله.
- فيما أن يكون لخلل في جزء الماهية، كالنهي عن بيع حَبل الحبلة؛ لجهالة المبيع أو أجل الثمن على التفسيرين المشهورين فيه.
وكلا هذين القسمين أردتُ بقولي: (لِدَاخِلٍ).
стр. 1235
- وإما أن يكون لأمر خارج عن ماهية المنهي عنه، لكنه لازِم له، كبيوع الربا.
فهذه الثلاثة النهي فيها يدل على فسادها إذا فُعِلت؛ إذ لو لم يَقْتَضٍ الفساد لَفاتت حِكمة النهي عنه، وأيضًا فلم تَزَل العلماء تستدل على الفساد بالنهي في الربويات والأنكحة وغيرها شائعًا ذائعًا من غير نكير؛ فكان إجماعًا سكوتيًّا، وسواء ذلك في العبادات والإيقاعات، كإيقاع الطلاق والعتق ونحو ذلك، والمعاملات ونحوها.
نعم، هل يدل على فساد ذلك من جهة الشرع؟ أو وضع اللغة؛ لأن صيغته تدل على عدم المشروعية؟
قولان حكاهما القاضي في "التقريب" وكذا ابن السمعاني، ونقل عن طائفة من الحنفية ثالثًا: أنه يقتضيه من حيث المعنى، لا من حيث اللفظ؛ لأن النهي يدل على قُبح المنهي عنه، وهو مضاد للمشروعية. قال: وهو أَوْلى.
وعلى المختار -وهو الأول- جريتُ في النظم، فقلتُ: (شرعًا) كما جرى عليه ابن الحاجب وغيره؛ إذ ليس في اللغة ما يدل على سَلْب أحكام المنهي عنه، وإنما يستفاد ذلك من الشرع. وأما كونه قبيحًا فإنَا لم نَعلم قُبحه إلا بالشرع.
وقولي: (وَذَا التَّقْيِيدُ) إلى آخِره -إشارة إلى المقابل للأقسام الثلاثة السابقة، وهي أن يكون النهي عنه لا لذاته ولا لجزء داخل فيه ولا لأمر ملازم له، بل لأمر خارج غير لازم، وإنما هو مجاور له فقط، غير متصل به، فلا يقتضي الفساد لا في عبادة ولا في إيقاع ولا في غيرهما؛ ولهذا مَثَّلت بثلاثة أمثلة:
الأول من المعاملات، وهو البيع في وقت النداء للجمعة؛ لقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]؛ لأنه أمر في معنى النهي، وسبق أن المراد هنا ما هو أَعَم مِن النهي بصيغته وغير صيغته، فالنهي فيه راجع إلى تفويت الجمعة، وليس لِعَيْن البيع ولا لِجُزْئه ولا لِلَازِم له.
стр. 1236
ومثله النهي عن تَلَقِّي الركبان وعن بيع الحاضر للبادي، خلافًا لمن زعم أن النهي لخارج لازم، حتى أنه استشكله على القاعدة، ولا إشكال؛ لأن النهي فيه إنما هو للتضييق على أهل البلد ببيعه قليلًا قليلًا ونحو ذلك.
والمثال الثاني من الإيقاعات: طلاق الحائض، فإنه لتطويل العدة؛ فلذلك لو كانت حاملًا وقُلنا: "إن الحامل تحيض" وكانت تلك الأدوار لا تنقضي بها عِدة المطلق فإنه لا يكون الطلاق بِدْعيًّا.
ومثله إعتاق الراهن العبد المرهون إذا كان مُوسِرًا، فإنه ينفذ وإن كان منهيًّا عنه؛ لأنه لِتعلُّق حق المرتهن.
والمثال الثالث من العبادات: الصلاة في الدار المغصوبة، ونحوه الوضوء من إناء الذهب والفضة والاستنجاء بهما، وأمثال ذلك.
وهو معنى قولي: (وَمِثْلٍ فَاحْتَذِي)، أي: وبمثل ذلك احتذِ، أي: اطلُب حذو ذلك. هذا قول الأكثرين في القِسمين، ووراء ذلك خلاف نذكره مبسوطًا في المنهي عنه لِعينه أو لجزئه.
وحاصل ما فيه مذاهب:
أحدها: المختار كما سبق أن النهي يدل على الفساد مطلقًا، سواء أكان المنهي عنه عبادة أو معاملة. وهو رأي الجمهور من أصحاب الشافعي ومالك وأبي حنيفة وأهل الظاهر وطائفة من المتكلمين كما نقله القاضي في "مختصر التقريب" وابن فورك والأستاذ أبو منصور.
وقال الشيخ أبو حامد: (إنه مذهبنا الذي نَص عليه الشافعي وأكد القول فيه في "باب البحيرة والسائبة" أن النهي إذا ورد مجردًا، اقتضى فساد الفعل المنهي عنه. وبه قال مالك وأبو حنيفة وأهل الظاهر وكافة أهل العلم). انتهى
стр. 1237
وكلامه في مواضع من "الرسالة" يدل عليه، ومَن تَأمل استدلاله بالآيات والأحاديث عَلم ذلك، كاحتجاجه في النهي عن الصلاة في الأوقات الخمسة على فسادها، وكقوله: (وكل موضع خَلَا عن الولي والشهود والرضا من المنكوحة الثيب فين فاسدًا؛ لأنه أخلَّ بشيء مما سَنَّه رسول الله ﷺ فيه) (١). وكما ذكره مِن نحو ذلك في "بيع الغرر".
وقال ابن السمعاني: إنه الظاهر من مذهب الشافعي وإن عليه أكثر الأصحاب.
وقال أبو زيد الدبوسي -من الحنفية- أنه قول علمائهم؛ لأن القبيح لِعَيْنه لا يشرع لِعَينه. وقال: سواء قَبُحَ لعينه وضعًا أو شرعًا، كالنهي عن بيع الملاقيح، والصلاة بغير طهارة.
الثاني: لا يدل على الفساد أصلًا، ويحتاج الفساد إلى دليل غير النهي. وهو قول الأشعري والقاضيين أبي بكر وعبد الجبار، وزاد ابن برهان نَقْله عن أبي علي الجبائي وابنه أبي هاشم، واختاره من أصحابنا القفال الشاشي وأبو جعفر السمناني والغزالي، وحكاه عن جمهور المتكلمين (٢)، وإلْكِيَا الطبري عن أكثر الأصوليين، وصاحب "المحصول" عن أكثر الفقهاء، والآمدي عن المحققين. قال الشيخ أبو إسحاق: وللشافعي كلام يدل عليه.
ولهذا قال المازري: أصحاب الشافعي يحكون عنه القولين.
ونَص الغزالي على أن الاعتماد على فساده إنما هو على فوات شرط، ويُعْرف الشرط بدليل يدل عليه، وعلى ارتباط الصحة به.
وحكى جماعة -آخِرهم الصفي الهندي- إطلاق حكايته عن الحنفية. والصواب أن خِلافهم إنما هو في المنهي عنه لِغَيره كما سيأتي، أما المنهي عنه لِعَينه فلا يختلفون في فساده،
стр. 1238
وبه صرح أبو زيد الدبوسي في "تقويم الأدلة" كما سبق آنفًا نَقْلُه عنه، وكذا قال شمس الأئمة السرخسي في "أصوله"، وقرره عنهم ابن السمعاني وهو أثْبَت؛ لأنه كان أولا حنفيًّا.
الثالث: أنه يدل على الفساد في العبادات دون العقود. وبه قال أبو الحسين، وحكاه ابن الصباغ عن متأخري أصحابنا، وحكاه الهندي عن اختيار الغزالي والإمام الرازي، لكن آخِر كلامه في "المستصفى" يقتضي قولا آخَر يأتي ذِكره، و [كذا] (١) ذكر في كُتبه الفقهية ما يقتضي خلاف ذلك.
فنَصُّه في "الوسيط": (عندنا مطلق النهي عن العقد يدل على فساده، فإن العقد الصحيح هو المشروع، والمنهي عنه لعينه غير مشروع، بخلاف ما نُهي عنه لمجاوِرِه، كالبيع في وقت النداء) (٢).
ثم قسم المناهي في البيع إلى ما لا يدل على الفساد، كالنجش والبيع على بيع أخيه وبيع الحاضر للبادي، وإلى ما يدل على الفساد إما لخلل في رُكنه أو شرطه وإما لأنه لم يَبْقَ للنهي تَعلُّق سوى العقد، فحُمل على الفساد، كبيع حبل الحبلة والحصاة وبيوع الغرر (٣). انتهى
وأما المنهي عنه لخارج لكنه وصف لازم فكالذي قبله على الأصح في اقتضاء الفساد، وذلك كالربا، فإنه لوصف الزيادة المقارن للعقد اللازم له، وكصوم يوم النحر وأيام التشريق؛ لكونها أيام ضيافة الله، وهذا معنى لازم لها.
ومقابِل الأصح قولٌ ثانٍ: إنه لا يقتضي الفساد مطلقًا، وعزاه ابن الحاجب للأكثرين.
وقول ثالث عن الحنفية: إنه يدل على فساد الوصف لا الموصوف المنهي عنه؛ لكونه
стр. 1239
مشروعًا بدون الوصف. وبنوا على ذلك ما لو باع درهمًا بدرهمين ثم طرحا الزيادة أنه يصح العقد.
قلتُ: ومن هنا يُعلم أن ما يُنقل عنهم في الفرق بين الفاسد والباطل أن "الباطل" ما لم يُشرع بأصله ولا وَصفه، و"الفاسد" ما شُرع بأصله دُون وَصفه -أن مرادهم أن الباطل هو المنهي عنه لعينه أو لجزئه، والفاسد هو المنهي عنه لوصف لازم لكن يكون الفساد راجعًا للوصف لا للموصوف، خِلافًا لِمَا يتبادر للفهم من الحكم على الأصل بالفساد.
ومن هنا يُعلم أيضًا وَجْه ما قاله الهندي وابن فورك: إن محل الخلاف إنما هو في الفساد بمعنى البطلان، لا على معنى تفرقتهم بين الفساد والبطلان.
فائدة:
رد الشافعي ﵁ هذا القول بأن النهي عن الشيء لوصفه يضاد وجوب أصله. فقال ابن الحاجب: (أراد أنه يضاده ظاهرًا). لا قطعًا، وإلا لَوَرَد عليه نحو الصلاة في أعطان الإبل والأماكن المكروهة، إذ لو كان يضاد وجوب الأصل، لم تصح الصلاة، وليس كذلك، فإذا كان المراد: يضادها ظاهرًا، خرجت هذه الصورة؛ لأنها تضاد ظاهرًا؛ لدليل راجح.
نعم، قَيَّده البيضاوي في توضيحه بالتحريم، فقال: قال الشافعي: حُرمة الشيء لوصفه تُضاد وجوب أصله.
وهو تقييد حسن مُخرج لما سبق من الصلاة في الأماكن المكروهة حتى لا يحتاج أن يقال: يضاده ظاهرًا، لا قطعًا.
لكن مقتضاه أن النهي يدل على الفساد هنا إذا كان نهي تحريم لا تنزيه حتى يكون النهي عن الصلاة في الأوقات المكروهة صحيحًا.
وزعم الصفي الهندي أنه لا خلاف فيه، قال: (على ما يشعر به كلامهم وصرح به بعض
стр. 1240
المصنفين) (١).
وهو عجيب، فإن الأظهر أنه لا فرق بين التحريم والتنزيه في ذلك.
وهو معنى قولي في النَّظم: (وَلَوْ تَنْزِيهَا)؛ لأن "المكروه" مطلوب الترك، و"الصحيح" مطلوب الفعل شرعًا؛ فيتنافيان، فيُعْلم أن طلب تركه يقتضي عدم انعقاده.
وقد سبق بيان ذلك في أول الكتاب في الكلام في الأحكام في مسألة أن "الأمر لا يتناول المكروه"، وأن الصحيح عند أصحابنا فسادُ الصلاة في الأوقات المكروهة وإنْ قُلنا: النهي للتنزيه.
فإنْ قلتَ: فيَلزم على هذا فساد الصلاة في الأماكن المكروهة، وليس كذلك.
قلتُ: إنما قلنا بالصحة فيها لأن النهي فيها ليس لوصف لازم، بل لأمر خارج غير لازم، كالصلاة في المغصوب، والبيع في وقت النداء، فصار هذا كالوضوء بالماء المشمس، وهو صحيح بلا خلاف.
فإنْ قلتَ: فما الفرق بين الزمان والمكان؟
قلتُ: الفعل في الزمان يُذْهِب جُزءًا منه، فكان النهي منصرفا لإذهاب هذا الجزء في المنهي عنه، فهو وصف لازم، إذْ لا يتصور وجود فِعل إلا بإذهاب جزء من الزمان. وأما المكان فلا يذهب جزء منه ولا يتأثر بالفعل، فالنهي فيه لأمر خارجي مجاور، لا لازم. فحَقِّق ذلك؛ فإنه نفيس.
واعْلَم أن حقيقة هذا الخلاف بيننا وبين الحنفية ينبني على أصل آخَر وهو أن الشارع إذا أمر بشيء مطلقًا ثم نهى عنه في بعض أحواله، هل يصير فَقْد تلك الحالة شرطًا في المأمور به
стр. 1241
حتى لو فُعِل بدونه لا ينعقد كما في سائر الشروط؟ أو لا؟
فعندنا: نعم، وعندهم خِلافه. وذلك كصوم يوم النحر والتشريق، الصوم مأمور به في الأصل، ومنهي عن إيقاعه في النحر والتشريق. ونحوه طواف الحائض، الطواف مأمور به ومنهي عن إيقاعه في حالة الحيض.
فإذا فعل المأمور به في تلك الحالة، كان صحيحًا من حيث الأصل، فاسدًا من حيث الوصف.
وقالوا: إن النهي يدل على الصحة حينئذٍ كما نُقل عن أبي حنيفة ومحمد بن الحسن؛ احتجاجًا بأنه لو كان غير صحيح لم يحتج للنهي عنه، بل يكون النهي لغوًا، إذ لا يقال للأعمى: (لا تبصر)، فيصح عندهم لذلك صوم العيد والتشريق والصلاة في الأوقات المكروهة. هكذا احتج به أبو زيد الدبوسي وغيره.
[قالوا]، (١): ولا يُخلِّص من ذلك أن يُجعل النهي منصرفًا إلى إيجاد صورته؛ لأن الحقيقة الشرعية إنما تكون بالصورة والمعنى بها يكون صحيحًا، فلولا أنه صحيح لَمَا نُهِي عنه.
والجواب: أن فساده إنما عُرف بالنهي عنه، وإنما يكون النهي لغؤا لو كان فساده قد عُرف بغير النهي. وادِّعاء أن النهي لا يكون للصورة فقط ممنوع؛ لأنه يكون تلاعبًا، فنُهي عنه لذلك.
ويدل عليه ما في "الصحيحين" من قوله ﷺ لفاطمة بنت أبي حبيش وقد قالت: "إني امرأة أُسْتَحاض فلا أَطْهُر، أَفَأَدعُ الصلاة؟ ": "فإذا أقبلت الحيضة، فدعي الصلاة" (٢) الحديث. ولو كان المنهي عنه صحيحًا لَصَحَّت صلاة الحائض؛ إذِ النهي إنما هو للصلاة
стр. 1242
الشرعية، لا اللغوية.
وذهب قوم إلى أنه لا يدل على الصحة، وادَّعى القاضي فيه الاتفاق.
وكأن الحنفية لما قالوا: فاسد من حيث الوصف، يصدق موافقتهم على الفساد في الجملة.
نعم، فرَّعوا على ذلك أنه لو نذر صوم يوم النحر، ينعقد نَذْره عندهم، ويجب عليه إيقاعه في غير يوم النحر. فإنْ أَوْقَعه فيه، كان ذلك محرَّمًا، ويقع عن نذره.
وكذا قالوا في طواف الحائض: إنه يجزئها عن طواف الفرض حتى [يحصل] (١) التحلل به.
وإذا باع درهمًا بدرهمين، يبطل العقد في الدرهم الزائد، ويصح في القَدْر المساوي.
كل ذلك تحقيق لقولهم: إنه صحيح بأصله، فاسدٌ بالوصف.
وبالغوا في التخريج على هذه القاعدة، فقالوا: الزنا يُثبت المصاهرة حتى تحرم أُم المزني بها وبنتها على الزاني، وإنَّ الكفار إذا استولوا على أموال المسلمين، ملكوها.
لكن الصواب أن هذا ليس من هذه القاعدة؛ لأن الزنا والاستيلاء من الأفعال الحسِّية، ولا خِلاف عندهم في أن النهي عن الأفعال الحسية لانتفاء الشرعية؛ ولهذا لم يَقُل أحد بمشروعية الزنا والغصب. ولهم في ذلك مأخذان:
أحدهما: أن المنهي عنه في يوم النحر مثلًا إيقاع الصوم، لا الصوم الواقع، والمفهومان متغايران؛ إذْ لا يَلزم مِن تحريمِ الإيقاع تحريمُ الواقع، كما لا يَلزم مِن تحريمِ الكون في الدار المغصوبة تحريمُ نفس الصلاة؛ لِتغايُر المفهومين.
стр. 1243
قلتُ: قد سبق أنَّ فِعل الشيء وإيقاعه والفعل الواقع معناهما واحد، وأيضا سبق الفرق بين النهي عن الفعل في الزمان وفي المكان.
المأخذ الثاني: أن النهي يستلزم تَصوُّر حقيقة المنهي عنه شرعًا، وذلك يقتضي الصحة، والمنهي عنه قبيح لذاته، وذلك قائم بالوصف، لا بالفعل.
قلتُ: لكن لا نُسَلم أن القبح في المنهي استُفِيد من غير النهي، فلا يُعْرف قُبح المنهي عنه إلا بالنهي، وقد مضى تقريره.
وبالجملة فعند الشافعي أن المعصية والصحة متنافيان في زمان واحد مِن حيثية واحدة.
وبحث بعض المحققين في القول بأن "النهي يقتضي الصحة" بأنه إنْ أريد "الصحة العقلية" على معنى إمكان كونه صحيحًا، فلا خلاف في ذلك، أو "العُرفية" على معنى أنه يَصْدُق على صومه عُرفًا اسم ذلك، فكذلك.
وأدلتهم إنما تدل على الصحة بهذين المعنيين، أما "الشرعية" على معنى ترتُّب الآثار عليه شرعًا فَهُم لا يقولون به، ولا أدلتهم تقتضيه؛ فيرجع الخلاف لفظيًّا.
قلتُ: قد سبق للخلاف فوائد في النذر ونحوه.
وأما المنهي عنه لأمر خارج غير لازم فلا يقتضي الفساد عند الشافعي والجمهور، سواء أكان في العبادات أو في العقود.
قال الآمدي: (لا خلاف أنه لا يقتضي الفساد إلا ما نُقل عن مالك وأحمد) (١). انتهى
وهو المشهور عند الحنابلة وداود، وعُزي إلى أبي هاشم وغيره؛ ولهذا أَبْطل أحمد الصلاة في الدار المغصوبة كما سبق بيانه في الأحكام.
стр. 1244
نعم، قيل: إطلاق النقل عن أحمد ليس بجيد؛ فإنه إنما قال ذلك في بعض العبادات وبعض العقود خاصة، كالبيع في وقت النداء والصلاة في المغصوب، وإلا فهو موافق على وقوع الطلاق في الحيض وفي طُهْر جامَعَها فيه وإرسال الثلاث ونحو ذلك.
نعم، إذا قُلنا في هذا النوع: (إنه يقتضي الفساد) كما يقول أحمد وغيره فقام دليل في موضع على أنه لا يقتضي الفساد:
هل يكون اللفظ باقيًا على حقيقته؛ لأنه لم يخرج عن جميع موجبه، فيصير كالعام الذي خرج بعضه، فإنه يبقى حقيقة فيما يبقى (على المرجَّح كما سيأتي)؟
أو يبقى مجازًا؛ لخروجه عما يقتضيه في الأصل؟
فيه خِلاف حكاه ابن عقيل في كتاب "الواضح"، وهو مبني على أن لفظ النهي يدل على الفساد [بصيغته] (١)، أما إذا قلنا: (يدل عليه شرعًا أو معنًى)، فليس فيه إخراج بعض مدلول اللفظ.
ولعل هذه المسألة هي فائدة الخلاف في كونه لُغةً أو شرعًا أو معنًى.
وقد حُكي في الخلاف أقوال سوى ما سبق كما زعمه بعض المصنفين:
منها ما حكاه الشيخ أبو إسحاق في "شرح اللمع" أن: (النهي إن كان مختصًّا بالمنهي عنه كالصلاة في الثوب النجس، دَلَّ على فساده، وإلا فلا، كالصلاة في الدار المغصوبة والثوب الحرير والبيع وقت النداء) (٢).
قلتُ: لكنه لا يخرج عمَّا سبق، فإن الثوب النجس إنما كان مختصًّا لأن شرط الصلاة
стр. 1245
طهارة الثوب، فالنهي عنه لعدم شرطه، بخلاف ما لا [يختص] (١)؛ لأنه لأمر خارجي.
ومنها: القول بأن النهي عن العبادة يقتضي الفساد مطلقًا، والتفصيل بين ما هو لِعَيْنه أو لخارج لازم أو مجاور لها [إنما] (٢) هو في غير العبادات. نقله ابن برهان في "الوجيز" عن الشافعي، واختاره الإمام الرازي في "المعالم"، وجرى عليه البيضاوي، وظاهر نَقْل الآمدي أنه قول أصحاب الشافعي واختاره.
قيل: ونَصَّ عليه الشافعي في "الرسالة" و"البويطي"، وهو ظاهر عبارة ابن السبكي في "جمع الجوامع" على ما قرره شيخنا الزركشي في شرحه.
وعندي أنه يمكن حمل كلامه على أن التفصيل يعود إلى الجميع؛ بدليل آخِر كلامه، [بل] (٣) والمنقول عن نَص "الرسالة" و"البويطي" يمكن حمله على ذلك، بل ما سبق في المذهب المختار من النصوص وكلام الأصحاب يقتضي ذلك.
ومنها: ما حكاه القرافي عن المالكية أنه يقتضي شبه الفساد، ولكن ظاهره يقتضي تخصيصه بالعقود.
قلتُ: الظاهر أن مراد قائله بِـ "شبه الفساد" نَفْس الفساد، وإنما عبر بذلك تفرقة بَيْنه وبين ما نُهي عنه من الفاسد الذي قد عُلِم فساده بغير النهي.
ومنها: أن ما يُخِل بركن أو شرط يقتضي الفساد دُون ما لا يُخل بواحد منهما. ذكره ابن برهان وابن السمعاني، وهو ظاهر كلام الغزالي في "المستصفى" آخِرًا.
قالوا: فيكون معنى كلامه أن النهي لم يقتضِ فساده، إنما فساده عُلِم بأمر آخَر.
стр. 1246
قلتُ: يمكن ادِّعاء أنه عَيْن قول الجمهور مِن حيث إنه رجع النهي عنه لأمر داخل أو لازم، ولكن كونه داخِلًا أو لازمًا استُفيد مِن غير النهي.
ومنها: ما ذكره المازري في "شرح البرهان" عن شيخه -والظاهر أنه أبو الحسن اللخمي- التفصيل بين ما النهي عنه لِحَقِّ الخلْق فلا يقتضي الفساد، أو لِحَقِّ الله تعالى فيقتضيه. قال: ولهذا لم يُبْطِل الشارع بيع المُصرَّاة، بل أَثبت للمشتري الخيار. قيل: وهو قول غريب.
قلت: هو في الحقيقة راجع إلى ما سبق مِن الفرق بين اللازم والمجاور، فإن مراده بِـ "حَقِّ الخلْق" نحو الصلاة في المغصوب، بخلاف الصلاة بالنجاسة.
على أن ما ذكره من التعبير بذلك ينتقض طردًا وعكسًا؛ فإن البيع بالشرط الفاسد والأجل المجهول فاسد مع أنه لِحَقِّ الآدمي، ونحوه -على مذهبهم- البيع على بيع أخيه، والبيع في وقت النداء لِحَقِّ الله وهو صحيح. نعم، هو عندهم فاسد كما سبق.
تنبيهان
الأول: قولي: (وَمُطْلَقُ النَّهْيِ) أي: الذي ليس مقيَّدًا بما يُشعر بالفساد أو بالصحة.
فالأول: نحو: (لا تُصل بغير طهارة)، ونحوه، ومنه قوله ﷺ : "لا تُزَوِّج المرأة المرأة، ولا تزوج المرأة نفسها، فإن الزانية هي التي تنكح نفسها" (١). رواه ابن ماجه والدارقطني بطُرق، فآخِر الحديث يدل على اقتضاء ذلك الفساد.
ومثله: نهيه ﷺ عن بيع الكلب، وقال فيه: "فإنْ جاء وطلب ثمنه، فاملأ كفه ترابًا" (٢).
стр. 1247
رواه أبو داود بإسناد صحيح، ونهيه عن الاستنجاء بالعظم والروث، وقال: "إنهما لا يطهران" (١). رواه الدارقطني وصححه. ففي ذلك كله أنه يقتضي الفساد قطعًا، خلافًا لِمَا أفهم كلام بعضهم -كابن برهان- من إجراء الخلاف فيه أيضًا.
والثاني كحديث: "لا تصُرُّوا الغنم، فمن ابتاعها فهو بخير النظرين" (٢) الحديث. ونحو ذلك مما فيه النهي وإثبات الخيار. ومِثله أيضًا: النهي عن طلاق الحائض والأمر فيه بالمراجعة.
وقولي: (وَالشَّكُّ في اللَّازِمِ كَالْيَقِينِ) أي: إنَّ المشكوك في كونه لازمًا بماذا يلتحق؟
وهي مسألة نفيسة تَعَرَّض لها الشيخ عز الدين بن عبد السلام في "قواعده"، فقال: (كل تَصَرُّف منهي عنه لأمر [يجاوره] (٣) أو [يقارنه] (٤) مع توفر شروطه وأركانه فهو صحيح، وكل تصرف نُهي عنه ولم يُعلم لماذا نُهي عنه؛ فهو باطل؛ حملًا للفظ النهي على الحقيقة) (٥). انتهى
وقد استُفيد من كلام ابن عبد السلام أن المراد بالخارجِ غيرُ اللازم الذي لا يتعلق
стр. 1248
بإخلال ركن أو شرط، فالأول هو مرادهم بالجزء الداخل، والثاني هو مرادهم باللازم الخارج؛ لِلزوم الشرط للماهية، فنشأ من ذلك الخلافُ في الأمثلة.
الثاني:
قال ابن السمعاني في "الاصطلام" في مسألة "صوم يوم العيد": (إنهم لم يتعرضوا لحقيقة الفرق بين المنهي عنه لِعَينه أو لغيره. ويمكن أن يقال: النهي لعينه هو ما طُلب فيه إيجاد ضد المنهي عنه، كالنهي عن صوم يوم العيد، وما ليس كذلك فالنهي فيه لغيره، كالنهي عن الصلاة في الدار المغصوبة، ليس المطلوب ترك الصلاة، وكذا البيع في وقت النداء، إذْ لو اشتغل بغير البيع كان كذلك) (١). والنهي عن صوم يوم العيد ونكاح المحارم ونحوه كما صرح به القاضي الحسين في "باب النذر" من "تعليقته".
على أن ابن السمعاني قد ضايق في بعض كتبه الخلافية في الفرق، وقال: إن النهي لا يكون لعين المنهي عنه أبدًا، إنما هو دائما لغيره؛ إذ الأحكام ليست بأوصاف ذاتية للأفعال، بل متعلقة بها.
وفيما قاله أولًا نظر؛ لِمَا قررناه أول المسألة من الفرق بين الأمرين.
وكذا فيما ضايق به على الفرق بينهما نظر؛ فإن الأحكام وإنْ لم تكن وصفًا بل متعلقة لكن التعلق مرة يقع بواسطة و [مرة] (٢) بلا واسطة؛ فحصل الفرق، والله أعلم.
стр. 1249
ص:
٥٦٦ - وَالنَّفْيُ في قَبُولٍ اوْ إجْزَاءِ ... هَلْ هُوَ لِلصِّحَّةِ ذُو اقْتِضَاءِ؟
٥٦٧ - أَوْ لِلْفَسَادِ؟ رَجَّحُوا كِلَيْهِمَا ... بِمَا أتي مِنْ شَاهِدٍ عَلَيْهِمَا
الشرح:
لَمَّا [بينتُ] (١) أن النهي يقتضي الفساد فيما سبق من الأنواع، ذكرتُ ما هو في معنى النهي هل يقتضيه أيضًا؟ أو لا؟ وذلك فيما إذا نفى الشارع القبول عن فعل في حالة من أحواله، كقوله تعالى: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ﴾ [آل عمران: ٩١]، ﴿أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ﴾ [التوبة: ٥٤] (٢)، وكقوله ﷺ : "لا تقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ" (٣)، "لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار" (٤)، "لا تقبل صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول" (٥)، ونحو ذلك.
ووجْه مشابهته للنهي أنه في معنى: "لا يُصَلِّ أحدكم إلا بطهارة" و"لا تُصَل حائض إلا بخمار". وهكذا في الكل، فيقتضي الفساد كالنهي على ما سبق.
ويكون معنى نفي القبول نفي الصحة؛ ولذلك أدخل ذلك في "جمع الجوامع" في نفس
стр. 1250
المنهي عنه لوصفه، حيث قال عن أبي حنيفة: (إنَّ المنهي عنه لوصفه يفيد الصحة. وقيل: إنْ نفي عنه القبول) (١) إلى آخِره، إذ التقدير: وقيل في المنهي عنه: إنْ نُفِي عنه القبول فإنه أيضًا يفيد الصحة على قولٍ.
والحاصل أن ما نُفي عنه القبول هل يكون فاسدًا؟ أو لا؟ قولان:
أحدهما: أن القبول والصحة متلازمان، فإذا نفي أحدهما، انتفى الآخَر.
الثاني: لا؛ لأن القبول أخص من الصحة؛ إذ كل مقبول صحيح، وليس كل صحيح مقبولًا؛ بدليل قوله ﷺ : "مَن أتى عرافًا، لم تُقبل له صلاة" (٢)، "إذا أبق العبد، لم تُقبل له صلاة حتى يرجع إلى مواليه" (٣)، "مَن شرب الخمر، لم تُقبل له صلاة أربعين صباحًا" (٤)، وشبه ذلك. فيكون القبول هو الثواب ونحوه.
وقد يصح الفعل ولا ثواب فيه كما هو الصحيح عندنا في الصلاة في المغصوب، فلا يلزم حينئذٍ مِن نفي القبول نفي الصحة.
وهذان القولان متكافئان، لا رُجحان لأحدهما على الآخَر، لأن نفي القبول وَرَدَ في
стр. 1251
الشرع تارة بمعنى نفي الصحة كما في حديث: "لا تُقبل صلاة بغير طهور" (١) ونحو ذلك مما يستدل به أصحابنا وغيرهم على اشتراط الطهارة أو ستر العورة.
وتارة ينفي القبول مع وجود الصحة، كما في الأحاديث السابقة في الآبق وشارب الخمر ومَن أتى العراف.
وحكى الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد في "شرح العمدة" القولين، وأشعر كلامه بعدم ترجيح أحدهما على الآخَر، حيث حكى في تفسير "القبول" قولين: (أحدهما: ترتيب الغرض المطلوب من الشيء على الشيء، فيقال: "قَبِل عُذرَه" إذا رتب على عذره الغرض المطلوب وهو عدم المؤاخذة بالجناية، وعلى هذا فالصحة والقبول متلازمان.
والثاني: أن "القبول" كون العبادة بحيث يترتب الثواب عليها، وعلى هذا فالقبول أَخَص من الصحة، فكل مقبول صحيح، ولا ينعكس) (٢). انتهى
نعم، ابن عقيل -من الحنابلة- حكى القولين في كتابه في الأصول، ورجح أن الصحيح لا يكون إلا مقبولًا، ولا يكون مردودًا إلا وهو باطل.
لكن ترجيحه ذلك ليس بالواضح مع كثرة مجيء الأمرين في الشرع كما أشرنا إليه؛ ولذلك جريتُ في النظم على عدم الترجيح، فقلتُ: (رَجَّحُوا كِلَيْهِمَا بِمَا أتي مِنْ شَاهِدٍ عَلَيْهِمَا).
وقولي: (اوْ إجْزَاءِ) أشرتُ به إلى أن نفي الإجزاء كنفي القبول فيما ذكر، كقوله ﷺ : "لا
стр. 1252
تجزئ صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن" (١). رواه الدارقطني، وقوله ﷺ : "أربع لا تجزئ في الضحايا" (٢)، ونحو ذلك.
نعم، اختُلف في كيفية الخلاف فيه على طريقين:
أصحهما: القطع بأنه كَنَفْي القبول.
والثاني: أن فيه الخلاف السابق في نفي القبول، وأَوْلى باقتضائه الفساد؛ لأن الصحة قد توجد حيث لا قبول، بخلاف الإجزاء مع الصحة.
قلتُ: وقد سبق في الكلام في خطاب الوضع معنى الإجزاء والفرق بينه وبين الصحة بما يخدش ما ذكر هنا، فراجعه، والله تعالى أعلم.
(تم الجزء الأول بعون الله وتوفيقه في ليلة سفر صباحها عن سابع عشر شهر المحرم الحرام من شهور سنة ست وعشرين وثمانمائة بمنزلي بالصالحية من الشام المحروسة أحسن الله عاقبتها، ويتلوه الجزء الثاني: الفصل الثاني في "العام" و"الخاص") (٣).
وحسبنا الله ونعم الوكيل.
стр. 1253
الفصل الثاني في: "العام" و"الخاص "
٥٦٨ - فَذُو الْعُمُومِ: اللَّفْظُ إذْ يَسْتَغْرِقُ ... صَالِحَهُ مِنْ غَير حَصْرٍ يُطْلَقُ
الشرح:
هذا الفصل معقود للثاني مِن مهمات أقسام الكلام، ولإمامنا الشافعي ﵁ فيه البيان الشافي.
قال الإمام أحمد ﵀: (لم نكن نَعرف الخصوص والعموم حتى قَدِمَ علينا الشافعي).
وإنما أخرتُ الكلام فيه عن الأمر والنهي لتعلقهما بنفس الخطاب الشرعي، وتعلق العموم والخصوص بالمخاطَب باعتبار كمِّيته.
فَ "العموم" في اللغة: شمول أمرٍ لمتعدد، والأمرُ الشامل هو العام، لفظًا كان أو غيره، نحو: عَمَّ الخيرُ، وعَمَّ الخصْبُ.
ولهذا يقع في عبارة بعض المناطقة: العام ما لا يمنع تَصوُّره مِن الشركة فيه.
والأكثر إنما يفسرون بذلك الكُلي، وهو بمعنى العموم لغةً، وأما اصطلاحًا فسيأتي.
فَ "العام" في الاصطلاح فيه تعاريف كثيرة، المختار منها تعريف أبي الحسين وابن السمعاني وغيرهما، وهو ما أوردتُه في النَّظم: إنه اللفظ المستغرق لِمَا يَصلح له مِن غير حَصْر.
стр. 1254
وإنما عبرت بقولي: (فَذُو الْعُمُومِ) ولم أقُل: (العام)؛ لِضيق الرجز عن لفظه، فعدلتُ إلى معناه. "فذو" مبتدأ، وما بعده من التعريف خبره.
وأيضًا ففيه تنبيه على تسامح مَن قال: (العموم: اللفظ المستغرق)، كما عبر به عبد الجبار وابن برهان وغيرهما.
فَـ "اللفظ" جنس، وما بعده الخاصة، و"القول" وإنْ كان أحسن في التعبير لِكونه جنسًا قريبًا إلا أنه لَمَّا كان المراد هنا اللفظ الموضوع لمعنى؛ لأن الكلام فيه، ساغ التعبير به؛ لمساواته للقول، وكان "اللام" فيه للعهد العائد إلى ما سبق في التقسيم، وأيضًا [فقرينة] (١) استغراقه [المدلول] (٢) يُخرج اللفظ الذي لا يدل.
وأيضًا ففيه التعريض بأن العموم حقيقة في اللفظ دُون المعاني، وستأتي المسألة؛ وذلك لأن القول كثيرًا ما يطلق على الرأي، كقولك: "قول الشافعي"، "قول أبي حنيفة"، ولا شك أنَّ الرأي معنى.
نعم، التعبير به مُعرَّفًا باللام -وإنْ سبق أنه مما يُعاب في التعاريف لأن التعريف للماهية - فيه ما فيه، لكن لما شاع استعمال ذلك وكثر بعد التنبيه مرات عليه، اغتُفِر، لاسيما في النَّظم.
وخرج بقيد "استغراق ما يصلح له":
- المُطْلَق؛ فإنه لا يدل على أفراد فضلًا عن استغراقها.
- والنكرة في الإثبات؛ فإنها لا تَعُم على المرجَّح (كما سيأتي)، سواء أكانت بصيغة مفرد (كـ "رجل") أو جمع (كـ "رجال") أو نحوه من أسماء الجموع (كـ "قوم" و"رهط") أو عدد
стр. 1255
(كَـ "خمسة")، فإنَّ دلالةَ العدد على أفراده دلالةُ كُلٍّ على أجزائه، فلا استغراق فيه.
نعم، قد يطلق على هذه الأمور أنها عامة، أَيْ على سبيل البدل، كما في نحو: ﴿تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المائدة: ٨٩]، ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩]، ونحو ذلك.
ومعنى "عموم البدل" أنه يَصْدُق على كل واحد بدلًا عن الآخَر، [لا مَعَ] (١) صِدقه عليه، بخلاف "عموم الشمول"، فإنه يَصدق على كل فرْد في حالة واحدة.
وحيثما يطلق "العموم" في الأصول والفقه وغالب العلوم فإنما يراد "عموم الشمول"، لا عموم البدل.
وهذا معنى قولي: (إذْ يَسْتَغْرِقُ صَالِحَهُ)، أي: حيث يكون مستغرقًا، أي: شأنه ذلك حتى يدخل فيه نحو: الشمس والقمر والسماء والأرض، فإن كُلًّا من ذلك عام وإنْ كان منحصرًا في الواقع في واحد أو في سبعة، وقد سبق في بعض تقسيمات "الكُلي" ما يوضح ذلك.
ومعنى قولي: (صَالِحَهُ) أي: الصالح له. فالإضافة بمعنى اللام.
ومما يدخل في مدلول الصلاحية أن كل مدلول بحسبه، كَـ"مَن" في شمول العقلاء دون غيرهم، و"ما" لغيرهم، و"أين" في عموم الأمكنة، و"متى" في عموم الأزمنة، و"كل" بحسب ما يدخل عليه كما سيأتي إيضاحه في صِيَغ العموم وإنْ كان مفردًا.
وكُل عام فاستغراقه في أفراد ما يدل عليه، فاستغراق "المفرد" في المفردات، و"الجمع" في الجموع، و"المثنى" في المثنيات، حيث كان فيها ما يقتضي العموم من "أل" أو "إضافة" أو غير ذلك.
стр. 1256
وقد عُلم من تعبيري بِـ "الصالح له" دون قولي: "مدلوله" أن كونه صالحًا له إنما هو بحسب الأمر الذي اشتركت الأفراد فيه. فلو عُبربِ "المدلول"، لكان موضوعًا لكل فرد وَضْع المشترك لكل مِن مَعنييه أو معانيه، وليس ذلك مرادًا.
فالمراد بِـ "الصلاحية" أنْ يَصْدُق عليه لُغةً بهذا الاعتبار.
واستغنيت بعموم "صالحه" عن قول البيضاوي وغيره: (يستغرق جميع ما يصلح له) (١).
نعم، اعترضه السبكي بأنَّ هذه الصيغ العامة من جملة المُعَرَّف، فأَخْذها في التعريف دَوْر، وادَّعَى أن جوابه متعذِّر.
قلتُ: قد يجاب بأنَّ كونها للعموم من باب وجود العموم فيها، لا تَصَوُّر العموم، وإنما يَلزم الدور لو توقَّف التعريف على تَصَوُّر العموم فيها كما سبق نظيره في حد "العِلم" ونحوه. إلا أن يقال: حصول العموم هنا لا بُدَّ مِن تَصوُّره؛ ليحكم بالعموم، فيرجع إلى التوقف على تصوره؛ فَجَاءَ الدور؛ لاتحاد جهة التوقف.
وقولنا: (مِنْ غَير حَصر) احتراز من اسم العدد، نحو "عشرة"، فإنها تستغرق الأفراد المركبة لكن بحصر؛ إذ دلالتها دلالة كُلٍّ على أجزائه، ودلالة العموم كُلّي على جزئياته كما سيأتي.
وبذلك صرح ابن الحاجب هنا وقال: (إنه لو لم مِحترز عنه بـ "عدم الحصر" لكان الحد غير مانع) (٢).
نعم، في كلامه في بحث "الاستثناء" ما يخالف ذلك، وتابعه في "جمع الجوامع"،
стр. 1257
والصواب ما هنا، لكن سبق في تفسير "الاستغراق " أنه مخرج للعدد، وعلى هذا فيستغنى عن قيد "عدم الحصر".
أما لفظ "المثنى" باعتبار جزئيه ولفظ "جمع القِلة" باعتبار أقَل الجمع (وهو ثلاثة أو اثنان على الخلاف في ذلك) و"جمع الكثرة" على أحد عشر -فإنه خارج بقيد "الاستغراق"، لأن دلالةَ كُلٍّ مِن ذلك دلالةُ الكل على أجزائه، وعمومه في كل اثنين اثنين وجَمْع جَمْع عموم بَدَل، لا عموم شمول، إلا أن يقترن به ما يقتضي العموم من "أل" أو "إضافة" أو "نفي" أو "شرط" أو نحو ذلك مما سيأتي تفصيله، فيفيد عموم الشمول بما انضم إليه كما سبق.
وكل ذلك سيتضح في الكلام على صِيَغ العموم مُفصلًا -إن شاء الله تعالى- لاسيما في مسألة أن "الجمع المنكَر لا يفيد العموم".
تنبيه:
قد عُلم مِن شرح هذا التعريف ضَعف غيره مِن التعاريف.
فمِن ذلك قول الغزالي: (إنه اللفظ الواحد الدال مِن جهة واحدة على شيئين فصاعدًا) (١). فإنه ليس بجامع ولا مانع كما أشار إليه ابن الحاجب.
أما الأول فلخروج المعدوم والمستحيل؛ لأن ذلك لا يسمى "شيئًا" على قول أهل السنة مع أن العموم قد يكون فيهما، بخلاف قولنا: (الصالح له)؛ فإنه شامل لهما.
نعم، قد يجاب عن الغزالي بأن مراده بِـ "الشيء" المعنى اللغوي الشامل للموجود والمعدوم، وكونه لا يسمى "شيئًا" إلا الموجود إنما هو في عُرف المتكلمين، إلا أن يقال: مدرك الخلاف بينهم فيه إنما هو الاستناد إلى اللغة كما يُعرف ذلك مِن أدلتهم المقررة في
стр. 1258
محلها.
قال ابن الحاجب: (ولخروج الموصولات وصلاتها؛ لأنها عامة وليست بلفظ واحد) (١).
لكن في هذا أيضًا نظر؛ لأن الدال هو الموصول وهو مفرد، والصلات إنما هي لتبيين المراد منه؛ لتظهر الفائدة؛ ولهذا كان الإعراب إنما يُحكم به لمحل الموصول وحده.
اما الثاني: فلدخول المثنى؛ لأنه دال على مفرديه وليس بعام كما سبق، ولدخول المعهود (نحو: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ﴾ [آل عمران: ١٧٣]) والنكرة (نحو: ﴿أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧]) وليس شيء منهما بعام.
ثم قال ابن الحاجب: (وقد يلتزم الغزالي هذين) (٢).
أي: فيدعي عمومهما؛ لمطلق الشمول في المثنى والعموم البدلي في النكرة.
وهو عجيب؛ فإن المثنى لا استغراق فيه بالمعنى السابق أو لأنه فيه حصر، وشَرْطُ العموم عدم الحصر. وأما العموم البدلي في النكرات فليس هو المراد كما سبق تقريره، فكيف يلتزم ما لا يمكنه التزامه؟ ! وقد قال هو في "المستصفى": إن النكرة في الإثبات لا عموم فيها (٣).
وذكر ابن الحاجب تعريف أبي الحسين الذي اخترناه، وزعم أنه ليس بمانع.
قال: (لأن الأعداد نحو: "عشرة" ونحو: "ضرب زيد عمرًا" يدخل كل منهما فيه) (٤).
стр. 1259
مع أنه لا عموم فيهما؛ ولهذا احترز عنه الغزالي في تعريفه السابق بقوله: (اللفظ الواحد) إلي آخِره.
وما قاله ممنوع.
أما الأول: فقد بيَّنا أنه يخرج بقيد الاستغراق أو بقيد عدم الحصر.
وأما الثاني: فلأن الكلام في المفرد، وأما "ضرب زيد عمرًا" فليس بمفرد.
وقد سبق تقرير أن العموم من عوارض المفرد وأقسامه، فكيف يدخل في ذلك المركَّب؟ !
والتقدير في التعريف: "العام: اللفظ المفرد" كما سبق تقريره في شرح الحد.
وأيضًا فقد سبق في تفسير "الاستغراق" أنه الدلالة على كل فرد من جهة واحدة، و"ضرب زيد عمرًا" دال من جهات متعددة، فكل كلمة دالة على معناها؛ فلا استغراق.
وأما ما اختاره ابن الحاجب في تعريفه بقوله: (ما دل على مسميات باعتبار أمر اشتركت فيه مطلقًا ضربة) (١) فإنه سالم من أمورٍ أُوردت على ما سبق.
وقال: "مطلقًا"، ليحترز عن المعهود؛ فان د لالته بقرينة العهد.
قلتُ: وهو معنى قولي: (يُطْلقُ)، وهو مؤخر من تقديم، وهو وفاعله جملة حالية، والتقدير: العام هو اللفظ حال كونه مطلقًا -لا بقرينة- المستغرِق لِمَا يصلح له.
ويجوز أن تكون الجملة في موضع رفع؛ صفة لِلَّفظ؛ على قاعدة: "الجملة إذا وقعت بعد المعرَّف بِـ "أل" الجنسية فإن فيها الوجهين".
إلا أنَّا قد قدَّمنا أن الألف واللام ينبغي أن تكون للعهد وهو ما له معنى، لا مطلق
стр. 1260
اللفظ؛ فتتعيَّن الحالية حينئذٍ.
وإنما قال ابن الحاجب: (ما دل) ولم يقُل: (اللفظ الدال)؛ لأن مختاره أنَّ العموم يكون في المعنى حقيقةً كاللفظ وإنْ كان المرجَّح خلافه كما سيأتي.
فإن قيل: لمَ لا قيدت تعريفك بأن يكون "بوضع واحد" كما قيد به البيضاوي؛ ليخرج المشترك وما لهَ حقيقة ومجاز؟ فإنه وإن كان مستغرقًا لجميع ما يصلح له لكن لا بوضع واحد.
قلتُ: إن كان اللفظ أُطلق في حالة واحدة على معنييه أو معانيه بالإرادة فذلك مجاز على المرجح كما سبق في بحث المشترك. ولو قلنا: حقيقة، ففيه الحصر، وهو خارج؛ مِن قولنا: (بلاحصر).
وإن كان إنما أطلق على أحد معنييه أو معانيه فلا استغراق، فلا يحتاج إلى هذا القيد.
ولذلك قرر الأسفراييني -شارح "البيضاوي"- أنه قيدٌ أريدَ به إدخال المشترك وما له حقيقة ومجاز، لا إخراجه ولكن حيث كان في المشترك ما يقتضي العموم، نحو: "رأيت العين أو العيون"، و"ما في الدار عين"، و"كل عين تفنى" ونحو ذلك إذا أريد بالعين حينئذٍ نوع من مدلولاتها، فإنه عام فيه بلا شك مع أنه لم يستغرق جميع ما يصلح له وهو بقية المعاني التي لم تقصد أصلًا.
فكأنه يقول: يستغرق جميع ما يصلح له استغراقًا مقيدًا بكونه بوضع واحد؛ ليخرج الاستغراق لما يصلح له بوضعين، فإنه غير معتبر، [فيُدْخِل] (١) الصورة التي ذكرناها، ويُخرج الاستغراق الذي لم يقصد في العموم؛ وذلك لأن قيد القيد مُدْخِلٌ في الأصل ما خرج بالقيد.
стр. 1261
فعُلِمَ بذلك أن معنى قوله وقول غيره في قيد القيد: (إنه مُدْخِل، لا مخُرج) ما ذكرناه، وإلا فالقيد إنما يكون للإخراج لا للإدخال. فَحَقَق ذلك وتجنَّب ما وقع لشارحي "المحصول" -الأصفهاني والقرافي- في ذلك مما لا ينبغي أنْ يُتشاغل به.
على أنه قد سبق أن إطلاق المشترك على معنييه أو معانيه من قبيل شمول العام لكن على الوجه الذي سبق تقريره هناك وما ذكرنا فيه من الأمور المهمة، فليراجع.
وعلى كل حال فَعَنْ ذلك كله غِنًى بقيد "استغراق ما يَصلح له" على ما قررنا أنه باعتبار أمر اشتركت فيه.
وإنما يكون ذلك بوضع واحد، فإن بقية المعاني التي هي بوضع آخَر ليست بواسطة أمر اشتركت فيه، بل هي مغايرة.
فإن قيل: كيف يفسر "العام" بِ "المستغرق" وهُما مترادفان، فيكون هذا من التعريف اللفظي، لا الحقيقي ولا الرسمي؟
قيل: لا نُسَلم الترادف لغةً، وبتقدير التسليم فالعموم الاصطلاحي ليس هو عَيْن المستغرق لغةً، فالأول بالاصطلاح، والثاني باللغة؛ فلا تَرادف.
وهذا الجواب ينفع في كثير من حدود يُورَد عليها مِثل ذلك، والله أعلم.
ص:
٥٦٩ - وَنَادِرًا يَحْوِي وَمَا لَمْ يُقْصَدِ ... وَيُوصَفُ الْمَعْنَى بِهِ كَـ "الرَّشَدِ
٥٧٠ - يَعُمُّنَا وَالْخِصْبُ أَيْضا وَالْمَطَرْ" ... لَكِنْ مَجَازًا بِالْأَعَمِّ يُدَّكرْ
الشرح:
لما عَرَّفتُ العام بأنه: "اللفظ المستغرق لما يصلح له" إلى آخِره، ذكرت هنا ما فيه خلاف
стр. 1262
في دخوله، وما يكون إطلاق العموم فيه حقيقة ومجازًا، وما وقع في اصطلاحهم من العبارة في عام وأعم. فهذه ثلاثة أمور اشتمل عليها البيتان.
الأول فيه مسألتان:
إحداهما: هل يحكَم بدخول الصورة النادرة تحت اللفظ العام؛ لشموله إياها لغةً؟ أو لا؛ لخروجها باستبعاد قَصْدِها؟
والخلاف في هذه المسألة مذكور في الفقه مُفرَّع عليه مسائل سيأتي ذكر شيءٍ منها.
وزعم ابن السبكي أن الشيخ أبا إسحاق ذكر الخلاف فيها في الأصول.
قال شيخنا بدر الدين في "شرح جمع الجوامع": (ولم أجده في كُتبه، وإنما يوجد في كلام الأصوليين اضطراب فيه يمكن أن يؤخذ منه الخلاف، وكذا في كلام الفقهاء؛ ولهذا اختلفوا في المسابقة على الفيل على وجهين:
أصحهما: نعم، لقوله ﷺ : "لا سبق إلا في خُفٍّ أو حافِر" (١).
والثاني: لا؛ لأنه نادر عند المخاطَبين بالحديث، ولم يُرَد باللفظ) (٢).
وذكروا في المتمتع العادم للهدي أنه يصوم الأيام في الحج قبل عرفة، فلو أخَّر طواف الزيارة عن أيام التشريق وصامها، لا يكون أداء وإنْ بقي الطواف؛ لأن تأخُّره عن أيام التشريق مما يَبعد وَيندر؛ فلا يدخل في قوله تعالى: ﴿ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦]، بل هو محمول على الغالب المعتاد.
стр. 1263
قال الرافعي: كذا حكاه الإمام وغيره. وفي "التهذيب" حكاية وَجْه بخلافه.
وقال الغزالي في "البسيط": (لو أوصى بعبد أو برأس من رقيقه، جاز دفع الخنثى. وذكر صاحب "التقريب" وجهًا أنه لا يُجزئ؛ لأنه نادر لا يخطر بالبال. وهو بعيد؛ لأن العموم يتناوله). انتهى
فهذا ترجيح لدخول النادر؛ لكن الشافعي نص على عدم الدخول، وبه قطع إمام الحرمين في "العُمَد" كما حكاه عنه ابن العربي في "القَبس".
وفي "المطلب" في باب المسابقة أنَّ مَحط كلام الإمام والغزالي على أنه إنما يدخل في العام ما يخطر لِلَّافظ به حين النطق به، وهذا إنما يعتبر في قوله ﵊ إذا قُلنا: إن جميع ما يقوله لا يكون إلا بوحي. أما إذا قلنا: يكون باجتهاد، فلا يظهر اعتباره؛ لأن موجبه عام لجميع الجزئيات.
ولكن جوابه ما سيأتي.
وحكى الرافعي عن الإمام في مهايأة المبعض: هل يدخل فيها النادر من هبة أو وصية إذا لم يصرحا في المهايأة بإدراج الاكساب النادرة؟ : (أنها تكون على الخلاف فيما إذا عمت الهبات والوصايا في قطر أنها تدخل لا محالة كالأكساب العامة، أو هي على الخلاف؛ لأن الغالب فيها الندور) (١). انتهى
وفي "الأوسط" لابن برهان أن اللفظ العام لا ينزل على النادر؛ لأنَّا نقطع بكونها غير مقصودة لصاحب الشرع؛ لعدم خطورها بالبال.
قال: وبنى على هذا أصحابنا كثيرًا من المسائل، منها: أنهم أبطلوا حمل أبي حنيفة "لا
стр. 1264
نكاح إلا بولي" (١) على المكاتمة، وقالوا: المكاتبة نادرة من نادر؛ لأن الأصل في النساء الحرائر، والإماء نادر، والمكاتب منهن نادر.
ويؤخَذ من تفصيل إلْكِيَا (في تخصيص العام بين أن يتقدم عهد كـ "أكرِم مَن دخل داري" ثم يقول: "أردت مَن تَقدم ذِكره مِن أخِصَّائي"، فيجوز؟ أو لا؟ فقيل: يجوز. وقيل: لا يجوز) أنَّ هذا التفصيل يجيء هنا؛ لأن التخصيص فرع الدخول في العام.
واعلم أن بعض المتأخرين استشكل إطلاق الخلاف في هذه المسألة، وقال: لا يبين لي في كلام الله تعالى؛ لأنه لا يخفى عليه خافية، فكيف يقال: لا يخطر بالبال؟ ! ونحوه ما سبق من كلام "المطلب".
وأجيب بأن المراد إجراء ذلك على ما يُعْهَد في كلام العرب مِن خطورِه بالبال؛ لأن كلام الله جارٍ على أسلوب كلام العرب في مخاطبتها وإنْ كان فيها ما هو محُال في حقه كما في نسبة الغضب والقرب والبعد ونحو ذلك إليه تعالى.
وكذلك الاستثناء مثلًا، فإنه إنما دخل لِمَا لَعلَّه يُنسى، فيستدرك إخراجه، وهذا ظاهر كثير لمن تتبَّعه.
تنبيه: ينبغي تقييد المسألة:
- بأنْ لا يدوم ذلك النادر؛ فإنَّ النادر الدائم كالعام كما قرروه في "باب التيمم" وغيره.
- وبأنْ لا يساعده المعنى، فإنْ ساعده مع عدم ظهور اندراجه في اللفظ، فلم يتعرضوا له، فقيل: يحتمل أن يقال: يدخل قطعًا، وأن يقال: يجري فيه خلاف من الخلاف في بيع الأب مال ولده من نفسه وعكسه: هل يثبت فيه خيار المجلس؟ وجهان:
стр. 1265
أحدهما: لا، فإن ثبوته للمتبايعين يقتضي التعدد، فعند الاتحاد لا يدخل.
والثاني: نعم؟ لأن المعنى في ثبوته موجود، وذِكر "المتبايعين" في لفظ الشارع لِكَوْنه الغالب المعتاد.
كذا وجهه الإمام في "النهاية".
المسألة الثانية:
إذا كان لفظ العام يَصدق على صورة يغلب على الظن أن المتكلم لم يقصدها لقيام قرينة على ذلك، هل تكون داخلة؛ لأن اللفظ يشملها؟ أَم لا تدخل؟ لاقتضاء القرينة عدم دخولها؟ فيه خلاف حكاه القاضي عبد الوهاب في "الملخص". ونقل [الأول] (١) عن أكثر متأخري أصحابهم، والثاني عن متقدمي أصحابهم وعن القفال من أصحابنا.
وذلك مثل قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] الآية، هل يستدل به على إباحة أكل نوع مختلَف في جواز أكله أو شربه أو جماع مختلَف في [حِلِّه] (٢)؛ عملًا بظاهر اللفظ؟ أوْ لا؛ لأنها مسوقة لبيان وقت الأكل وغيره مما ذكروا أنه يجوز بعد النوم نَسخًا لِمَا كان مِن التحريم لهما بعد النوم؟
ونحوه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤]، الآية، هل يستدل به على نوع مختلَف في وجوب الزكاة فيه؟
وكذا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥]، هل يستدل به على تحريم الجمع بين الأختين بملك اليمين؟