فعُلِمَ بذلك أن معنى قوله وقول غيره في قيد القيد: (إنه مُدْخِل، لا مخُرج) ما ذكرناه، وإلا فالقيد إنما يكون للإخراج لا للإدخال. فَحَقَق ذلك وتجنَّب ما وقع لشارحي "المحصول" -الأصفهاني والقرافي- في ذلك مما لا ينبغي أنْ يُتشاغل به.
على أنه قد سبق أن إطلاق المشترك على معنييه أو معانيه من قبيل شمول العام لكن على الوجه الذي سبق تقريره هناك وما ذكرنا فيه من الأمور المهمة، فليراجع.
وعلى كل حال فَعَنْ ذلك كله غِنًى بقيد "استغراق ما يَصلح له" على ما قررنا أنه باعتبار أمر اشتركت فيه.
وإنما يكون ذلك بوضع واحد، فإن بقية المعاني التي هي بوضع آخَر ليست بواسطة أمر اشتركت فيه، بل هي مغايرة.
فإن قيل: كيف يفسر "العام" بِ "المستغرق" وهُما مترادفان، فيكون هذا من التعريف اللفظي، لا الحقيقي ولا الرسمي؟
قيل: لا نُسَلم الترادف لغةً، وبتقدير التسليم فالعموم الاصطلاحي ليس هو عَيْن المستغرق لغةً، فالأول بالاصطلاح، والثاني باللغة؛ فلا تَرادف.
وهذا الجواب ينفع في كثير من حدود يُورَد عليها مِثل ذلك، والله أعلم.
ص:
٥٦٩ - وَنَادِرًا يَحْوِي وَمَا لَمْ يُقْصَدِ ... وَيُوصَفُ الْمَعْنَى بِهِ كَـ "الرَّشَدِ
٥٧٠ - يَعُمُّنَا وَالْخِصْبُ أَيْضا وَالْمَطَرْ" ... لَكِنْ مَجَازًا بِالْأَعَمِّ يُدَّكرْ
الشرح:
لما عَرَّفتُ العام بأنه: "اللفظ المستغرق لما يصلح له" إلى آخِره، ذكرت هنا ما فيه خلاف
стр. 1262
في دخوله، وما يكون إطلاق العموم فيه حقيقة ومجازًا، وما وقع في اصطلاحهم من العبارة في عام وأعم. فهذه ثلاثة أمور اشتمل عليها البيتان.
الأول فيه مسألتان:
إحداهما: هل يحكَم بدخول الصورة النادرة تحت اللفظ العام؛ لشموله إياها لغةً؟ أو لا؛ لخروجها باستبعاد قَصْدِها؟
والخلاف في هذه المسألة مذكور في الفقه مُفرَّع عليه مسائل سيأتي ذكر شيءٍ منها.
وزعم ابن السبكي أن الشيخ أبا إسحاق ذكر الخلاف فيها في الأصول.
قال شيخنا بدر الدين في "شرح جمع الجوامع": (ولم أجده في كُتبه، وإنما يوجد في كلام الأصوليين اضطراب فيه يمكن أن يؤخذ منه الخلاف، وكذا في كلام الفقهاء؛ ولهذا اختلفوا في المسابقة على الفيل على وجهين:
أصحهما: نعم، لقوله ﷺ : "لا سبق إلا في خُفٍّ أو حافِر" (١).
والثاني: لا؛ لأنه نادر عند المخاطَبين بالحديث، ولم يُرَد باللفظ) (٢).
وذكروا في المتمتع العادم للهدي أنه يصوم الأيام في الحج قبل عرفة، فلو أخَّر طواف الزيارة عن أيام التشريق وصامها، لا يكون أداء وإنْ بقي الطواف؛ لأن تأخُّره عن أيام التشريق مما يَبعد وَيندر؛ فلا يدخل في قوله تعالى: ﴿ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦]، بل هو محمول على الغالب المعتاد.
стр. 1263
قال الرافعي: كذا حكاه الإمام وغيره. وفي "التهذيب" حكاية وَجْه بخلافه.
وقال الغزالي في "البسيط": (لو أوصى بعبد أو برأس من رقيقه، جاز دفع الخنثى. وذكر صاحب "التقريب" وجهًا أنه لا يُجزئ؛ لأنه نادر لا يخطر بالبال. وهو بعيد؛ لأن العموم يتناوله). انتهى
فهذا ترجيح لدخول النادر؛ لكن الشافعي نص على عدم الدخول، وبه قطع إمام الحرمين في "العُمَد" كما حكاه عنه ابن العربي في "القَبس".
وفي "المطلب" في باب المسابقة أنَّ مَحط كلام الإمام والغزالي على أنه إنما يدخل في العام ما يخطر لِلَّافظ به حين النطق به، وهذا إنما يعتبر في قوله ﵊ إذا قُلنا: إن جميع ما يقوله لا يكون إلا بوحي. أما إذا قلنا: يكون باجتهاد، فلا يظهر اعتباره؛ لأن موجبه عام لجميع الجزئيات.
ولكن جوابه ما سيأتي.
وحكى الرافعي عن الإمام في مهايأة المبعض: هل يدخل فيها النادر من هبة أو وصية إذا لم يصرحا في المهايأة بإدراج الاكساب النادرة؟ : (أنها تكون على الخلاف فيما إذا عمت الهبات والوصايا في قطر أنها تدخل لا محالة كالأكساب العامة، أو هي على الخلاف؛ لأن الغالب فيها الندور) (١). انتهى
وفي "الأوسط" لابن برهان أن اللفظ العام لا ينزل على النادر؛ لأنَّا نقطع بكونها غير مقصودة لصاحب الشرع؛ لعدم خطورها بالبال.
قال: وبنى على هذا أصحابنا كثيرًا من المسائل، منها: أنهم أبطلوا حمل أبي حنيفة "لا
стр. 1264
نكاح إلا بولي" (١) على المكاتمة، وقالوا: المكاتبة نادرة من نادر؛ لأن الأصل في النساء الحرائر، والإماء نادر، والمكاتب منهن نادر.
ويؤخَذ من تفصيل إلْكِيَا (في تخصيص العام بين أن يتقدم عهد كـ "أكرِم مَن دخل داري" ثم يقول: "أردت مَن تَقدم ذِكره مِن أخِصَّائي"، فيجوز؟ أو لا؟ فقيل: يجوز. وقيل: لا يجوز) أنَّ هذا التفصيل يجيء هنا؛ لأن التخصيص فرع الدخول في العام.
واعلم أن بعض المتأخرين استشكل إطلاق الخلاف في هذه المسألة، وقال: لا يبين لي في كلام الله تعالى؛ لأنه لا يخفى عليه خافية، فكيف يقال: لا يخطر بالبال؟ ! ونحوه ما سبق من كلام "المطلب".
وأجيب بأن المراد إجراء ذلك على ما يُعْهَد في كلام العرب مِن خطورِه بالبال؛ لأن كلام الله جارٍ على أسلوب كلام العرب في مخاطبتها وإنْ كان فيها ما هو محُال في حقه كما في نسبة الغضب والقرب والبعد ونحو ذلك إليه تعالى.
وكذلك الاستثناء مثلًا، فإنه إنما دخل لِمَا لَعلَّه يُنسى، فيستدرك إخراجه، وهذا ظاهر كثير لمن تتبَّعه.
تنبيه: ينبغي تقييد المسألة:
- بأنْ لا يدوم ذلك النادر؛ فإنَّ النادر الدائم كالعام كما قرروه في "باب التيمم" وغيره.
- وبأنْ لا يساعده المعنى، فإنْ ساعده مع عدم ظهور اندراجه في اللفظ، فلم يتعرضوا له، فقيل: يحتمل أن يقال: يدخل قطعًا، وأن يقال: يجري فيه خلاف من الخلاف في بيع الأب مال ولده من نفسه وعكسه: هل يثبت فيه خيار المجلس؟ وجهان:
стр. 1265
أحدهما: لا، فإن ثبوته للمتبايعين يقتضي التعدد، فعند الاتحاد لا يدخل.
والثاني: نعم؟ لأن المعنى في ثبوته موجود، وذِكر "المتبايعين" في لفظ الشارع لِكَوْنه الغالب المعتاد.
كذا وجهه الإمام في "النهاية".
المسألة الثانية:
إذا كان لفظ العام يَصدق على صورة يغلب على الظن أن المتكلم لم يقصدها لقيام قرينة على ذلك، هل تكون داخلة؛ لأن اللفظ يشملها؟ أَم لا تدخل؟ لاقتضاء القرينة عدم دخولها؟ فيه خلاف حكاه القاضي عبد الوهاب في "الملخص". ونقل [الأول] (١) عن أكثر متأخري أصحابهم، والثاني عن متقدمي أصحابهم وعن القفال من أصحابنا.
وذلك مثل قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] الآية، هل يستدل به على إباحة أكل نوع مختلَف في جواز أكله أو شربه أو جماع مختلَف في [حِلِّه] (٢)؛ عملًا بظاهر اللفظ؟ أوْ لا؛ لأنها مسوقة لبيان وقت الأكل وغيره مما ذكروا أنه يجوز بعد النوم نَسخًا لِمَا كان مِن التحريم لهما بعد النوم؟
ونحوه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤]، الآية، هل يستدل به على نوع مختلَف في وجوب الزكاة فيه؟
وكذا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥]، هل يستدل به على تحريم الجمع بين الأختين بملك اليمين؟
стр. 1266
ومن ذلك أيضًا ما سيأتي في العام بمعنى المدح والذم: هل يبقى على عمومه؟
وأشباه ذلك.
والأصح المختار: الدخول، وهو ما يقتضيه كلام أصحابنا في تفاريع الفقه.
ومنه يؤخذ حكاية الخلاف في المسألة، ففي "البسيط" -لما حكى الخلاف في التوكيل بشراء عبد وأطلق فاشترى من يعتق على الموكل- قال: ومثار الخلاف التعلق بالعموم أو الالتفات إلى المقصود.
ومن ذلك: ما يقع في ألفاظ الواقفين مما يكون فيه صورة يظهر أن الواقف لم يقصدها، الصحيح الدخول؛ لدلالة اللفظ، وعدم انضباط القصد وفقده.
نعم، الحنابلة يميلون إلى عدم الدخول، ويبنون عليه أصولاً عظيمة في "باب الوقف"، ومذهبنا خلاف ذلك؛ ولهذا استنبط ابن الرفعة من كلام الغزالي في "الفتاوى" أن مقاصد الواقفين تعتبر، فيُعَمم بها الخصوص ويُخصص بها العموم.
وليس المراد أن المقصود إخراج ما قد دخل، والفرق ظاهر بين عدم قصد الشيء وبين قصد خروجه، فغير المقصود يدخل لفظًا وحُكمًا، والمقصود إخراجه وإنْ دخل لفظًا لكن لا يدخل حُكمًا قطعًا؛ لأنه تخصيص، والتخصيص إخراج من الحكم، لا من المدلول.
نعم، لا يحكم بأنه مقصود إخراجه إلا بدليل، بخلاف غير المقصود فإنه لا يُعلم هل قصد خروجه؟ أو لا؟ والقرينة إنما بعَّدت أن يكون داخلاً، لا أنها صريحة في عدم دخوله.
ومن هذا نشأ الخلاف في أن المتكلم هل يدخل في عموم كلامه؟ وسبق بيانه في الأمر والنهي وأن المرجَّح دخوله في غيرهما، وسيأتي في المسألة مزيد بيان.
فإن قلت: ظاهر كلام الشافعي أن غير المقصود لا يدخل؛ ولهذا منع الزكاة في الحُلِىِّ؛ تمسكًا بآية: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ﴾؛ لأن قرينة الذم أخرجته عن العموم.
стр. 1267
قلتُ: قد يمنع أن اعتماده على هذا المدرك وحده في ذلك، بل بقرينة أخرى اقتضته سيأتي بيانها في محلها من باب العموم.
وفي كلام إمام الحرمين وإلْكِيَا قاعدة في ذلك زادها ابن دقيق العيد وضوحًا:
أنَّ لفظ العام إما أن يظهر فيه قصد العموم مطلقًا بقرينة حالية أو مقالية، فيدخل قطعًا. وإما أن لا يظهر قصد العموم في شيء وأنه بمعزل عن قصد شيء آخر، فلا يدخل. هذا على المرجح.
ومثَّله ابن دقيق العيد بحديث: "فيما سقت السماء العشر" (١) هل يدخل القليل والكثير كما زعمت الحنفية؟ أوْ لا؛ لأن المقصود بيان القدر الواجب إخراجه، لا المخرج منه؟ وهذا إنما بُين في حديث: "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" (٢).
قال: (والتحقيق عندي أنَّ دلالة لفظ العام فيه أضعف مِن دلالة المقصود، ومراتب الضعف متفاوتة، فأما أنْ لا يظهر فيه شيء مما سبق فيحتمل الأمرين، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٤١] هل يستدل به على منع شراء الكافر العبد المسلم ونحوه؟ ).
تنبيه:
يأتي في هذه المسألة ما سبق في التي قبلها من كونه هل يختص بلفظ غير الشارع من حيث التعليل بعدم خطوره في البال؟ أو لا يختص؟ ويجاب بما سبق.
стр. 1268
نعم، قد يتوهم اتحاد المسألتين؛ لأن النادر هو غير المقصود، وليس كذلك.
فالفرق أن المقصود قد يكون نادرًا وقد لا يكون، والنادر قد يُقصد وقد لا يُقصد، فَرُب صورة تتوفر القرائن على أنها لم تُقصد وإن لم تكن نادرة، ورُب صورة تدل القرائن على أنها مقصودة وإنْ كانت نادرة.
الأمر الثاني: في محل العموم:
فأما كونه من عوارض اللفظ حقيقة فلا خلاف فيه. يقال: "هذا لفظ عام"، كما يقال: "لفظ خاص".
قال في "البديع": بمعنى وقوع الشركة في المفهوم، لا بمعنى الشركة في اللفظ.
يريد بذلك أنه ليس المراد بوصف اللفظ بالعموم وصفه به مجردًا عن المعنى، فإن ذلك لا وجه له، بل المراد وصفه به باعتبار معناه.
فمعنى كون اللفظ عامًّا حقيقة أنه يصح أن يشترك في مفهومه كثيرون، لا أن يكون مشتركًا بالاشتراك اللفظي كالقرء للطهر والحيض لكونه وُضع لكل منهما.
وحاصله أن مدلوله معنى واحد مشترك بين الجزئيات المشخَّصة، بخلاف المشترك، فإنه وُضع لكل معنى على حدته مشخصًا.
وترتب على ذلك أن عموم الكلام النفسي هو بهذا الاعتبار؛ لأن اللفظ الدال عليه يقال فيه ذلك.
ولهذا قال الأبياري في قول الغزالي: (إن العموم والخصوص من عوارض الألفاظ):
(لا يُظَن به إنكار كلام النفس وإلا لما كان في الاحتياج إلى الصِّيَغ ذكر معرفة وضع اللغة فيها). انتهى
واعلم أن إطلاق كون العموم في اللفظ كما عبرت بذلك في تعريف العام بقولي: (اللَّفْظُ
стр. 1269
إذْ يَسْتَغْرِقُ) يدل على دخوله في المجاز كما يدخل في الحقيقة.
قاله الأكثرون، خلافًا لبعض الحنفية.
لنا: أنَّ أئمة اللغة وغيرهم لا يزالون يقولون في المحلَّى بِـ "أل" و"المضاف" و"النكرة في سياق النفي" ونحوه: إنَّ ذلك للعموم، مِن غير أن يُقَيِّدوا بكون ذلك في الحقيقة، بل للأعم من الحقيقة والمجاز.
وفي الحديث: "الطواف بالبيت صلاة، إلا أنَّ الله أَحَلَّ فيه الكلام" (١). والاستثناء معيار العموم، وقد استثنى منه وهو مجاز.
قلتُ: فيه نظر؛ لأن "صلاة" خبر عن الطواف، وهو نكرة؛ لأنها في إثبات، والاستثناء إنما هو في بعض أحكامها، إذِ التقدير: كالصلاة إلا في حل الكلام فيه، أي: في الطواف، فإنه ليس كالصلاة.
واستدل المانع بأن المجاز على خلاف الأصل؛ فيقتصر منه على قَدْر الضرورة، فلا يدخله عموم.
وجوابه: منع أن المجاز للضرورة، حتى إنَّ قومًا قالوا: إنه غالب على اللغات وإنْ سبق أن ذلك إنما هو في نوع منه غَيْر لفظ وهو المُقْتَضَى، فجرى فيه الخلاف لذلك.
ووقع في "منع الموانع" (٢) لابن السبكي أن هذه المسألة هي مسألة "جريان العموم في المجاز". وليس كذلك كما بيناه، فهو وهْم.
هذا ما يتعلق بالعموم في الألفاظ.
стр. 1270
وأما كونه من عوارض المعاني أيضًا -أي: المستقلة التي ليست هي من مدلولات اللفظ المحكوم بأنه عام- فإن هذا قد تَقدم بيان تقرير العموم فيه، بخلاف ما نحن فيه وهو المعنى من حيث هو، وفيه مذاهب:
أحدها: أن العموم لا يكون في المعاني، لا حقيقة ولا مجازًا. حكاه ابن الحاجب وغيره.
ثانيها: أنه يكون في المعاني حقيقة كما يكون في الألفاظ، فيكون العموم موضوعًا للقَدْر المشترك بينهما بالتواطؤ على الأصح.
وقيل: موضوع لكل منهما حقيقة، فهو مشترك لفظي.
وممن قال بأنه حقيقة في المعاني كالألفاظ: أبو بكر الرازي من الحنفية، وحكاه عن مذهبهم، واختاره ابن الحاجب.
فيقال: عَمَّ المطرُ والخصبُ الناسَ، وعمهم العطاءُ، ونحو ذلك كله حقيقة.
والمذهب الثالث (وهو المختار وقول الأكثرين): أنه يكون من عوارض المعاني كما مثَّلنا، وأشرت إلى ذلك في النظم بقولي:
("الرَّشَد يَعُمُّنَا وَالْخِصْبُ وَالْمَطَرْ" لَكِنْ مَجَازًا) لا حقيقة.
ونقله مع الذي قبله الشيخ أبو إسحاق وجهين لأصحابنا وأنَّ الأكثرين على أنه مجاز، وكذا صححه إلْكِيَا وابن برهان.
ونقله عبد الوهاب في "الإفادة" عن الجمهور، واختاره الآمدي وغيره، وحملوا إطلادق عموم المطر والخصب ونحو ذلك على المجاز؛ لأن العام أمر واحد شامل لمتعدد، وعموم هذه ليس من ذلك؛ لأن الموجودَ [منها] (١) في محلٍّ غيرُ الموجود منها في المحل الآخَر، فليس
стр. 1271
بين المطر الواقع في ذلك المكان والعطاء المتصل بزيد نِسبة بالواقع بهذا المكان والعطاء المتصل بعمرو.
وأما جواب ابن الحاجب (١) عن ذلك بأن "اشتراط الوحدة في العموم ليس من اللغة بل المدار فيها على الشمول، سواء أكان هناك أمر واحد أَم لا" ففيه نظر؛ فإنه إذا لم يكن هناك وحدة، فهي أمور متعددة، فأين العموم حقيقةً؟ !
وأما قوله: (إن نحو: "عموم الصوت" متحد، وكذا الأمر والنهي اللذان هما الطلب النفساني، والمعاني الكلية) (٢) كالحيوان فقد يجاب عنه بأن:
- العام في الصوت إنما هو سماع الصوت من السامعين، وهو من المتعدد المحل كما سبق، وإلا لزم أن يكون ذات الشمس أو القمر عامًّا؛ لأن كل واحد يراهما. أما نفس الصوت فلا عموم فيه.
- وأما الأمر والنهي النفسانيان فقد سبق في صدر المسألة بيان المراد بذلك وتقريره من كلام الأبياري شارح "المستصفى".
- وأما المعاني الكلية فسنوضح ذلك فيها في تقرير المذهب الذي بعد هذا (وهو المذهب الرابع) بالتفصيل بين المعاني الخارجية والذهنية، ففي الذهنية حقيقة، وفي الخارجية مجاز.
وقال الصفي الهندي: (إن هذا هو الحق، فتعدد الخارجي بتعدد محاله، بخلاف المعاني الكلية الذهنية، فإنها عامة بمعنى أنها معنى واحد متناول لأمورٍ كثيرة) (٣).
ولأن الخارجية ليس العموم فيها على سبيل الاستغراق الذي لا يتحقق العام إلا به كما
стр. 1272
سبق في تعريفه.
وقد حُكي في المسألة مذاهب أخرى ضعيفة.
منها: أنه حقيقة في المعاني دون الألفاظ. وهو أَبْعَدها، فإنْ ثبت فهو قادح في حكاية كثير الاتفاق على أنه حقيقة في اللفظ كما سبق.
ومنها: أنه مجاز في الألفاظ والمعاني معًا، وعموم اللفظ إنما هو بحسب الاصطلاح فقط. يخرج ذلك من قول الصفي الهندي في "الرسالة السيفية": (إن العموم من عوارض الألفاظ خاصة بحسب الاصطلاح إجماعًا، وكذا في اللغة على المختار، وقيل: من عوارض المعنى). انتهى
ومنها: أن المعنى الكلي يوصف بالعموم، بخلاف الجزئي.
ومنها: القول بالوقف. وعُزي للآمدي؛ وذلك لتعارض الأدلة من الجانبين وتكافُؤهما. وغير ذلك مما لا نُطَول به.
تنبيهان
الأول: مما يتفرع على الخلاف في هذه المسألة مسألة: المفهوم هل له عموم؟ أم لا؟ وكذا مسألة عموم المقتفَى في نحو: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، حتى يَعم الأكل واللبس والبيع وسائر الانتفاعات بها وإنْ لم يكن لهذه الأحكام ذِكر، وسيأتي بيان ذلك في محله.
ومنها: أن العقل هل يكون مُخَصِّصّا؟
ومنها: أن سكوت النبي ﷺ هل يكون عامًّا؟
وغير ذلك.
стр. 1273
الثاني: أن هذا الخلاف يجري في الخصوص هل يوصف به اللفظ أو المعنى حقيقةً؟ أو مجازًا؟
وعبارة "المقترح" في ذلك: (القائلون بأن "العام والخاص من عوارض الألفاظ" اختلفوا على مذهبين) إلى آخِر ما ذكره.
الأمر الثالث:
يقال في المعنى: (أعم)، وفي اللفظ: (عام).
وهو معنى قولي: (بِالْأَعَمِّ يُدَّكَرْ). أي: يُعبر عن عموم المعنى بهذا اللفظ، ويذكر في وَصفه ذلك، فيقال: هذا أَعَم.
قال القرافي: (اصطلحوا على أن المعنى يقال له: "أَعَم" و"أَخَص"، واللفظ يقال له: "عام" و"خاص"، لأن "أَعَم" أَفْعل تفضيل، والمعاني أفضل من الألفاظ) (١). انتهى
ولا يخفَى ما فيه من نظر، بل إطلاق الناس يخالف هذا الاصطلاح.، فيقولون فيها: (عام) و (خاص) كالألفاظ.
تنبيه:
الأخص يندرج تحت الأعم، ويقع في عبارة بعضهم: إن الأعم يندرج تحت الأخص. كما عبر به "المقترح".
ووجْه الجمع أنَّ الأول في اللفظ، فإن الحيوان صادق على الإنسان وغيره، بخلاف العكس.
والثاني في المعنى، فيقال فيه: إنَّ الإنسان لا بُدَّ فيه من الحيوانية. فصار الأعم مندرجًا في
стр. 1274
الأخص، وهي الحيوانية في الإنسانية بمعنى الاستلزام. والله أعلم.
ص:
٥٧١ - مَدْلُولُهُ كُلمة، أَيْ يُحْكَمُ ... فِيهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ إذْ تَحْكُمُ
٥٧٢ - لَاكُلٌّ الْمُخْتَصُّ بِالْمَجْمُوعِ ... وَاحِدُ ذَا جُزْءٌ، وَبِالْمَرْفُوعِ
٥٧٣ - يَرْتَفِعُ الْكُلُّ، خِلَافَ الْكُلِّي ... وَالْمُفْرَدُ الْجُزْئِيُّ مِنْ ذَا الْأَصْلِ
الشرح:
لَمَّا فرغتُ مِن تعريف "العام" وبيان أن محله الحقيقي اللفظ باعتبار عموم معناه، وكان فائدة ذلك أنه إذا حُكم على العام بحكم نفيًا أو إثباتًا، يكون ذلك الحكم عامًّا على كل فرد فرد حتى يستغرق، نحو: كل رجل يشبعه رغيفان. فيكون مدلوله حين الحكم عليه كُلية؛ لأن المراد حينئذٍ أنه صار قضية كُلية، كما أن الحكم على البعض قضية جزئية، وذلك معنى "القضية المسورة" عند المناطقة، حيث يقسمون ما له سور كُل أو بعض إلى: موجبة كُلية وجزئية، وسالبة كُلية وجزئية.
فالمعنى في القضية أنه قُضي وحُكم فيها بشيء على شيء، فعيلة بمعنى: مفعولة، وإنْ تركت الصلة لكثرة الاستعمال.
وفي كونها كُلية أن الحكم على كل فرد مما دخل تحت الموضوع، نحو: كل إنسان حيوان.
والجزئية: الحكم على البعض، نحو: بعض الحيوان إنسان.
وفي السلب: لا شيء من الإنسان بحَجر، بعض الإنسان ليس بحَجر.
فقولي: (إذْ تَحْكُمُ) هو بالتاء المثناة من فوق أو بالنون مبنيًّا للفاعل؛ ليباين قولي أولًا: (أيْ يُحْكَمُ) فإنه بالمثناة تحت مضمومة مبني للمفعول.
стр. 1275
والمراد الإشارة إلى أن مدلول العام كلية عند الحكم عليه لا من حيث هو؛ لأن مدلوله من حيث هو "المعنى المستغرق" كما سبق في تعريفه، وهو من قبيل التصور، لا الحكم عليه؟ فإنه من قبيل التصديق.
وهذا معنى إطلاق مَن يطلق أنَّ مدلول العام كلية، فإنما مراده عند الحكم، لا مِن حيث التصور.
وقولي: (لَا كُلٌّ الْمُخْتَصُّ بِالْمَجْمُوعِ) إلى آخِره -أي: ليس مدلول العام حين الحكم عليه كُلًّا المجموعي، أي: الدال على أفراد مجتمعة، كالعشرة، ومقابِل هذا: "الجزء" (١)، نحو "الخمسة" منها، فنحو: "كل رجل يرفع الصخرة" من الكل المجموعي؛ إذ المراد فيه المجموع، لا كل فرد.
وليس المراد أيضًا -بالحكم في العام- الكُلي، وهو كما سبق: ما لا يمنع تَصوره من وقوع الشركة فيه. وربما يقال: ما يشترك في مفهومه كثيرون.
فليس مدلول العام -عند الحكم- الحكم على الكُلي؛ لأن الحكم على الكلي حكم على القَدْر المشترك بين الجزئيات، لا على كل جزئي جزئي حتى يستغرقها، كما تقول المناطقة في القضية التي هي غير محصورة ويقسمونها قسمين:
مهملة: وهي ما قصد فيها الحكم على الأفراد من غير تَعرُّض لكُلها ولا بعضها. نحو: الإنسان كاتب بالقوة.
و[طبيعية] (٢): وهي الحكم على ذلك القدر المشترك من غير نظر إلى المشخَّصات. نحو: الإنسان حيوان ناطق. فهو وإن كان فيه عموم لكنه ليس استغراقيًّا، بل بدلي، مِن قبيل
стр. 1276
المطلق.
فحصل الفرق بين الحقائق الستة: الكُل، والجزء، والكُلي، والجزئي، والكُلية، والجزئية. وأنها الحكم على كل فرد أو بعض الأفراد، نحو: "بعض الإنسان كاتب"، ومعنى الحكم على كل منها إذا حكم.
وعرف أن العام في الحكم كُلية، لا كُلي في الحكم، ولا كُل في الحكم.
وممن تَعرَّض للفرق بين هذه الحقائق: شارحا "المحصول" -الأصفهاني والقرافي- وقد علمت مأخذهما من علم المنطق واصطلاح أهله.
وقولي: (وَبِالْمَرْفُوعِ يَرْتَفِعُ الْكُلُّ) إشارة إلى ما يتميز به "الكل المجموعي" عن "الكلي" مِن أنَّ الجزء مِن الكل إذا ارتفع، ارتفع الكل، كالواحد مِن العشرة. وأنَّ الجزئي مِن الكلي إذا ارتفع، لا يرتفع الكلي، فإنك إذا قلت: (هذا المتحرك ليس بإنسان)، فلا يلزم ارتفاع الحيوان عنه.
وعُلِم مِن هذا أنَّ الكُلي يَصْدق على كل مِن جزئياته، بخلاف العكس، وأن الجزء مِن الكل لا يَصْدقُ عليه اسم الكل، ولا العكس.
ومن هذا يُعلم جواب سؤال القرافي المشهور: أنَّ دلالة العام على الواحد مِن أفراده خارجة عن الدلالات الثلاث: المطابقة والتضمن والالتزام، فيلزم فساد الانحصار فيها أو عدم دلالة العام على فرد مِن أفراده، وكلاهما باطل.
وسبق هذا السؤال في مباحث اللغة وجوابه، ونزيده هنا بيانًا، فنقول:
قال القرافي: (دلالة المشركين على الواحد منهم -كـ "زيد المشرك" مثلًا- لا يمكن أن تكون بالمطابقة؛ لأنه ليس تمام مُسمَّى المشركين، ولا بالالتزام؛ لأنه ليس خارجًا، ولا
стр. 1277
بالتضمن، لأنه ليس جزء المسمَّى، إذِ الجزء يقابل الكل، والعموم كُلية، لا كُل) (١). انتهى
وقد أجاب الأصفهاني عن ذلك بما حاصله: أنه دالٌّ بالمطابقة، قال: (لأنَّ تلك إنما هي في دلالة المفرد حيث لا حُكم، وأما عند الحكم فنحو: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] متضمن لقضايا كثيرة، كأنه قيل: "اقتل زيدًا المشرك وفلانًا المشرك" وهكذا إلى آخِره، وكل واحد مطابقة) (٢).
وأوضح مِن هذا ما أشرتُ إليه في الكلام على الدلالة أنْ يُقال: "الفرد المشخَّص مِن أفراد العام" لفظ العام دل عليه بالمطابقة من حيث المعنى المشترك فيه وإنْ كان لا يدل عليه من حيث خصوصه، فإن ذاك أمرٌ خارجي عن دلالة المتواطئ على جزئيات الكلي، فالاستدلال بالعام على المشخَّص من أفراده من هذه الحيثية، لا من حيث تشخيصه، وهو ظاهر، والله أعلم.
ص:
٥٧٤ - ثُمَّ دِلَالَة لَهُ قَطْعِيَّهْ ... في أَصْلِ مَعْنًى، وَلنَا ظنِّيَّهْ
٥٧٥ - في كُلِّ جُزْئِيٍّ، وَذُو التَّعْمِيمِ ... [مِنْ لَازِمِ] (٣) الْأَشْخَاصِ لِلْعُمُومِ
٥٧٦ - في سَائِرِ الْأَحْوَالِ وَالْأَزْمَانِ ... وَبُقَعٍ، لَا مُطْلَقُ الْمَعَانِي
الشرح:
قد عُلم مما قررناه أنَّ لفظَ العامِ له دلالتان:
стр. 1278
- دلالة على المعني الذي اشتركت فيه أفراده، وهي التي بيَّنا أنَّ الحكم فيها على الكلي، وليس للعام بها اختصاص، فإنها تتعلق بِـ"الكُلي" سواء أكان فيه عموم أو لا.
- ودلالة على كل فرد من أفراده [بالخصوص] (١)، وهي التي لها خصوصية بالعام، ويُعبر عنها بِـ "الكُلية"، وعليها السؤال السابق وجوابه.
وحينئذٍ فيبقى النظر في أن الدلالتين قطعيتان أو لا.
أما الأُولى: فقطعية بلا شك، وهو معنى قولي: (في أَصْلِ مَعْنًى). أي: في ذلك المعنى المشترك.
قال صاحب "جمع الجوامع": (وهو عن الشافعي) (٢). أي: محكي عنه.
وهذا التخصيص لا معنى له؛ فإنه محل وفاق، ومعنى القطع فيه دلالة النصوصية. أي: هو نَص، فالقطع فيه من هذه الحيثية؛ فيكون كدلالة الخاص.
وأما الدلالة الثانية: فالمنقول عن الشافعية أنها ظنية، لا تدل على القطع إلا بالقرينة؛ وذلك لأن صِيَغ العموم تَرِد تارة باقية على عمومها، وتارة يُراد بها بعض الأفراد، وتارة يقع فيها التخصيص، ومع الاحتمال لا قَطْع.
بل لما كان الأصل بقاء العموم فيها، كان هو الظاهر المعتمد للظن، ويخرج بذلك من الإجمال؛ ولهذا الصحابة وأهل اللغة إنما يتطلبون عند ورود العمومات دليل التخصيص، لا دليل التعميم؛ لأنه الأصل.
وأيضًا فلولا ذلك لَمَا جاز تأكيد الصِّيَغ العامة، إذ لا فائدة فيه، وقد قال تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: ٣٠].
стр. 1279
والمنسوب للحنفية أنَّ دلالة العام على كل فرد منه قطعية، ولكن ذلك إنما قال به جمهورهم، ومنهم صاحب "اللباب" وأبو زيد الدبوسي وغيرهم، وإلَّا فقال بمثل قولنا: (إنها ظنية) أبو منصور الماتريدي ومَن تبعه من مشايخ سمرقند.
نعم، عَزى الأبياري في "شرح البرهان" كونها قطعية إلى المعتزلة، قال: (لاعتقادهم استحالة تأخير البيان عن وقت الخطاب، فلو لم يُرَد عمومه، لَزِمَ تأخير البيان) (١).
ونقل هذا القول الأستاذ أبو منصور عن الشافعي ومالك وأبي حنيفة، وكذا نقله الغزالي في "المنخول". ولكنه خلاف المشهور عن الشافعي الذي نقله إمام الحرمين وابن القشيري وغيرهما.
وكأنَّ مَن نقل عنه القطع توهَّمه من إطلاقه أنه نَص في الأفراد، وهو إنما يريد بالنصوصية -في الغالب- ما يكون ظاهرًا في الدلالة بحيث يكون الاحتمال فيه ضعيفًا.
ولهذا أنكر إلْكِيَا في"التلويح" على مَن نقل ذلك عن الشافعي، فقال: هذا لم يصح عنه، فالحقُّ غيره.
وعبارة إمام الحرمين في "البرهان": (أما الفقهاء فقد قال جماهيرهم: إن الصِّيَغ الموضوعة للجمع نصوص في الأقل، ظواهر فيما زاد عليه. والذي صح عندي من مذهب الشافعي أن الصيغة العامة لو صح تجردها عن القرائن، لكانت نصًّا في الاستغراق) (٢).
قال: (وإنما التردد فيما عدا الأقل من جهة عدم القطع بانتهاء القرائن المخَصِّصة) (٣). انتهى
стр. 1280
نعم، في كلامه بعد ذلك ما يدل على أنه لا ينبغي أن يُطلق ذلك، بل يقال: بعض الأفراد الدلالة فيه قطعية والبعض ظنية.
وكأنه يشير إلى ما قدَّمه مِن أنه لو كانت صيغة العموم جمعًا مثلًا فتكون في أقَل الجمع قطعية وفيما زاد ظنية. وكذا قال إلْكِيَا في "تعليقِه" في الأصول، وكذا قرره المازري، لكن قال: (إن محل الخلاف فيما زاد على أقَل الجمع، أما الأقل فقطعي بلا خلاف) (١).
قلتُ: وكأنَّ هذا مُفرَّع على ما سيأتي في الباقي بعد التخصيص إذا كان العام جمعًا. ونحوه: هل يشترط أن يبقى أقَل الجمع؟ أو يجوز إلى واحد؟
وعلى كل حال فإذا كان الخلاف قائمًا، فكيف يحكي القطع في أقَل الجمع؟
وعبارة الإمام وإلْكِيَا إنما تشعر بنصوصية أقَل الجمع، فيقطع به قَطْع النصوصية، لا أنه بلا خلاف بين العلماء.
نعم، قيل: محل الخلاف ما لم تكن قرينة تقتضي قصد كل فرد، وذلك كالعمومات التي يُقطع بعمومها ولا يدخلها تخصيص، نحو: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٥]. وسيأتي منها طائفة وزيادة بيان في الكلام على التخصيص، وكذلك ما لا يحتمل إجراؤه على العموم، كقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الحشر: ٢٠]. كذا استثناه بعض الحنفية. قال: لأن كل فرد فرد من الفريقين ليس مُعَينًا حتى يدل عليه العموم، بل ذلك كالمجمل، يجب التوقف فيه إلى بيان المراد منه.
وأنا أقول: لا يحتاج إلى هذا التقييد؛ فلذلك أطلقت في النَّظم؛ لأن الكلام في العام من الأصل، والأصل عدم القرائن على إرادة عمومه أو خصوصه.
стр. 1281
تنبيه:
مما يترتب على هذا الخلاف أنه: هل ينسخ العام الخاص والخاص العام في القدر المعارض؟ وهل [يخصص] (١) العموم بالقياس وبخبر الواحد؟
ومن الفقه: لو قال في الإقرار: (له علَيَّ خاتم)، ثم قال: (ما أردت الفص)، ففي قبوله وجهان، أصحهما المنع؛ لأن الفص يتناوله اسم الخاتم، فهو رجوع عن بعض ما أَقَر بِه.
وفي تفريع هذا على المسألة نظر؛ فإن دلالة الخاتم على الفص ليس من دلالة العام على الأفراد، وإنما نشأ الخلاف: هل الفص داخل في مسمَّى الخاتم مِن دلالة الكل على الجزء؟ أو مُسمَّى "الخاتم" الحلقة بدون الفص؟
ولما كان الأرجح الدخول كان المرجح أنه لا يُقبل؛ فقد قال أهل اللغة: إن الخاتم اسم له مع الفص، وإلا فيُسمى حلقة، وقيل: فتخًا.
وقولي: (وَلَنَا ظَنيهْ) إلى آخِره -أي: وعندنا أيها الشافعية أن هذه الدلالة ظنية.
وقولي: (وَذُو التَّعْمِيمِ) إلى آخِره -إشارة إلى أنَّ العام في الأشخاص المدلول عليها بلفظ العام هل هو عام أيضًا في أحوال تلك الأشخاص والأزمنة والبقاع والمتعلقات؟ أو مُطْلَق فيها بحيث يُكتفَى من ذلك بما يَصْدُق من غير تعميم في الكل؟
فيه طريقتان:
إحداهما: أنَّ العام في الأشخاص عام في الأمور الأربعة. صرح به ابن السمعاني في "القواطع في مسألة "الاستصحاب"، والإمام في "المحصول" في "القياس"، إذ قال في جواب سؤال: (قُلنا: لَمَّا كان أمرًا بجميع الأقيسة، كان متناولًا لا محالة لجميع الأوقات،
стр. 1282
وإلا لقدح ذلك في كونه متناولا لكل الأقيسة) (١).
الثانية وإليها جنح كثير من المتأخرين كالآمدي والأصفهاني في شرح "المحصول" والقرافي وغيرهم: أن العام في الأشخاص ليس عامًّا في الأربعة؛ لأن العام في شيء بلفظ لا يكون عامًّا في غيره إلا بلفظ يدل عليه، بل مطلق. فإذا قال ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، عَمَّ كل مشرك، ولا يَعُم كل حال حتى يقتل في حال الهدنة أو الذمة أو نحو ذلك، لكن قيل: إنَّ في هذه الآية دليلًا على أنه مُطلق في غير الأشخاص، لا عام؛ لأنه قال: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١]، ولو كان عامًّا لكان ذكر العموم في "حيث" في الزمان تكرارًا.
نعم، بعد أنْ اختارها القرافي وقررها شكك عليها بأنه يَلزم عليها عدم العمل بجميع العمومات في هذا الزمان؛ لأنه قد عُمل بها في زمنٍ ما، والمطلَق يخرج عن عُهدة العمل به بِصُورَةٍ.
وأجاب عن ذلك الشيخ علاء الدين الباجي -فيما نقله الشيخ تقي الدين السبكي في كتاب "أحكام كُل"- بأن المراد بكونه مطلقًا في الأحوال والأزمنة والبقاع باعتبار الأشخاص الذين عُمل به فيهم، لا باعتبار أشخاص آخَرين، حتى إذا عُمل به في شخص في حالة ما في مكان ما، لا يُعمل به فيه مرة أخرى. أما في شخص آخَر فيُعمل به فيه وإلا يلزم التخصيص في الأشخاص، فالتوفية بالإطلاق أن لا يتكرر ذلك الحكم، فإذا جُلد زانٍ، لا يُجلد ثانيًا إلا بزنًا آخَر. وبه ينجمع كلام مَن قال: "مُطْلَق" ومَن قال: "عام".
وكذا أجاب الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد في "شرح الإلمام"، وقال في "شرح العمدة" في حديث أبي أيوب الأنصاري: "ثم قدمنا الشام، فوجدنا مراحيض قد بُنيت قِبل
стр. 1283
القِبلة" (١): (إنَّ في ذلك دلالة على العموم؛ لأنَّ أبا أيوب -وهو من أهل اللسان والشرع- فَهِمَ العموم في الأمكنة) (٢).
وإنما استدل به لأن الحديث عام في الأشخاص باعتبار أن قوله ﷺ : "لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول ولا تستدبروها" (٣) نكرة في سياق النهي، فكان عامًّا في كل استقبال واستدبار.
نعم، وقع له في "شرح العمدة" ما يخالف ذلك، فقال في حديث "بيع الخيار" (٤): (إن الخيار عام، ومتعلقه -وهو ما يكون فيه الخيار- مُطْلَق).
قال: (فيحمل على خيار الفسخ) (٥). انتهى
والتحقيق في المسألة (كما يُفهم مِن نُقول الطريقتين واختاره ابن المرحل والشيخ تقي الدين السبكي وولده) أنه يعم بطريق الاستلزام، لا بالوضع، وهو معنى: "مِن لازم الأشخاص"، أي: مِن لازم تعميمه للأشخاص عمومه في الأحوال والأزمنة والبقاع.
وقال الشيخ تاج الدين السبكي: (وقع لي مرة الاستدلال على العموم بحديث أبي سعيد بن المعلى حيث دعاه النبي ﷺ وهو في الصلاة فلم يُجِبْه، فقال له ﵊: "ألم يقُل الله تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٢٤] " (٦)
стр. 1284
فقد جعله ﷺ عامًّا في الأحوال).
قال: (ثم ظهر لي أنَّ العموم في الأحوال إنما جاء من صيغة "إذا" الشرطية، فإنها ظرف، والأمر متعلق بها، والمعلَّق على شرط يقتضي التكرار، والظرف يشمل جميع الأوقات) (١).
نعم، قال الشيخ تقي الدين في مصنفه في "كل": إن تقرير الباجي المتقدم -وكذا ما في "شرح الإلمام"- قد يُعترض عليه بأن عدم تكرار الجَلْدِ مثلًا معلوم مِن كون الأمر لا يقتضي التكرار وبأن "المطلق" هو الحكم، و"العام" هو المحكوم عليه، وهُما غيران، فلا يصلح أن يكون ذلك تأويلًا لقولهم: العام مطلق.
قال: فينبغي أن يهذب هذا الجواب، ويجعل العموم والإطلاق في لفظ واحد، بأنْ يقال: المحكوم عليه -وهو الزاني مثلًا أو المشرك- فيه أمران، أحدهما: الشخص، والثاني: الصفة، كالزنا والشرك مثلا. فأداة العموم لَمَّا دخلت عليه أفادت عموم الشخص، لا عموم الصفة، والصفة باقية على إطلاقها، فهذا معنى قولهم: "العام في الأشخاص مُطلق في الأحوال والأزمنة والبقاع". أي: كل شخص حصل منه مطلق زنا حُدَّ، أو مطلق شِرك قُتل بشرطه، ورجع العموم والإطلاق إلى لفظة واحدة باعتبار مدلولها مِن الصفة والشخص المتصف بها. ثم إنه مع هذا لا يكون كون الصفة مطلقة يحمل على بعض مُسماها؛ لأنه يَلزم منه إخراج بعض الأشخاص.
نعم، لو حصل استغراق الأشخاص، لم يحافظ مع ذلك على عموم الصفة؛ لإطلاقها.
تنبيه:
مما يوافق المختار في المسألة -وهو العموم في الأحوال والأزمنة والبقاع والمتعلقات-
стр. 1285
ما في فتاوى "الغزالي": الو قال لأَمته الحامل: "كل ولد تلدينه فهو حر" إنه كما يشمل الذكر والأنثى يشمل اختلاف الوقت، فينبغي أنْ يعم ويتكرر). انتهى
ونَصَّ الشافعي فيما إذا قال: (أنت طالق) ثم قال: (أردتُ إنْ دخلتِ الدار) أنه لا يدين، وإذا نوى إلى شهرين، يدين، فيفرق بين الزمان والمكان.
وظاهر كلام مُجَلي في "الذخائر" والرافعي وغيرهما أنه لا فرق.
نعم، هذا اللفظ لا عموم له البتة، وإنما هو مُطلق، والكلام في العام في الأشخاص، والله أعلم.
ص:
٥٧٧ - وَصِيَغُ الْعُمُومِ "كُلّ" وَكذَا ... نَحْوُ "جَميعٍ" وَلمَوْصُولٍ بِذَا
٥٧٨ - يُقْضَى، كَذَا لِلشَّرْطِ وَاسْتِفْهَامِ ... أَسْمَاءُكُلِّ هَذ الْأَقْسَامِ
الشرح:
لَمَّا تقرر أنَّ العموم من عوارض اللفظ قطعًا، ترتب عليه أنَّ العام هل له صيغة تخصُّه يتميز بها عن غيره تكون حقيقة فيه؟ أوْ لا؟
فيه مذاهب:
أحدها: نعم، وهو قول الأئمة الأربعة وجمهور أصحابهم.
قال عبد الوهاب: (هو قول مالك والفقهاء بأَسْرهم).
ومَن تتبع كلام مالك في "الموطأ" يجده كثيرًا.
وقال ابن حزم: إنه قول جميع أهل الظاهر، وبه نأخذ.
وقال الصيرفي: زعمت طائفة من أصحاب الشافعي أن مذهبه التوقف. كما هو أحد
стр. 1286
المذاهب الآتية، وهو ضد قول الشافعي المشتهر في كُتبه وعند خصومه.
فَنَصُّه في "الرسالة": (إنَّ الكلام على عمومه وظاهره حتى تقوم دلالة على أنه خاص دون عام، وعلى أنه باطن دون ظاهر) (١).
وقال أيضًا: (فكل خطاب في سُنة رسول الله ﷺ أو في كلام الناس فهو على عمومه وظهوره إلى أن تأتي دلالة تدل على أنه خاص دون عام وباطن دون ظاهر).
وكرر مثل هذا فيها كثيرًا.
ثم ذكر الصيرفي نصوصًا للشافعي كثيرة صريحة، بل ظاهرها القطع بذلك، قال: (والدليل القطعي قائم عليه).
ثم بين عُلْقة مَن نقل عن الشافعي الوقف ورَدَّها، قال: (ولا يقال: له في المسألة قولا؛ لأن هذا غير معروف، بل العروف خلافه بين أصحابه، كالمزني وأبي ثور والبويطي والكرابيسي وداود والأشعري وسائر الشافعيين). انتهى
فقضى بأن الأشعري من أصحاب الشافعي، ونقل عنه ذلك، لكن سيأتي أن مذهب الأشعري الوقف، ويأتي الجمع بين كلاميه.
وممن نقل ذلك أيضًا عن الشافعي: الشيخ أبو حامد، وذكر نَصه في "الرسالة" السابق، وذكر نحوه عن نَصه في "أحكام القرآن".
وكذا قال أبو الحسين بن القطان: (إن فرقة شذت من أصحاب الشافعي زعمت أن مذهبه الوقف في صِيَغ العموم؛ لأشياء تعلَّقوا بها من كلامه، حيث قال في آيات: إنها تحتمل أن تكون للعموم وأن تكون للخصوص. والشافعي لم يُرِد ما ذهبوا إليه، وإنما مراده أنها
стр. 1287
تحتمل عنده أن دلالة تنقله عن ظاهره من العموم إلى الخصوص، لا أنَّ حقه الاحتمال). انتهى
وبالجملة فنصوصه طافحة بِصِيَغ العموم وأنها تُحمل عليه عند الإطلاق والتجرد عن القرائن، ثم يبقى النظر في كونه قطعًا في كل فرد أو ظاهرًا أو أنه في أصل المعنى قطعي كما سبق.
وعلى هذا القول: إذا استعملت صيغة العام في خاص، تكون مجازًا، وستأتي المسألة مبسوطة.
المذهب الثاني: أنه قد يدل على العموم باللفظة الواحدة لكن مجازا، وإنما أصلها الخصوص، فلا يدل على العموم إلا بقرينة. وبهذا قال ابن المنتاب من المالكية ومحمد بن شجاع البلخي من الحنفية وغيرهما.
ثم اختلف هؤلاء في أنه: هل تحمل هذه الصيغ على اثنين؟ أو على ثلاثة؟ على حسب اختلافهم في أقَل الجمع، أيْ وإنْ لم يكن صيغة العام جمعًا.
قالوا: لأن ذلك محقَّق، والأصل عدم الزائد.
لكنه مردود بما سيأتي في ثبوت ذلك، فالجميع محقَّق.
الثالث: الوقف، ويُعزى للأشعري وكثير من أتباعه كالقاضي والآجري وغيرهما، وإليه ذهب الآمدي، ونقله القاضي في "مختصر التقريب" عن الأشعري ومعظم المحققين؛ لأَنا سبرنا اللغة ووضْعها فلم نجد في وضع اللغة صيغة دالة على العموم، سواء وردت مطلقة أو بضرب من التأكيد.
قال الإمام في "البرهان": (ومما زَلَّ فيه الناقلون عن أبي الحسن ومتبعيه أن الصيغة وإن تقيدت بالقرائن فإنها لا تُشعر بالجميع، بل تبقى على التردد. وهذا وإن صح النقل فيه فهو
стр. 1288
مخصوص عندي بالتوابع المؤكِّدة لمعنى الجمع، كقولك: رأيت القوم أجمعين أكتعين أبصعين. فأما ما ألفاظه صحيحة صريحة تعرض مُقَيدة فلا يُظَن بذي عقل أن يتوقف فيها) (١). انتهى
وحاصله إنكار النقل عن الواقفية أنها لا تدل على العموم.
وسيأتي مذهب قريب من ذلك، وهو:
المذهب الرابع: أن شيئًا من الصيغ لا يقتضي العموم ولا مع القرائن، بل إنما يكون العموم عند إرادة المتكلم. وهو قول جمهور المرجئة، ونُسب أيضًا للأشعري.
وفي "البرهان": (نقل مصنفو "المقالات" عن الأشعري والواقفية أنهم لا يثبتون لمعنى العموم صيغة لفظية، وهذا النقل على الإطلاق زلل؛ فإنَّ أحدًا لا يُنكر إمكان التعبير عن معنى الجمع بترديد ألفاظ مشعرة به، كقول القائل: رأيت القوم واحدًا واحدًا لم يَفُتني منهم أحد. وإنما كرر هذه الألفاظ قَطْعًا لِتَوَهُّم مَن يحسبه خصوصًا، وإنما أنكرت الواقفية لفظة واحدة مشعرة بمعنى الجميع) (٢). انتهى
قيل: وما ادعَى فيه الوفاق هو محل خلاف كما صرح به هو في "التلخيص من التقريب".
стр. 1289
تنبيهات
الأول: القائلون بالوقف اختلفوا في محله على أقوال وفي صيغته على أقوال:
فأما الأول: فأحد الأقوال أنه على الإطلاق.
وثانيها: في الوعد والوعيد دُون الأمر والنهي ونحوهما.
ويُحكى هذا عن الكرخي كما حكاه أبو بكر الرازي عنه، ثم قال: (وربما ظن أن ذلك مذهب أبي حنيفة؛ لأنه كان لا يقطع بوعيد أهل الكبائر من المسلمين، ويجوز أن يغفر الله لهم في الدار الآخرة، وليس ذلك مدْركه، بل إن الأدلة الموجِبة للوعيد بالتخليد في النار إنما انتهضت في الكفار بدلائل من خارج) (١).
وثالثها: عكسه، وهو عن المرجئة، فقالوا بصيغ العموم في الوعد والوعيد، وتوقفوا فيما عداها.
ورابعها: يوقف في العمومات الواردة بالوعيد على عصاة أهل الملة خاصة دون غير ذلك، وهو قول جمهور الأشعرية.
وخامسها: [يُوقف] (٢) فيمن لم يسمع خطاب الشارع، فأما مَن سمع منه ﷺ وعرف تصرفاته فيه ما بين خصوص وعموم فلا. حكاه المازري، قال: وهذا يلحق بالقائل بالعمومات؛ لأنه إنما شكك فيمن لم يسمع منه ويعرف قصده.
وسادسها: أن الوقف في الوعيد دون الوعد.
стр. 1290
قال القاضي: وفرقوا بينهما بما يليق بالتُّرَّهات.
وسابعها: أن الوقف فيما لم يتقيد به ضرب من التأكيد؛ فإن ذلك للعموم.
وثامنها: أن لفظة المؤمن والكافر حيثما وقعت في الشرع أفادت العموم، دُون غيرها، فإنه يُتوقَّف فيه. حكاه المازري عن بعض المتأخرين.
وأما صفة الوقف:
فقيل: لأن لفظة العموم مشتركة بين الواحد اقتصارًا عليه وبين أقَل الجمع فما فوقه اشتراكا لفظيًا، كالقرء والعين ونحوهما. حكاه المازري والأصفهاني، وهذا فيما يحتمل الواحد من العمومات كـ "مَن" و"ما". وأما ألفاظ الجموع ونحوها فمشتركة بين أقل الجمع وما فوقه.
وقيل: لعدم العِلم بكيفية الوضع؛ لأنها استعملت في العموم والخصوص ولكن لا يُدْرَى هل ذلك على وجه الحقيقة؟ أو المجاز؟
نعم، حكى ابن الحاجب هذين القولين على وجه آخر، وهو أن أحدهما: لا يُدْرَى هل وضعت هذه الصيغة للعموم؟ أو لا؟ وثانيهما: أنها استعملت للعموم، ولكن لا ندري هل هو حقيقة؟ أو مجاز؟ وجعل قول الاشتراك في أصل المسألة مباينًا لقول الوقف.
الثاني: مأخذ قول الوقف من الأصل أن الأشعري لمَّا تكلم مع المعتزلة في عمومات الوعيد في الكتاب والسنة نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣ - ١٤]، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ [الجن: ٢٣] ومع المرجئة في عموم الوعد، نفى أن تكون هذه الصيغ موضوعة للعموم، وتَوقَّف فيها، وتبعه جمهور أصحابه.
وقال ابن القشيري في "باب المفهوم": لم يصح عندنا عن الشيخ إنكار الصيغ، إنما قال
стр. 1291
ذلك في معارضاته في أصحاب الوعيد.
قال: وسِر مذهبه إنكار التعلق في مثل ذلك بالظواهر مع أن المطلوب فيه القطع، وهذا هو الحقُّ المبين. ولم يمنع من الظواهر في مظان الظنون.
ولهذا حكى الصيرفي عن الأشعري أنه يقول بالصيغ كالشافعي كما سبق، ومراده من حيث الظن، والوقف من حيث القطع، فلا منافاة بين النقلين.
الثالث:
في إثبات صيغ العموم بحث ذكره القرافي (في بعض كتبه) يظهر منه أنَّ مُسمى العموم في غاية الغموض، وهو أن صيغة العموم بين أفرادها قَدْر مشترك، ولكل فرد منها خصوص يختص به، كـ"المشركين" مثلًا اشتركوا في الشرك، وامتاز هذا بِطُولِه أو قصره، وهذا بسواده أو بياضه، إلى غير ذلك من أنواع التمييز، فالصيغة إما أن تكون موضوعة للقدر المشترك بينها أو لخصوصياتها أو للقدر المشترك بقيد العدد أو بقيد سلب النهاية أو لمجموع الأفراد أو للمجموع المركب من القدر المشترك والخصوصيات، فهذه احتمالات ستة، لا يصح تنزيله على واحد منها.
أما الأول: فلأنه يلزم أن يكون العموم متواطئًا، وذلك هو المطلق الذي عمومه عموم بدل، لا شمول.
الثاني: ظاهر البطلان؛ لأن العموم لم يوضع لكل فرد منها بحسب خصوصياته وإلا لَزِم أن تكون صيغة العموم مشتركة اشتراكًا لفظيًا بين الأفراد الداخلة تحته.
وكذلك القول في الاحتمال الأخير وهو أن تكون موضوعة للمشترك مع الخصوص في كل فرد؛ لأنه يلزم منه أن يكون اللفظ موضوعًا لحقائق غير مختلفة متناهية، ويستحيل أن تكون مشتركة اشتراكًا لفظيًا بين أفراد ومسميات غير متناهية.
стр. 1292
وأما الاحتمال الثالث وهو أن تكون موضوعة للمشترك بين أفراده بقيد العدد فيُبطله أن "مفهوم العدد" أمر كلي، وكذلك "مفهوم المشترك"، فيكون المركَّب منهما كليا أيضًا، فيكون اللفظ مطلقًا، والكلام إنما هو في عموم الشمول.
وكذلك الرابع وهو القدر المشترك بقيد سلب النهاية؛ لأن المعنى يكون حينئذٍ في نحو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الأنعام: ١٥١]: لا تقتلوا النفوس بقيد سلب النهاية؛ فينعدم الاستدلال به على ثبوت حُكمه لكل فرد.
وبهذا أيضًا يبطل الاحتمال الخامس.
ثم اختار أن صيغة العموم موضوعة للقدر المشترك مع قيد تتبعه لحُكمه في جميع موارده، قال: (فخرج بالقدر المشترك "الأعلام" كزيد وعمرو؛ لأن ألفاظها موضوعة بإزاء أمور جزئية، لا كلية، وخرج المطلق). انتهى ملخصًا.
وظاهره أنه اختراع، لكن في كلام صاحب "الحاصل" في تقسيم اللفظ إلى المطلق والعام ما [يؤخذ] (١) منه كثير مما ذكر.
الرابع:
في ثبوت صيغ العموم -لمن قال بها- أدلة لا تنحصر:
فمن القرآن نحو قوله تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ [هود: ٤٢] الآية، ففهم نوح ﵇ العموم من قوله تعالى: ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾ [المؤمنون: ٢٧]؛ فلذلك أجيب بما يقتضي عدم دخوله في العام لمعنى أنه عمِل عملًا غير صالح، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ [العنكبوت: ٣١]، فَهِمَ منه إبراهيم
стр. 1293
عليه السلام العموم حتى قال: ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطًا﴾ [العنكبوت: ٣٢]، فأجابته الملائكة بتخصيصه بإخراجه من العموم بقولهم: ﴿لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾، وكذا في استثناء امرأته مِن أهله.
وللآمدي هنا بحث ضعيف، لا حاجة لذِكره.
ومن السنة ما في "الصحيحين" في أمر الزكاة، قالوا: يا رسول الله، فالخمر؟ قال: "ما أنزل الله عليَّ فيها شيئًا إلا هذه الآية الجامعة الفاذة: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: ٧] " (١).
وما في "البخاري" من قوله ﷺ لأبي سعيد بن المعلى لَمَّا دعاه وهو في الصلاة فلم يُجِبه: "ما منعك أن تجيبني؟ " (٢) الحديث. فإنه طالبه بموجب العموم في ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: ٢٤].
وما في "الترمذي" وصححه النسائي من قوله ﷺ : "مَن جر ثوبًا من ثيابه من مخيلة، فإن الله لا ينظر إليه ". فقالت أم سلمة: فكيف يصنع النساء بذيولهن؟ قال: "يُرخِين شِبرًا" (٣) الحديث. وفيه: فقال: أبو بكر ﵁: إن أحد شقي إزاري يسترخي إلا أن أتعاهده. ففهم العموم، وأقره ﷺ حتى قال له: "إنك لست ممن يصنعه خيلاء" (٤). وكذا فهمت أم سلمة العموم حتى قال لها رسول الله- ﷺ ما قال.
стр. 1294
وما في "الصحيحين" لمَّا نزل قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٩٥] الآية، قال ابن أم مكتوم: إني ضرير البصر. فنزل: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥] (١). فأقره النبي ﷺ على فَهم العموم، ونزل القرآن بالتخصيص من العام.
وما في "الصحيح" أيضًا لما نزل ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢]، قال الصحابة: وأيّنا لم يظلم نفسه؟ ! فقال ﷺ : "ألم تسمعوا ما قال لقمان: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] " (٢). ففهموا العموم من: ﴿الَّذِينَ﴾ أو من النكرة في النفي حتى بَيَّن لهم أن المراد ظلم خاص.
وكذا لما نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨]، قال ابن الزِّبَعْرَى: قد عُبد المسيح والملائكة. فنزل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ [الأنبياء: ١٠١] (٣)، فأقره على العموم، ولكنه مخصص. والحديث مشهور في السير والتفسير، ورواه السهيلي عن ابن عباس بسندٍ صحيح.
وكذلك فَهم علي ﵁ من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ العموم حتى قال: "أنا منهم، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وطلحة، والزبير، وسعد، وعبد الرحمن بن عوف" (٤). رواه ابن أبي حاتم وابن عدي وابن مردويه والثعلبي من رواية ليث ابن أبي سليم.
стр. 1295
وفي حديث التشهد: "وعلى عباد الله الصالحين، إذا قلتموها، أصابت كل عبد صالح في السماء والأرض" (١). أخرجه الشيخان.
وفي "مسلم" عن أبي هريرة: لما نزل ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٨٤] الآية، اشتد على الصحابة، وقالوا: كُلفنا من العمل ما لا نطيق. فنزل: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] (٢).
وفي "الترمذي" عن عائشة أنه لما نزل: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] سألت النبي ﷺ ، فقال: "هذه معاتبة الله تعالى العبد" (٣) الحديث.
وقال النبي ﷺ في الفتح: "مَن أغلق بابه فهو آمن، ومَن دخل دار أبي سفيان فهو آمن" (٤)، ثم استثنى مَن استثنى، فلولا العموم لَمَا احتاج لذلك.
وغير ذلك مما لا ينحصر من الآيات والأحاديث.
وأيضًا فقد اتفق الصحابة وأهل اللغة على العموم مِن هذه الألفاظ المفردة ولو كانت خالية مِن القرائن، ولَمَّا قال عمر لأبي بكر ﵄: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله ﷺ : "أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله"؟ (٥) الحديث، فلم ينكر أحد العموم.
واستقراء كلام أهل اللغة يفيد القَطع بذلك.
стр. 1296
وأيضًا: فالعموم معنى من المعاني المفتقرة إلى وضع ما يدل عليه.
وأيضًا: فالاستدلال بالاستثناء في كثير من المواضع، وهو معيار العموم كما سيأتي.
وإنما تعرضت لهذا الطرف من الأدلة لمسيس الحاجة إليه.
إذا علمت ذلك فقد ذكرت عِدة من صيغ العموم بحسب تقسيم لها:
وهو أن المفيد للعموم إما من جهة اللغة أو العرف أو العقل.
والأول: إما أن تكون إفادته ذلك بنفسه أو بانضمام قرينة.
والأول: إما أن لا يختص بنوع أو يختص.
والثاني: إما أن تكون قرينته في الثبوت أو في النفي [أو] (١) ما في معناه.
فأشرتُ في النظم إلى هذه الأقسام على هذا الترتيب.
فذكرتُ من القسم الأول (وهو ما يدل بنفسه) ألفاظًا:
أحدها: "كل"، وقد سبق ذكر معناها في "فصل الحروف" وغيرها من الأدوات، وأنها إن أضيفت:
- إلى نكرة، فهي لشمول أفراده، نحو: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [العنكبوت: ٥٧].
- أو لمعرفة وهي جمع أو ما في معناه، فلاستغراق أفراده أيضًا، نحو: "كل الرجال" أو "كل النساء" أو"كل الناس على وَجَل إلا مَن آمَنه الله"، وفي الحديث: "كل الناس يغدو، فبائع نفسه، فموبقها أو مُعتقها" (٢).
- أو لمعرفة مفرد، فلاستغراق أجزائه أيضًا، نحو: "كل الجارية حسن" أو "كل زيد
стр. 1297
جميل".
ونزيد هنا أن مادتها تقتضي الاستغراق والشمول، كـ "الإكليل" لإحاطته بالرأس، و"الكلالة" لإحاطتها بالوالد والولد، فلهذا كانت أصرح صيغ العموم؛ لشمولها العاقل وغيره، المذكر والمؤنث، المفرد والمثنى والجمع. وسواء بقيت على إضافتها كما مثلنا، أو حُذف ما أضيفت إليه، نحو: ﴿كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ١٩]، ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [البقرة: ١١٦].
قال القاضي عبد الوهاب: (ليس بعدها في كلام العرب كلمة أَعَم منها تفيد العموم مبتدأة وتابعة لتأكيد العام، نحو: جاء القوم كلهم).
قال سيبويه: (معنى قولهم: "كل رجل": كل رجال) (١). فأقاموا "رجلًا" مقام "رجال"؛ لأن "رجلًا" شائع في الجنس، و"الرجال" الجنس.
وأما مراعاة التذكير والتأنيث في خبرها وضميرها ونحو ذلك فمن وظيفة النحوي.
نعم، ينبه فيها على مواضع:
أحدها: أنَّ ما سبق -من كونها تستغرق الأفراد فيما إذا أضيفت لجمع مُعرَّف كما لو أضيفت لنكرة فتكون من الكلية كقوله ﷺ حكايةً عن ربه ؛ "يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته" (٢) الحديث- هو قول الأكثر.
وذهب بعض الأصوليين إلى أنه مِن "الكل المجموعي"، لا من "الكلية"، وهو ظاهر تجويز ابن مالك فيها حينئذٍ اعتبار اللفظ واعتبار المعنى.
وبذلك صرح ابن الساعاتى فى "البديع"، فقال: إن قولك: "كل الرجال" كل مجموعي.
стр. 1298
ففرق بين أن يقال: "كل حبة من البُر غير متقومة" وأن يقال: "كل الحبات منه غير متقوم"، فالأول صحيح؛ لأنه كُلٌّ عددي، والثاني غير صحيح؛ لأنه كُلٌّ مجموعي.
وضُعِّف قوله بأن ذلك إنما هو بحسب الإرادة إذا اقتضاها قرينة؛ فقد قرر هو قبل ذلك أن قولنا: "كل شيء" ليس معناه "كل الشيء"؛ لأن الأول عددي والثاني مجموعي، والفرق بينهما ظاهر. فالخلل إنما جاء مِن تمثيله بِـ "كل حبة" و"كل الحبات".
ثانيها: إذا دخلت "كل" على جمع أو اسم جمع مُعرف باللام وقُلنا بعمومها، فهل المفيد له الألف واللام، و"كل" تأكيد؟ أو هي لبيان الحقيقة، و"كل" لتأسيس إفادة العموم؟ الثاني أظهر؛ لأن "كُلًّا" إنما تكون مؤكِّدة إذا كانت تابعة.
وقد يقال: اللام أفادت عموم مراتب ما دخلت عليه، و"كل" أفادت استغراق الأفراد. فنحو: "كل الرجال" تفيد فيها الألف واللام عموم مراتب جمع الرجل، و"كل" استغراق الآحاد.
ولهذا قال ابن السراج في الأصول: (إنَّ "كل" لا تدخل في المفرد والمعرف بالألف واللام إذا أريد بكل منهما العموم). انتهى
وهو ظاهر؛ ولهذا مُنع دخول: "أل" على "كل"، وعِيب قول بعض النحاة: بدل الكل من الكل.
ص:
ثالثها: ليس من دخولها على المفرد المعرف نحو قوله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [آل عمران: ٩٣]، وقوله ﷺ : "كل الطلاق واقع إلا طلاق المعتوه (١)؛ لأن الظاهر أنها مما هو في معنى الجمع المعرف حتى يكون لاستغراق الأفراد لا الأجزاء.
стр. 1299
رابعها: محل عمومها إذا لم يدخل عليها نفي متقدمًا عليها، نحو: "لم يَقُم كل القوم"، فإنها حينئذٍ للمجموع، والنفي وارد عليه، ويسمى "سلب العموم"، بخلاف ما لو تأخر عنها نحو: "كل إنسان لم يقم"، فإنها حينئذٍ لاستغراق النفي في كل فرد، ويسمى "عموم السلب".
وهذه القاعدة متفق عليها عند أرباب البيان، وأصلها قوله ﷺ -في حديث ذي اليدين: "كل ذلك لم يكن" (١) جوابًا لقوله: (أنسيمت؟ أَم قصرت الصلاة؟ ). أي: لم يكن كل من الأمرين، لكن بحسب ظنه ﷺ ؛ فلذلك صحَّ أن يكون جوابًا للاستفهام عن أي الأمرين وقع. ولو كان لنفي المجموع لم يكن مطابقًا للسؤال ولا لقول ذي اليدين في بعض الروايات: (قد كان بعض ذلك) (٢)، فإن السلب الكلي [نقيضه] (٣) الإيجاب الجزئي. ومحل بسط ذلك عِلم البيان.
قال القرافي: وهذا شيء اختصت به "كل" من بين سائر صيغ العموم.
واعلم أن حُكم النهي فيما ذكر حكم النفي، فيُفرق بين "كل عالم لا تهنه" وبين "لا تُهن كل عالم".
والظاهر أن الشرط كذلك، نحو: "كل عبد لي إن حج فأعتقه"، أو: "فهو حر"، فيشمل كل فرد فرد، بخلاف: "إن حج كل عبد من عبيدي"، لا يعتق أحد منهم حتى يحج الجميع.
ومنه نحو قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾ [الأنعام: ٢٥] المراد المجموع، فهو أبلغ، ويلزم منه أنهم إذا رأوا بعض الآيات لا يؤمنون بها من باب أَولى.
стр. 1300
وأما إذا كانت "كل" مؤكِّدة، فهل يفرق فيها بذلك؟ نحو: "لم أر القوم كلهم" أو "القوم كلهم لم أرهم".
قال القرافي: لم أَرَ فيه نقلًا، وهو محتمل، لكن يرجح التفرقة أن صيغة التأكيد تقرير للسابق، فبتقدم النفي عليه لا يبطل حكم العموم، بخلاف المستقل.
لكن صرح ابن الزملكاني في "البرهان" بالتسوية.
نعم، أورد على قولهم: (تقدُّم النفي لسلب العموم) نحو قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)﴾ [مريم: ٩٣]، فينبغي أن تُقيد القاعدة بأن لا ينتقض النفي، فإن انتقض، كانت لعموم السلب.
وقد يقال: انتقاض النفي قرينة إرادة عموم السلب؛ لأن النفي للموضوع، وما بعد "إلا" لا تَسلط للنفي عليه، بل هو مثبت، والتفريع في الاستثناء يجعل ما بعد "إلا" مستندًا لما قبلها، فالإثبات لكل فرد فرد كما لو لم يدخل النفي والاستثناء.
وأورد بعضهم على التقرير للقاعدة بأن "السلب الكلي يقتضي نفي الحكم عن كل فرد" أنه إنما يقتضيى نفي الحقيقة من حيث هي، ولكن نفي الحقيقة مستلزم لنفي الأفراد.
ورُدَّ ذلك بأن "كُلًّا" و"كلما" و" لا لشيء" و"لا واحد" وسائر كلمات السور إنما تستعمل باعتبار الأفراد، لا باعتبار الحقيقة، لأن اعتبار الحقيقة إنما هو في القضية الطبيعية، لا المسوَّرة.
الثاني من الصيغ: "جميع":
وهي مثل "كل"، إلا أنها لا تضاف إلا إلى معرفة، فلا تقول: (جميع رجل)، وتقول: (جميع الناس) و (جميع العبد).
وإلا أنَّ دلالتها على كل فرد فرد بطريق الظهور، بخلاف "كل"، فإنها بطريق