← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 32476

الفوائد السنية في شرح الألفية

شمس الدين البرماوي

Полный текст (2 306 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

وأيضًا: فالعموم معنى من المعاني المفتقرة إلى وضع ما يدل عليه. وأيضًا: فالاستدلال بالاستثناء في كثير من المواضع، وهو معيار العموم كما سيأتي. وإنما تعرضت لهذا الطرف من الأدلة لمسيس الحاجة إليه. إذا علمت ذلك فقد ذكرت عِدة من صيغ العموم بحسب تقسيم لها: وهو أن المفيد للعموم إما من جهة اللغة أو العرف أو العقل. والأول: إما أن تكون إفادته ذلك بنفسه أو بانضمام قرينة. والأول: إما أن لا يختص بنوع أو يختص. والثاني: إما أن تكون قرينته في الثبوت أو في النفي [أو] (١) ما في معناه. فأشرتُ في النظم إلى هذه الأقسام على هذا الترتيب. فذكرتُ من القسم الأول (وهو ما يدل بنفسه) ألفاظًا: أحدها: "كل"، وقد سبق ذكر معناها في "فصل الحروف" وغيرها من الأدوات، وأنها إن أضيفت: - إلى نكرة، فهي لشمول أفراده، نحو: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [العنكبوت: ٥٧]. - أو لمعرفة وهي جمع أو ما في معناه، فلاستغراق أفراده أيضًا، نحو: "كل الرجال" أو "كل النساء" أو"كل الناس على وَجَل إلا مَن آمَنه الله"، وفي الحديث: "كل الناس يغدو، فبائع نفسه، فموبقها أو مُعتقها" (٢). - أو لمعرفة مفرد، فلاستغراق أجزائه أيضًا، نحو: "كل الجارية حسن" أو "كل زيد

стр. 1297

جميل". ونزيد هنا أن مادتها تقتضي الاستغراق والشمول، كـ "الإكليل" لإحاطته بالرأس، و"الكلالة" لإحاطتها بالوالد والولد، فلهذا كانت أصرح صيغ العموم؛ لشمولها العاقل وغيره، المذكر والمؤنث، المفرد والمثنى والجمع. وسواء بقيت على إضافتها كما مثلنا، أو حُذف ما أضيفت إليه، نحو: ﴿كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ١٩]، ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [البقرة: ١١٦]. قال القاضي عبد الوهاب: (ليس بعدها في كلام العرب كلمة أَعَم منها تفيد العموم مبتدأة وتابعة لتأكيد العام، نحو: جاء القوم كلهم). قال سيبويه: (معنى قولهم: "كل رجل": كل رجال) (١). فأقاموا "رجلًا" مقام "رجال"؛ لأن "رجلًا" شائع في الجنس، و"الرجال" الجنس. وأما مراعاة التذكير والتأنيث في خبرها وضميرها ونحو ذلك فمن وظيفة النحوي. نعم، ينبه فيها على مواضع: أحدها: أنَّ ما سبق -من كونها تستغرق الأفراد فيما إذا أضيفت لجمع مُعرَّف كما لو أضيفت لنكرة فتكون من الكلية كقوله ﷺ حكايةً عن ربه ؛ "يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته" (٢) الحديث- هو قول الأكثر. وذهب بعض الأصوليين إلى أنه مِن "الكل المجموعي"، لا من "الكلية"، وهو ظاهر تجويز ابن مالك فيها حينئذٍ اعتبار اللفظ واعتبار المعنى. وبذلك صرح ابن الساعاتى فى "البديع"، فقال: إن قولك: "كل الرجال" كل مجموعي.

стр. 1298

ففرق بين أن يقال: "كل حبة من البُر غير متقومة" وأن يقال: "كل الحبات منه غير متقوم"، فالأول صحيح؛ لأنه كُلٌّ عددي، والثاني غير صحيح؛ لأنه كُلٌّ مجموعي. وضُعِّف قوله بأن ذلك إنما هو بحسب الإرادة إذا اقتضاها قرينة؛ فقد قرر هو قبل ذلك أن قولنا: "كل شيء" ليس معناه "كل الشيء"؛ لأن الأول عددي والثاني مجموعي، والفرق بينهما ظاهر. فالخلل إنما جاء مِن تمثيله بِـ "كل حبة" و"كل الحبات". ثانيها: إذا دخلت "كل" على جمع أو اسم جمع مُعرف باللام وقُلنا بعمومها، فهل المفيد له الألف واللام، و"كل" تأكيد؟ أو هي لبيان الحقيقة، و"كل" لتأسيس إفادة العموم؟ الثاني أظهر؛ لأن "كُلًّا" إنما تكون مؤكِّدة إذا كانت تابعة. وقد يقال: اللام أفادت عموم مراتب ما دخلت عليه، و"كل" أفادت استغراق الأفراد. فنحو: "كل الرجال" تفيد فيها الألف واللام عموم مراتب جمع الرجل، و"كل" استغراق الآحاد. ولهذا قال ابن السراج في الأصول: (إنَّ "كل" لا تدخل في المفرد والمعرف بالألف واللام إذا أريد بكل منهما العموم). انتهى وهو ظاهر؛ ولهذا مُنع دخول: "أل" على "كل"، وعِيب قول بعض النحاة: بدل الكل من الكل. ص: ثالثها: ليس من دخولها على المفرد المعرف نحو قوله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [آل عمران: ٩٣]، وقوله ﷺ : "كل الطلاق واقع إلا طلاق المعتوه (١)؛ لأن الظاهر أنها مما هو في معنى الجمع المعرف حتى يكون لاستغراق الأفراد لا الأجزاء.

стр. 1299

رابعها: محل عمومها إذا لم يدخل عليها نفي متقدمًا عليها، نحو: "لم يَقُم كل القوم"، فإنها حينئذٍ للمجموع، والنفي وارد عليه، ويسمى "سلب العموم"، بخلاف ما لو تأخر عنها نحو: "كل إنسان لم يقم"، فإنها حينئذٍ لاستغراق النفي في كل فرد، ويسمى "عموم السلب". وهذه القاعدة متفق عليها عند أرباب البيان، وأصلها قوله ﷺ -في حديث ذي اليدين: "كل ذلك لم يكن" (١) جوابًا لقوله: (أنسيمت؟ أَم قصرت الصلاة؟ ). أي: لم يكن كل من الأمرين، لكن بحسب ظنه ﷺ ؛ فلذلك صحَّ أن يكون جوابًا للاستفهام عن أي الأمرين وقع. ولو كان لنفي المجموع لم يكن مطابقًا للسؤال ولا لقول ذي اليدين في بعض الروايات: (قد كان بعض ذلك) (٢)، فإن السلب الكلي [نقيضه] (٣) الإيجاب الجزئي. ومحل بسط ذلك عِلم البيان. قال القرافي: وهذا شيء اختصت به "كل" من بين سائر صيغ العموم. واعلم أن حُكم النهي فيما ذكر حكم النفي، فيُفرق بين "كل عالم لا تهنه" وبين "لا تُهن كل عالم". والظاهر أن الشرط كذلك، نحو: "كل عبد لي إن حج فأعتقه"، أو: "فهو حر"، فيشمل كل فرد فرد، بخلاف: "إن حج كل عبد من عبيدي"، لا يعتق أحد منهم حتى يحج الجميع. ومنه نحو قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾ [الأنعام: ٢٥] المراد المجموع، فهو أبلغ، ويلزم منه أنهم إذا رأوا بعض الآيات لا يؤمنون بها من باب أَولى.

стр. 1300

وأما إذا كانت "كل" مؤكِّدة، فهل يفرق فيها بذلك؟ نحو: "لم أر القوم كلهم" أو "القوم كلهم لم أرهم". قال القرافي: لم أَرَ فيه نقلًا، وهو محتمل، لكن يرجح التفرقة أن صيغة التأكيد تقرير للسابق، فبتقدم النفي عليه لا يبطل حكم العموم، بخلاف المستقل. لكن صرح ابن الزملكاني في "البرهان" بالتسوية. نعم، أورد على قولهم: (تقدُّم النفي لسلب العموم) نحو قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)﴾ [مريم: ٩٣]، فينبغي أن تُقيد القاعدة بأن لا ينتقض النفي، فإن انتقض، كانت لعموم السلب. وقد يقال: انتقاض النفي قرينة إرادة عموم السلب؛ لأن النفي للموضوع، وما بعد "إلا" لا تَسلط للنفي عليه، بل هو مثبت، والتفريع في الاستثناء يجعل ما بعد "إلا" مستندًا لما قبلها، فالإثبات لكل فرد فرد كما لو لم يدخل النفي والاستثناء. وأورد بعضهم على التقرير للقاعدة بأن "السلب الكلي يقتضي نفي الحكم عن كل فرد" أنه إنما يقتضيى نفي الحقيقة من حيث هي، ولكن نفي الحقيقة مستلزم لنفي الأفراد. ورُدَّ ذلك بأن "كُلًّا" و"كلما" و" لا لشيء" و"لا واحد" وسائر كلمات السور إنما تستعمل باعتبار الأفراد، لا باعتبار الحقيقة، لأن اعتبار الحقيقة إنما هو في القضية الطبيعية، لا المسوَّرة. الثاني من الصيغ: "جميع": وهي مثل "كل"، إلا أنها لا تضاف إلا إلى معرفة، فلا تقول: (جميع رجل)، وتقول: (جميع الناس) و (جميع العبد). وإلا أنَّ دلالتها على كل فرد فرد بطريق الظهور، بخلاف "كل"، فإنها بطريق

стр. 1301

النصوصية. وفرق الحنفية بينهما بأن "كُلا" تعم على جهة الانفراد، و"جميع" على جهة الاجتماع. ونقل ابن العارض المعتزلي في كتاب "النكت" عن الزَّجاج أنه حكاه عن المبرد. قيل: والذي قاله المبرد إنما هو في نحو: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: ٣٠]. وحكاه كذلك ابن الخشاب وابن إياز، وإن كان ابن بابشاذ نقل عنه خلافه. على أنه قد تمنع التفرقة بينها وبين "كل" بذلك، فإن "جميع" تقتضي التفصيل بخلاف مجموع، وهذا شائع في الاستعمال. قال بعضهم: إذا كانت "جميع" إنما تضاف لمعرفة فهو إما بِـ "اللام" أو بكونه "مضافًا لمعرفة"، وكُل منهما يفيد العموم، فَلَمْ تُفِده "جميع". وجوابه أن ما فيه الألف واللام يُقدر حينئذٍ أنها للجنس، والعموم مستفاد من "جميع". وأما المضاف نحو: "جميع غلام زيد" فليست فيه لعموم كل فرد، بل لعموم الأجزاء كما سبق إيضاح الأمرين في الكلام على "كل"، فاعْلَمه. وقولي: (نَحْوُ "جَمِيعٍ") إشارة إلى أن ما كان من هذه المادة مثلها في العموم، كَـ"أجمع" و"أجمعين" ونحوهما. ومَن زعم أن "أجمعين" تقتضي الاتحاد في الزمان بخلاف "جميع"، فالأصح خلاف قوله، قال تعالى: ﴿وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٣٩]. نعم، اختلف في أن: "أجمع" ونحوه إذا وقع بعد "كل"، هل التأكيد بالأول والثاني زيادة فيه؟ أو بكل منهما؟ أو بهما معًا؟ الأرجح الأول كما في سائر التوابع. ومن مادة [جمع] (١) أيضًا: "جاء القوم بأجمُعهم" (وهو بضم الميم جمع "جَمعْ" بفتح أوله

стр. 1302

وسكون ثانيه): كَـ "عَبْد وأَعْبُد". ولا يقال: بِـ "أجمَعهم" بفتح الميم؛ لئلا يتوهَّم أنه "أجمع" الذي يؤكد به؛ لأن ذاك لا يضاف للضمير ولا يدخل عليه حرف الجر. كذا قاله الحريري في "درة الغواص" (١)، لكن قد حكى الوجهين ابن السكيت، وإنْ كان الأقيس "الضم". ويدخل في قولي: (نَحْوُ) أيضًا "سائر"، فقد قال الجوهري: إنها بمعنى "جميع" (٢)؛ لأنها من سور المدينة، وهو المحيط بها. وغلطوه، وليس كذلك؛ فقد ذكره السيرافي في "شرح سيبويه" والجواليقي في "شرح أدب الكاتب" وابن بري وغيرهم، وأوردوا له شواهد كثيرة. وممن عدها من صيغ العموم القاضي في "مختصر التقريب" والقاضي عبد الوهاب في "الإفادة" كما نقله الأصفهاني في "شرح المحصول"، لكن الموجود في "الإفادة" إنما هو حكاية ذلك وتغليطه بأنها من "أسأر"، أي: أبقى، فهو من "السؤر" وهو البقية، فلا تعم كما هو المشهور. لكن لا تَنافي بينهما، فهي للعموم المطلق ولعموم الباقي بحسب الاستعمال، كما تقول: اللهم اغفر لي ولسائر المسلمين. وقال ﷺ في حديث غيلان لما أسلم على عشرة نسوة: "أمسك أربعًا، وفارق سائرهن" (٣). أي: جميع من يبقى بعد الأربع. ويدخل في قولي: (نَحْوُ) أيضًا: "معشر" و"معاشر" و"عامة" و"كافة" و"قاطبة".

стр. 1303

نحو: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [الأنعام: ١٣٠]، "إنَّا معاشر الأنبياء لا نورث" (١)، ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦]، وقالت عائشة: "لَمَّا مات ﷺ ارتدت العرب قاطبة" (٢). قال ابن الأثير: أي: جميعهم. لكن "معشر" و"معاشر" لا يكونان إلا مضافين، بخلاف "قاطبة" و"عامة" و"كافة": فإنها تضاف وتفرد. وقولي: (وَلمَوْصُولٍ بِذَا يُقْفَى) إلى آخره -أي: بالعموم يُقضى فيه، فالأسماء الموصولات من صيغ العموم، وكذا أسماء الشرط والاستفهام، لكن هل هي من القسم الذي يفيد بمفرده؟ أو لا؟ الظاهر الأول، خلافًا لمن زعم أن ذلك لانضمام الصلة ونحوها كما اعترض به القرافي على الإمام وعدى ذلك إلى أسماء الاستفهام والشرط وإلى ما سبق من لفظ: "كل" و"جميع"؛ لأنه لا بُدَّ في ذلك من انضمام لفظ إليه. وهذا مردود؛ لأن الصلة إنما هي قيد في أصل الدلالة، لا في إفادة العموم. وكذا ما ينضم لأسماء الاستفهام والشرط ونحو: "كل" و"جميع". نعم، من ألفاظ هذه الأنواع الثلاثة ما يختص في العموم بنوع في الغالب، نحو: "مَنْ" للعاقل، وربما قيل: التعبير بِـ "العالِم" أَوْلى؛ ليدخل نحو: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾

стр. 1304

[لرعد: ٤٣]. لكن الكلام الآن حيث كانت عامة، فالتعبير بالعاقل مستقيم، نحو: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ [فصلت: ٤٦]، ﴿وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾ [الحجر: ٥٦]. و"ما" لغير العاقل، نحو: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ [فاطر: ٢]، ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى﴾ [طه: ١٧]. ومنها ما يختص بالزمان، كـ"متى"، أو المكان، كَـ "أين". وما يعم الكل، كَـ"أل"، وسيأتي إيضاحها في المحلَّى بِـ "أل" والفرق بينهما والخلاف فيهما. وكَـ "أي" الشرطية والاستفهامية، لا الموصولة؛ فلذلك عَقَّبتُ بالأمثلة وبينتُ ما يحتاج إلى البيان وإخراج ما يخرج في الأبيات الآتية. والله أعلم. ص: ٥٧٩ - كَـ "مَا"وَ "مَنْ "، وَلإنَاثٍ يَشْمَلُ ... ذِي في كَـ "مَنْ بَدَّلَ دِينًا، يُقْتَلُ" ٥٨٠ - وَكَـ "مَتَى" في زَمَنٍ، وَ"حَيْثُما" ... وَ"أَيْنَ" في الْمَكَانِ فِيمَا عُلِمَا ٥٨١ - نَعَمْ، مِنَ الْمَوْصُولِ "أَيٌّ "تُفْرَدُ ... فَلَيْسَ فِيهَا مِنْ عُمُومٍ يُقْصَدُ الشرح: فأشرت إلى أن "مَن" و"ما" للعموم، سواء أكانتا للشرط أو للاستفهام أو موصولتين. أما الشرطيتان: فبالاتفاق، وأما الاستفهاميتان فعَلَى قول الجمهور، منهم: الشيخ أبو إسحاق وسليم الرازي وابن السمعاني وابن الصباغ وغيرهم، وأبو بكر الرازي والبزدوي من الحنفية، والقرطبي والأبياري مِن المالكية، واختاره الإمام الرازي والآمدي والهندي،

стр. 1305

لكن ظاهر تقييد إمام الحرمين بالشرطية خروج الاستفهامية. وأما الموصولتان: فالمختار فيهما العموم، فقد مَثَّل الغزالي في "المستصفى" لعموم "ما" بقوله ﷺ : "على اليد ما أخذت حتى تؤديه" (١). وقد مثل الكلُّ تأخيرَ البيان إلى وقت الحاجة بقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] حتى قال ابن الزبَعْرى ما قال. وجرى على عمومهما ابن الحاجب وابن الساعاتي والصفي الهندي. ونقله القرافي عن صاحب "التلخيص"، يعني: النقشواني، وأنكر ذلك الأصفهاني وقال: (إن المصرح به فيه خلاف ذلك) (٢). فلذلك أطلقته في النَّظم وإنْ كان مقتضى كلام كثير أنهما ليسا للعموم، وصرح به أبو منصور البغدادي وسليم في "التقريب"، وهو ظاهر تقييد القاضيين أبي بكر وعبد الوهاب "مَن" و"ما" بالشرطيتين والاستفهاميتين. وفيهما قول ثالث لبعض الحنفية: أن العموم فيهما عموم كل مجموعي، لا كلية، بخلافهما شرطيتين واستفهاميتين. فإذا قال: (مَن زارني فأعطه درهمًا)، استحق كل واحد واحد ممن زاره درهمًا. وإذا قال: (أعط مَن في هذه الدار درهمًا)، استحق الكل درهمًا واحدًا.

стр. 1306

تنبيهات الأول: استُشْكل عموم "مَن" و"ما" في الاستفهام مثلًا بأنه لو قيل: مَن في الدار؟ حَسُنَ أن يجاب بالمفرد، فيقال: زيد. وكذا لو قيل: ما عندك؟ فتقول: درهم. وأجاب القرافي بما معناه أن العموم من حيث شموله لكل ما يصلح دخوله فيه، وأما الجواب بالواحد فباعتبار الواقع، ولا تنافي بينهما. واستُشكل أيضا بِقَول الفقهاء فيما لو قال: (مَن دخل داري فله درهم)، أو: (مَن خلت فهي طالق) أنَّ مَن دخل ثانيًا لا يستحق درهمًا آخَر، ولا مَن دخلت لا تُطلَّق طلقةً ثانيةً. وجوابه: أن العموم في الأشخاص، لا في الأفعال، إلا أنْ تقتضي الصيغة التكرر، نحو: "كلما"، أو يحكم به قياسًا؛ لكون الشرط علة، نحو: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ [الجاثية: ١٥]، ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧)﴾ [الزلزلة: ٧]. فإن قيل: لو قتل المُحرِم صيدًا بعد صيد، تكرر الجزاء مع أن الصيغة "مَن" في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ [المائدة: ٩٥] الآية. قيل: لتعدد المحل كما أجاب به الماوردي والمحاملي والجرجاني في "المعاياة". قالوا: بخلاف ما لو كان المحل واحدًا كالمثال السابق، حتى لو قال: (مَن دخل داري فله درهم) وله عدة دُور، فكلما دخل دارًا، استحق درهمًا؛ لاختلاف المحل. ولهذا لو قال: (طَلق من نسائي مَن شئت)، لا يطلق إلا واحدة. ولو قال: (مَن شاءت)، له أن يطلق عددًا يشاء؛ لتعدد المحل. فإن قيل: لو قال: (مَن رد عبدي فله درهم) فرده جمع، استحقوا درهمًا، لا أن لكل

стр. 1307

واحد درهمًا. فالجواب -كما قرره الماوردي- أنه لم يصدر مِن كُلٍّ تمام الشرط المعلَّق عليه، بل جزؤه؛ فاستحق الجزء. الثاني: أن العموم في "مَن" و"ما" وغيرهما لا يخفى أنه فيمن يقبل الحكم المذكور. ففي "الكفاية" في باب السير: إذا قال الأمير: (مَن غزا معي فله دينار)، لا يدخل أهل الفيء ولا النساء، بخلاف ما لو قال: مَن قاتل معي فله دينار. قال: لأن الغزو حُكم يتوجه لأهله، وأما الصبيان فخارجون من الأمرين؛ لذلك، وكذا العبيد بلا إذن السيد. الثالث: لم أذكر اختصاص "مَنْ" بالعاقل و"ما" بغيره؛ لأنَّ كُلًّا منهما قد يستعمل في الآخَر كثيرًا في مواضع مشهورة في النحو، والعموم موجود، فلا حاجة لذِكر اختصاص ولا غيره فيهما. وذكرتهما من أمثلة الأقسام الثلاثة؛ حتى يتقيدا بها؛ ليخرج ما سبق في باب الأدوات من ورودهما نكرتين موصوفتين ونكرتين تامتين، فإن ذلك لا عموم فيه إلا بقرينة نفي ونحوه، نحو: ما مررت بمن معجب لك، أو: بما معجب لك. وقولي: (وَلإنَاثٍ يَشْمَلُ) إلى آخِره -إشارة إلى مسألة تتعلق بِـ "مَن" الشرطية، وهي أنها هل تشمل المؤنث؟ أو تختص بالمذكر؟ المشهور الأول؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ [النساء: ١٢٤]، فلولا شمولها للأنثى لَمَا بيَّن به مع المذكر، ولقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الأحزاب: ]، ولقوله ﷺ : "من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه". فقالت أم

стр. 1308

سلمة: "فكيف تصنع النساء بذيولهن" الحديث (١)، وقد سبق، فأقرها النبي ﷺ على فهم دخول النساء في "مَن" الشرطية. ولأنه لو قال: (من دخل داري فهو حر) فدخلها النساء، عُتِقن بالإجماع كما قاله في "المحصول". وحكى ابن الحاجب وغيره قولًا أنَّ "مَنْ" تختص بالذكور، ولا يدخل فيها الإناث. ويُعزى لبعض الحنفية، وأغرب ابن الدهان النحوي فعزاه للشافعي. وبنى المخالف على ذلك عدم قتل المرتدة؛ لحمله قوله ﷺ : "مَن بَدَّل دِينه فاقتلوه" (٢) على اختصاصه بالذكور. ومذهبنا أنها تُقتل؛ بناء على دخول الإناث في الحديث. نعم، قيد إمام الحرمين الخلاف بِـ "مَنْ" الشرطية، وبه عَبَّر ابن الحاجب وجَمعٌ حتى لا يجري الخلاف في الاستفهامية والموصولة. لكن قال الصفي الهندي: الظاهر أنه لا فرق. واعتذر بعضهم عن إمام الحرمين بأنه إنما قيد بذلك لكونه لم يذكر الاستفهامية والموصولة في صيغ العموم. وقولي في النَّظم: (في كَـ "مَنْ بَدَّلَ") يحتمل الرأيين، أي: مثل: "مَن بدل دينه" في كونها شرطية أو في كونها مِن صُوَر "مَنْ" في الجملة، مثالًا، لا قيدًا، ولكن الاحتمال الثاني أعم وأَفْيد، فهو الأرجح.

стр. 1309

تنبيهات الأول: الخلاف في مدلول "مَنْ" و "ما"، لا في لفظهما. فقد قال النحاة كما في "التسهيل" وغيره: إن "مَن" و"ما" في اللفظ مفردان مذكران، وإذا قصد بمعناهما غير ذلك فإنما يدل عليه مراعاة المعنى مِن عَوْد ضمير ونحوه (١). ومرادهم بذلك أن معناهما في الأصل من حيث إطلاق لفظهما مفرد مذكر، ومخالفة ذلك إنما هي بحسب مراد المتكلم، فالكل باعتبار المدلول باعتبارين، وإلا فنفس اللفظ ليس الكلام فيه، فإن "لفظ سائر الكلمات" إذا أريد لفظه، يذكَّر باعتبار "لفظ"، ويؤنث باعتبار "كلمة". فتقول: (زيد ثلاثي) و: (ثلاثية)، أي: كلمة ثلاثية. الثاني: اختُلف في "مَنْ"، فالأرجح تناولها للعبيد، وقيل: تختص بالأحرار. وكأنَّ ذلك من حيث الشرع، فسيأتي أن العبيد هل تدخل في العمومات الشرعية؟ أو لا؟ وقولي: (وَكـ "مَتَى" في زَمَنٍ) أي إنَّ عموم "متى" إنما هو باعتبار الأزمنة، فنحو: (متى دخلت الدار، فأنت حر) يعتق بأيِّ وقت دخل. نعم، قيده ابن الحاجب وغيره بالأزمان المبهمة، فلا يقال: (متى طلعت الشمس)، بل يقال: (إذا طلعت). وهذا مراد مَن أطلق العبارة كما أطلقتُ ذلك في النَّظم؛ لظهوره. ولا فرق في "متى" أن يتصل بها "ما" (كَـ) "متى ما") أوْ لا. وقولي: (وَ"حَيْثُمَا" وَ"أينَ" في الْمَكَانِ) معناه أن عمومهما في الأمكنة، كقوله: حيثما

стр. 1310

تستقم يقدِّر لك الله خيًرا في سالف الأزمان. وكقولك: أين أجلسَني الله أجلِس. ومما يختص أيضًا من أسماء الشروط والاستفهام: "أنَّى وأيَّان" للزمان. و"مهما" و"إذ ما" في الشرط. وغير ذلك مما تقرر في العربية. ومما يدخل أيضًا في إطلاق الموصول: "الذي" و"التي" وفروعهما، و"ذا" بعد "ما" و"مَن" الاستفهاميتين، نحو: "ماذا عندك؟ " و"مَن ذا عندك؟ " على الخلاف في اشتراط ذلك، فإن الكوفيين لا يشترطونه؛ تعلقًا بقوله: (وهذا تحملين طليق). وأوَّلَه البصريون على أن "تحملين" حال، لا صلة. وكذلك "ذو" الطائية وما تَفرع منها. نعم، قيد بعضهم ذلك بأن لا يظهر فيه عهد، نحو: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [البقرة: ٤]، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠]، بخلاف نحو: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَن﴾ [غافر: ٣٠]، ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ﴾ [المجادلة: ١]. وفيه نظر؛ لأنَّ شرط صلة الموصول العهد على ما فيه من إشكال سيأتي، ويأتي جوابه وأنه لا ينافي العموم، وحينئذٍ فنحو: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَن﴾ [غافر: ٣٠] غايته أنه عام أريد به خاص، لا أنه لا عموم فيه أصلًا. ومن الموصولات أيضًا "أل" في نحو: "العالم" و"المخلوق"، فيقتضي العموم، كما لو قال: (القائم من عبيدي حر)، أو: (الداخلة للدار من نسائي طالق). ذكره بعض الحنفية، وهو واضح وإنْ تعقبه بعض شيوخنا بما لا يجدي، بل ويلزم على قوله أن لا يستدل بعموم ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا﴾ [المائدة: ٣٨]، ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا﴾ [النور: ٢] الآيات.

стр. 1311

نعم، مَن لم يجعل "مَنْ" و"ما" الموصولتين عامتين يقول بذلك أيضًا في: "الذي" و"التي" وفروعهما وغير ذلك من الموصولات. وستأتي نصوص الشافعي وكلام الأصحاب في ذلك (في مسألة: المحلَّى بِـ "أل"). والراجح عموم الموصولات كلها سِوَى ما استثنيته في النَّظم، وهو "أي"، نحو: "يعجبني أيهم هو قائم"، فلا عموم فيها، بخلاف الشرطية نحو: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الإسراء: ١١٠]، والاستفهامية نحو: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾ [النمل: ٣٨]، ومن الشرطية: "أيما امرأة نكحت نفسها بغير إذن وليها فنكاحها باطل" (١). وهي تشمل العاقل وغيره، كما في: ﴿أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾ [النمل: ٣٨]، هذا هو المرجح عند الجمهور. وممن صرح بعموم الشمول فيها الشيخ أبو إسحاق، وإنْ كان القاضي عبد الوهاب وافق ابن السمعاني في أنها للعموم البدلي، لا الشمولي، وكذا قال صاحب "اللباب" من الحنفية وأبو زيد في "التقويم": إنها نكرة، لا تقتضي العموم إلا بقرينة، حتى لو قال: "أي عبيدي ضربته فهو حر" فضربهم، لا يعتق إلا واحد، بخلاف: "أي عبيدي ضربك فهو حر" فضربوه جميعًا، عُتقوا؛ لعموم فعل الضرب. وكذا صرح إلْكِيَا بأنها ليست للعموم. وفي "فتاوى" القاضي حسين والغزالي: لو قال: "أي عبيدي حج فهو حر" فحجوا كلهم، لا يعتق إلا واحد. لكن في "فتاوى الشاشي" أنه لا فرق عندنا بين الصورتين، وأنهم يعتقون جميعًا؛ عملًا بعموم "أي".

стр. 1312

وبذلك صرح الأستاذ أبو منصور، فقال: ("أَيّ " أَعَم المبهمات). وزعم أصحاب الرأي أنه على الواحد غالبًا. وكذلك قال أبو حنيفة في "أي عبيدي ضربت فهو حر": يحمل على الواحد، و"أي عبيدي ضربك ": على الجميع؛ لأنه أضاف الفعل الذي علق به الحرية إلى الجماعة. قال الأستاذ: (ونحن نقول بعموم اللفظ في الموضعين). انتهى ووجَّه ابن يعيش وغيره هاتين المسألتين -وهُما معروفتان لمحمد بن الحسن- بأن الفعل في المسألة الأولى خاص؛ لإسناده لضمير المخاطب، وفي الثانية عام؛ لإسناده لضمير هو عام. وقرروا أن الفعل يعم بعموم فاعله، لا بعموم مفعوله؛ لأن الفاعل كالجزء من الفعل، لا يُستغنى عنه، والمفعول يستغني عنه الفعلُ. وبذلك أيضا وجَّه القاضي حسين الفرق. وقد اعترض ابن عمرون النحوي على ذلك بأن ضمير الفاعل والمفعول فيهما على حدٍّ سواء، كقول العباس بن مرداس: وما كنتُ دُون امرئ منهما ... ومَن تخفض اليوم لا يُرفع فإن "مَن" الشرطية عامة باتفاق، مع أن التقدير: "ومَن تخفضه اليوم"، و"الهاء" عائدة على "مَن" وهو الاسم العام. وأما ضمير الفاعل فخاص، وهو ضمير النبي ﷺ . وأطال في ذلك وفي الاستشهاد عليه. واعلم أن الحنفية عدوا الحكم إلى "أي عبيدي ضُرب" مبنيًّا للمفعول. قاله ابن جني؛ لأن الفاعل وإنْ لم يُذكر ففي حُكم المذكور.

стр. 1313

ويَرُده: "أيما إهاب دُفي فقد طهر" (١)، وهُم ممن قال فيه بالعموم حتى أدرجوا فيه جِلد الكلب. تنبيه: إذا اتصلت "أي " بِـ "ما"، كانت "ما" تأكيدًا لها، خلافًا لقول إمام الحرمين في "البرهان ": إن "ما" للعموم في "أيما امرأة نكحت نفسها" الحديث. لاعتقاده أن "ما" فيها هي الشرطية. وقريب من ذلك قول الغزالي: إنَّ "ما" مؤكدة للعموم. لكن الصواب أن يُقال: إنها مؤكدة لأداة الشرط، وهو عند النحويين من التأكيد اللفظي بمنزلة تكرير اللفظ، فإنْ أراد الغزالي ذلك فواضح. تنبيه آخر: استُشكِل جَعْل الموصولات من صيغ العموم مع اشتراطهم في الصلة أن تكون معهودة معلومة للمخاطب إلا إذا قُصد الإبهام تهويلًا؛ لتذهب نفس السامع كل مذهب، كقوله تعالى: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ [طه: ٧٨]؛ ولهذا كانت الصلة هي المعرِّفة للموصول، خلافًا لمن قال: إنَّ المعرِّف له هو "أل" ظاهرة أو مقدرة فيما ليست فيه كَـ "من" و"ما"، والعهد ينافي العموم (كما سيأتي)، وصرح به ابن الحاجب وغيره. قلت: قد يجاب بأن العهد ليس في نفس الموصول المدَّعَى عمومه، بل في قيده، وقيد العام إنما يخصص محل عمومه ولا يسقط عمومه، كَـ: "أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين

стр. 1314

رأت" (١) الحديث، فوصْفهم بالصلاح لم يخرج "عبادي" عن العموم بالكلية. فإن قلتَ: العهد يجعل المدلول معيَّنًا، والعموم استغراق بلا حصر، بخلاف ما ذكرت من قيد الوصفية ونحوها. قلتُ: لم يجعله إلا معيَّنًا في الذهن، لا في الخارج. فإذا أريد تعيُّنه في الخارج فذاك بحسب الواقع؛ ولهذا قال البيانيون في التعريف بالموصولية: إنه قد يكون لينبه المخاطب على [خطئه] (٢)، نحو: إن الذين تَرونهم إخوانكم ... يشفي غليلَ صدورهم أن تُصْرَعُوا فإنه ليس المقصود معيَّنًا في الخارج، بل كل مَن ظُن بهذه الصفة. وقد يكون بالإيماء إلى وجه بناء [الخبر] (٣)، نحو: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ [غافر: ٦٠] الآية، ليس المراد قومًا بأعيانهم. وبهذا التقدير يُعلم أن نحو: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ لم يخرج عن العهد؛ لأن كل ما يتخيله المخاطب في ذهنه يصير به عهدًا، بخلاف ما لم يُعْهَد فيه الصلة لا عهذا خارجيًا ولا ذهنيًا، فإنه مخصوص حقيقةً أو تقديرًا. فَتَأَمَّلْه. فإن قيل: المحكوم بأنه معهود في المحلَّى "بأل" إنما هو الاسم الداخل عليه "أل"، وهو الذي يُقضَى بعمومه حيث لا عهد، فلِمَ لا قيل بعمومه ولو كان فيه عهد كما قلتَ به في الموصول؟ قلتُ: المعهود هو الاسم، و"أل" قرينة العهد.

стр. 1315

وأما المعهود في الموصول فهو الصلة، والموصول ليس فيه عهد، بل مُقيد بما فيه العهد، والله أعلم. ص: ٥٨٢ - وَللْعُمُومِ أَيْضًا الْمُعَرَّفُ ... بِـ "ألْ" لِغَير الْعَهْدِ فِيمَا تَصِفُ الشرح: هذا هو القسم الثاني من صيغ العموم الدالة عليه من حيث اللغة، وهو ما يدل لا مستقلًّا، بل بواسطة أمر آخر. وقد سبق أنه قسمان: في إثبات، وفي نفي ونحوه. فما في الإثبات ضربان: اقتران بالألف واللام، وتقييد بإضافة لمعرفة. والمراد أن قرينته ليست هي النفي، لا أنه لا يكون في النفي؛ لئلا يَرِد: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَات﴾ [البقرة: ٢٢١]، "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله" (١). فأشرت بهذا البيت إلى الضرب الأول من القسم الأول في الإثبات، وهو ما قرينته "أل"، وفي معناه أن يكون نفس "أل" هي العامة كما سبق في الموصولات، فإن القول فيهما واحد على القول بعموم الموصولة. ولهذا يقع في تمثيلاتهم المحلَّى بِـ "أل" واستدلالاتهم على العموم فيها بمواضع "أل" فيها موصولة؛ إشعارًا بأنه لا فرق بينهما في الحكم. ويتميز كلّ عن الآخر بأن الموصولة هي الداخلة على وصف صريح، كاسْم الفاعل

стр. 1316

واسم المفعول ونحوهما من صِيَغ المبالغة، و"فعيل" كَـ "جريح"، والصفة المشبهة كالجميل، خلافًا لقول ابن العلج في "البسيط": إنها لا توصل بها؛ لبُعدها عن شبه الفعل؛ لثبوت معناها. ورجحه من المتأخرين الشيخ جمال الدين ابن هشام في "مغني اللبيب". أما غير الصريح كالذي غلبت عليه الاسمية: كَـ "أبطح" و"أجرع" فَـ "أل" فيه للتعريف كما هي في الجوامد كَـ "رجل". فى أن أبا الحسن الأخفش يقول في "أل" الموصولة: إنها للتعريف. وبالجملة فالمقترن بِـ "أل" كيف كانت إما أن تكون للعهد أو للجنس، والعهد إما ذِكري وإما ذهني. وفي تحقيقهما وتفاصيلهما أمور مشهورة في العربية لا نُطَول بها. فإذا عرف إرادة العهد بقرينة، فلا عموم اتفاقًا. نحو: ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٦]، ﴿يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٧]، ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ [آل عمران: ٣٦]. وممن نقل الاتفاق في ذلك الإمام الرازي في "المحصول". قال بعضهم: إلا أن يكون باعتبار أفراد المعهودين خاصة، فيكون العموم فيه بهذا الاعتبار. وهو ظاهر. فإن قيل: ما الفرق بين هذا وبين العام إذا ورد على سبب خاص؟ فإنه عام على المرجَّح كما سيأتي، فلِمَ لم يُجْرَ الخلاف الذي هناك هنا في أنه يَعُم المعهود وغيره ولا يُعْمَل بخصوص العهد؟ فالجواب أنَّ "أل" العهدية إذا لم يكن موضوعًا ما هي فيه للعموم، فليس من العام الذي يخرج بعضه ويبقى بعضه، بخلاف ذاك، فإن العموم فيه بالوضع، ولكن هل يطرقه تخصيص بالسبب؟ أوْ لا؟ فافترقا.

стр. 1317

والجنسية إما أن تدخل على: - جمع كثرة لمذكر كَـ "رجال"، أو مؤنث كَـ "صواحب"، أو قِلة وهو جمْعَا التصحيح لمذكر كَـ "مسلمين" أو مؤنث كَـ "مسلمات")، أو تكسير بوزن "أفعِلة" أو "أفعُل" أو "فِعْلة" أو "أفعال"، كَـ "أكسِية" و"أفلُس" و"صِبية" و"أجمال"). والقلِة من ثلاثة أو اثنين -على الخلاف- إلى أحد عشر، ومن بعدها للكثرة. - أو ما في معنى الجمع من "اسم جنس جمعي" كَـ "تمر"، أو "اسم جمع" كَـ "قوم " و"رهط" و" طائفة" و"نساء". - وإما على مثنى، كَـ "رجُلين". - أو ما في معناه، كَـ "شفع" و"زكا". - وإما على مفرد، كَـ "رجُل". فأما غير المفرد مما ذكرناه فالصحيح من الأقوال أنه للاستغراق، نحو: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً﴾ [النمل: ٨٨]، ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]، "الناس مجزيون بأعمالهم" (١) و"في الغنم السائمة الزكاة" (٢). ومن الموصولة نحو: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] الآية، ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، وغير ذلك من الآيات والأحاديث. قال ابن برهان: القول بعمومها هو قول معظم العلماء. وقال ابن الصباغ: إنه إجماع أصحابنا.

стр. 1318

ودليله أن العلماء لم تزل تستدل بآية السرقة وآية الزنا وآية الأمر بقتال المشركين ونحو ذلك. وفي "الصحيحين" احتجاج عمر حين قتال أبي بكر ﵂ مانعي الزكاة بقول النبي ﷺ : "أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله" (١) الحديث، وأقره أبو بكر وغيره، ثم احتج أبو بكر بقوله ﷺ : "إلا بحقه"، والزكاة من حقه. وقد احتج أبو بكر ﵁ بقوله ﵊: "الأئمة من قريش" (٢)، وأقروه. رواه أحمد والنسائي وغيرهمما. ووقع في "شرح المهذب" أنه في "الصحيحين"، ولعله أراد معنى الحديث، وهو حديث ابن عمر مرفوعًا: "لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي في الناس اثنان" (٣). وكذا الاستدلال بحديث: "إنا معاشر الأنبياء لا نورث" (٤). رواه النسائي. وفي "الصحيحين" منه: "لا نُورَث، ما تركنا صدقةٌ" (٥). وغير ذلك مما لا ينحصر. وأصرحها قول النبي ﷺ في التشهد في "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين": "فإنكم إذا قلتم ذلك، فقد سلمتم على كل عبد لله صالح في السماء والأرض" (٦). أخرجه البخاري

стр. 1319

ومسلم. والقول الثانى: لا يفيد الاستغراق. حكاه صاحب "المعتمد" عن الجبائي، وحُكي أيضًا عن جمعٍ من الفقهاء. قال ابن السمعاني: (سواء جمع السلامة والتكسير) (١). وقال سليم في "التقريب": سواء المشتق وغيره. وحُكي أيضًا في "المعتمد" عن أبي هاشم أنه يفيد الجنس دون الاستغراق، وحكاه غيره عنه أيضًا وعن الفارسي. ومن الغريب عزو المازري والأبياري في شرحَي "البرهان" ذلك للشيخ أبي حامد، يدفعان بذلك قول إمام الحرمين: إن اتفاق الأصوليين على أن ذلك يفيد الاستغراق. ولا يصح عنه إلا أنه نقله عن أبي هاشم. نعم، زعم بعضهم أن القول بعموم الجمع المعرف إذا كان جمع قِلة -مُشكل؛ لأنه إلى عشرة، والعموم ينافي ذلك. وعنه أجوبة كثيرة: منها جواب إمام الحرمين: حمل كلام سيبويه والنحاة على المنكَّر، وكلام الأصوليين على المعرَّف. ومنها: أن أصل الوضع في القِلة ذلك، لكن كثر استعماله كالكثرة إما بِعُرف الاستعمال، أو بِعُرف الشرع. ومنها: أن المقتضي للعموم إذا دخل على الواحد، لا تدفعه وحدته، فدخوله على جمع

стр. 1320

القِلة لا يدفعه تحديده بهذا العدد من باب أَوْلى. وقيل: السؤال من أصله لا يَرِد؛ فقد قال الزَّجاج وابن خروف: إن جَمْعَي القِلة والكثرة سواء. وقيل: لا يَرِد؛ لأمر آخَر، وهو أن المقتضي للعموم إذا دخل على جمع -فيه خلاف سيأتي- أن آحاده جموع أو وحدان. فإن كان وحدانًا فقد ذهب اعتبار الجمعية بالكلية، وإن كان جموعًا فلا تنافي بين استغراق كل جمعٍ جمعٍ [وكَوْن] (١) تلك الجموع كل واحد منها له عدد مُعَين. وقيل غير ذلك. وأما المفرد المحلَّى بِـ "أل" ففيه أيضًا مذاهب سواء أكانت "أل" مُعرفة أو موصولة (كما سبق تقريره). أحدها: إفادته العموم، وهو ما نص عليه الشافعي في "الرسالة" حيث قال: (إن ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ ونحوه مِن العام الذي خُص). وكذا في "الأم" و"البويطي". ونقله عنه أصحابه في ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وله في الآية كلام آخر سيأتي بيانه. وأيضًا: فلم تَزل العلماء تستدل بآية السرقة وآية الزنا من غير نكير. ولوقوع الاستثناء منه وهو معيار العموم، نحو: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [العصر: ٢ - ٣]، ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] الآية، ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ [المعارج: ١٩] الآية.

стр. 1321

وأيضًا: فيوصف بصيغة العموم، كما قال تعالى: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ [النور: ٣١]. وقال الأستاذ وسليم: إنه المذهب. ونقله الأستاذ أبو منصور عن القائلين بالصيغ، ونقله القاضي عبد الوهاب عن جمهور الأصوليين وكافة الفقهاء، وبه قال أبو عبد الله الجرجاني الحنفي، وقال القرطبي: إنه مذهب مالك وغيره من الفقهاء. وقال الباجي: إنه الصحيح. وبه قال أيضًا الشيخ أبو إسحاق الشيرازي وابن برهان وابن السمعاني، واختاره إلْكِيَا وابن الحاجب، ونقله الآمدي عن الشافعي والأكثرين، ونقله الإمام الرازي عن المبرد والفقهاء. نعم، اختُلف في جهة عمومه -هل هو من حيث اللفظ؟ أو المعنى؟ - على وجهين حكاهما الشيخ أبو حامد وسليم وابن السمعاني. الأكثر على الأول، ورجحه سليم. وصحح ابن السمعاني الثاني، قال: (وكأنه لما قال: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨] أَفْهَمَ أن القطع من أجل السرقة) (١). وكذا قال إلْكِيَا: إنه من ترتيب الحكم على الوصف. ولعله إنما ذكره تفريعًا على طريقة أرباب الخصوص، وإلا فقد قال هو آخرًا: إنَّ الصحيح أنَّ هذه الألفاظ للعموم. المذهب الثاني: إنه يفيد الجنس، لا الاستغراق. وهو عن أبي هاشم والفارسي كما يقولان به في الجمع، واختاره الإمام الرازي وأتباعه.

стр. 1322

ولما نقله ابن الخباز النحوي عن الفارسي قال: إنه احتج على ذلك بأمور لا تصبر على النظر حق الصبر. قال: (ويُضعِّف مذهبه أنها لو كانت لتعريف الماهية لم يكن بين النكرة والمعرف بها فرق، لأن النكرة تدل على الماهية دلالة وضعية، كَـ "فرس" و"حجر". فإذا قلت: "الفرس" و"الحجر" ولم تقصد العهد وأردتَ نفس الماهية فقد عَنيتَ ما عَنَاه الواضع، وأضَعْتَ حَقَّ الألف واللام؛ فثبت أن المراد بها العموم كما قال المبرد). انتهى الثالث: أنه يحتمل الأمرين؛ فيكون مُجْمَلًا. حكاه الأستاذ عن بعض أصحابنا. الرابع أنه يفيد العموم إن كان مما يتميز واحِدُه بالتاء ولكن لا يتشخص له واحد ولا يتعدد، كَـ "الذهب" و"العسل"، بخلاف ما يتشخص مدلوله كَـ "الدينار" و"الدرهم" و"الرجُل"، فإنه يحتمل العموم، نحو: "لا يقتل المسلم بالكافر" (١)، ويحتمل قصد تعريف الماهية، كَـ "الدينار أفضل من الدرهم ". قاله الغزالي في "المستصفى" و"المنخول" وإنْ وافق في "معيار العلوم" على أنه للاستغراق، واختار هذا التفصيل أيضًا ابن دقيق العيد. الخامس: الفرق فيما دخلت عليه "أل" بين ما فيه "هاء التأنيث" الدالة على توحيده كَـ "ضربة") فهو محتمل للعموم وللجنس، بخلاف ما لا هاء فيه أصلًا (كَـ "رجل")، أو فيه هاء بنيت عليها الكلمة (كَـ "صلاة" و"زكاة")، فالمقترن بِـ "أل" من ذلك عام. نقله الأبياري عن إمام الحرمين، وقال: (إنه الصحيح) (٢). ونوزع بأن الذي في "البرهان" ونقله عنه المازري غير ذلك.

стр. 1323

تنبيهات الأول: تقييد العموم فيما سبق بانتفاء العهد يقتضي أن الأصل فيه هو الاستغراق؛ ولذلك احتاج العهد إلى قرينة. فما احتمل العهد والاستغراق لانتفاء القرينة محمول على الأصل وهو الاستغراق (كما هو ظاهر كلام أكثر الأصوليين)؛ لعموم فائدته. ونقله ابن القشيري عن المعظم وصاحب "الميزان " عن ابن السراج النحوي، وهو الذي أورده الماوردي والروياني أول "البيع "، قالا: لأن الجنس يدخل فيه العهد، بخلاف العكس. وظاهر كلام بعضهم الحمل على العهد، وبه صرح ابن مالك من النحاة. وفي قول ثالث: إنه مجمل؛ لكونه محتملًا على السواء. وهو قول إمام الحرمين وابن القشيري، وقال إلْكِيَا: إنه الصحيح. بل سبق الإمام إلى ذلك غيره، فقد حكاه الأستاذ عن بعض أصحابنا. وقول رابع يخرج من كلام ابن دقيق العيد في "شرح العنوان" حيث قال: إنَّ هذا يختلف باختلاف السياق ومقصود الكلام، وُيعرف ذلك بقرائن ودلائل. قلتُ: غايته تَوقُّف كل مِن الأمرين على قرينة تدل على إرادته. وهذا عَيْن القول بأنه مجمل، على أن الترجيح من هذا الخلاف مضطرب عند الأصوليين وغيرهم في أن: الأصل العموم حتى يقوم دليل على العهد؟ أو العهد حتى يقوم دليل على العموم؟ أو كلٌّ أصل فيحتاج لدليل؟ لكن الأول هو مقتضَى ترجيح الأكثر. التنبيه الثاني: إذا قلنا بعموم صيغ الجموع والمثنى وما في معناهما بقرينة في الإثبات كَـ "أل"

стр. 1324

و"الإضافة" الآتي ذِكرها وفي النفي ونحوه مما سيأتي، هل تسلب دلالته على الجمعية وتصير أفراده وحدانًا كأفراد المفرد في ذلك؟ أو تبقى آحاده جموعًا أو مثنيات؟ فيه خلاف يظهر أثره في الاستدلال بذلك على حكم الواحد وفي أن العموم إذا خُص وكان جمعًا هل يجوز إلى أن يبقى واحدٌ؟ أو لا بُدَّ من عدد يَصْدُق عليه ذلك اللفظ؟ وستأتي هذه المسألة وما فيها في محلها من التخصيص، وفي غير ذلك أيضًا كما سبق في التفرقة بين جمعَي القِلة والكثرة، فيلحظ معنى ذلك في كل فرد من أفراد ذلك العام. ذهب كثيرٌ إلى الثاني. ورجح القرافي الأول، وقال: (يتعين اعتقاد زوال الجمعية ويصير كالمفرد، ويكون الحكم لكل فرد فرد، سواء كانت الصيغة جمعًا أو ما في معناه) (١). وربما نقل عن الحنفية الأول. وعن الشافعية الثاني؛ ولهذا شرطوا في كل صنف من مستحقي الزكاة ثلاثة إلا العاملين، وقالوا فيمن حلف لا يتزوج النساء أو لا يشتري العبيد: لا يحنث إلا بثلاثة. وعند الحنفية يحنث بواحد. قاله الرافعي في "كتاب الطلاق" محافظةً على الجمع، ولم ينظروا لكونه جمع كثرة حتى لا يحنث إلا بأحد عشر. نعم، في "الحاوي" للماوردي: حلف "لا يتصدق على المساكين"، يحنث بواحد. أو "ليتصدقن على المساكين"، لا يبر إلا بثلاثة؛ لأنَّ نفي الجمع ممكن، بخلاف إثبات الجمع، أي: مع عمومه. قلتُ: وبهذا نستفيد أنهم إنما قالوا في أصناف الزكاة بالجمع؛ لتعذر تعميمهم، فاقتصر

стр. 1325

على ما يقع عليه لفظ الجمع في الأصل. ونقل عن ابن الصباغ أن اللام الداخلة على الجمع تُصيِّره كاسم الجنس، أي: حتى يصدق على الواحد، لكنه يشكل بمسألة أصناف الزكاة. نعم، الفرع الثاني -وهو "لا أتزوج النساء" أو "لا أشتري العبيد"- في نفي، ومع ذلك شرطوا فيه الثلاثة. وعلى الجملة فالفروع فيه مضطربة، إلا أن يُعلَّل كل فرع بما يليق به مِن غير نظر إلى خصوص ما نحن فيه. على أنَّ القول الأول هو ما يقع في عبارة كثير من علماء البيان. ففي "المفتاح" و"التلخيص" أن استغراق المفرد أشمل، بدليل: "لا رجال في الدار" إذا كان فيها رجل أو رجلان، دُون "لا رجل". ذَكَرَا ذلك لَمَّا تَكلمَا على أن تعريف المسند إليه باللام قد يكون لإفادة الاستغراق؛ فعُلم من كلامهما أنَّ هذه القاعدة وإنِ استدل عليها بما هو في النفي وهو: "لا رجال في الدار" و"لا رجل في الدار"، فإنما ذلك لظهور الاستدلال منه، وإلا فلا فرق في قرينة العموم بين أن يكون في إثبات أو نفي. نعم، النفي الداخل على الجمع قد يُعْنَى به سلب العموم أو نفي المجموعية، فلا يكون مما نحن فيه من "أل" المفيدة للاستغراق، كما قيل به في قوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٢]: إنَّ المراد: لا يدركه الكل، بل البعض. فهو مِن سلب العموم. وقيل: المراد: لا يحيط بكنه حقيقته. فيكون من عموم السلب، وهو الأرجح، وعليه فالمراد نَفْي كل فرد فرد، لا نفي كل جمع جمع، حتى لا يلزم منه نفي إدراك فرد واحد أو اثنين.

стр. 1326

ومن ثَم قالوا في قوله تعالى حكايةً عن زكريا ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ [مريم: ٤]: إنما لم يَقُل: "وهن العظام" بالجمع؛ لإرادته شمول الوهن لكل عظم عظم، لا لجمعٍ جمع فقط الذي لا يلزم منه وهن كل فرد فرد من العظام. قال صاحب "الكشاف": (إنما وَحَّد العظم لأن الواحد هو الدال على معنى الجنسية. وقصده إلى أن هذا الجنس الذي هو عمود البدن وبه قوامه قد أصابه الوهن. ولو جمع لكان قصد إلى معنى آخَر، وهو أنه لم يهن منه بعض عظامه، ولكن كلها) (١). انتهى وهو ظاهر فيما ذكر من الفرق. ويحتمل أنه إنما أراد أن "اللام" في العظم للحقيقة، لا للاستغراق؛ لأنه ممن يرى بنفي إفادة "اللام" الاستغراق بذاتها كما سنذكره عنه من بعد. وقد تعقب المولى سعد الدين التفتازاني على صاحب "التلخيص" وأشبع الكلام في إبطال مغزاه، فقال: (ولقائل أن يقول: لو سُلم كَوْن استغراق المفرد أشمل في النكرة المنفية فلا نُسلم ذلك في المعرَّف باللام، بل الجمع المحلَّى بلام الاستغراق يشمل الأفراد كلها مثل المفرد كما ذكره أكثر أئمة الأصول والنحو، ودل عليه الاستقراء، وصرح به أئمة التفسير في كل ما وقع في التنزيل من هذا القبيل، نحو: ﴿أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٣٣]، ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البقرة: ٣١]، ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [البقرة: ٣٤]، ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤]، ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٣]، ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ١٠٨]، إلى غير ذلك؛ ولهذا صح بلا خلاف: "جاءني القوم -أو العلماء- إلا زيدًا" أو "إلا الزيدين" مع امتناع "جاءني جماعة من العلماء إلا زيدًا" على الاستثناء المتصل).

стр. 1327

إلى آخر ما ذكر بِطُولِه. ثم قال: (وإنما أطنبتُ الكلام في هذا المقام؛ لأنه من مسارح الأنظار ومطارح الأفكار، كم زلَّت فيه للأفاضل أقدامهم، وكَلَّتْ دُون الوصول إلى الحقِّ أفهامهم). انتهى وهو كلام نفيس وإن كان لنا معه في بعضه أبحاث ليس هذا موضع ذكرها، لكن منها فيما نقلناه عنه من الاستشهاد بامتناع "جاءني جماعة من العلماء إلا زيدًا" على الاستثناء المتصل، قَصْده بذلك أنَّا إذا قلنا: آحاد الجمع العام جموع وإنَّ الجمعية في الأفراد باقية مع العموم، كان يلزم أن يجوز الاستثناء من جماعة جماعة، [لا] (١) من الأفراد واحدًا، وذلك ممتنع. فثبت سلب الجمعية بالكُلية، لكن لفظ "جماعة" ليس هو المدَّعَى أنه فرد من أفراد صيغ الجموع المقترنة بدليل الشمول كَـ "العلماء"، إنما الخصم يدَّعِي أنَّ آحاد "العلماء" علماء وعلماء وعلماء، وهكذا. وعلى تقدير أنْ يكون هذا مراده بجماعة من العلماء فقد يقال: إنما امتنع الاستثناء منه؛ لكونه نكرة. وسيأتي أن النكرة -وإنْ كانت جمعًا- لا يستثنى منها. وكان ينبغي أن ينقض على صاحب "التلخيص" بقوله عقب ذلك: (ولا تنافي بين الاستغراق وأفراد الاسم) جوابًا عن سؤال السكاكي: إن الاسم المفرد -الذي يقابل المثنى والمجموع- يدل على الوحدة، والاستغراق يدل على الكثرة، والجمع بينهما في نحو "الإنسان" و"لا رجل في الدار" جمع بين متنافيين. فأجاب بأنه لا تنافي؛ لأن الحرف وهو "لام الاستغراق" أو "لا" التي للنفي إنما دخلت عليه حال كونه مجردًا من إرادة معنى الوحدة والكثرة، ودلَّ على هذا التجرد كلمة الاستغراق، فيصير اللفظ بذلك دالًّا على الحقيقة، محتملًا للوحدة والكثرة.

стр. 1328

فمقتضى الاستغراق عَيَّن أحد الاحتمالين ونَفَي الأخر؛ فلم يجتمعَا. وأيضا: فلأنه بمعنى كل فرد، لا مجموع الأفراد، وإذا كان كذلك جاء مثلُه في الجمع، فيصير اللفظ بقرينة العموم المراد به الحقيقة من غير وحدة ولا كثرة، على أن في العموم مع الحقيقة إشكالاً سنذكره والجواب عنه. الثالث: التحقيق فيما يدخل عليه "أل" المعرِّفة وفي حكمها الموصولة كما سبق أنه: إما أن يكون المراد معها نفس الحقيقة، لا ما يصدق عليه من الأفراد وهو تعريف الجنس والحقيقة ونحو ذلك. ويساوي ذلك دلالة عَلَم الجنس كما سبق تقريره في موضعه كَـ "أسامة". وإما أن يكون المراد فردًا معينًا في الخارج (وهو العهد الخارجي)، ونحوه العَلَم الشخصي كَـ"زيد". وإما فرد غير معيَّن (وهو العهد الذهني) كَـ "أدخل السوق" لمن ليس بينك وبينه عهد بِسُوق معيَّن، ونحوه النكرة كَـ"رجل". وإما كل الأفراد (وهو الاستغراق)، ونحوه لفظ: "كل" ونحوها من صيغ العموم؛ فلذلك جعلوا ضابطها أن يحل "كل" محلها حقيقةً إذا أريد استغراق الأفراد. فإن كان مجازًا فهو لاستغراق الخصوصيات، نحو "أنت الرجُل علمًا". وقد شكك السكاكي في استفادة الاستغراق من اللام، فقال: (إن الحقيقة من حيث هي هي لا واحدة ولا كثيرة؛ لتحققها مع الوحدة تارة ومع الكثرة أخرى، وإنْ كانت لا تنفك في الوجود عن أحدهما، فهي صالحة للتوحد والتكثر بكون الحكم استغراقًا أو غير استغراق، على مقتضَى المقام. فإذا كان خطابيًّا مثل: "المؤمن غِير كريم، والفاجر خِب لئيم"،

стр. 1329

حُمل على الاستغراق؛ بِعِلَّة إيهام أن القصد إلى فرد دون آخر مع تحقق الحقيقة فيهما -ترجيحٌ لأحد المتساويين (١). وإذا كان استدلاليًّا، حُمل على أقَل ما يحتمل وهو الواحد في المفرد والثلاثة أو الاثنان في الجمع). ثم اختار أن "اللام" للعهد، قال: (تبعًا لبعض أئمة أصول الفقه، وقَصْدُ الحقيقة [في] (٢) جملة المعهود الذهني، ولكن الاستغراق في أفرادها لمكان الاحتياج على طريق التحقيق أو التهكم، أو لأنه عظيم الخطر، أو لغير ذلك) (٣). انتهى ملخصًا. قال صاحب "التلخيص" (٤) في "الإيضاح ": (حل هذا الإشكال يخرج مما سبق). يريد ما قدمته من التفرقة بين قَصْد "الدلالة على الحقيقة" و"الدلالة على أفراد الحقيقة". الرابع: استُشكل على العموم في المفرد المُحلى بِـ "أل" ما لو قال: "الطلاق يلزمني لا أفعل كذا"، وحنث، فإنه لا يقع الطلاق الثلاث. وقد سأل أبو العباس القرافي الشيخ عز الدين بن عبد السلام عن ذلك، فأجابه -كما حكاه في "شرح المحصول"- بأن هذا يمين، فيراعَى فيها العُرف دون الأوضاع اللغوية (٥). قال الشيخ تقي الدين السبكي: (وقد يجاب بأن الطلاق حقيقة واحدة، وهي قطع عصمة النكاح، وليس له أفراد حتى يقال: تندرج في العموم، ولكن مراتبه مختلفة، منها ما

стр. 1330

قصد به تشعيث النكاح وهو الرجعى، وجوز الشارع فيه أن يكون مرة بعد أخرى، والتشعيث الحاصل من الثانية اكثر مِن الأُولى، ومنها ما يحصل به البينونة مع إمكان الرد بغير محلل، وهو إذا كان بعوض، ومنها البينونة الكبرى وهو الثلاث، فيحمل اللفظ عند الإطلاق على أدنى المراتب، ولا يُعمم المراتب؛ لأنها ليسست أفرادًا، فالألف واللام لا تدل على قوة مَرتبة أو ضعفها، فلا يحمل إلا على الماهية). قال: (وهذا شيء يمكن أن يقال، والأدب مع الشيخ عز الدين الاقتصار على جوابه) (١). انتهى قلتُ: على أن ما قاله الشيخ تقي الدين لا يخلوا من نظر؛ لِمَا قررناه من أن العموم لا ينافي الحقيقة، خلافًا للسكاكي، وحينئذٍ لا ينافي تفاوت الأفراد في مراتب ولا غيرها، فتأمَّله، وستأتي لنا مسائل في العام في النفي مع التعريف والتنكير. الخامس: قد سبق الخلاف في الجمع إذا اقترن به قرينة العموم: هل تصير أفراده جموعًا؟ أو وحدانًا؟ وأن ما في معنى الجمع مثله، كَـ "اسم الجمع" إذا دخلته "لام التعريف"، حتى يحنث مَن حلف "لا يكلم الناس" بواحد، لكن إذا حلف "لا يكلم ناسًا" لا يحنث إلا بثلاثة. نقله الرافعي في "كتاب الأيمان" عن ابن الصباغ وغيره، ففيه التفرقة بين قرينة العموم في الإثبات والنفي، وفيه ما سبق. ثم يقع النظر من ذلك في ألفاظ، منها: "طائفة": فقيل: أقَلها ثلاثة. وقيل: يصدق على الأقل من ذلك؛ لأنها القطعة من الشيء.

стр. 1331

والذي نَص عليه الشافعي الأول. فقال في "باب صلاة الخوف": (والطائفة ثلاثة فأكثر، وأكره أن يصلي بأقل من طائفة) (١). انتهى واعترض عليه ابن داود بأن اللغة أنها تطلق على الواحد [بِقِلَّة. نُقِل] (٢) عن الفراء. وأيضًا فالشافعي قال في: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٢]: (إنَّ الطائفة تصدق على الواحد). وأجيب: - إما بأن مراد الشافعي بأنها ثلاثة في صلاة الخوف، فيستحب أن تكون ثلاثة، وذلك لقرينة: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] وكذا في الأخرى ﴿لَمْ يُصَلُّوا﴾ الآية. فضمائر الجمع تدل على ذلك، لا أن كل طائفة ثلاثة. - وإما أن الطائفة ثلاثة في اللغة كما نقله غير واحد، منهم الزمخشري وغيره. وإنما قال في ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٢]: (إنها واحد) بقرينة الإنذار؛ لأنه يكون بالواحد. ومنها: "قوم"، وهُم الذكور، بدليل: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ [الحجرات: ١١] الآية، فإنه قابلهم بالنساء. وكذا "الرهط"، قال الجوهري: هو ما دون العشرة من الرجال لا يكون فيهم امرأة. وقال ابن سِيدَهْ: من ثلاثة إلى عشرة.

стр. 1332

وكذلك "النفر" اسم جمع كَـ"قوم" و"رهط". السادس: للعلماء اضطراب في مواضع من "المحلَّى بِأل"؛ لمحل الاحتمال فيها، كلفظ "البيع" في قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، فيه للشافعي أقوال: هل هو عام مخصوص؟ أو أريد به خاص؟ أو اللام فيه للعهد؟ أو مجمل؟ وفي قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] له قولان في انه للعموم أو مجمل، الى غير ذلك. فليس منشأ الخلاف في مثل ذلك التردد في عدم اقتضاء "أل" العموم؛ بل لتجاذب القرائن في الاحتمالات كما هو مبين في محله في الفقه، وسنذكر فيه بحثًا في "باب المجمل". ونحو ذلك قول الزمخشري في لفظ "الحمد": (إن "أل" فيه للحقيقة، لا الذي يزعمه الناس من الاستغراق) (١). وتردد الناس في أنه يرى ما يُعْزى للمعتزلة مِن أنَّ "اللام" للعهد في "الحمد" الذي يعرفه كل أحد منه، أو أنه يقول: إنها للجنس المشار به إلى ما يعرفه كل أحد مِن الحمد كما ينقل ذلك عن المعتزلة أيضًا وأنهم لا يقولون بالاستغراق، أو هو مخالف لهم برأي آخر كما هو مُقرر في موضعه. ونحو ذلك قول أهل المنطق: إن موضوع القضية إذا كان مُعرفًا بِـ "أل"، لا يكون مسورًا بسور الكلية كالواقع بعد "كل"، بل تكون مهملة، نحو: "الإنسانُ في خُسْر" كما تقدم التنبيه عليه في تقسيم الكلام وأن ابن الحاجب يقول: المتحقق فيها الجزئية. كما هو قول

стр. 1333

الغزالي في كتاب "معيار العلوم"، وكأنهم إنما لم يجعلوا "أل" سورًا؛ لمحل الاحتمال، بخلاف "كل"، فإنها صريحة، والله أعلم. ص: ٥٨٣ - وَشَامِلٌ ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ النَّبِيْ ... وَإنْ وُصِلْ بِـ "قُلْ "، وَمثْلُ ذَاحُبِيْ (١) الشرح: لما بينتُ أن المحلَّى بِـ "أل" للعموم، ذكرت مسائل من مختلف في محل العموم فيه، كالفروع للقاعدة. فمنها: لفظ "الناس" في نحو: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] هل يشمل الرسول ﷺ ؟ فيه مذاهب هي جارية أيضًا في نحو: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ١٠٤]، ﴿يَاعِبَادِيَ﴾ [العنكبوت: ٥٦]، وغير ذلك من صيغ العموم: أحدها وهو الصحيح وقول الجمهور: نعم، لِصِدق ذلك عليه، فلا يخرج إلا بدليل. ثانيها: لا، لقرينة المشافهة؛ لأن المشافِه غير المشافَه، والمبلِّغ غير المبلَّغ، والآمِر والناهي غير المأمور والمنهي، فلا يكون داخلًا. ورُدَّ بأن الخطاب في الحقيقة هو من الله للعباد، وهو منهم، وهو مع ذلك مبلِّغ [للأمة] (٢)، فالله هو الآمر الناهي، وجبريل هو المبلغ له، ولا تنافي في كون النبي ﷺ مخاطَبًا

стр. 1334

مخاطِبًا مبلَّغًا مبلِّغًا باعتبارين. وربما اعتل المانع بأنه ﷺ له خصائص، فيحتمل أنه غير داخل؛ لخصوصيته، بخلاف الأمر الذي خاطب به الناس. ورُدَّ بأنَّ الأصل عدمُه حتى يأتي دليل. ثالثها وبه قال الصيرفي والحليمي: لا يدخل إنِ اقترن ذلك بِـ "قُل"، نحو: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ [لأعراف: ١٥٨]، ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ﴾ [الزمر: ٥٣]، وإلا فيدخل. ورَدَّه إمام الحرمين بأن القول مستندٌ إلى الله تعالى، والرسول مبلِّغ عنه، فلا معنى للتفرقة. رابعها: يدخل في خطاب القرآن ولا يدخل في خطاب السُّنة. قاله المقتَرح. تنبيهات الأول: محل الخلاف حيث لا قرينة تنفي دخوله، نحو: "يا أيها الأمة" أو "يا أمة محمد". أما ذلك فلا يدخل فيه بلا خلاف. قاله الصفي الهندي (١). وأشار اليه القاضي عبد الوهاب، ومثَّله بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٢٤] الآية؛ لأنَّا المأمورون بالاستجابة. قال: (ومثله قوله تعالى: ﴿قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠) رَسُولًا﴾ [الطلاق: ١٠ - ١١]، تقديره: اطلبوا رسولًا، على الإغراء). انتهى الثاني: قيل: لا فائدة للخلاف في هذه المسألة، فإنه ﷺ داخل في الحكم كَـ "الأُمَّة"

стр. 1335

قطعًا. ورُدَّ باحتمال أن يقول المخالف: إنَّ ذلك بدليل خارجي. وتظهر فائدته فيما لو فعل ما يخالف ذلك: هل يكون نسخًا في حقه؟ إنْ قلنا: هو داخل، فنسخ. أي: إذا دخل وقت العمل، لأن ذلك شرط المسألة كما سيأتي في كل عام وخاص بعده. الثالث: مما يشبه هذه المسألة في مدركها أنَّ الشاة مثلًا مِن الأربعين من الغنم تزكي نفسها وغيرها. وكذا الواحد من الأربعين في الجمعة يصحح الجمعة له ولغيره، والنية في الصلاة إذا جعلناها ركنًا تُصحح نفسها وسائر الأركان. وبه يندفع قول الغزالي: إنها بالشروط أَشبه من حيث إنها لا تتعلق بنفسها بل بغيرها. نعم، أجاب الرافعي بأنه لا يمتنع أن تصحح سائر الأركان دون نفسها، لعدم احتياجها. قال: (وكأن القائل: "أُصلي" مريد معظم الأركان) (١). وفيه نظر إذا لم نجعل النية شرطًا، وما ذكرناه أَوْلى. وقد تعلق بشبهة الغزالي مَن يجعل تكبيرة الإحرام شرطًا ومن يجعل السلام شرطًا. وجوابه ما سبق، والله أعلم. ص: ٥٨٤ - وَيَدْخُلُ الْعَبْدُ كَذَاكَ الْكَافِرُ ... في مِثْلِ لَفْظِ "الناسِ"؛ فَهْوَ وَافِرُ الشرح: مِن المسائل المشار إليها أيضا هاتان المسألتان:
следующие страницы →