والذي نَص عليه الشافعي الأول.
فقال في "باب صلاة الخوف": (والطائفة ثلاثة فأكثر، وأكره أن يصلي بأقل من طائفة) (١). انتهى
واعترض عليه ابن داود بأن اللغة أنها تطلق على الواحد [بِقِلَّة. نُقِل] (٢) عن الفراء.
وأيضًا فالشافعي قال في: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٢]: (إنَّ الطائفة تصدق على الواحد).
وأجيب:
- إما بأن مراد الشافعي بأنها ثلاثة في صلاة الخوف، فيستحب أن تكون ثلاثة، وذلك لقرينة: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] وكذا في الأخرى ﴿لَمْ يُصَلُّوا﴾ الآية. فضمائر الجمع تدل على ذلك، لا أن كل طائفة ثلاثة.
- وإما أن الطائفة ثلاثة في اللغة كما نقله غير واحد، منهم الزمخشري وغيره.
وإنما قال في ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٢]: (إنها واحد) بقرينة الإنذار؛ لأنه يكون بالواحد.
ومنها: "قوم"، وهُم الذكور، بدليل: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ [الحجرات: ١١] الآية، فإنه قابلهم بالنساء.
وكذا "الرهط"، قال الجوهري: هو ما دون العشرة من الرجال لا يكون فيهم امرأة.
وقال ابن سِيدَهْ: من ثلاثة إلى عشرة.
стр. 1332
وكذلك "النفر" اسم جمع كَـ"قوم" و"رهط".
السادس:
للعلماء اضطراب في مواضع من "المحلَّى بِأل"؛ لمحل الاحتمال فيها، كلفظ "البيع" في قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، فيه للشافعي أقوال: هل هو عام مخصوص؟ أو أريد به خاص؟ أو اللام فيه للعهد؟ أو مجمل؟
وفي قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] له قولان في انه للعموم أو مجمل، الى غير ذلك.
فليس منشأ الخلاف في مثل ذلك التردد في عدم اقتضاء "أل" العموم؛ بل لتجاذب القرائن في الاحتمالات كما هو مبين في محله في الفقه، وسنذكر فيه بحثًا في "باب المجمل".
ونحو ذلك قول الزمخشري في لفظ "الحمد": (إن "أل" فيه للحقيقة، لا الذي يزعمه الناس من الاستغراق) (١).
وتردد الناس في أنه يرى ما يُعْزى للمعتزلة مِن أنَّ "اللام" للعهد في "الحمد" الذي يعرفه كل أحد منه، أو أنه يقول: إنها للجنس المشار به إلى ما يعرفه كل أحد مِن الحمد كما ينقل ذلك عن المعتزلة أيضًا وأنهم لا يقولون بالاستغراق، أو هو مخالف لهم برأي آخر كما هو مُقرر في موضعه.
ونحو ذلك قول أهل المنطق: إن موضوع القضية إذا كان مُعرفًا بِـ "أل"، لا يكون مسورًا بسور الكلية كالواقع بعد "كل"، بل تكون مهملة، نحو: "الإنسانُ في خُسْر" كما تقدم التنبيه عليه في تقسيم الكلام وأن ابن الحاجب يقول: المتحقق فيها الجزئية. كما هو قول
стр. 1333
الغزالي في كتاب "معيار العلوم"، وكأنهم إنما لم يجعلوا "أل" سورًا؛ لمحل الاحتمال، بخلاف "كل"، فإنها صريحة، والله أعلم.
ص:
٥٨٣ - وَشَامِلٌ ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ النَّبِيْ ... وَإنْ وُصِلْ بِـ "قُلْ "، وَمثْلُ ذَاحُبِيْ (١)
الشرح:
لما بينتُ أن المحلَّى بِـ "أل" للعموم، ذكرت مسائل من مختلف في محل العموم فيه، كالفروع للقاعدة.
فمنها: لفظ "الناس" في نحو: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١] هل يشمل الرسول ﷺ ؟
فيه مذاهب هي جارية أيضًا في نحو: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ١٠٤]، ﴿يَاعِبَادِيَ﴾ [العنكبوت: ٥٦]، وغير ذلك من صيغ العموم:
أحدها وهو الصحيح وقول الجمهور: نعم، لِصِدق ذلك عليه، فلا يخرج إلا بدليل.
ثانيها: لا، لقرينة المشافهة؛ لأن المشافِه غير المشافَه، والمبلِّغ غير المبلَّغ، والآمِر والناهي غير المأمور والمنهي، فلا يكون داخلًا.
ورُدَّ بأن الخطاب في الحقيقة هو من الله للعباد، وهو منهم، وهو مع ذلك مبلِّغ [للأمة] (٢)، فالله هو الآمر الناهي، وجبريل هو المبلغ له، ولا تنافي في كون النبي ﷺ مخاطَبًا
стр. 1334
مخاطِبًا مبلَّغًا مبلِّغًا باعتبارين.
وربما اعتل المانع بأنه ﷺ له خصائص، فيحتمل أنه غير داخل؛ لخصوصيته، بخلاف الأمر الذي خاطب به الناس.
ورُدَّ بأنَّ الأصل عدمُه حتى يأتي دليل.
ثالثها وبه قال الصيرفي والحليمي: لا يدخل إنِ اقترن ذلك بِـ "قُل"، نحو: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ [لأعراف: ١٥٨]، ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ﴾ [الزمر: ٥٣]، وإلا فيدخل.
ورَدَّه إمام الحرمين بأن القول مستندٌ إلى الله تعالى، والرسول مبلِّغ عنه، فلا معنى للتفرقة.
رابعها: يدخل في خطاب القرآن ولا يدخل في خطاب السُّنة. قاله المقتَرح.
تنبيهات
الأول: محل الخلاف حيث لا قرينة تنفي دخوله، نحو: "يا أيها الأمة" أو "يا أمة محمد". أما ذلك فلا يدخل فيه بلا خلاف. قاله الصفي الهندي (١).
وأشار اليه القاضي عبد الوهاب، ومثَّله بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٢٤] الآية؛ لأنَّا المأمورون بالاستجابة.
قال: (ومثله قوله تعالى: ﴿قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠) رَسُولًا﴾ [الطلاق: ١٠ - ١١]، تقديره: اطلبوا رسولًا، على الإغراء). انتهى
الثاني: قيل: لا فائدة للخلاف في هذه المسألة، فإنه ﷺ داخل في الحكم كَـ "الأُمَّة"
стр. 1335
قطعًا.
ورُدَّ باحتمال أن يقول المخالف: إنَّ ذلك بدليل خارجي.
وتظهر فائدته فيما لو فعل ما يخالف ذلك: هل يكون نسخًا في حقه؟
إنْ قلنا: هو داخل، فنسخ. أي: إذا دخل وقت العمل، لأن ذلك شرط المسألة كما سيأتي في كل عام وخاص بعده.
الثالث: مما يشبه هذه المسألة في مدركها أنَّ الشاة مثلًا مِن الأربعين من الغنم تزكي نفسها وغيرها. وكذا الواحد من الأربعين في الجمعة يصحح الجمعة له ولغيره، والنية في الصلاة إذا جعلناها ركنًا تُصحح نفسها وسائر الأركان.
وبه يندفع قول الغزالي: إنها بالشروط أَشبه من حيث إنها لا تتعلق بنفسها بل بغيرها.
نعم، أجاب الرافعي بأنه لا يمتنع أن تصحح سائر الأركان دون نفسها، لعدم احتياجها. قال: (وكأن القائل: "أُصلي" مريد معظم الأركان) (١).
وفيه نظر إذا لم نجعل النية شرطًا، وما ذكرناه أَوْلى.
وقد تعلق بشبهة الغزالي مَن يجعل تكبيرة الإحرام شرطًا ومن يجعل السلام شرطًا. وجوابه ما سبق، والله أعلم.
ص:
٥٨٤ - وَيَدْخُلُ الْعَبْدُ كَذَاكَ الْكَافِرُ ... في مِثْلِ لَفْظِ "الناسِ"؛ فَهْوَ وَافِرُ
الشرح: مِن المسائل المشار إليها أيضا هاتان المسألتان:
стр. 1336
الأُولى: العبيد والإماء داخلون فيما يشملهم لُغة من خطاب الشارع، مثل: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ [البقرة: ٢١]، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ١٠٤].
ومثل "المؤمنين" و"العباد" ونحو ذلك على الأصح من ثلاثة أوجُه حكاها الماوردي؛ لأنهم مكلفون، فلا مانع من دخولهم في لفظ يشملهم لغةً، وعليه أتباع الأئمة الأربعة. فقد نقله ابن برهان عن معظم أصحابنا، وبه قال أيضًا الأستاذ والقاضي أبو الطيب وإلْكِيَا، ونقله القاضي عبد الوهاب عن معظم أصحابهم.
وثانيها: لا يدخلون إلا بدليل؛ لأنهم أتباع الأحرار.
وثالثها: إنْ تَضمَّن الخطاب تعبُّدًا، تَوجه إليهم، أو مُلكًا أو ولاية أو عقدًا فلا.
بل حكى بعضهم الإجماع على عدم خطابهم بالعبادات المالية؛ لأنه لا ملك لهم. وفيه نظر.
قال الهندي: (القائلون بعدم دخول العبيد والكفار -أيْ في لفظ "الناس" ونحوه- إنْ زعموا أنه لا يتناولهم لغةً فمكابرة، وإن زعموا أنَّ الرِق والكفر أخرجهم شرعًا فباطل) (١).
لأن الإجماع أنهم مكلفون في الجملة، أما المبعض فالظاهر تغليب جزء الحرية، فلا يجري فيه الخلاف في العبيد.
المسألة الثانية:
دخول الكفار في لفظ يشملهم لغةً كَـ "الناس" و"أُولي الألباب" ونحو ذلك، وهو الصحيح. وبه قال الأستاذ؛ إذْ لا مانع من ذلك.
ونقل عن بعض أصحابنا أنهم لا يدخلون، ولَعَله لكون الكفار غير مخاطبين بالفروع،
стр. 1337
وسبقت المسألة.
إلا أنَّ المانع هنا أَطلق، ولم يقيد بخطاب الفروع.
نعم، إنْ قامت قرينة بعدم دخولهم أو أنهم هم المراد لا المؤمنون، عُمل بها، نحو: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، لأن الأول للمؤمنين فقط إما نعيم بن مسعود الأشجعي أو أربعة كما نَص عليه الشافعي في "الرسالة" (١)، والثاني لكفار مكة.
لكن قد يقال: إنَّ "اللام" في ذلك للعهد الذهني، والكلام في الاستغراقية.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ [الحج: ٧٣] المراد الكفار؛ بدليل باقي الآية. نَص عليه الشافعي في "الرسالة"، وجعله من العام الذي أُريدَ به خاص (٢).
فقد يُدَّعَى ذلك أيضًا في الآية التي قبلها، فلا تكون "أل" فيها عهدية.
ويتفرع على ذلك أنَّ الذِّمي إذا زنا، هل يرجم؛ من حديث: "الثيب بالثيب رجم بالحجارة "؟
فعندنا يُرجم، وعند الحنفية لا يرجم، لذلك.
أما "الذين آمنوا" و"المؤمنون" ونحو ذلك فلا يدخل فيه الكفار.
لكن ابن السمعاني -بعد أن نقل عن الحنفية أنَّ الخطاب بذلك لا يشملهم- قال: (المختار أنه يعم المؤمنين والكفار؛ لعموم التكليف، وإنما خُص المؤمنون بذلك؛ للتشريف،
стр. 1338
لا للتخصيص، بدليل: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٨]، وقد ثبت تحريم الربا في حق أهل الذمة). انتهى
وضُعِّفَ بأن هذا لأمر خارجي، لا من حيث الصيغة، إما لعموم الشرع، أو للعمومات الشاملة لهم لغةً، أو لغير ذلك. والله أعلم.
ص:
٥٨٥ - كَذَا الْمُضَافُ إنْ يَكُنْ مُعَرَّفَا ... جَمْعًا وَمُفْرَدًا وَلَوْ قَدْ وُصِفَا
٥٨٦ - بِوَحْدَةٍ بِالتَّاءِ أَوْ بِغَيْرهَا ... مِنْ جِنْسِهِ كـ "تَمْرَةٍ" عَرَّفْتَهَا
الشرح: أي: ومن صيغ العموم بالقرينة في الإثبات: المضاف إلى معرفة، وهو معنى قولي: (إنْ يَكُنْ مُعَرَّفَا).
وسواء أكان ذلك المضاف:
- جمعًا، أي: في المعنى؛ ليدخل فيه الجمع بصيغته وما فيه معنى الجمعية من اسم جنس جمعي أو اسم جمع أو نحو ذلك كما سبق نظيره في المحلَّى بِـ "أل".
- أو مفردًا، وهو ما ليس شيئًا من ذلك.
أما الجمع فقد صرحوا به، نحو: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] إلى آخِر المذكورات بصيغة الجمع في الآية.
وفي التشهد: "وعلى عباد الله الصالحين"؛ ولهذا قال ﷺ : "فإنكم إذا فعلتم ذلك فقد سلمتم على كل عبد لله صالح في السماء والأرض" (١).
стр. 1339
وأما المفرد فزعم الهندي في "النهاية" (١) -كما نقله شيخنا بدر الدين الزركشي- أنهم لم يَنصوا على المسألة، وإنما ذلك من قضية التسوية بين الإضافة ولام التعريف.
قال: (لكن قد صرح بالتسوية جماعة) (٢).
وممن صرح بذلك الإمام الرازي في أثناء الاستدلال على أن الأمر للوجوب، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣].
وفي الفروع الفقهية مما يشهد لإفادة المضاف المفرد العموم، لو قال: "إن كان حملك ذكرًا، فأنت طالق طلقة" أو "أنثى، فطلقتين" فولدت ذكرًا وأنثى، لم تطلق؛ لأن المعلق عليه "كل حملها ذكرًا أو أنثى" ولم يوجد.
ويجري مِثله في "تعليق العتق" وغيره.
ومن وروده للعموم قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨]، وقوله تعالى: ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ﴾ [الحاقة: ١٠]، والرسول إلى المؤتفكات موسى وهارون، ونحوه: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦]، وفي الحديث: "منعت العراق درهمها ودينارها، ومنعت الشام قفيزها وصاعها" (٣).
وقال أصحابنا فيمن حلف ليشربنَّ ماء النهر: يحنث في الحال؛ لعموم المضاف وهو محال، فكان نحو: "لأصعدن إلى السماء". وفي وجه: لا يحنث، كما هو قول الحنفية؛ لأن العُرف في مِثله إرادة شيء من ماء النهر.
ويجري في أصل المسألة خلاف مما سبق في المحلى بِـ "أل"، نحو قول أبي هاشم وغيره:
стр. 1340
إنه لا يعم المضاف كما لا يعم المحلَّى. قال: لاستوائهما.
وقول الغزالي في "المستصفى" و"المنخول": (إن كان مما يتميز واحدُه بالتاء ولكن لا يتشخَّص له واحد كـ "الذهب" و"العسل"، فيعم، أو لا يتميز بالتاء بل يتشخص كَـ "الدينار" و"الدرهم" و"الرجُل" فيحتمل العموم) (١).
وسبق أنه خالف ذلك في "المعيار"، وأنَّ ابن دقيق العيد اختار تفصيله السابق.
وقول آخر بالتفصيل بين ما فيه "هاء التأنيث" للوحدةكـ "ضربة" فيحتمل العموم وغيره، وبين ما لا "هاء" فيه كـ "رجل"، أو فيه هاء لا للوحدة بل بُني عليها كـ"صلاة" و"زكاة"، فيعم.
وإلى هذا الخلاف أشرت بقولي في النَّظم: (وَلَوْ قَدْ وُصِفَا بِوَحْدَةٍ بِالتَّاءِ أَوْ بِغَيْرِهَا مِنْ جِنْسِهِ). أي: ولو كان ذلك المضاف متصفًا بأنه واحد إما بالتاء الفاصلة بينه وبين جنسه كَـ "تمرة" و"تمر") وإما بوحدة لا بالتاء كَـ "دينار" و"درهم" و"رجل").
نعم، للقرافي هنا تفصيل آخر بين أن يَصدُق على القليل والكثير نحو: "مالي صدقة" فيعم، وبين أن يَصدُق على الجنس بِقَيْد الوحدة فلا يعم، نحو: "عبدي حر" و"امرأتي طالق".
قال ابن دقيق العيد في "شرح الإلمام": (وقد أشار إليه ابن الحاجب إشارة لطيفة -يعني في "مختصره الكبير" (٢) - حيث قال في [تعداد] (٣) صيغ العموم: والمضاف مما يصلح للبعض
стр. 1341
والجميع) (١).
وهذا التفصيل يقرُب مما سبق عن الغزالي في اسم الجنس المحلى بِـ "أل". قيل: ولعله إنما أخذه منه.
تنبيهات
أحدها: ما سبق في الجمع أو نحوه المحلى بِـ "أل" حيث كان عامًّا هل أفراده جموع؟ أو وحدان؟ يأتي مثله هنا.
ومما يدل على الثاني في باب المضاف ما سبق من قوله ﷺ : "فإنكم إذا فعلتم ذلك فقد سلمتم على كل عبد لله صالح في السماء والأرض" مع أنَّ الصيغة "عباد الله" جمع مضاف، فجعله الشارع شاملًا لكل فرد فرد، ولم يقُل: سلمتم على كل عباد عباد من عباد الله.
ويدل له أيضًا: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود: ٤٥]، ففهم ﷺ من قوله تعالى: ﴿وَأَهْلَكَ﴾ [هود: ٤٠] أن ابنه داخل حتى أجابه تعالى بأنه: ﴿لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود: ٤٦].
وكذا قوله تعالى: ﴿إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ [العنكبوت: ٣١] فَهِم إبراهيم ﵇ العموم لكل واحد واحد، فقال: ﴿إِنَّ فِيهَا لُوطًا﴾ [العنكبوت: ٣٢]، حتى أجابه الملائكة بتخصيص لوطٍ من العموم وأهلِه إلا امرأته.
وفهمت فاطمة ﵂ من قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] أن الولد وارث، وهي ولد واحد، حتى أجابها الصديق ﵁ بقوله ﵇: "إنا معاشر
стр. 1342
الأنبياء لا نورث" (١)، وهو كثير.
ومَن تتبع هذا، يجده غير منحصر، وكذلك التشكيك في اجتماع العموم في جمع القِلة مع تحديده وغير ذلك مما سبق. فليستحضر ما يمكن مجيئه هنا.
الثاني:
حيث قلنا بتعميم المضاف فعمومه أقوى من عموم المحلَّى بِـ "أل" الاستغراقية؛ بدليل أن الإمام الرازي ممن ينفي عموم المحلَّى بِـ "أل" وقد صرح بتعميم المضاف في: ﴿الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: ٦٣] كما سبق.
قال السبكي في "شرح المختصر": (ولذلك لو حلف لا يشرب الماء، حنث لشرب القليل؛ لعدم تناهي أفراده، فلما استحالت إرادة الجميع، انتقل لأحد محامل اللام وهو الجنس، ولو حلف لا يشرب ماء البحر، لم يحنث إلا بِكُله؛ لأن عموم الإضافة أقوى، وكأنه قال: "ماء البحر كله") (٢). انتهى
وتوجيه ذلك أن "لا يشرب الماء" "اللام " فيه تحتمل الاستغراق والجنس، فاستحالة الاستغراق قرينة إرادة الجنس، وليس للمضاف إلا وجه واحد وهو الاستغراق، فاستمر عليه.
ثم قال: (ولو كتب الزوج بِطلاق زوجته عند بلوغ الكتاب، فبلغها وقد انمحى موضع الطلاق أو سقط، فالأصح: لا يقع؛ لأنه لم يبلغها جميع الكتاب. وقيل: يقع. وقيل: إن قال: "إذا جاءك كتابي"، يقع؛ لأنه قد جاءها كتابه. وإن قال: "إذا جاءكِ الكتاب" لم يقع؛ لأنه لم
стр. 1343
يَجِئها جميعه، وكذا إذا قال: "إذا جاءك كتابب هذا"؛ لتأكيد المفرد المضاف باسْم الإشارة، فقد جعل على هذا الوجه عموم الإضافة أقوى) (١). انتهى
وفيه نظر؛ لأن مدْرَك هذا الوجه أنه أرادبِ "الكتاب" المجموع، وتعليله بأنه لم يجئها جميعه يرشد إلى ذلك، فأين العموم فيه الذي قُدِّم عليه عموم الإضافة؟
وإنما يقال: (أقوى) إذا كان كل منهما للعموم، اللهم إلا أن يريد أنه محتمل للمجموع، فأشبه الفرع الذي قَبْله في احتمال الجنسية، ولا كذلك المضاف؛ فإنه لا يحتمل إلا وجهًا واحدًا، فيصح.
الثالث:
لو قال: "زوجتي طالق" وله زوجات، لمَ لا يطلق الكل؛ لأن المضاف يَعُم كما هو قول ابن عباس وأحمد فيما حكاه الروياني في "البَحر"؟
قال: لأنَّ الواحد يُعبر به عن الجنس، مِثل: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ﴾ [البقرة: ١٨٧] المراد: ليالي الصيام. ثم أجاب بأنه مجاز، والكلام محُال على الحقيقة ما أمكن. انتهى
وفيه نظر؛ لأن العموم في المضاف حقيقة، والتفريع عليه، وإنما يجاب عنه بما سبق في المحلى بِـ "أل" من قوله: (الطلاق يلزمني) من اقتضاء العُرف ذلك، ولا يأتي جواب السبكي هنا؛ لأن الكلام في زوجاته.
أما لو قال: "مالي صدقة"، فإنه يعم؛ إذْ لا عُرف فيه؛ ولهذا استدل على إباحة السمك الطافي بحديث: "والحل ميتته" (٢).
стр. 1344
الرابع:
قيل: يُستثنى من محل الخلاف في المضاف لفظ "بعض" و"نصف" و"ثلث" و"ربع" ونحو ذلك؛ إذْ لو اقتضى العموم، لَمَا كان فرقٌ بين الحكم على البعض والحكم على الكل، وينبغي أن يخصص ادعاء ذلك بما إذا لم تَدْع للعموم ضرورة، نحو: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٥٥]؛ لاستحالة أن يفضل كل واحد على كل من سواه، فتفوت الأفضلية للبعض.
فإنْ دعت الضرورة للعموم، فهو عام، نحو: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥]، ﴿فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾ [سبأ: ٤٢]، ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [الصافات: ٥٠]، ﴿اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [الأعراف: ٢٤]، على أن في عموم بعض هذه الأمثلة نظرًا، والله أعلم.
ص:
٥٨٧ - كَذَاكَ في سِيَاقِ نَفْيٍ نَكِرَهْ ... وَمنْهُ: "لَا يَسْتويان"، وَاذْكُرَهْ
٥٨٨ - في نَحْوِ: "لَا أَكلْتُ"، أَوْ سِيَاقِ ... نَهْيٍ أَوِ الشَّرْطِ إذَا [يُلَاقِي] (١)
٥٨٩ - كَذَاكَ الِاسْتِفْهَامُ، نَحْوُ: "هَلْ رَجُلْ؟ " ... وَفي سِيَاقِ الِامْتِنَانِ ذَاكَ قُلْ
الشرح: قد سبق أنَّ مِن أقسام العام لغةً ما يكون في النفي أو معناه، فذكرتُ في هذه
стр. 1345
الأبيات منه أربع مسائل، وخامسة من غيره ذكرتها استطرادًا.
الأولى:
النكرة في سياق النفي، سواء باشرها النافي وهو "ما" و"لا" و"لاتَ" و"ليس" و"لَمْ" و"إنْ" والفعل المستعمل فيه نحو "قَلَّما رجل يفعل كذا إلا بكذا" أو لم تباشره أداة النفي، خلافًا للآمدي في قوله في "الأبكار": إن ما لم تباشره لا يعم.
حتى زعم بعضهم أن التعبير بكون "النكرة في النفي "أحسن؛ لأنه أعم، بخلاف السياق، فإنه قاصر على محل خلافية الآمدي، لكن الظاهر أن السياق يدخل فيه ما باشر النافي وما لم يباشر.
وبالجملة فيُرد على الآمدي بقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ [الأنعام: ٩١] ردًّا على مَن قال: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٩١]، فلو لم يكن عامًّا لَمَا حصل به الرد.
ومما استُدل به على أن النكرة في النفي عامة أنه لو لم يكن كذلك لَمَا كان قولنا: "لا إله إلا الله" نفيًا لدعوى مَن ادَّعى إلهًا سوى الله. ذكره الإمام الرازي.
نعم، من النكرة في النفي ما هو نَص، ومنها ما هو ظاهر في العموم.
فالأول:
إما لكون النكرة لا تقع إلا في نفي وشبهه، نحو: "ما فيها ديار" أو "داعٍ" أو "غريب" أو "أحد" إذا لم تُقَدر همزته بدلًا من واو "واحد" فإن ذلك يكون في الإثبات نحو: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١]
وإما لكونها مما يصدق على القليل والكثير، نحو: "ما فيها شيء".
وإما أن يكون اسمًا لـ "لا" العاملة عمل "إنَّ"، نحو: "لا حول ولا قوة إلا بالله" سواء
стр. 1346
بُنيت كما مثلنا أو لم تُبن نحو: "لا غلام سفر قادم" و"لا طالعًا جبلًا ظاهر"، ونحو ذلك مما اختل فيه شرط التركب مع "لا".
وإما أن تكون مقترنة بـ "مِن" المزيدة لتنصيص العموم أو تأكيده كما قاله في "التسهيل".
فالأول نحو: "ما في الدار مِن رجل"، والثاني نحو: "ما فيها مِن ديار"؛ لأن العموم فيها نَص كما قدمنا بدون "مِن"، فدخولها مؤكِّد، بخلاف الأول فإنه محتمِل قبل دخول "مِن" لإرادة نفي الواحد أو الجنس وإنْ كان مرجوحًا فبدخول "مِن" صار نصًّا في العموم.
وسواء في مَدْخول "من" [أن] (١) يكون مبتدأ نحو: ألَا لا من سبيل إلى هند.
أو فاعلًا، نحو: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ [الأنبياء: ٢].
أو مفعولًا، نحو: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤].
أو اسم كان، نحو: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ [الإخلاص: ٤].
أو مفعولًا أولًا في "باب ظن" أو نحو ذلك.
نعم، يُنبه في هذا القسم على أمرين:
أحدهما: أن المفيد للعموم الذي فيه "مِن" لتنصيص العموم هل هو "مِن"؟ أو النفي؟
الراجح الثاني؛ لأنها كانت للعموم فيه ظاهرًا، فلم تُفِد "مِن" إلا جعله نصًّا.
ثانيهما: أن "مِن" الداخلة على النكرة مطلقًا هل تحتمل معنى آخر؟
قيل: نعم، تكون للتبعيض ولابتداءِ الغاية.
قال ابن مالك: (في كلام سيبويه إشارة إلى أنها للتبعيض، أيْ إذْ قال في "ما أتاني مِن
стр. 1347
رجل": إنَّ "مِن" أُدْخِلت؛ لأن هذا موضع تبعيض) (١). هذا نصُّه.
وقد استشكل أبو حيان مجامَعة التبعيض للعموم؛ إذ يصلح موضعها "بعض"، وهو ينافي العموم.
قيل: والحامل له على ذلك اعتقاده أنَّ "مِن" هي المفيدة للعموم. ولكن سبق أن الراجح خلافه.
فعَلَى الراجح -وهو أن المفيد له النفي- لا ينافيه؛ لأن النفي كأنه منصب على كل بعض بعض إشعارًا بشمول كل بعض، وهو حقيقة العموم.
الثانى: وهو ما ليس نصًّا:
وهو النكرة في النفي في غير الصُّوَر المذكورة في القسم الأول، نحو: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ﴾ [الصافات: ٤٧]، و"ما مررت برجل"، و"ليس في الدار رجل"، ونحو ذلك.
وقد اختُلف في عموم النكرة فيه على قولين:
أحدهما: لا، وهو قول المبرد كما حكاه أبو حيان في "الارتشاف" في "باب حروف الجر"، واختاره القرافي وحكاه عن سيبويه وعن الجرجاني والزمخشري إذ قال في قوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩]: إنَّ العموم استُفيد من لفظة "مِن"، وكذا ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [الأنبياء: ٢] الآية، وإنَّ "مِن" تارة تكون لإفادة العموم نحو ما تقدم، وتارة لتوكيد العموم نحو: "ما جاء في من أحد".
ولكن يحتمل أن مراد الزمخشري: لا تفيده نصًّا، بل ظهورًا؛ بدليل مقابلته بتوكيده، فيكون جاريًا على ما قررناه، ولأن قوله: (إنَّ "مِن" هي المفيدة للعموم) لو حمل على إفادة
стр. 1348
أصل العموم، لكان هو القول المرجوح فيما سبق.
فإذا أُوِّل على إفادته نَصِّيَّته، كان مطابقًا للراجح وهو أنَّ النفي هو المفِيد له.
ونقله أيضًا القرافي عن ابن السيد تمسكًا بقوله: إنَّ "لا رجلَ في الدار" بالبناء على الفتح جواب لمن قال: "هل في الدار مِن رجل؟ " فإنه سؤال عن مفهوم مطلق الرجل. وإنَّ "لا رجُل" بالرفع جواب لمن قال: "هل في الدار رجل واحد؟ "، فلذلك يُقال في هذا: "بل رجلان".
ويمكن حمل كلامه على الفرق بين النصية والظهور، لا أنه لا عموم فيه أصلًا.
وتبع القرافي في نقل ذلك عن مَن سبق الأصفهاني في "شرح المحصول"، وحكاه الأبياري في "شرح البرهان" والقرطبي في أصوله عن النحاة، قال: (وإن كان ظاهر كلام الأصوليين التسوية بينها وبين المبنية على الفتح).
والقول الثاني: إنها تعم، وهو ظاهر إطلاق الجمهور، ونقله أبو حيان عن سيبويه وأن "مِن" إذا دخلت في مثل هذا فإنما هي لتأكيد الاستغراق.
وكذا نقله عن سيبويه أيضًا إمام الحرمين في كلامه على حروف المعاني، فقال: (قال سيبويه: إذا قلت: "ما جاءني رجل" فاللفظ عام، ولكنه يحتمل أن يريد "ما جاءني رجل، بل رجلان" -كما يعدل عن الظاهر في نحو: "جاء الرجال إلا زيدًا" (١) - فإذا قلت: "ما جاءني من رجل" اقتضى نفي جنس الرجال على العموم من غير تأويل) (٢). وهذا صريح في تقرير القول المرجح.
لكن قال القرافي أنه لم يجد هذا النص في كتاب سيبويه وأنه سأل عنه مَن هو عالم
стр. 1349
بالكتاب، فقال: لا أعرفه.
ورُد ذلك بأن مَن حفظ حُجةٌ على مَن لم يحفظ.
وقد صنف ابن خروف في ما نقله إمام الحرمين عن سيبويه ولم يجده في كتابه، ولم يذكر هذا الموضع منه.
وما نقله القرافي عن سيبويه إنْ ثبت فيُحمل على إرادة نفيه للعموم نصًّا، لا ظهورًا؛ جمعًا بينه وبين هذا النص، وكذا غيره كما سبق.
وأما قول "جمع الجوامع": (نصًّا إنْ بُنيت على الفتح، وظاهرًا إنْ لم تُبن) (١) فحسن من حيث إنه جمع بين القولين مِن غير أن لا يبقى في المسألة خلاف، إلا أنه قاصر من حيث إن النصية تكون في مواضع أخرى وإن لم تُبْن كما قررناه.
تنبيهات
الأول: إذا قلنا بأن النكرة في النفي للعموم فظاهر كلام الحنفية -واختاره السبكي- أن ذلك من حيث إن النفي إذا ورد على الماهية، لزم منه انتفاء الأفراد المتضمنة لها، فالعموم فيه لزوم، لا بالذات.
وظاهر قول غيره من الشافعية -واختاره القرافي- أن ذلك بالذات، وأن النفي إنما هو للأفراد؛ بدليل جواز الاستثناء، والماهية لا يستثنى منها، بل من الأفراد.
لكن فيه نظر؛ لأنَّ الأفراد مُراد نفيها قطعًا سواء بالمطابقة أو اللزوم، فالاستثناء سائغ على كل حال.
стр. 1350
ويبنى على الخلاف التخصيص بالنية، فإنْ قلنا يقول الحنفية فلا يؤثر، حتى لو قال في اليمين: "لا أكلت" ونوى معينًا، لا يُسمع. وإنْ قلنا يقول الآخر، فيؤثر وُيسمع. وسيأتي في هذه المسألة مزيد بيان.
وقال القاضي تاج الدين السبكي في "منع الموانع": (المختار في المبني على الفتح أن العموم باللزوم، وفي غيره أن العموم بالذات) (١).
ولا يظهر لهذا التفصيل وجه، على أنه قد سبق في تقرير العموم في الصيغ ما يؤيد قول الشافعي في المسألة، فراجعه.
الثاني: محل كون النكرة في النفي للعموم -كما قاله السهروردي في "التنقيحات"- ما إذا لم يقصد سلب العموم في الحكم، نحو: "ما كل عدد زوجًا"، فإنَّ المقصود إبطال قول مَن قال: "كل عدد زوج"، ففرق بين عموم السلب وسلب العموم.
الثالث: هل يقال: إن العام هو النكرة في النفي بلا زيادة على ذلك؟ أو بزيادة عليه وهو أن العموم لضرورة تصحيح الكلام؟
ذهب أبو الحسين في "المعتمد" إلى الأول، والإمام الرازي إلى الثاني. وكذا قال إلْكِيَا والدبوسي.
قيل: وهو الحق.
ولعل فائدة الخلاف في ذلك تظهر في التراجيح.
الرابع: محل عموم النكرة في النفي إذا كانت مفردًا، فإن كانت جمعًا أو ما في معناه نحو: "ما رأيت رجالًا" فقال أبو هاشم: لا تعم؛ بدليل: ﴿مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ
стр. 1351
الْأَشْرَارِ﴾ [ص: ٦٢].
وصححه إلْكِيَا، قال: (لأن الإبهام في النكرة اقتضى الاستغراق، فإذا ثُني أو جُمع، زال الإبهام، ويَحسُن أنْ يقال حينئذٍ: "ما رأيت رجالا، بل رجلين").
وظاهر كلام الغزالي ترجيحه أيضًا، وقال القاضي: هو كالنفي للواحد في الاستغراق.
وقد سبق في مسألة أن "عموم الجمع هل أفراده جموع؟ أو وحدان؟ " كلام صاحب "التلخيص" في البيان وإيضاحه ما يوضح هذا البحث، فراجعه.
قولي: (وَمنْهُ: "لَا يَسْتَوِيَانِ"، وَاذْكُرَهْ في نَحْوِ: "لَا أَكَلْتُ") إشارة إلى مسألتين مفرعتين على أن "النكرة في النفي للعموم"، ولكن فيهما خلاف من وجه آخر:
الأُولى:
نفي الاستواء وما في معناه من التساوي والمساواة والتماثل والمماثلة ونحو ذلك سواء فيه نفيه في فعل مثل: "لا يستوي كذا وكذا" أو في اسم مثل: "لا مساواة بين كذا وكذا" هل يعم كل استواء؟ أو لا؟
قولان:
بأولهما قال جمهور أصحابنا، وعليه جرى الآمدي وابن الحاجب وغيرهما.
وبالثاني قال أبو حنيفة وأصحابه والمعتزلة والغزالي والإمام الرازي وأتباعه كالبيضاوي.
وأثر الخلاف في:
الاستدلال على أن المسلم لا يقتل بالذمي بقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ الحشر: ٢٠] فلو قيل به، لثبت استواؤهما.
والاستدلال على أن الفاسق لا يلي عقد النكاح بقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ
стр. 1352
كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة: ١٨]؛ إذ لو قلنا: يَلِي، لاستوى مع المؤمن الكامل وهو العدل. فإنِ ادُّعِي أن الفاسق في الآية إنما أريد به الكافر بدليل مقابلته بالمؤمن، قلنا: ففيه دلالة على أن الكافر لا يكون وليًّا على المؤمنة.
ومَن نفى العموم في الآيتين، لا يمنع قصاص المؤمن بالذمي ولا ولاية الفاسق.
فإن قلتَ: قوله تعالى: ﴿هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [الحشر: ٢٠] قرينة على أن المراد نفي الاستواء في الآية بالفوز، لا مطلقًا، وكذا قوله عقب الآية الأخرى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٦] إلى آخره -قرينة أن المراد نفي الاستواء في دخول الجنة.
قلتُ: لا قرينة في ذلك، غايته أنه ذكر بعض أفراد العموم، ولا يخصِّص على الصحيح.
ومن أمثلة المسألة أيضًا: قوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ [آل عمران: ١١٣] , وفي الجاثية ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ﴾ [الجاثية: ٢١] الآية -على قراءة ﴿سَوَاءً﴾ بالنصب، وفي الحديد: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ [الحديد: ١٠] وفي الزمر: ﴿هَلْ يَسْتَوِيَانِ﴾ [الزمر: ٢٩] , ونحو ذلك.
إذ لا فرق -كما سبق- في نفي النكرة الدالة على الاستواء بين أن يكون فعلًا أو اسمًا.
واعلم أن مأخذ القولين في المسألة أن "الاستواء في الإثبات" هل هو من كل وجه في اللغة؟ أو مدلوله لغةً الاستواء من وجه ما؟
فإن قلنا: من كل وجه، فنفيه مِن سلب العموم، فلا يكون عامًّا.
وإن قلنا: من بعض الوجوه، فهو من عموم السلب في الحكم؛ لأن نقيض الإيجابِ الكُلي سَلْبٌ جُزئي، ونقيض الإيجابِ الجزئي سَلْبٌ كُلي.
ولكن كون الاستواء في الإثبات عامًّا من غير صيغة عموم -ممنوع، غايته أن حقيقة
стр. 1353
الاستواء [ثبتت] (١).
وأعجب من ذلك احتجاج الإِمام الرازي وأتباعه بأن نفي الاستواء أعم مِن نَفْيه من كل وجه ومن نَفْيه مِن بعض الوجوه، والأعم لا يَلزم منه الأخص.
وهو مردود -كما قاله ابن الحاجب وغيره- بأنَ ذلك في الإثبات.
أما نفي الأعم فيلزم منه انتفاء الأخص، كنفي "الحيوان" نفي للإنسان.
هذا إن سَلَّمنا أنَّ الاستواء عام له جزئيات.
أما إذا قلنا: [حقيقة] (٢) واحدة، فإنه يلزم مِن نَفيها نفي كل متصف بها.
وقد استدل مَن نفى العموم في المسألة أيضًا بأنه لو عَمَّ، لم يَصْدُق؛ إذ لا بُدَّ بين كل شيئين من مساواة ولو في نفي ما سواهما عنهما.
وجوابه أنه إنما ينفي مساواة يصح انتفاؤها, لا كل مساواة؛ لأن ذاك مدرك إرادته بالعقل.
وفي كلام إلْكِيَا حكايته قول ثالث، وهو حكايته عن قوم أنه من باب المجمل؛ لأنه يحتمل من كل وجه ومن الوجه الذي قد ذكر في الآيتين الأولتين، وهو قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [الحشر: ٢٠] وكذا التفصيل في الأخرى؟ إذ معناه: "لا يستوون في الفوز بالجنة".
وعليه جرى الهندي، إذ قال: (الحق أن قوله: ﴿يَسْتَوِي﴾ أو ﴿لَا يَسْتَوِي﴾ من باب المجمل ومن باب المتواطئ، لا العام) (٣). انتهى
стр. 1354
وقد سبق أن ذلك مِن ذِكر بعض أفراد العام، ولا يلزم منه أن يبقى مجملًا.
ونظير هذا الخلافِ الخلافُ في قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ [آل عمران: ٣٦] هل هو عام حتى إذا خرج منه شيء يكون تخصيصًا بدليل؟ أو مجمل؛ لأنا نعلم بالضرورة تساويهما في الإنسانية وغيرها؟
والأرجح الأول؛ لعموم نفي المشابهة؛ فلذلك يحتج به على أن المرأة لا تكون إمامًا ولا قاضيًا ولا إمامة في اقتداء المذكور بها وغير ذلك؛ عملًا بالعموم.
وأما كون تساويهما في الإنسانية فذاك خارج من المراد كما سبق، ومن ثَم امتنع اجتماع المثلين.
قال ابن دقيق العيد: (لفظ "المثل" قال على المساواة بين الشيئين إلا فيما لا يقع التعدد إلا به).
وفي شرح "جمع الجوامع" لشيخنا بدر الدين الزركشي أن المصنف (يعني تاج الدين السبكي) قد اختار أمرًا آخر غير ما سبق، وهو أنَّ لفظ "المساواة" المراد به المعادلة، والسواء: العدل، و"فلان لا يساويه" أي: لا يعادله ولا يكون وزانه، ومنه قوله: وليس سواء عالم وجهول. وقوله:
وأَعْلَمُ إنَّ تسليمًا وتركًا ... لَلَا متشابهان ولَا سَوَاء
أي: لا يتعادلان ولا قريبًا من المعادلة، وإذا كان معناه المعادلة والمكافأة، كان هذا معناه نفيًا وإثباتًا. وحينئذٍ فيتوقف الاستدلال بالآية على عدم القصاص في الكافر وعدم ولاية الفاسق بالآية الأخرى على أنه ليس بكفء وأن الكفاءة معتبرة (١). انتهى ملخصًا.
стр. 1355
ولا يخلو من نظر لمن تأمله.
المسألة الثانية:
الفعل المنفي هل يعم حتى إذا وقع في يمين نحو: "والله لا آكل" أو "لا أضرب" أو "لا أقوم" أو "ما أكلت" أو "ما قعدت" ونحو ذلك ونوى تخصيصه بشيء، يُقبل؟ أو لا يعم فلا يقبل؟
يُنظر: إما أن يكون الفعل متعديًا أو لازمًا، فالأول هو الذي يُنصب فيه الخلاف عند أكثر الأصوليين كما سنذكره.
فإذا نُفي ولم يُذكر له مفعول به، ففيه مذهبان:
أحدهما قول الشافعية والمالكية وأبي يوسف من الحنفية: إنه عام.
وثانيهما وبه قال أبو حنيفة: لا يعم. واختاره القرطبي من المالكية والإمام الرازي من الشافعية.
ومنشأ الخلاف أنَّ المنفي الأفراد، فيقبل إرادة التخصيص ببعض المفاعيل به؛ لعمومه؟ أو المنفي الماهية ولا تَعدد فيها؛ فلا عموم؟
وقد سبق أن الأصح هو الأول، وبنوا عليه أن الحالف إذا قال: "إن تزوجت أو أكلت أو شربت أو سكنت أو لبست" ونوى شيئًا دون شيء، لا يُقبل.
فإنْ ذَكر المفعول به كـ "لا آكل تمرًا" أو "لا أضرب زيدًا" فلا خلاف بين الفريقين في عمومه وقبوله التخصيص.
لكن فرق الحنفية بأن المفعول به إذا لم يذكر، يكون النفي منصبًّا على حقيقة الأكل وماهيته، وإذا ذكر المفعول به، توجَّه النفي إليه، فكان الفعل المتعلق به عامًّا يقبل التخصيص.
стр. 1356
ورُد بأن المقدَّر في حكم المذكور، فلا فرق.
نعم، ألحقَ أبو حنيفة بذكرِ المفعول به ما إذا أتى بعد الفعل بمصدره كـ "لا آكل أكلا"؛ لأنه إذا ذكر، تقيَّد الفعل به، فكان كالمفعول به.
وأجيب عنه بأنه وإن لم يذكر فلم يخرج عن دلالة الفعل عليه؛ لأنه مضمونه، فكان كالمذكور.
وربما قرروا قوله بأن المصدر يدل على المرة، فجاز أن يراد به خاص.
وجوابه: أن المصدر المؤكد لا يدل إلا على الحقيقة؛ فلهذا كان مؤكدًا.
واعلم أن الإِمام الرازي لما اختار مذهبهم قال: (نَظرُ أبي حنيفة فيها دقيق؛ لأن النية لو صحت لصحت إما في الملفوظ أو غيره، والأول باطل؛ لأن الملفوظ هو الأكل وهو ماهية واحدة لا تقبل التعدد. فإن أُخِذَت مع زيادة عليها فتعددها بحسبه، وحينئذ فتقبل التخصيص. فإذا لم تكن تلك الزيادة، فلا تَعدد، فلا تقبل تخصيصًا. وأيضًا أجمعنا على أنه لو نوى التخصيص بالزمان والمكان، لم يصح، فكذا إذا نوى تخصيص المفعول به بشيء دون شيء) (١). انتهى بمعناه.
ورُد بأن الماهية إنما لا تتعدد إذا لم يدخل عليها النفي؛ لأنها حينئذ من قبيل المطلق. فإذا نفيت، فلا بُد من نفي جميع الأفراد؛ ضرورة انتفاء الماهية، سواء قلنا: النفي للأفراد بالذات، أو: باللازم لنفي الماهية.
فتبيَّن أن النظر الدقيق إنما هو لأصحابنا.
وأما دعوى الإجماع على عدم صحة التخصيص بزمان أو مكان وقياس المفعول به
стр. 1357
فممنوعان.
أما الأول: فالشافعية لا فرق عندهم في صحة إرادة التخصيص بين المفعول به وبين الزمان والمكان ونحوهما، وقد نص الشافعي على أنه إذا قال: "إن كلمت زيدًا فأنت طالق" ثم قال: "أردت شهرًا" أنه يصح ويُقبل منه.
وأما الثاني -وهو القياس عليه- فلو سلم، أمكن الفرق بأن المفعول به من مقومات الفعل المتعدي وجودًا وذهنًا، إذ لا يوجد ولا يُعقل إلا به. وأما الزمان والمكان فمتعلِّقان بالفاعل حيث افتقر، وإلا فأفعال الله تعالى لا تفتقر لزمان ولا مكان.
ومما ضعِّف به قول الحنفية أنهم وافقوا في الفعل المذكور على جواز تخصيصه باللفظ بخلاف النية، وعللوه بأن النية ضعيفة، فلا تقوى على تخصيص المقدَّر. فناقضوا في جعله عامًّا لقبول التخصيص باللفظ، غير عام لعدم قبوله التخصيص بالنية.
ثم هو على العكس مما ذكروه؛ فإن الضعيف يقوى على تخصيص الضعيف ما لا يقوى على القوي، فإذا كان يَقْوَى على تخصيص القوي وهو المفعول إذا ذُكر، فأَولى أن يقوى على تخصيصه إذا لم يُذكر وكان مُقدرًا.
ومن هنا يُعلم ضعف رد القرافي عليهم بمثل قوله تعالى: ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف: ٦٦]؛ لأنه ليس محل النزاع، إنما محله التخصيص بالنية.
تنبيهات
الأول: ظاهر كلام إمام الحرمين والغزالي والآمدي والهندي أن الخلاف لا يجري في الفعل القاصر حتى يجوز التخصيص باعتبار المصدر المضمن له بالنية قطعًا.
لكن القاضي عبد الوهاب في "الإفادة" أطلق الفعل، فاقتضى أنْ لا فرق، فقال: الفعل
стр. 1358
في سياق النفي هل يقتضي العموم كالنكرة في سياق النفي؛ لأن نفي الفعل نفي للمصدر، فإذا قلنا: "لا يقوم زيد"، كأنَّا قلنا: "لا قيام"؟ أوْ لا؟ إلى آخِره.
وربما وقع في تمثيل الغزالي المسألة بأفعال قاصرة وإن كان موضوع المسألة فيما له مفعول، فمثَّل بِـ "إنْ ضربت -أو إن خرجت- فأنت طالق" ونوى الضرب بآلة بعينها أو الخروج من مكان بعينه، مع أن ترجمة المسألة ليس فيها التخصيص بالنية في الآلة ولا في فعل قاصر في المكان، اللهم إلا أن يريدوا بتعدي الفعل ما هو أعم من التعدي بنفسه أو بالحرف.
وقولي في النظم: (في نَحْوِ: "لَا أَكَلْتُ") يحتمل نحوه في كونه فعلًا أو في كونه فعلًا متعديًا.
ومن أمثلة العموم في اللازم قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ [طه: ٧٤] , ﴿وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: ٣٦] ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ [فاطر: ٣٦] , ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى﴾ [طه: ١١٨].
الثاني: إذا قال: "إن أكلت" فهو مثل: "لا أكلت"؛ لِمَا سيأتي من كون النكرة في سياق الشرط للعموم كالنفي، فمِن ثَّم جمع بينهما ابن الحاجب وغيره.
وإن كان ابن السبكي جعل ذلك ضعيفًا، إذ قال: ("لا أكلت"، قيل: و"إنْ أكلت") (١).
لأنه يحمل كلام مَن قال: (النكرة في سياق الشرط للعموم) على العموم البدلي، لكن سيأتي رد ذلك وأن المراد الشمولي.
ولا تظن أني أسقطتُ ذلك في النظم اختيارًا مني لهذا، بل لأني لما ذكرتُ أن النكرة في الشرط تعم، كان ذلك مُكتفًى به؛ لأنه والنفي في ذلك سواء.
стр. 1359
الثالث: لا يختص جواز التخصيص بالنية بالعام، بل يجري في تقييد المطلق بالنية؛ ولذلك لما قال الحنفية في "لا أكلت": (إنه لا عموم فيه، بل مطلق، والتخصيص فرع العموم)، اعتُرض عليهم بأنه يصير بالنية تقييدًا لمطلق، فَلِمَ [منعوه] (١)؟
نعم، إذا قلنا بجواز الأمرين بالنية، فيقال: كيف خالفت الشافعية ذلك في فروع؟ منها إذا قال: "كل امرأة لي طالق" أو "نسائي طوالق" وعزل بعضهن بالنية، لا يقبل.
وكذا لو قال: "أنت طالق ثلاثًا" وأراد تفريقها على الأقراء أو أراد "إذا جاء رأس الشهر"، على الصحيح في الكل.
وجوابه أنه إنما لم يُقبل؛ لأنه ادَّعى خلاف الظاهر، بخلاف مسألة: "لا أكلت" و"إن أكلت"، فإنه إذا نوى مأكولًا خاصًّا، فليس فيه مخالفة الظاهر.
ولهذا قلنا في المسائل السابقة: إنه مع نفي القبول يُديَّن إلا إذا رفع بالكلية، كما إذا قال: "أردت إن شاء الله" على ما ذكره كُبراء المذهب.
ولو أَقرَّ في صك أنه لا دعوى له على زيد ولا طلب بوجه من الوجوه ثم قال: "أردت في عمامته -أو قميصه- لا في داره وبستانه"، قال القاضي أبو سعد: هذا موضع تردد، والقياس قبوله؛ لأن غايته تخصيص عموم، وهو محتمل.
قال النووي: (الصواب لا يقبل في ظاهر الحكم، لكن له تحليفه أنه لا يعلم أنه قصد ذلك).
الرابع: حكى الغزالي عن الحنفية أنهم ردوا هذه المسألة إلى أنه من المقتضَى، وهو لا عموم له.
стр. 1360
ورَدَّه بالفرق بينهما من جهة أن المقدَّر في المقتضى إنما هو لِيَتم الكلام به، وأما المفعول فإن الفعل يدل عليه بصيغته ووضعه، فَـ "الأكل" يدل على "مأكول" لا من جهة الاقتضاء، بل من نفس اللفظ.
قيل: وفيما قاله نظر؛ فإن الذي هو من دلالة اللفظ بوضع الفعل إنما هو المصدر؛ لدلالة الفعل عليه مع الزمان المحصل، أما بقية المفاعيل -وكذا الفاعل- إنما دلالته عليه باللزوم، لا بالصيغة والوضع.
المسألة الثانية من مسائل الأصل:
" النكرة في سياق النهي" للعموم؛ لأنه في معنى النفي كما صرح به أهل العربية، نحو: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣، ٢٤].
ويجري فيه ما سبق فيما يختص بالنفي، نحو: "لا تضرب من أحد"، أو لا يختص، نحو: "لا تضرب من رجل"، ويدخل أيضًا الفعل المنهي عنه، نحو: ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ﴾ [طه: ٨١] , ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [الإسراء: ٣٢] , ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الإسراء: ٣٣] ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨].
الثالثة:
" النكرة في سياق الشرط" للعموم أيضًا، نحو: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ [فصلت: ٤٦] , ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ [التوبة: ٦] ونحو ذلك؛ لأنه في معنى النفي؛ لكونه تعليق أمر لم يوجد على أمر لم يوجد.
وقد صرح إمام الحرمين في "البرهان" بإفادته العموم، ووافقه الأبياري في شرحه، وهو
стр. 1361
مقتضَى كلام الآمدي [و] (١) ابن الحاجب في مسألة: "لا أكلت" و"إن أكلت" كما سبق.
وزعم بعضهم أن المراد بعمومه "العموم البدلي" لا "الشمولي" كابن السبكي في "شرح المنهاج"، كأنه أخذ ذلك من أن أداة الشرط إما للتكرر وهي "كلما" أو لغيره وهي باقي الأدوات، ولكن هذا لا ينافي العموم وإلا لم تكن أدوات الشرط للعموم وقد سبق أنها مِن صِيَغِه.
ويدل على ذلك أن المراد في نحو: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ﴾ أنه لو استجاره واحد أو الكل، كان الحكم فيهم ما ذُكر، فلولا العموم لاقتصر على إجارة واحد، فإذا استجار بعده أحد، لا يجيره، كـ "أعتق رقبة" لا يختص؛ لأن عمومه بدلي، حتى إذا أعتق واحدة، لا يَلزم أن يعتق بعدها شيئًا.
والتكرير في "كُلما" إنما هو في واحد، نحو: "كلما جاءك زيد فأعطه درهمًا". وهو واضح.
الرابعة:
النكرة في سياق الاستفهام الإنكاري تعم أيضًا؛ لأنه في معنى النفي كما صُرِّح به في العربية في "باب مسوغات الابتداء وصاحب الحال" وفي "باب الاستثناء" وفي "الوصف المبتدأ المستغني بمرفوعه عن خبر" عند مَن يشترط [تقدُّم نَفْي] (٢) أو ما في معناه، نحو: "هل قائم زيد؟ "، وفي غير ذلك.
قال تعالى: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ [مريم: ٩٨] , ﴿هَلْ تَعْلَمُ
стр. 1362
لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥] , فإن المراد نفي ذلك كله؛ لأن الإنكار هو حقيقة النفي.
المسألة الخامسة:
وهي المذكورة استطرادًا بعد ما ذُكر من صيغ العموم لغةً بقرينة في النفي: "النكرة في سياق الامتنان"، وهي للعموم كما ذكره القاضي أبو الطيب في "تعليقه" في الكلام في قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] , وجرى عليه ابن الزملكاني في كتاب "البرهان".
قيل: والقول بذلك مأخوذ من قول البيانيين في تنكير المسند إليه: إنه يكون للتكثير، نحو: "إنَّ له لإبلًا" و "إن له لغنمًا". وعليه حمل الزمخشري ﴿أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا﴾ [الشعراء: ٤١] , وكذا قرره في قوله تعالى: ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ (١٢)﴾ [الغاشية: ١٢] , ولكن في أخذ العموم من ذلك نظر؛ إذْ لا يَلزم من الكثرةِ الاستغراقُ.
قلت: مرادهم بالكثرة البلوغ إلى غاية لا تدرك، مبالغةً في الكثرة، لا كثرة ما وإن كان ذلك على وجه الادعاء، وحينئذٍ فهو معنى العموم؛ فإنهم قالوا فيه: (إنه الاستغراق من غير حصر) كما سبق.
ونظير ذلك ما قالوه في نحو: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك: ٤] , وفي نحو: "لبيك وسعديك" من كون المراد الكثرة بلا حصر، وهذا أمر مذوق لمن تأمله.
نعم، لا يبقى لخصوص الامتنان معنى، بل كل مقام اقتضى في النكرة التكثير يقال فيه ذلك، والامتنان فرد منه، وهو حسن.
تنبيه:
مما ذكر من عموم النكرة في الإثبات - غير ما سبق من الامتنان ونحوه - صُوَر:
منها: ما سيأتي من الجمع المنكَّر على قول الجبائي، ويأتي رده.
стр. 1363
ومنها: "النكرة في سياق الطلب"، نحو: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١]. وقد يقال: إن كان ذلك لاقتضاء المقام التكثير، فهو مما سبق تقريره في الامتنان، وإن كان التنكير فيه للتعظيم، فلا يلزم منه العموم؛ لأن العظمة باعتبار الشيء في نفسه، والتكثير باعتبار الكمية. وذِكر هذا الدعاء من جوامع الأدعية يحتمل أن يكون لإرادة التكثير أو التعظيم، لا لاقتضاء العموم بذاته.
ومنها: "النكرة في سياق الأمر" على خصوصه وإن دخل تحت الذي سبق من الطلب. قاله في "المحصول" ونقله عن الأكثرين، واستدل عليه بأن نحو: "أعتق رقبة" لولا أنه للعموم لَمَا خرج عن العهدة بأي إعتاق أعتقه، بل يعتق جميع ما يَقدر عليه من رقاب الدنيا.
وهو عجيب؛ فإنه مطلق يكتفَى فيه بواحد؛ فإن عمومَه عمومُ بَدَل.
قال أبو الحسين بن القطان: (إذا قال: "اقتل مشركا"، لا يلزم منه قتْل كل مشرك، بل يقتل مشركًا ما).
قال: (ويحتمل أن يريد معيَّنًا، فيجب التوقف إلى البيان. وقيل: إذا حمل على الجنس، خُص ووقف فيه. وهو قول أهل العراق). انتهى
ومنها: قول الحنفية: إن النكرة إذا وُصفت بصفة عامة، كانت معرفة بذلك، كالمعرف بـ "لام الجنس".
قالوا: مثل: "لا تكلم إلا رجلًا كوفيًّا"، فله أن يكلم جميع الكوفيين، بخلاف ما لو قال: "إلا رجلًا" فكلَّم رجلين؛ فإنه يحنث.
ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ﴾ [البقرة: ٢٢١]؛ لأنه في معرض التعليل، فلولا أنه عام لَمَا صح التعليل.
ومنه أيضًا: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢] , فهو عندهم عام؛ لأجل وصفه
стр. 1364
بالأحسنية، إذِ المراد بالوصفِ الوصفُ المعنوي، لا خصوص النعت النحوي.
ورُدَّ ذلك بأن هذا العموم إنما هو العموم العقلي الذي يأتي من الأقسام، والكلام في العام لغةً.
على أن ما ذكروه قد صرح محمَّد بن الحسن في "الجامع الكبير" بما يخالفه، فقال فيما لو حلف لا يكلم كوفيًّا: إنه يبر بواحد. ولو كان للعموم لَمَا برَّ بذلك، بل بالجميع.
وأيضًا فهو مردود بأن الوصف للنكرة ليس مسوقًا للتعميم، بل لبيان المراد بالنكرة.
وقد فرعوا على هذا قاعدتهم المشهورة، وهي: "أيُّ عبيدي ضربك فهو حر" فضربوه جميعًا، عُتقوا. و "أيُّ عبيدي ضربته فهو حر" فضربهم جميعًا، لا يُعتق إلا واحد منهم.
والفرق أنه وصف في المسألة الأولى بالضرب، وهو عام، وفي الثانية قطع عن الوصفية؛ لأن الضرب إنما أضيف إلى المخاطَب، لا إلى النكرة التي [تتناولها] (١) "أيّ".
وهو عجيب؛ لأنه إنْ أريد النعت النحوي فلا نعت في الموضعين، وإن أريد الوصف المعنوي فهو موجود في الموضعين؛ لأنه كما وصف في الأُولى بالضاربية وُصِف في الثانية بالمضروبية له.
وقد أجاب بعضهم عن ذلك بما لا يشفي؛ فلا نُطَول به.
ومنها: الفعل المتعدي إذا حذف مفعوله واحتمل أن يكون معرفة ونكرة ولكنه ذُكر لِيعم، نحو: "زيد يعطي ويمنع "، ومنه: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ﴾ [يونس: ٢٥] , أي: كل أحد.
ولم يذكر ذلك الأصوليون، بل أهل البيان. لكن عموم المفعول إنما هو بالقرينة التي
стр. 1365
اقتضت أن يكون عامًّا كما مُثِّل، فالتعميم في الحقيقة إنما هو بلفظ عام مقدَّر، فيكون كما لو ذُكر؛ بدليل أنه لو قال قائل: (هل ضربت رجلًا؟ ) فقلت: (ضربت)، لا عموم فيه؛ لعدم قرينة العموم، بل فيه قرينة الخصوص.
قولي: (كَذَاكَ في سِيَاقِ نَفْيٍ بكِرَهْ) أي: كذلك من الصِّيَغ "النكرة في سياق النفي". فـ "كَذَاكَ" خبر مقدَّم، و"نَكِرَهْ" مبتدأ مؤخَّر، و"في سياق نفي" حال.
وقوفي: (وَاذْكُرَهْ في نَحْوِ) إلى آخِره -أي: اذكُر العموم واعتقده في ذلك أيضًا. والله أعلم.
ص:
٥٩٠ - وَقَدْ يَعُمُّ اللَّفْظُ عُرْفًا مِثْلُ مَا ... في رَأْيٍ الْفَحْوَى وَ"حُرِّمَ" اتْمِمَا
الشرح:
هذا هو القسم المقابل للعام لغةً، وكذا ما بعده، وهو أن يكون اللفظ عامّا بالعُرف أو بالعقل.
فالأول في ثلاثة أمور:
أحدها: فحوى الخطاب.
الثاني: لحن الخطاب وإنْ لم أذكره في النَّظم ولا فرق، وهو واضح.
ولكني جريت على المشهور كما فعل صاحب "جمع الجوامع".
وقد مَثَّل هو في "شرح المنهاج" بالقسمين، وهُما الحكم على شيء والمسكوت عنه مساوٍ له فيه أو أَوْلى، نحو: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠] ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣].
стр. 1366
وقد سبق بيان القسمين في مفهوم الموافقة وحكاية الخلاف في "الفحوى" أنه دَلَّ على المسكوت قياسًا؟ أو نقل عُرفًا؟ أو مجازًا بالقرينة؟ أو دَلَّ من حيث المفهوم؟
فلذلك قلت: (في رَأْيٍ)؛ لأن الراجح ما نص عليه الشافعي أنه بالقياس.
والثالث: ما نُسب الحكم فيه لذات، وإنما تعلق في المعنى بفعل اقتضاه الكلام، نحو: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣].
فإنَّ العُرف في الأُولى نقله إلى تحريم الأكل على العموم، وفي الثانية إلى جميع الاستمتاعات المقصودة من النساء، فيشمل الوطء ومقدماته، ومنهم مَن يُقَدر الوطء فقط.
وسيأتي بيان ذلك مبسوطًا في "مسألة عموم المقتضَى".
ومنهم مَن زعم أنه من قبيل المجمل، وسيأتي بيانه أيضًا هناك وفي باب "المُجْمَل".
وقولي: (وَ"حُرِّمَ" اتْمِمَا) أي: أتمم المذكور في الآية، إما الآية الأولى أو الثانية. والله أعلم.
ص:
٥٩١ - وَعَقْلًا ايْضًا مِثْلُ تَرْتِيبٍ عَلَى ... وَصْفٍ، فَذَا بِلَفْظِهِ لَنْ يَشْمَلَا
٥٩٢ - وَمثْلُهُ الْمَفْهُومُ في الْمُخَالَفَهْ ... وَللْعُمُومِ ضَابِط مَا خَالَفَهْ
الشرح:
هذا الثاني من المقابل للعام لغةً، وهو العام بالعقل، وذلك ثلاثة أمور:
أحدها: ترتيب الحكم على الوصف، نحو: "حرمت الخمر؛ للإسكار"، فإن ذلك يقتضي أن يكون عِلَّة له، والعقل يحكم بأنه كما وُجدت العلة يوجد المعلول، وكلما انتفت ينتفي.
فهذا القسم لم يدل بِلُغة؛ لأنه لا منطوق فيه بصيغة عموم، ولا بالمفهوم، وذلك ظاهر،
стр. 1367
ولا بالعُرف؛ لعدم الاشتهار فيه، فلم يَبْقَ إلا العقل.
وإذا قلنا بأن نحو: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] من باب القياس، يكون من العام عقلاً أيضًا.
ولك أن تقول في عموم العِلل: إن هذا إنما هو في العِلل العقلية، أما الشرعية فمُعَرِّفات، ولا يَلْزَم من ثبوتها ولا من انتفائها ما ذكر؛ فقَدْ يتخلف المعلول؛ لمانع، وهي مسألة "نقض العلة"، وسيأتي إيضاح ذلك في "باب القياس"؛ فإنه محله.
نعم، ترتيب الحكم على العلة وإنْ كان من حيث عموم العلة عقلًا لكنه إذا كان من الشرع، فالحكم في عمومه لكل ما فيه تلك العلة التي وقع القياس بها -شرعي.
وقيل: لُغوي، وقيل: لا يعم، لا شرعًا ولا لغةً.
ومن أمثلة المسألة: قولة ﷺ في قتلى أُحد: "زملوهم بكلومهم ودمائهم؛ فانهم يحشرون وأوداجهم تَشْخَبُ دمًا" (١). فإنه يعم كل شهيد شرعًا، أو لغةً، أوْ لا ولا (على الأقوال).
стр. 1368
الثاني: مفهوم المخالفة عند القائل به، كقوله ﷺ : "مطل الغني ظلم" (١)، فإنه بمفهومه يدل على أن مطل غير الغني عموماً لا يكون ظلمًا.
والثالث: إذا وقع جوابًا لسؤال، كما لو سُئل النبي ﷺ عن مَن أفطر، فقال: "عليه الكفارة"؛ فيُعلم أنه يَعُم كل مفطر.
وإنما لم أذكر هذا في النَّظم لأنه يمكن دخوله تحت الذي قبله، فإنه ينحل إلى أن الحكم بالكفارة لأجل الإفطار، فهو تعميم بالعلة، والله أعلم.
وقولي: (وَللْعُمُومِ ضَابِطٌ مَا خَالَفَهْ) تمامه قولي بعده:
ص:
٥٩٣ - مِعْيَار صِحَّةُ الِاسْتثنَاءِ ... مِنَ الَّذِي فِيهِ احْتِمَالٌ جَائِي
٥٩٤ - لِأنَّهُ إخْرَاجُ مَا قَدْ وَجَبَا ... دُخُولُهُ، فَلَا عُمُومَ نُصِبَا
٥٩٥ - في عَدَدٍ؛ إذْ هُوَ غَيْرُ مُحْتَمِلْ ... وَلَا مُنكَّرٍ سِوَى مَا قَدْ قُبِلْ
٥٩٦ - وَلَوْ يَكُونُ في جُمُوعٍ رَاسِبًا (٢) ... إذِ الدّخُولُ لَيْسَ فِيهِ وَاجِبَا
الشرح:
لما انتهى الكلام في صيغ العموم لغة وعرفًا وعقلاً، ذكرتُ ضابط العام الذي به يعرف عمومه، حتى لو ادُّعي في شيء عموم، عُرض على الضابط، فإن قَبِله، عرفنا عمومه.
وهو أنَّ: ضابط العموم ومعياره صحة الاستثناء منه، نحو: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢)
стр. 1369
إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [العصر: ٢، ٣]؛ ولذلك يستدل به من أثبت صيغ العموم ردًّا على من زعم أن وضعها للخصوص أو وقف كما سبق من المذاهب.
وقولي: (مِنَ الَّذِي فِيهِ احْتِمَالٌ جَائِي) قَيدٌ في الضابط، زِدته على البيضاوي وغيره ممن يطلق أن الاستثناء معيار العموم، حتى يخرج العدد إذا قلنا بصحة الاستثناء منه كما هو قول الجمهور (كما سيأتي)، فإنه قابل للاستثناء وليس بعام قطعًا.
فيقال: إلا أنه ليس محتملًا للعموم، ونحن إنما جعلنا الاستثناء معيارًا في لفظ يكون محتملاً، فيكون المراد يكون الاستثناء معيارًا أنَّ كل ما لم يَقبل الاستثناء منه لا يكون عامًّا، لا أن كل ما يَقبل الاستثناء منه عام.
ثم عَللتُ كون الاستثناء معيارًا بأن الاستثناء: إخراج ما لولاه لوجب دخوله في المستثنى منه، فإذا كان القابل للإخراج بالاستثناء واجب الدخول، فكل فرد يمكن إخراجه به واجب الدخول، وذلك حقيقة العموم.
وما اعتُرض به من كون وجوب الدخول يناقض خروجه بالاستثناء -فاسد؛ لأنا لم نَدَّعِ وجوب الاندراج إلَّا بتقدير أن لا يخرج بالاستثناء، فهو خارج منه وإن دخل لغةً. وسيأتي في التنبيهات فيه زيادة بيان وأن الحكم على المستثنى منه إنما هو بعد إخراج المستثنى، فلا تناقض.
وقولي: (فَلَا عُمُومَ نُصِبَا في عَدَدٍ) إلى آخره -هو مما نُفي فيه العموم، لعدم صِدق ضابط العام فيه؛ ولذلك عطفته بِـ "الفاء" المشعرة بالسببية والترتيب.
فأشرت إلى مسألتين، لتمهيد الضابط وتقريبه:
الأُولى: أن العدد ليس بعام، بل دلالته دلالة الكل على أجزائه، ولو كان عامًّا لكان من دلالة الكلي على جزئياته مستغرقًا لها، وهو وإن ساغ الاستثناء منه على الراجح لكنه -كما
стр. 1370
تَقدم- ليس محتملًا للعموم حتى يكون الاستثناء منه دليل عمومه.
وإنما قلت: إنه يستثنى منه على الراجح؛ لأن الاستثناء من العدد فيه ثلاثة مذاهب:
الصحيح: الجواز مطلقًا؛ يخطيء ذلك في كلام العرب فيما لا ينحصر.
الثاني: المنع مطلقا؛ لأن أسماء الأعداد نصوص، والنصوص لا تقبل التخصيص. ونقل ذلك ابن عصفور عن البصريين، قال: إلا إذا كان العدد مما يستعمل للمبالغة، كالمائة والألْف. أي: ولأجل ذلك لا يكون في نحو قوله تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤] إبطالًا لقول المنع مطلقًا؛ لأن هذا خارج عن محل الخلاف.
والثالث: إن كان المستثنى عقدًا كالعشرة والعشرين، فلا يجوز، وإن لم يكن عقدًا كالواحد والاثنين إلى التسعة، جاز. أي: ومحله أيضًا فيما لا يكون للمبالغة، وإلا فقوله تعالى: ﴿إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ المستثنى عقد، فكيف تمتنع؟
ونشأ من هذا الخلاف خلافٌ في فروع:
منها: لو قال: "أربعتكن طالق إلا فلانة"، وقع الطلاق على الكل عند القاضي حسين والمتولي؛ لعدم صحة الاستثناء؛ لأن الأربع ليست صيغة عموم، بل نصوص، فرَفْع البعض رفْع بعد نَص، فكان كقوله: "أنت طالق طلاقًا لا يقع عليك".
وردَّ ذلك الرافعي بأن مقتضَى التعليل بذلك أن لا يصح الاستثناء من العدد في الإقرار، نحو: "له عليَّ عشرة إلا درهما".
قال: (ومعلوم أنه ليس كذلك) (١).