وقد سبق بيان القسمين في مفهوم الموافقة وحكاية الخلاف في "الفحوى" أنه دَلَّ على المسكوت قياسًا؟ أو نقل عُرفًا؟ أو مجازًا بالقرينة؟ أو دَلَّ من حيث المفهوم؟
فلذلك قلت: (في رَأْيٍ)؛ لأن الراجح ما نص عليه الشافعي أنه بالقياس.
والثالث: ما نُسب الحكم فيه لذات، وإنما تعلق في المعنى بفعل اقتضاه الكلام، نحو: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣].
فإنَّ العُرف في الأُولى نقله إلى تحريم الأكل على العموم، وفي الثانية إلى جميع الاستمتاعات المقصودة من النساء، فيشمل الوطء ومقدماته، ومنهم مَن يُقَدر الوطء فقط.
وسيأتي بيان ذلك مبسوطًا في "مسألة عموم المقتضَى".
ومنهم مَن زعم أنه من قبيل المجمل، وسيأتي بيانه أيضًا هناك وفي باب "المُجْمَل".
وقولي: (وَ"حُرِّمَ" اتْمِمَا) أي: أتمم المذكور في الآية، إما الآية الأولى أو الثانية. والله أعلم.
ص:
٥٩١ - وَعَقْلًا ايْضًا مِثْلُ تَرْتِيبٍ عَلَى ... وَصْفٍ، فَذَا بِلَفْظِهِ لَنْ يَشْمَلَا
٥٩٢ - وَمثْلُهُ الْمَفْهُومُ في الْمُخَالَفَهْ ... وَللْعُمُومِ ضَابِط مَا خَالَفَهْ
الشرح:
هذا الثاني من المقابل للعام لغةً، وهو العام بالعقل، وذلك ثلاثة أمور:
أحدها: ترتيب الحكم على الوصف، نحو: "حرمت الخمر؛ للإسكار"، فإن ذلك يقتضي أن يكون عِلَّة له، والعقل يحكم بأنه كما وُجدت العلة يوجد المعلول، وكلما انتفت ينتفي.
فهذا القسم لم يدل بِلُغة؛ لأنه لا منطوق فيه بصيغة عموم، ولا بالمفهوم، وذلك ظاهر،
стр. 1367
ولا بالعُرف؛ لعدم الاشتهار فيه، فلم يَبْقَ إلا العقل.
وإذا قلنا بأن نحو: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] من باب القياس، يكون من العام عقلاً أيضًا.
ولك أن تقول في عموم العِلل: إن هذا إنما هو في العِلل العقلية، أما الشرعية فمُعَرِّفات، ولا يَلْزَم من ثبوتها ولا من انتفائها ما ذكر؛ فقَدْ يتخلف المعلول؛ لمانع، وهي مسألة "نقض العلة"، وسيأتي إيضاح ذلك في "باب القياس"؛ فإنه محله.
نعم، ترتيب الحكم على العلة وإنْ كان من حيث عموم العلة عقلًا لكنه إذا كان من الشرع، فالحكم في عمومه لكل ما فيه تلك العلة التي وقع القياس بها -شرعي.
وقيل: لُغوي، وقيل: لا يعم، لا شرعًا ولا لغةً.
ومن أمثلة المسألة: قولة ﷺ في قتلى أُحد: "زملوهم بكلومهم ودمائهم؛ فانهم يحشرون وأوداجهم تَشْخَبُ دمًا" (١). فإنه يعم كل شهيد شرعًا، أو لغةً، أوْ لا ولا (على الأقوال).
стр. 1368
الثاني: مفهوم المخالفة عند القائل به، كقوله ﷺ : "مطل الغني ظلم" (١)، فإنه بمفهومه يدل على أن مطل غير الغني عموماً لا يكون ظلمًا.
والثالث: إذا وقع جوابًا لسؤال، كما لو سُئل النبي ﷺ عن مَن أفطر، فقال: "عليه الكفارة"؛ فيُعلم أنه يَعُم كل مفطر.
وإنما لم أذكر هذا في النَّظم لأنه يمكن دخوله تحت الذي قبله، فإنه ينحل إلى أن الحكم بالكفارة لأجل الإفطار، فهو تعميم بالعلة، والله أعلم.
وقولي: (وَللْعُمُومِ ضَابِطٌ مَا خَالَفَهْ) تمامه قولي بعده:
ص:
٥٩٣ - مِعْيَار صِحَّةُ الِاسْتثنَاءِ ... مِنَ الَّذِي فِيهِ احْتِمَالٌ جَائِي
٥٩٤ - لِأنَّهُ إخْرَاجُ مَا قَدْ وَجَبَا ... دُخُولُهُ، فَلَا عُمُومَ نُصِبَا
٥٩٥ - في عَدَدٍ؛ إذْ هُوَ غَيْرُ مُحْتَمِلْ ... وَلَا مُنكَّرٍ سِوَى مَا قَدْ قُبِلْ
٥٩٦ - وَلَوْ يَكُونُ في جُمُوعٍ رَاسِبًا (٢) ... إذِ الدّخُولُ لَيْسَ فِيهِ وَاجِبَا
الشرح:
لما انتهى الكلام في صيغ العموم لغة وعرفًا وعقلاً، ذكرتُ ضابط العام الذي به يعرف عمومه، حتى لو ادُّعي في شيء عموم، عُرض على الضابط، فإن قَبِله، عرفنا عمومه.
وهو أنَّ: ضابط العموم ومعياره صحة الاستثناء منه، نحو: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢)
стр. 1369
إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [العصر: ٢، ٣]؛ ولذلك يستدل به من أثبت صيغ العموم ردًّا على من زعم أن وضعها للخصوص أو وقف كما سبق من المذاهب.
وقولي: (مِنَ الَّذِي فِيهِ احْتِمَالٌ جَائِي) قَيدٌ في الضابط، زِدته على البيضاوي وغيره ممن يطلق أن الاستثناء معيار العموم، حتى يخرج العدد إذا قلنا بصحة الاستثناء منه كما هو قول الجمهور (كما سيأتي)، فإنه قابل للاستثناء وليس بعام قطعًا.
فيقال: إلا أنه ليس محتملًا للعموم، ونحن إنما جعلنا الاستثناء معيارًا في لفظ يكون محتملاً، فيكون المراد يكون الاستثناء معيارًا أنَّ كل ما لم يَقبل الاستثناء منه لا يكون عامًّا، لا أن كل ما يَقبل الاستثناء منه عام.
ثم عَللتُ كون الاستثناء معيارًا بأن الاستثناء: إخراج ما لولاه لوجب دخوله في المستثنى منه، فإذا كان القابل للإخراج بالاستثناء واجب الدخول، فكل فرد يمكن إخراجه به واجب الدخول، وذلك حقيقة العموم.
وما اعتُرض به من كون وجوب الدخول يناقض خروجه بالاستثناء -فاسد؛ لأنا لم نَدَّعِ وجوب الاندراج إلَّا بتقدير أن لا يخرج بالاستثناء، فهو خارج منه وإن دخل لغةً. وسيأتي في التنبيهات فيه زيادة بيان وأن الحكم على المستثنى منه إنما هو بعد إخراج المستثنى، فلا تناقض.
وقولي: (فَلَا عُمُومَ نُصِبَا في عَدَدٍ) إلى آخره -هو مما نُفي فيه العموم، لعدم صِدق ضابط العام فيه؛ ولذلك عطفته بِـ "الفاء" المشعرة بالسببية والترتيب.
فأشرت إلى مسألتين، لتمهيد الضابط وتقريبه:
الأُولى: أن العدد ليس بعام، بل دلالته دلالة الكل على أجزائه، ولو كان عامًّا لكان من دلالة الكلي على جزئياته مستغرقًا لها، وهو وإن ساغ الاستثناء منه على الراجح لكنه -كما
стр. 1370
تَقدم- ليس محتملًا للعموم حتى يكون الاستثناء منه دليل عمومه.
وإنما قلت: إنه يستثنى منه على الراجح؛ لأن الاستثناء من العدد فيه ثلاثة مذاهب:
الصحيح: الجواز مطلقًا؛ يخطيء ذلك في كلام العرب فيما لا ينحصر.
الثاني: المنع مطلقا؛ لأن أسماء الأعداد نصوص، والنصوص لا تقبل التخصيص. ونقل ذلك ابن عصفور عن البصريين، قال: إلا إذا كان العدد مما يستعمل للمبالغة، كالمائة والألْف. أي: ولأجل ذلك لا يكون في نحو قوله تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤] إبطالًا لقول المنع مطلقًا؛ لأن هذا خارج عن محل الخلاف.
والثالث: إن كان المستثنى عقدًا كالعشرة والعشرين، فلا يجوز، وإن لم يكن عقدًا كالواحد والاثنين إلى التسعة، جاز. أي: ومحله أيضًا فيما لا يكون للمبالغة، وإلا فقوله تعالى: ﴿إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ المستثنى عقد، فكيف تمتنع؟
ونشأ من هذا الخلاف خلافٌ في فروع:
منها: لو قال: "أربعتكن طالق إلا فلانة"، وقع الطلاق على الكل عند القاضي حسين والمتولي؛ لعدم صحة الاستثناء؛ لأن الأربع ليست صيغة عموم، بل نصوص، فرَفْع البعض رفْع بعد نَص، فكان كقوله: "أنت طالق طلاقًا لا يقع عليك".
وردَّ ذلك الرافعي بأن مقتضَى التعليل بذلك أن لا يصح الاستثناء من العدد في الإقرار، نحو: "له عليَّ عشرة إلا درهما".
قال: (ومعلوم أنه ليس كذلك) (١).
стр. 1371
ثم استشكل على القاضي قوله: (إنه لو قدم المستثنى على المستثنى منه كما لو قال: "إلا فلانة أربعتكن طوالق" أنه يقع على الثلاث دون المستثناة)، وما الفرق بين التقدم والتأخر في هذا؟
قيل: ولا إشكال؛ لأنه لَمَّا أخرج قبل الحكم، كان الحكم موجهًا للثلاث دون المستثناة.
قلتُ: وهو عجيب؛ فإن الرافعي إنما استشكل تعليل القاضي بأنه ليس عامًا حتى يخرج منه، بل نص، ومن هذه الحيثية لا فرق بين التقديم والتأخير.
المسألة الثانية:
الجمع المنكَّر -كـ "رجال" و"مسلمين" ونحوهما- ليس بعام، خلافًا للجبائي من المعتزلة كما نقله القاضي في "مختصر التقريب" والإمام الرازي والآمدي وأتباعهم، وربما حُكي عن المعتزلة كما عبَّر به ابن برهان، لكن الذي حكاه عبد الجبار إنما هو عن الجبائي، وحكى مقابِلَه عن أبي هاشم.
نعم، لا اختصاص للمعتزلة بذلك، فقد حكى الشيخ أبو حامد الخلاف وجهين لأصحابنا، وكذا الشيخ أبو إسحاق في "اللمع" وسليم في "التقريب"، ونصر ابن حزم قول التعميم، ونُقل أيضًا عن جمهور الحنفية، واختاره البزدوي وابن الساعاتي.
وعلى كل حال فالأصح أنه "لا يعُم" كما قال الشيخ أبو حامد وسليم: إنه ظاهر المذهب، وعليه عامة أصحابنا. قال: لأن أهل اللغة يسمونه نكرة، ولو كان عامًّا، لم يكن نكرة.
أي: لمغايرة معنى النكرة لمعنى العموم كما سبق في تعريف "العام"، ولأنه يَصْدُق على أقَل الجمع وعلى ما زاد مرتبة بعد أخرى إلى ما لا يتناهى، وهذا الأخير هو مدلول "العام". وإذا كان مدلول النكرة أعم من هذا ومن الصُّوَر السابقة، فالأعم لا يدل على الأخص،
стр. 1372
وعمومه في هذه [الصُّوَر] (١) إنما هو عموم بدل، لا شمول.
ومن هنا يُعلم فساد قول الجبائي: إنه مشترك بين هذه [الصور] (٢)، فيحمل على الجميع؛ بناءً على أن المشترك يُحمَل على جميع معانيه. فإنه يقول بذلك كالشافعي.
لأنَا (٣) نمنع كونه مِن قبيل المشترك، بل مِن الكُلي الذي تحته جزئيات يصدق على كل منها حقيقة، كـ "إنسان" على كل فرد فرد، فالمراتب في الجمع كالأفراد في "إنسان".
وأما استدلاله على عمومه بأنه يَقبل الاستثناء وهو دليل العموم فيُرَد بمنع ذلك؛ فإنَّ الأصح عند النحاة أنه لا يجوز الاستثناء من النكرة؛ لِمَا سبق أنه "إخراج ما لولاه لوجب دخوله"، وهذا لا يجب دخوله على تقدير عدم الاستثناء، نحو: "جاء رجال إلا زيدًا"؛ لجواز أن يكون "رجال" مراد المتكلم بها غير زيد، فلا يحتاج لإخراجه؛ لأنه لم يدخل.
وتَعلُّق مَن جوَّز الاستثناء منه بأن "عموم البدل موجود فيه، وذلك كاف في صحة الاستثناء" مردود بأنه لم يُقْطَع بدخوله حتى يخرج.
نعم، اختار ابن مالك أن الاستثناء من النكرة جائز بشرط الفائدة، نحو: "جاءني قوم صالحون إلا زيدًا"، وخَرَّج عليه الاستثناء من العدد نحو: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾.
وعلى تسليم أنه يجوز الاستثناء من الجمع المنكَّر فقد بيَّنا أنَّ المراد يكون "الاستثناء معيار العموم" أنَّ ما لا يُستثنَى منه لا يكون عامًّا، لا أن كل ما يصح الاستثناء منه يكون عامًّا؛ بدليل العدد.
стр. 1373
ولهذا كان قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] "إلَّا" فيه صفة للنكرة، لا استثناء منه؛ لِتَعذُّر الاستثناء فيه من جهة المعنى ومن جهة اللفظ على القول الراجح.
تنبيهات
الأول: إذا قلنا بأنَّ الجمع المنكر ليس عامًّا، فعَلَى ماذا يحمل؟
فقيل: يُحمل على أقَل الجمع.
وقيل: يُحمل على مجموع الأفراد مِن دلالة الكل على الأجزاء، ويحكَى في المسألة خلاف آخَر لا تَحقُّق له، أضربنا عنه.
نعم، أقَل الجمع ما هو سنذكره في بحث "التخصيص" وأنَّ "جمع القِلة" أقَلُّه ثلاثة إلى عشرة، وأقَل "جَمْع الكثرة" أحد عشر فصاعدًا.
ولهذا قال الهندي في هذه المسألة: (الذي أظنه أنَّ الخلاف في عموم الجمع المنكَّر في غير جمع القِلة، وإلا فالخلاف فيه بعيد جدًّا؛ إذْ هو مخالف لِنَصِّهم أنه للعشرة فما دُونها، فالقول بعمومه بعيد) (١).
لكن القاضي في "مختصر التقريب" لما نقل مذهب الجبائي نقله في الجمْعَين معًا، وهو قضية كلام البزدوي.
نعم، فرَّق بعض الحنفية، فقال في "جمع السلامة": يُحمل على المتيقن، وهو أقَل الجمع. وفي "جمع الكثرة": يُحمل على العموم.
стр. 1374
وهو أقرب من القول بالتعميم في النوعين؛ لِمَا قررنا في نهاية القِلة أنها إلى عشرة، وفي الكثرة إلى ما لا نهاية له.
الثاني:
من فروع هذه المسألة: لو أَقرَّ له بدراهم، قُبِل تفسيره بأقَل الجمع على الأرجح كما هو ظاهر كلام الأصحاب، وقد صرح الهروي في "الإشراف" بحكاية وجهين فيه مَبنيين على القاعدة، وأشار إليه أيضًا الماوردي في "الحاوي".
وغير الإقرار في ذلك مِثله، كَالعتق والنذر والوصية ونحو ذلك.
ففي الرافعي في فروع "الطلاق": (لو حلف لا يشتري العبيد أو لا يتزوج النساء، يحنث بثلاثة) (١).
وفي "طبقات العبادي" أن أبا عبد الله البوشنجي نقل عن الشافعي -فيما لو قال: (إنْ في كفي دراهم هي أكثر من ثلاثة فعبدي حر) فكان في كله أربعة- أنه لا يعتِق عبده؛ لأن ما زاد في كفه على ثلاثة درهم واحد، لا دراهم.
وهذا حَمْل لقول المعلِّق: "أكثر" على معنى "زائد"؛ لأنه العُرف، فأما إذا قصد أن المجموع أكثر، فينبغي أن يعتِق. وبالجملة فلم يحمل "دراهم" على العموم.
وقد عُلم مما حكيناه من الخلاف أن رد ابن الحاجب وغيره على الجبائي بأنه لو قال: (له عندي عبيد) صحَّ تفسيره بأقَل الجمع، أي: اتفاقًا، لا يحسُن؛ لجواز أن يقول الجبائي بالوجه الآخر في المسألة.
وأيضًا فقد يقول: إنما حُمل على ذلك؛ لتعذُّر العمل على العموم؛ إذِ المقر له لا يستوعب
стр. 1375
ملك العبيد.
لكن في هذا نظر؛ لأن مِثل هذا إنما يُحمل على ما يمكن منه.
الثالث: كل مما دلَّ على جمعية دلالة المجموع -كـ "ناس" و"خيل" ونحو ذلك- حُكمه حُكم الجمع، لا نحو "قوم" و"رهط"؛ لأن دلالته دلالة المجموع، لا الجميع، وسيأتي في مسألة "أقَل الجمع" في ذلك مزيد بيان.
الرابع: ضمير الجمع [لمخاطَبين] (١) يَعُمهم، كـ ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ١١٠] ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧]. وهل يَعُم غيرهم؟ أم لا؟
هي مسألة الخطاب الشفاهي، وستأتي.
ونقل صاحب "الكبريت الأحمر" -من المعتزلة- أن القاضي عبد الجبار نقل في الدرس عن الشيخ أبي عبد الله البصري أنه يُحمل على الاستغراق.
وجرى على ذلك في "المحصول"، فقال: إذا قال: "اكرموا زيدًا"، دل على الاستغراق حتى يتوجه الأمر إلي كل واحد بخصوصه.
وما قاله يقتضي أنه لو قال مثلًا لعبيده أو وكلائه: "أعطوا زيدًا مما في أيديكم عشرة"، يكون كل واحد مأمورًا بإعطاء عشرة.
وفيه نظر، وإنما ينبغي أنْ يُحمل على أنَّ كل واحد يعطي قَدْر ما يَخُصه مِن توزيع العشرة عليهم، حتى لو قال لنسوته: "إنْ أعطيتنني ألفًا فأنتن طوالق" يُوزع كذلك.
نعم، لو أعطت واحدة أكثر مما عليها وكان المعطَى هو القَدْر الذي قاله، وقع الطلاق كما في الذي قبله.
стр. 1376
وقولي: (وَلَا مُنكرٍ سِوَى مَا قَدْ قُبِلْ) أي: سِوَى النكرة في سياق النفي وما أُلحق به كما سبق، فإن ذلك مقبول فيه ادِّعاء العموم.
وقولي: (وَلَوْ يَكُونُ في جُمُوعٍ) أي: ولو يكون التنكير في صِيَغ جموع، فإنه لا عموم فيه.
ثم أشرت إلى دليل نفي العموم وخروجه من ضابط الاستثناء بقولي: (إذِ الدُّخُولُ لَيْسَ فِيهِ وَاجِبَا)، وسبق تقريره، والله أعلم.
ص:
٥٩٧ - وَمنْهُ فِعْل مُثْبَت، نَحْوُ: "قَضَى ... لِلْجَارِ بِالشُّفْعَةِ" فِيمَا يُقْتَضَى
٥٩٨ - كَذَاكَ "كَانَ يَجْمَعُ الصَّلَاةَ في ... سفَرِهِ"، وَالْمُقْتَضَى فِيهِ نُفِي
الشرح:
هذا أيضًا مما لا عموم فيه؛ لأنه نكرة، وهو الفعل المثبت، فقد حكى الزجاجي إجماع النحاة على أن الأفعال نكرات؛ لأن كل فعل له فاعل يكون به جملة، والجُمَل نكرات؛ ولذلك لا [يضاف الفعل] (١)؛ لانتفاء فائدة الإضافة من الجمل، وإن أضيف إليها فلكونها حَلَّت محل مفرد.
وقد مثلتُ في النَّظم المسألة بنحو: ("قَضَى لِلْجَارِ بِالشُّفْعَةِ")، ونحو: ("كَانَ يَجْمَعُ الصَّلَاةَ في سَفَرِهِ").
وأشرتُ بالمثالين إلى أنه لا فرق بين أن يكون الفعل مما ادُّعي أنه يدل على التكرر عُرفًا (نحو: "كان") أو لا، وأنه لا فرق بين أن يذكر له متعلق من صيغة العموم أو لا، وأنه لا
стр. 1377
فرق بين أن يكون المعبر عنه لفظًا (كـ "أمر ﷺ " و"نهى" و"قضى بكذا") أو فِعلًا غير لفظ (كـ "صلى" ونحوه).
وفي كل من ذلك خلاف وتفصيل نذكره.
فأما الفعل الذي لا يُشعِر بتكرر قطعًا فأصح الأقوال فيه وقول الجمهور أن الراوي إذا أخبر به، لا يكون عامًّا؛ لأنه إذا كان له جهات وأحوال، فلا يقع إلا على وجه واحد:
- فإنْ عُلم بدليل، تَعَيَّن الحملُ عليه.
- أو لم يُعْلم والأحوال فيه غير متضادة، فهو محمول على واحد منها مِن غير تعيين؛ للاحتمال. ولا عموم؛ للاستحالة.
- وإن [كانت] (١) متضادة، فهو مجُمل حتى يتبين الحال.
فمن ذلك حديث ابن عمر في الصحيحين: "دخل النبي ﷺ البيت ومعه أسامة وبلال وعثمان بن طلحة، فأغلقوا عليهم الباب، فلمَّا فتحوا كنتُ أول مَن ولج، فلقيتُ بلالاً، فسألته: هل صلى رسول الله ﷺ في الكعبة؟ قال: ركعتين بين الساريتين عن يسارك إذا دخلت، ثم خرج فصلَّى في وجه الكعبة ركعتين" (٢).
وهذا معنى تمثيل ابن الحاجب بقوله: (مِثل: "صلَّى داخل الكعبة"، فلا يَعُم الفرضَ والنفلَ) (٣).
وذلك لأن قول بلال: "ركعتين" تقديره: صلَّى ركعتين. وبعض الشراح لمَّا لم يكن في لفظ الحديث "صلى داخل الكعبة" جعله في كلام ابن الحاجب مثالًا.
стр. 1378
وأما قول أصحابنا بالاكتفاء بالفعل الواحد للفرض والنفل في مسائل (كصلاة داخل المسجد الفرض، فإنه يحصل به التحية، وكالغسل في يوم الجمعة للجنابة وغسلها، وكذا في العيد، وكالفرض عند الإحرام بحج أو عمرة يُغني عن ركعتي الإحرام، وما أشبه ذلك) فليس من عموم الفعل الفرض والنفل، بل لسقوط السُّنة به، لحصول المقصود، كما يسقط فرض الكفاية عن مَن لم يفعل بفعل غيره إذا عَلِمه، أو أنه يحصل له الثواب على النفل، لكن هذا إذا نواهما، فإنْ نوى الفرض فقط ففي حصول السُّنة كلام في ذلك مذكور في الفقه في مواضعه.
ومثل ذلك أيضًا حديث عمران بن حصين في "أبي داود" و"الترمذي" و"النسائي" أنه ﷺ : "صلى بهم، فسجد سجدتين، ثم تشهد، ثم سلم" (١). قال الترمذي: حسن غريب. والحاكم: صحيح على شرط البخاري ومسلم.
وكذا الحديث المشار إليه في النَّظم وهو: "قضى بالشفعة للجار" (٢) محمول -إنْ صحَّ-
стр. 1379
على أنه قضى به لجار في حالة يكون فيها الشفعة، أو أن الشريك يسمى "جارًا" كما قاله الشافعي ﵁ في "المختصر" في استدلال الخصم بحديث: "الجار أحق بسقبه" (١)، أو قال: "بشفعته" (٢) كما رواه في "الأم" عن سفيان، عن إبراهيم بن ميسرة، عن عمرو بن الشريد، عن أبي رافع.
واستشهد في "الأم" و"المختصر" في تسميته "جارًا" يقول الأعشى: (أَجَارَتنا بِيني، فإنك طالِقة). فسمَّى الزوجة "جارًا"؛ فكذا الشريك.
وإنما قلتُ: (إنْ صحَّ)؛ لأن بعض الحفاظ قال: لم يَرِد بهذا اللفظ.
قال ابن السبكي في "شرح المختصر": (إنه لفظ لا يُعرف). قال: (ويقرب منه ما رواه النسائي عن الحسن مرسلًا: "قضى النبي ﷺ بالجوار") (٣). انتهى
وقال غيره: إن النسائي قد روى أيضًا من حديث أبي الزبير عن جابر: "أنَّ النبي ﷺ قضى بالشفعة بالجوار" (٤).
وأخرجه البيهقي من حديث سمرة: "أن النبي ﷺ قضى بالجوار، وقال: جار الدار أحق
стр. 1380
بالدار" (١).
نعم، روى هذا الأخير أبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح.
وممن قال: (إن الفعل المثبت لا يَعُم) القاضي أبو بكر، والقفال الشاشي، والأستاذ أبو منصور، والشيخ أبو حامد، والشيخ أبو إسحاق، وسليم، وابن السمعاني، وإمام الحرمين، وابن القشيري، والإمام الرازي، ونقله الآمدي عن الأكثرين.
ولم يفصلوا بين عمومه في أحواله وبين أن يذكر له متعلق بصيغة عموم؛ نظرًا إلى أن صيغة (فَعَلَ) تقتضي تَقدم معهود خاص، فيكون مُقَدمًا على العموم.
فنحو: "نهى عن بيع الغرر" (٢)، لا يَعُم كل غَرر.
وكذا نحو: "أمر رسول الله- ﷺ بقتل الكلاب" (٣). رواه مسلم عن ابن مغفل.
"نهى رسول الله- ﷺ عن المحاقلة والمزابنة والمخابرة والمعاومة وعن الثنيا" (٤).
وكذا حديث: "قضى بالشفعة للجار" كما سبق.
قال الغزالي: (وكما لا عموم للفعل بالنسبة إلى أحواله، لا عموم له بالنسبة إلى
стр. 1381
الأشخاص إلا أن يدل دليل من خارج، نحو: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (١).
والقول الثاني: التفصيل بين الأحوال فلا عموم له فيها، وبين ما يذكر بصيغة عموم فيعمها؛ نظرًا إلى صِيَغ العموم المتعلقة بالفعل.
واختار هذا ابن الحاجب بعد أن قال: (إن الفعل المثبَت لا عموم له). وجعل هذا مسألة أخرى بعد أن فرغ من مسألة الفعل المثبت.
وقد سبقه إلى هذا شيخه الأبياري حيث أورده سؤالًا في "شرح البرهان" والآمدي بحثًا، فأقامه ابن الحاجب مذهبًا وارتضاه، وتبعه ابن الساعاتي في "البديع".
وقال ابن دقيق العيد في "شرح العنوان": (اختار بعض الفضلاء -وكأنه يريد ابن الحاجب- عموم نحو: "قضى بالشفعة للجار"؛ بناء على عدالة الصحابي ومعرفته باللغة ومواقع اللفظ، مع جواز أن تكون الرواية على وَفْق السماع مِن غير زيادة ولا نقصان).
قال: (ومنهم مَن قال: لا يَعُم؛ لأن الحجة في المحكي، ولا عموم في المحكى).
ثم قال: (وهذا لا بُدَّ فيه من تفصيل: إنْ كان المحكي فِعلًا لو شوهد لم يَجُز حملُه على العموم، فلذلك وجه. وإنْ كان فِعلًا لو حُكي لكان دالًّا على العموم، فعبارة الصحابي عنه يجب أن تكون مطابقة [للمقول] (٢)؛ لِمَا تَقدم مِن معرفته وعدالته ووجوب مطابقة الرواية للمعنى المسموع). انتهى
وما قاله قد ذكر القاضي في "التقريب" قريبًا منه، إذ قال: (إن الصحابي العالم باللسان إذا قال: "إن النبي ﷺ " عبَّر عن إثبات معنى وحُكم ليس له في اللسان ألفاظ محتملة،
стр. 1382
[قُبِل] (١) ذلك بمثابة روايته اللفظ. وإنْ ذكر معنًى وهو مما له عبارة محتملة، وجب مطالبته بحكاية اللفظ). انتهى
ونحو ذلك قول ابن القشيري: إذا تحققنا في "قضَى بكذا" أنَّ القضاء فِعل فليس بعام. وإنْ كان لفظًا فإنِ اختص بمعيَّن في خصومه، تَعَيَّن، إلا أن يقوم دليل على العموم.
أي: كما أشار إليه الغزالي كما سبق.
قال ابن القشيري: فإنْ كان لفظًا عامًّا في وضع اللغة، تمسكنا بعمومه. أي: كما لو قال الشارع: "قضيت بالشفعة للجار" أو: "لا تقتلوا الكلاب" أو: "لا تبتاعوا بالملامسة" (وهو قول الشيخ تقي الدين) لو حُكي لكان دالًّا على العموم.
ومن ثَّم قال القرافي: (إن المسألة مبنية على جواز الرواية بالمعنى، فإنْ منعنا، امتنعت المسألة؛ لأنَّ "قضى" ليس هو لفظ الشارع، وإنْ جوَّزنا -وهو الصحيح- فشرطه المساواة، فيجب حينئذٍ فيما فيه صيغة عموم -كـ "الغرر"- أن يكون عامًّا، وإلا فتقدح في عدالته حيث روى بصيغة العموم ما ليس بعام، وحينئذٍ فلا يتجه قولنا: "الحجة في المحكي، لا في الحكاية"، بل الحجة في الحكاية؛ لأجل قاعدة الرواية بالمعنى) (٢).
قلتُ: وربما عبر بعضهم عن هذا التفصيل بأن لفظ "قضى" عام، بخلاف لفظ "أمر" و"نهى" ونحوهما.
وفيه نظر؛ لأن كلاًّ مِن الأمرين محتمل أن يكون المعبر عنه كان بصيغة عموم أو كان خاصًّا.
وفي المسألة مذهب آخر بالتفصيل في "قضى" بين أن تتصل به "الباء" نحو: "قضى
стр. 1383
بالشفعة" فلا يعم، أو لا، نحو: "قضى أن الخراج بالضمان" فيعم؛ لأن الظاهر من ذلك حكايته لفظه ﵇. حكاه القاضي والأستاذ أبو منصور والشيخ أبو إسحاق في "شرح اللمع" والقاضي عبد الوهاب وصححه، وحكاه عن أبي بكر القفال من أصحابنا، لكن المحرر عن القفال ما سبق.
على أنَّ مِثل هذا "الباء" فيه مُقدَّرة، فلا فرق بين وجودها لفظًا أو تقديرًا.
ومذهب آخر بالتفصيل بين لفظ "أمر" و"نهى" وبين سائر الأفعال، فالأول للعموم، والثاني محتمل. واختاره القرطبي، قال: لأنَّ الأمر والنهي لا بُدَّ فيهما من دالٍّ مِن الشارع عليهما، فلمَّا لم يذكر الصحابي لا مأمورًا ولا منهيًّا، عُلم أن المخاطَب بذلك كل المكلفين كسائر خطابات التكليف.
ولا يخفَى ضَعْف ذلك مما سبق من توجيه الأقوال.
تنبيهان
الأول: وقع في كلام الشافعي ما يقتضي العموم وما يقتضي عدمه، فيكون له قولان. فقال في "الأم" مجيبًا عن قوله على: "لعن الله المحلل والمحلل له" (١) ما نصه:
(ونكاح المحلل الذي رُوي أن رسول الله ﷺ لعنه عندنا -والله أعلم- ضرب من نكاح المتعة؛ لأنه غير مُطلَق) (٢). انتهى. أي: غير عام.
стр. 1384
وقال في تأجيل الدية على العاقلة [ثلاث] (١) سنين كما نقله عنه الإِمام في "النهاية" أنه
قال في بعض مجاري كلامه: (لم ينقل النقلة واقعة قضى رسول الله ﷺ بضرب العقل فيها على العاقلة إلا المرأتين، فأمكن من ذلك أن يضرب عقل المرأة على العاقلة في ثلاث سنين. ثم إذا قلت ذلك، اطرد فيه أن بدل كل نفس مضروب في ثلاث سنين) (٢).
أي: سواء كان الواجب الدية كاملة (كالرجل) أو نصفها (كالمرأة).
قال الإِمام: (ويمكن أن يقال: قول الراوي "قضى" تأسيسُ شرع منه، وليس تمهيدًا في قضية) (٣) إلى آخِره.
قلت: ومثل ذلك استدلاله بحديث: "قضى ﷺ بأن الخراج بالضمان" (٤)، واستدلاله بقوله: "نهى عن بيع اللحم بالحيوان" (٥)، فاستدلاله ﵁ وأصحابه بمثل ذلك مما لا ينحصر- دليل على قولهم بالعموم، لكن عمومه ليس بالصيغة، بل لورود ما يدل على العموم غير ذلك من لفظ الشارع، أو من حيث عموم شرعه، أو بالقياس.
وفي "المستصفى" في "باب السُّنة": (إن قول الصحابي: "أمر رسول الله ﷺ بكذا" أو: "نهى عن كذا" قيل: إنه أمر لجميع الأُمة. والصحيح أن من يقول بصيغ العموم ينبغي أن يتوقف في هذا، ويحتمل أن يكون ما سمعه أمرًا للأُمة أو أطلقه أو لشخص بعينه؛ فيوقف
стр. 1385
فيه إلى الدليل، لكن يدل عليه أن أمره للواحد أمره للجماعة) (١).
الثاني:
جعل بعض المتأخرين الخلاف في المسألة لفظيًّا من جهة أن المانع للعموم ينفي عموم الصيغ المذكورة، والمثبِت له إنما هو بدليل من خارج، وهو إجماع السلف على التمسك بها، وهو قريب مما سبق عن الغزالي.
لكن في جعله لفظيًّا نظر؛ فإنه إذا وَرَدَ مثل هذه الصيغ ولم يَقُم دليل، فالقائل بالعموم يُعمم من غير تَوقُّف على مجيء دليل عليه.
اما القسم الثاني:
وهو الفعل الذي قد تلمح إفادته التكرار (نحو: "كان يفعل كذا") ففي عمومه وجهان حكاهما الشيخ أبو إسحاق، أصحهما: لا عموم فيه؛ لأنه فِعل مُثْبَت. وحكى الوجهين أيضًا ابن برهان.
وذلك كحديث أنس في "البخاري": "أن النبي ﷺ كان يجمع بين الصلاتين في السفر" (٢). فمقتضاه وقوع الجمع لكن -على المرجَّح- مَرة، إما تقديمًا وإما تأخيرًا، لا أنه كان يجمع بينهما في السفر دائمًا.
وذهب ابن برهان إلى قولٍ بالتفصيل:
- بين ما شأنه أن يشيع، فَيعُم، نحو قول عائشة: "كانت الأيدي لا تُقطع في زمن النبي
стр. 1386
- ﷺ في الشيء التافه" (١)
- وبين ما شأنه الكتمان، كَـ "الوطء" ونحوه، فلا يَعُم، يقول زيد بن ثابت: "كانت عمومتي يفعلونه ولا يغتسلون" (٢).
قيل: ومنشأ الخلاف أنَّ "كان" هل تقتضي التكرار؟ أو لا؟
فقيل: تقتضيه لُغةً. وبه جزم القاضي أبو بكر، فقال: إن قول الراوي: "كان النبي ﷺ يفعل كذا" يفيد في عُرف اللغة تكثير الفعل وتكريره، قال تعالى: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ [مريم: ٥٥] أي: يداوم على ذلك.
وكذا قال القاضي أبو الطيب، وجرى عليه ابن الحاجب، إلا أنه قال ما معناه: إنه لا يَلزم مِن التكرار العموم. وهو ظاهر.
وقيل: تقتضي التكرار عُرفًا لا لغةً. ونقله صاحب "المعتمد" عن عبد الجبار، وقال الهندي: إنه الأظهر.
ويمكن حمل كلام ابن الحاجب أيضًا على هذا.
والثالث: لا يفيده لا لغةً ولا عرفًا. واختاره في "المحصول".
وقال النووي في "شرح مسلم": (إنه المختار الذي عليه أكثر المحققين من الأصوليين، فهي تفيد مرة. فإنْ دل دليل على التكرار من خارج، عُمل به، وإلا فلا) (٣).
стр. 1387
والتحقيق ما قاله ابن دقيق العيد: إنها تدل على التكرر كثيرًا (١)، كما يقال: "كان فلان يقري الضيف"، ومنه: "كان النبي ﷺ أجود الناس" (٢) الحديث، ولمجرد الفعل قليلاً مِن غير تكرر (٣)، نحو: "كان النبي ﷺ يقف بعرفات عند الصخرات" (٤)، وقول عائشة: "كنت أُطَيِّب النبي ﷺ لِحِلِّه وحرمه" (٥). ولم يقع وقوفه بعرفة وإحرامه وعائشة معه إلا مرة.
ومنه: ما في "سنن أبي داود" بسند صحيح عن عروة عن عائشة وهي تذكر شأن خيبر:
"كان النبي ﷺ يبعث عبد الله بن رواحة إلى يهود خيبر فيخرص النخل" (٦). فهذا لا يمكن فيه التكرار؛ لأن خيبر كانت سنة سبع، وعبد الله بن رواحة قُتل في غزوة مؤتة سنة ثمان.
واعلم: أن هذا الخلاف غير خلاف النحاة في أن "كان" هل تدل على الانقطاع؟ أو لا؟
اختيار ابن مالك الثاني، ورجح أبو حيان الأول.
وإنما قلنا: (إنه غيره)؛ لأنه لا يلزم من التكرار عدمُ الانقطاع، فقد يتكرر الشيء ثم ينقطع.
стр. 1388
نعم، يلزم بالضرورة من عدم الانقطاعِ التكررُ، لكن لا قائل به.
قولي: (وَالْمُقْتَضَى فِيهِ نُفِي) [هي] (١) مسألة مستأنفة بعد تمام المسائل التي لا عموم فيها؛ لكونها نكرة في الإثبات، وهي أن المقتضَى هل هو عام؟ أو لا؟
والمرجَّح المنع، وهو معنى قولي: (نُفِي)، أي: العموم. فالضمير فيه عائد إلى العموم الذي الباب معقود له، أي: نفاه الأكثرون كما سيأتي.
وقد سبق في تقسيم الكلام إلى منطوق ومفهوم وتقسيم "دلالة المنطوق" أنها إذا توقفت في الصدق أو الصحة على محذوف، تسمَّى "دلالة الاقتضاء".
ف "المقتضِي " (بالكَسر) هو الكلام المحتاج للإضمار. و"المقتضَى" (بالفتح) هو ذلك المحذوف. ويعبر عنه أيضًا بِـ "المُضْمَر" وإن لم يكن اصطلاح النحاة.
فالمختلف في عمومه على أظهر الاحتمالين هذا المقتضَى بالفتح؛ بدليل استدلال مَن نفى عمومه يكون العموم من عوارض الألفاظ، فلا يجوز دعواه في المعاني كما ذكره ابن السمعاني وغيره.
ويحتمل أن محل الخلاف في "المقتضِي" (بالكسر) وهو المنطوق به المحتاج في دلالته للإضمار كما صَوَّر به من الحنفية شمس الأئمة والدبوسي وصاحب "اللباب"، لكن جَعْلهم مدار الخلاف على أن ذلك المحذوف "هل هو كالمنطوق حتى يقال بعمومه؟ أو معدوم حقيقةً حتى لا يُدَّعَى فيه العموم؟ " يقتضي خلاف ذلك.
إلا أنْ يقال: مرادهم عموم المنطوق المحتاج للإضمار باعتبار الإضمار أوْ لا، لا عموم المنطوق لذاته، فبهذا ينجمع الطريقان في محل الخلاف.
стр. 1389
وبالجملة فحاصل المسألة أن المحتاج إلى تقدير -في نحو ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] و [غيرها] (١) من الأمثلة الآتي ذِكرها- إنْ دَلَّ دليل على تقدير شيء من المحتملات بِعَيْنه، فذاك، سواء أكان المقدَّر عامًّا في أمور كثيرة أو خاصًّا بِفَرد. وإنْ لم يدل دليل على تعيين شيء -لا عام ولا خاص- مع احتمال أمور متعددة لم يرجح بعضها، فهل تُقَدَّر المحتملات كلها وهو المراد بالعموم في هذه المسألة؟ أوْ لا؟
فيه مذاهب، وأجرى القرافي الخلاف وإنْ تَعيَّن البعض بدليل، قال: (كما يقول الشافعي بالجمع بين الحقيقة والمجاز وإنْ كانت الحقيقة متعينة).
وما قاله بعيد، والظاهر أن الأقوال حيث لا دليل كما قرره ابن الحاجب وغيره.
أحدها: نعم، نقله الأصفهاني في "شرح المحصول "عن "شرح اللمع" للشيخ أبي إسحاق، وبه قال جمعٌ من الحنفية، ونقله القاضي عبد الوهاب عن أكثر الشافعية والمالكية، وصححه النووي في "الروضة" في "كتاب الطلاق" حيث قال: المختار لا يقع طلاق الناسي؛ لأن دلالة الاقتضاء عامة.
يعني من قوله ﷺ : "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان" (٢) الحديث. إلا أن يُحمل كلامه على أن الذي يُقدَّر يكون عامًا، لا أن المراد التعميم بتقدير المحتملات كلها.
وكذا يحمل على ذلك قول مَن قال: إن قاعدة الشافعي تقتضي التعميم؛ بدليل أنَّ كلام الناسي عنده لا يُبطل الصلاة، وعند أبي حنيفة يبطلها.
وكذا يحمل كلام مَن نقل من الحنفية (وهُم من سبق ذِكره آنفًا) عن الشافعي أنه يقول بالعموم؛ تنزيلًا للمقدِّر منزلة المنصوص، بخلاف قول أبي حنيفة، فإن عنده أن ذلك معدوم
стр. 1390
حقيقةً، فلا يوصف بالعموم.
نعم، سيأتي حكايته نَص للشافعي مُصرِّح بتقدير المحتملات.
فإن قيل: إذا كان بعض المحتملات عامًّا وبعضها خاصًّا ولم يدل على التعيين شيء، فهل يترجح العام؛ لِكثرة فائدته؟ أو لا؟
قيل: اختيار القرافي تقدير الأعم.
قلتُ: وقرره الشيخ تقي الدين في "شرح الإلمام"، وقال: (إنه وجه يمكن أن يحصل به مقصود مَن أراد التعميم، مِثل أن يُقَدر في مِثل: "رُفع عن أمتي الخطأ" حُكمَ الخطأ). انتهى
ومثله تقدير الإِمام الرازي في: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ التصرف في الميتة؛ ليعم الأكل والبيع والملابسة وغير ذلك.
الثاني: أن المقتضَى لا عموم له باعتبار تقدير المحتملات كلها، وهو المشهور عن الحنفية وعن جمهور الشافعية.
قال ابن دقيق العيد في "شرح الإلمام": وهو المختار عند الأصوليين؛ لأن ضرورة [الإخبار] (١) تندفع بالبعض، فلا حاجة للزائد عليه.
قيل: فيؤدي للإجمال.
وعُورِض بأن إضمار الكل يَلزم منه تكثير مخالفة الدليل، أو أن العموم من عوارض اللفظ، والمقتضَى معنى، لا لفظ، أو غير ذلك.
ثم اختلف القائلون بعدم التعميم على أقوال:
أحدها: أنه مجُمَل؛ فيُتوقَّف فيه حتى يبيَّن المراد بدليل أو يترجح بكونه أقرب إلى
стр. 1391
الحقيقة أو بغير ذلك. وهو ما اختاره الشيخ أبو إسحاق والغزالي وابن السمعاني والإمام الرازي والآمدي وابن الحاجب وغيرهم. فإنْ رجح بعضها [بمُرجح] (١)، فلا إجمال، فإن المقدَّر حينئذٍ كالملفوظ، فإن كان عامًّا فعام من هذه الحيثية، أو خاضًا فيتعين.
ثانيها: أنه ليس بمجمَل، بل يُحمل على اللائق بالمقصود. حكاه ابن برهان.
وفيه نظر؛ فإنه إذا كان لائقًا دون غيره، فقدْ تَرجَّح، والصورة (٢) حيث لم يترجح منها شيء.
ثالثها: يرجع في التعيين للمجتهد.
وهو فاسد؛ لأن المجتهد لا يقول إلا بدليل، والفرض خلافه.
رابعها: يضمر الموضع المختلف فيه؛ لأن المجمَع عليه مستغنٍ عن الدليل. حكاه الشيخ أبو إسحاق.
وفيه نظر أيضًا؛ فإنَّ المخالِف -في ذلك المختلَف فيه- يقول في تقدير خصمه مِن غير دليل: إنه تَحَكُّم.
خامسها: يُقدر ما يقتضيه عُرف الاستعمال قبل الشرع. ونُقل عن الآمدي.
وفيه النظر السابق، وهو أن الكلام في ما لم يترجح فيه شيء لا بِعُرْفٍ ولا بِغيره.
الثالث من المذاهب: التوقف في رجحان شيء من القولين. وهو ظاهر كلام الآمدي آخِرًا؛ لتعارض المحذور مِن كثرة الإضمار ومن الإجمال.
نعم، اختار في "باب المجمل" أن كثرة الإضمار أرجح؛ لثلاثة أَوجُه: كون الإضمار في
стр. 1392
اللغة أكثر من الإجمال، والإجماع على وجود الإضمار، والخلاف في جواز الإجمال، ودلالة حديث: "لعن الله اليهود؛ حُرمت عليهم الشحوم، فجملوها، وباعوها، وأكلوا أثمانها"ـ (١) على إضمار جميع التصرفات المتعلقة بالشحوم في التحريم.
وأما ابن الحاجب فخالف هناك اختيار الكرخي في مِثل: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ أن ذلك مجمل مع التزامه هنا أن الإجمال أقرب من مخالفة الأصل.
واعلم أن الشافعأنه نَصان يوافق كل منهما قولًا من القولين الأولين:
أحدهما: نَصه في "الأم" (٢) في "كتاب الحج" لما ذكر الدماء الواجبة [للترفه] (٣) -وهو دم التقليم وترجيل الشعر والطيب واللباس والتغطية- جعل جميع ذلك مقدَّرًا في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦].
قال الماوردي: (التقدير عند الشافعي: "فمن كان منكم مريضًا فتطيَّب أو لبسَ أو أَخذَ من ظفره") (٤) إلى آخره.
الثاني: قوله في "الإملاء": إنَّ هذا ليس مضمرًا في الآية، وإنما يضمر حلق الرأس فقط، والباقي مقيس عليه.
قلت: ويمكن الجمع بين النصين -مع التزام أن الشافعي لا يُقدِّر الجميع- بأن يقال: إنَّ نَص "الأم" إنما دل على أن الحكم في الكل كذلك، لكن لا من حيث وجوب تقدير
стр. 1393
الاحتمالات كلها عمومًا، بل لأن الدليل قام على تقدير هذه الأمور بأعيانها حتى لا يجري في غيرها من الاحتمالات.
ونحن قد بيَّنا أن الدليل إذا قام على تقدير شيء، وجب تقديره واحدًا أو اثنين أو ثلاثة أو أكثر، وسواء أكان ذلك الدليل قياسًا أو غيره؛ فلهذا قال في نص "الإملاء": وإنه يُضْمَر الحلق. أي: لقرينة سبب النزول في الآية، فإن كعب بن عجرة قال: "فِيَّ نزلت، حُملت إلى رسول الله والقمل يتناثر على وجهي" (١) الحديث، وغير الحلق بالقياس عليه.
تنبيهات
الأول: نشأ من هذا الخلاف اختلاف في المقدر فيما لا ينحصر في الكتاب والسنة.
من ذلك قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] أي: وقت الحج. ثم قيل: التقدير: وقت الإحرام. وقيل: وقت الأعمال.
ومنه: هو ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ سبق تقدير الإِمام في "تفسيره": التصرف؛ ليعم. وهو خلاف ما قدَّره في "المحصول" مِن "أَكْل".
قيل: وهو أجود؛ لأن الأكل إذا حرم على الإطلاق لا للحرمة ولا للاستقذار ولا للضرر، يكون نجسًا، فينشأ عنه امتناع بيعه والصلاة فيه ونحو ذلك من الأحكام، إلا ما يستثنى من دبغ الجلد والاستصباح بالدهن؛ لدليل قام على ذلك، ولهذا قال ﵇: "إنما حر من الميتة أكلها" (٢). وعليه أيضًا حديث: "لعن الله اليهود؛ حُرمت عليهم شحوم
стр. 1394
الميتة، فجملوها، فباعوها" (١)؛ لأنه إذا حرمت، لزم منع بيعها وغيره كما قررناه.
ومنه حديث: "إنما الأعمال بالنية" (٢)، هل يُقَدَّر: "إنما صِحَّة"؛ لأن نفي الصحة أقرب إلى الحقيقة وهي نفي الذات؟ أو يُقدر نفيُ الكمال؟ أو يُقدر ما هو أعم نحو: "إنما يُعتَبر" أعم من الاعتبار للصحة أو للكمال؟ أو غير ذلك؟
وقد بسطناه في "شرح العمدة"، ونزيد هنا ما قال إمام الحرمين: إنه لا ينبغي للخصم -على بُعد مذهبه- أن يُقَدر الكل إلا إذا لم يُنافِ بعضُها بعضًا، فمن قَدَّر الكل عند المنافاة فقد أساء وأسرف وركب شططًا. وهذا مِثل: "لا صيام"، فإن تقدير الكمال ينافي تقدير الصحة؛ إذْ نفي الكمال يُفْهِم إثبات الصحة، فلا يصح تقديره مع نفي الصحة (٣).
ووافق إمامَ الحرمين على هذا ابنُ السمعاني.
قيل: وفيما قالاه نظر، فإنَّ نفي الكمال لا يقتضي إثبات الصحة، فإن نفي الأخص قد يكون لانتفاء الأعم، ولانتفاء الأخص مع ثبوت الأعم، كما في قوله تعالى: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [لقمان: ١٠] أي: لا عمد [فيها] (٤) فترونها. ونحوه قول الشاعر: علَى لاحِبٍ لا يُهْتَدَى بمناره. أي: لا منار له فيُهتدَى به.
نعم، تَوجُّه النفي للأخص وإنْ ثبت الأعم أرجح مِن حيث إنه لولا ثبوت الأعم لَمَا كان لتسليط النفي على الأخص معنى ولا فائدة.
ولهذا قال أبو حيان في "تفسيره" عند قوله تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ﴾ [البقرة: ٩]: إن
стр. 1395
الأكثر في كلام العرب فيما إذا نُفِي المقيد بقيد أنه نَفْي للقيد فقط وإثبات للمقيد، وأنَّ نفيهما معًا خلافُ قول الأكثر في كلامهم (١).
فوضح بذلك قول الإِمام والسمعاني.
ومنه حديث: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه" (٢). كذا رواه بهذا اللفظ أبو القاسم التيمي الحافظ في "مسنده" عن ابن عباس مرفوعًا، والبيهقي في "خلافياته" عن ابن عمر مرفوعًا، ورواه ابن ماجه والضياء المقدسي، كلاهما عن ابن مصفى بلفظ: "إن الله وضع عن أمتي" (٣).
نعم، أنكره أحمد، وقال محمَّد بن نصر المروزي: ليس له إسناد محتج به.
وقال البيهقي عن الحاكم: إنه تفرد به الوليد بن مسلم عن مالك، وهو صحيح غريب.
وعلى كل حال فيقدر فيه كما تَقدم: "رُفع حُكم"، وهو أحسن من تقدير: "إثم" أو نحوه إنْ قُلنا: الأعم أرجح.
ومن هذا الباب: "لا هجرة بعد الفتح" (٤). أي: لا وجوب هجرة؛ لأن الهجرة جائزة،
стр. 1396
و"لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" (١)، "لا عدوى ولا طيرة" (٢)، "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة" (٣)، "لا إيمان لمن لا أمانَ له، ولا عهد لمن لا دِين له" (٤)، "لا نكاح إلا بولي" (٥)، "لا أُحِل المسجد لِجُنُب ولا لحائض" (٦).
وهو باب واسع، مقرر كل لفظة منه في موضعها, ولكنه إنما يتأتى على أن اللفظ الشرعي يُطلق على الصحيح والفاسد. أما إذا قُلنا: (يختص بالصحيح) وهو الحقُّ، فنفْي ذلك لا يحتاج لتقدير أصلًا؛ لأن الحقيقة غير متعذرة حتى يُعدَل إلى المجاز؛ ولهذا قال ﷺ للمسيء صلاته: "ارجع فَصَلِّ؛ فإنك لم تُصَلِّ" (٧).
الثاني:
قد تَقرر أنَا إذا قُلن النهي عموم المقتضَى وأنهْ يقدر بعض المحتملات ولو كان عامًّا إذا دل عليه دليل. لكن الحنفية عَدوا منع العموم فيه إلى صورة تقدير العام، وبنوا عليه مسائل، فقالوا: إذا قال: "أنت طالق" ونوى الثلاث، لا يصح.
стр. 1397
وعندنا يصح؛ لأن عندهم المقتضَى لا يمكن أن يكون عامًّا، وعندنا يمكن.
وتقريره أنَّ "أنت طالق" يحتمل أن يُقَدر بعده: "واحدة" و"اثنتين" و"ثلاثًا". فإذا نوى الثلاث أو اثنتين، أضمر بعض المحتمل الذي هو أَعَم من قوله "واحدة"، فقُبل.
ووافقوا على أنه لو قال: "أنت طالق طلاقًا" ونوى الثلاث، وقعت؛ لأنه صرح بما كان يُقَدر في دلالة الاقتضاء، فجاز أن يخصصه ويعممه.
ونحوه: "حلف لا يشرب" ونوى مياه العالم، وقد سبق أن مسألة: "لا آكُل" و"إنْ أكلت " جعلها بعض الحنفية من فروع هذه المسألة.
الثالث:
اختلف في دلالة الاقتضاء: هل هي مغايرة [للإضمار] (١)؟
ومَن قال بالتغاير فَرَّقوا بفروق فيها نظر. ولا جدوى لذلك ولا طائل تحته، فلا نُطَول به، فإن المتكلمين في عموم المقتضَى أمثلتهم وتقريراتهم شاهدة بأن لا فرق بينهما هنا.
الرابع:
ليس بين قولنا هنا: (إن الراجح أن المقتضى ليس بعام) وبين ما سبق من كون ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَة﴾ [المائدة: ٣] و ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] ونحو ذلك من العام عُرفًا- تنافٍ؛ لأن المراد هناك أنه إذا قُدِّر شيء عام في جزئيات، يكون المفيد لعمومها العرُف. والذي هنا إنما هو هل يُقَدَّر كل المحتملات؟ أوْ لا؟ والله أعلم.
стр. 1398
ص:
٥٩٩ - كَذَاكَ مَعْطُوفٌ عَلَى مَا عَمَّا ... وَمَا يَلِي مِنْ ذِي الْعُمُومِ ذَمَّا
٦٠٠ - أَوْ مَدْحًا الْعُمُومُ فِيهِ بَاقِي ... مَا لَمْ يُعَارِضْهُ عُمُومٌ لَاقِي
الشرح: تضمن البيتان مسألتين:
الأُولى المرجح فيها عدم العموم، والثانية بالعكس.
فأما الأُولى وإلى نَفْي العموم فيها أشرت بقولي: (كَذَاكَ)، أي: كالذي قبله في كون العموم فيه نُفِي، وهي "المعطوف على العام" إذا تَعَذَّر عمومه، وجب أن يعتقد خصوصه، ولا يلزم أن يكون عامًّا كالمعطوف عليه.
مثاله قوله ﷺ : "لا يقتل مسلم بكافر، ولا ذو عهد في عهده" (١). رواه أحمد وأَبو داود والنَّسائي. ولفظه عن قيس بن عباد، قال: (انطلقت أنا والأشتر إلى علي، فقلنا: هل عَهِدَ إليك نبي الله شيئًا لم يعهده إلى الناس عامة؛ قال: لا، إلَّا ما كان في كتابي هذا. فأخرج كتابًا من قُراب سيفه، فإذا فيه: "المؤمنون تتكافأ دماؤهم، وهُم يد على مَن سواهم، وَيسْعَى بذمتهم أدناهم، ألَا لا يُقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده") (٢). والحديث في "البخاري" (٣) سوى قوله: (ولا ذو عهد في عهده).
стр. 1399
والخلاف في هذه المسألة شهير بيننا وبين الحنفية مع الاتفاق على أن "النكرة في سياق النفي للعموم". فهُم يقدرون - تتميمًا للجملة الثانية - لفظًا عامَّا؛ تسويةً بين المعطوف والمعطوف عليه في متعلقه، فيكون على حد قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٢٨٥]، فيُقدر: "ولا ذو عهد في عهده بكافر"؛ إذ لو قدّر خاصًّا وهو "ولا ذو عهد في عهده بحربي"، لزم التخالف بين المتعاطفين وأن يكون تقديرًا بلا دليل، بخلاف ما لو قدّر عامًّا، فإن الدليل عليه من المصرح به في الجملة التي قبلها، وحينئذٍ فيخصص العموم في الثانية بالحربي بدليل آخَر، وهو الاتفاق على أن المعاهد لا يُقتل بالحربي ويُقتل بالمعاهد والذمي.
قالوا: وإذا تَقرر هذا، وجب أن يخصص العام المذكور أولًا؛ ليتساوَيا، فيصير: "لا يُقتل مسلم بكافر حربي، ولا ذو عهد في عهده بحربي".
وأما أصحابنا فإذا قدَّروا في الجملة الثانية، فإنما يقدِّرون خاصًّا، فيقولون: "ولا ذو عهد في عهده بحربي"؛ لأن التقدير إنما هو بما تندفع به الحاجة بلا زيادة، وفي تقدير بـ "حربي" كفاية، ولا يضر تخالفه مع المعطوف عليه في ذلك؛ إذ لا يشترط إلَّا اشتراكهما في "أصل الحكم"، وهو هنا "منع القتل" بما يذكر أو بما يقوم الدليل عليه، لا في كل الأحوال.
كما في قوله تعالى: ﴿وُبُعُوَلَتُهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فإنه مختصٌّ بالرجعيات وإنْ تَقدم المطلقات بالعموم، وستأتي المسألة.
وممن حرر محل الاختلاف بذلك ابن السمعاني، فقال: (لا يجب أن يضمر فيه جميع ما يمكن إضماره مما في المعطوف عليه، بل يُضمر قَدْر ما يفيد ويستقل به. وعند أبي حنيفة يضمر فيه جميع ما سبق مما يمكن إضماره) (١). انتهى
стр. 1400
وقيل بالوقف.
وقيل: إنْ قُيد بقيد غير قيد المعطوف عليه فلا يُضمر فيه، وإنْ أطلق، أضمر فيه. كذا نُقل عن بعض الحنابلة، وعن بعض المتأخرين منهم أنَّه إنما يخصص المعطوف عليه بما في المعطوف من الخصوص إذا كان بخصوص المادة كالحديث، لا نحو: "اضرب زيدًا وعمرًا قائمًا في الدار".
ولأجل ذلك عِيب على مَن ترَجم هذه المسألة - كالآمدي - بأن "العطف على العام هل يقتضي العموم في المعطوف؟ "؛ فإن هذا شامل لما لا خلاف فيه، وهو ما لو قال: "ولا ذو عهد في عهده بحربي"، فلا يَسع أحدًا أن يقول باقتضاء العطف على العام - هنا - العموم مع كون المعطوف خاصًّا.
ولا نحن نقول فيما إذا قُدر عام: (إنه خاص) بلا دليل خصصه، إنما المقصود بالمسألة أن إحدى الجملتين إذا عُطفت على الأخرى وكانت الثانية تقتضي إضمارًا ليستقيم وكان نظيره في الجملة الأولى عامًّا، هل يجب أن يساويه في عمومه فيضمر عام؟ أو لا كما قررناه؟
ولذلك لّمَا رأى ابن الحاجب التَّرجمة بذلك مختلة، عبَّر عنها بقوله: (مسألة: قالت الحنفية: مثل قوله ﷺ : ) (١) الحديث.
ومنهم مَن يصحح التَّرجمة بِـ "العطف على العام" بأن هذا خرج مَخْرج اللقب على المسألة، لا لمراعاة قيودها.
وسلك الإمام فخر الدين والبيضاوي والهندي وغيرهم مسلكًا آخر في التَّرجمة، فقال: عطف الخاص على العام لا يقتضي تخصيص المعطوف عليه.
أي: فإن "بكافر" في الجملة الثانية تخصَّص "بالحربي"، فهل يكون تخصيصًا للعام الأول
стр. 1401
به، ويكون التقدير: "لا يقتل مسلم بكافر حربي"؟ أي: بل يقتل بالذمي؟ أو هو باق على عمومه ولا يقدح عطف الخاص عليه؟
الأول قول الحنفية، والثاني قول الشَّافعية.
ولكن هذا يشمل ما لو صرح في الثانية "بحربي" من باب أَولى، ولا يضر ذلك في التصوير، إلَّا أنَّه يخرج عن ملاحظة المقدر هل يقدر عامًّا؟ أو خاصًّا؟
ومما يُضعف قولهم أنَّ كون الحربي مهدرًا مِن المعلوم من الدين بالضرورة، فلا يَتوهم أحد قَتْل مُسلِم به، فحمل الكافر في "لا يُقتل مسلم بكافر" عليه ضعيفٌ؛ لعدم فائدته.
على أن ترجمة المسألة بِـ "المعطوف" على كل حال فيه نظر؛ لأن المعطوف في الحديث في الحقيقة هو "ذو عهد" على النائب عن الفاعل في "يُقتل" وهو "مُسلم"، إلَّا أنْ يُقدر بعده مجرور بِباء؛ ليقابل"بكافر" في الجملة الأُولى، فيكون من عطف معمولين على معمولي عامل، وهو جائز قطعًا.
لكن فيه على كل حال إبهام؛ لأنَّا لا نَعلم ما المراد بالمعطوف: المرفوع؟ أو المجرور؟
نعم، ابن السمعاني وجمع من أصحابنا قد وافقوا الحنفية على أن مُدَّعاهم في هذه المسألة أرجح، وكذا ابن الحاجب مُصرَّح بموافقتهم، قائمٌ بالاستدلال لهم، مجيبٌ عن أدلتنا وإنْ لم يكن من مذهبه قتل المسلم بالكافر، إلَّا أنَّه يقول: (التخصيص طَرَق العام الأول بدليل من خارج، والعام الثاني كذلك) (١).
стр. 1402
تنبيهات
الأول: كل ما سبق مِن اختلاف الفريقين إنما هو حيث كان الأمر لا يستقيم إلَّا بإضمار في الجملة الثانية.
فهل يضمر قَدْر الضرورة؟ أو ما دل عليه العام في الجملة قبلها؟
ولهذا عقبتُ في النَّظم هذه المسألة بمسألة المقتضَى؛ لاشتراكهما في الإضمار، لكن قَدْر الحاجة؟ أو العام؟ فيه الخلاف.
نعم، ذهب قوم من أصحابنا إلى أن الجملة الثانية كلام تام لا يحتاج إلى تقدير خاص ولا عام، وأن المعنى: النهي عن قتل المعاهد ما دام في عهده. فالقيد في منع قتله كَوْنه "في عهده"، والفائدة حاصلة بذلك.
واعتُرض:
- بأنه يلزم امتناع قتل المعاهد مطلقًا ولو قَتل مسلمًا أو معاهدًا.
- وبأنه لا يصير له مناسبة للجملة قبله؛ لأن تلك في بيان "المكافأة في القصاص"، وهذه في "مطلق قتل المعاهد"، وأي ارتباط بينهما؟ " وكلام البليغ يُصان عن ذلك.
- وبأن الإقدام على قتل ذي العهد حرام، والصحابة يعرفون ذلك، وقد قال تعالى: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ [التوبة: ٤]، فلم يَبْقَ في ذلك فائدة جديدة؛ ولذلك لَمَّا كان إقدام المسلم على قتل الكافر غير الحربي محرَّمًا، لم يذكر في الجملة الأولى إلَّا كونه إذا قتله هل يقتل به؟ أو لا؟
والجواب:
عن الأول: أنَّه عام خُص، كما أنهم قدَّروا "ولا ذو عهد في عهده بكافر"، وهو كان عامًّا
стр. 1403
خُص. بل في تقديرهم ذلك مجازان: حذف وتخصيص، وفي هذا التقدير تخصيص فقط.
وعن الثاني: كما قال أَبو إسحاق المروزي في "التعليقة": إن عداوة الصحابة للكفار في صدر الإسلام كانت شديدة جدًّا، فلما قال ﵊: "لا يقتل مسلم بكافر" خشي أن يتجرد هذا الكلام، فتحملهم العداوة الشديدة بينهم على قتل كل كافر مِن معاهد وغيره، فعقبه بقوله ما معناه: (ولا يُقتل ذو عهد في زمن عهده).
وعن الثالث: بأن هذا الحكم عام في الصحابة وغيرهم، وربما اشتدت عداوة غير الصحابة للكفار؛ فقتلوا المعاهد وغيره؛ غفلة عن عصمة المعاهد، بل وفي الصحابة قد يكونون إنما علموا ذلك بهذا اللفظ. فلو سكت الشارع عنه؛ لَبادروا لقتلهم.
وأما أن في القرآن ما يدل على تحريم قتل المعاهد فليس هذا بأول شيء توارد عليه دلالة الكتاب والسُّنة.
الثاني:
ذكر القدوري من الحنفية في كتابه "التجريد" (١) في الحديث تقديرين آخَرين غير تقديرهم المشهور:
أحدهما: أنَّه لا حذف فيه، بل على التقديم والتأخير. والأصل: "لا يقتل مسلم ولا ذو عهد في عهده بكافر".
وثانيهما: أن"ذو عهد" مبتدأ، و"في عهده" خبره، و"الواو" للحال. أي: لا يقتل المسلم بكافر، والحال أنَّه ليس ذو عهد في عهده.
стр. 1404
قال: (ونحن لو فرضنا خلو الوقت عن عهد لجميع الكفار، لم يقتل مسلم بكافر) (١).
أي: لأنه لا كافر حينئذٍ إلَّا وهو حربي.
وجوابه: أن الأول ضعيف؛ لأن التقديم والتأخير خلاف الأصل، ولا دليل يقتضيه.
والثاني في غاية البعد؛ لأن فيه إخراج "الواو" عن أصلها وهو العطف، ومخالفة رواية "ولا ذي عهد" بالخفض إما عطفًا على كافر كما يقوله الجمهور، أو على "مسلم" كما يقوله الحنفية وأنه خفض بالمجاورة.
وأيضًا فيقتضي بمفهومه أن المسلم يقتل بالكافر مطلقًا في حالة "كون ذي العهد في عهده"، وهذا لا يقوله أحد، فإنه لا يُقتل بالحربي اتفاقًا.
الثالث:
من فروع هذه القاعدة:
لو قال: "حفص طالق ثلاثا وعمرة"، قال القاضي حسين قبيل باب طلاق المريض: (يحتمل أن تقع على "عمرة" واحدة؛ لأن المعطوف يجوز أن يكون بخلاف المعطوف عليه).
وفي "الرافعي": (لو طلَّق إحدى امرأتيه ثلاثًا ثم قال للأخرى: "أشركتُك معها"، عن إسماعيل البوشنجي أن المسألة جرت بين يدي فخر الإسلام الشاشي بمدينة السلام، فأجاب بأنها تطلق واحدة. وخالف البوشنجي فيه وقال: قد أوقع على الأُولى ثلاثًا، والعطف يقتضي التشريك) (٢).
قال الرافعي: (والتردد قريب من الخلاف فيما إذا قال مَن تحته أربع لِثلاث منهن:
стр. 1405
"أوقعتُ عليكن - أو بينكن - طلقة"، ثم قال للرابعة: "أشركتُك معهن". وفيه وجهان، أظهرهما: تطلق واحدة، والثاني: عن القفال: تطلق ثنتين) (١).
نعم، ربما قدر الأصحاب في بعض الفروع ما في المعطوف عليه في المعطوف، ولَعَلَّه لقرينة في ذلك الموضع.
ففي "فروع ابن الحداد": أوصَى لزيد بعشرة ولعبد الله بعشرة ولخالد بخمسة، وقال: "قدِّموا خالدًا على عبد الله"، وكان الثُّلث عشرين، كان لزيد ثمانية، ولخالد خمسة؛ لتقدمه، ولعبد الله سبعة؛ لأن الثلث لا يفي بالكل. فيجب أن ينقص الخَمس من كُلٍّ، ويزاد نقص عبد الله واحدًا، لتقدم خالد عليه.
ووافقه الأصحاب، وكأنه قال: "وقدموا خالدًا على عبد الله بشيء". ولو قدر كذلك؛ لكان لخالد أربعة وشيء، ولعبد الله ثمانية إلَّا شيء.
المسألة الثانية:
العام إذا كان في سياق المدح أو الذم، هل العموم فيه باقٍ؟ أو لا؟
وذلك مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣، ١٤]، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤]، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥)﴾ [المؤمنون: ٥].
فيه ثلاثة مذاهب:
أحدها: أنَّه غير باقٍ على عمومه. ونقله إمام الحرمين وغيره عن الشَّافعي، وهو أحد وجهين لأصحابنا، حكاهما أَبو الحسين بن القطان والأستاذ أَبو منصور وسليم الرازي وابن