← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 32476

الفوائد السنية في شرح الألفية

شمس الدين البرماوي

Полный текст (2 306 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

به، ويكون التقدير: "لا يقتل مسلم بكافر حربي"؟ أي: بل يقتل بالذمي؟ أو هو باق على عمومه ولا يقدح عطف الخاص عليه؟ الأول قول الحنفية، والثاني قول الشَّافعية. ولكن هذا يشمل ما لو صرح في الثانية "بحربي" من باب أَولى، ولا يضر ذلك في التصوير، إلَّا أنَّه يخرج عن ملاحظة المقدر هل يقدر عامًّا؟ أو خاصًّا؟ ومما يُضعف قولهم أنَّ كون الحربي مهدرًا مِن المعلوم من الدين بالضرورة، فلا يَتوهم أحد قَتْل مُسلِم به، فحمل الكافر في "لا يُقتل مسلم بكافر" عليه ضعيفٌ؛ لعدم فائدته. على أن ترجمة المسألة بِـ "المعطوف" على كل حال فيه نظر؛ لأن المعطوف في الحديث في الحقيقة هو "ذو عهد" على النائب عن الفاعل في "يُقتل" وهو "مُسلم"، إلَّا أنْ يُقدر بعده مجرور بِباء؛ ليقابل"بكافر" في الجملة الأُولى، فيكون من عطف معمولين على معمولي عامل، وهو جائز قطعًا. لكن فيه على كل حال إبهام؛ لأنَّا لا نَعلم ما المراد بالمعطوف: المرفوع؟ أو المجرور؟ نعم، ابن السمعاني وجمع من أصحابنا قد وافقوا الحنفية على أن مُدَّعاهم في هذه المسألة أرجح، وكذا ابن الحاجب مُصرَّح بموافقتهم، قائمٌ بالاستدلال لهم، مجيبٌ عن أدلتنا وإنْ لم يكن من مذهبه قتل المسلم بالكافر، إلَّا أنَّه يقول: (التخصيص طَرَق العام الأول بدليل من خارج، والعام الثاني كذلك) (١).

стр. 1402

تنبيهات الأول: كل ما سبق مِن اختلاف الفريقين إنما هو حيث كان الأمر لا يستقيم إلَّا بإضمار في الجملة الثانية. فهل يضمر قَدْر الضرورة؟ أو ما دل عليه العام في الجملة قبلها؟ ولهذا عقبتُ في النَّظم هذه المسألة بمسألة المقتضَى؛ لاشتراكهما في الإضمار، لكن قَدْر الحاجة؟ أو العام؟ فيه الخلاف. نعم، ذهب قوم من أصحابنا إلى أن الجملة الثانية كلام تام لا يحتاج إلى تقدير خاص ولا عام، وأن المعنى: النهي عن قتل المعاهد ما دام في عهده. فالقيد في منع قتله كَوْنه "في عهده"، والفائدة حاصلة بذلك. واعتُرض: - بأنه يلزم امتناع قتل المعاهد مطلقًا ولو قَتل مسلمًا أو معاهدًا. - وبأنه لا يصير له مناسبة للجملة قبله؛ لأن تلك في بيان "المكافأة في القصاص"، وهذه في "مطلق قتل المعاهد"، وأي ارتباط بينهما؟ " وكلام البليغ يُصان عن ذلك. - وبأن الإقدام على قتل ذي العهد حرام، والصحابة يعرفون ذلك، وقد قال تعالى: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ [التوبة: ٤]، فلم يَبْقَ في ذلك فائدة جديدة؛ ولذلك لَمَّا كان إقدام المسلم على قتل الكافر غير الحربي محرَّمًا، لم يذكر في الجملة الأولى إلَّا كونه إذا قتله هل يقتل به؟ أو لا؟ والجواب: عن الأول: أنَّه عام خُص، كما أنهم قدَّروا "ولا ذو عهد في عهده بكافر"، وهو كان عامًّا

стр. 1403

خُص. بل في تقديرهم ذلك مجازان: حذف وتخصيص، وفي هذا التقدير تخصيص فقط. وعن الثاني: كما قال أَبو إسحاق المروزي في "التعليقة": إن عداوة الصحابة للكفار في صدر الإسلام كانت شديدة جدًّا، فلما قال ﵊: "لا يقتل مسلم بكافر" خشي أن يتجرد هذا الكلام، فتحملهم العداوة الشديدة بينهم على قتل كل كافر مِن معاهد وغيره، فعقبه بقوله ما معناه: (ولا يُقتل ذو عهد في زمن عهده). وعن الثالث: بأن هذا الحكم عام في الصحابة وغيرهم، وربما اشتدت عداوة غير الصحابة للكفار؛ فقتلوا المعاهد وغيره؛ غفلة عن عصمة المعاهد، بل وفي الصحابة قد يكونون إنما علموا ذلك بهذا اللفظ. فلو سكت الشارع عنه؛ لَبادروا لقتلهم. وأما أن في القرآن ما يدل على تحريم قتل المعاهد فليس هذا بأول شيء توارد عليه دلالة الكتاب والسُّنة. الثاني: ذكر القدوري من الحنفية في كتابه "التجريد" (١) في الحديث تقديرين آخَرين غير تقديرهم المشهور: أحدهما: أنَّه لا حذف فيه، بل على التقديم والتأخير. والأصل: "لا يقتل مسلم ولا ذو عهد في عهده بكافر". وثانيهما: أن"ذو عهد" مبتدأ، و"في عهده" خبره، و"الواو" للحال. أي: لا يقتل المسلم بكافر، والحال أنَّه ليس ذو عهد في عهده.

стр. 1404

قال: (ونحن لو فرضنا خلو الوقت عن عهد لجميع الكفار، لم يقتل مسلم بكافر) (١). أي: لأنه لا كافر حينئذٍ إلَّا وهو حربي. وجوابه: أن الأول ضعيف؛ لأن التقديم والتأخير خلاف الأصل، ولا دليل يقتضيه. والثاني في غاية البعد؛ لأن فيه إخراج "الواو" عن أصلها وهو العطف، ومخالفة رواية "ولا ذي عهد" بالخفض إما عطفًا على كافر كما يقوله الجمهور، أو على "مسلم" كما يقوله الحنفية وأنه خفض بالمجاورة. وأيضًا فيقتضي بمفهومه أن المسلم يقتل بالكافر مطلقًا في حالة "كون ذي العهد في عهده"، وهذا لا يقوله أحد، فإنه لا يُقتل بالحربي اتفاقًا. الثالث: من فروع هذه القاعدة: لو قال: "حفص طالق ثلاثا وعمرة"، قال القاضي حسين قبيل باب طلاق المريض: (يحتمل أن تقع على "عمرة" واحدة؛ لأن المعطوف يجوز أن يكون بخلاف المعطوف عليه). وفي "الرافعي": (لو طلَّق إحدى امرأتيه ثلاثًا ثم قال للأخرى: "أشركتُك معها"، عن إسماعيل البوشنجي أن المسألة جرت بين يدي فخر الإسلام الشاشي بمدينة السلام، فأجاب بأنها تطلق واحدة. وخالف البوشنجي فيه وقال: قد أوقع على الأُولى ثلاثًا، والعطف يقتضي التشريك) (٢). قال الرافعي: (والتردد قريب من الخلاف فيما إذا قال مَن تحته أربع لِثلاث منهن:

стр. 1405

"أوقعتُ عليكن - أو بينكن - طلقة"، ثم قال للرابعة: "أشركتُك معهن". وفيه وجهان، أظهرهما: تطلق واحدة، والثاني: عن القفال: تطلق ثنتين) (١). نعم، ربما قدر الأصحاب في بعض الفروع ما في المعطوف عليه في المعطوف، ولَعَلَّه لقرينة في ذلك الموضع. ففي "فروع ابن الحداد": أوصَى لزيد بعشرة ولعبد الله بعشرة ولخالد بخمسة، وقال: "قدِّموا خالدًا على عبد الله"، وكان الثُّلث عشرين، كان لزيد ثمانية، ولخالد خمسة؛ لتقدمه، ولعبد الله سبعة؛ لأن الثلث لا يفي بالكل. فيجب أن ينقص الخَمس من كُلٍّ، ويزاد نقص عبد الله واحدًا، لتقدم خالد عليه. ووافقه الأصحاب، وكأنه قال: "وقدموا خالدًا على عبد الله بشيء". ولو قدر كذلك؛ لكان لخالد أربعة وشيء، ولعبد الله ثمانية إلَّا شيء. المسألة الثانية: العام إذا كان في سياق المدح أو الذم، هل العموم فيه باقٍ؟ أو لا؟ وذلك مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣، ١٤]، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤]، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥)﴾ [المؤمنون: ٥]. فيه ثلاثة مذاهب: أحدها: أنَّه غير باقٍ على عمومه. ونقله إمام الحرمين وغيره عن الشَّافعي، وهو أحد وجهين لأصحابنا، حكاهما أَبو الحسين بن القطان والأستاذ أَبو منصور وسليم الرازي وابن

стр. 1406

السمعاني وغيرهم. ونقل الثاني منهما أَبو بكر الرازي (مِن الحنفية) عن القاشاني، ونقله ابن برهان عن الكرخي وغيره. وقال إلْكِيَا: إنه الصحيح. وجزم به القفال الشاشي؛ ولذلك منع الشَّافعي التمسك بآية الزكاة السابقة في وجوب زكاة الحلي المباح، إلى غير ذلك. وجزم به أيضًا القاضي حسين. الثاني وعليه الجمهور: أنَّه عام؛ إذْ لا تنافي بين قَصْد العموم وبين المدح أو الذم. وقال الأستاذ أَبو إسحاق الأسفراييني: إنه الظاهر من المذهب. وقال الشيخ أَبو حامد وسليم: إنه المذهب. وكذا قال ابن برهان وابن السمعاني والشيخ أَبو حامد وغيره. والثالث: وهو أصحها، وهو الثابت عن الشَّافعي، الصحيح من مذهبه: إنه باقٍ على عمومه إذا لم يعارضه عام آخر لم يُسَق لمدح ولا ذم. فإنْ عارضه ذلك، عُمل بالمعارِض الخالي مِن المدح والذم. وهذا في الحقيقة عَيْن القول بالعموم؛ لأن غاية المعارَضة قرينة تُقَدِّم غيرَه عليه في صُورة. ولهذا قال الشيخ أَبو حامد وسليم الرازي وابن السمعاني وغيرهم من أئمتنا: إنه لا خلاف حينئذ على المذهب أنَّه يترجح على ما فيه مدح أو ذم. نعم، حكى غير هؤلاء الخلاف مطلقا في الحالين. وحكى أَبو عبد الله السهيلي - من أصحابنا - وجهًا أنَّه يوقف هذان العامَّان إلى أن يتبين الحال، كالمتعارضين. ولكن يدل للمُرجَّح عملُ الصحابة بالعام المعارِض للعام الذي فيه المدح. فقد رُوي عن عثمان كت أنَّه قال في الجمع بين الأختين بملك اليمين: "أحلتهما آية

стр. 1407

وحرمتهما آية، والتحريم مُقدَّم" (١). وأراد بآية الحل: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣]، وآية التحريم: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا﴾ [النساء: ٢٣]. فحَكَمَ بعموم آية الحل، ولكن قدم عليه آية التحريم؛ لأن آية الحل مسوقة للمدح والمنة. ووافقه الصحابة على ذلك. وبهذا رد على داود احتجاجه بقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ على إباحة الأختين بملك اليمين. ومَثَّل أَبو عبد الله السهيلي للعامَّين اللذين سِيق أحدهما للمدح دُون الآخر بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٥، ٦]، فإنه سِيق للمدح وهو يَعُم مِلك اليمين، سواء الأخت وغيرها، فيرجح عليه ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا﴾؛ فإنه عام في مِلك اليمين والنكاح. نعم، قد يقال: إن بين الآيتين عمومًا وخصوصًا مِن وجه، فرجحت إحداهما بكونها تقتضي التحريم كما سبق عن عثمان، لا لِكونها تجردت عن مدح فَقُدِّمت على ذات المدح. ومَثَّل الشيخ أَبو حامد وابن السمعاني وغيرهما بقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] الآية، سِيقت لبيان عَيْن المحرمات دُون العَدد، بخلاف آية: ﴿مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [فاطر: ١]، فإنها للعَدد، وهي تعم الأخت وغيرها، فيقضَى بتلك؛ لأنها مسوقة لبيان المحرَّم. وكذلك يُقضَى بها على قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.

стр. 1408

تنبيهات أحدها: ليست هذه المسألة مقصورة على ما سِيق للمدح أو الذم فقط، بل ذلك خارج مخَرَج المثال. وإنَّما الضابط أن كل عام سِيق لغرض هل يبقى على عمومه؟ أو يكون ذلك الغرض صارفًا له عن العموم؟ فيقال على هذا: قوله ﷺ : "فيما سقت السماء أو كان عثريًّا العُشر، وما سُقي بالنضح نصف العُشر" (١) مَسوق لبيان مقدار الواجب، فلا يكون عامًّا في الخضراوات نحو القثاء والرمان. ومَن يقول بالعموم، يقول: إنه خُص بنحو ما رواه الحاكم: "فأما القثاء والرمان والقصب فعفو عفا عنه رسول الله ﷺ " (٢). أو: إن هذا الحديث عام قدِّم على حديث: "فيما سقت السماء"؛ لكونه مسوقًا لبيان المقدار. الثاني: قال الشيخ عز الدين: ليس من هذا الباب: العام المرتب على شرط تَقدم ذِكره، بل ذلك خاص اتفاقًا، كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٥]، فالشرط المتقدم هو صلاح المخاطَبين الحاضرين، وصلاحهم لا يكون سببًا للمغفرة لمن تَقدم مِن الأمم قبلهم أو يأتي بعدهم؛ فإن قواعد الشرع تَأبى ذلك،

стр. 1409

فإنَّ صلاح كل [أحد] (١) لا يتعداه لغفران غيره إلَّا أن يكون فيه سبب، وهنا لا سبب؛ فلا يتعدى، فيتعين أن يكون المراد: "فإنه كان للأوابين منكم غفورًا"، فإن الشرط لا يكون جزاؤه لغيره. قلت: وتحتمل الآية أيضًا أن "الألف واللام" في "الأوابين" للعهد، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٠]، في خبر: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ﴾ [الأعراف: ١٧٠] الآية. وقد قيل هنا: إن الرابط العموم اكتُفي به لدخول المبتدأ تحته. فيقال هنا مثله. وربما يُقَرَّر في آية "الأوابين" بأن الجواب فيه مُقدَّر، أي: إن تكونوا صالحين فأنتم أوابون، والله تعالى للأوابين غفور. أو أن الخطابَ في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ﴾ [الإسراء: ٢٥] عامّ للخلق كلهم، أي: يا أيها العباد إن تكونوا صالحين فإنه كان للأوابين غفورًا. ويكون صلاح كلٍّ سبئا لمغفرته، من باب"ركب القوم دوابهم"، لا أن المجموع سببٌ للغفران للمجموع. الثالث: قيل: إنَّ هذه المسألة هي مسألة "غير المقصودة" هل تدخل في العموم؟ وقد سبقت، فلا حاجة لإعادتها. يدل على ذلك أن القاضي عبد الوهاب لما حكى الخلاف في تلك، مَثَّل بآية الزكاة: هل يدخل فيها الحُلي المباح ونحوه مما لم يُقصَد؛ ووافقه الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد في "شرح الإلمام". ومِن ثَمَّ نقل الأصفهاني في "شرح المحصول" الخلاف الذي نقله القاضي

стр. 1410

عبد الوهاب في "غير المقصودة" هنا. وعلى هذا فاستغراب ابن السبكي في "منع الموانع" الخلاف في غير المقصودة - حتَّى نَقْلُه عن"المسودة" الأصولية لبني تيمية - ليس بجيد. قلتُ: قد يفرق بين المسألتين بأن تلك لا يشترط فيها وجود قرينة من مدح وغيره تَصْرفه عن العموم بالكُلية، والعموم باق هناك في غير المقصودة إجماعًا. وأما هنا فيرتفع العموم فيه، ويكتفى فيه ببعض ما يصدق عليه اللفظ عند مَن يرى بأن لا عموم فيه؛ ولهذا نُقل عن الشَّافعي في هذه المسألة أنَّه قال: (الكلام مفصل في مقصوده، مجمل في غير مقصوده). فانظر كيف سماه "مجملًا"؛ والله أعلم. ص: ٦٠١ - وَذُو الْعُمُومِ في خِطَابٍ شُوفِهَا ... بِهِ لِمَوْجُودٍ، وَمَا لَهُ انْتِهَا ٦٠٢ - لِغَيْرِهِمْ لَفْظًا، وَلَكِنْ يَشْمَلُ ... لِأَنَّ شَرْعَهُ عُمُومًا يُقْبَل الشرح: مما اختُلِف في عمومه: الخطاب الوارد شفاهًا في الكتاب والسنة، مِثل قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٦٨]، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ١٧٢]، ﴿يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ﴾ [الزخرف: ٦٨]. لا خلاف في أنَّه عام في الحكم الذي تضمنه لمن لم يشافَه به، سواء أكان موجودًا أو غائبًا وقت تبليغ النبي ﷺ أو معدومًا بالكلية. فإذا بلغ الغائب والمعدوم بعد وجوده، تَعَلَّق به الحكم. وإنَّما اختُلِف في جهة عمومه.

стр. 1411

والحاصل: أن العام المشافَه فيه بحكم لا خِلاف في شموله لغةً للمشافَهين وفي غيرهم حُكمًا، وإنَّما الخلاف في غيرهم: هل الحكم شامل لهم باللغة؟ أو بدليل آخر؟ ذهب جمعٌ من الحنابلة والحنفية إلى أنَّه من اللفظ. وذهب أكثرون إلى أنَّه بدليل آخر، وذلك مما عُلم مِن عموم دِينه ﷺ بالضرورة إلي يوم القيامة. ويدل عليه قوله تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩]، وقوله ﷺ : "وبعثت إلى الناس عامة" (١). وأَصْرح من ذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا﴾ [الجمعة: ٢] إلى قوله تعالى: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ [الجمعة: ٣]. وهذا معنى قول كثير كابن الحاجب: (إن مِثل: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٦٨]، ليس خطابًا لمن بَعْدهم - أَيْ مَن بَعْد المواجَهين - وإنَّما يثبت الحكم بدليل آخَر من إجماع أو نص أو قياس) (٢). واستدلوا بأنه لا يقال للمعدومين: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾. وأجابوا عما استدل به الخصم بأنه: الو لم يكن المعدومون مخاطبين بذلك، لم يكن ﷺ مرسَلًا إليهم) بأنه لا يتعين الخطاب الشفاهي في الإرسال، بل مطلق الخطاب كافٍ.

стр. 1412

تنبيهات الأول: قال ابن دقيق العيد: مَن خصَّه بالمخاطَبين فينبغي أن يعتبر فيه أحوالهم؛ حتَّى لا يدخل في خطابهم مَن ليس بِصِفتهم إلَّا بدليل مِن خارج، وهذا غير الاختصاص بأعيانهم، وهو أعلى مرتبة منه؛ لأن اعتبار الأعيان في الأحكام عليه أدلة كثيرة. ويحتمل أن لا يعتبر أحوالهم وصفاتهم إلَّا لاعتبار مناسبة أو غيرها، والأليق بالتخصيص الأول. وقال في "شرح العنوان": الخلاف في عموم خطاب المشافَهة قليل الفائدة، ولا ينبغي أن يكون فيه خلاف عند التحقيق؛ لأن اللغة تقضى بأنْ لا يتناول غير المخاطَب، والقَطْع بأن الحكم شامل لغير المخاطَب؛ لِمَا عُلم من عموم الشريعة. الثاني: عَبَّر جمعٌ عن المسألة بأن الخطاب مع الموجودين في زمنه ﵇ لا يتناول مَن بَعدهم إلَّا بدليل منفصل. وعَبَرَّ جمعٌ بأخص، وهو نحو: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾، ﴿يَاأَيُّهَا آمَنُوا﴾. وقال بعض المتأخرين: للألفاظ حالتان: أن يكون محكومًا بها، أو محكومًا عليها. ففي الأول: يجب أن يكون مدلولها موجودًا حالة الحكم، نحو: "يا زيد"، ونحوه. وفي الثاني: يشمل مَن وُجِد ومن سيوجَد، نحو: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]. وذلك كما لو قلت لولدك: "اصحب العلماء"، فلا فرق بين الموجود عالِمًا حال الخطاب ومَن سيصير عالِمًا بعد ذلك. الثالث: اعترض النقشواني في "تلخيص المحصول" على هذه المسألة بقول الأصوليين: إن المعدومَ محكومٌ عليه بالخطاب القديم مِن غير فرق بين خطاب المشافَهة وغيره. وأجيب بأن ذلك غفلةٌ منه؛ لأن ذاك في الكلام النفسي، والكلام هنا في الخطاب

стр. 1413

اللفظي. وأجاب في "البديع" بأن الكلام هناك في تسميته أمرًا ونهيًا، وهنا في تسميته خطابًا. وضُعِّف بأن ذلك إذا قلنا: لا يسمى خطابًا. والمرجَّح خلافُه كما سبق. الرابع: مما يحقق المرجَّح في المسألة (وهو أن الخطاب مقصور لُغة على المشافَهين) الاتفاق على أنَّه لو قال لمن حضر مِن زوجاته: (يا نسائي أنتن طوالق)، لا يقع الطلاق على مَن لم [يواجهه] (١) بالخطاب مِن بقية زوجاته ولو كان في المجلس. ويُعرف تمييز مَن خوطِب مِن غيْره بالقرائن. وقولي: (لِأَنَّ شَرْعَهُ) إلى آخِره هو تعليل لعمومه، أي: ليس العموم باللفظ مِن وضع اللغة، بل لكون شرعِه عامًّا. ولم أذكر الإجماع ولا القياس؛ لأن هذا كافٍ، والقياس إنما نشأ مِن هذه الحيثية، والإجماع إنما استند إلى عموم شرعه. والله أعلم. ٦٠٣ - ثُمَّ خِطَابُ الْمُصْطَفَى لَا يَشْمَلُ ... أُمَّتَهُ، وَالْجَمْعُ حَيْثُ يُجْعَلُ ٦٠٤ - مُذَكَّرًا مُسَلَّمًا لَا يَدْخُلُ ... فِيهِ الْإنَاثُ؛ فَلِذَا يُفَصَّلُ ٦٠٥ - إلَّا بِتَغْلِيبٍ مَعَ الدَّلِيلِ ... وَلَيْسَتِ الْأُمَّةُ في الْمَشْمُولِ ٦٠٦ - بِنَحْوِ ﴿يَا أهْلَ الْكِتَابِ﴾ ثُمَّ مَا ... خُوطِبَ وَاحِدٌ بِهِ لَنْ يَعْمُمَا الشرح: اشتملت الأبيات على أربع مسائل:

стр. 1414

الأولى: خطاب الله تعالى نبيه محمدًا ﷺ بنداءٍ ونحوه هل يتناول الأُمة؟ أو لا؟ وذلك مِثل قوله تعالى: ، ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١ - ٢]، ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ﴾ [التحريم: ١]: ا، ونحو ذلك مما يمكن أن يراد بما تضمنه مِن الحكم الأُمة معه، ويمكن أن يراد النبي ﷺ أيضًا به، ولا قرينة على إرادتهم معه. فقال الجمهور: ليس بعام للأُمة إلَّا بدليل يوجب التشريك، إما مطلقًا أو في ذلك الحكم بخصوصه مِن قياس أو غيره. وحينئذ فشمول الحكم لهم بذلك لا باللفظ؛ لأن اللغة تقتضى أن خطاب المفرد لا يتناول غيره. وقال أَبو حنيفة وأحمد: يشمل الأُمة، ولا ينصرف الحكم عنهم إلَّا بدليل من خارج. واختاره جمعٌ من أصحابنا كابن السمعاني، وكذا إمام الحرمين على ما يؤول إليه تفصيل له نذكره. أما ما لا يمكن إرادة الأمة معه فيه مِثل: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: ١ - ٢] ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧] ونحو ذلك فلا دخول للأُمة فيه قطعًا. ومن ذلك ما قامت فيه قرينة على اختصاصه به من الخارج، نحو: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦]. فتفصيل إمام الحرمين بين أن تَرِد الصيغة في محل التخصيص فيكون خاصًّا به، أوْ لا فيكون عامًّا - ليس قولًا آخَر، بل تبيين لمحل الخلاف. وأما ما لا يمكن فيه إرادة النبي ﷺ بذلك الحكم المقترن بخطابه بل يكون الخطاب له والمراد الأُمة فليس ذلك مِن محل النزاع أيضًا، وذلك مِثل قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]، فخطابه بذلك من مجاز التركيب، وهو ما أُسنِد فيه الحكم

стр. 1415

لغير مَن هو له، نحو: "أنبت الربيع البقل"، ﴿يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا﴾ [غافر: ٣٦]. وقد سبق تقريره في "باب المجاز". ولأجل ذلك انتُقد على ابن الحاجب تمثيله محل النزاع بآية: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ﴾. نعم، حكى ابن عطية عن مكي والمهدوي أن الخطاب بقوله تعالى: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأنعام: ٣٥] للنبي ﷺ ، والمراد أُمته. ثم قال: (وهذا ضعيف؛ لا يقتضيه اللفظ) (١). والتحقيق: أن هذا ونحوه من باب"خطاب العام مِن غير قَصْد مخاطَب معيَّن". والمعنى: اتفاق جميع الشرائع على ذلك، أي: ويكون هذا مثل: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [السجدة: ١٢] كما قرره أهل البيان، وأنهم لَمَّا تناهت حالهم الفظيعة في الظهور، لم يختص بها مخاطَب دون مخاطَب. ونحوه: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾ [الكهف: ١٨]، وقوله ﷺ : "بَشِّر المشائين في ظُلَم الليل إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة" (٢). قيل: والأَولى أن يُقَرر مِثل ذلك بأنه عام عموم الشمول، كاستعمال المشترك في معانيه، لا أن المراد عموم البدل للمخاطَبين للصلاحية لكل مخاطَب بما يقتضي أن يصير الضمير - وهو أَعْرَف المعارف - في معنى النكرة. وإذا قرر: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ﴾، ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ ونحو ذلك على هذا المحمَل، اندفع الإشكال في هذه الآيات ونحوها من أصله؛ لأنه ﷺ ليس مقصودًا بذلك.

стр. 1416

وأما التقييد بأن لا قرينة على إرادة الأُمة معه فمُخرج لِمَا إذا دلت قرينة على ذلك، فليس ذلك من محل النزاع أيضًا، مِثل: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق: ١]، الآية، فإن ضمير الجمع في: "طَلَّقْتُم" و"طَلِّقُوهُنَّ" قرينة لفظية تدل على أن الأُمة مقصودة معه بالحكم، وأنَّ تخصيصه بالنداء تشريفٌ له ﷺ ؛ لأنه إمامهم وقدوتهم وسيدهم الذي يَصدر فِعلهم عن رأيه وإرشاده؛ ولذلك ابتدأ الشَّافعي ﵀ "كتاب الطلاق" بهذه الآية؛ لِمَا فهمه من عمومها. وخطاب الواحد وإن كان قد يَرِد بصيغة جمع، نحو: ﴿قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا﴾ [المؤمنون: ٩٩، ١٠٠] إلَّا أنَّه مجاز، فلا يقدح في دعوى القرينة في نحو: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾، بل القرينة في مِثل ذلك قد توجد والضمير مفرد، نحو: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١]، الآية، فإن غير النبي ﷺ هذا الحكم أَوْلى منه به؛ ولهذا قال بعده: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢]. تنبيهات الأول: عَكْس هذه المسألة - نحو "يا أيها الأُمة" - قال الهندي والقاضي عبد الوهاب: لايدخل قطعًا. كما سبق تقريره في مسألة: شمول ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الرسولَ. الثاني: القائلون بشمول نحو ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ للأُمة لا يقولون: إنه باللغة، بل للعُرف في مِثله، حتَّى لو قام دليل على خروج النبي ﷺ مِن ذلك، كان من العام المخصوص. ولا يقولون: إنهم دخلوا بدليل آخَر؛ لأنه حينئذٍ ليس محل النزاع. فيتحد القولان. الثالث: مما يظهر فيه ثمرة الخلاف في المسألة ما خرَّجه الحنفية على أصلهم مِن انعقاد

стр. 1417

النكاح بلفظ الهبة بقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٠]، إذِ الأُمَّة مِثله في هذا الحكم؛ لشمول اللفظ لهم عُرفًا. وعندنا لم يدخل غيره، فيكون مِن خصائصه على المرجَّح. وفي وَجْه أنه لا ينعقد نكاحه بلفظ الهبة؛ قياسًا على الأُمة. عَكْس مقالة الحنفية مطلقًا. المسألة الثانية: جمع الذكر السالم - كَـ "المسلمين" - هل يدخل فيه الإناث؛ وكذا ضمير المذكرين نحو: "فعلوا" و"افعلوا" و"تفعلون" و"فعلتم" ونحو ذلك. بل ولا يختص بالضمائر، بل اللواحق، نحو: "ذلكم" و"إياكم" إذا قلنا بأنها حروف لحقت الضمائر المنفصلة، وهو المرجَّح، فكل ذلك لا يدخل فيه النساء إلَّا بطريق التغليب مجازًا. هذا ما ذهب إليه الشَّافعي وأصحابه والجمهور، كما لا يدخل "الرجال" في لفظ المؤنث إلَّا بدليل. وممن نقله عن الشَّافعي القفالُ الشاشي وابن القطان والشيخ أَبو حامد والماوردي في "كتاب القضاء"، والروياني: في "كتاب السير"، وابن القشيري. قيل: وأخذوا ذلك من حديث عائشة: "يا رسول الله، على النساء جهاد؟ قال: عليهن جهاد لا قتال فيه، الحج والعمرة" (١). أخرجه ابن ماجة بإسناد جيد. فلو كن يدخلن في جمع المذكر وهو قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ [الأنفال: ٦٥]، ونحو قوله: ﴿وَجَاهَدُواْ﴾ [البقرة: ٢١٨] لَعرفت عائشة ذلك ولم تَسأل.

стр. 1418

وهذا أَوْلى من الاستناد إلى حديث أم سلمة في النَّسائي: "قلت: يا رسول الله، ما لَنا لا نُذْكَرُ في القرآن كما يُذكر الرجال؟ فأنزل الله : ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] الآية" (١)؛ لجواز أن تريد أُم سلمة: ما لَنا لا نُذكر صريحًا بالتنصيص؟ وممن نقله عن أصحابنا الأستاذُ أَبو منصور وسليم في "التقريب"، واختاره القاضي أَبو الطيب في "الكفاية"، وابن السمعاني في "القواطع"، وإلْكِيَا الهراسي، ونصره ابن برهان في "الوجيز" ونقله في "الأوسط" عن معظم الفقهاء، والشيخ أَبو إسحاق في "التبصرة"، ونقله ابن القشيري عن معظم أهل اللغة، وقال القاضي: إنه الصحيح. وذهبت الحنفية - ومنهم شمس الأئمة وصاحب"اللباب" وغيرهم - إلى أنَّه يتناول الذكور والإناث. وحكاه القاضي أَبو الطيب عن أبي حنيفة، وحكاه الباجي عن ابن خويز منداد، ونُسب للحنابلة والظاهرية. لكن ظاهر هذا القول أنَّه ليس مِن حيث اللغة، بل بالعُرف أو بعموم الأحكام أو نحو ذلك. قال إمام الحرمين: (اندراج "النساء" تحت لفظ "المسلمين" بالتغليب، لا بأصل الوضع) (٢). وقال الأبياري: (لا خلاف بين الأصوليين والنحاة في عدم تناولهن بجمع المذكرين.

стр. 1419

وإنَّما ذهب بعض الأصوليين إلى ثبوت التناول؛ لكثرة اشتراك النوعين في الأحكام) (١). أي: فيكون الدخول عُرفًا أو نحوه، لا لُغةً. ثم قال: (وإذا قُلنا بالتناول، هل يكون دالًّا عليهما بالحقيقة والمجاز؛ أو عليهما مجازًا صِرفا؟ فيه خلاف، ظاهر مذهب القاضي الثاني، وقياس قول الإمام الأول) (٢). تنبيهات الأول: احترزت بقولي: (الْجَمْعُ) عن اسم الجمع نحو: "قوم" كما سبق في مسألة "الجمع المحلَّى بِأل". وبقولي: (المسَلَّم) - أي الذي سلم فيه بِناء واحِدِه - عن المكسر (٣) كَـ "رجال"، فإنه لا يشمل المؤنث قطعًا، وعن اللفظ الذي يدل على الجمعية من غير علامة للتذكير وليس جمعًا مكسرًا، كَـ "الناس"، فإنه يدخل فيه الرجال والنساء قطعًا. وقولي: (فَلِذَا يُفَصَّلُ" إشارة إلى ما سبق من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ الآية وما سبق في سببها. نعم، ما أُلحق بالجمع: منه ما يُلْحَق به في هذا الحكم (كَـ "بنين")، ومنه ما يشملهما قطعًا (كَـ "عشرين")، ومنه ما يختص به الإناث قطعًا (كَـ "أرضين" و"سنين"). ويظهر ذلك كله بتأمله.

стр. 1420

الثاني: يُستثنى من محل الخلاف في ضمير الجمع المذكر ما لو عاد على النوعين، نحو: "يا أيها الرجال والنساء"، ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]. فلا خلاف في دخولهن. قاله القاضي عبد الوهاب، ولكن هذا بقرينة، والكلام حيث لا قرينة. ونحوه في القرينة (وإنْ تأخرت) حديث: "سبق المفردون"، ثم فسرهم ﷺ بقوله بعده: "هم الذاكرون الله كثيرا والذاكرات" (١). فلا شاهد فيه لمن قال بالدخول. ومنهم مَن قال: محل الخلاف في غير الخطاب الشفاهي، أما إذا شافَه رجالًا ونساءً بـ "افعلوا"، فإنهن يدخلن قطعًا. ولكن هذا بالقرينة، والكلام حيث لا قرينة. ولم يختلف المفسرون في قوله تعالى: ﴿اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٣٨]، أنَّه متناول لآدم وحواء ولإبليس. وربما كانت القرينة مخُرجة، كما في قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، فإن المشركات لا يَدخُلن؛ لقرينة نهيه ﵇ عن قتل النساء. ولأجل قرينة الإدخال استُدل بقوله ﵇: "أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم" (٢) على أن المرأة تُقيم الحد على مملوكها بحق المِلك الذي يشترك فيه الذكر والأنثى، فالقرينة: تعليق الحكم بوصف الِملك. الثالث: سكتوا عن الخناثى، هل يدخلون في خطاب المذكر؟ أو المؤنث؟ والظاهر مَن تَصرّف الفقهاء دخولهم في خطاب النساء في التغليظ والرجال في التخفيف، وربما أُخْرج عن القسمين. وقد أُفرد أحكام الخناثى بالتصنيف.

стр. 1421

الرابع: مما يُخرَّج على هذه القاعدة مسألة "الواعظ" المشهورة في الفقه وهو قوله للحاضرين عنده: "طلقتكم ثلاثًا" وامرأته فيهم وهو لا يدري. أفتى الإمام بوقوع الطلاق. قال الغزالي: وفي القلب منه شيء. وقال الرافعي والنووي: ينبغي أن لا يقع. قال النووي ﵀: لأن النساء لا يدخلن في هذا اللفظ كما تَقرر في الأصول. وذكر الرافعي مَأْخذًا غير ذلك، وذكر غيرهما أنَّه ينبغي أن يخرَّج على "حنث الجاهل" كما لو حلف لا يسلم على زيد، فسلَّم على قوم هو فيهم ولم يَعلمه. وفي المسألة مباحث مذكورة في كتب الفقه لا نُطَول بها. المسألة الثالثة: خطاب الشارع بنحو: "يا أهل الكتاب" لا يدخل فيه أُمة محمد ﷺ ، سواء أكان ذلك من خطاب الله أو خطاب نبيه ﷺ لهم بأمر الله تعالى. ومثله خطاب بني إسرائيل، كقوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾ [النساء: ١٧١] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا﴾ [النساء: ٤٧] ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [آل عمران: ٦٤]، ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا﴾ [المائدة: ٥٩]، ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠]، ونحو ذلك من الآيات، وهو كثير. إلَّا أنْ يدل دليل على مشاركتهم لهم فيما خوطِبوا به؛ وذلك لأن اللفظ قاصر عليهم، فلا يتعداهم. والمراد بـ "أهل الكتاب"اليهود والنصارى، لا عبدة الأوثان ولا المجوس؛ إما لأن كتابهم رُفع، أو لغير ذلك مما قرره أصحابنا في النكاح وغيره. وخالف في ذلك أَبو البركات مجد الدين ابن تيمية في "مسودته" في الأصول، وقال: (إنه

стр. 1422

يشمل الأُمة إنْ شركوهم في المعنى) (١). قال: (لأن شرعه عام لبني إسرائيل وغيرهم مِن أهل الكتاب وغيرهم كالمؤمنين؛ فيثبت الحكم فيهم كما في أهل الكتاب. وذلك كأمره لواحد مِن المكلَّفين، فإنه يعم غيره). أي: على رأي من يقول به كما سيأتي. قال: وإن لم يشركوهم فلا، كما في قوله لأهل بدر: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ﴾ [الأنفال: ٦٩] ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ [آل عمران: ١٢٢]، فإنَّ ذلك لا يَعُم غيرهم. قال: (ثم الشمول هاهنا هل هو بطريق العادة العُرفية؟ أو الاعتبار العقلي؟ فيه الخلاف المشهور). قال: (وعلى هذا ينبني استدلال الأئمة على حُكمنا بمثل قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ﴾ [البقرة: ٤٤]، الآية، فإن هذه الضمائر راجعة لبني إسرائيل). قال: (وهذا كله في الخطاب على لسان محمد ﷺ ، أما خطابه لهم على لسان موسى أو غيره من الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - فهي مسألة: شرع من قبلنا هل هو شرع لنا؟ والحكم هنا لا يثبت بطريق العموم الخطابي قطعًا، بل بالاعتبار العقلي عند الجمهور) (٢). وأما عكس هذه المسألة: وهو دخول الكفار في نحو: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أو "يأيها المؤمنون" أو نحو ذلك - فقد سبق الكلام عليه في مسألة دخول الكافر في لفظ "الناس"المقترن بلام الاستغراق وأن المسألة مَبنية على تكليف الكافر بالفروع، فدخولهم من حيث عموم الشرع، لا مِن حيث اللغة، فإنَّ الوصف نحُرج لهم.

стр. 1423

المسألة الرابعة: خطاب الشرع لواحد هل يدخل فيه غير ذلك المخاطَب؟ أو لا؟ وهي أَعَم من المسألة السابقة، وهي مخاطبة النبي ﷺ بلفظ يختص به، هل تدخل الأُمة؟ ولكن ربما تفاوتا بمدارك خاصة بأحدهما دون الآخر. يظهر ذلك للمتأمل. وإنْ كان الشيخ أَبو حامد فَرَضَ مسألة خطاب الواحد بأَعَم مِن خطاب الله لنبيه ﷺ ومن خطاب النبي لواحد مِن أُمته، ومثَّله بـ ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ﴾ [المائدة: ٦٧]، ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ [الأنفال: ٦٥]. وحاصل هذه المسألة: أن الخطاب الخاص بواحد من الأُمة إنِ اقترن بما يخص ذلك الواحد، فلا يكون غيرُه مِثله في ذلك الحكم، كحديث أبي بردة في العناق في "الصحيحين": "تجزئك، ولن تجزئ عن أحد بعدك" (١). نعم، رخص النبي ﷺ في العناق أيضًا لزيد بن خالد الجهني كما في أبي داود (٢)، ولعقبة بن عامر كما في "الصحيحين" (٣)، وربما قال: "ولن تجزئ عن أحد بعدك". وهو محمول على تخصيص لعموم بعد تخصيص. وإنْ لم يقترن بما يدل على اختصاص المخاطَب به فالأصح مِن المذاهب أنَّه لا يتناول

стр. 1424

غيره من الأُمة إلَّا بدليل، وهو قول الجمهور. ونَص عليه الشَّافعي، فقال الإمام في "النهاية" في "باب الرضاع": (وقد أشار الشَّافعي إلى تَصرُّف في حديث سالم رمز إليه المزني، وهو أن خطاب رسول الله ﷺ إذا اختص بشخص في حكاية حال، فحُكْم الصيغة اختصاص الحكم بالمخاطَب. وإذا قضينا بأن الناس في الشرع واحد فإنما هو مُتلَقّى من إجماع الصحابة لما يشاهدونه من قرائن الأحوال الدالة على عدم الاختصاص). قال: (واضطرب رأيهم في قضية سالم في التخصيص واللفظ في نفسه مختص بالمخاطَب، فلم يَجُز تعميم الحكم، لاسيما إذا اعتقد خلافه مما يستقل دليلًا) (١). انتهى القول الثاني: ويُعْزى للحنابلة، صرح به القاضي أَبو يعلى منهم وغيره: أنَّه عام بنفسه. إلَّا أن كلام القاضي يقتضي أنَّه عام بالشرع، لا بوضع اللغة؛ للقطع باختصاصه لغةً. وحكى ابن القطان من أصحابنا هذين القولين وجهين لأصحابنا، قال: والأكثرون على الأول، والثاني: أنَّه للعموم؛ بدليل حديث: "حُكمي على الواحد حُكمي على الجماعة" (٢). وحكى الأستاذ أَبو منصور خلافًا لأصحابنا أن العموم لغير الواحد هل هو بالقياس؟ أو بحديث "حُكمي على الواحد"؟ وقال: إن الأول قول ابن سريج. فيخرج مِن قول الإمام: (إنه بالإجماع) ومن هذين ثلاثةُ آراء في جهة العموم.

стр. 1425

وفي كلام الإمام أيضًا ما يُشعر برابع، وهو أنَّه بمقتضى عُرْف الشرع. وفي كلام غيره إطلاق أنَّه بالعُرف، حتَّى إنَّ الإمام قال: لا ينبغي أن يكون لهذا الخلاف حقيقة. وخالفه المقترح وغيره، وقالوا: الخلاف معنوي. والقول الثالث في الأصل وبه قال أَبو الخطاب [من] (١) الحنابلة: أنَّه إنْ وقع جوابًا لسؤال كقول الأعرابي: "واقعتُ أهلي في رمضان" (٢) فقال: "أَعْتِق"، كان عامًّا، وإلَّا فلا، نحو قوله ﷺ : "مروا أبا بكر فليُصَلِّ بالناس" (٣)، فلا يدخل فيه غير أبي بكر. وكذا قوله في المبارزة: "يا فلان، قُم فبارز" (٤). قال: و (كذلك إذا حَكم ﷺ في حادثة بين نَفْسَين، كان واجبًا على كل أَحد أن يحكم عليه بمثل تلك الحادثة. فهذا لا أعلم فيه خلافًا) (٥). انتهى

стр. 1426

تنبيهات الأول: حديث: "حُكمي على الواحد حُكمي على الجماعة" لا يُعرف بهذا اللفظ، وسُئل عنه المِزِّي والذهبي، فقالا ذلك. نعم، معناه ثابت، فروى التِّرمِذي والنَّسائي من حديث مالك، عن محمد بن المنكدر، عن أميمة بنت رقيقة، قالت: أتيت النبي ﷺ في نساء من المهاجرات نبايعه، فقال: "إني لا أصافح النساء، وما قولي لامرأة واحدة إلَّا كقولي لمائة امرأة" (١). وقال التِّرمِذي حسن صحيح. الثاني: إذا قُلنا بعموم خطاب الواحد وأن ذلك بِعُرف الشرع حتَّى يصير إذا تلفظ بالواحد، كان المراد به كل أحد عمومًا، وإنْ كان مجازًا إلَّا أنَّه صار حقيقة شرعية أو عُرفية، تَفَرع عن ذلك مسائل: منها: ما حكاه الرافعي عن أبي العباس الروياني: (أن الرجُل إذا قال: "متَى قلتُ لامرأتي: أنت علَيَّ حرام، فإني أريد به الطلاق"، ثم قال لها بعد مُدة: "أنت علَيَّ حرام"، يحتمل وجهين: أحدهما: الحمل على الطلاق؛ لكلامه السابق. والثاني: أنَّه كما لو ابتدأ به؛ لاحتمال أن نيته تغيرت) (٢).

стр. 1427

وإنه يقتضي أنَّها لو لم تتغير، يُحمل على الطلاق جزمًا. ويشبه المسألة ما لو ذكرا صداقًا في السر وصداقًا بالعلانية، وكذا إذا استعملا لفظ "المفاوضة" وأرادا "شركة العنان"، فإنه جائز على المنصوص. وكل هذه المسائل مما يؤيد قول العموم لغير المخاطَب الواحد بالعُرف أو بغيره كما سبق، فإنه قوي وإنْ كان المرجَّح خلافه. الثالث: "النداء" في هذه المسائل ليس بقيد، بل على سبيل المثال، وكذا الخطاب؛ إذَ المراد الحكم كيف كان. والله أعلم. ص: ٦٠٧ - وَفي الْخِطَاب يَدْخُلُ الْمُخَاطِبُ ... في خَبَرٍ يَعُمُّهُ، وَالْوَاجِب ٦٠٨ - أَخْذٌ مِنَ الأَنوَاعِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ... في آيَةِ الْأَخْذِ لِفَرْضِ مَالِهِمْ الشرح: أي: ومن الصُّوَر التي اختُلف في محل العموم فيها هاتان المسألتان: الأُولي: أنَّ المخاطِب (بكسر الطاء) داخل - على الأرجح من المذاهب - في عموم متعلق خطابه إذا كان صالحًا له وكان خبرًا، لا أمرًا ولا نهيًا، أما الآمِر والناهي فغير داخلين في أمر ونهي بصيغة تَعُمهما كما سبق مبسوطًا في باب الأمر والنهي. سواء أكان ذلك الخبر إخبارًا: - عن أمر ونهي، كما لو قال النبي ﷺ : "إن الله أمر بكذا"، أو: "نهى عن كذا".

стр. 1428

- أو عن غيرهما، كقوله ﷺ : "مَن قال لا إله إلَّا الله خالصًا من قلبه، دخل الجنَّةَ" (١)، "مَن أحيا أرضًا ميتة، فهي له" (٢). ومنه قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٨٢] إذا قلنا بصحة إطلاق لفظ "شيء" عليه تعالى، وكذا: ﴿اللهُ خَالِقُ كُلِّ شّيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦] فإنه وإنْ دخل لفظًا بناء على هذه القاعدة لكنه خارج قطعًا؛ إما بالعقل أو بغير ذلك كما سنذكره في مسألة التخصيص بالعقل. وخرج بقيد "أن يكون اللفظ صالحًا لدخوله فيه" ما إذا كان بلفظ المخاطبة: نحو: "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم" (٣). بل ولو قُلنا في الأمر والنهي: إن الآمِر والناهي يدخلان فيهما لكن إذا كان بلفظ الخطاب لا يدخلان، نحو: "لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول" (٤). بخلاف نحو: "من نام فليتوضأ" (٥)، فإن القائل بدخول الآمِر والناهي يقول هنا بالشمول. نعم، الخلاف في الخبر وفي الأمر والنهي محله إذا لم يَقُم دليل على الدخول في الحكم، فإنْ كان كذلك فالشمول بذلك الدليل قطعًا. واعلَم أنَّه يجري مع وجود لفظ الخطاب ما سبق مِن خلاف الحنابلة في أن الخطاب مع

стр. 1429

الموجودين يتناول مَن بعدهم بغير دليل منفصل. وقد سبق في باب الأوامر والنواهي أن مقتضى كلام الرافعي والنووي في مسائل من "الطلاق" أن المتكلم لا يدخل في عموم كلامه ولو كان غير آمرٍ وناهٍ على الأصح. ومما لم يسبق ما قاله أصحابنا فيما لو وقف على الفقراء ثم صار فقيرًا، هل يجوز له الأخذ؟ والأصح نعم، وقيل: لا، لأن مطلق الوقف ينصرف إلى غير الواقف. وهذا وإن لم يكن فيه خطاب لكن الخلاف في الحقيقة في أن المتكلِّم بكلام يشمله: هل يدخل فيه؟ أو لا؟ سواء أكان هناك خطاب أو لا كما عُلم ذلك مِن الأمثلة السابقة. وكثير من الأصوليين يعبر بذلك، وكثير يعبرون بِـ "المخاطِب" كما عبَّر به ابن الحاجب وغيره، وجرينا عليه في النَّظم، وكأنَّ النظر فيه إلى معنى الخطاب وإنْ لم يكن صيغة خطاب. فتأمله. تنبيهات الأول: وقع بحث في أن جبريل ﵇ هل يدخل فيما [يُبلغه للنبي] (١) ﷺ من التكليف؟ والتحقيق نعم فيما يحتاج لفعل، كإمامته به في اليومين، وأما غيره فمأمور بتبليغه إياه فقط. الثاني: المخاطَب (بفتح الطاء) هل يجري فيه الخلاف في المكسور؟ قال الشيخ جمال الدين في كتاب "التمهيد": لا يَبعُد تخريجه فيه. وفرع عليه لو قال:

стр. 1430

"أعطِ هذا لمن شئت"، أو: "اصنع فيه ما شئت"، فليس له أخذه. ولو قال: "وكَّلتُك في إبراء غرمائي" وكان هو منهم، لم يدخل (١). وعلَّله القاضي أَبو الطيب بقوله: لأن المذهب الصحيح أن المخاطَب لا يدخل في عموم أمر المخاطِب له. وذكر فروعًا غير ذلك. وكان شيخنا شيخ الإسلام البلقيني يرد كون هذا قاعدة وتخريجها على مسألة المخاطِب (بالكسر)، وكتب بخطه: (إنه لا خلاف بين العلماء - بل بين الناس - مطلقًا في المخاطب بنحو "قوموا" أن كل مَن خوطِب به داخل. فإنْ كان الخطاب بنحو "مَنْ" و"الذين" فلا خلاف في الدخول أيضًا، نحو: "مَن رد عبدي فلَهُ كذا"، "مَن دخل الدار من نسائي فهي طالق"، فالمخاطب بذلك ونحوه داخل قطعًا، ولا يتخرج على المخاطِب - بالكسر - لأن المنع في ذلك لأن الشخص لا يخاطِب نفسه، فالقرينة فيه ظاهرة. والخلاف في الفروع المذكورة إنما هو لمدْرَك آخَر، وهو اقتضاء الحال أن لا يدخل المخاطب بما خوطب به لتهمة أو نحوها من القرائن، لا أن المخاطب هل يدخل في الخطاب؟ فإنه متناقض). انتهى ملخصًا. وتعقب أيضًا الفروع المذكورة بما يطول ذِكره، وفي هذه الإشارة كفاية. قلتُ: لكن كلام القاضي أبي الطيب السابق ذِكره أن المدرك هذا، وأن الخلاف منقول، وأن الراجح فيه عدم الدخول، إلَّا أنْ يُحمل على أن مراده بكونه لا يدخل في عموم أمر المخاطب له - لقرينة أنَّه لَمَّا لم يصرح المتكلم بإدخاله بالخطاب، كان المراد غيره. قيل: وهذه المسألة هي مسألة: أوامر الله تعالى العامة هل يدخل فيها النبي ﷺ ؟

стр. 1431

وقد سبق أن الصحيح الدخول. المسألة الثانية: ذهب الجمهور إلى أن مثل قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣]، يقتضي أخذ الصدقة من كل نوع إلَّا أن يُخص بدليل من السنة. وهو ما نص عليه الشَّافعي في "الرسالة"، إذ قال بعد ذِكر الآية ما نصه: (وكان مخرج الآية عامًّا على الأموال، وكان يحتمل أن يكون بعض الأموال دون بعض، فدلَّت السّنة على أن الزكاة في بعض المال دون بعض) (١). وقال في موضع آخر: (ولولا دلالة السنة لكان ظاهر القرآن أن الأموال كلها سواء، وأن الزكاة في جميعها، لا في بعضها دون بعض) (٢). ونُقل عن نَص البويطي نحوه؛ ولهذا احتج بها أصحابنا على وجوب الزكاة في مال التجارة وعلى أخذ الشاة الصغيرة من الصغار، ونحو ذلك. ومَن يرى العموم يستدل بها في كل نوع اختُلف في الزكاة فيه إلَّا أن يخرج مِن دلالة السُّنة المنع فيه. ونُقل عن الشَّافعي أنَّه نَص في موضع آخَر على أن الآية من المجمَل الذي بيَّنته السّنة، وربما حمل نصه الأول على أنَّه أراد ذلك؛ لأن آخِره يقتضي احتمال الأمرين، إلَّا أن يقال: إنه إنما ذكره لكونه مرجوحًا بالنسبة إلى الأول، والإجمال شرطه التساوي. وبالجملة فالقولان هنا كالقولين المنقولين عنه في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة:

стр. 1432

٤٣] وفي قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، مع قولين آخرين، وفي غير ذلك أيضًا. وعلى قول الإجمال فلا يُستدل بها على مختلَف فيه إلَّا بدليل على شمول الآية له. ونُقل عن الكرخي من الحنفية أن مقتضى الآية إنما هو أخذ صدقة واحدة من نوع واحد. ورجحه ابن الحاجب حيث قال خلافا للأكثر: (لنا: أنَّه بصدقة واحدة يَصْدُق أنَّه أخذ منها صدقة، فيلزم الامتثال. وأيضًا فإن كل دينار مال، ولا يجب ذلك بإجماع) (١). انتهى وقد أُجيب: - عن الأول بمنع صِدق ذلك؛ لأن "أموالهم" جمع مضاف، فكان عامًّا في كل نوع نوع وفرد فرد، إلَّا ما خرج بالسُّنة كما أشار إليه الشَّافعي. - وعن الثاني بأن المراد: عن كل نصاب نصاب كما بيَّنته السُّنة. ومما ذكر احتجاجًا للكرخي: أنَّ "مِن" في الآية للتبعيض ولو كانت الآية عامة، والتبعيض يَصْدُق ببعض المجموع ولو مِن نوع واحد. وجوابه أن التبعيض في العام إنما يكون باعتبار تبعيض كل جزئي جزئي منه، فلا بُدَّ أن يكون مأخوذًا مِن كل نصاب؛ إذ لو أسقطت "مِن" لكان المال يؤخذ كله صَدَقة. نعم، أجاب القرافي عن شُبهة الكرخي بأن "مِن" لا بُدَّ مِن تَعلُّقها بمحذوف، والأصل: "خذ صدقة كائنة من أموالهم"، فلمَّا قدم الجار والمجرور، كان في محل نَصب على الحال مِن المفعول، فلو أريد الخصوص، كانت الصدقة كائنة من بعض أموالهم، لا مِن كلها،

стр. 1433

وهو خلاف قضية أنَّها كائنة من أموالهم. وفيه نظر؛ لأن وجود كونها بعض أموالهم يَصدق ولو كان بعض نوع منها. ولعلَّ ما قاله القرافي هو الحامل لبعضهم على قوله: إن الجار إنْ كان متعلقًا بالفعل وهو "خُذ"، رجح قول الكرخي؛ لأن "صدقة" نكِرة في إثبات، فيحصل الامتثال بصَدقة واحدة مِن نوع. وإنْ تعلَّق بصفة "صَدقة" فيقوى قول الجمهور؛ لأنها إنما تكون من أموالهم إذا كانت مِن كل نوع نوع. وفيه النظر السابق. عَلَى أن أبا بكر الرازي - من الحنفية - نقل في كتابه عن شيخه أبي الحسن الكرخي أن الآية تقتضي أخذ الحقِّ مِن سائر أصناف الأموال. فعَلَى هذا لا يبقى خلاف. وأما الآمدي فتوقف في المسألة فلم يرجح شيئا، إذ قال في آخر كلامه: (وبالجملة فهي محتملة، ومأخذ الكرخي دقيق) (١). فائدة: استنبط ابن حبان في صحيحه دليلًا لمقالة الكرخي السابقة من حديث: "ليس فيما دون خمس ذود صدقة، ولا فيما دون خمسة أوسق صدقة" (٢)، فقال: (هذا يبين أن المراد مِن قوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] أن المراد به بعض المال؛ إذ اسم"المال" يقع على ما دُون الخمس مِن ذلك، وقد نفى النبي ﷺ إيجاب الصدقة عن ما دُون الذي أخذ) (٣). انتهى

стр. 1434

ولا يخلو مِن نَظَر؛ فإن التخصيص يَطرق العام ولا ينفِي كونه عامًّا، بل يصير عامًّا مخصَّصًا. وقد سبق نحو هذه الشبهة في كلام ابن الحاجب والجواب عنها، والله أعلم. فائدة: ٦٠٩ - لِلشَّافِعِيِّ: تَرْكُ الِاسْتِفْصَالِ ... يُنْزَلُ [كَالْعُمُومِ في الْمَقَالِ] (١) ٦١٠ - لَكِنْ لَهُ: وَقَائِعُ الْأَحْوَالِ ... إذَا تَطَرُّقٌ لِلاحْتِمَالِ ٦١١ - فِيهَا، [اكتَسَتْ] (٢) ثَوْبًا مِنَ الْإجْمَالِ ... وَسَقَطَ الْأَخْذُ بِالِاسْتِدْلَالِ ٦١٢ - وَالْجَمْعُ قَالَ شَيْخُنَا: في الْأُولَى ... لَفْظٌ وَذِي فِعْلٌ، فَهَذَا الْأَوْلَى الشرح: هذه أيضًا مِن المواضع التي يبحث عن اقتضاء العموم فيها، ومَن يُثبته يجعله نوعًا خارجًا عما سبق من صيغ العموم. وإنَّما أفردته بالترجمة؛ لأنه من أصول إمامنا الشَّافعي الذي ذكره بأبلغ عبارة وأجمعها. وله عبارة أخرى ربما تُوهِم مخالفتها، فأوضحتها، وبيَّنتُ أنَّه لا تنافي بينهما على المرجَّح. فأما العبارة الأولى فقد اشتهرت عنه ونقلها إمام مذهبه إمام الحرمين، وهي: "تَرْك الاستفصال في وقائع الأحوال مع قيام الاحتمال - يُنَزَّل مَنزلة العموم في المقال". ومعناها أن الشارع ﷺ إذا حَكم بأمر في واقعة اطَّلع عليها إما بسؤال سائل أو بغير ذلك وهي تحتمل وقوعها على وجه من وجهين أو وجوه، يكون ما حَكم به ﷺ عامًّا في كل محتملاتها، وكأنه تَلفَّظ بعمومه فيها.

стр. 1435

فمن ذلك: أن غيلان بن سلمة الثقفي أَسلم وعنده عشر نسوة، فقال له النبي ﷺ : "أمسك أربعًا، وفارق سائرهن" (١). رواه الشَّافعي من حديث معمر، عن الزُّهْريّ، عن سالم، عن أبيه. وكذا التِّرمِذي بلفظ: "فأمره النبي ﷺ أن يختار منهن أربعًا ويترك سائرهن" (٢). ورواه أيضًا ابن ماجة والبيهقي، وأخرجه ابن حبان والحاكم. وما نقله التِّرمِذي عن البخاري - من كونه غير محفوظ من تلك الجهة - يُعارضه تصحيح الأئمة له وما له من الشواهد. واعلم أنَّه وقع في "النهاية" للإمام وتبعه الغزالي في "وسيطه" وفي "المستصفى" وتبعه الإمام الرازي في "المحصول" وكثير من أتباعهما وبعض "شراح البيضاوي" وافقهم أن صاحب هذه الواقعة ابن غيلان. وهو غلط؛ فليس في الصحابة ابن غيلان. نعم، في الرواة ابن عيلان (بالمهملة)، وهو قيس بن عيلان بن مضر، وزفر بن عيلان. وكأن هذا هو الحامل لابن الحاجب بعد قوله في "المختصر": (إنه ابن عيلان). ضبطه بخطه بالمهملة، ذكره في باب "الظاهر والمؤول" في التأويلات البعيدة. فأخذ الشَّافعي من هذا الحديث أن الكافر إذا أسلم على أكثر من العدد الشرعي، عليه أن يختار العدد الشرعي من الكل ولو مع تأخُّر العقد عليهن عن المتروكات (٣)؛ لعدم

стр. 1436

استفصال النبي ﷺ عن كونه عقد على الكل مغا أو مرتَّبًّا؛ تنزيلًا لذلك منزلة التنصيص على عمومه في الأحوال كلها، وإلَّا لكان تأخيرًا للبيان عن وقت الحاجة. ونحو ذلك: ما رواه أَبو داود عن هُشَيم، عن ابن أبي ليلى، عن [حُمَيْضَة] (١) بنت الشمردل، عن قيس بن الحارث: "أَنَّهُ أَسْلَمَ وَعِنْدَهُ ثَمانِ نِسْوَة، فأمره النبي ﷺ أن يختار أربعًا" (٢). وإسناده حسن، وله إسناد آخر يَقوى به. وأخرج البيهقي بسنده عن عروة بن مسعود قال: (أَسْلَمْتُ وَتَحْتِي عَشر نِسْوَة، أربع منهن من قريش، إحداهن بنت أبي سفيان، فقال لي النبي ﷺ : "اخْتَرْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا وَخَلِّ سَائِرَهُنَّ"). قال: (فَاخْتَرْتُ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا، منهن ابنة أَبِي سُفْيَانَ) (٣). رجاله ثقات إلَّا أن فيه إرسالًا. وروى الشَّافعي والبيهقي بسند غير قوي من حديث عمرو بن الحارث، عن نوفل بن معاوية، قال: (أَسْلَمْتُ وَتَحْتِي خَمْسُ نِسْوَة، فسألت رسول الله ﷺ ، فقال: "فَارِقْ وَاحِدَةً، وَأَمْسِكْ أَرْبَعًا"). قال: (فَعَمَدْتُ إِلَى أَقْدَمِهِنَّ عِنْدِي عَاقِر مُنْذُ سِتينَ سَنَةً، فَفَارَقْتُهَا) (٤).

стр. 1437

وكذا عمم الشَّافعي الحكم في الأختين؛ لحديث فيروز الديلمي أنَّه أسلم وتحته أختان، فقال له النبي ﷺ : "اختر أيتهما شئت" (١). رواه أحمد والتِّرمِذي وابن ماجة. وخالف أَبو حنيفة في جَعْلِ ترك الاستفصال كالعام، وقال: إنه لم يقع في الواقعة إلَّا حالة واحدة، فإنْ دَلَّ على خصوص حاله دليل، فهو، وإلَّا [فمُجمَل] (٢) إلى قيام دليل على كيفية الوقوع. ووافقه أصحابه سوى محمد بن الحسن؛ فإنه استحسن مقالة الشَّافعي. ثم أوَّل أصحابه هذه الأحاديث إما على أنَّه ﷺ علم أن عَقد كل واحد ممن خَيَّره كان على كل نسائه معًا، لا مُرتَّبًا، وإما أنَّه مُرتَّب ولكن قوله له: "أمسك أربعًا" معناه: ابتدئ نكاح أربع. أو أن المراد: اختر أربعًا أوائل، أو غير ذلك من التأويلات البعيدة. والقول بالعموم أقرب من ذلك كله؛ فقد كان من عادته ﷺ أن يستفسر في القضايا؛ حتَّى لا يدع ريبةً ولا إشكالًا. ففي قصة ماعز لما قال: (زنيت)، قال له: "كيف كذا؟ أَبِكَ جنون؟ هل أحصنت؟ " (٣). وغير ذلك من السؤالات الواقعة في حديثه في "الصحيحين" وغيرهما. وفي "البخاري": "لعلك قَبَّلْتَ أو غَمَزتَ" (٤). وفي ابن حبان: "هل تدري ما الزنا" (٥).

стр. 1438

وفي حديث: علقمة بن وائل في "مسلم" في الرجل الذي جاء يقود آخر بنَسعَة وقال: هذا قتل أخي. فقال: "أقتلته؟ " قال: نعم. قال: "كيف قتلته؟ " فذكر له كيف وقع (١). وفي حديث المجامع في رمضان: "هل تجد؟ هل تجد؟ " (٢). وفي حديث بيع الرطب بالتمر لَمَّا سُئل عنه، صححه التِّرمِذي وغيره: "أينقص الرطب إذا جف؟ " (٣). وغير ذلك مما لا ينحصر، مع أن بعضه ليس فيه حد ولا قصاص حتَّى يُدَّعى أن الاستفسار إنما هو للاحتياط فيهما. ومما يُبعِد نفي القول بالعموم: كيف يخاطِب النبي ﷺ بالتخيير مَن هو متجدد في الإسلام وغريب مِن غير سبق بيان لشرائط النكاح مع أن الحاجة داعية إليه؛ لِقُرب عهده بالإسلام؟ " وأَبْعَد منه أنَّه ﷺ كان يعرف كُلَّ حالة مِن حالات كل مَن خَيَّره، ولأن العقود فيها وقَعَت معًا، أو يعرف القديمات مِن الجديدات، ويصرح بالاختيار ومراده التعيين للقديمات، لاسيما وحديث الأختين فيه: "اختر أيتهما شئت"، فعلَّق بمشيئته. وتقريره مَن عمد إلى أقدم مَن عنده ففارقها واختار غيرها، وأنه فَهِم ذلك من قوله قوله: "اختر من شئت" الذي

стр. 1439

تضمنه قوله: "فَارِقْ وَاحِدَةً، وَأَمْسِكْ أَرْبَعًا". فإن قيل: كيف يثبت العموم بغير صيغة؟ قيل: الشَّافعي إنما قال: (يُنزل منزلة العموم). وهذا كما قال في المشترك في كونه يُحمل على معانيه: (إنه كالعام)، ولم يَقُل: إنه عام. نعم، هو عكس إخراج صيغة العموم عن عمومها بالقرينة (كما سبق في مسائل، وكما سيأتي) على رأْي في العام على سبب، لكن المرجَّح في الوارد على سبب أنَّه باقٍ على عمومه، يُفرَّق بينه وبين هذا بأن تخصيص العام أصعب من تعميم الخاص. تنبيهات الأول: قَيَّد إمام الحرمين وابن القشيري القول في ترك الاستفصال بالعموم بأن يظهر استبهام الحال على الشارع. فإن عُلم بحال الواقعة، نَزل جوابه على وَفْقها ولا عموم. قال: (كما يجري كثير من الفتاوى على مثل ذلك). قلتُ: هذا في الحقيقة بيان لصورة المسألة، لا تقييد. ألا ترى إلى قول الشَّافعي: (تَطرَّق إليها الاحتمال)؛ فإنَّ ما عَلِم به لم يَبْق فيه احتمال. ونحو ذلك ما حكى الشيخ تقي الدين في "شرح الإلمام" عن بعضهم أنَّه زاد في القاعدة أنَّه عام في واقعة سُئل عنها ولم تقع بعد، فإنْ وَقَعت وعُلِم حالها فلا عموم، بل الجواب واقعٌ على ما علِم. وإن التبس علينا أَعَلِمَ؟ أو لا؟ فالوقف. وذكر الأبياري هذه الأقسام الثلاثة، غير أنَّه قال في الثالث: (إنه إنْ عُلم استبهامه على النبي ﷺ بقرينة، فالحمل على العموم باتفاق، وإنْ لم يُعلم استبهامه عليه، فالالتفات إلى القيد الوجودي يمنع القضاء على الأحوال كلها، وهو مُدرك أبي حنيفة، والالتفات إلى

стр. 1440

الإطلاق في السؤال ونحوه يقتضي استيفاء الأحوال) (١). أي: وإلا لكان إطلاقًا في موضع التقييد، أو إبهامًا في موضع البيان المحتاج إليه. الثاني: قال الأستاذ أَبو منصور: وافقنا أهل الرأي على جَعْلِه كالعام في جنين الحرة حيث أوجب فيه ﷺ غرة عَبد أو أَمَة ولم يسأل أَذَكَر هو؟ أم أنثى؟ قال الحافظ العلائي: وكذا حديث أم سلمة في المرأة التي كانت تهراق الدماء، فاستفتت لها أم سلمة النبي ﷺ ، فقال: "لتنظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أنْ يُصيبها الذي أصابها، فلتترك الصلاة قَدْر ذلك" (٢) الحديث. فأطلق الجواب باعتبار العادة مِن غير استفسار عن أحوال الدم، فكان مُقدَّمًا على التمييز. لكن المرجَّح عندنا تقديم التمييز؛ لحديث فاطمة بنت أبي حبيش مرفوعًا: "دم الحيض أَسود يُعْرَف، فإذا كان ذلك، فأَمْسِكي عن الصلاة" (٣) الحديث. ومن الحمل على العموم: حديث الأعمى الذي كانت أم ولده تقع فيه ﷺ ؛ فقتلها، فلما ذكر ذلك له ﷺ ، قال: "اشهدوا أن دمها هدر" (٤). فاحتج به المالكية على عموم تحتم قتل
следующие страницы →