← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 32476

الفوائد السنية في شرح الألفية

شمس الدين البرماوي

Полный текст (2 306 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

استفصال النبي ﷺ عن كونه عقد على الكل مغا أو مرتَّبًّا؛ تنزيلًا لذلك منزلة التنصيص على عمومه في الأحوال كلها، وإلَّا لكان تأخيرًا للبيان عن وقت الحاجة. ونحو ذلك: ما رواه أَبو داود عن هُشَيم، عن ابن أبي ليلى، عن [حُمَيْضَة] (١) بنت الشمردل، عن قيس بن الحارث: "أَنَّهُ أَسْلَمَ وَعِنْدَهُ ثَمانِ نِسْوَة، فأمره النبي ﷺ أن يختار أربعًا" (٢). وإسناده حسن، وله إسناد آخر يَقوى به. وأخرج البيهقي بسنده عن عروة بن مسعود قال: (أَسْلَمْتُ وَتَحْتِي عَشر نِسْوَة، أربع منهن من قريش، إحداهن بنت أبي سفيان، فقال لي النبي ﷺ : "اخْتَرْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا وَخَلِّ سَائِرَهُنَّ"). قال: (فَاخْتَرْتُ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا، منهن ابنة أَبِي سُفْيَانَ) (٣). رجاله ثقات إلَّا أن فيه إرسالًا. وروى الشَّافعي والبيهقي بسند غير قوي من حديث عمرو بن الحارث، عن نوفل بن معاوية، قال: (أَسْلَمْتُ وَتَحْتِي خَمْسُ نِسْوَة، فسألت رسول الله ﷺ ، فقال: "فَارِقْ وَاحِدَةً، وَأَمْسِكْ أَرْبَعًا"). قال: (فَعَمَدْتُ إِلَى أَقْدَمِهِنَّ عِنْدِي عَاقِر مُنْذُ سِتينَ سَنَةً، فَفَارَقْتُهَا) (٤).

стр. 1437

وكذا عمم الشَّافعي الحكم في الأختين؛ لحديث فيروز الديلمي أنَّه أسلم وتحته أختان، فقال له النبي ﷺ : "اختر أيتهما شئت" (١). رواه أحمد والتِّرمِذي وابن ماجة. وخالف أَبو حنيفة في جَعْلِ ترك الاستفصال كالعام، وقال: إنه لم يقع في الواقعة إلَّا حالة واحدة، فإنْ دَلَّ على خصوص حاله دليل، فهو، وإلَّا [فمُجمَل] (٢) إلى قيام دليل على كيفية الوقوع. ووافقه أصحابه سوى محمد بن الحسن؛ فإنه استحسن مقالة الشَّافعي. ثم أوَّل أصحابه هذه الأحاديث إما على أنَّه ﷺ علم أن عَقد كل واحد ممن خَيَّره كان على كل نسائه معًا، لا مُرتَّبًا، وإما أنَّه مُرتَّب ولكن قوله له: "أمسك أربعًا" معناه: ابتدئ نكاح أربع. أو أن المراد: اختر أربعًا أوائل، أو غير ذلك من التأويلات البعيدة. والقول بالعموم أقرب من ذلك كله؛ فقد كان من عادته ﷺ أن يستفسر في القضايا؛ حتَّى لا يدع ريبةً ولا إشكالًا. ففي قصة ماعز لما قال: (زنيت)، قال له: "كيف كذا؟ أَبِكَ جنون؟ هل أحصنت؟ " (٣). وغير ذلك من السؤالات الواقعة في حديثه في "الصحيحين" وغيرهما. وفي "البخاري": "لعلك قَبَّلْتَ أو غَمَزتَ" (٤). وفي ابن حبان: "هل تدري ما الزنا" (٥).

стр. 1438

وفي حديث: علقمة بن وائل في "مسلم" في الرجل الذي جاء يقود آخر بنَسعَة وقال: هذا قتل أخي. فقال: "أقتلته؟ " قال: نعم. قال: "كيف قتلته؟ " فذكر له كيف وقع (١). وفي حديث المجامع في رمضان: "هل تجد؟ هل تجد؟ " (٢). وفي حديث بيع الرطب بالتمر لَمَّا سُئل عنه، صححه التِّرمِذي وغيره: "أينقص الرطب إذا جف؟ " (٣). وغير ذلك مما لا ينحصر، مع أن بعضه ليس فيه حد ولا قصاص حتَّى يُدَّعى أن الاستفسار إنما هو للاحتياط فيهما. ومما يُبعِد نفي القول بالعموم: كيف يخاطِب النبي ﷺ بالتخيير مَن هو متجدد في الإسلام وغريب مِن غير سبق بيان لشرائط النكاح مع أن الحاجة داعية إليه؛ لِقُرب عهده بالإسلام؟ " وأَبْعَد منه أنَّه ﷺ كان يعرف كُلَّ حالة مِن حالات كل مَن خَيَّره، ولأن العقود فيها وقَعَت معًا، أو يعرف القديمات مِن الجديدات، ويصرح بالاختيار ومراده التعيين للقديمات، لاسيما وحديث الأختين فيه: "اختر أيتهما شئت"، فعلَّق بمشيئته. وتقريره مَن عمد إلى أقدم مَن عنده ففارقها واختار غيرها، وأنه فَهِم ذلك من قوله قوله: "اختر من شئت" الذي

стр. 1439

تضمنه قوله: "فَارِقْ وَاحِدَةً، وَأَمْسِكْ أَرْبَعًا". فإن قيل: كيف يثبت العموم بغير صيغة؟ قيل: الشَّافعي إنما قال: (يُنزل منزلة العموم). وهذا كما قال في المشترك في كونه يُحمل على معانيه: (إنه كالعام)، ولم يَقُل: إنه عام. نعم، هو عكس إخراج صيغة العموم عن عمومها بالقرينة (كما سبق في مسائل، وكما سيأتي) على رأْي في العام على سبب، لكن المرجَّح في الوارد على سبب أنَّه باقٍ على عمومه، يُفرَّق بينه وبين هذا بأن تخصيص العام أصعب من تعميم الخاص. تنبيهات الأول: قَيَّد إمام الحرمين وابن القشيري القول في ترك الاستفصال بالعموم بأن يظهر استبهام الحال على الشارع. فإن عُلم بحال الواقعة، نَزل جوابه على وَفْقها ولا عموم. قال: (كما يجري كثير من الفتاوى على مثل ذلك). قلتُ: هذا في الحقيقة بيان لصورة المسألة، لا تقييد. ألا ترى إلى قول الشَّافعي: (تَطرَّق إليها الاحتمال)؛ فإنَّ ما عَلِم به لم يَبْق فيه احتمال. ونحو ذلك ما حكى الشيخ تقي الدين في "شرح الإلمام" عن بعضهم أنَّه زاد في القاعدة أنَّه عام في واقعة سُئل عنها ولم تقع بعد، فإنْ وَقَعت وعُلِم حالها فلا عموم، بل الجواب واقعٌ على ما علِم. وإن التبس علينا أَعَلِمَ؟ أو لا؟ فالوقف. وذكر الأبياري هذه الأقسام الثلاثة، غير أنَّه قال في الثالث: (إنه إنْ عُلم استبهامه على النبي ﷺ بقرينة، فالحمل على العموم باتفاق، وإنْ لم يُعلم استبهامه عليه، فالالتفات إلى القيد الوجودي يمنع القضاء على الأحوال كلها، وهو مُدرك أبي حنيفة، والالتفات إلى

стр. 1440

الإطلاق في السؤال ونحوه يقتضي استيفاء الأحوال) (١). أي: وإلا لكان إطلاقًا في موضع التقييد، أو إبهامًا في موضع البيان المحتاج إليه. الثاني: قال الأستاذ أَبو منصور: وافقنا أهل الرأي على جَعْلِه كالعام في جنين الحرة حيث أوجب فيه ﷺ غرة عَبد أو أَمَة ولم يسأل أَذَكَر هو؟ أم أنثى؟ قال الحافظ العلائي: وكذا حديث أم سلمة في المرأة التي كانت تهراق الدماء، فاستفتت لها أم سلمة النبي ﷺ ، فقال: "لتنظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أنْ يُصيبها الذي أصابها، فلتترك الصلاة قَدْر ذلك" (٢) الحديث. فأطلق الجواب باعتبار العادة مِن غير استفسار عن أحوال الدم، فكان مُقدَّمًا على التمييز. لكن المرجَّح عندنا تقديم التمييز؛ لحديث فاطمة بنت أبي حبيش مرفوعًا: "دم الحيض أَسود يُعْرَف، فإذا كان ذلك، فأَمْسِكي عن الصلاة" (٣) الحديث. ومن الحمل على العموم: حديث الأعمى الذي كانت أم ولده تقع فيه ﷺ ؛ فقتلها، فلما ذكر ذلك له ﷺ ، قال: "اشهدوا أن دمها هدر" (٤). فاحتج به المالكية على عموم تحتم قتل

стр. 1441

المتعرض لجنابه ﷺ ولو تاب؛ لأنه لم يستفسره، وكذلك قال أحمد؛ لأنه لم يسأل سيدها هل استتابها فتابت؟ أو لا؟ فيعُم وجوب القتل الحالين. الثالث: تقرير النبي ﷺ في الواقعة بمنزلة صريح جوابه حتَّى يكون عامًّا، كما قال ابن دقيق العيد: إن الأقرب تنزيله على ذلك؛ طردًا للقاعدة، ولإقامة التقرير مقام الحكم عند الأصوليين. و[هكذا الحديث] (١): "إنَّا نركب البحر ومعنا القليل من الماء، فإنْ توضأنا به، عطشنا" (٢) يستدل به على أن إعداد الماء الكافي للطهارة بعد دخول الوقت مع القدرة عليه غير لازم؛ لأنهم أخبروا أنهم يحملون القليل من الماء، وهو محتمل أن يكون للعجز وأن يكون مع القدرة، ولم ينكر عليهم؛ فَيَعُم؛ لترك الاستفصال. الرابع: إذا ثبت عمومه، فقد يَطرقه التخصيص، وقد يُخصَّص به ما هو أعم منه: فالأول: كحديث المرأة التي أراد زوجها أن يأخذ منها ابنها، فقال لها: "أنتِ أحقُّ به ما لم تنكحي" (٣). ولم يُفصِّل بين سِن وسِن؛ فيُخَص بحديث الذي خيَّره فيه؛ لتمييزه.

стр. 1442

والثاني: كحديث "إنَّ أُمي توفيت، أفينفعها إنْ تَصدقت عنها؟ قال: نعم" (١). ولم يستفسره هل أوصت بذلك؟ أوْ لا؟ فيُخَص به - مع عمومه - حديث: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلَّا من ثلاث" (٢) الذي هو أعم من الصدقة وغيرها. الخامس: قد يُستشكل على الشَّافعية عدم العمل بعموم إيجابه ﷺ الكفارة على المجامع في رمضان (٣) ولم يستفسره عن كونه مُقيمًا أو مُسافرًا، عامدًا أو ناسيًا، مفسدًا بالجماع أو لا، ونحوه مما قُيِّد به إيجاب الكفارة. وجوابه: أن ذلك مفهوم من قوله: (هلكت وأهلكت)، فإنه يدل على اجتماع الشروط. وكُل موضع يُتخَيل فيه المخالفة إذا تأمله المنصف، يجد فيه قرينة المنع من العموم. السادس: إذا كان بعض حالات الواقعة نادرًا، فقضية كلام المقترح أنَّها لا تدخل في العموم، لأن العموم فيها ضعيف. لكن الظاهر الدخول إذا قلنا بدخول النادر تحت اللفظ العام. بل قيل: يدخل قطعًا؛ لجواز أن يكون هو الواقع في الواقعة. نعم، قضية كلام الرافعي أيضًا عدم الدخول؛ إذْ قال في اختلاع الحائض لَمَّا استدل

стр. 1443

بقصة امرأة ثابت في خلع الحائض: (إن الحيض ليس بأمر نادر) (١). فإن مفهومه أنَّه لو كان أمرًا نادرًا، لَمْ يَعُمه الحكم. وقال ابن دقيق العيد في حديث سبيعة الأسلمية لما أخبرته بوضع حملها، قالت: "فأفتاني أني قد حللت حين وضعت حملي، وأمرني بالتزويج إنْ بَدَا لي" (٢): (إن بعضهم استدل به على انقضاء العدة بوضع الحمل على أي وجه كان، مُضغة أو عَلَقة، استبان فيه التخلق أم لا؛ لعدم الاستفصال). قال: (وهو ضعيف لأن الغالب هو الحمل التام المتخلق، ووضع العَلَقة والمضغة نادر). قال: (وإنَّما تقوى القاعدة حيث لا يترجح بعض الاحتمالات على بعض) (٣). انتهى وقولي: (لَكِنْ لَهُ: وَقَائِعُ الْأَحْوَالِ) إلى آخره - إشارة إلى أن للشافعي عبارة أخرى نُقِلت عنه وهي أيضًا مما يليق بفصاحته ﵁، ظاهرها مُخَالَفَةُ ما سبق، وهي: "وقائع الأحوال إذا تَطرق إليها الاحتمال، كساها ثوب الإجمال، وسقط بها الاستدلال". فإنَّ مفهومها أن المحتمِلَ من الوقائع لوجهين أو وجوه - مُجْمَلٌ، لا عام؛ لتعارض الاحتمالات من غير ترجيح. قال القرافي: (سألت بعض الفضلاء الشَّافعية عن ذلك فقال: يحتمل أن يكون للشافعي قولان فيه). ثم جمع القرافي بينهما بطريقين:

стр. 1444

(أحدهما: أن الأُولى فيما ضَعُف احتماله؛ لأن الاحتمال الضعيف لا يؤثر في دلالة الظواهر؛ لأنها لا تخلو عن احتمال. والثانية فيما قَوِيَ فيه الاحتمال بحيث ساوى الباقي أو قاربَه. الثاني: أن الأُولى إذا كان الاحتمال في محل الحكم، والثانية فيما إذا كان في دليل الحكم. فالأول: كقصة غيلان؛ لأن الاحتمال في النسوة، ونحوه: ﴿فَتَحْرِيْرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: ٣] يحتمل أن تكون سوداء أو بيضاء وغير ذلك من الأوصاف. والثاني: كحديث: "فيما سقت السماء العشر" (١)، يحتمل أن يراد به عموم ما فيه الزكاة حتَّى من الخضروات، ويحتمل أنَّه سِيق لبيان قَدْر المخرج؛ لأن اللفظ إذا خرج لمعنى، لا يُحتج به في غيره. وكحديث المُحْرِم الذي وقع عن راحلته، فقال ﷺ : "لا تمسوه طِيبًا، ولا تُخمِّروا رأسه" (٢) يحتمل أن يختص به وأنْ يَعُم كل محُرم) (٣). انتهى وضُعِّفَ الفرقان: - بأن الاحتمال وإن ضَعُف فهو داخل في العموم، فيحتمل أنَّه المراد دون غيره، فهو - في ذلك - والقوي سواء. - وأنَّ المحرم الذي مات: الاحتمال فيه في محل الحكم، بل غالب وقائع الأعيان الاحتمال فيها في محل الحكم، لا في دليله. وجمع الأصفهاني في "شرح المحصول" بأجود من طريقي القرافي، و [كذلك] (٤) الشيخ

стр. 1445

تقي الدين ابن دقيق العيد في "شرح الإلمام" والشيخ تقي الدين السبكي في "باب ما يحرم من النكاح" من"شرح المنهاج"، وهو أن: الأُولى: فيما إذا كان فيه لفظ للنبي ﷺ ، كقوله ﷺ لغيلان: "أمسك أربعًا" على رواية مَن روى قوله: "أمسك أربعًا وفارق سائرهن" (١). وكذا في باقي الذين أسلموا كما تَقدم. والثانية: فيما إذا لم يكن له فيها قول، بل حُكي فِعله فقط، نحو: "قضى بالشفعة للجار" (٢). وسبق منه طائفة في مسألة الفعل المثبَت. وإنَّما كان كذلك، لأن العموم من عوارض اللفظ قطعًا، وفي المعنى خلاف كما سبق أول الباب، فأمكن أن يحال عليه العموم. نعم، سبق أنَّه ينبغي أن يكون تقرير النبي ﷺ في ذلك كقوله. وقد ذكرنا في " [باب] (٣) السُّنة" أن التقرير هل هو من قبيل القول؟ أو الفعل؟ فإنما يأتي حمله على العموم إذا قلنا أنَّه كالقول. وإلى هذا الجمع الثالث أشرت بقولي: (وَالْجَمْعُ قَالَ شَيْخُنَا) إلى آخره، إشارة إلى أن شيخنا شيخ الإسلام أبا حفص البلقيني قال: (إن هذا هو الأَولى في الجمع بين عبارتَي الشَّافعي). فقولي: (في الْأُولَى) في شَطر البيت بضم الهمزة، أي: العبارة الأُولى. وقولي في آخِر البيت: (الْأَوْلَى) بفتح الهمزة، أي: الأَرجَح. وإنما تَعرضتُ لذلك؛ لِمَا كان شيخنا عليه من الاعتناء بنصوص الشَّافعي وممارسة

стр. 1446

كلامه. تنبيهات الأول: وقع في عبارة الشيخ تقي الدين في "شرح المنهاج" أن الاستدلال في العبارة الأُولى بقول الشارع وعمومه. وقد يُستشكل بأن محل الخلاف حيث لا يكون ثَمَّ لفظ عام، إلَّا أن يقال: مراده بِـ "قوله وعمومه " على تقدير أن يُجعل عامًّا كما قررناه، لا أن يكون صيغته صيغة عموم. نعم، قيل: في حديث: "اختر أيتهما شئت" صيغة عموم، وهي "أي" الموصولة. لكن سبق أن "أيًّا" الموصولة لا عموم فيها. وبتسليم أن يكون فيها عموم فهو من جهة المرأتين، لكن يحتمل أن يكون في حالة نكاحهما مرتبًا أو معًا؛ ولهذا أدخلوه في محل الخلاف. وأيضًا فعموم الشمول فيه متعذر، إنما عمومه عموم بدل، وإلا لجاز الجمع، وقد قال تعالى في المحرَّم: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣]. الثاني: في ذكر أمثلة - غير ما سبق - تتمهد بها العبارتان، فمنها: مِن الأولى: حديث ابن عمر في "الصحيحين": أن رسول الله " ﷺ أتاه رجل وهو واقف عند الجمرة، فقال: يا رسول الله، حلقت قبل أن أرمي. فقال: "ارْمِ ولا حرج". وأتاه آخَر، فقال: ذبحتُ قبل أن أرمي. فقال: "ارْمِ ولا حرج". وأتاه آخر، فقال: أفضت قبل أن أرمي. فقال: "ارْمِ ولا حرج" (١). وفي حديث ابن عبَّاس نحوه. فقوله: "ولا حرج" شامل للعمد والسهو والعِلم والجهل وغير ذلك من الحالات، وأما

стр. 1447

الحديث الذي فيه: "لم أَشْعُرْ، ففعلت كذا" (١) فتلك واقعة أخرى. ويكون الأمران مِن ذِكر بعض أفراد [العام] (٢)، لا أنَّه من المطلق والمقيد فيتقيد بحالة عدم الشعور. ومنها: حديث الذي كان على خيبر، فأتى النبي ﷺ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ، فقال له ﷺ : "أَكُل تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟ " (٣). الحديث. وقال له فيه: "لَا تَفْعَلْ، بِعْ الجْمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ اشْتَرِ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا". رواه البخاري. فاحتج به الشَّافعية والحنفية على الجواز، قَبِض أو لم يَقبِض؛ لعدم الاستفسار. ومنها: حديث ثابت بن قيس: "خذ الحديقة، وطلقها تطليقة" (٤). ولم يفصل بين أن تكون حائضا أو لا. وقد سبق، ونحو ذلك، وهو كثير. ومن الثانية: حديث؛ "أنَّه كان يغتسل هو وبعض أزواجه من إناء واحد تختلف أيديهما" (٥) محتمل لكونه مع رشاش ودونه. ومع الرشاش محتمل أن الواقع قُدِّر، لو قُدِّر مخالفًا لغَيَّر أوْ لا. والإناء صغير، أو ما فيه قُلَّتان.

стр. 1448

وأيضًا فيحتمل أن تتأخر يده ﷺ عنها أو يدها حتى يُستدل به على الأول للطهارة بفضل مائِها أو لا؛ ولذلك جاء في حديث عائشة أنها قالت: "أَبْقِ لي، أَبْقِ لي". ولم يَرِد أنه قال لها: أَبْقِي لي، أَبْقي لي. ومنها: ما روي "أن زنجيًّا وقع في بئر زمزم؛ فمات، فأمر ابن عباس بأن تُنزح" (١). فاستدل به الحنفية على تنجيس الماء الذي بلغ قُلتين وإنْ لم يتغير، بل بمجرد الملاقاة. وأجاب الشافعي بأنه قد يكون الدم ظهر وغَيَّر، ويحتمل أن نزحها كان [تنظيفًا] (٢)، لا لأجل التنجيس، وأن يكون احتياطًا؛ لاحتمال التغير؛ فلا يتعيَّن كونه للتنجيس بمجرد الملاقاة. إلى غير ذلك، وقد ذكر الحافظ العلائي في قواعده طائفة مِن الأمثلة. الثالث: قولي: (إذَا تَطَرُّقٌ) أي: إذا حصل أو وُجد؛ لأن "إذَا" تختص بالجُمَل الفعلية. وقولي: (سَقَطَ الْأَخْذُ بِالِاسْتِدْلَالِ) أي: سقط الأخذ للحُكم منها بسبب الاستدلال؛ فإنه لا دليل فيها؛ لإجمالها. والله أعلم. * * * (تَمَّ بِعَوْن الله تعالى الجزءُ الثالث، وَيلِيه الجزء الرابع، وأوله: التخصيص)

стр. 1449

التخصيص ٦١٣ - الرَّسْمُ في "التَّخْصِيصِ" قَصْرُ مَا يَعُمْ ... في بَعْضِهِ وَلَوْ عَلَى فَرْدٍ يَلُمْ ٦١٤ - إلَّا إذَا كَانَ الْعُمُومُ جَمْعَا ... فَذَا أقَلُّهُ ثَلَاثٌ وَضْعَا ٦١٥ - مَا لَمْ يَكُنْ لِكَثْرَةٍ فَزَائِدُ ... عَشَرَةٍ مَا لَمْ يَنُبْ فَعَائِدُ الشرح: لما انتهى الكلام في العموم وصِيَغه، شرعتُ في مُقابِلِه وهو الخصوص. فالخاص في الابتداء أمره ظاهر، وإنما النظر فيما كان عامًّا ثم صار خاصًّا بدليل، فهذا يتوقف معرفته على بيان التخصيص والمخصَّص (بالفتح) والمخصِّص (بالكسر). فأما "التخصيص" فرسْمه كما أشرتُ إليه في النَّظم: قَصْر العام على بعض أفراده. فخرج تقييدُ المطلق؛ لأنه قَصْر مُطْلَق لا عام، كَ ﴿رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]. وكذا الإخراجُ من العدد، كَـ "عشرة إلا ثلاثة" ونحو ذلك. ودخل في العام: - ما عمومه باللفظ، نحو: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] قُصِر بالدليل على غير الذمي ونحوه ممن عُصِمَ بأمان. - وما عمومه بالمعنى، كقصر عِلة الربا في بيع الرطب بالتمر -مثلًا- بأنه "ينقص إذا جَف" على غير العرايا، وكقَصْر مفهوم الموافقة في نحو: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] على غير حبس الأصل في دَين الفرع على قول الغزالي بجوازه، وإنْ كان المرجَّح في المذهب ما صححه البغوي وغيره مِن المنع. وكقَصْر مفهوم المخالفة في نحو: "إذا بلغ الماء

стр. 1450

قلتين، لم يحمل الخبث" (١) على غير ما وقع فيه ميتة لا نَفس لها سائلة، وشبه ذلك. تنبيهات الأول: المراد مِن قَصْرِ العام قصرُ حُكمه، وإنْ كان لفظ العام باقيًا على عمومه لكن لفظًا لا حُكمًا؛ فبذلك يخرج إطلاق العام وإرادة الخاص؛ فإنَّ ذلك قَصْر دلالة لفظ العام، لا قصر حُكمه. وسيتضح ذلك بما سيأتي مِن كون التخصيص إخراجًا مِن الحكم، لا مِن لفظ "العام"، ومِن الفرق بين العام المخصوص والعام المراد به الخصوص، وأن دلالةَ الأولِ على باقي الأفراد حقيقةٌ (على المرجَّح)، والثاني مجاز قطعًا. ولهذا قال البيضاوي عقب تعريف "التخصيص" وتبعه في "جمع الجوامع": إنَّ القابل للتخصيص حكم ثبت لمتعدد (٢). ولكن استُشكِل عليه بأنه يشمل العدد والجمع المنكَّر، والتخصيص إنما هو للعام، ولا عموم فيهما. وقد أجاب في "منع الموانع" عن الأول: بأنَّ مدلول اسم العدد واحد، والتعدد إنما هو في المعدود. ومراده بذلك أنَّ مدلول العدد كلٌّ مجموعيٌّ، فهو مفرد ذو أجزاء، بخلاف العام؛ فإن مدلوله جزئيات متعددة؛ لأنه كُلي كما سبق، والحكم فيه كُلية. وعن الثاني: (بأنَّ الجمع المنكَّر إنِ اقترن بما يقتضي عمومه كـ "أل" أو "النفي" أو نحوه

стр. 1451

فواضح؛ لأنه عام، وإن لم يقترن بذلك وقُلنا: لا عموم فيه في الإثبات، فهو عام باعتبار قابليته لِأنْ يكون عامًّا بِشَرْطه. فقبوله لتخصيص حُكمه لذلك) (١). انتهى وفي الأخير نظر؛ لأن المفرد كَ "رجُل" كذلك، فيكون متعددًا بالقابلية، ولكنه حقه أن يزيد في الجواب بأنَّ الجمع المنكَّر إذا لم يكن عامًّا، فتعدده تَعدُّد أجزاء، لا جزئيات كما قُلنا بنحوه في العدد. ولا يقال: فيه عموم بدلي، فيتعدد باعتباره. لأنَّا نقول: عندما يكون دالًّا على فرد لا يكون دالًّا على آخَر؛ فلا تَعدُّد، وإلا يَلزم أن يكون نحو: "رجُل" في الإثبات متعدد المعنى، وهو باطل. نعم، كَوْن الإخراج مِن الحكم لا مِن اللفظ سيأتي إيضاحه. وقد تبين بذلك المخصَّص (بفتح الصاد)، وأنه العام بمعنى حُكمه، لا لفظه، فاعلمه. الثاني: قد يقال: يَرِد على تعريف "التخصيص" بما ذُكِر أن النادر وغير المقصود داخل لا العموم على المرجَّح كما سبق، وقَصْر العام عليهما ليس تخصيصًا شرعيًّا، خلافًا للحنفية. فلذلك ضُعِّفَ تأويلهم حديث: "أيما امرأة نكحت نفسها" بالحمل على المكاتبة أو المملوكة -بأنه نادرٌ؛ فلا يُقصَر الحكم عليه. فالجواب: أن المراد أنه مع ندوره لا يكون فيه دليل على تخصيص العام بذلك. الثالث: أورد القرافي دخول النسخ لبعض أفراد العام باعتبار كون تخصيصها إنما ورد بعد دخول وقت العمل كما سيأتي إيضاحه.

стр. 1452

وقد يجاب بأن الكلام في عامٍّ باقٍ على أن دلالته على فرد فرد ظاهرة، لا نص. وبعد وقوع العمل يصير كالنص على كل فرد فرد؛ فلذلك كان نسخًا. الرابع: قد يورَد على تعريف "التخصيص" أنه إنما يكون تخصيصًا بدليل، فَلِمَ لا قيل: قَصْر العام بدليل؟ وجوابه: أن الكلام في التخصيص الشرعي، فالتقدير: قَصْر الشارع العام على بعض أفراده. فأُضيف المصدر إلى مفعوله وحُذف الفاعل؛ لِلعِلم به؛ ولأجل ذلك لم أتعرض لكون تخصيص العام جائزًا؛ استغناءً بِذكر جوازه إلى واحد أو كذا إلى آخِر ما سيأتي. وقد تَعرض ابن الحاجب وغيره لحكاية الخلاف في جواز تخصيص العام، فقال: (التخصيص جائز إلا عند شذوذ) (١). وأراد بذلك أن العام سواء كان أمرًا أم نهيًا أم خبرًا يجوز أن يَطرقه التخصيص ولو كان مؤكدًا بِـ"كل" ونحوها، إلا أن قومًا شذوا فمنعوه مطلقًا - وكذا حكاه الإمام الرازي وأتباعه. لكن مقتضى إيراد الشيخ أبي حامد وسليم والشيخ أبي إسحاق وابن الصباغ وابن السمعاني وأبي الحسين والآمدي أن الخلاف إنما هو في تخصيص العام إذا كان خبرًا، لا أمرًا أو نهيًا، فإنه جائز بلا خلاف. لنا: ورود ما هو مخصوص قطعًا، نحو: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦]، ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥]، ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص: ٥٧]، ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣]، ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ [الكهف: ٨٤]. وفي الأمر: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، وفي النهي: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى

стр. 1453

يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] مع أن بعض القربان غير منهي قطعًا. بل قالوا: لا عام إلا وطَرقَه التخصيص، إلا مواضع يسيرة عقد الشافعي في "الرسالة" لها بابًا، وسيأتي بيانها. وأما "العام" إذا أُكِّد، فلا يمتنع تخصيصه على أصح قولين للعلماء، حكاهما الماوردي والروياني في "باب القضاء"، ونقل القول بالمنع أيضًا أبو بكر الرازي عن بعضهم، وجزم به المازري، مستندين إلى أن التأكيد لنفي المجاز. ولهذا وقع الجواب في قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٤] على قراءة نَصْبِ "كُلَّه"؛ لأنه لو لم يكن معيِّنًا للعموم، لَمَا وقع جوابًا لمن قال: ﴿هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [آل عمران: ١٥٤]. ولكن الأصح نعم، بدليل: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ [الحجر: ٣٠ - ٣١] إذا قُدِّر متصلًا، وفي الحديث: "فأحرموا كلهم إلا أبو قتادة" (١). وفي "البرهان" لإمام الحرمين أن الجواز قضية كلام الأشعري. وصرح به القفال الشاشي والماوردي والروياني. بل ظاهر كلام الهندي في "باب النسخ" أنه إجماع. قولي: (وَلَوْ عَلَى فَرْدٍ يَلُمْ) إشارة إلى القَدْر الذي ينتهي إليه التخصيص ويبقى العام مقصورًا عليه، وأنه إنْ كان العام بصيغة غير الجمع وما في معناه فيجوز إلى واحد، وإنْ كان جمعًا أو ما في معناه فيجوز إلى أقَل الجمع. وهذا هو أرجح المذاهب كما سنذكره، وحينئذٍ فيُحتاج إلى معرفة "أَقَل الجمع" ما هو إذا كان جمع قِلة أو كثرة؟

стр. 1454

فيتوجه الكلام إلى أمرين: ما ينتهي إليه التخصيص، [و] (١) بيان أقَل الجمع. فالأول: فيه مذاهب: أحدها: المختار -وهو رأي القفال الشاشي- أنه يجوز التخصيص إلى أن ينتهي إلى أقَل المراتب التي ينتهي إليها ذلك العام الذي قد خُصَّ. فإن لم يكن جمعًا ولا في معنى الجمع كَـ "مَن" و"ما" و"أين" ونحو ذلك، فإلى أن يبقى واحد. وإنْ كان جمعًا كَـ "الرجال" أو ما في معناه كَـ "النساء" و"القوم" و"الرهط" ونحو ذلك، فإلى أن يبقى أقَل ما ينطلق عليه الجمع أو ما في معناه. وعلى هذا فيُفَصَّل في الجمع: فإنْ كان جمع قِلة فإلى ثلاثة أو اثنتين على الخلاف الآتي في أقَل الجمع. وإنْ كان جمع كثرة أو ما في معنى الجمع إذا لم يُقيِّد أهل العلم أقَله بشيء فإلى أحد عشر. بل حكى قوم الاتفاق في إبقاء واحد إذا لم تكن الصيغة جمعًا أو معناه. فقال الأستاذ أبو إسحاق: (إنه لا خلاف في ذلك). وحكى القاضي عبد الوهاب عنه أنه ألحق أسماء الأجناس -كَـ "السارق" و "السارقة"- بالجمع المعرَّف في امتناع ردِّه إلى الواحد. وقال الأصفهاني: (ينبغي أن يلحق بذلك أيضًا "أيّ" و"مَن" و"ما"؛ لتناوله الواحد والاثنين) (٢).

стр. 1455

بل صرح إلكيا الطبري بذلك. قال السبكي في "شرح البيضاوي" بعد حكاية مذهب القفال: (وما أظن القائل بهذا الرأي يقول به في كلِّ تخصيص، ولا يخالف في صحة استثناء الأكثر إلى الواحد، بل الظاهر أن قوله مقصور على ما عدا الاستثناء من المخصصات؛ بدليل احتجاج بعض أصحابنا عليه بقول القائل: عليَّ عشرة إلا تسعة. ويحتمل أن يعم الخلاف، إلا أن الظاهر خِلافه؛ لأن المنقول عنه المخالفة هنا لم تُنقل عنه ثَمَّ) (١). انتهى قلتُ: على أن هذا التفصيل وإنْ كان هو الراجح المفهوم من كلام جمهور أصحابنا لكنه مُفرَّع على أن الجمع العام آحاده جموع، لا وحدان. فأما إذا قُلنا: الآحاد وحدان، فهو حينئذٍ كَـ "مَن" و "ما" ونحوهما بلا فرق. نعم، سبق اضطراب الترجيح في تلك المسألة، فاعْلَمه. المذهب الثاني: أنه يجوز التخصيص إلى أن يبقى واحد مطلقًا، سواء أكانت الصيغة جمعًا أَم لا. وهو قول الشيخ أبي إسحاق الشيرازي. وحكاه إمام الحرمين في "التلخيص" عن معظم أصحاب الشافعي، قال: وهو الذي اختاره. ونقله أيضًا عن معظمهم ابن الصباغ، ونقله ابن السمعاني عن سائر أصحابنا خلا القفال، وحكاه الشيخ أبو إسحاق عن إجماع أئمتنا، وصححه القاضي أبو الطيب، ونسبه القاضي عبد الوهاب للجمهور. مِثاله قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] والقائل لذلك هو نعيم بن مسعود الأشجعي كما ذكره الآمدي وابن الحاجب وغيرهما تبعًا لكثير من المفسرين، لكن الذي ذكره الشافعي في "الرسالة" أنهم

стр. 1456

أربعة. وزاد بعضهم في نقله عن "الرسالة" أنه قال: وهُم الأربعة الذين تخلَّفوا عن أُحد. لكن الذي رأيته في "الرسالة" في عِدة نُسخ صحيحة في "باب ما يكون من الكتاب عام الظاهر والمراد خاص" ما سبق بدون هذه الزيادة. أما الناس في قوله تعالى: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] فذكر كثير من المفسرين أنه أبو سفيان، فيكون أيضًا شاهدًا للمسألة. ومِثله أيضًا قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٥٤]، المراد بالناس هُم النبي ﷺ كما قاله كثير، ونحوه أيضًا قوله تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ [آل عمران: ٣٩]. قيل: هو جبريل وحده، وكذا قيل به في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ﴾ [آل عمران: ٤٢]، ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ﴾ [النحل: ٢] أيْ: بالوحي؛ لأن الرسول إلى جميع الأنبياء جبريل. قلتُ: وفي الاستدلال بذلك على المسألة نظر؛ فإن ذلك إنما هو مِن العام المراد به خاص، لا من العام المخصوص، ويدل على ذلك ترجمة الشافعي السابقة. المذهب الثالث: ما ذهب إليه أبو الحسين، وربما نُقل عن المعتزلة مِن غير تعيين، وإليه مَيل إمام الحرمين، واختاره الغزالي، ونقله بعض المتأخرين عن أكثر أصحابنا: أنه لا بُدَّ مِن بقاء جَمعٍ كثير. قيل: إلا أن يستعمل ذلك العام في الواحد تعظيمًا، نحو: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ [المرسلات: ٢٣]. لكن لا حاجة إلى هذا الاستثناء؛ لأن هذا من إطلاق العام وإرادة الخاص، وليس الكلام فيه كما بيَّناه. وهذا المذهب نقله أيضًا الآمدي وابن الحاجب عن الأكثرين، واختاره الإمام وأتباعه، لكن اختلفوا في تفسير ذلك الجمع الكثير الذي يبقى.

стр. 1457

فقال ابن الحاجب: (إنه الذي يَقْرب من مدلوله قبل التخصيص) (١). ومقتضى هذا أن يكون أكثر من النصف، وفسره جَمعٌ -كالبيضاوي- بأن يبقى غير محصور. والتفسيران متقاربان؛ إذِ المراد بكونه يقرب من مدلول العام أن يكون غير محصور، فإنَّ العام هو المستغرق لِما يَصْلح له مِن غيْر حَصْر، فهو معنى أن يبقى غير محصور، ولهذا قابله ابن الحاجب بأقوال الثلاثة والاثنين والواحد الآتي ذِكرها. فقول البيضاوي في تعليله على تفسيره السابق: (لسماجة "أكلتُ كُل رمان في البيت" ولم يأكل غير واحدة) (٢) إنما مراده أن يكون الذي في البيت الواحد والاثنان والثلاثة؛ لكون ذلك محصورًا، و"كُل" إنما تكون لغير المحصور. وذِكرُهُ الواحد مثال، خلافًا لمن انتقد عليه بأنه لا يَلزم مِن قُبْح هذا قُبْحُ المحصور كالاثنين والثلاثة. فالدعوى عامة والدليل خاص. وإذا تَقرر ما ذكرناه من عدم مغايرة التفسيرين، عرفتَ أن ما في "جمع الجوامع" مِن جَعْلِهما قولين متغايرين ليس بجيد. المذهب الرابع: أنه لا بُد من بقاء أقَل الجمع مطلقًا ولو لم يكن صيغة العموم جمعًا. حكاه ابن برهان وغيره. فقول ابن الحاجب: (وقيل: اثنان. وقيل: ثلاثة) لَعلَّه للخلاف الآتي في كون الجمع اثنين أو ثلاثة، فيرجعان إلى هذا المذهب، ويحتمل أن المدْرَك غير ذلك، والأمر سهل. المذهب الخامس: التفصيل بين أن يكون التخصيص بالاستثناء والبدل فيجوز إلى واحد، وبين أن لا يكون بهما فلا يجوز إلى واحد. حكاه ابن المطهر.

стр. 1458

السادس: تفصيل آخَر، قال ابن الحاجب: (إنه المختار). قال الأصفهاني وغيره: ولا يعرف لغيره أن التخصيص إنْ كان بالاستثناء والبدل يجوز إلى واحد، أو بالمتصل غيرهما -كالصفة- يجوز إلى اثنين، أو بالمنفصل في العام المحصور القليل يجوز إلى اثنين أيضًا. مِثل: "قتلتُ كل زنديق"، وقد قتل اثنين، والزنادقة كانوا ثلاثة. وبالمنفصل غير المحصور أو العدد الكثير يكون المختار القول بإبقاء العدد الذي يَقْرب مِن مدلول العام. قولي: (إلَّا إذَا كَانَ الْعُمُومُ جَمْعَا) إلى آخِره -بيان لمسألة أقَل الجمع ما هو؟ حتى يترتب عليها بعض المذاهب في المسألة السابقة. وهذا وجه مناسبة ذِكر مسألة "أقَل الجمع" هنا كما ذكرها إمام الحرمين والإمام الرازي وأتباعه. وذكرها جَمعٌ -كابن الحاجب- عقب مسألة: الجمع المنكَّر هل هو للعموم؟ أو لا؟ ولكن هنا أليق؛ لأنَّ مَن يقول بعموم الجمع المنكَّر لا يُعَيِّن الحمل على أقَل الجمع، بل على الأقل أو غيره مما يقتضيه الحال وإنْ كان يُحمل على الأقل حيث لا قرينة، لكنه ليس المقصود من تلك المسألة. وفي أقل ما ينطلق عليه الجمع مذاهب تُقدَّم عليها مُقدِّمة، وهي: أن الدال على متعدد إما مثنى أو جمع أو اسم جمع أو جنس جمعي أو غير ذلك من الضمائر (كَـ "قمنا" و"قمتم" و"أنتم") أو الإشارة (كَـ"أولئك") أو الموصول (كَـ "الذين") أو غير ذلك مما لا ينحصر. لكن المثنى ونحوه لا غرض لنا فيه، بل في غيره. فلنبدأ بالجموع؛ لأنها موضوع هذه المسألة غالبًا، ثم نتعرض لبعض ما أشرنا إليه. فنقول: الجمع قِسمان: جمع قِلة: وهو ما يطلق للعَشرة فمَا دُونها.

стр. 1459

وجمع كثرة: وهو ما يُطلق لأحد عشر فصاعدًا إلى ما لا نهاية له. وجمع القِلة منحصر في نوعين: أحدهما: جموع التصحيح وهو: ما سَلِمَ فيها بناءُ الواحد، سواء كانت لمذكر نحو: "مسلمين" أو مؤنث نحو: "مسلمات". وثانيهما: أربعة من جموع التكسير، جمعها بعض القدماء في قوله: بأفعُلٍ وبأفعالٍ وأفعِلةٍ ... وفِعْلةٍ يعرف الأدنى من العددِ وزاد -في ضم جمعي التصحيح إليها أبو الحسن الدَّباج من نحاة أشبيلية -بيتًا، فقال: وَسَالِمُ الْجَمْعِ أَيْضًا دَاخِلٌ مَعَهَا ... في ذلك الحكم، فَاحْفَظْهَا وَلَا تَزِدْ ودليل كون النوعين للقِلة الاستقراءُ، فإنهم لا يفسرون العدد القليل إلا بها، كَـ"ثلاثة أفلُس"، و"أربعة أجمال"، و"خمسة أرغِفة"، و"سبعة صِبية"، و"سبع بَنين" و "تسع شجرات" ونحو ذلك. وعلَّل النحاة ذلك في جمع التصحيح بأنه على حَد المثنى، فوجب قِلته وحصره. وفي الأربعة من التكسير بأنها تُصَغَّر على لفظها كالمفرد، وغيرها من جموع التكسير إنما تُصَغَّر على إفراد واحدها ثم يجمع بِـ "الواو والنون" في العاقل، وبـ "الألف والتاء" في غيره، فيقال: "رُجَيْلون" و"دريهمات". نعم، قد يقوم جمع القِلة مقام جمع الكثرة، وبالعكس، كما في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فإن المطلقات في غاية الكثرة، وجمعها بالألف والتاء، وأكَدَها في قوله: ﴿بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ بجمع قِلة. واستعمل جمع الكثرة وهو "قروء" في ثلاثة، وربما كان ذلك استغناءً بما لا يستحق عما يستحق، كـ"رجال" ليس له جمع قِلة، و"أقلام" ليس له جمع كثرة.

стр. 1460

نعم، مقتضى قول سيبويه وجمع من أئمة النحو في التعبير عن ذلك بأنه قد "يُستعار كذا لكذا" أنَّ ذلك مجازٌ، وأن الحقيقة التفرقة السابقة. فأول المذاهب في أقَل الجمع أنه ثلاثة، ولا يستعمل في الاثنين إلا مجازًا. وإليه ذهب الأكثرون، منهم الشافعي وأبو حنيفة، واختاره الإمام الرازي وأتباعه كالبيضاوي، وكذا ابن الحاجب في "مختصره الكبير"، أما في "الصغير" فسيأتي ما وقع له فيه. وربما رُوي هذا القول عن مالك، حكاه عنه عبد الوهاب، لكن المشهور عنه ما سيأتي. ورُوي عن عثمان وابن مسعود وابن عباس ﵄. وممن نقله عن نَص الشافعي الروياني في "البحر" في "كتاب العدد"، قال: (وهو مشهور مذهب أصحابنا) (١). وقال إمام الحرمين: إنه ظاهر مذهب الشافعي. وقال إلْكِيا: هو مختار الشافعي. ونقله القاضي أبو الطيب عن أكثر أصحابنا، وقال الأستاذ أبو إسحاق: إنه ظاهر المذهب. ونقل أيضًا عن نَص الشافعي في "الرسالة"، ونقله أَبو الخطاب -من الحنابلة- عن نَص أحمد، وحكاه ابن الدهان عن جمهور النحاة، وفي "شرح الكتاب" لابن خروف أنه مذهب سيبويه. قال القفال الشاشي في "أصوله": ولهذا جعل الشافعي أقَل ما يعطى من الفقراء والمساكين -أيْ من الزكاة- ثلاثة، وفي الوصية للفقراء أقَلهم ثلاثة. قال: لأن السِّمات دلائل على المسميات، وقد جعلوا للمفرد والمثنى صيغة، فلا بُدَّ أن يكون للجمع صيغة بخلافهما. الثاني من المذاهب: أن أقَله اثنان. وبه قال القاضي أبو بكر، وحكاه هو وابن خويز منداد عن مالك، واختاره الباجي.

стр. 1461

ونقله صاحب "المصادر" عن أبي يوسف، قال: ولهذا ذهب إلى انعقاد صلاة الجمعة باثنين سوى الإمام. فجعل قوله تعالى: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] اثنين يسعيان فصاعدًا إلى الإمام. لكن أنكر ذلك عن أبي يوسف شمسُ الأئمة السرخسي، وقال: (إن عنده الجمع الصحيح ثلاثة كما يقوله محمد فيما نَص عليه في "السير الكبير") (١). وقال ابن حزم: (إنَّ كون أقل الجمع اثنين قولُ جمهور أهل الظاهر) (٢). ثم اختار خِلافه. وحكاه سليم عن الأشعرية وبعض المحدثين، وحكاه ابن الدهان النحوي عن محمد بن داود وأبي يوسف والخليل ونفطويه، واختاره الغزالي. وربما احتُج لذلك بقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨]، فسألوا إلهًا مع الله؛ لتكون الآلهة اثنين، تَعالَى الله عن ذلك، لا إله غيره. وُيروى هذا القول أيضًا عن عمر وزيد بن ثابت ﵄. واعلَم أن ما نُقل من ذلك عن الصحابة إنما أُخذ من اختلافهم في حجب الأم عن الثلث إلى السدس بأخوين أو بثلاثة، لا أنهم تكلموا في أقَل الجمع بخصوصه. وربما كان مَأخذ مَن قال باثنين غير ذلك، كما روى ابن خزيمة والبيهقي وابن عبد البر بسندٍ -وإن كان متكلَّمًا فيه- إلى ابن عباس في الاستدلال على ذلك، ولكن الحاكم رواه، وقال: صحيح الإسناد: أنه دخل على عثمان، فقال له: (إن الأخوين لا يردان الأم إلى السدس، فإنما قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النساء: ١١]، والأخوان في لسان قومك

стр. 1462

ليسَا بإخوة. فقال عثمان: لا أستطيع أن أنقض أمرًا كان قبلي وتوارثه الناس ومضى في الأمصار) (١). فقال ابن عباس: (إن الأخوين ليسَا بإخوة)، فلم يُنكر عليه عثمان ذلك، بل عدل إلى الاستدلال بما ذكره؛ فدل على توافقهما عليه، وأن مَن يرى بالحجب بأخوين ليس لكون أقَل الجمع اثنين، بل للإجماع السابق، أو قول الأكثر، أو نحو ذلك. فمَن ينقل عن الصحابة أن أقَل الجمع اثنان، فَظَنٌّ منه أن سنده في الحجب لفظ "إخوة" في الآية. وعلى ذلك يُحمل ما رواه الحاكم في المستدرك عن زيد أنه كان يقول: "الإخوة في كلام العرب أخوان فصاعدًا" (٢) وروي نحوه عن عمر أنما مُرادهما في هذا الموضع، لدليل قام عندهما فيه. الثالث: الوقف. حكاه الأصفهاني في "شرح المحصول" عن الآمدي، وفي ثبوته نظر؛ لأنه إنما أَشْعر به كلام الآمدي، إذْ قال في آخِر المسألة: (وإذا عُرف مآخذ الجمع من الجانبين، فعَلَى الناظر الاجتهاد في الترجيح، وإلا فالوقف لازم) (٣). ولكن هذا الكلام بمجرده لا يكفي في حكاية الوقف مذهبًا.

стр. 1463

الرابع: أن أقَل ما يُطلق الجمع عليه واحد. وربما ينقل ذلك عن إمام الحرمين كما عزاه ابن الحاجب له، إذْ قال في "مختصره الصغير": (مسألة: أبنية الجمع لاثنين تصح، وثالثها: مجازًا. الإمام: ولواحد) (١). فإن كلامه يقتضي أن لنا قولًا أن الجمع لا يصح إطلاقه على الاثنين، لا حقيقة ولا مجازًا. ولكن لا يُعرف ذلك. ويقتضي أن الإمام يقول: إنَّ أقَل الجمع واحد. فإنْ أراد حقيقةً فلا قائل به أصلًا، أو مجازا فلا يمنعه أحد، لا الإمام ولا غيره. والذي غَرَّ ناقل ذلك عن الإمام أنه قال في "البرهان" عقب مسألة: "التخصيص إلى ماذا ينتهي؟ " وذكر صيغة الجمع، ثم قال: (والذي أراه أن الرد إلى واحد ليسِ بدعًا، ولكنه أَبْعَد مِن الرد إلى اثنين) (٢). لكن كلام الإمام إنما هو منحط على ما قبله، وهو ما ينتهي إليه التخصيص. ومراده بقوله: (ليس بِدعًا) أن الانتهاء إلى واحد في التخصيص ليس بِدعًا وإنْ كان مجازًا. ولهذا قال عقبه: (وهو أبْعد من الرد إلى اثنين)؛ لأن المجازات قد تتفاوت بها القُرب والبُعد من الحقيقة، ولو كان مراده أن ذلك يكون حقيقة، لَمَا قال: (وهو أبعد من الرد لاثنين)؛ لأن الحقيقة لا تتفاوت جزئياتها من حيث كونها حقيقة. فالذي يقتضيه قول الإمام أو، وآخِرًا أن أقَل الجمع ثلاثة حقيقةً، وأنه في دُونها مجاز. فمن أمثلة الإطلاق على الواحد: ما سبق في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، ونحوه. ومثَّله ابن فارس بها "فقه العربية" بقوله تعالى: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل:

стр. 1464

٣٥]؛ لأن المراد بالمرسلين سليمان. وفيه نظر؛ لاحتمال إرادتها جنس المرسلين الذين سليمان ﵇ منهم. ونحوه قول الزمخشري (١) في: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء: ١٠٥]؛ لأنه نوح. وفيه أيضًا نظر؛ لأنَّ مَن كذَّب رسولًا فقد كذّب الرسُل كلهم، كما يقال: فلان يركب الدواب. أي: شأنه ذلك. وعلى هذا فهو حقيقة خلاف، فقول الغزالي وغيره: (إنَّ مثل ذلك مجاز بالاتفاق) إنما نظروا في ذلك للواقع، لا للمفهوم. نعم، إمام الحرمين مَثَّله بأن يرى امرأة تبرجت لرجلٍ فيقول لها: (أتتبرجين للرجال؟ ! )، فإن كان مراده أنه يكون حينئذٍ مجازًا -وقد نقله عنه كذلك إلْكِيا- فهو مما لا نزاع فيه كما سبق؛ لأنه مِن إطلاق الكل على البعض. وإنْ كان حقيقةً، فهو نظر إلى المفهوم، لا إلى الواقع، أي: شأنك أن تتبرجي لجنس الرجال. ويدل عليه قرينة خصوص الرجل المرئي، لا أن قصد قَصْر الرجال عليه. نعم، من إطلاق الجمع وإرادة الواحد مجازًا إذا أطلق ذلك في مقام التعظيم برفع قَدْرِه عن رُتبة الواحد وضعًا ومحلًّا، كما يقال للكبير: (أنتم فعلتم ذلك). وقول المعظِّم نفسه: (فَعَلْنا ذلك). كما صرح أهل العربية بأن ذلك للمشارك أو المعظِّم نفسه كما في قوله تعالى حكايةً عمن قال: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٩]، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [يوسف: ١٢]، ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ [المرسلات: ٢٣]، ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ [الحجر: ٩]. وهو أمر لا ينحصر. ومنهم من أَوَّل كلام الإمام السابق على أن إطلاق الجمع للواحد جائز اتفاقًا.

стр. 1465

وإنْ حَمل السامع الجمع على واحد، الأكثر على المنع؛ لأنَّ المعْظَم على أن ألفاظ الجموع العامة نَصٌّ في أقَل الجمع وإنِ اختُلف في أنه اثنان أو ثلاثة. وذهب الإمام إلى أنه يصح، فمسألة الإطلاق غير مسألة الحمل؛ كنظيره في المشترك في إطلاقه على معنييه وحَمْله عليهما. قلتُ: وهذا عائد إلى ما سبق من أن كلام الإمام فيما ينتهي إليه التخصيص، فإن التخصيص إذا انتهى لواحد، [حمله] (١) السامع عليه. وقد تحررت المسألة وكلام ابن الحاجب عن الإمام، ولله الحمد. تنبيهات الأول: في تحرير محل الخلاف: فليس الخلاف في لفظ "جَمْع" الذي هو مَصْدر جمَع يَجمَعُ جَمْعًا؛ فإنَّ معنى ذلك لغةً: الضم، وهو صادق على اثنين اتفاقًا. ولا في لفظ "جماعة"؛ فإن ذلك لاثنين فصاعدًا قطعًا، كما في حديث أبي موسى الأشعري كما رواه ابن ماجه لكن بطريق ضعيف، وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده فيما رواه الدارقطني من حديث عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي، وهو ضعيف وإنْ كان "عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده" محتجًّا به على الراجح. نعم، للحديث طرق ضعيفة قد يتقوى بعضها ببعض أنَّ رسول الله ﷺ قال: "الاثنان فما فوقهما جماعة" (٢)، فإن القصد بذلك أيضًا الاجتماع؛ لحكمة تألُّف القلوب وغيرها.

стр. 1466

ونحوه حديث النهي عن السفر إلا في جماعة (١)؛ لِمَا في الاجتماع من الأُنس والأمن وغير ذلك. وليس الخلاف أيضًا في نحو: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] وإنِ استدل به بعض من يرى أن أقَل الجمع اثنان، وهو مردود؛ لأن ذلك إنما هو لأن قاعدة اللغة أن كل اثنين أُضيفَا إلى مُتَضَمِّنيهما يجوز فيه ثلاثة أَوْجُه: - الجمع على الأفصح، نحو: "قطعت رؤوس الكبشين". - ثم الإفراد، كَـ"رأس الكبشين". - ثم التثنية، كَـ"رأسَي الكبشين". وإنما رُجح الجمع استثقالًا لتوالي دالَّين على شيءٍ واحد وهو التثنية، وتضمن الجمع التعدد، بخلاف ما لو أُفْرِد. فالخلاف حينئذٍ إنما هو في الدال على الجمعية لا بطريق التثنية، وهي صِيَغ الجموع وما في معناها من أسماء الجموع، كَـ"قوم، ورهط، وخيل، ونساء، وبقر، وتمر"، ونحو: "أُولي،

стр. 1467

وأولات"، ونحو: "الذين، واللاتي"، ونحو: "هؤلاء"، ونحو: "فعلوا، وفعلنا" كما سبقت الإشارة إليه. فالخلاف في ذلك كله مطَّرد كما يُفهم من أمثلِتهم واستدلالاتهم، كاستدلال الإمام الرازي وأتباعه بقوله تعالى: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨] لمن قال: أقَل الجمع اثنان. وأجابوا عنه بأن المتقدم وإنْ كان داود وسليمان فقط لكن ضُم معهما المحكوم فيهما وهُما الخصمان. نعم، رُدَّ هذا الجواب بأن المصدر إنما يضاف إلى فاعِله تارةً وإلى مفعوله أخرى، أما لهما معًا فلا، حتى [قال] (١) أبو حيان: سمعتُ شيخنا أبا جعفر بن الزبير يقول: إنه جواب مَن لا يعرف شيئًا من العربية. نعم، أشار ابن الحاجب في "مختصره الكبير" إلى تصحيحه بأنَّ "حُكم" هنا ليس مصدرًا حتى يُرَدَّ بذلك، بل المراد به "الأمر"، أي: أَمْر داود وسليمان والخصمين؛ فصَحَّ إضافته للكل، فاستقام الجواب. قيل: وفيه تَكَلُّف. قلتُ: لكنه أَوْلى مِن نِسبة هؤلاء الأئمة إلى جهل مِثل هذا، ويؤيد ذلك أنه يقال: (حضرت حكومة القاضي فلان وفلان وفلان المتحاكمين عنده). والإضافة تَصدُق بأدنى ملابسة، فإذا كان الحكم المراد به المحاكمة الصادرة بين الحاكم والمحكوم عليه، وضح ذلك. الثاني: قد سبق الفرق بين جَمعَي القِلة والكثرة، فإطلاق الخلاف حتى يشملهما مما يُستشكَل

стр. 1468

باتفاق النحاة على أنَّ جمع الكثرة مِن أحد عشر فصاعدًا. فإنْ كان الخلاف في جمع القِلة فكيف يُطلِقون؟ وكيف يأتون في مُثُلهم واستدلالهم بكثير من جموع الكثرة؟ ! فإنْ كان ذلك لأن كُلًّا منهما يُطلق في معنى الآخَر، فمجاز كما سبق وصرح به الزمخشري وغيره، والكلام إنما هو في الإطلاق حقيقةً، حتى قال القرافي في بعض كُتبه أنَّ له نحوًا من عشرين سَنة يُورده ولم يتحصل عنه جواب. قلتُ: إذا كان جمع القِلة يجري فيه الخلاف لا محالة، فالتجوز باستعمال "جمع الكثرة" في "جمع القِلة" يُصَيِّره كأنه مِن جموع القِلة، لا سيما إذا استُغنِي به عنه طرَقَهُ الخلافُ مِن حيث كونه صار مِن هذا النوع، فيُحكم عليه بما يُحكم على جمع القِلة، ويقع به التمثيل، وتترتب الأحكام كما ستراه في الفروع الآتية. ونظير ذلك اليَدُ في السَّوْم والبيع الفاسد يَدُ غَصْبٍ مجَازًا، ويترتب عليها أحكام الغصب من الضمان بأقصى القيم من الغصب إلى التلف. وكذا ما ذكر في الممْسِك في رمضان هل يُكره له السواك بعد الزوال كالصوم وإن أُطلق عليه صائم مجَازًا؟ ونحو ذلك. بل قد يُدَّعَى أنَّ التجوز باستعمال "جمع الكثرة" موضع "جمع القِلة" إنما هو في الأصل، ثُم غلب في الاستعمال حتى صار حقيقة عُرفية. كما قالوا في "غَنَم يَغْنَم": إنه أَخْذُ الغنم. ثم استُعمل في أَخْذ كل مال وغَلَبَ في كل نماء، كما في حديث: "له غنمه وعليه غرمه" (١). ونحوه في "السلب"، أصله فيما يلبسه، ثم عدوه إلى الفرس وآلة السلاح وغير ذلك،

стр. 1469

وأعطوه حُكم الحقيقة مع أنه مجَاز. قلتُ: وعكسُ هذا الإشكالِ من حيث [العلة] (١) الإشكالُ في جمع القِلة إذا اقترن بما يقتضي عمومه: كيف يقال بالعموم فيه مع أن نهايته في اللغة عشرة مع إطباق العلماء على الاستدلال بعمومه؟ نحو: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]، ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ [الانفطار: ١٣]، إلى غير ذلك. فَجُمِع بين الطريقين بأن الشارع تَصَرَّف في ذلك بالنقل، كما في الصلاة والحج والصوم، فعمم هذه الجموع بما اقترن بها وإنْ كان أصلها بغير العموم. وجمع إمام الحرمين بأحسن من ذلك، وهو حمل كلام أهل العربية على حالة التجرد عما يقتضي العموم مِن "أل" ونحوها، وكلام الأصوليين والفقهاء على حالة الاقتران باللام ونحو ذلك. وأقول: إنَّ هذا الإشكال في الأصل إنما يتوجه إذا قُلنا بأن الجمع إذا اقترن بما يقتضي عمومه، كانت أفراده وحدانًا، لا جموعًا. أما إذا قُلنا: (أفراده جموع)، فَجِهَة عمومه غير نهاية أفراده، فإنَّ العموم حينئذٍ في كل عشرة عشرة أو تسعة تسعة أو باقي مراتبه. بل والقائل بالأول جَرَّد الدلالة عن الجمعية أصلًا، وصار عنده دالًّا على الحقيقة مِن حيث هي كما سبق تقريره مطولًا، فتأمله.

стр. 1470

الثالث: من فوائد الخلاف سوى ما سبق من مسألة الأصول وهي "غاية ما ينتهي إليه التخصيص" خلافًا لما يقتضيه نَقْل الأستاذ أبي إسحاق من اتفاق أئمتنا على أنَّ التخصيص يجوز إلى واحد، فلا يبقى للخلاف في هذه المسألة فائدة. لكن سبق رد ذلك بنقل [المذاهب] (١) في تلك المسألة، ويترتب عليها أن الجمع نَصٌّ في أَقَلِّه، فإخراج بعضه يكون نسخًا، لا تخصيصًا. وتضم هذه المسألة إلى أن إخراج بعض العام بعد دخول وقت العمل يكون نسخًا كما سيأتي. وسِوَى ما سبق من الفروع الفقهية: لو قال: (له علَيَّ دراهم)، يلزمه ثلاثة، وقيل: درهمان. وأنه يُكتفَى في الصلاة على الميت باثنين. نقله الرافعي عن "التهذيب"، وقال: (إنه بناء على أن أقَل الجمع اثنان) (٢). ولو أوصى لأقاربه وليس له إلا قريب واحد، فهل يصرف إليه الكل؟ أو الثلث؟ وجهان، وفي وجه ثالث حكاه الأستاذ أبو منصور: النصف. قال في "المطلب": ولم أفهم له معنى، فإن كان بناءً على أن أقَل الجمع اثنان، فيلزمه فيما إذا أوصى للفقراء أنه يجوز الاقتصار على الاثنين، ولم نَرَ مَن قال به. ولو قال: (إنْ تزوجتُ النساء -أو اشتريتُ العبيد- فهي طالق)، لم يحنث إلا بثلاثة. وقياس مَن يرى أن أقَل الجمع اثنان أنْ يحنث بهما.

стр. 1471

فإنْ قيل: هلَّا جُعل ذلك تعليقًا على مستحيل حتى لا يحنث؛ لأن (اللام) للعموم؛ [فيقتضي] (١) نساء أو عبيد العالم؟ قيل: لأن إعمال الكلام أَولى من إهماله؛ فيُحمل على الجنس، كما لو حلف لا يُكلم الناس، فإنه يحنث بواحد كما قاله ابن الصباغ وغيره. فلو قال: (ناسًا) بالتنكير، حنث بواحد؛ لأجل دلالة العموم. لكن هذا إذا قُلنا: أفراده وحدان، لا جموع. أمَّا إذا قُلنا: جموع، فينبغي أن لا يحنث إلا بثلاثة. وشبَّه ابن الصباغ الأول -وهو ما اقترن بمقتضِي العموم- بما لو قال: (لا آكُل الخبز). وفيه نظر؛ لِصِدْق ذلك على القليل والكثير، كَـ"الماء" و"العسل"، فلا يُشبَّه به ما يدل على الجمعية. وفروع الفقه على هذه المسألة لا تنحصر، وفي هذه الإشارة كفاية. قولي: (مَا لَمْ يَكُنْ لِكَثْرَةٍ فَزَائِدُ عَشَرَةٍ) أي: أقَل الجمع ثلاثة ما لم يكن من جموع الكثرة، فإن أقَله الزائد على العشرة، وهو أحد عشر. وقولي: (مَا لَمْ يَنُبْ) تخصيص لقاعدة جمع الكثرة: أنه إذا ناب باستغنائه أو غيره، فإنه يصير كجمع القِلة حتى يكون أَقَله فيه الخلاف، والأرجح ثلاثة. وقد أوضحنا ذلك. والله أعلم.

стр. 1472

ص: ٦١٦ - وَإنْ يُخَصُّ اللَّفْظُ ذُو الْعُمُومِ ... يُرَدْ عُمُومُهُ لَدَى التَّفْهِيمِ ٦١٧ - تَنَاوُلًا لَا حُكْمًا، الَّا أَنَّهُ ... حَقِيقَةٌ فِيمَا بَقِيْ، وَحُكْمُهُ ٦١٨ - بَاقٍ إذَا يَكُونُ بِالْمُعَيَّنِ ... خُصَّ وَلَوْ مُنْفَصِلًا مِنْهُ عُنِي ٦١٩ - أَوْ لَمْ يَكُنْ عُمُومُهُ قَدْ أَنْبَأَ ... عَنْهُ، وَأَمَّا إنْ يَكُنْ قَدْ [بُدِئَ] (١) ٦٢٠ - بِقَصْدِ أَنْ يَكُونَ لِلْخُصُوصِ ... فَذَا مُجَرَّدٌ عَنِ التَّخْصِيصِ ٦٢١ - وَهْوَ مَجَازٌ نَوْعُهُ كُلِّيُّ ... أُطْلِقَ لِلَّذِي هُوَ الْجُزْئِيُّ الشرح: اشتملت هذه الأبيات على أربع مسائل من مباحث تخصيص العموم. الأُولى: أن تخصيص العام هل هو إخراج من حُكمِه والعمومُ في اللفظ باقٍ؟ أو مِن اللفظِ؟ الثانية: وهي مُفرَّعة على الأُولى، الفرق بين العام المخصوص والعام المراد به خاص. الثالثة: أن العام بعد التخصيص دلالته على ما بقي حقيقة؟ أَم مجاز؟ وهل يَطَّرِد ذلك في العام المراد به خاص؟ أو لا؟ الرابعة: الحكم على العام إذا خُص هل هو باقٍ في الأفراد بعد التخصيص فيكون حُجة فيها؟ أو لا؟ فأما المسألة الأولى: وهي كون الإخراج في التخصيص مِن الحكم لا من اللفظ؛ فلأن مقصود الشرع بيان

стр. 1473

الحُكم للأفراد عمومًا أو خصوصًا، لا لكون اللفظ يدل أو لا. فإذا أَمر بقتل الكفار مثلًا ثم خَصص الذمي، فإنما خرج من الحكم وهو القتل، والمخرَج كافر لم يخرج عن تناول الكفار له. وقد سبق الإشارة لذلك مِن قول مَن قال: إن القابل للتخصيص حُكم ثبت لمتعدد. فالإخراج من الحكم على المتعدد، لا من إطلاق لفظ المتعدد. وعن ذِكر ذلك استغنيت في النَّظم بما ذكرته هنا. نعم، سيأتي في التخصيص بالاستثناء أن إسناد الحكم بعد الإخراج [أَوْلى] (١). وقد ذكره ابن الحاجب هناك في كيفية دلالة نحو: (عشرة إلَاّ ثلاثة) هل الإسناد للسبعة بعد الإخراج للثلاثة؟ أو أن مجموع اللفظ يصير دالًّا؟ أو غير ذلك مما سيأتي إيضاحه في محله؟ وأما المسألة الثانية (وهي من مهمات هذا الباب): الفرق بين العام المخصوص والعام الذي أُرِيدَ به الخصوص، وهو مهم عزيز الوجود. والشافعي ﵀ أشار إلى تغايرهما في ترديده في آية البيع ونحوه بين أقوال، منها: أنه عام مخصوص. ومنها: أنه عام أُريدَ به الخصوص، وكثرت مقالات أصحابه في تقرير ذلك. قال الشيخ أبو حامد: (والفرق بينهما أن الذي أريد به الخصوص ما كان المراد به أقَل، وما ليس بمراد هو الأكثر). قال ابن أبي هريرة: (وليس كذلك العام المخصوص؛ لأن المراد به هو الأكثر، وما ليس بمراد هو الأقل). قال: (ويفترقان في الحكم مِن جهة أنَّ الأول لا يصح الاحتجاج بظاهره، وهذا يمكن

стр. 1474

التعلق بظاهره؛ اعتبارًا بالأكثر). وفرق الماوردي بوجهين، أحدهما هذا، والثاني أن إرادة ما أُريدَ به خاص متقدمة على لفظ العام، وما أُريدَ به العموم ثُم خُصَّ تتأخر أو تقارن. وقال ابن دقيق العيد في "شرح العنوان": (يجب أن يُتَنبه للفرق بينهما، فالعام المخصوص أعم مِن العام الذي أُريدَ به الخصوص، ألا ترَى أن المتكلِّم إذا أراد باللفظ أولًا ما دَلَّ عليه ظاهره مِن العموم ثم أَخرَج بعد ذلك بعض ما دل عليه اللفظ، كان عامًّا مخصوصًا، ولم يكن عامًّا أريد به الخصوص. ويقال: إنه منسوخ بالنسبة إلى البعض الذي أخرج. وهذا متوجه إذا قصد العموم، وفرق بينه وبين أنْ لا يقصد الخصوص، بخلاف ما إذا نطق باللفظ العام مريدًا به بعض ما تناوله في هذا). انتهى وحاصل ما قرره أنَّ العام إذا قُصِر على بعضه، له ثلاثة أحوال: الأول: أنْ يُراد به في الابتداء خاص، فهذا هو المراد به خاص. والثاني: أن يراد به عام ثم يخرج منه بعضه، فهو نسخ. والثالث: أن لا يقصد به خاص ولا عام في الابتداء، ثم يخرج منه أمر يتبين بذلك أنه لم يُرَد به في الابتداء عمومُه، فهذا هو العام المخصوص. فلهذا كان التخصيص عندنا بيانًا، لا نَسخًا، إلا إنْ أُخْرِج بعد دخول وقت العمل بالعام، فيكون نَسْخًا؛ لأنه قد تبَيَّن أن العموم أُرِيدَ في الابتداء. وممن حرر الفرق بينهما أيضًا من المتأخرين الشيخ تقي الدين السبكي، فقال: (جرى ذِكر هذه المسألة في درس في العادلية يوم الاثنين، الثالث والعشرين من صفر سنة خمس

стр. 1475

وأربعين وسبعمائة، فخبط فيها الحاضرون، وهُم معذورون [بسبب] (١) ما بَلَغَهم مِن العِلم، فكتبتُ فيها وفي دلالة العام في الأمرين على الخاص -هل هو حقيقة؟ أو مجاز؟ - زبدة كلام مَن تكلم فيه من العلماء، وزدتُ عليهم تحقيقات لم يلموا بها). فنذكر ما قاله؛ لما اشتمل عليه من الفوائد. فقال: (العام الذي أريدَ به الخصوص هو العام إذا أُطلق وأريدَ به بعض ما يتناوله، فهو لفظ مستعمل في بعض مدلوله، وبَعْضُ الشيء غَيْره، فالذي يظهر أنه مجاز قطعًا، إلا إنْ قيل: إن العام دلالته على كل فرد من أفراده دلالة مطابقة. فقد يقال حينئذٍ على هذا بأنه حقيقة في كل فرد. فإنْ جاء خلاف فيه فإنما يجيء من هذه الجهة. وشرط الإرادة في هذا النوع -على ما ظهر لنا- أن تكون مقارِنة لأول اللفظ، ولا يُكتفَى بطريانها في أثنائه؛ لأن المقصود فيها نقلُ اللفظ عن معناه إلى غيره واستعماله في غير موضوعه، وليست إرادة إخراج لبعض المدلول، بل إرادة استعمال اللفظ في شيء آخَر غَيْر موضوعه، كما يُراد باللفظ مجازه الخارج عنه، لا فرق بينهما إلا أنَّ ذاك خارج وهذا داخل؛ لأن البعض داخل في الكل. ومَن يجعل الدلالة على كل فرد دلالة مطابقة، لا يناسبه أن يقول: إنه استعمال اللفظ في غير موضوعه، بل يصير كاستعمال المشترك في أَحد معنييه، وهو استعمال حقيقي، وإرادة أَحد مَعْنَيَي المشترك عند مانع استعمال المشترك في مَعْنَيَيْه لا شك أنها لا تخرجه عن موضوعه ولا تجعله مجازًا، بل هي مُصَحِّحة لاستعماله. وأما عند مَن يُجَوِّز استعماله في معنييه فَهُم مختلفون إذا استُعمل في معنييه هل هو مجاز؟ أَم لا؟ فمَن جعله مجازًا فذلك لأن الاستعمال الحقيقي عنده هو استعماله في أحد المعنيين،
следующие страницы →