فإنْ قيل: هلَّا جُعل ذلك تعليقًا على مستحيل حتى لا يحنث؛ لأن (اللام) للعموم؛ [فيقتضي] (١) نساء أو عبيد العالم؟
قيل: لأن إعمال الكلام أَولى من إهماله؛ فيُحمل على الجنس، كما لو حلف لا يُكلم الناس، فإنه يحنث بواحد كما قاله ابن الصباغ وغيره. فلو قال: (ناسًا) بالتنكير، حنث بواحد؛ لأجل دلالة العموم. لكن هذا إذا قُلنا: أفراده وحدان، لا جموع. أمَّا إذا قُلنا: جموع، فينبغي أن لا يحنث إلا بثلاثة.
وشبَّه ابن الصباغ الأول -وهو ما اقترن بمقتضِي العموم- بما لو قال: (لا آكُل الخبز).
وفيه نظر؛ لِصِدْق ذلك على القليل والكثير، كَـ"الماء" و"العسل"، فلا يُشبَّه به ما يدل على الجمعية.
وفروع الفقه على هذه المسألة لا تنحصر، وفي هذه الإشارة كفاية.
قولي: (مَا لَمْ يَكُنْ لِكَثْرَةٍ فَزَائِدُ عَشَرَةٍ) أي: أقَل الجمع ثلاثة ما لم يكن من جموع الكثرة، فإن أقَله الزائد على العشرة، وهو أحد عشر.
وقولي: (مَا لَمْ يَنُبْ) تخصيص لقاعدة جمع الكثرة: أنه إذا ناب باستغنائه أو غيره، فإنه يصير كجمع القِلة حتى يكون أَقَله فيه الخلاف، والأرجح ثلاثة.
وقد أوضحنا ذلك. والله أعلم.
стр. 1472
ص:
٦١٦ - وَإنْ يُخَصُّ اللَّفْظُ ذُو الْعُمُومِ ... يُرَدْ عُمُومُهُ لَدَى التَّفْهِيمِ
٦١٧ - تَنَاوُلًا لَا حُكْمًا، الَّا أَنَّهُ ... حَقِيقَةٌ فِيمَا بَقِيْ، وَحُكْمُهُ
٦١٨ - بَاقٍ إذَا يَكُونُ بِالْمُعَيَّنِ ... خُصَّ وَلَوْ مُنْفَصِلًا مِنْهُ عُنِي
٦١٩ - أَوْ لَمْ يَكُنْ عُمُومُهُ قَدْ أَنْبَأَ ... عَنْهُ، وَأَمَّا إنْ يَكُنْ قَدْ [بُدِئَ] (١)
٦٢٠ - بِقَصْدِ أَنْ يَكُونَ لِلْخُصُوصِ ... فَذَا مُجَرَّدٌ عَنِ التَّخْصِيصِ
٦٢١ - وَهْوَ مَجَازٌ نَوْعُهُ كُلِّيُّ ... أُطْلِقَ لِلَّذِي هُوَ الْجُزْئِيُّ
الشرح: اشتملت هذه الأبيات على أربع مسائل من مباحث تخصيص العموم.
الأُولى: أن تخصيص العام هل هو إخراج من حُكمِه والعمومُ في اللفظ باقٍ؟ أو مِن اللفظِ؟
الثانية: وهي مُفرَّعة على الأُولى، الفرق بين العام المخصوص والعام المراد به خاص.
الثالثة: أن العام بعد التخصيص دلالته على ما بقي حقيقة؟ أَم مجاز؟ وهل يَطَّرِد ذلك في العام المراد به خاص؟ أو لا؟
الرابعة: الحكم على العام إذا خُص هل هو باقٍ في الأفراد بعد التخصيص فيكون حُجة فيها؟ أو لا؟
فأما المسألة الأولى:
وهي كون الإخراج في التخصيص مِن الحكم لا من اللفظ؛ فلأن مقصود الشرع بيان
стр. 1473
الحُكم للأفراد عمومًا أو خصوصًا، لا لكون اللفظ يدل أو لا. فإذا أَمر بقتل الكفار مثلًا ثم خَصص الذمي، فإنما خرج من الحكم وهو القتل، والمخرَج كافر لم يخرج عن تناول الكفار له. وقد سبق الإشارة لذلك مِن قول مَن قال: إن القابل للتخصيص حُكم ثبت لمتعدد. فالإخراج من الحكم على المتعدد، لا من إطلاق لفظ المتعدد.
وعن ذِكر ذلك استغنيت في النَّظم بما ذكرته هنا.
نعم، سيأتي في التخصيص بالاستثناء أن إسناد الحكم بعد الإخراج [أَوْلى] (١).
وقد ذكره ابن الحاجب هناك في كيفية دلالة نحو: (عشرة إلَاّ ثلاثة) هل الإسناد للسبعة بعد الإخراج للثلاثة؟ أو أن مجموع اللفظ يصير دالًّا؟ أو غير ذلك مما سيأتي إيضاحه في محله؟
وأما المسألة الثانية (وهي من مهمات هذا الباب):
الفرق بين العام المخصوص والعام الذي أُرِيدَ به الخصوص، وهو مهم عزيز الوجود.
والشافعي ﵀ أشار إلى تغايرهما في ترديده في آية البيع ونحوه بين أقوال، منها: أنه عام مخصوص. ومنها: أنه عام أُريدَ به الخصوص، وكثرت مقالات أصحابه في تقرير ذلك.
قال الشيخ أبو حامد: (والفرق بينهما أن الذي أريد به الخصوص ما كان المراد به أقَل، وما ليس بمراد هو الأكثر).
قال ابن أبي هريرة: (وليس كذلك العام المخصوص؛ لأن المراد به هو الأكثر، وما ليس بمراد هو الأقل).
قال: (ويفترقان في الحكم مِن جهة أنَّ الأول لا يصح الاحتجاج بظاهره، وهذا يمكن
стр. 1474
التعلق بظاهره؛ اعتبارًا بالأكثر).
وفرق الماوردي بوجهين، أحدهما هذا، والثاني أن إرادة ما أُريدَ به خاص متقدمة على لفظ العام، وما أُريدَ به العموم ثُم خُصَّ تتأخر أو تقارن.
وقال ابن دقيق العيد في "شرح العنوان": (يجب أن يُتَنبه للفرق بينهما، فالعام المخصوص أعم مِن العام الذي أُريدَ به الخصوص، ألا ترَى أن المتكلِّم إذا أراد باللفظ أولًا ما دَلَّ عليه ظاهره مِن العموم ثم أَخرَج بعد ذلك بعض ما دل عليه اللفظ، كان عامًّا مخصوصًا، ولم يكن عامًّا أريد به الخصوص. ويقال: إنه منسوخ بالنسبة إلى البعض الذي أخرج. وهذا متوجه إذا قصد العموم، وفرق بينه وبين أنْ لا يقصد الخصوص، بخلاف ما إذا نطق باللفظ العام مريدًا به بعض ما تناوله في هذا). انتهى
وحاصل ما قرره أنَّ العام إذا قُصِر على بعضه، له ثلاثة أحوال:
الأول: أنْ يُراد به في الابتداء خاص، فهذا هو المراد به خاص.
والثاني: أن يراد به عام ثم يخرج منه بعضه، فهو نسخ.
والثالث: أن لا يقصد به خاص ولا عام في الابتداء، ثم يخرج منه أمر يتبين بذلك أنه لم يُرَد به في الابتداء عمومُه، فهذا هو العام المخصوص.
فلهذا كان التخصيص عندنا بيانًا، لا نَسخًا، إلا إنْ أُخْرِج بعد دخول وقت العمل بالعام، فيكون نَسْخًا؛ لأنه قد تبَيَّن أن العموم أُرِيدَ في الابتداء.
وممن حرر الفرق بينهما أيضًا من المتأخرين الشيخ تقي الدين السبكي، فقال: (جرى ذِكر هذه المسألة في درس في العادلية يوم الاثنين، الثالث والعشرين من صفر سنة خمس
стр. 1475
وأربعين وسبعمائة، فخبط فيها الحاضرون، وهُم معذورون [بسبب] (١) ما بَلَغَهم مِن العِلم، فكتبتُ فيها وفي دلالة العام في الأمرين على الخاص -هل هو حقيقة؟ أو مجاز؟ - زبدة كلام مَن تكلم فيه من العلماء، وزدتُ عليهم تحقيقات لم يلموا بها).
فنذكر ما قاله؛ لما اشتمل عليه من الفوائد.
فقال: (العام الذي أريدَ به الخصوص هو العام إذا أُطلق وأريدَ به بعض ما يتناوله، فهو لفظ مستعمل في بعض مدلوله، وبَعْضُ الشيء غَيْره، فالذي يظهر أنه مجاز قطعًا، إلا إنْ قيل: إن العام دلالته على كل فرد من أفراده دلالة مطابقة. فقد يقال حينئذٍ على هذا بأنه حقيقة في كل فرد. فإنْ جاء خلاف فيه فإنما يجيء من هذه الجهة.
وشرط الإرادة في هذا النوع -على ما ظهر لنا- أن تكون مقارِنة لأول اللفظ، ولا يُكتفَى بطريانها في أثنائه؛ لأن المقصود فيها نقلُ اللفظ عن معناه إلى غيره واستعماله في غير موضوعه، وليست إرادة إخراج لبعض المدلول، بل إرادة استعمال اللفظ في شيء آخَر غَيْر موضوعه، كما يُراد باللفظ مجازه الخارج عنه، لا فرق بينهما إلا أنَّ ذاك خارج وهذا داخل؛ لأن البعض داخل في الكل.
ومَن يجعل الدلالة على كل فرد دلالة مطابقة، لا يناسبه أن يقول: إنه استعمال اللفظ في غير موضوعه، بل يصير كاستعمال المشترك في أَحد معنييه، وهو استعمال حقيقي، وإرادة أَحد مَعْنَيَي المشترك عند مانع استعمال المشترك في مَعْنَيَيْه لا شك أنها لا تخرجه عن موضوعه ولا تجعله مجازًا، بل هي مُصَحِّحة لاستعماله.
وأما عند مَن يُجَوِّز استعماله في معنييه فَهُم مختلفون إذا استُعمل في معنييه هل هو مجاز؟ أَم لا؟ فمَن جعله مجازًا فذلك لأن الاستعمال الحقيقي عنده هو استعماله في أحد المعنيين،
стр. 1476
ومَن جعله حقيقة كالعام كما هي طريقة السيف الآمدي في النقل عن الشافعي ﵁، فيصير البحث فيه كالبحث في العام المراد به الخصوص.
وفيه نظر؛ لأنَّا نَعلم أن المشترك وَضَعَه الواضع لكل مِن المعنيين وَحْده، بخلاف العام. ولكن أدى مساق البحث على طريقة الآمدي إلى ما قُلناه.
ويؤنسك إلى اشتراط مقارنة الإرادة في هذا النوع لأول اللفظ ما ذكره الفقهاء في تكبيرة الإحرام وقي كنايات الطلاق، وإذا حَقَّقْت هذا المعنى، اضبطه.
وأما العام المخصوص فهو العام الذي أُريدَ به معناه مخُرجًا منه بعض أفراده. فالإرادة فيه إرادة الإخراج، لا إرادة الاستعمال، فهي تشبه الاستثناء، فلا يشترط مقارنتها لأول اللفظ، ولا يجوز تأخرها عن آخِره، بل يُشترط -إنْ لم توجد في أوله- أن تكون في أثنائه.
ويؤنسك في هذا ما قاله الفقهاء في مشيئة الطلاق وأنه يشترط اقتران النية ببعض اللفظ قبل فراغه، فالتخصيص إخراج كما أن الاستثناء إخراج.
ولهذا نقول: المخصصات المتصلة أربعة: الاستثناء، والغاية، والشرط، والصفة. والمخَصِّص في الحقيقة هو الإرادة المُخْرِجة، وهذه الأربعة والمخَصِّص المنفصل خَمْسَتُها دالة على تلك الإرادة، وتلك الإرادة ليست إرادة استعمال اللفظ في غير موضوعه؛ فلذلك لم يُقْطَع بكونها مجازًا، بل حصل التردد.
ومنشأ التردد أنَّ إرادة إخراج بعض المدلول هل [تُصَيِّر] (١) اللفظ مُرادًا به الباقي؟ أو لا؟ والحقُّ لا، وهو يُشْبه الخلاف في الاستثناء، وبهذا يقوى أن العام المخصوص حقيقة، لكن الأكثرون على أنه مجاز. ووَجْهه أنْ يجعل اللفظ موضوعًا ليستعمل في معناه بتمامه غير مخرج منه شيء، فإذا أُخْرج منه شيء، كان مجازًا؛ لاستعماله على غَيْر الوجه الذي وَضَعَه
стр. 1477
الواضِعُ له عند الإطلاق. هذا فيما يحتمل المجاز، وهو ما كان ظاهرًا كالعام.
أما ما كان نصًّا كالعَدد فلا مجاز فيه، وليس إلا الإخراج المَحْض. ويظهر أثر هذا في أن المخصِّص المنفصل يأتي في العام ولا يأتي في العَدد، والاستثناء في العام كاشف عن الإرادة المخصِّصة، والاستثناء في العَدد هو المُخرج بنفسه، لا بدلالته على إرادة متقدمة، ولهذا لو أراد بعضَه فقط ولم يوجد لفظ الاستثناء، لم يَصِح في العَدد وَيصح في العام.
ولو قال: "أنت طالق ثلاثًا"، ونَوَى بِقَلْبه: "إلا واحدة" وماتت قبل نُطقه بقوله: "إلا واحدة"، يقع الثلاث. نعم، يُشترط نية الاستثناء قبل فراغ اللفظ؛ لأجل الربط، فالنية فيه شرط لاعتبار الاستثناء بعده، وليست مُؤثِّرة، والنية في التخصيص مؤثرة في الإخراج وحدها، ويدل عليها تارةً بمخصِّص منفصل، وتارةً بمتصل. والنية في العام المراد به الخصوص مؤثِّرة في نقل اللفظ عن معناه إلى غيره.
ومن هنا يُعْرَف أن عَدَّ ابن الحاجب البدل في المخصِّصات ليس بجيد؛ لأن الأول في قولنا: "أكلت الرغيف ثُلثه" يشبه العام المراد به الخصوص، لا العام المخصوص) (١). انتهى
وهو كلام نفيس أوردتُه بحروفه؛ لِمَا فيه من تقرير أمور يُحتاج إليها في هذا الباب، ولكن إذا تأملته مع ما سبق من كلام مَن تَقدمه، تجده مفهومًا منه.
ويُعلم مِن ذلك أيضًا أن قول بعض مُتأخِّري الحنابلة في الفَرق بأن: (العام الذي أُريد به الخصوص أن يُطلِق المتكلِّم اللفظ العام ويريد به بعضًا مُعَينًا، والعام المخصوص هو الذي أريد به سَلْب الحكم عن بعض منه. وأيضًا فالذي أريد به خصوص يحتاج لدليل معنوي يمنع إرادة الجميع، فيتعيَّن له البعض، والمخصوص يحتاج لتخصيص لفظي غالبًا، كالشرط والاستثناء والغاية والمنفصل). انتهى
стр. 1478
والوجهان خارجان مما سبق.
أما الأول وهو كون التخصيص السلب عن بعض الأفراد فهو قولهم: (التخصيص إخراج).
وأما الثاني وهو الاحتياج في المراد به خاص للدليل المعنوي فمعناه: الدليل الذي يدل على إرادة الخاص؛ لأنها أمر معنوي، فهو راجع لقولهم: (إن إرادة الخاص فيه سابقة).
ويُعلم أيضًا أن ما قاله تاج الدين السبكي في "شرح البيضاوي" بعد نقل كلام والده أن مقتضَى كلام الشافعي أنه لا فرق بينهما -ممنوع.
فذكر أن الشافعي في "الرسالة" قال في "باب ما نزل عامًّا دلت السُّنة على أنه يُراد به الخاص": (قال الله جل ثناؤه: ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١] إلى قوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ [النساء: ١١]، وقال: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: ١٢] إلى قوله: ﴿فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ﴾ [النساء: ١٢]. فأبان أن للوالدين والأزواج ما سُمّي في الحالات وكان عام المَخْرج، فدلت سُنة رسول الله ﷺ أنه إنما أريد به بعض الوالدين والمولودين والأزواج دُون بعض، وذلك أن يكون دِين الوالدين والمولودين والأزواج واحدًا، ولا يكون الوارث قاتلًا ولا مملوكًا). انتهى
قال: (ووقف والدي على ذلك، فذكر أن البحث الذي قرره -أي في الفرق بين النوعين- إنْ صح، احتمل أن يكون ما أورده الشافعي أراد به أن يكون عامًّا مخصوصًا وأنْ يكون مرادًا به الخصوص).
فظاهر كلامه أن والده يُسلِّم ما قاله في فَهم نَص الشافعي، وهو عجيب.
فقد عرفت من كلام ابن دقيق العيد وغيره أن العام المخصوص أُريدَ به خاص بالإخراج، لا في الابتداء، وأن مِن هذه الجهة يكون العام المخصوص أَعَم من العام الذي
стр. 1479
أريدَ به خاص.
فمعنى قول الشافعي: (دَلَّت السُّنة على أنه يُراد به الخاص) أنه سلب الحكم عن بعض الأفراد وبقي الحكم في الباقي؛ بدليل إيرادِه في ترجمة الباب، فالإرادة التي عناهَا إرادة الحكم، لا إرادة دلالة اللفظ وإطلاقه على الخاص.
ومن هنا يُعلم أنَّ قول الأصوليين: (إنَّ الخاص يُقضَى به على العام، تَقدَّم أو تَأَخر أو جُهِل أو قارَن) لا يُنافي ما سبق في الفرق بين العام المخصوص والمراد به الخصوص؛ لأن الإرادة في الثاني سابقة على العام، وفي الأول متأخِّرة أو مقارِنة؛ لأن إرادة الإطلاق غير إرادة السلب عن البعض، فلا يَضُر كَوْن إرادة السلب دليلها سابقًا.
ثم ذكر القاضي تاج الدين أن العام الذي يُراد عمومُه ضربان: ما أفراده كلها مُرادة، وما أُريدَ غالب أفراده ولكن نزل الغالب منزلة الكل. وأن الشافعي في "الرسالة" مثَّل للأول بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النساء: ١٧٦] وبقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦]، بناءً على أنه ليس مما خُص بالعقل، بل دَلَّ العقل أنه لم يدخل أصلًا، فالعموم فيه مراد.
ومَثَّل [للثاني] (١) بقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ [النساء: ٧٥]، فإنَّ مِن المعلوم أن فيها غَيْر الظالم، ولكن لِقِلَّتهم جُعلوا كالعدم (٢). انتهى
وهذا يقتضي أنَّ لنا قِسمًا ثالثًا -في قَصْر اللفظ على بعض الأفراد- غير العام المخصوص والعام المراد به الخصوص؛ لأن الثاني إنما يكون إذا أطلق على الأقل كما سبق في كلام الشيخ أبي حامد والماوردي، والأول إنما يكون حيث لم يُرَد إطلاق اللفظ وإرادة بعض
стр. 1480
الأفراد، وهذا أريد به بعض الأفراد وإنْ كانت هي الأكثر.
وأما المسألة الثالثة:
وهي أن دلالة العام بعد تخصيصه على باقي الأفراد هل هو حقيقة؟ أو مجاز؟
فيه مذاهب:
أحدها وهو المختار وعليه جريتُ في النَّظم: أنه حقيقة مطلقًا بأيِّ تخصيص خُصِّص. فقد قال الشيخ أبو حامد: (إنه مذهب الشافعي وأصحابه، وهو قول مالك وجماعة من أصحاب أبي حنيفة). انتهى
وذلك لأن الواضع لما وضعه للجميع وخرج بعض الأفراد من الحكم بدليل، لم تتأثر دلالة اللفظ على الباقي حقيقةً كما كانت كذلك.
وجزم بأنه حقيقة أيضًا القاضي أبو الطيب والشيخ أبو إسحاق وابن الصباغ وسليم، ونقله ابن برهان في "الوجيز" عن أكثر علمائنا، وقال إمام الحرمين في "التلخيص" وابن القشيري: إنه مذهب جماهير الفقهاء. ونقله الغزالي في "المنخول" عن الشافعي، ونقله ابن الحاجب عن الحنابلة، ورجحه الشيخ تقي الدين السبكي وغيره من المتأخرين.
الثاني: أنه مجاز مطلقًا، ونقله الإمام الرازي عن جمهور أصحابنا والمعتزلة كأبي علي وابنه، ونقله الشيخ أبو حامد وسليم عن المعتزلة بأسرها، واختاره البيضاوي وابن الحاجب والهندي. وفي "الأوسط" لابن برهان: إنه المذهب الصحيح. ونسبه إلْكِيَا للمحققين، ونقله في "المنخول" عن القاضي أبي بكر، وممن جزم به من الحنفية: الدبوسي والسرخسي والبزدوي، وحكوه عن اختيار العراقيين من الحنفية.
وحُكي عن الأشعري، لكن فيه نظر مِن وجهين كما قاله الشيخ أبو حامد:
أحدهما: أن الصِّيَغ عنده مشتركة بين العموم والخصوص، فإذا دَلَّ دليل على أنه
стр. 1481
للخصوص، كان استعماله فيه حقيقةً.
والثاني: أنه يحتج به فيما بقي بمجرده، فلو كان مجازًا، لم يحتج به إلا بقرينة.
احتُج لهذا المذهب بأنه حقيقة في الاستغراق، فلو كان حقيقة في الباقي بعد التخصيص، للزم الاشتراك، والمجاز خير منه.
وجوابه: أن الكُلي دلالته على كل جزئياته وبعضها سواء، إذ لا يُقال: دلالة إنسان على كل أفراده حقيقة وعَلَى زيد مجاز.
الثالث: أن له جهتين:
إحداهما: مِن حيث تناول اللفظ له بعد التخصيص كما كان قبله، فهو حقيقة.
والثانية: من حيث الاقتصار عليه دون ما خرج بالتخصيص، فهو مجاز.
كأنه جَمعْ بين القولين السابقين، وتحقيق المناط فيهما. وهو اختيار إمام الحرمين كما نص عليه في "البرهان".
وقال ابن القشيري والمقترح في تعليقه على "البرهان": (إنه معنى كلام القاضي).
وفيما قالاه نظر؛ فإنَّ القاضي أورده سؤالًا على نفسه، ثم أجاب عنه بأن هذا التفصيل ساقط، وذكر ما حاصله أن اللفظ إنما يكون حقيقة إذا كان الباقي منضمًّا مع الذي خرج، فبَعْد خروجه لا يبقى حقيقة، بل يجب أن يكون مجازًا، لاسيما إذا كان العام صيغة جمع وبقي بعد التخصيص واحد، فإنه مجاز وفاقًا.
وحاول ابن القشيري التوفيق بين كلام القاضي والإمام وأن كُلًّا منهما حق من وجه بما يَؤُول الأمر به إلى ما قاله إمام الحرمين من أنه حقيقة ومجاز باعتبارين.
ومنهم مَن حمل القول بكونه مجازًا على أنه أراد من حيث اللغة، والقول بكونه حقيقة من حيث الشرع، فلم يتواردَا على محل واحد.
стр. 1482
الرابع وبه قال أبو بكر الرازي من الحنفية: إنْ كان الباقي غير منحصر فحقيقة وإلا فمجاز؛ وذلك لأنه إذا بقي غير منحصر، كان معنى العام فيه وهو الاستغراق بغير حصر، بخلاف ما إذا كان الباقي محصورًا، فإنه مُغايِر حينئذٍ لمعنى العام.
ويتعجب من ابن السبكي في "شرح المختصر" في ضبط مقالة الرازي هذه بضابط قد ذكره أصحابنا في الفقه في تَزَوُّج امرأة من نساء فيهن له محَرم يجوز في غير المحصور دون المحصور.
قال إمام الحرمين: (غير الحصور كثرة يعسر العلم بقدرها على آحاد الناس).
وقال الغزالي: كل عدد لو اجتمعوا في صعيد لَعَسُر على الناظر عدتهم بمجرد النظر -كالألْف- فغير محصور، وإنْ سَهُل كالعشرة والعشرين فمحصور.
قال: (وبين الطرفين أوساط يلحق بأحدهما بالظن، وما وقع فيه الشك استفت فيه القلب). انتهى
ولكن هذا إنما هو في المحصور وغير المحصور في العُرف في الأفراد الوجودية في الخارج، وبحث الأصولي الذي عناه أبو بكر الرازي إنما هو مدلول الكُلي في الذهن.
الخامس: أنه حقيقة إن خُص بما لا يستقل من شرط أو صفة أو استثناء أو غاية، لا بالمستقل من عقل أو سمع، فإنه مجاز. وبهذا قال الكرخي من الحنفية والإمام الرازي.
وقال المازري أنه آخِر قَوليِّ القاضي، وأن أولهما كونه مجازًا مطلقًا (١).
السادس ونقله بعضهم عن القاضي كابن الحاجب في "مختصره": أنه حقيقة إنْ خُص بشرط أو استثناء، لا صفة وغيرها.
стр. 1483
السابع: حقيقة إن خُص باستثناء، وإلا فلا. كذا قاله القاضي في "مختصر التقريب"، ولفظه: (فالصحيح عندنا من هذه المذاهب أن نقول: إذا تَقرر التخصيص باستثناء متصل، فاللفظ حقيقة في بقية المسميات، وإنْ [تَقرر] (١) التخصيص بدلالة منفصلة، فاللفظ مجاز، لكن يُستدل به في بقية المسميات) (٢). انتهى
نعم، إنْ جُعِل اقتصارُه على الاستثناء كالمثال لا للحصر فيه لأنه جَعَله في مقابلة المنفصل، كان موافقًا لِمَا سبق مِن نقل المازري عنه القول الخامس.
الثامن وبه قال عبد الجبار: أنه حقيقة إنْ خُص بشرط أو صفة، لا استثناء أو غيره.
التاسع: أنه حقيقة إن خُص بدليل لفظي، سواء أكان متصلًا أَم منفصلًا، وإلا فمجاز.
العاشر: إنْ بقي بعد التخصيص جمع فهو حقيقة، وإلا فهو مجاز.
وأما قول الغزالي: (إنه إذا لم يبق بعد التخصيص جمع، لا خلاف في كونه مجازًا) ففيه نظر، فقد ذكر القاضي عن بعض أصحابنا أن اللفظ حقيقة فيما يبقى وإن كان أقل من الجمع، قال: (وهذا بعيد جدًّا).
فلعل الغزالي إنما نفى الخلاف لقول الإمام ذلك.
وممن قال بهذا القول -مع بُعده- الباجي من المالكية، ونقله القاضي أبو الطيب عن الشيخ أبي حامد احتجاجًا بقوله تعالى: ﴿فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ [المرسلات: ٢٣].
وقد تعقب ابن القشيري بذلك على مقالة القاضي السابقة المشعِرة بالاتفاق؛ لاستبعاده ذلك القول وأنه لا يُعْبَأُ به.
стр. 1484
وأما شُبَه هذه المذاهب فَلَسْنَا بصدد ذِكرها؛ قصدًا للاختصار.
نعم، ننبه هنا على أمور:
أحدها: قد علمت أن هذا الخلاف إنما هو في العام المخصوص، أما العام المراد به الخصوص فمجاز قطعًا إلا على الجهة التي سبق في كلام السبكي أنه يمكن أن يَطْرقه الخلاف منها.
الثاني: فائدة الخلاف في هذه المسألة الخلاف في المسألة الآتية، فمَن يقول: حقيقة، يقول بأنه يُحتج به في الأفراد الباقية. ومَن يقول: مجاز، فلا إلا بقرينة تدل على بقاء الحكم فيه.
الثالث: إنما أطلقتُ في النَّظم كونه حقيقة ولم أُشِر إلى التعريض بشيء من المذاهب فيه بخلاف المسألة الآتي ذِكرها، وهي كونه حُجة في الباقي، فإني أومأت إلى بعض ما فيها من الأقوال؛ لأن الأهم في الباب بحث كونه حُجة أو لا.
المسألة الرابعة:
إذا خُص العام بشيء من المخصصات، هل تبقى حُجيته فيما بقي كما كانت قبل التخصيص؟ فيه مذاهب:
أصحها: أنه إنْ خُصَّ بمبهَم فليس بحجة. كما لو قال: (اقتلوا المشركين إلا بعضهم)، لا يُستدل به على الأمر بقتل فرد من الأفراد؛ إذ ما مِن فرد إلا ويجوز أن يكون هو المخرج.
ومنه قوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ١] حتى ادَّعَى بعضهم الاتفاق فيه كالقاضي وابن السمعاني والأصفهاني في "شرح المحصول"، وكذا الآمدي، وهو ظاهر تقييد ابن الحاجب والبيضاوي وغيرهما محل الخلاف بالمخصص بمعيَّن.
وليس حكاية الاتفاق بصحيحة؛ ففي "الوجيز" لابن برهان حكاية الخلاف في هذه
стр. 1485
الحالة، بل صحح العمل به مع الإبهام.
قال: (لأنَّا إذا نظرنا إلى فرد، شككنا فيه هل هو مِن المخرج؟ أم لا؟ والأصل عدمه، فيبقى على الأصل ويُعمل به إلى أن يُعْلم بالقرينة أن الدليل المخصِّص معارِض لِلَّفظ العام، وإنما يكون معارِضًا عند العِلم به). انتهى
وهو صريح في الإضراب عن المخصِّص والعمل بالعام في جميع أفراده. وهو بعيد وإنْ قال به بعض الحنفية كما نقله ابن الساعاتي في "البديع"، وكذا صاحب "اللباب" وأبو زيد وغيرهم، وحكاه أبو الحسين بن القطان من الشافعية عن بعض أصحابنا.
وبالجملة فالراجح المنع؛ لأن إخراج المجهول مِن المعلوم يُصَيِّر المعلوم مجهولًا، وهذا كما لو قال: (بِعْتُك هذه الصبرة إلا صاعًا منها)، لا يصح.
فالإضراب عن التخصيص بالمبهَم والعمل بالعموم -ناءٍ عن قواعد الشرع، ويلزم أن مَن طلق إحدى امرأتيه يَطَأهُما جميعًا، ومَن اشتبه عليه الطهور من إناءين، يستعملهما. ولكنه رأي ضعيف، وهو أنه يهجم.
نعم، لو قيل: يُحتج به إلى أنْ يبقى فرد، كان له وجه، كمن اشتبه مَحْرمه بنساء غير محصورات، ولو حلف لا يأكل هذه التمرة فاختلطت بتمر كثير فأكله إلا تمرة، لم يحنث.
بخلاف اختلاط المحرم بالمحصور فإنَّ الكل حرام، حتى لو وطأَ رجلان امرأة وطئًا يلحق به النسب فأتت بولد وأرضعت طفلًا بلبنه [ولم] (١) يثبت نَسبه وأراد أن يتزوج ببنت أحدهما، لم تَحِل على الأصح.
وقيل: يحِل أن يتزوج بنت مَن شاء منهما؛ لأن الأصل في كل واحدة الِحل.
стр. 1486
وقيل: تحِل كل واحدة على الانفراد، ولا تُجمع.
وقيل: يجوز الجمع. قال الماوردي: وهو الظاهر من كلام الشافعي.
وأما إذا كان التخصيص بمُعيَّن فحُجة؛ لأن الصحابة لم تَزَل تستدل بالعمومات مع دخول التخصيص فيها.
قيل: ولأنه لو لم يُحتج به في الباقي لكان متوقفًا على دلالته على الأفراد المُخْرَجَة. فإنْ كانت تلك لا تتوقف على هذا فتَحَكُّم، أو توقفت فَدَوْر.
ولكن هذا مردود بأن هذا مِن الدور المَعِي وليس بِمُحَال، إنما المُحَال الدَّوْر السبقي.
وهذا القول بالتفصيل المذكور هو قول معظم الفقهاء، واختاره الإمام الرازي والآمدي وابن الحاجب. وقال ابن القطان من أصحابنا: إنه الأصح. وقال ابن الصباغ: إنه قول أصحابنا.
وبه قال إلْكِيَا، قال: لكنه دُون ما لم يتطرق التخصيص إليه يُكْسبه ضربًا من التجوز. ولمثْلِه رجح نهيه ﵇ عن أكل كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير على عموم قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] الآية -بأن التخصيص تَطَرَّق إليها، فإنَّ الخمر والقاذورات المحرَّمة خارجة منها.
وقال أبو زيد الدبوسي أنه الذي صح عنده من مذهب السلف، قال: (لكنه غير موجِب للعِلم قطعًا، بخلاف ما قَبْل التخصيص) (١).
المذهب الثاني: أنه حُجة مطلقًا في المخصوص بمعيَّن وبمبهم. وسبق القائل به وتقريره.
стр. 1487
الثالث: أنه ليس بحجة مطلقًا. ونُقل عن عيسى بن أبان وأبي ثور، وحكاه القفالُ الشاشي عن أهل العراق، والغزاليُّ عن القدرية، ونقله إمام الحرمين وابن القشيري عن كثير من الشافعية والمالكية والحنفية.
وعن الجبائي وابنه قالوا: لأنَّ اللفظ موضوع للاستغراق، وإنما يخرج عنه بقرينة، ومقدار تأثير القرينة في اللفظ مجهول؛ فيصير مُجْمَلًا.
قال بعض مَن قال به: ويجاب عما قيل مِن عمل الصحابة إما بأن ذلك لقرائن شاهدوها، أو لغير ذلك.
وهو مردود بأن الأصل عدم القرائن.
وربما قَرر بعضهم الدليل بأن التخصيص قد دل على أن العموم غير معمول به، بل يتوقف على دليل.
ولا يخفَى فسادُه؛ فإنَّ الدليل إنما دل على عدم العمل به في المُخْرَج، لا مطلقًا.
الرابع: أنه حُجة إنْ خُص بمتصل كالشرط والاستثناء والصفة، وإنْ خُص بمنفصل فهو مجُمَل في الباقي. حكاه الأستاذ أبو منصور عن الكرخي والبلخي، وكذا نقله في "المعتمد" وأبو بكر الرازي في "أصوله" عن الكرخي.
الخامس: وبه قال أبو عبد الله البصري: إنْ كان لفظ العموم مُنبئًا عما بقي قبل التخصيص كـ ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، فهو حجة، فإنه يُنبئ عن الحربي كما يُنبئ عن المستأمن. وإنْ لم يكن مُنبئًا، فليس بحجة، كـ ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨]، فإنه لا ينبئ عن النِّصاب والحِرْز. فإذا انتفى العمل به عند عدم النصاب والحرز، لم يُعمل به عند وجودهما.
السادس قول عبد الجبار: حُجة إنْ كان لا يتوقف على البيان، كَـ "المشركين"، فإنه بيِّن
стр. 1488
في الذمي قَبْل إخراجه، بخلاف نحو: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ [الأنعام: ٧٣] فإنه مفتقر إلى البيان قبل إخراج الخاص من عموم اللفظ؛ ولذلك بَيَّنه ﷺ وقال: "صَلُّوا كما رأيتموني أصلي" (١).
السابع: أنه حُجة في أقَل الجمع، اثنين أو ثلاثة على الخلاف السابق، لا فيما زاد. حكاه القاضي والغزالي وابن القشيري، وقال: إنَّه تَحكُّمٌ. وقال الهندي: (لعله قول مَن لا يُجوِّز التخصيص إليه) (٢).
الثامن: وحكاه الغزالي في "المنخول" عن أبي هاشم: أنه يُتمسَّك به في واحد، ولا يُتمسك به في جمع.
التاسع: الوقف، فلا يُقضَى بأنه خاص أو عام إلا بدليل. حكاه ابن القطان وجعله مُغايرًا لقول ابن أبان بعد أن نقل عنه القول بأن الباقي على الخصوص. لكن على كل حالٍ لا يخرج عن الثمانية السابقة.
نعم، مَن يقول: (إنه مُجْمَل) اختلفوا كما قال الشيخ أبو حامد: هل هو مجمل من حيث اللفظ والمعنى فإنه لا يُعقل المراد من ظاهره إلا بقرينة؟ أو مجمل من حيث المعنى فقط؟ وجهان لأصحابنا، الأكثرون على الثاني؛ لافتقار العام المخصوص لقرينة تُبَين ما هو مراد به، وافتقار العام المراد به خاص إلى قرينة تُبيِّن ما ليس مرادًا به.
فتزيد المذاهب.
стр. 1489
تنبيهات
الأول: محل هذا الخلاف -كما ذكرنا- في العام المخصوص، أما المراد به خاص فلا يصح الاحتجاج بظاهره كما قاله الشيخ أبو حامد في "كتاب البيع" من "تعليقته"، وفيه ما يدل على أنَّ ابن أبي هريرة قاله أيضًا.
قلتُ: وهو مُشْكل؛ لأن المراد إنْ كان الاحتجاج به في الخاص الذي أُريدَ به فلا يُتصور فيه خلاف، أو فيما عدَاه فليس مرادا قطعًا، فكيف يُستدَل بالعام عليه؟ !
الثاني: قد ذكرنا أن الخلاف في هذه المسألة مُفرَّع على التي قبلها.
نعم، مَن جوَّز التعلق به مع كونه مجازًا -كالقاضي- يبقى الخلاف على قوله لفظيًّا كما قاله أبو حامد وغيره؛ لأنه هل يُحتج به ويُسمَّى مجازًا؟ أو لا يُسمى مجازًا؟
وقال صاحب "الميزان" (١) -من الحنفية- أنَّ المسألة مُفرَّعة على أن دلالة العام على أفراده قطعية؟ أو ظنية؟ فمَن قال: قطعية، جعل الذي خُص كالذي لم يُخص.
قيل: وفيه نظر.
وقيل: مُفرَّعة على أن اللفظ العام هل يتناول الجنس؟ أوْ لا وتندرج الآحاد تحته؛ ضرورةَ اشتماله عليها؟ أو يتناول الآحاد واحدًا واحدًا حتى يستغرق الجنس؟
فالمعتزلة قالوا بالأول، فعند الإطلاق يظهر عمومه، فإذا خُص، تبيَّن أنه لم يُرد العموم. وعند إرادة عدم العموم ليس بعض أَوْلى مِن بعض، فيكون مجمَلًا.
الثالث: قولي: (وَلَوْ مُنْفَصِلًا مِنْهُ عُنِي أَوْ لَمْ يَكُنْ عُمُومُهُ قَدْ أَنْبَأَ عَنْهُ) تَعريضٌ ببعض ما
стр. 1490
سبق في المسألة الأخيرة مِن الأقوال، وقد أوضحناها.
وقولي: (وَأَمَّا إنْ يَكُنْ قَدْ بُدِئَ) إلى آخِره فهو إشارة إلى ما فُرِّق به بين العام المخصوص والمراد به الخصوص.
وقولي: (أُطْلِقَ لِلَّذِي هُوَ الْجُزْئِيُّ) أي: مقصورًا عليه، وإلا فقد سبق أن مِثْل ذلك حقيقة. وهذا أصوب مِن التعبير بأنه كُلٌّ أُطلق على البعض؛ لأنَّ العموم في أفراده مِن قبيل الكلي مع جزئياته كما سبق تقريره غير مَرَّة، والله أعلم.
ص:
٦٢٢ - وَبِالْعُمُومِ قَبْلَ أَنْ يُبْحَثَ عَنْ ... تَخْصِيصِهِ تَمَسُّكٌ لِمَنْ فَطَنْ
٦٢٣ - أَيْ في حَيَاةِ الْمُصْطَفَى مُحَمَّدِ ... صَلَّى عَلَيْهِ اللهُ مِنْ مُمَجَّدِ
٦٢٤ - كَذَاكَ بَعْدَهُ، وَحَيْثُ شُرِطَا ... فَالظَّنُّ كافٍ فِيهِ فِيمَا ضُبِطَا
الشرح:
من مباحث التخصيص أيضًا أن العام هل يجوز التمسك به قبل البحث عن مخصِّص له؟ أو لا يجوز؛ لأنَّ العمومات التي لم يَطْرقها تخصيص نادرة فلا بُدَّ مِن البحث عن المخصِّص قَبْلَ العمل؟ فيه خلاف.
قال الأستاذ أبو إسحاق: محلُّه بعد النبي ﷺ ، أما في حياته فلا خلاف في وجوب المبادرة إلى الأخذ به وإجرائه على عمومه؛ لأن أصول الشريعة لم تكن متقررة؛ لجواز أن يحدث بعد ورود العام مخصِّصٌ وبَعد النص نسخٌ، فلا يفيد البحث عن ذلك شيئًا.
وحاصل الخلاف فيما بعده ﷺ مذهبان:
أحدهما وبه قال الصيرفي ومَالَ إليه إمام الحرمين وغيره: وجوب العمل قبل البحث،
стр. 1491
حتى قال الإمام: إن قول التوقف على البحث غير معدود مِن مباحث العُقلاء و [مُضْطرب العلماء] (١)، وإنما هو قول صدر عن غباوة واستمرار في عناد.
ولأجل رجحان الأول عند المحققين واختاره حذاق المتأخرين جريتُ عليه في النَّظم بقولي: (كَذَاكَ بَعْدَهُ)؛ لأنَّ الأصل عدم المخصِّص.
وأيضًا فاحتماله مرجوح، وظاهر العموم راجح، والعمل بالراجح واجب، كما أن احتمال النسخ لا يؤثر في المبادرة بالعمل بالنص؛ ولذلك هَمَّ عثمان ﵁ برجم التي ولدت لستة أشهر، وهَمَّ عمر ﵁ برجم مجنونة؛ عملًا بظاهر العموم حتى أتاهما عَلِي ﵁ بنص خاص يُخصِّص العموم.
الثاني: المنع. وبه قال ابن سريج، وحكاه الشيخان أبو حامد وأبو إسحاق الشيرازي وغيرهما عن عامة أصحابنا سوى الصيرفي، ونقله أبو حامد عن الإصْطَخْري وابن خيران والقفال الكبير.
ثم اختلف القائلون به في أنه هل يكفي في البحث الانتهاء إلى ظن عدم المخصص؟ أو لا بُدَّ من اعتقاد جازم يسكن إليه القلب؟ أو لا بُدَّ من القطع؟ ثلاثة أقوال، أصحها الأول؛ جريًا على الاكتفاء بالظن في مِثله، وبالثالث قال القاضي، قال: (ويحصل ذلك بتكرير النظر والبحث).
стр. 1492
تنبيهات
الأول: حكاية الخلاف هكذا هو إيراد الإمام الرازي وأتباعه، وسبقهم إلى ذلك الأستاذ أبو إسحاق الأسفراييني والشيخ أبو إسحاق الشيرازي وغيرهما.
لكن اقتصر القاضي أبو الطيب وإمام الحرمين وابن السمعاني في النقل عن الصيرفي على وجوب اعتقاد العموم في الحال قبل البحث.
وصرح غيرهم عنه بأنه قال: يجب الاعتقاد والعمل. ولك أن تقول: إنْ دخل وقت العمل، لزم مِن وجوبِ الاعتقاد وجوبُ العمل؛ فلذلك اكتفَى مَن اقتصر على وجوب الاعتقاد بذلك.
وأما الغزالي ثم الآمدي وابن الحاجب فحكوا الخلاف على وجه آخر، وهو أنه يمتنع العمل قبل البحث قطعًا، وإنما الخلاف في كونه يكفي الظن (وهو قول الأكثر) أو لا بُدَّ من القطع (وهو قول القاضي)، قال: (ويحصل ذلك بتكرير النظر والبحث من اشتهار كلام الأئمة).
قالوا: وليس خلاف الصيرفي إلا في اعتقاد عمومه قبل دخول وقت العمل به، وإذا ظهر مخصِّص، تَعَيَّن الاعتقاد.
ومنهم مَن جمع بين الطريقين بأنهما مسألتان: وجوب العمل (وهو محل القطع)، واعتقاد العموم (وهو محل الخلاف).
وفيه نظر؛ فإن ذلك إنْ كان قبل دخول وقت العمل فقد جعلوا محل خلاف الصيرفي فيه، وإن كان بعد دخول وقت العمل فقد سبق أنه لا معنى لاعتقاده إلا وجوب العمل به.
стр. 1493
الثاني: استند مَن قال بوجوب [العمل] (١) (وهو الصيرفي) إلى نَصِّ الشافعي في "الرسالة"، إذْ قال ما نصه: (والكلام إذا كان عامًّا ظاهرًا، كان على عمومه وظهوره حتى تأتي دلالة تدل على خلاف ذلك).
حكى ذلك عنه الشيخ أبو حامد، وحُكي عن القفال أن الصيرفي سُئل عن قوله تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك: ١٥] مَن سَمع هذا، يأكل جميع ما يجده؟ قال: يبلع الدنيا بلعًا.
قال أبو حامد: (وابن سريج ورفقته تعلقوا بقول الشافعي ما نصه: وعلى أهل العلم بالكتاب والسنة أن يطلبوا دليلًا يفرقون به بين الحتم وغيره في الأمر والنهي) (٢). انتهى
الثالث: مثار الخلاف في المسألة التعارض بين الأصل والظاهر، وله مثار آخر وهو أن التخصيص هل هو مانع؟ أو عدمه شرط؟
فالصيرفي يجعله مانعًا، فالأصل عدمه.
وابن سريج يجعله شرطًا، فلا بُدَّ مِن تحقُّقه. ونظيره الشاهد عند الحاكم لا يُعرف حاله، فيُبحث عنه حتى يُعمل بشهادته إذا عُدِّل.
ونظيره أيضًا صيغة العموم المحتملة للعهد، هل يُعمل بها؛ لأن العهد مانع والأصل عدمه؟ أو عدم العهد شرط، فلا بُدَّ مِن تحقُّقه؟
الرابع: قال ابن الحاجب: (إنَّ هذا الخلاف يجري في كل دليل مع معارِضِه).
وهي طريقة لبعضهم ممن ذكرها الشيخ أبو حامد، إذ قال: (وهذا الخلاف بين أصحابنا في لفظ الأمر والنهى إذا وردَا مُطلقَين).
стр. 1494
نعم، منهم مَن نقل الإجماع على أنه لا يجب -عند سماع الحقيقة- طلبُ المجاز وإنْ وجب عند سماع العام طَلَبُ المخصِّص؛ لأنَّ تَطرُّق التخصيص إلى العام أكثر.
قال الشيخ تقي الدين السبكي: (ولأن في العام دلالتين: إحداهما على أصل المعنى وهي نَص، والثانية على استغراق الأفراد وهي ظاهرة. واحتمال المجاز حاصل في الأول. وأما الحقيقة فاللفظ فيها يدل على مُعيَّن مفرد، والدلالة الإفرادية عِلمية قطعية؛ فلذلك لم يُطلب المجاز، واحتمال التخصيص إنما هو في الثانية) (١).
قال: (ومَن شَبَّه العام بالحقيقة فقد أتى بساقط مِن القول).
الخامس: إذا اقتضى العام عملًا مؤقتًا وضاق الوقت عن طلب الخصوص، فهل يُعمل بالعموم؟ أو يُتوقَّف؟ حكى ابن الصباغ فيه خلافًا.
ونظيره هل للمجتهد التقليد عند ضيق الوقت؟ فيه وجهان.
وكذا القادر على الاجتهاد في القِبلة، وكذا لو استيقظ قبل الوقت وكان بحيث لو اشتغل بالوضوء لخرج الوقت، هل يتيمم؟ أو يتوضأ وإنْ خرج الوقت؟ وجهان.
قولي: (وَحَيْثُ شُرِطَا) أَجود من قوله في "جمع الجوامع": (وكذا بعد الوفاة، خلافًا لابن سريج. ثم يكفي في البحث الظن، خلافًا للقاضي) (٢).
لأنه يُوهِم أنه تفريع على القول بعدم البحث، وليس كذلك، بل هو على وجوبه. وأيضًا ففيه تخليط طريقة بطريقة، وقد أوضحنا الطريقين. والله أعلم.
стр. 1495
المُخَصِّص:
٦٢٥ - مُخَصِّصُ الْعُمُومِ إمَّا مُتَّصِلْ ... لَا [يَسْتَقِلُّ] (١) مُفْرَدًا، أَوْ مُنْفَصِلْ
الشرح:
لَمَّا فرغتُ مِن بيان التخصيص، شرعت في المخصِّص (بالكسر)، وهو حقيقةً فاعِلُ التخصيص الذي هو الإخراج كما سبق، ثم أُطلق على إرادته الإخراج؛ لأنه إنما يُخصِّص بالإرادة، فأُطلِق على نَفْس الإرادة "تخصيصًا"، حتى قال الإمام الرازي وأتباعه: (إن حقيقة التخصيص هو الإرادة) (٢).
لكن الأصوب ما ذكرناه. ثم أُطلق "المخَصِّص" على الدليل الدال على الإرادة.
ومنهم من يحكي هذين قولين كما فعل القاضي عبد الوهاب وابن برهان:
أحدهما: أنَّ "المخصِّصَ": إرادةُ المتكلم إخراج بعض ما يتناوله الخطاب.
والثاني: الدليل الدال على إرادة ذلك.
وبالجملة فالمقصود من الترجمة الثاني، وهو الدليل، فإنه الشائع في الأصول حتى صار حقيقة عرفية. وربما أطلق "المخصِّص" على المُظْهِر لإرادة مُرِيد التخصيص مِن مجتهدٍ أو غيره.
إذا عُرف ذلك، فالمخصِّص قسمان:
متصل: وهو ما لا يستقل، بل مرتبط بكلام آخَر.
стр. 1496
ومنفصل: وهو ما يستقل.
فأما المتصل فالمشهور انقسامه إلى أربعة: الاستثناء، والصفة، والشرط، والغاية.
وزاد ابن الحاجب: بدل البعض. وسيأتي تضعيفه.
وذُكِرَت مخصِّصات أخرى في عَدِّها نظر يأتي بيانه. والله أعلم.
ص:
٦٢٦ - فَأَوَّلٌ مُنْقَسِمٌ لِخَمْسَةِ ... أَحَدُهَا: اسْتِثناؤُهُمْ بِوصْلَةِ
٦٢٧ - وَذَاكَ إخْرَاجٌ بِنَحْوِ "إلَّا" ... مِنْ وَاجِبِ الدُّخُولِ فِيمَا دَلَّا
الشرح:
أي: الأول وهو المخصِّص المتصل خمسة أقسام كما سبق:
أحدها: الاستثناء، وهو مأخوذ مِن الثني، وهو العطف.
تقول: ثنيتُ الحبل أثنيته، أي: عطفت بعضه على بعض.
وقيل: مِن ثنيتُه عن الشيء، إذا صرفته عنه.
وهو ضربان: استثناء متصل، واستثناء منقطع.
والمراد هنا المتصل، وهو معنى قولي: (بِوصْلَةِ).
أما المنقطع فسيأتي أنَّ الراجح أنه لا يُعَد من المخصصات.
وفي تعريف كل منهما عبارات كثيرة ذكر منها ابن الحاجب طائفة، ولكنَّا نقتصر على المختار في تعريف المتصل، ثم نذكر المنقطع استطرادًا.
فَـ "المتصل" هو إخراج بنحو: "إلا" مما وُضع من الأدوات للإخراج لشيء مما هو
стр. 1497
واجب الدخول في آخَر دال عليه.
فَـ "إخراج" جنس يدخل فيه التخصيص بالمنفصل والمتصل بأقسامهما.
وقولنا: (بِنَحْوِ "إلَّا") إلى آخِره - مخُرِج لما سوى الاستثناء المتصل مما دخل تحت "إخراج".
والإشارة بِـ "نحو: إلا" إلى أدوات الاستثناء الثمانية المشهورة التي منها ما هو حرف اتفاقًا كَـ "إلا" أو على الأصح: كَـ "حاشَا" فإنها حرف عند سيبويه دائمًا، ويقال فيها أيضًا: "حاشَ" و "حَشَا".
ومنها ما هو فعل (كَـ "لا يكون") أو على الراجح (كَـ "ليس").
ومنها ما يتردد بين الفعلية والحرفية، فإنْ نَصب ما بعده، كان فعلًا، أو خفضه، كان حرفًا، وهو "خَلَا" باتفاق، و"عَدَا" عند غير سيبويه.
ومنها ما هو اسم، وهو "غَيْر" و"سِوَى"، سواء قلنا: إنه ظرف دائمًا استثني به. أو قُلنا: يتصرف تَصرف الأسماء. ويقال فيه: "سُوى" بضم السين، و"سواء" بفتحها والمد، أو بكسرها والمد. ذكرها الفاسي في شرح الشاطبية.
نعم، قيد البيضاوي وابن الحاجب في بعض تعاريفه "إلا" بغير الصفة وإن لم يقيد في تعريفه المختار.
والقصد بهذا القيد إخراج نحو: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، فليست "إلا" فيه استثناء، بل وصف، وإلا لفسد المعنى؛ لأنه إذا كان الفساد مرتبًا على وجود آلهة ليس فيهم الله، اقتضَى نَفْي الفساد في وجود آلهة فيهم الله. وذلك باطل قطعًا.
نعم، زعم المبرد أنها استثناء، وما بعدها بدل؛ لأنَّ الشرط بِـ "لو" امتناع، وهو معنى النفي.
стр. 1498
ورُدَّ بأنه لا يقال: (لو جاءني ديار أو من أحد) كما يقال: (ما جاءني ديار أو من أحد).
وإنما لم أُقيد به اعتناءً بلفظ إخراج، فإنَّ "إلا" الوصفية لا إخراج فيها بالوضع وإنْ كانت مُخرجة من حيث الوصفية؛ ولذلك لم يذكرها الإمام الرازي وأتباعه غير مَن ذكرنا. بل مِن الوصف ما لا إخراج به أصلًا كما لو كان للمدح أو الذم أو الترحم أو التوكيد.
وأيضًا فلا يُقصر هذا القيد على "إلا"، بل يجري فيما يكون وصفًا مما هو نحو "إلا" كَـ "غير" و "سوى"، فينبغي تأخير القيد عن قوله: (ونحوها)؛ لِيَعُم "إلا" وغيرها.
وأيضًا فينبغي أن يحترز عن "إلا" الواقعة عاطفة كما ذكره الأخفش والفراء وأبو عبيد، كقوله تعالى: ﴿لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾ [النمل: ١٠ - ١١]، الآية، ومنه على رأْيٍ:
وكُلُّ أَخٍ مُفارِقُهُ أخوه ... لَعَمْرُ أبيكَ إلَاّ الفَرقدانِ
أي: والفرقدان.
والزائدة -كما قاله الأصمعي وابن جني- نحو: (حَرَاجِيجُ لَا تَنْفَكُّ إلَاّ مُنَاخَةً). إذ المعنى: لا تنفك مناخة.
وقولنا: (مما هو واجب الدخول) احتراز مِن نحو: (جاء رجال إلا زيدًا)؛ لاحتمال أن لا يريد المتكلم دخوله حتى يُخرجه.
أما إذا أفاد الاستثناء من النكرة كاستثناء جزء من مركب، فيجوز، نحو: اشتريت عبدًا إلا رُبعه، أو: دارًا إلا سَقْفها.
ومنه الاستثناء مِن العدد، نحو: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤].
وكما أن الاستثناء مِن النكرة إذا لم يُفِد لا يكون متصلًا كذلك لا يكون منقطعًا؛ لأن
стр. 1499
شرطه أن لا يدخل في المستثنى منه قطعًا، وهذا يحتمل أن يراد دخوله.
ولهذا لما عَرَّف ابن الحاجب المنقطع، قال: (ما دل على مخالفة بِـ "إلا" غَيْر الصفة وأخواتها مِن غير إخراج) (١).
وهذا معنى قولي في النَّظم: (مِنْ وَاجِبِ الدُّخُولِ) أي: إخراج [شيء] (٢) مِن واجب الدخول، أي: لا إخراج واجب الدخول جميعه؛ لئلا يبقى الاستثناء مستغرقًا، وهو باطل كما سيأتي.
وقولي: (فِيمَا دَلَّا) أي: دلَّ، فالألف فيه للإطلاق.
وشمل ما دَلَّ على المستثنى:
- ما تَقدم، وهو الأصل.
- وما تَأخَّر، نحو: (ما قام إلا زيدًا القوم).
- وما كان مرادًا ذِكره ولم يُذكر، وذلك في الاستثناء المفرغ. وفي تقدير التلفظ به خِلاف للنحاة، نحو: (ما قام إلا زيد). والأرجح لا يُقدر شيء، بل إرادته في المعنى كافية.
стр. 1500
تنبيهات
أحدها: إنما قيدت الاستثناء المعدود مِن المخصِّصات بِـ "المتصل"؛ لأن المنقطع يسمى "استثناء" لكن مجازًا عند الأكثرين، واختاره ابن الحاجب وغيره.
وقيل: يُسمى حقيقةً؛ فيكون اللفظ مشتركًا.
وقيل: موضوع للقدر المشترك بين المتصل والمنقطع؛ فيكون متواطئًا.
وعلى هذه الأقوال الثلاثة يُسمى "استثناء".
قال ابن الحاجب في "مختصره الكبير": إن ذلك باتفاق.
ولكن فيه نظر؛ فقد حكى الشيخ أبو إسحاق قولًا أنه لا يُسمى "استثناءً" لا حقيقةً ولا مجازًا.
ثم قال ابن الحاجب: (إنه على القول بالمجاز أو بالاشتراك لا يُجْمعان في تعريف واحد) (١).
ثم عرف المنقطع بما سبق، لكنه قال في تعريفه: (مِن غير إخراج)؛ ليخرج به المتصل. وهو يقتضي أنه إذا سقطت هذه اللفظة، كان بقية التعريف شاملًا لهما.
ثم ذكر تعريفه على قول التواطؤ بِـ: (ما دَلَّ على مخالفة بِـ "إلا" غير الصفة وأخواتها).
وأما ابن مالك فجمعهما في تعريفه في "التسهيل"، فقال في المستثنى: (هو المخرج تحقيقًا أو تقديرًا مِن مذكور أو متروك بِـ "إلا" أو ما بمعناها، بشرط الفائدة) (٢).
стр. 1501
فأدخل المنقطع بقوله: (أو تقديرًا)، نحو: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ [النساء: ١٥٧]. فالظن لم يدخل في العلم تحقيقًا لكنه في تقدير الداخل، إذ هو مستحضر بذكره. أي: ما لهم به من علم ولا غيره من الشعور إلا اتباع الظن.
ونحوه: ما في الدار أحد إلا حمارًا. فإن المعنى: ما فيها عاقل ولا شيء من متعلقاته إلا الحمار.
نعم، قد قسم النحاة الاستثناء المنقطع إلي:
- ما ليس للعامل عليه تسلط، فيجب نصبه باتفاق، نحو: (ما زاد المال إلا ما نقص)، و: (ما نفع زيد إلا ما ضر).
- وما للعامل عليه تسلط، فالحجازيون يوجبون نصبه، وتميم تُرجِّحه وتجيز البدل.
فمِن النَصب قراءة السبعة قوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ بالنصب.
ومن الاتباع قول الشاعر:
وبَلْدَةٍ ليس بها أَنِيسُ ... إلا اليَعافِيرُ وإلَاّ العِيسُ
أي: ورب بلدة ما فيها إلا اليعافير (وهي الظباء البيض) والعيس (أي: إبلنا التي نحن سائرون عليها).
وقيل: المراد بالعيس بقر الوحش، شبَّهها بالإبل، فاستثني من الأنيس ما ليس منه.
وعبَّر في "التسهيل" عن هذا القسم بما يصح إغناؤه عن المستثنى منه وما لا يصح. وهو معنى ما سبق.
ومن أمثلة ما لا يصح إغناؤه قوله تعالى: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ [هود: ٤٣]؛ إذ لو قُدر "لا عاصم إلا المرحوم" لم يصح. وقيل في الآية أيضًا غير ذلك.
стр. 1502
فهذا القسم الذي لا يصح فيه تسلط العامل أو يقال: (إنه لا يغني) كيف يقال: إنه مخرج تقديرا؟
ومحل بسطه النحو.
الثاني:
ما ذكرته مِن كون المخَصص مِن الاستثناء هو المتصل؛ لأن المنقطع لا إخراج به - هو ظاهر كلام الأكثر.
وزعم بعضهم أنه تخصيص، قال ابن عطية في "تفسيره": (يخصص تخصيصًا ما، لا كالمتصل) (١).
فإنْ زعم هؤلاء أنه بالتأويل يصير فيه إخراج ولو من مفهوم المذكور أو من لازِمه، فما جعلوه تخصيصًا إلا بِرَدِّه للمتصل، بل يكون هذا شُبهة لمن أنكر الاستثناء المنقطع في كلام العرب وبعضهم في القرآن؛ لأن المذكور منه يمكن رده للمتصل. فالنزاع راجع للفظ.
ولهذا نقل الأستاذ أبو إسحاق الاتفاق على صحة الاستثناء من غير الجنس، فإذا قال: (له علَيَّ عشرة إلا ثوبًا)، رجع الاستثناء إلى قيمة الثوب. فإن كانت أكثر منه أو مساوية، بطل الاستثناء؛ لكونه مستغرقًا في الأصح.
قال الشافعي ﵁: لو قال: "له علَيَّ ألف إلا عبدًا"، قُبِل منه (٢).
أي: إذا اعتُبِرَت قيمتُه فكانت أقَل.
وممن منع المنقطع إلْكِيَا وابن برهان، ونقله عن الحنفية الأستاذ أبو منصور وابن
стр. 1503
القشيري، وحكاه الأستاذ أيضًا عن ابن داود، والباجي عن ابن خويز منداد.
وقيل: يقطع بصحته في الإقرار، وفي غيره وجهان. قاله الماوردي.
الثالث:
أُورِد على تعريف الاستثناء المتصل أمور:
ذكر "إلا" ونحوه في التعريف؛ لكونه أداة استثناء، فتَصوُّر ذلك فيه متوقِّف على تَصوُّر الاستثناء، فإذا عَرَّفناه به، كان دَوْرًا.
وجوابه: إنما وقع التعريف بها مِن حيث كونها مخرجة، لا من حيث خصوص الاستثناء، فإنَّ الإخراج أَعَم.
ويجاب بهذا أيضًا عن السؤال في قوله: (ونحوها) أنه إنْ كان من حيث الاستثناء، لَزم الدَّوْر، أو مِن حيث الإخراج في الجملة، دخل التخصيص بالمنفصل وغير الاستثناء من المتصل.
فيقال: المخرج بالوضع إنما هو أدوات الاستثناء، فهو المراد.
ومنها: أهملتم التقييد بكون الاستثناء والمستثنى منه مِن متكلم واحد؛ ليخرج ما لو قال الله تعالى: "اقتلوا المشركين"، فقال النبي ﷺ : "إلا أهل الذمة"، فإن ذلك استثناء منفصل، لا متصل.
ولهذا قُيد به في "جمع الجوامع" وضُعِّف مقابِله؛ ولهذا قال الرافعي: لو قال: (لي عليك مائة) فقال: (إلا درهمًا) لم يكن مقرًّا بما عدا المستثنى على الأصح.
وأما استناد مَن جوَّزه مِن متكلِّمَيْن إلى أن المثال السابق في قول الله تعالى وقول الرسول ﷺ لا بِدع فيه؛ لأن الكلامَيْن كالواحد؛ لأنه مُبلِّغ عن الله، فذاك لخصوص المثال، لا في كل استثناء مِن متكلِّمَين.
стр. 1504
ولذلك احْتِيج في: (قول العباس ﵁ بعد قول النبي ﷺ : "ولا يُخْتَلَى خلاها": إلا الإذخر. فقال: "إلا الإذخر") (١) إلى تأويله بأن العباس أراد أن يُذكره ﷺ بالاستثناء؛ خشية أن يسكت عنه اتكالًا على فَهم السامع ذلك بقرينة وفهمًا منه أنه يريد استثناءه؛ ولأجل ذلك أعاد النبي ﷺ الاستثناء فقال: "إلا الإذخر". ولم يكتف باستثناء العباس.
فكل ذلك يرشد إلى اعتبار كونه من متكلم واحد.
وجوابه: أن اشتراط الاتصال كافٍ في ذلك، فإنه ليس المراد به مجرد اتصال زمانه بزمان المستثنى منه، بل تعقيب المتكلِّم كلامه بكلامه؛ للارتباط في نطقه.
ولذلك شُرِطت فيه نيته قبل أن يفرغ مِن المستثنى منه، أو مِن أوله على رأْيٍ مرجوح كما بُيِّن في الفقه على اضطراب فيه وقع للرافعي.
فإنْ فُرض أن المتكلم بالمستثنى منه اتكل على المتكلم بالاستثناء، فالأول لم يستثن، والثاني لم ينطق بمفيد؛ لأن الاستثناء لا يستقل بنفسه.
وقد سبق في مباحث اللغة أن الكلام هل يشترط فيه أن يكون من واحد؟ أوْ لا؟ وأن ابن مالك رد على مَن اشترطه، وأن التحقيق فيه أن الإسناد إنْ صدر مِن كل مِن القائل: (زيد) والقائل: (قائم)، فكل منهما متكلم بكلام ذكر بعضه وحذف الآخَر لِقرينة تَكلُّم الآخر، والحذفُ للقرينة اللفظية في المبتدأ والخبر وفي الفعل ومرفوعه جائزٌ. وإنْ لم يكن لأحدهما قصد ولا إسناد فلا كلام لا مِن هذا ولا مِن هذا.
الرابع:
اختُلف في تقدير دلالة الاستثناء على مذاهب منشأها إشكال في معقولية الاستثناء.
стр. 1505
فإنك إذا قلت: (قام القوم إلا زيدًا)، فإنْ لم يكن زيد دخل فيهم، فكيف أُخْرج هذا وقد اتفق أهل العربية على أنه إخراج؟ وإنْ كان دخل، فتناقَض أول الكلام وآخِره.
وكذا نحو: (له علَيَّ عشرة إلا درهمًا)، بل أَبْلغ؛ لأن العدد نَص في مدلوله، والعام فيه الخلاف السابق.
وذلك يؤدي إلى نفي الاستثناء من كلام العرب؛ لأنه كذب على هذا التقدير في أحد الطرفين، ولكن قد وقع في القرآن الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
أحد المذاهب وبه قال القاضي أبو بكر: أن نحو: "عشرة إلا ثلاثة" مدلوله سبعة، لكن له لفظان، أحدهما: مركَّب، وهو: "عشرة إلا ثلاثة"، والآخَر: "سبعة". وقصد بذلك أن يُفرق بين التخصيص بدليل متصل فيكون الباقي فيه حقيقة، أو بالمنفصل فيكون تناول اللفظ للباقي مجازًا. ووافقه إمام الحرمين على أن ذلك بمنزلة اسمين بالوضع: أحدهما مركب، والآخر مفرد.
والثاني (ونقله ابن الحاجب عن الأكثرين): أن المراد بِـ "عشرة": سبعة، و"إلا" قرينة بيَّنت أن الكل استُعمل وأُريد به الجزء مجازًا. وعلى هذا فالاستثناء مُبيِّن لغرض المتكلم بالمستثنى منه.
فإذا قال: (علَيَّ عشرة)، كان ظاهرًا في الجميع، ويحتمل إرادة بعضها مجازًا، فإذا قال: (إلا ثلاثة)، فقد بَيَّن أن مراده بِـ "العشرة" سبعة فقط كما في سائر التخصيصات.
واستنكر إمام الحرمين هذا القول، وقال: (إنه مُحَال، لا يعتقده لبيب) (١).
والثالث (واختاره ابن الحاجب): أن المراد بالعشرة: عشرة باعتبار أفراده، ولكن لا يُحكم بما أُسنِد إليها إلا بعد إخراج الثلاثة منها، ففي اللفظ أسند الحكم إلى عشرة، وفي
стр. 1506
المعنى إلى سبعة.
وعلى هذا فليس الاستثناء مُبيِّنًا للمراد بالأول، بل به يحصل الإخراج، وليس هناك إلا الإثبات، ولا نفي أصلًا، فلا تناقض.
ثم ذكر استدلاله على ذلك وإبطال غيره، وأطال، ثم قال:
- (فتبيَّن أن الاستثناء - على قول القاضي- ليس بتخصيص) (١).
أي: لأن "التخصيص" قَصْرُ العام على بعض أفراده، وهنا لم يُرد بالعام بعض أفراده، بل بالمجموع المركب.
- (وأنه على قول الأكثر تخصيص) (٢).
أي: لِمَا فيه من قَصْر اللفظ على بعض مسمياته.
- (وأنه على الثالث المختار - عنده- محتمل) (٣).
أي: لِأَنْ يكون تخصيصًا؛ نظرًا إلى كون الحكم في الظاهر للعام والمراد الخصوص، وأنْ لا يكون مخصصًا؛ نظرًا إلى أنه أُريدَ بالمستثنى منه تمام مسماه.
وذكر القاضي عضد الدين في تحقيق هذه المذاهب كلامًا أطال فيه، وتعقب عليه في بعضه السبكي في "شرح المختصر"، فليراجَع منه. والله أعلم.
стр. 1507
ص:
٦٢٨ - وَشَرْطُهُ اتِّصَالُهُ بِالْعَادَةِ ... وَعَدَمُ اسْتِغْرَاقِهِ لِلْجُمْلَةِ
٦٢٩ - وَلَوْ يَكُونُ مُخْرَجٌ أَكْثَرَ مِنْ ... بَاقٍ أَوِ اسْتِوَاهُمَا [مِمَّا] (١) زُكِنْ
الشرح:
ذكرتُ لصحة الاستثناء شرطين، وذكرتُ في أمر ثالث أنه لا يُشترط وإنْ شَرَطه بعضهم.
فأما الشرط الأول:
فأنْ يتصل الاستثناء بالمستثنى منه اتصالًا عاديًّا حتى يُغتفر الفصل بالتنفس أو السعال أو نحو ذلك، وكذا إذا طال الكلام متعلقًا بالمستثنى منه، فإنه لا يضر كما قاله الإمام.
والخلاف في اشتراط ذلك نُقِل عن ابن عباس وغيره.
فَعَنِ ابن عباس: جواز تأخيره إلى شهر.
وقيل: إلى سنة.
وقيل: أبدًا، كما يجوز التأخير في تخصيص العام وبيان المجمل.
وعن سعيد بن جبير: إلى أربعة أشهر.
وعن عطاء والحسن: ما لم يَقُم من المجلس. حكاه عنهما الشيخ أبو إسحاق.
وعن مجاهد: إلى سنتين.
стр. 1508
وقيل: ما لم يأخذ في كلام آخَر.
وقيل: يشترط أن ينوي في الكلام أنه سيستثنى.
قال القاضي: إن صح النقل عن ابن عباس في جواز تأخيره فلعَل مراده أن يستثنى متصلًا بالكلام ثم يظهر ما نواه بعد ذلك، فإنه يُدين.
وقال بعضهم: يجوز في كلام الله تعالى. وحمل بعضهم خلاف ابن عباس على ذلك، أي: يجوز تراخيه في القرآن دُون غيره.
وضُعِّف هذا القول بأن كلام الله إنْ أُريد به القديم فلا يوصف لا بإخراج ولا بإدخال، وإنْ أُريدَ اللفظ المنزل ولو إلى اللوح المحفوظ كما قال المقْترح، فذلك إنما هو على أساليب كلام العرب، ما امتنع فيه يمتنع فيه، وما جاز فيه جاز فيه؛ لأن القرآن إنما نزل بلُغة العرب، فلا يكون مخالفًا لِلُغتهم.
وبالجملة فهذه الأقوال كلها ضعيفة، وما نُقل منها عن هذه الأئمة فيجب تأويله.
أما ضعفها فلأن أهل الأدب (أيْ: أهل العربية) متفقون على اشتراط الاتصال؛ ولهذا أَوَّلوا ما يُنقل عن ابن عباس وغيره من أهل الحجة في لسان العرب وبأنه ﷺ قال: "مَن حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها، فليكفر عن يمينه، وليأت الذي هو خير" (١). ولم يقُل: (أو ليستثنِ).
وكذلك لَمَّا أرشد الله تعالى أيوب ﵇ بقوله: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ
стр. 1509
بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ جعل طريق بِره ذلك، ولو كان الاستثناء المتراخي يُحصِّل البِر، لَمَا جعل الله الوسيلة في البر ذلك.
وفي "تاريخ بغداد" لابن النجار في أثناء "حرف الشين المعجمة" أن الشيخ أبا إسحاق الشيرازي أراد الخروج مرة من بغداد فاجتاز في بعض الطرق، وإذا برجُل على رأسه سلة فيها بَقل وهو يقول لآخَر: مذهب ابن عباس في تراخي الاستثناء غير صحيح، ولو صح لَمَا قال الله تعالى لأيوب ﵇: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾، بل كان يقول له: استثنِ، ولا حاجة إلى التوسل للبر بذلك. فقال أبو إسحاق: بلدة يَرُد فيها رجُل يحمل البَقل على ابن عباس لا تستحق أن يُخرج منها.
قال ابن الحاجب: (ولو صح تراخي الاستثناء لبطل جميع الإقرارات والطلاق والعتق، وأيضًا فيؤدي إلى أنه لا يُعلم صِدق ولا كذب) (١).
لأنَّ مَن قال: (قَدم الحاج)، يحتمل أنه يريد أن يستثني بعد ذلك بعضهم. والأدلة في المسألة كثيرة.
وأما النَقْل عن ابن عباس فيُحمل على محامل سبق بعضها، ومنها ما قاله القرافي: (إنه إنما قال ذلك في التعليق على مشيئة الله بأنْ يقول: "إن شاء الله"، لا الاستثناء بِـ "إلا" أو إحدى أخواتها).
قال: (ونقَل العلماء أن مدْركه في ذلك: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤]، المعنى: إذا نسيت أن تقول: "إن شاء الله"، فقُلْه إذا تذكرت أنك لم تَقُل). انتهى
لكن في "مستدرك الحاكم" بسنده عنه أنه قال: "إذا حلف الرجل على يمين، فَلَه أن
стр. 1510
يستثني إلى سَنة" (١) وأنَّ المعنى في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ أنك إذا ذكرت، فاستثنِ. وقال: صحيح على شرط الشيخين.
فأطلق لفظ الاستثناء. إلا أن يقال: إنه محمول على "إن شاء الله"، فسياق الآية يرشد إليه.
ونحو ذلك في إطلاق لفظ الاستثناء ما رواه الحافظ أبو موسى في كتاب "التبيين لاستثناء اليمين" من حديث يحيى بن سعيد - قرشي كان بفارس- عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس: "أن النبي ﷺ حلف على يمين، فمضى له أربعون ليلة، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾، فاستثنى رسول الله ﷺ بعد أربعين ليلة". لكن قال الحافظ أبو موسى: إن هذا لا يثبت؛ لأن يحيى بن سعيد غير محتج به.
ورواية أن ابن عباس يرى التراخي إلى سَنة رواه الطبراني في "معجمه الأوسط" (٢)، قال الحافظ أبو موسى فيه أيضًا: (إنه لا يثبت). ثم قال: (إن صح هذا عن ابن عباس فيحتمل أنه رجع عنه).
وساق إلى ابن عباس بسنده أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ أن المعنى: "إذا نسيت الاستثناء فاستثنِ إذا ذكرت، هي لرسول الله ﷺ خاصة، وليس لأحد