← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 32476

الفوائد السنية في شرح الألفية

شمس الدين البرماوي

Полный текст (2 306 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ص: ٨٥ - نَعَمْ، لَهُ تَعَلُّقٌ بِالْفِعْلِ ... بَعْدَ وُجُودِ مُقْتَضِيهِ الْأَصْلِي ٨٦ - مِنْ قَبْلِ أَنْ يُبَاشِرَ الْفِعْلَ إلَى ... فَرَاغِهِ، وَالْفِعْلُ نَقْلًا شَمِلَا الشرح: مما يتعلق بالمسألة السابقة وهي تَعَلُّق الحُكم بالمعدوم: تَعَلُّقه بالفعل المعدوم مِن الفاعل الموجود بعد وجود سببه المُقْتَضِي له، كدخول الوقت (مَثَلًا) للصلاة. وهذه المسألة مِن أشكل مسائل أصول الفقه؛ لِمَا فيها مِن اضطراب [المنقول] (١) وغموض المعقول، وهي في الحقيقة دخِيلَة فيه، وإنما هي مِن عظائم مسائل الكلام، وهي قليلة الجدْوَى في الفقه، وإنما ذَكَرتُها لِمُناسبتها لِمَا قَبْلها، كالاستطراد. ومُلَخَّصُ ما فيها مذاهب لِأَهل السُّنة والمعتزلة، نذكرها مختصرة. أحدها: مما ذكرناه في النَّظْم، وهو تَعَلُّق الأمر بالفعل قَبْل المباشرة له، واستمراره إلى فراغه، وعلى ذلك قولان: أحدهما: أنَّ التعلق الذي قَبْل المباشرة على معنى الاقتضاء والترغيب، والتعلق حال حدوث الفعل على معنى الطاعة لا الاقتضاء؛ لأنَّ المقصود فيه محققٌ. نقله القاضي (كما في تلخيص الإمام) عن مُحَقِّقي أهل السُّنة، ونقله ابن الحاجب عن الأشعري، وضَعَّفه بما هو مَردود عند المحققين. والثاني (ونَقَله أيضًا القاضي عن بعض مَن ينتمي إلى أهل الحق): أنه قَبْل الفعل أَمْر

стр. 177

إنذار وإعلام، وعند [الحدوث] (١) اقتضاء و [إلزام] (٢). وجَرَى على هذا القولِ الإمامُ وأتباعُه، ولَمْ يُعَرِّجُوا على ما قَبْله. نَعَم، ضَعَّفه إمام الحرمين في "البرهان" بَعْد أنْ نَقَله عن أصحاب الشيخ بما معناه أنه يَلْزَم مِنْه تحصيل الحاصل، وأنه لا يرتضيه لِنَفْسه عاقِل. المذهب الثاني: وحكاه القاضي عن القدرية (أَيْ المعتزلة)، أنَّ التعلق قَبْل الحدوث وينقطع عند الحدوث، ثم اختلفوا في مقدار زَمَن التقدم، فَقِيل: بِوَقتٍ واحد. والأكثرُ: بأوقات. ثم اختلف هؤلاء: هل يشترط اجتماع شرائط التكليف في كل الأوقات؟ أو عند حدوث الفعل؟ وأمَّا قَبْله فالشرط كَوْنُ المخاطَب ممن يَفهم الخطاب. ثم اختلفوا مِن وجْهٍ آخَر: هل يشترط أنْ يَكون فيما قَبْل الفعل بأوقات لطف ومصلحة [زائدٌ ذلك] (٣) على التبليغ مِن المبلغ والقبول مِن المخاطَب؟ أوْ لَا؟ هذا معنى كلام القاضي، وهو أَثبت منقول. واختار الإمامُ في "البرهان" مذهبَ المعتزلة أنَّ الأمرَ قَبْل الحدوث، لا بَعْدَه. وقال الآمدي: (اتفق الناس على جواز التكليف بالفعل قبل حدوثه، سوى شذوذ مِن أصحابنا، وعلى امتناعه بَعْد حدوث الفعل. واختلفوا في جواز تَعَلُّقه في أول زمان حدوثه، فَأَثْبَته أصحابنا ونفاه المعتزلة) (٤).

стр. 178

وتَبعه ابنُ الحاجب إلَّا أنه نَسَبَ القول بِعَدَم انقطاع التكليف حال حدوث الفعل إلى الشيخ الأشعري، والشيخُ لَمْ يَنُص عليه، إنما تُلُقِّيَ مِن قضايا مذهبه، ولا يَخْفَى ما في نَقْلَيهما مِن المخالفة لِلنقول السابقة عند التأمل. وذكر صاحب "جمع الجوامع" (١) أنَّ التحقيق أنَّه لَمْ يَتَعَلَّق إلَّا عند المباشَرة، وأنَّ المَلَام قَبْلها على التَّلَبُّس بالكَفِّ [المَنْهِي] (٢). واستصوبه بَعْضهم. قلتُ: وهو عجيب، فإنَّ النهي عن الضِّد فَرْعُ تَعَلُّق الأمر، فإذَا لَمْ يَتَعَلَّق - عَلَى قَوْله - فَكيف يُلام على التلَبُّس بالكفِّ المَنْهِي؟ ! وقد اجتمعت هذه النقول المتفرقة والأقوال المنتشرة بما قررناه، وقد بسطتها في "إيضاح الفصول مِن منهاج الأصول" بما يَتَعَيَّن على مُرِيده الوقوفُ عليه. وفيما أَوْرَدته هنا كفاية في غَرض هذه المنظومة، والله تعالى أعلم. وقولي: (وَالْفِعْلُ نَقْلًا شَملَا) تَتِمَّتُه ما بَعْدَه، وهو: ص: ٨٧ - لِلتَّرْكِ؛ فَهْوَ أَنْ يَكُفَّ نَفْسَهُ ... فَكَانَ مَطْلُوبًا بِنَهْيٍ مَسَّهُ الشرح: أَيْ: قولنا في تعريف "الحُكم": (المتعلِّق بِفِعل المكلَّف) يَدخُل في الفعلِ "التَّرْكُ"؛ لأنه كَفُّ النفْس، وحينئذ فيتعلق به النهي عَلَى مَعْنَى [أنه] (٣) المطلوب إيجاده، وكذا الأمر بِالكَف ونحوه هو المطلوب فيه، نحو: "اتْرُك" و"امْسِك" وما أشبه ذلك كما

стр. 179

أَشَرْتُ إليه في البيت الآتي بَعْد ذلك بِقَوْلي: (أَوْ مَا بِمَعْنَاه) عَطْفًا على المجرور وهو "بِنَهْيٍ"، أَيْ: ما بِمَعْنَى النَّهي. وهذا أصح المذاهب في المسألة عند ابن الحاجب وغَيْره. وثانيها (ويُنْسَب للجمهور): أنَّ المكلَّف به في النهي ونحوه فِعْل الضِد للمنهي عنه. فإذَا قال: (لا تتحرك)، فمعناه: افْعَل ما يُضاد الحركة. وثالثها (عن أبي هاشم أيضًا): انتفاء الفعل، أَيْ: عدم الحركة في مثالنا، لكن العدَم لا يدخُل تحت القدرة. فإنْ أراد الإعدام، رجع للقول الأول. ورابعها (وهو ظاهر كلام "المستصفى"): إنْ كان مُجَرَّد التَّرْك مقصودًا من غير ملاحظة ضِدٍّ، فهو المكلَّف به، كالصوم؛ فلذلك وَجَبَت فيه النيَّة. وإنْ كان الملاحَظُ فيه إيقاع [الضِدِّ] (١)، فهو المكلَّف به، كالزنا والشرب. وخامسها: ما في "الدلائل والأعلام" (٢) لأبي بكر الصيرفي: أنَّ الواجبَ في المنهياتِ (إذَا ذَكَرها) اعتقادُ تحريمها وهو على أول الحال من الاعتقاد. وسادسها: الكَفُّ بِشَرْط قَصْدِ التَّرْك، حتى يَأْثَم إذَا لَمْ يَقْصد التَّرْك. وهو غريب، نقله [ابن] (٣) تيمية في "مسودة الأصول" (٤). وقولي: (شَمِلَ) هو بِكَسر الميم، وفيه لُغة بالفتح، واللام في "لِلتَّرْك" زائدة؛ لأنه يتعدى

стр. 180

بنفسه. والضمير في "فكَانَ مَطْلُوبًا" يَعُود على "التَّرْك"، والله أعلم. ص: ٨٨ - أَوْ مَا بِمَعْنَاهُ، وَكُلُّ فِعْلِ ... قَدْ عُلِّقَ الْحُكْمُ بِهِ في الْأَصْلِ ٨٩ - يَعُمُّ مَا كانَ مُحَالًا أَنْ يَقَعْ ... لِعِلْمِ رَبِّنا بِأَنَّهُ امْتَنَعْ ٩٠ - كَأَمْرِهِ لِكَافِرٍ أَنْ يُؤْمِنَ ... مَعْ عِلْمِهِ بِكُفْرِهِ إلَى الْفَنَا ٩١ - كَذَاكَ مَا مُحَالُهُ لِلْعَادَهْ ... كَحَمْلِهِ لِجَبَلٍ مَا اعْتَادَهْ ٩٢ - وَمَا مُحَالُهُ لِذَاتِهِ كَذَا ... كَجَمْعِهِ الضِّدَّيْنِ، لَكِنْ نُبِذَا ٩٣ - وُقُوعُ ذَيْنِ دُونَ مَا تَقَدَّمَا ... وَالسِّرُّ الِابْتِلَاءُ حَيْثُ حُكِمَا الشرح: قولي: (أَوْ مَا بِمَعْنَاهُ) راجِعٌ إلى ما سَبَق كما بَيَّنَّاه. وقولي: (وَكُلُّ فِعْلٍ) إلى آخِره - إشارة إلى أنَّ مما يدخل أيضًا تحت الفعل (في قولي في التعريف بالفعل) ما وقوعه في الوجود مُحَال، ويُعَبَّر عن هذه المسألة بأنَّ التكليف بِالمُحَال أو بما لا يُطَاق هل يجوز؟ وتحريرُها أنَّ المُحال على ثلاثة أقسام: - المُحال لِتَعَلُّق عِلْمِ الله تعالى بأنه لا يقع؛ إذْ لو وقع خِلَاف معلومه، لَزِمَ انتفاءُ عِلْمه أو عِلْمُه بالشيء على خِلَاف ما هو عليه، وهو مُحَال. - والمُحال باعتبار العادة، كَصُعُود السماء ورَفْع الجبل أو الصخرة العظيمة التي لا يُعْتَاد رَفْعُها. - والمُحال لِذَاته، كالجَمْع بَيْن الضِّدَّيْن، وهو المستحيل العقلي. فالأول جائِزٌ وواقِعٌ قَطْعًا، وربما عُبِّر عنه بِـ "المستحيل العقلي"؛ لأنَّ جِهَة استحالته تؤول إلى أَمْرٍ عَقْلي، ولكنه خِلَاف المصطلَح.

стр. 181

وفي "المنخول" للغزالي أنه لا يُسَمَّى "مستحيلًا" أَصْلًا؛ لأنه في ذاته جائز الوقوع، فلا تتغَيَّر حقيقته بالعِلْم، فانظر ما بَيْن هذين القولين مِن التباعد. ودليل وقوعه أنَّ الله تعالى كَلَّف الكفار بالإيمان قَطْعًا - مع عِلْمه تعالى بأنَّ بَعْضهم لا يؤمِن، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [يوسف: ١٠٣]. ومما هو واقِعٌ قَطْعًا: ما استحالتُه لِعَدَم القُدرة عليه حال التكليف مَعَ كَوْنه مقدورًا حالة الامتثال إذَا قُلنا بأنه مُتَعَلِّق قَبْل المباشرة - كما سبق - وقُلْنَا: (إنَّ القُدرة مع الفعل) كما يقوله الأشعري، فالتكاليف كلها - على رأيه - مِن التكليف بالمُحَال. وإنما قال: (إنَّ القُدرة مع الفعل) لأنَّ القُدرة صفة متعَلِّقة بالمقدور، ووجود المُتَعَلِّق بدُونَ المُتَعَلَّق مُحَال. وأيضًا فَقُدْرة العَبْد عَرَض، والعَرَض لا يَبْقَى زَمانَيْن، فلو تَقَدَّمت القُدْرَة لَعُدِمَتْ عند الحدوث. وضعَّفَ كثيرٌ ذلك، ورَدُّوا هذين الوَجْهَيْن: الأول: بأنَّ التعلق لا يقتضي وجودًا إذَا كان بالقوة، وإنما يقتضيه إذَا كان بالفعل. والثاني: بأنه إذَا ذَهَبَ، خَلَفَهُ مِثْلُه؛ فلا يَنْفَكُّ. فِلأَجْل ذلك لَمْ أَجْعَل هذا قِسْمًا آخَر مِن المستحيل. وأمَّا الثاني (وهو المُحَالُ العادِي وَإنْ كان مُمْكِنًا في ذاته، كَحَمْل الآدَمِي الجبَلَ وطيرانه وعَدْو المُقَيَّد ومَشْي الزَّمِن ونحوها مما فيه مانع يُمْكِن زوالُه عَقْلًا) والثالث (وهو المُحَال لِذَاته، كَجَمْع الضِّدَّيْن) فَهُمَا مَحَلُّ الخِلَاف. والأصح فيهما عند الجمهور الجوازُ مُطْلَقًا، ونُقِلَ عن الأشعري؛ لأنه قضيَّة مَذْهَبه كما سبق، ولقوله تعالى: ﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٦]. ولو كان مُحَالًا لَمَا استقام سؤالُ دَفْعِه.

стр. 182

والثاني: المنع مُطْلَقًا، وهو قول أكثر المعتزلة، واختاره ابن الحاجب والأصفهاني في شرح "المحصول"، ونقل عن صاحب "التلخيص" حكايته عن نَصِّ الشافعي، وإليه ذهب الشيخ أبو حامد وإمامُ الحرمين. والثالث: الامتناع في المُحَال لِذَاته، والجواز في المُحَال للعادة، وإليه ذهب معتزلة بغداد، واختاره الآمدي، وصَرَّح به الغزالي في "المستصفى"، واختاره أيضًا الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد في "شرح العنوان". فَمَن نَقَل عنه أو عن الغزالي أنهما مَنَعَا مُطْلَقًا، ليس بِمُصِيب. نَعَم، مَن وافق المعتزلة مِن أهل السُّنة فَلَيْسَ لِمُدْركهم العقلي، بل لدليلٍ آخَر. وقولي: (كَحَمْلِهِ لِجَبَلٍ مَا اعْتَادَهْ) أَيْ: تكليف الآدمي ذلك بِخِلَاف ما لو كُلِّف الجِنِّيُّ مَثَلًا بذلك. وقولي: (لَكِنْ نُبِذَا) إلى آخِره - إشارة إلى ما سَبَق مِن الوقوع في القسم الأول وعَدَم الوقوع في القِسمين الآخَرين ولو قُلْنَا بالجواز فيهما. وقولي: (وَالسِّرُّ الِابْتِلَاءُ) أَيْ: السِرُّ في التكليف بالمُحَال مُطْلَقًا - حيث حَكَمْنَا بجوازه وبوقوعه - الابتلاء والاختبار، والله أعلم. ص: ٩٤ - وَبِالْمُكَلَّفِ أُرِيدَ الْعَاقِلُ ... الْبَالِغُ الذَّاكِرُ، فَهْوَ [الْكَامِلُ] (١) الشرح: لَمَّا سَبَقَ في تَعْرِيفِ الْحُكْمِ أنه المتعلِّق بِفِعل المكَلَّف، احْتِيجَ إلى شَرْحه وما

стр. 183

يخرج منه، والمراد المُتهَيِّئُ للتكليف، لا مَن تَعَلَّق به التكليف، وإلَّا يَلْزَم الدَّوْرُ كما سبق. والمُتَهَيِّئُ لذلك مَن اتَّصَف بِصفاتٍ أرْبَع: - العقل. - والبلوغ. - والذِّكْر للشيء، لا مَن لَمْ يَعْلَم به أصلًا أو كان غافلًا عنه. وربما عُبِّرَ عن هذه الثلاثة بِـ "الفَهْم"، فيقال: شَرْطُ التكليفِ الفَهْمُ. - والرابعُ: عدم الإلجاء، وسيأتي - بَعْد احترازات هذه الثلاثة - بَيَانُه. والباء في قولي: (بالمكلَّف) متعلِّقة بِـ "أُرِيدَ". ومَن اتصف بالصفات الثلاث، فهو الكامل، وغَيْرُه غافِلٌ، والله أعلم. ص: ٩٥ - لا نَائِمٌ أَوْ جَاهِلٌ أَوْ سَاهِي ... وَذُو جُنُونٍ أَوْ صِبًى وَضَاهِي ٩٦ - أَوْ مُخْطِئٌ، وَهَؤلَاءِ "الْغَافِلُ" ... خِطَابُهُ خِطَابُ وَضْعٍ [شَامِلُ] (١) ٩٧ - مِثْلُ ضَمَانِ مُتْلَفٍ في مَالِهِ ... وَلَيْسَ سَكْرَانُ عَلَى مِنْوَالِهِ ٩٨ - فَإنَّهُ مُكَلَّفٌ بِالْحُكْمِ ... نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيْ في "الْأُمِّ " ٩٩ - أَنْزَلَهُ لِلسَّبَبِ الْمُجْتَرَءِ ... كفَاعِلٍ بِالِاخْتِيَارِ الْمُنْشَأِ الشرح: هذا هو المحتَرز عنه بالشروط الثلاثة، لكن لا على ترتيب ذِكْرها أوَّلًا:

стр. 184

فيخرج بِـ "العاقل" المجنونُ بأنواعه، وكذا شبِيهُه، كالمغمى عليه؛ فإنه يشاركه في عَدَم الفَهْم وإنْ خالفه مِن وَجْهٍ آخَر؛ فلذلك قلتُ: (وَضَاهِي) أَيْ: [و] (١) شابِهْ بذلك ما في معناه. وخرج بِـ "الذاكِر" النائمُ والجاهلُ الذي لَمْ يَبْلُغه الخطاب، والساهي [ومِنه الناسي كما سبق] (٢) الذي بَلَغَه ونسي، أَيْ: نَسِي كَوْن الذي فَعَله منهيًّا، أو نحو ذلك. ويخرج أيضًا المُخْطِئُ، وهو اسم فاعِل مِن "أخطأ يُخْطِئُ أخطاءً"، خِلَاف العَمْد، فإنَّ غَيْر المُتَعَمِّد ليس ذاكِرًا. واسم المَصْدَر "الخَطَأ" بفتح الخاء والطاء، وأمَّا "خَطِئَ" بِكَسْر الطاء "يَخْطَأ" بفتحها (يوزن "عَلِمَ يَعْلَم") فمعناه: أَثِمَ، والمصدَر "الخِطْأ" بكسر الخاء وسكون الطاء، قال تعالى: ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٣١]، [أَيْ: إثمًا] (٣)، ومنه قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ﴾ [يوسف: ٩٧]. وقد يُطْلَق "الخاطِئ" بمعنى "المُخْطِئ"، وكثيرًا ما يَستعمل الغزالي ذلك في كُتُبه. وبِـ "البالغ" يخرج الصبيُّ. وهؤلاء يُعَبَّر عنهم في الأصول بِـ "الغافِل"، فيقال: هل يُكَلَّف الغافل؟ أَوْ لا؟ والتعبير بأنه: (هل يتعلق بِهِم الخطاب أو الحُكم غَيْر الوضعي؟ ) أَجْوَد؛ لأنَّ المباح لا تكليف فيه وإنْ كان حُكْمًا شرعيًّا (على الأصح فيهما)، والمندوب غَيْر مُكَلَّف به وإنْ كان مأمورًا به (على الراجِح)؛ بِناءً على أنَّ التكليف إلزامُ ما فيه كُلفة، لا طَلَب ما فيه كُلفة، خِلَافًا للقاضي.

стр. 185

ودليلُ مَنْع خطاب الغافل قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (١) [الأحزاب: ٥]، وهو معنى حديث: "إنَّ اللهَ [وَضَع] (٢) عن أُمَّتِي الخطأَ والنسيانَ ومَا استُكرهوا عليه" (٣)، فهو مُغْنٍ [عن الاستدلال بهذا الحديث؛ فإنَّ فيه ضعْفًا "بَيَّنَه" (٤) بعضهم، لكنه رواه ابنُ ماجه وصححه ابنُ حبان والحاكمُ وقال: على شرط الشيخين. وصححه أيضًا عبد الحق وابنُ الصلاح. وإنما قُلنا: في الآية غِنًى] (٥)؛ لأنه في الآية الكريمة نَفَى الجناح (وهو الإثم) عن المُخطِئ والناسي في قوله: ﴿تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾، فَنَسَبَ التعمُّد للقلب، والناسي ليس مُتَعَمِّدًا بِقَلْبه. وأمَّا "المُكْرَه" فخارِج أيضًا بقوله: ﴿تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾؛ لأنَّ المُكْرَه تَعَمَّد بجوارحه الظاهرة دُون قَلْبه، كما قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]. وسيأتي بيانُ تكليف المكرَه وانقسامه إلى مُلْجَأٍ وغَيْره وما في ذلك مِن الخلاف. ودليله أيضًا حديثُ: "رُفِعَ القَلَم عن ثلاث: عن الصبي حتى يَبْلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، والمجنون حتى يفيق" (٦). رواه الأربعة مِن حديث علي، وقال الترمذي: (حسن)، وأخرجه ابن حبان والحاكمُ وقال: (صحيح على شرط الشيخين). وأخرجه البخاري موقوفًا مُعَلَّقًا بِالجَزْم، ورواه أبو داود والنسائي وابنُ ماجه وابنُ حبان مِن رواية عائشة

стр. 186

وقال الحاكم: (صحيح على شرط مسلم). وقال الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد في "الإمام": إنه أَقْوَى إسنادًا مِن رواية عَلِي. وفي التعبير بِالْـ "رَفْع" تأويلان: أحدهما: أنه على حقيقته في كَوْنه يستدعِي سَبْق وَضْعٍ، وهو في الصبي المُمَيِّز كذلك، فَقَدْ قال البيهقي: (إنَّ الأحكام إنما نِيطَت بِخَمْس عشرة سَنَة مِن عام الخندق، وإنما كانت قَبْل ذلك تتعلق بالتمييز). انتهى؛ ولذلك صَحَّ إسلام عَلِيٍّ ﵁ في الصِّبَا؛ لأنه قَبْل رَفْع القَلَم. وغلب في الباقي مَجَازًا. الثاني: أنَّ المرادَ بالرفعِ نَفْيُ وَضْعه أصلًا، كما أطْلق الإخراج في قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧] على عَدَم دخولهم في الظلمات بالكُلية، ولا خِلَاف في مَنعْ تكليف الغافل إلَّا ما خرج مِن مسألة التكليف بالمُحال كما أشار إليه البيضاوي حيث قال: (بِناءً على التكليف بالمحال) (١). أَيْ: فإنْ منعناه فَهُنَا أَوْلَى، وإنْ جَوَّزْنَاه فللأشعري قولان هنا نقلهما ابن التلمساني وغَيْرُه. نَعَم، في "الأوسط" لابن برهان عن الفقهاء (خِلَافًا للمتكلمين) أنه يصح تكليف الغافل - عَلَى معنى ثبوت الفعل في الذمة. قلتُ: وَيشْهَدُ له قولهم في المرتد إذَا جُنَّ: يَقْضِي العبادات الفائتة في زَمَنِ الجنون الواقع [في] (٢) الرِّدَّة. ولو قُلْنَا: القضاء بِأَمرٍ جديد، فسيأتي بيان المراد بذلك. وقولي: (خِطَابُهُ خِطَابُ وَضْعٍ) أَيْ: الغافل يتعلِّق به خطابُ الوضع مِن سببٍ وشَرْطٍ

стр. 187

ومانعٍ وصحةٍ وفسادٍ، كضمان مُتْلَف النائم ونحوه، ووضوء الصبي وصلاته وبطلانها بالنجاسة وصحة غَيْر ذلك مِن عباداته وفساده، وجريان الشروط والموانع فيها، ونحو ذلك مما هو منتشر معروف في الفقه. وقولي: (وَلَيْسَ سَكْرَانٌ عَلَى مِنْوَالِهِ) أَيْ: ليس السكران مِن أقسام الغافل فيما تَقَدَّم مِن عَدَم تكليفه. ومعنى "على منواله" أَيْ: مِثْله، والمنوال ما [يُنسَج] (١) عليه، فاستُعير هنا؛ للمماثلة، وهذا على المُرَجَّح؛ فَقَدْ نَصَّ عليه الشافعي في "الأُم" كما نقله الروياني في "البحر" في كتاب الصلاة، ونقله النووي في "التهذيب" عن الجويني والقاضي والبغوي، ونَقَله غَيْرُه عن فتاوى القفال. وإنما خرج عن الغافل بتكليفه؛ لأنه قد اجترأ على سبب السُّكْر الذي هو حرام حتى نَشَأَ عنه السُّكْرُ؛ فَنزل ذلك بالنسبة إلى ما يقع مِن أفعاله مَنْزِلَة الذي فَعَلها في حالة الصحة بالاختيار؛ تغليظًا عليه؛ لأنه تَعَاطَى السبب بالاختيار. وهو معنى قولي: (أَنْزَلَهُ)، أَيْ: أَنْزَل الشافعي ﵁ أفعال السكران مَنْزِلَة أفعال الصاحي؛ لِأَجْل تَعَاطيه السبب واجترائه على هذا المُحَرَّم الكبير الذي ينشأ عنه ما لا يتناهَى مِن المفاسد، فَصَيَّرَهُ كالمُخْتار في أفعاله كلها. وأمَّا ما وقع للنووي في "المنهاج" وغَيْره مِن استثناء السكران مِن المُكَلَّف في باب الطلاق وغَيْره (وَزَعَم في "الدقائق" أنه لا بُدَّ مِن استثنائه؛ [لأنه] (٢) يصح بَيْعُه وتصرفاته ويقع طلاقُه مع كَوْنه غَيْر مُكَلَّف) فاعتمادٌ مِنه عَلَى شمول الغافل له، وإطلاق الأصوليين أنَّ "الغافل" غَيْر مُكَلَّف، بل وصَرَّح به القاضي في "التقريب" فيه بخصوصه، وقال الغزالي:

стр. 188

(إنه أسوأ حالًا مِن النائم؛ لأنه لا يمكن تنبيهه) (١). لكنه (٢) قد حَكَى عن أئمة مذهبه في "تهذيب الأسماء واللغات" خِلَافه كما سبق، بل وصاحب المذهب قد نَصَّ عليه؛ فلا يُعْمَل بِغَيْرِه، فلا حاجة لاستثنائه مِن المكلَّف في باب مِن الأبواب. [ولا يُغتَر بمن قال: إنَّ نَصَّ الشافعي على تكليف السكران يؤخَذ منه أنه يرى بتكليف الغافلين كلهم. وفساد هذا ظاهرٌ لا يَخْفَى] (٣). نَعَم، [احتجوا على ذلك] (٤) بقوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: ٤٣]، فإنَّ المراد الطافح، بدليل: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾، فَقَدْ وُجِّه إليه النهي في حال سُكْره. ونُوزِعُوا في الاستدلال المذكور: - باحتمال أنْ يَكون ذلك مِن خطاب الوضع، بمعنى أنَّ صلاته في سُكْره ممتنعة، أَيْ: باطلة. - أو أنَّ المرادَ النهيُ عن السُّكْر عند إرادة الصلاة، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، وكما يقال: (لا تَمُتْ وأنت ظالم). أيْ: لا تَظْلم فيؤول بك الأمرُ إلى الموت في حال الظلم. - أو أنَّ المراد بالسُّكْر هنا أنْ يَكون ثمِلًا حاضرَ الوَعْي. وقد قال ابنُ الحاجب: إنَّ الآية

стр. 189

يجب تأويلها على أَحَد هذين الأخيرين. ولكن الكل ساقط: - أمَّا الأول: فلأنه لو كان مِن خطاب الوضع، لَمْ يَأْثَم، والفَرْض أنه آثِمٌ. - وأمَّا الثاني: فمثل ذلك مجازٌ لا يُعْدَل إليه إلَّا عند تَعَذُّر الحقيقة أو قيام دليلٍ على إرادته. ولا مانع مِن الحقيقة؛ فَوَجَبَ المصيرُ للحَمْل عليها. - وأمَّا الثالث: فلأنه يَلْزَم أنَّ مَن به مبادئ [النَّشَاة] (١) وله تمييزٌ، تَحْرُم عليه الصلاة. وهو باطلٌ، على أنَّ لفظ "الثَّمِل" ليس هو كما فَهِمَ مَن حَمَلَه على النشوان الذي فيه أوائل الطرب، فإنه خِلَاف قول أهل اللغة: إنَّ الثَّمل هو الطافح؛ ولذلك جاء في حديث حمزة في ذبح إبل علِيٍّ ﵄ قال: "وهل أنتم إلَّا عبيدٌ [لي] (٢) "، فَعَرف النبي ﷺ أنه ثَمِلٌ (٣). نَعَم، في تكليف السكران إشكال مِن حيث إنه يَلْزَم أنْ يَكون مُكَلَّفًا بالعبادات كلها ومنها الصلاة، ومكلَّفًا بأنْ لا يُصَلِّي؛ لهذه الآية، وَهُمَا متنافيان. قلتُ: ويمكن الجواب بأنه مَنْهِيٌّ عن قربان الصلاة وهو سكران، بل يزيل السُّكْر ويُصَلِّي، كما يُؤْمَر مَن هو مُحْدِث بإزالة الحَدَث ويُصَلِّي مع أنه مَنْهِيٌّ عن الصلاة حال حَدَثِه، فهو مَأْمُورٌ مَنْهِيٌّ باعتبارين. فإنْ كان إزالته ليست مقدورة له فهو معاقَب؛ تغليظًا عليه؛ لأنَّ التفريع على كَوْنه ليس غافِلًا وأنه يتعلق به الخطاب - غايتُه هنا أنْ يَكون مُكَلَّفًا بما لا يطيقه، فهو مِن جواز التكليف بالمُحَال، والله أعلم.

стр. 190

ص: ١٠٠ - وَالشَّرْطُ أَيضًا عَدَمُ الْإلْجَاءِ ... فَمُكْرَهٌ مكَلَّفٌ، "فَالْجَائِي" ١٠١ - فِي القَتْلِ مِنْ إثْمٍ وَمنْ قِصَاصِ ... لَيْسَ لإِيثَارٍ بِلَا اخْتِصَاصِ ١٠٢ - وَمَوْضِعُ الْإكْرَاهِ غَيْرُ مَا حُكِمْ ... بِكَوْنِهِ مَحَلَّ هَذَا الْمُنْحَتِمْ ١٠٣ - [لِأنَّهُ] (١) قَدْ صَرَّحَ الْأَصْحَابُ ... بِأنَّهُ يَعُمُّهُ الْخِطَابُ الشرح: هذا هو الشرط الرابع مِن شروط المكلَّف، وهو أنْ لا يَكون مُكْرَهًا بِإلجاءٍ. فالمُلْجَأُ إلى فِعل وهو لا يَجِد مندوحةً عنه مع حضور عَقْله (كَمَن أُلْقِيَ مِن شاهق، فهو كالآلة، أو كحركة المرتعش) يمْتَنع تكليفُه، قِيل: باتفاق. لكن الآمدي أشار إلى أنه يطرقه الخِلَاف من التكليف بالمُحَال؛ لِتَصَوُّر الابتلاء فيه، بِخِلَاف الغافل. نَعَم، عندنا وَجْهٌ في أنَّ الصائم إذَا أُوجر مُكْرَهًا، يفطر، لكن ليس لِكَوْنه مُكَلَّفًا، بل لأنَّ المُفَطِّر عنده ما يَصِل للجوف مُطْلَقًا، فيرجع لِخِطَاب الوَضْع، فلا [يُكَلَّف] (٢) بِفِعْلٍ المُلْجَأُ إليه (لأنه واجب الوقوع) ولا بِتَرْكه (لأنه ممتنع الوقوع). أمَّا المُكْرَه غَيْر المُلْجَأ فلا يمتنع تكليفه كما صرَّح به القاضي وإمام الحرمين والشيخ أبو إسحاق والغزالي وغيرهم، ومال إليه صاحب "المحصول" وأتباعُه. قال ابنُ التلمساني: وهو مذهب أصحابنا؛ لأنَّ الفعل مُمْكِن والفاعل متمكن. وكذلك ابنُ بَرهان. ومقابِلُهُ يُنقَل عن الحنفية، وربما نُقِل عن المعتزلة، لكن الأثبت في النقل عنهم - كما قال

стр. 191

ابنُ التلمساني - أنه يمتنع التكليف بفعل المُكْرَه عليه؛ لاشتراطهم كَوْن المأمور به بحيث يُثاب عليه، وهو لا يُثاب هنا؛ لأنه يأتي به لِدَاعِي الإكراه، لا لِدَاعِي الشرع، ولا يمتنع التكليف بِتَرْكه؛ فإنه إذَا تَرَك، كان أَبْلَغ في إجابة داعِي الشرع. وَرَدَّ عليهم القاضي بالإجماع على تحريم القتل المُكْرَه عليه. قال إمامُ الحرمين: (وهذه هفوة مِنه؛ لأنَّ مَحَلَّ النزاع في التكليف بِعَيْن المُكْرَه عليه، وتحريمُ القتلِ تكليفٌ بِتَرْكه) (١). وفيه نَظَرٌ؛ لأنَّ القاضي إنما رَدَّ عليهم بذلك لأنَّ القدرة عندهم شَرْط في التكليف، ولا يتحقق إلَّا بِأنْ يَقْدر على الشيء وضِده عندهم أيضًا، فتحريمُ القتل الذي أُكْرِهَ عليه دليلٌ على أنه قادر؛ فلا وَجْه لِمَنْعِهم التكليف بِعَيْن المُكْرَه عليه مُطْلَقًا. هذا كله معنى كلام ابن التلمساني. ووقع في "جمع الجوامع" اختيار امتناع تكليف المُكْرَه، فاحتاج أنْ يجيب عما جاء في المُكْرَه على قَتْل مُكافِئه مِن الإثم (أَيْ: وفي معناه وجوبُ القصاص عليه) بِأنَّ ذلك لِإيثاره بقاء نَفْسه بِذهاب مهجة غَيْره، كمن يقتل غَيْرَه في المخمصة لِيأكله مع كَوْنه مُحترمًا. وقرر ذلك بأنَّ مَحَلَّ الإكراه ليس هو محل التأثيم؛ لأنَّ محل التأثيم اختيارُ بقاء نَفْسه على بقاء نَفْس غَيْره مع عدم اختصاص نَفْسه في نَظَر الشرع. ومحل الإكراه (وهو أحد الاثنين منه ومن المقتول) لا تأثيم فيه. قال: (وهو نظير ما في الكفارة المخيرة أنَّ محل التخيير لا وجوب فيه، ومحل الوجوب لا تخيير فيه. أيْ: كما سيأتي بيانه) (٢).

стр. 192

قال: (وهو تحقيق حَسَن) (١). انتهى قلتُ: ويَشهد لِحُسْنه (على تقدير صحة ما فرّع عليه) أنَّ مَن أُكْرِه على طلاق إحدى امرأتيه فَطَلَّق مُعَيَّنة، يَقَع. وإنْ طَلَّق مُبْهَمة، لا يَقَع؛ لأنَّ طلاقه المُعَيَّنة ليس محل الإكراه، فهو اختيار. ولَمَّا كان هنا يَتَعَذَّر قَتْل أحدهما لا بِعَيْنه، لَمْ يتأت فيه صورة يظهر أثَرُ منع التكليف فيها. وإلى ذلك أشَرْتُ بِقَوْلي: (فَالْجَائِي فِي القَتْلِ) إلى آخِره، فنفيتُ أنْ يَكون ما ثَبتَ مِن الإثم والقصاص لِأَجْل الإيثار مع انتفاء التكليف، وأنَّ محل الإكراه غَيْر محل الإثم والقصاص، ثُمَّ ذَكَرْتُ مُسْتَنَد رَدِّ هذا كُله بأنه قد صَرَّح الأصحاب بأنَّ المُكْرَه مُكَلَّف؛ فلا يَرِد السؤالُ مِن أَصْله؛ فإنَّ القصاص والإثم حينئذ إنما هو لِكَونه مُكَلَّفًا، فيصح عَوْدُ الضمير في قولي: (يَعُمُّهُ الْخِطَابُ) على أَصْل المُكْرَه، وقد بَيَّنْتُ مَن قال [به] (٢). ويصح أنْ يُعَاد إلى أَقْرَب مَذْكور وهو المُكْرَه على القتل بخصوصه، فَقَدْ سَبق عن [القاضي] (٣) أنَّ عليه إجماع العلماء - على ما سبق مِن تفسيره وكلام إمام الحرمين وما فيه مِن النظَر. وفي "تلخيص" إمام الحرمين ما نَصُّه: (أَجْمَع العلماء قاطبة على تَوَجُّه النهي على المُكْرَه على القتل). قال: (وهذا عَيْن التكليف في حالِ الإكراه، وهو مما لا منجا منه) (٤). انتهى وقال الشيخ في "شرح اللمع": (انعقد الإجماع على أنَّ المُكْرَه على القتل مأمورٌ

стр. 193

باجتناب القتل ودَفْع المُكْرِه عن نَفْسه، وأنه آثِمٌ بِقَتْل مَن أُكْرِه على قَتْله) (١). وذلك يدل على أنه مُكَلَّفٌ حال الإكراه. وكذلك صَرَّح به الغزالي وغَيْرُه، واقتضى كلامهم تخصيص الخلاف بما إذَا وافق داعيةَ الشرع كالإكراه على قَتْل الكافر وإكراهه على الإسلام، أمَّا ما خالف فيه داعِيةُ الإكراه داعِيةَ الشرع (كالإكراه على القتل) فلا خِلَاف في جواز التكليف به. إذَا عَلِمْتَ ذلك، عَلِمْتَ سقوط السؤال مِن أصله والاستغناء عن الجواب. نَعَم، هذا كُله كلام الأصوليين، أمَّا الفقهاء فاضطرب جوابهم في المُكْرَه في مسائل بِحَسب الأدلة. فَمَرَّة قطعوا بما يناسب عدم تكليفه، كقَطْعهم بأنه لا يصح مِن المكرَه عَقْدٌ ولا حلٌّ في بيعٍ ولا طلاقٍ ولا عتقٍ، إلى غَيْر ذلك من المنجزات، وكذلك التلفظ بكلمة الكفر والقلب مطمئن بالإيمان، وكذلك إباحة شرب الخمر والإفطار وإتلاف المال ونحو ذلك، لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦]، ولِمَا سبق مِن حديث: "وما استكرهوا عليه"، [وأنه] (٢) يُغْنِي عنه قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]. ومَرَّة قطعوا بما يوافق تكليفه، وذلك فيما إذَا كان الإكراه بِحَقٍّ، كإكراه الحَرْبي والمُرْتَد على الإسلام، وإكراه الإمامِ بَعْضَ المكلَّفين بِفَرْض الكفاية، وإكراه القاضي المَدْيون على الوفاء عند القدرة، ونحو ذلك. ومَرَّة رَجَّحوا إسقاط أَثَر الإكراه على وَفْق منع تكليفه، كما لو أُكْرِه الصائم على أنْ

стр. 194

يَأكُل، والصائمة على أنْ تُمَكِّن مِن الوطء، فأصَح القولين: لا يفطران بذلك. وكما لو أُكْرِه مَن حَلف على دخول دارٍ ونحوه على فِعْل المحلوف عليه، فالأصح: لا يحنث لا في يمين ولا في طلاق ولا عتاق. ومرة رجحوا عدم سقوط أثره؛ موافقة لِكَوْنه مُكَلَّفًا، كالمسألة السابقة وهي الإكراه على القتل، فيأثم ويجب القصاص - على المُرَجَّح. نَعَم، لك أنْ تَعُدَّه مِن القِسم الأول على ما سبق من حكاية الإجماع على أنه مُكَلَّف، ويَكون منشأ الخلاف في القصاص إنما هو مِن حيث إنَّ الشُّبهة تُسْقِط القصاص، فهل هذا شُبْهة فَتُسْقِطه؟ أَوْ لَا؟ ومِن القِسم الرابع أيضًا ما لو أُكْرِه على الزنا (إذَا قُلنا: يُتَصَوَّر)، فإنه لا حَد (على الأصح)، والله أعلم. ص: ١٠٤ - وَفَاقِدُ الشَّرْطِ الَّذِي قَدْ شُرِعَا ... مُخَاطَبٌ بِمَا لَهُ قَدْ وُضِعَا ١٠٥ - وَفَرْضُهَا في كَافِرٍ قَدْ خُوطِبَا ... بِمَا إلَى فُرُوعِ شَرْعٍ نُسِبَا ١٠٦ - فَجَائِزٌ وَوَاقِعٌ بِالْأَمْرِ ... وَالنَّهْيِ، بَلْ وَفي جِهَادٍ يَجْرِي ١٠٧ - وَيَسْتَوِي الْمُرْتَدُّ وَالْأَصْلِيُّ ... لَكِنَّ ذَا في فَائِتٍ مَرْعِيٌّ ١٠٨ - بِنَفْيِ أَنْ يَقْضِيَهُ إنْ أَسْلَمَا ... فَيَغْفِرُ اللهُ لَهُ مَا قَدَّمَا الشرح: لَمَّا أَنْهَيْتُ الكلام على شروط المكلَّف (على المعتمَد) بِوِفاقٍ أو خِلَافٍ، ذَكَرْتُ بَعْده ما اشتُرِطَ فيه عَلَى رأيٍ ضعيف. فَمِن ذلك: أنَّ حصول الشرط الشرعي هل يُشْتَرَط في تَعَلُّق الخطاب بالمشروط

стр. 195

(كالكافر يخاطَب بالصلاة حال كُفْره، والمُحْدِث حال حَدَثه)؟ أَوْ لَا؟ أمَّا الشرط العقلي فلا بُدَّ منه كما سبق في تكليف الغافل. وهذه القاعدة وإنْ كانت كُلية لكنها مفروضة في تَعلُّق الخطاب بالكافر في فروع الإيمان، أَيْ: أفعال العباد المتوقِّفة على الإيمان. أَمَّا الإيمان فمكلَّفون به اتفاقًا، والمراد به العقائد الأوائل، أَيْ: التي لا تتوقف على سَبْق شَيء. ويلْحَق بها - كما قاله القاضي - تصديقُ الرُّسُل والكَفُّ عن أذاهم بِقَتْل أو قتال أو غير ذلك وإنْ كان ذلك مِن الفروع. نَعَم، حكَى [المازري] (١) عن بعض المبتدعة أنَّ الكفار غَيْر مخاطَبين بهذه المعارف، فمنهم مَن قال: لأنها ضرورية. ومنهم مَن رآها كَسْبِيَّة بِطَريق العقل وَنَظَرِه (٢). وتَرَدَّد بعضُ المتأخِّرين في كَلِمَتَي الشهادة: هل هي مِن الفروع؛ فَيَجْري فيها الخلاف الآتي؟ أَوْ لا، بل هُم مُكَلَّفون بها قَطْعًا؟ والذي ينبغي القَطْعُ بالثاني وإنْ كان الإيمان هو التصديق؛ لأنها شعاره وبها يُتَحَقَّق حصوله؛ فإذَن المراد بالفروع ما سِوَى ذلك مِن صلاة وزكاة وصوم وحج وغَيْر ذلك. وقولي: (مُخَاطَبٌ بِمَا لَهُ قَدْ وُضِعَا) أَيْ: بالشروط، والتعبير بالخطاب أَصْوب مِن التعبير بالتكليف؛ لأنَّ الخطاب الوضعي مُتَعَلِّق بهم اتفاقًا كما سيأتي، وكذا "المباح" ونحوه مما لا يُعَد مِن التكليف؛ لأنه إلزام ما فيه كلفة، لا طَلبُه، خِلَافًا للقاضي كما سبق. قال الشيخ تقي الدين السبكي: (إلَّا أنْ يُقال: إنَّ إقدامهم على المباح غَيْر مستندين فيه إلى الشرع الذي يجب عليهم اتِّبَاعه - حرامٌ؛ للإجماع على مَنعْ الإقدام على فِعْل حتى يَعْلَمُوا

стр. 196

حُكْمه، فإنْ صَحَّ، فَهُم آثمون على جُملة أفعالهم، وهذا عامٌّ في الكِتَابِيِّين وغَيْرهم. وهو مما لَمْ أَرَهُ لِغَيْري، وفيه عندي تَوَقُّف) (١). انتهى وبالجُملة فَفِي المسألة مذاهب: أَصَحُّها أنَّ الكفار مخاطَبون بِفروع الشرع مُطْلَقًا، وهو معنى قولي: (فَجَائِزٌ وَوَاقِعٌ)؛ وذلك لِوُرُود الآيات الشاملة لهم، نحو: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١]، ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا﴾ [الحج: ١]، ﴿يَاعِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ [الزمر: ١٦]، ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]، وغير ذلك مما لا ينحصر. والكُفر غَيْر مانع؛ لإمكان إزالته، كالأمر بالكتابة والقَلَم حاضر يمكنه تناوله. وأيضًا فَقَدْ وَرَد الوعيد على ذلك أو ما يتضمنه، نحو: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢] الآية، وذم قوم شعيب بِنقص المكيال، وقوم لوط بإتيان الذكور، وقوم هود بشدة البطش، مع ذَم الكل بالكُفر، وقد قال تعالى بَعْد ذِكْر قَتْل النفس والزنا: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨]. وأَوضح مِن ذلك: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ [النحل: ٨٨]، أَيْ: فوق عذاب الكُفر، وذلك إنما هو على بقية عبادات الشرع. وهذا القول نَصَّ عليه الشافعي في مواضع مِن "الأُم"، فقال في باب "حَجِّ الصبي يَبْلُغ والمملوك يُعْتَق والذِّمِّي يُسْلِم" فيما إذَا أَهَلَّ كافرٌ بِحجٍّ (٢)، ثُمَّ أَسْلَم قَبْل عرفة، فَجَدَّد

стр. 197

إحرامًا وأراق دَمًا لِتَرْك الميقات: أَجْزَأَتْه عن حجة الإسلام؛ لأنه لا يَكون مُفْسِدًا في حال الشرك، لأنه كان مُحْرِمًا. قال: (فإنْ قال قائل: فَإذَنْ [زَعَمْتَ أنه] (١) كان في إحرامه غَيْر مُحْرم أو كان الفَرْضُ عنه موضوعًا. قِيلَ: لا، بل كان عليه وعلى كُل واحدٍ أنْ يُؤمِن بالله ويؤدي الفرائض التي أنزلها الله ﵎، غَيْر أنَّ السُّنة تدلُّ - وما لَمْ أَعْلَم اختلفوا فيه - أنَّ كل كافر أَسْلَم أثبت الفرائض مِن يوم أَسْلَم، ولَمْ يُؤمَر بإعادة ما فَرَّط فيه في الشِّرك منها، وأنَّ الإسلام يَهْدم ما قَبْله إذَا أَسْلَم ثم استقام) (٢). انتهى وَجَرَى على ذلك أكثر أصحابه كما قاله القاضي أبو الطيب والماوردي وسليم الرازي والشيخ أبو إسحاق والحليمي، وقال إمام الحرمين: إنه ظاهر مذهب الشافعي. وفي "المحصول" أنه قول أكثر أصحابنا وأكثر المعتزلة. فما في "منهاج" البيضاوي من نِسْبَة مُقابِلِه للمعتزلة ليس بجيد (٣). وقال القاضي عبد الوهاب وأبو الوليد الباجي: إنه ظاهر مذهب مالك. وهو أصح الروايتين عن أحمد، وحُكي عن الكرخي والجصاص من الحنفية. والقول الثاني: المنع مطلقًا. وهو قول جمهور الحنفية وعبد الجبار من المعتزلة، ووافقهم

стр. 198

مِن أصحابنا أبو حامد الأَسفراييني، خِلافًا لما وقع في "المنتخب" أنه أبو إسحاق؛ فإنَّ الرافعي نقل عن أبي إسحاق الأَسفرايِيني أول كتاب الجراح أنهم مُكلَّفون، ثُم إنَّ الذي في "تعليقة" أبي حامد أنهم غير مكلَّفين، وحكاه قَوْلًا للشافعي. وقال ابن كجّ في كتابه في الأصول: إنه ظاهر كلام الشافعي وإنْ كان الصحيح مِن مذهبه الأول. وقال الأَبْيَاري: (إنه ظاهر مذهب مالك) (١). وهو خلاف ما سبق نَقْلُه عنه. نَعَم، اختاره مِن أصحابه أبو عبد الله محمد بن أحمد بن خُويز منداد البصري، وقال في كتابه "الجامع": (إنه الذي يأتي عليه مسائل مالك أنه لا ينفذ طلاقُهم ولا أيمانهم، ولا يجري عليهم حُكم مِن الأحكام، وأنَّ قَطْعهم في السرقة وقَتْلهم في المحاربة مِن باب الدَّفْع، فهو تعزيرٌ لَا حَد). انتهى قال ابن القشيري: والقائلون بأنهم غير مخاطبين انقسموا، فمنهم مَن قال: مستحيل عقلًا. ومنهم مَن قال: شرعًا. ومعنى ذلك أنَّ المكلَّف بما هو مشروط بِشَرْطٍ مع نَهْيه عن إيقاعه في حالة عدم الشرط - يصير مُكَلَّفًا بأنْ يَفعل وأنْ لا يَفعل، وهو مُحَال عقلًا. والقائل بالمنع الشرعي يقول: إنهم لَمَّا لَمْ يجبروا عليها وإذَا أسلموا فلا شيء عليهم فيما مَضَى، فلا تكليف شرعًا. وجوابهما ظاهر: أما الأول: فلأنه ما كُلِّف أنْ يَفعله بلا شَرط، بل يُوقع الشرط ثُم المشروط، وسيأتي فيه تحقيق مِن كلام إمام الحرمين وغَيْره. وأما الثاني: فجوابه أنَّ عدم قضائهم تخفيف كما سيأتي.

стр. 199

الثالث (١): أنهم مكلَّفون بالنواهي دُون الأوامر؛ لأن الكَف ممكِن حالة الكفر، بخلاف فِعل الطاعات. وأيضًا فإنهم معاقَبون على ترك الإيمان بالقتل والسبي وأخذ الجزية والحد في الزنا والقذف وقطع السرقة، ولا يؤمَر بقضاء شيء من العبادات. ونقل صاحب "اللباب" (مِن الحنفية) هذا القول عن أبي حنيفة وعامة أصحابه، وحكاه المرتضى في كتاب "الذريعة" عن بعض أصحاب الشافعي؛ فصارت هذه الأقوال الثلاثة وُجُوهًا في مذهب الشافعي، وكذلك حكاها النووي في "التحقيق"، وقد سبق حكاية الأستاذ وابن كج القولين الأولين عن الشافعي. نَعَم، قطع بعضهم بأنهم مُكَلَّفون بِالمناهِي، وأنَّ الخلاف إنما هو في الأوامر، وجَرَى عليه الأستاذ أبو إسحاق الأسفراييني في أصوله، فقال: لا خِلَاف بين المسلمين أنَّ خطاب الزواجر من الزنا والقذف [مُتَوَجه] (٢) عليهم كالمسلمين. قال الشيخ تقي الدين: وهي طريقة جيدة. قلتُ: وهي قضية بناء المسألة على الأصل السابق؛ لأنَّ اجتناب المناهِي لا يتوقف على الإيمان، فليس شرطًا فيه. واعْلَم أنَّ ابن المرحل في كتاب "الأشباه والنظائر" قد انعكس عليه هذا المذهب؛ فَحَكَى أنهم مخاطَبون بالأوامر دون النواهي. ويَرُدُّه حكاية الأستاذ الإجماع كما سبق. الرابع: تَعَلُّق الخطاب بالمرتد دُون الأصلي. حكاه القاضي عبد الوهاب في "الملخص"

стр. 200

و [الطرْطُوشي] (١) في "العُمَد"، وربما يُفْهم هذا مِن [كلام] (٢) الفقهاء كالشيخ [في "التنبيه"] (٣) وغَيْره في كتاب الصلاة وغيرها: أنَّ الكافر إنْ كان أصليًّا، لَمْ تجب عليه، أو مرتدًّا فَلَا، إلَّا أنْ يُؤَوَّل ذلك بالإجبار على الفعل كما سيأتي. نَعَم هو مُقْتَضَى ما في "المحصول" إلَّا أنَّه عَلَّلَه بأنَّ أحكام الإِسلام منسحبة على المرتد اتفاقًا؛ فاقتَضَى أنَّ ذلك تنقيحٌ لِمَحَل الخلاف، لا مذهبٌ مُفَصل. لكن الأوّل أَظْهَر؛ فَقَدْ نَقَل الأصحاب عن الحنفية أنَّ الرِّدَّة تُسقط الأعمال السابقة، و [تمنع] (٤) الوجوب في الحال، حتى قالوا: إنَّ المرتد لا يقضي صلاته أيام رِدَّته، فكيف يسوغ حكاية الإجماع؟ الخامس: تكليفهم بما عدَا الجهاد، وهو ما لَوَّحْتُ به في النَّظْم قَبل التلويح بالذي قَبْله. وقال القرافي: (إنَّ هذا المذهب مَرَّ بي في بعض الكتب التي لا أستحضرها الآن) (٥). قِيل: قد صرح به إمام الحرمين في "النهاية"، فقال: والذِّمِّي ليس مخاطَبًا بقتال الكفار. كذلك الرافعي في كتاب "السير" إذْ قال: (والذمي ليس مِن أَهْل فَرْض الجهاد؛ ولهذا إذا استأجره الإمام على الجهاد، لا يبلغ به سَهْم راجِل - على أحد الوجهين - كالصبي والمرأة) (٦). نَعَم، يجوز للإمام استئجاره عَلَيْه - في الأصح، وهذا يدل على أنه غَيْر فَرْض عليه وإلَّا

стр. 201

لَمَا جاز كما لا يجوز استئجار المسلم. فإنْ قِيل: يحتمل أنَّ صحة استئجار الذمي إنما هو لِكَوْنه لا يُجْبَر على العبادات في الدنيا، بل يعاقَب عليها في الآخرة. قلتُ: لكنه إذَا وقع، لا يقع إلا عن نفسه؛ لِكَوْنه واجبًا عليه وإنْ لَمْ يُجْبَر عليه، كالمستأجر للحج تلك السَّنَة وعليه فرضُه، وكَمْ ممن لا يُجْبَر على الشيء وإذَا وَقَع لا يَقَع إلا واجبًا مُسْقِطًا لِفَرْضه، كَغَيْر المستطِيع في الحج إذا تَكَلَّف وحَجَّ، والأَعْمَى إذَا لم يجد قائدًا في الجمعة وتكلَّف وحَضَر. [فإنْ قِيل: هذا في الذمي، والتعليل موافق له، والذي حكاه القرافي - مِن التفصيل - في مُطْلَق الكافر. قِيل: إذَا ثَبتَ في بَعْض الكفرة التفصيل، صَدق أنه فُصِل في كافرٍ بَيْن الجهاد وغَيْره وإنْ لَمْ يَكُن في الكل؛ فَقَدْ غَايَر بقية الأقوال على كل حال] (١). والسادس: الوقف؛ لِتَعَارُض الأدلة. حكاه سليم في ["التقريب"] (٢) عن بعض الأشاعرة، وأبو حامد الأسفراييني عن الأشعري نفسه. وفي "المدارك" لإمام الحرمين: يُعْزَى للشافعي ترديدُ القول في خطاب الكفار بالفروع، ونَصُّه في "الرسالة" أنهم مخاطَبون بها. فيحتمل أنه أشار بالترديد إلى الوقف، ويحتمل أنه أشار إلى أنَّ له قولين، وقد سبق نقلهما عنه.

стр. 202

تنبيهات الأول: ما سبق مِن تصدير المسألة بأنَّ حصول الشرط الشرعي ليس شرطًا في التكليف وأنه مفروض في خطاب الكفار بالفروع - مُشْكل مِن وجوه: أحدها: إنْ كان فرضها في الكافر (حيث فُقدَ شَرْط الإيمان) لِأَمْر يخص هذا الشرط، فينبغي أنْ يُذكر وَجْه الخصوص فيه، ويُجْعَل محل النزاع، ولا يُطْلق الشرط الشرعي. وإنْ كان لِكَوْنه شرطًا شرعيًّا ليس إلَّا، فَلِمَ فُرِضَت في الكافر فقط؟ ولذلك جعل الآمدي مسألة الكافر مثالًا للقاعدة، لا فَرْضًا فيها كما فَعَل ابن الحاجب، واقتضى كلامُه أنَّ المُحْدِث متفق عليه، ولكن قد طرد أبو هاشم اعتبار حصول الشرط في المحدث، فالتزم أنَّه غير مخاطَب بالصلاة ولو في سائر دهره. ووافقه ابن خويز منداد وعزاه لمالك مِن حيث إنه قال في الحائض: إذا طهرت قَبْل الغروب، لا يَلْزَمُها صلاة العصر حتى يبقى مِن الوقت قَدْر ما تغتسل فيه، وتَفْرغ مِن الأمر اللازم، وتُدْرِك ركعتين. قال: فوقف تَعَلُّق الوجوب بها على حصول الطهارة. قلت: وقد يُمنع ذلك، [فإنه] (١) لم يوقفه إلا على زمن إمكان الطهارة، لا على نفس الطهارة، وهو أحد الأقوال عند الشافعي. وبالجملة فَمَن حَكَى الإجماع - كالصفي الهندي وغيره -[على تكليف المُحْدِث بالصلاة] (٢) لم يَلْتفت إلى هذا الخلاف، أو أَوَّلَه كما أشار إليه إمام الحرمين في إزالة الإشكال

стр. 203

عن المسألة، حيث [قال] (١): التحقيق أنَّ الكافر يستحيل أنْ يخاطَب بإنشاء فرع على الصحة وكذا كل ما يقع آخِرًا مِن العقائد في حق مَن لا يصح عَقْده في الأوائل، وكذا المحدِث يستحيل أنْ يخاطَب بإنشاء الصلاة الصحيحة مع بَقاء الحدَث، ولكن هؤلاء مخاطَبون بالتوصل إلى ما يقع آخِرًا، ولا يتنجز الأمرُ عليهم بإيقاع المشروط قبل وجود الشرط. قال: ولكن إذا مضى من الزمان ما يَسَع الشرط والمشروط والأوائل والأواخر، فلا يمتَنَع أنْ يُعاقَب الممتَنِعُ على حُكم التكليف معاقبة مَن يخالف أَمْرًا تَوَجَّه عليه ناجِزًا. ومَن جَوَّز تنجيز الخطاب بإيقاع المشروط قبل وقوع الشرط، فَقَدْ [سَوَّغ] (٢) تكليف ما لا يطاق. ثم قال: (فإنْ أراد أبو هاشم ذلك، فَحَقٌّ لا خفاء به. وإنْ أراد أنه لا يعاقَب على تَرْك الصلاة مَثَلًا بِتَرْكه التوصل إليها، فَخَرْقٌ للإجماع) (٣). انتهى وجَرَى على هذا التقرير إلْكِيَا الطبريُّ وابن بَرْهان، وبه يَزُول الإشكال عن ابن خويز منداد وغيره، وغايته أنَّ الأصحاب يقولون: المعاقَبة بِتَرْك الفعل. وهو يقول: بِتَرْك التوصل إليه. وهو خُلف لفظي. فإذا مَضَى الزمانُ الأول، يَعْصِي عند الإمام بالكُفر، وعندهم به وبالفروع؛ لأنه يقول: لو أَثِمَ بالفروع - والفرضُ أنها غير مُمْكِنة - كان تكليفًا بما لا يطاق. وثانيها: أنَّ الحائض والنفساء فاقدتان للشرط الشرعي وهو الطهارة، ولا يكلَّفان بالصلاة اتفاقًا، حتى إنَّ بعضهم استثنى ذلك مِن القاعدة. قلتُ: إنْ أُريدَ بالطهارة زوالُ الحيض والنفاس، فليس مقدورًا لهما، والكلام في الشرط

стр. 204

المقدور. وإنْ أريد [التطهير] (١) بعد الانقطاع، فهي المسألة بعينها التي فيها كلام أبي هاشم والإمام. وثالثها: مقتضَى تفريع المسألة على هذه القاعدة أنَّ خطاب الوضع لا خلاف في تَعَلُّقه بهم؛ لأنَّ الإِسلام ليس شرطًا فيه، وستأتي المسألة مبسوطة. الثاني: إذَا جَرَيْنا على ما قاله الإمام: إنَّ المكلَّف به التوصلُ، استقام ما يتكرر في الفقه كما سبق أنَّ الكافر في الصلاة والصيام والزكاة والحج إنْ كان أصليًّا، لَمْ يجب عليه، أو مرتدًّا، وَجب. قلتُ: لكن المرتد في هذا المعنى كالأصلي، فما وَجْه الفَرْق؟ نَعَم، هو ينفع في الجمع بين قولهم في الأُصُول: (إنه مكلَّف)، وفي الفقه: (إنه غير مكلَّف)، وهو أَحْسن مِن جَمْع الإمام الرازي والنووي وغيرهما بأنَّ مُرادَ الفقهاء عدمُ المطالبة بها في الدنيا، ومُرادَ الأصوليين العقابُ عليها في الآخرة، وهو يَقتضي أنْ لا فائدة على القول بتكليفهم إلا مضاعفة العذاب في الآخرة، وقد صرح بذلك الشيخ أبو حامد الأسفراييني، والشيخُ في "شرح اللمع"، وإمامُ الحرمين في كتاب السير من "النهاية"، ووالدُه في "الفروق"، والقاضي عبد الوهاب في "الملخص"، والإمامُ الرازي في "المحصول"، وغيرهم. ولكن قد ذكر له فوائد كثيرة: منها: [تيسير] (٢) الإِسلام؛ فإنَّه إذَا عَلِم أنَّه مخاطبٌ وهو مُنشرح النفس بفعل الخيرات، كان سببًا في تيسير إسلامه. ومنها: إذَا غنم الكفار مال المسلم، لا يملكونه، خلافًا لأبي حنيفة.

стр. 205

ومنها: إحباط العمل بالرِّدة. ومنها: إذَا أَسْلم، هل يُصَلِّي على قبر مَن مات مِن المسلمين في كُفره (١) (إذَا قُلنا: لا يُصلِّي عليه إلا مَن كان مِن أَهْل الفَرْض)؟ قاله القاضي مُجَلِّي في "الذخائر"، قال: وكذا صحة نذر الكافر. لكن قضية قوله أنْ يصح نذره، ولكن الأصح المنع. ومنها: إيجاب الضمان على الحربي كما قاله الأستاذ، وسيأتي. ومنها: لو مَرَّ الكافر بالميقات وهو مريد للنسك فجاوزه ثمَّ أسلم وأَحْرم ولم يَعُد إليه، عليه دم. وقال أبو حنيفة والمزني: لا دم عليه. ومنها تحريم نظر الذِّمِّيَّة إلى المسلمة (على الأصح). وغير ذلك مما يَطُول ذِكره [وإنْ كان في بعضه نَظَر] (٢). الثالث: هذه المسألة مِن فروع الفقه، وإنما تُذكر في الأصول لتمهيد أصل، وهو أنَّ الإمكان في الفعل هل يشترط أنْ يكون ناجزًا مع الخطاب؟ أَوْ لَا؟ واختُلف أيضًا: هل هي مِن المسائل القطعية؟ أو الظنية؟ قال الإمامُ بالأول وإنْ كان القاضي أبو بكر قائلًا بالثاني. وقولي: (لَكِنَّ ذَا في فَائِتٍ مَرْعِيُّ) الإشارة إلى الكافر الأصلي، أَيْ: إنه مخالف للمرتد برعايته إذا أسلم لا يقضي ما فات في زمن الكفر مِن صلاة وصيام وزكاة ونحوها؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]، وحديث: "الإِسلام يَجُبُّ ما قَبْله" (٣).

стр. 206

وأيضًا فلو أُلْزِم بذلك، لَشَقَّ عليه ذلك وكان تنفيرًا له [عن] (١) الإسلام. والله أعلم. ص: ١٠٩ - أَمَّا تَعَلُّقُ الْخِطَابِ الْوَضْعِي ... بِكَافِرٍ فَبِاتِّفاقِ الْجَمْعِ ١١٠ - [إلَّا] (٢) الَّذِي لَمْ يَلْتَزِمْ أَحْكَامَنَا ... فَإنَّهُ في الشَّرْعِ لَيْسَ ضامِنَا ١١١ - لَكِنَّ مَا يَعُودُ لِلتَّكْلِيفِ ... فَإنَّهُ بِالْخُلْفِ وَالتَّزْيِيفِ ١١٢ - كَحُرْمَةِ الَّتِي لَهَا قَدْ طَلَّقَا ... فَإنَّهُ بِفِعْلِهِ تَعَلَّقَا الشرح: لَمَّا أَطْلَقتُ فيما سبق أنَّ الكافر مخاطَب بالفروع وكان ذلك شاملًا لخطاب التكليف والوضع، بَيَّنْتُ هنا ما قاله الشيخ تقي الدين السبكي: (إن الوضعي باتفاق) (٣)، [وأنَّ] (٤) الخلاف الذي أومأنا إليه في النَّظْم وبسطناه في الشرح إنما هو في التكليفي. فَمِنَ الوضعي: كَوْنُ إتلافهم سببًا في ضمانهم، وكذا جناياتهم، بل هُم أَوْلى مِن الصبي بذلك، واشتراطُ الشروط في معاملاتهم والموانع كذلك، والحكم بصحتها وفسادها وتَرَتُّب آثار كُلٍّ عليه مِن بيع ونكاح وطلاق وغيرها. قال: والخلاف في مثل ذلك لا وَجْه له، ويَشهدُ له أنَّ أبا حنيفة قال بصحة أنكحتهم مع قوله بِعَدَم تكليفهم بالفروع.

стр. 207

قال: ولا يخرج مِن هذا إلا ما كان مِن خطاب الوضع راجعًا إلى خطاب التكليف، كَكَوْن الطلاق تحرم به الزوجة عليه، فإنَّ مِثل هذا يجري فيه الخلاف السابق، ويكون التعلق أرجح، ومُقابِلُه مُزَيَّفٌ. وهو معنى قولي: (بِالْخُلْفِ وَالتَّزْيِيفِ). والباء للمصاحبة، فإنه مُصاحب لجريان الخلاف فيه ولتزييف ما سِوى الراجح في خطاب التكليف. هذا معنى كلام الشيخ، ولكن مراده بالكافر هنا الملتزم لأحكام شَرْعنا، كالذمي ونحوه إذَا كان ذلك في ضمان ونحوه، لا في الصحة ونحوها، لا مَن لم يَلتزم، كالحربي؛ فلذلك بَيَّنْتُه في النَّظم باستثناء ذلك. نَعَم، اعتُرض على الشيخ في دعوى الإجماع في نحو الإتلاف والجنايات: ١ - بأنَّ الخلاف فيها موجود؛ فَقَدْ حكى الرافعي عن الأستاذ أبي إسحاق أنَّ الحربي إذَا قَتل مُسلمًا أو أَتْلَف عليه مالًا ثم أَسْلم، يجب الضمان إذَا قُلْنا: مخاطَبون بالفروع. وحكاه العباديُّ عنه في طبقاته فيما إذَا صار ذميًّا وإنْ كان الجمهور قائلين بعدم الضمان. و[كذا] (١) نقلوا وجهين فيما لو دخل الكافر الحرم وقتل صيدًا، هل يضمنه؟ أصحهما نعم. قال صاحب "الوافي": وهما شبيهان بالوجهين في تمكينه من اللبث في المسجد إذا كان جُنبًا، أَيْ نظرًا لعقيدته. بل قال إمام الحرمين في "الأساليب" في كتاب السِّيَر: إنَّ الكفار إذا استولوا على مال المسلمين، فلا حُكم لاستيلائهم، وأعيانُ الأموال لأربابها. قال: وبَنى بعضهم المسألة على الخلاف في تكليفهم بالفروع وقال: وهُم مَنْهِيُّون عن استيلائهم. ٢ - وقول الشيخ: (إنَّ ثبوته في حقهم أَوْلى مِن ثبوته في حق الصبي) ممنوع؛ لانسحاب

стр. 208

حُكم الإِسلام على الصبي، بِخِلَافِهم. قُلتُ: لا يَرِد شيءٌ مِن ذلك على الشيخ؛ لأنَّ سقوط الضمان عند الجمهور في الصورة المذكورة في الحربي إنما هو لِكَوْنه غير مُلْتَزِم، وقد قررنا أنَّ مُرادَه المُلْتَزِمُ؛ إذْ لا يُظَن بالشيخ القول بتضمينه في حال الحرابة، [بل] (١) ولا موافقة الوجه الضعيف فيما إذَا أَسْلم أو عُقدت له ذِمَّة. فما ذُكر في غير الملتزم لا يطابق ما حكاه مِن الاتفاق، فلم يبق فيه إلا قول مَن قال: (يخرج على الخلاف في تكليفهم)، وليس فيه ما يَدْفع حكاية الإجماع على التعلُّق. ومنازعته في أنهم أَوْلى مِن الصبي ممنوعة؛ لأنَّ انسحاب حُكم الإِسلام لا يقتضي الضمان مع رفع القلم إلا مِن حيث خطاب الوضع، وأيضًا فالصغير لا يختص بالمسلم، وكذا المجنون. فَمِن أَجْل ذلك جَرَيْتُ عَلَى ما قاله الشيخ في النَّظْم؛ لِحُسْنه، وزدته بيانًا باستثناء غير الملتزم؛ لأنَّ عدم تضمينه إنما هو لِمانع، وهو عدم الالتزام، لا لِكَوْنه كافرًا. وكذلك لا يَقدح في تَعلُّق الخطاب بهم تصحيحُ أنكحتهم مع عدم وقوعها على أوضاع الصحيح في الشرع؛ لأنَّ ذلك مِن باب التخفيف والعفو؛ حتى لا ينفروا من الإِسلام إذَا عَلِموا أنَّه يُفَرق بينهما بمقتضَى ذلك - كما أَوْضَحَه الماوردي وغيره، والله تعالى أعلم. ص: ١١٣ - وَالِاقْتِضَاءُ إنْ يَكُنْ لِفِعْلِ ... جَزْمًا، فَإيجَابٌ لَهُ بِالْأَصْلِ ١١٤ - وَدُونَ جَزْمٍ نَدْبُهُ، وَإنْ يَكُنْ ... لِلتَّرْكِ جَزْمًا، فَهْوَ تَحْرِيمٌ، فَصُنْ ١١٥ - أَوْ دُونَهُ لَكِن بِنَهْيٍ يُقْصَدُ ... فَهْوَ كَرَاهَةٌ، وَقَدْ يُقَيَّدُ

стр. 209

١١٦ - بِنِسْبَةِ التَّحْرِيمِ أَوْ يُطْلَقُ لَهْ ... تَحَاشِيًا مِنْ لَفْظَةٍ مُسْتَثْقَلَهْ ١١٧ - وَإنْ يَكُنْ في ضِمْنِ أَمْرٍ يُولَى ... فَالْمَنْعُ مِنْ شَيْءٍ خِلَافِ (١) الْأَوْلَى ١١٨ - وَمَا انْتَفَى اقْتِضَاؤُهُ وَخَيَّرَا ... فَهْوَ إبَاحَةٌ لِمَنْ قَدْ خُيِّرَا الشرح: هذا راجع إلى تقسيم الخطاب (في تعريف الحكم) إلى اقتضاء وتخيير، فهو بيان لِمَا دخل تحت الاقتضاء والتخيير من الأقسام مُفَصَّلًا. والفاعل في الاقتضاء هو الحاكم، وهو الله تعالى، فهو أحسن من قول البيضاوي: (الخطاب إنِ اقتضى الفعل) (٢) إلى آخِره؛ لأنَّ إسناد الاقتضاء إلى الخطاب مجازٌ؛ فإنَّ المُقْتَضِي للشيء (أَيْ: الطالب له حقيقة) إنما هو المُخاطِب، لا الخطاب، ولكنه مجاز شائع، وربما يقع في هذا النَّظْم استعمالُه أيضًا، كما في قولي في حد الحكم: (اقْتَضَى أَوْ خَيَّرَا)، وقولي هنا بعد ذلك: (وَمَا انْتَفَى اقْتِضَاؤُهُ وَخَيَّرَا). على أنه قد سبق احتمال أنْ يُعاد الضمير إلى الله تعالى في قولي: (خِطَابُ اللهِ) وأنه الأحسن؛ فينبغي أنْ يَكون في قَوْلي: (اقْتِضَاؤُهُ وَخَيَّرَا) كذلك. فالاقتضاء إمَّا لِفِعل أو لِتَرْك: - فإنْ كان لِفعل (والمرادُ به الوجودي، لِمقابَلَته بالترك، وإلا فَـ "التَّرْك" كَفُّ النفْس

стр. 210

وهو فِعل كما سبق بيانه) فلا يَخْلُو إمَّا أنْ يَكُون مع الجَزْم (أَيْ ليس مُجَوزًا فيه مُخالِفُه (١)، أَيْ لَمْ تَقُم على [ذاك] (٢) قرينةٌ) أَوْ لَا مع الجزم. فالأول: "الإيجاب"، وهو مَصْدر أَوْجَب يُوجِب. ومعنى "الوجوب" لُغَةً: السقوط، (نحو: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ [الحج: ٣٦])، والثبوت (ومنه: "نسألك مُوجِبات رحمتك" (٣) أَيْ: مُثْبِتات)؛ فَعُلِمَ أنَّ "الإيجاب" هو الطَّلَب القائم بالنفْس على الوجه المذكور. و"الواجب" هو مُتَعَلَّق الإيجاب مِن الفعل كما سيأتي، فإنَّه لَمَّا أَوْجَبَه، وَجَبَ وجوبًا؛ فهو واجب، فتسمية الحكم "وجوبًا" مجاز، وإنما هو إيجاب. والثاني: "الندب" وهو لُغَةً: الطَّلَب، ومنه حديث: "انتدَب الله لمن يَخرج في سبيله" (٤). أَيْ: أجاب له طَلب مغفرة ذنوبه. يُقال: ندبتُه فانتدب. ويُطلق أيضًا على التأثير، ومنه حديث موسى ﵇: "وإنَّ بالحَجَر ندَبًا ستة أو سبعة مِن ضربه إياه" (٥). وهو بفتح الدال، وأَصْلُه أَثَرُ الجرح. - وإنْ كان لِتَرك شيء (أَيْ: لإعدام حقيقته وكَفِّ النفْس عن إيجاده) فإمَّا أنْ يكون مع الجَزْم أَوْ لَا.

стр. 211

والأول "التحريم"، أَيْ لذلك الفعل الإيجادي، أَمَّا بالنَّظَر لِتَعلُّقه بالكَف عنه فإيجابٌ له وإنْ كان في تعبيرهم بأنَّ "ما يَقْتَضي التَّرْكَ تحريمٌ" إيهامٌ أنَّه تحريمٌ له مِن حيث اللفظ وإنْ كان المراد ظاهرًا. وأَصْلُه مِن "حَرمَه" أَيْ: مَنَعَه، ومنه: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ﴾ [القصص: ١٢]، أَيْ: منعناه مِن رَضْعهن. وقولي (وهْوَ تَحْرِيمٌ، فَصُنْ) أَيْ: فَصُنْ نفسك عن الوقوع في مُتَعَلَّقه. والثاني (وهو غير الجازم) إمَّا أنْ يَكون: - بِنَهي مقصود (أَيْ مُستقل): فَـ "كَرَاهَة"، وأَصلُها لُغةً خِلافُ الإرادة، فمعنى كراهة الشرع [لشيء] (١): إمَّا عدم إرادته، أو إرادة ضِدِّه، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٦]. - أو بنهي غير مقصود: فَـ "خِلَاف الأولَى" كما عَبَّر به كثيرٌ هنا، وذلك بأنْ يَكون النهي في ضِمْن الأمر بِضِدِّه، فسيأتي أنَّ الأمرَ بالشيءِ نَهْيٌ عن ضِدِّه أو يَستلزمُه - عَلَى الخِلَاف. وقِيل: لَا [وَلَا] (٢). وهو اختيار إمام الحرمين والغزالي كما سيأتي، فَعَلَى هذا لا تأتي هذه التفرقة. وأَعْجَبُ مِن ذلك عَزْوُها لإمام الحرمين. بل سيأتي أنَّ الخلاف إنما هو في الأمر النفسي، وأمَّا اللفظي فليس عَيْن النَّهي قَطْعًا ولا يَتَضَمَّنه (على الأصح). ومُرادُهم هنا إنما هو اللفظي، فأين الفَرْق؟ والتعبير هنا بِـ "خِلَاف الأَوْلَى" غيرُ صَوَاب وإنْ عَبَّر به صاحبُ "جمع الجوامع" وغيْره، والصواب ما عَبَّرتُ به في النَّظْم مِن قولي: (إنه مَنْعٌ مِن خِلَافِ الأَوْلى) (٣).

стр. 212

ولا أريد بالمنع إلا منع التنزيه كما في "المكروه"؛ وذلك لأنَّ المنع هو الحُكْم، وأمَّا "خِلَاف الأَوْلى" فهو الفِعل الذي تَعَلَّق به المنع، وسيأتي الفَرْق بين الحكم ومُتَعَلَّقه مِن الأفعال. واعْلَم أنَّ هذا القِسم قد أَهْمله كثيرٌ مِن الأصوليين، ولكنه موجود منتشر في الفقه، مُفَرَّق بينه وبين "المكروه" بما تضمنه الفَرْقُ السابق، كما في: - صوم يوم عرفة للحاج، فالأصح أنَّه خِلاف الأَوْلى، وقِيل: مكروه، وقد يُرَجَّح هذا بحديث أبي هريرة: "نَهَى ﷺ عن صوم يوم عرفة" (١). أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه، وفيه ضَعْفٌ وإنْ كان الحاكم صححه وقال: (على شرط البخاري). - والحجامة للصائم خِلَافُ الأَوْلى عَلَى ما رَجَّحه النووي، وقال: لأنه لَمْ يَثْبُت فيه نَهْي مقصودٌ. وقِيل: مكروه. - وكذا النفض والتنشيف في الوضوء فيهما خلافٌ. وغَيْر ذلك، وهو كثير. قال الشيخ تقي الدين السبكي: أول مَن عَلِمْناه ذَكَر هذا القِسم إمام الحرمين. ومرادُه: أَظْهَرَه ونَشَرَهُ، وإلَّا فَقَدْ نَقَلَه هو عن غَيره، فقال في كتاب الشهادات مِن "النهاية": (التعرُّض للفَصْل بين الكراهة وخِلَاف الأَوْلى مما أَحْدَثه المتأخِّرون). ثُم فَرَّق بما سبق. لكن كلام الرافعي في باب الزكاة في كراهة الصلاة على غير الأنبياء يَقتضي أنَّ الإمام أراد بالمقصودِ الخصوصَ، وبِغَير المقصودِ العمومَ؛ فيزول الإشكال السابق. قلتُ: ويأتي في كلام الإمام ما يقتضي أنَّ "خِلَاف الأَوْلى" و"المكروه" بمعنًى واحد

стр. 213

والجوابُ عنه. وقَوَّى بعضُهم ذلك، وأنَّ المراد أنَّ الكراهة لها مَرْتَبتان، أَدْوَنهما "خِلَاف الأَوْلى". وإنْ لَمْ يَكُن في الخطاب اقتضاءٌ، بل فيه تخيير بين فِعل الشيء وتَركه فهو "الإباحة". مأخوذ مِن مادة الاتساع، ومنه: باحةُ الدار، أَيْ: ساحتها. واعْلَم أنَّ الإباحة تُطْلق أيضًا على رَفْع الحَرَج، فيدخل في المباح ما كان مِن فِعل الله وفِعل غير المكلَّف، لكن لا [يَكون] (١) مِن الحُكم إلا ما فيه الإذن. ولِأَجْل هذا اختُلِف في أنَّ: الإباحة حُكمٌ شرعي؟ [أَمْ] (٢) لا؟ فقال بعض المعتزلة بالثاني؛ لتفسيره بِنَفْي الحرج، فالخلاف إذًا لفظي. واختُلف أيضًا في أنَّ الإباحة تكليف، والقول به منقول عن الأستاذ أبي إسحاق، لكن على معنى التكليف باعتقاد إباحته. ولا يَخْفَى ما فيه؛ فإنَّ الاعتقاد واجب، فهو غَيْر الإباحة. واختُلف أيضًا في "المباح": هل هو مأمورٌ به (بناء على أنَّ الأمر حقيقة في الإذْن لا في الوجوب ولا في الندب)؟ وستأتي المسألة. وقولي: (وَقَدْ يُقَيَّدُ) إلى آخِره - إشارة إلى أنَّ "الكراهة" تُطْلق على "التحريم" أيضًا إمَّا مع الإضافة إليه فَيُقال: "كراهة تحريم"، وإمَّا على الإطلاق كما في قوله تعالى: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء: ٣٨] ويقع هذا في كلام الشافعي ومالك والأقدمين كثيرًا، كقول الشافعي: (وأَكْره آنِيَةَ

стр. 214

العاج). وقوله: (وأَكْره ممرَّ الحائض في المسجد) (١) إذَا حُمِل على حالة خوف التلويث. وقوله في باب السلم: (وأكره اشتراط الأعجف والمشوي والمطبوخ)؛ لأنَّ الأعجف معيبٌ، وشرط المعيب مُفْسِدٌ. إلى غير ذلك. وربما أُطْلق "المكروه" أيضًا على "خِلَاف الأَوْلى" إنْ جُعِل غيره، كقول إمام الحرمين في "النهاية" في باب الجمعة: (إنَّ تَرْك غسل الجمعة مكروه) (٢)، مع أنه لا نهي فيه. قال: (وهذا عندي جارٍ في كل مَسْنونٍ صَحَّ الأمر به مقصودًا) (٣). انتهى قيل: ويؤيده نَصُّ الشافعي في "الأُم" على أنَّ تَرك غسل الإحرام مكروه. وقال الإمام في موضع آخر مِن "النهاية": (إنما يُقال: "تَرْك الأَوْلى مكروه" إذَا كان منضبطًا كالضحى وقيام الليل، وما لا تحديد له ولا ضابط مِن المندوبات لا يُسَمى تَرْكُه مكروهًا، وإلَّا لكان الإنسان في كل وقت مُلابِسًا للمكروهات الكثيرة مِن حيث إنه لَمْ يَقُم يُصَلي ركعتين، أو يَعُود مريضًا، ونحوه). انتهى فإذَا حُمِل على أنه أراد أنه يُطْلَقُ عليه إطلاقًا وإنْ كانت حقيقتُهما متغايرة، استقامَ مع ما سبق نقلُه عنه، وإلَّا فظاهرُه التعارُض. وقد يُطْلَق "المكروه" أيضًا على ما وقعت الشُّبهة في تحريمه، كلحم السبع، ويَسير النبيذ، ونحو ذلك مِن المسائل المختلَف في تحريمها كما هو مُصَرَّحٌ بذلك في الفقه. وذكره الغزالي في "المستصفى"، واستشكله بأنَّ مُعْتَقِد التحريم يَحْرُم عليه، وغَيْره يَحِل له، فلا وَجْه للكراهة. وقد قال الأبياري في "شرح البرهان": ليس في الفقه مسألة

стр. 215

أَصْعب مِن القول بالكراهة في ذلك؛ فإنه مخالِف للفريقين و [لدليليهما] (١)، فهو خَرْقٌ للإجماع. قلت: قد يُجاب بأنَّ الخلاف أَوْرَثَ في القلب ريبةً؛ فَكُرِهَ، ككراهة أَكْل مال مَن في مالِه حرامٌ، وكراهة الماء المشمَّس، وغير ذلك مما ليس فيه دليل صريح بالكراهة. واعْلَم أنَّ في إطلاق "الكراهة" على هذه الأمور الأربعة خلافًا في: أنَّه حقيقةٌ في [التنزيه] (٢) مجازٌ في غيره؟ أو مشترك؟ وَجْهان لأصحابنا حكاهما ابن سراقة لكن في التنزيه والتحريم. وفي "المستصفى" إطلاق اشتراكه بين الأربعة ولكن نازعه العبدري في شرحه. تنبيهان أحدهما: ما سبق في أنَّ خِلَافَ الأَوْلَى بنهي غير مقصودٍ - فيه (غَيْر ما سبق) أمران آخَران: أحدهما: أنَّ في كَوْنه مَنْهِيًّا عنه [خِلَافًا] (٣) مِثل الخلاف في أنَّ "المندوب" [مأمورٌ به] (٤) أَوْ لَا؛ لأنه بطريق التبعية له كما سبق. ثانيهما: أنَّ أدلة الأحكام لا تتقيَّد استفادتها مِن صريح الأمر والنهي، بل يَكون بِنَصٍّ أو إجماع أو قياس. والنَّصُّ إمَّا أنْ يَكون أمرًا، أو نهيًا، أو إذنًا، أو خبرًا [بمعناها] (٥)، أو إخبارًا
следующие страницы →