المعنى إلى سبعة.
وعلى هذا فليس الاستثناء مُبيِّنًا للمراد بالأول، بل به يحصل الإخراج، وليس هناك إلا الإثبات، ولا نفي أصلًا، فلا تناقض.
ثم ذكر استدلاله على ذلك وإبطال غيره، وأطال، ثم قال:
- (فتبيَّن أن الاستثناء - على قول القاضي- ليس بتخصيص) (١).
أي: لأن "التخصيص" قَصْرُ العام على بعض أفراده، وهنا لم يُرد بالعام بعض أفراده، بل بالمجموع المركب.
- (وأنه على قول الأكثر تخصيص) (٢).
أي: لِمَا فيه من قَصْر اللفظ على بعض مسمياته.
- (وأنه على الثالث المختار - عنده- محتمل) (٣).
أي: لِأَنْ يكون تخصيصًا؛ نظرًا إلى كون الحكم في الظاهر للعام والمراد الخصوص، وأنْ لا يكون مخصصًا؛ نظرًا إلى أنه أُريدَ بالمستثنى منه تمام مسماه.
وذكر القاضي عضد الدين في تحقيق هذه المذاهب كلامًا أطال فيه، وتعقب عليه في بعضه السبكي في "شرح المختصر"، فليراجَع منه. والله أعلم.
стр. 1507
ص:
٦٢٨ - وَشَرْطُهُ اتِّصَالُهُ بِالْعَادَةِ ... وَعَدَمُ اسْتِغْرَاقِهِ لِلْجُمْلَةِ
٦٢٩ - وَلَوْ يَكُونُ مُخْرَجٌ أَكْثَرَ مِنْ ... بَاقٍ أَوِ اسْتِوَاهُمَا [مِمَّا] (١) زُكِنْ
الشرح:
ذكرتُ لصحة الاستثناء شرطين، وذكرتُ في أمر ثالث أنه لا يُشترط وإنْ شَرَطه بعضهم.
فأما الشرط الأول:
فأنْ يتصل الاستثناء بالمستثنى منه اتصالًا عاديًّا حتى يُغتفر الفصل بالتنفس أو السعال أو نحو ذلك، وكذا إذا طال الكلام متعلقًا بالمستثنى منه، فإنه لا يضر كما قاله الإمام.
والخلاف في اشتراط ذلك نُقِل عن ابن عباس وغيره.
فَعَنِ ابن عباس: جواز تأخيره إلى شهر.
وقيل: إلى سنة.
وقيل: أبدًا، كما يجوز التأخير في تخصيص العام وبيان المجمل.
وعن سعيد بن جبير: إلى أربعة أشهر.
وعن عطاء والحسن: ما لم يَقُم من المجلس. حكاه عنهما الشيخ أبو إسحاق.
وعن مجاهد: إلى سنتين.
стр. 1508
وقيل: ما لم يأخذ في كلام آخَر.
وقيل: يشترط أن ينوي في الكلام أنه سيستثنى.
قال القاضي: إن صح النقل عن ابن عباس في جواز تأخيره فلعَل مراده أن يستثنى متصلًا بالكلام ثم يظهر ما نواه بعد ذلك، فإنه يُدين.
وقال بعضهم: يجوز في كلام الله تعالى. وحمل بعضهم خلاف ابن عباس على ذلك، أي: يجوز تراخيه في القرآن دُون غيره.
وضُعِّف هذا القول بأن كلام الله إنْ أُريد به القديم فلا يوصف لا بإخراج ولا بإدخال، وإنْ أُريدَ اللفظ المنزل ولو إلى اللوح المحفوظ كما قال المقْترح، فذلك إنما هو على أساليب كلام العرب، ما امتنع فيه يمتنع فيه، وما جاز فيه جاز فيه؛ لأن القرآن إنما نزل بلُغة العرب، فلا يكون مخالفًا لِلُغتهم.
وبالجملة فهذه الأقوال كلها ضعيفة، وما نُقل منها عن هذه الأئمة فيجب تأويله.
أما ضعفها فلأن أهل الأدب (أيْ: أهل العربية) متفقون على اشتراط الاتصال؛ ولهذا أَوَّلوا ما يُنقل عن ابن عباس وغيره من أهل الحجة في لسان العرب وبأنه ﷺ قال: "مَن حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها، فليكفر عن يمينه، وليأت الذي هو خير" (١). ولم يقُل: (أو ليستثنِ).
وكذلك لَمَّا أرشد الله تعالى أيوب ﵇ بقوله: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ
стр. 1509
بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ جعل طريق بِره ذلك، ولو كان الاستثناء المتراخي يُحصِّل البِر، لَمَا جعل الله الوسيلة في البر ذلك.
وفي "تاريخ بغداد" لابن النجار في أثناء "حرف الشين المعجمة" أن الشيخ أبا إسحاق الشيرازي أراد الخروج مرة من بغداد فاجتاز في بعض الطرق، وإذا برجُل على رأسه سلة فيها بَقل وهو يقول لآخَر: مذهب ابن عباس في تراخي الاستثناء غير صحيح، ولو صح لَمَا قال الله تعالى لأيوب ﵇: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾، بل كان يقول له: استثنِ، ولا حاجة إلى التوسل للبر بذلك. فقال أبو إسحاق: بلدة يَرُد فيها رجُل يحمل البَقل على ابن عباس لا تستحق أن يُخرج منها.
قال ابن الحاجب: (ولو صح تراخي الاستثناء لبطل جميع الإقرارات والطلاق والعتق، وأيضًا فيؤدي إلى أنه لا يُعلم صِدق ولا كذب) (١).
لأنَّ مَن قال: (قَدم الحاج)، يحتمل أنه يريد أن يستثني بعد ذلك بعضهم. والأدلة في المسألة كثيرة.
وأما النَقْل عن ابن عباس فيُحمل على محامل سبق بعضها، ومنها ما قاله القرافي: (إنه إنما قال ذلك في التعليق على مشيئة الله بأنْ يقول: "إن شاء الله"، لا الاستثناء بِـ "إلا" أو إحدى أخواتها).
قال: (ونقَل العلماء أن مدْركه في ذلك: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤]، المعنى: إذا نسيت أن تقول: "إن شاء الله"، فقُلْه إذا تذكرت أنك لم تَقُل). انتهى
لكن في "مستدرك الحاكم" بسنده عنه أنه قال: "إذا حلف الرجل على يمين، فَلَه أن
стр. 1510
يستثني إلى سَنة" (١) وأنَّ المعنى في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ أنك إذا ذكرت، فاستثنِ. وقال: صحيح على شرط الشيخين.
فأطلق لفظ الاستثناء. إلا أن يقال: إنه محمول على "إن شاء الله"، فسياق الآية يرشد إليه.
ونحو ذلك في إطلاق لفظ الاستثناء ما رواه الحافظ أبو موسى في كتاب "التبيين لاستثناء اليمين" من حديث يحيى بن سعيد - قرشي كان بفارس- عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس: "أن النبي ﷺ حلف على يمين، فمضى له أربعون ليلة، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾، فاستثنى رسول الله ﷺ بعد أربعين ليلة". لكن قال الحافظ أبو موسى: إن هذا لا يثبت؛ لأن يحيى بن سعيد غير محتج به.
ورواية أن ابن عباس يرى التراخي إلى سَنة رواه الطبراني في "معجمه الأوسط" (٢)، قال الحافظ أبو موسى فيه أيضًا: (إنه لا يثبت). ثم قال: (إن صح هذا عن ابن عباس فيحتمل أنه رجع عنه).
وساق إلى ابن عباس بسنده أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ أن المعنى: "إذا نسيت الاستثناء فاستثنِ إذا ذكرت، هي لرسول الله ﷺ خاصة، وليس لأحد
стр. 1511
منا أن يستثني إلا بصلة اليمين" (١). وأخرج ذلك الطبراني في "معجمه" وقال: (تفرد به الوليد).
فيحصَّل من ذلك أن إطلاق النقل عن ابن عباس في هذه المسألة ليس بجيد؛ لأمرين:
أحدهما: أن ذلك في "إن شاء الله"، لا في مطلق الاستثناء؛ لأنه قاله في الآية. والمعنى: لا تقولن لشيء إنك فاعل جزمًا إلا أن تعلم مشيئة الله له، بل إذا قلت: "إن شاء الله"، لم تكن جازمًا، فلا تكون حينئذٍ آتيًا بالمنهي عنه. والخطاب له ولغيره من الأُمة.
وكذا قال ابن جرير: إنَّ ذلك إنْ صح عن ابن عباس فهو محمول على أن السُّنَّة أن يقول الحالف: "إن شاء الله" ولو بعد سَنة. أو كما قال؛ ليكون آتيًا بسُنَّة الاستثناء ولو كان بعد الحنث، لا أنه بذلك رافع للحنث ومُسقِط لكفارة.
وثانيهما: أنه جعل ذلك من خصائص النبي ﷺ ، فلا ينسب إليه أن يقول ذلك عمومًا في كل استثناء منه ﷺ أو من غيره.
تنبيهات
الأول: وقع بحث في الفقه في الفصل بالكلام اليسير بين الاستثناء والمستثنى منه، كما بين الإيجاب والقبول في العقود، والمرجَّح منه الأقيس أنه لا يضر وإنْ وقع في كلام الرافعي والنووي من أصحابنا فيه اضطراب مُوضَّح في كتب الفقه.
الثاني: سبق أن الاستثناء مع كونه متصلًا لا بُدَّ أن يُنوى قبل تمام اللفظ بالمستثنى به. بل قيل: مِن أوله. ولكن ينبغي لمن جعل قوله: (عشرة إلا ثلاثة) مثلًا اسمًا مركبًا موضوعًا
стр. 1512
للسبعة أنْ لا يشترط نية الاستثناء البتة.
وحينئذٍ فيقال: كيف يوافق إمام الحرمين القاضي على أنه اسم مركَّب للسبعة ويصرح في الفقهيات باشتراط النية في الاستثناء؟ إلا أنْ يُدَّعى أن هذا إنما هو في كيفية الدلالة مع وجود اعتبار ما يعتبر من نية واتصال وغير ذلك عند مَن يرى به. فهو أمر اعتباري بعد تكامل الشروط.
الثالث: من اللطائف ما [يُحكى] (١) أن الرشيد استدعى أبا يوسف القاضي، وقال له: كيف مذهب ابن عباس في الاستثناء؟ فقال له: يلحق عنده بالخطاب، ويُغَير حُكمه ولو بعد زمان. فقال: عزمت عليك أن تُفتي به، ولا تخالفه.
وكان أبو يوسف لطيفًا فيما يورده متأنيًا فيما يقوله، فقال: (رأْي ابن عباس يفسد عليك بيعتك؛ لأن مَن حلف لك وبايعك، يرجع إلى منزله فيستثني). فانتبه الرشيد، وقال: إياك أن تُعَرف الناس مذهبه في ذلك، فاكتمه.
الرابع: قد يُستشكَل ما لو قال له: (عليَّ أَلْف درهم إلا شيئًا). فإنه يستفسر ويقبل منه [المتراخي] (٢) بعد مُدة.
وجوابه أن الاستثناء لَمَّا كان إسقاطًا لبعض السابق اعتُبر فيه الاتصال ولا يضر منافاته؛ لأن الكلام بآخِره، فإذا تراخى، كان ابتداء إسقاط بَعد انبرام الأول، فلا يُسمع. بخلاف التفسير، فإنَّ الكلام قد انتظم بأصل الاستثناء، والمُجْمَل لا يُعْرف تفسيره إلا منه، فيُقبل منه التفسير ولو بَعد مُدة.
قال الروياني: ولهذا قال أصحابنا: لو فسر المجمل بتفسير غير مقبول وأراد أن يستأنف
стр. 1513
غيره، مُكِّنَ منه، ولو وصل بالأصل استثناء يرفع الجميع ثم أراد أن يستثني مرة أخرى، لم يمكَّن مِن ذلك.
الشرط الثاني لصحة الاستثناء:
أن لا يكون مستغرقًا، نحو: (له علَيَّ خمسة إلا خمسة)، فيلزمه الخمسة كما لو لم يستثنِ. وادَّعى جماعة -منهم الآمدي وابن الحاجب- الإجماعَ عليه. لكن الخلاف محكي في بعض المذاهب وإنْ كان شاذًّا.
ففي "المدخل" لابن طلحة في: (أنت طالق ثلاثًا إلا ثلاثًا) قولان عن مالك. كذا رأيته فيه، ونقله القرافي عنه.
ونقل اللخمى عن بعضهم في: (أنت طالق واحدة إلا واحدة) أن الطلاق لا يقع؛ لأن الندم منتفٍ بإمكان الرجعة، بخلاف: (ثلاثًا إلا ثلاثًا).
وفي "الهداية" للحنفية أن بطلان المستغرق إنما هو في نحو: (نسائي طوالق إلا نسائي)، أو: (أو صيت بثلث مالي إلا ثلث مالي). لا في نحو: (نسائي طوالق إلا هؤلاء) مشيرًا إليهن، أو: (ثلث مالي إلا ألف درهم) وهو ثلثه.
قالوا: لأنَّ الاستثناء تصرُّف، فيبنى على صحة اللفظ، لا على صحة الحكم؛ ولهذا لو قال: (أنت طالق عشر طلقات إلا ثمانيًا) يقع طلقتان، ويصح الاستثناء وإن كان العَشر لا صحة لها مِن حيث الحكم.
وأما عند الشافعية فمحل بطلان المستغرق ما لم يعْقب المستغرق استثناء بعضه، كَـ: (عشرة إلا عشرة إلا ثلاثة) فإنَّ فيه وجوهًا:
أحدها: يلزمه عشرة، فإن الاستثناء الأول لم يصح، والثاني مُرتب عليه.
وثانيها: يلزمه ثلاثة، واستثناء الكل من الكل إنما لا يصح إذا اقتصر عليه. أما إذا عقبه
стр. 1514
باستثناء صحيح، فيصح؛ لأن الكلام بآخِره. وهذا هو المرجَّح.
وثالثها: يَلزمُه سبعة، والاستثناء الأول لا يصح، فيسقط مِن اثنين.
وفي "التجريد" للمحاملي: لو قال: "له علَيَّ ألْف إلا ثوبًا" وفسر الثوب بما قيمته ألف، ففيه وجهان.
وحكى الرافعي عن الحناطي فيمن قال: (أنت طالق ثلاثًا إلا واحدة إلا واحدة) أنه يقع الطلاق الثلاث؛ فإنه أبْطل المستثنى وهو الواحدة بالاستثناء منه المستغرق.
ونقل عن "فتاوى القفال" فيمن قال: (كل امرأة لي طالق إلا عمرة) ولا امرأة له سواها، أنها تطلق؛ لأنه مستغرق. ولو قال: (النساء طوالق إلا عمرة) ولا امرأة له سواها، لم تطلق.
والفرق أنه هنا لم يُضفهن إلى نفسه.
ولك أن تقول: ينبغي أن لا تطلق في الأُولى أيضًا علَى أن "إلا" صفة، لا استثناء، كما في: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢].
ويؤيده قول الشافعي: لو قال الزوج وقد عوتب في نكاح جديدة: "كل امرأة لي طالق" وعزلها بِنيته، أنه يُقبل؛ لأنه لو لم يصح لو صرح به لم تُفِده نيته له.
وينبغي أن تطلق في الثانية على قولنا: (إن الاستثناء من المملوك)، فإنه لا يملك [إلا طلاق عمرة] (١). فكأنه استثناها من نفسها، وهو مستغرِق؛ فيبطُل.
ونقل الشيخ أبو حيان عن الفراء أن المستغرق إنْ كان أكثر مِن المستثنى منه، جاز. نحو: (له علَيَّ ألْف إلا ألفين).
стр. 1515
قال: إلا أنه يكون منقطعًا وليس من المستغرق، نحو: "أنت طالق خمسًا إلا ثلاثًا"، باعتبار أن المملوك له ثلاث؛ لأن الأصح أن الاستثناء مِن المذكور، لا من المملوك. حتى لو قال: "أنت طالق عشرًا إلا ثمانيًا"، طلقت ثنتين.
ولذلك ينشأ [فرع] (١) من خلاف آخَر في جمع المفرق وتفريق المجتمع، نحو: "أنت طالق ثلاثًا إلا طلقة وطلقة وطلقة"، تطلق ثنتين؛ بناءً على أنه لا يُجمَع المفَرَّق؛ فيبطل الأخير، ويصح ما سواه.
وقيل: يقع الثلاث.
وغير ذلك مما هو مذكور في الفقه.
نعم، لو قال: (أنت طالق ثلاثًا إلا ثلاثًا)، يقال فيه: لِمَ لا فرقت الصفقة في الاستثناء فأبطل فيما وقع به الاستغراق وهو واحدة، وصَحَّ الباقي؟ فكأنه قال: (ثلاثًا إلا ثنتين)، فتطلق واحدة.
وجوابه أنه إذا لم يفرق المجموع ينظر في الكل، إنْ كان باطلًا فباطل. ونظيره لو جمع أختين في عقد نكاح، بطل فيهما، بخلاف ما لو عقدهما مرتبًا.
وقريب منه لو زاد في شرط الخيار على الثلاث، بَطُل. بخلاف ما لو ألحق في المجلس زائدًا بعد ما شرط فيه الثلاث فما دُونها.
وأما الأمر الثالث:
وهو كون المستثنى إما أقَل مِن الباقي أو أكثر أو مساويًا، فليس كونه أقَل شرطًا في الاستثناء على المرجَّح.
стр. 1516
وتفصيل القول في ذلك أن استثناء الأقل حتى يبقى الأكثر - جائز.
قيل: بالإجماع.
ورُدَّ بأن المازري إنما حكى الإجماع فيما إذا كان المستثنى ليس بواحد صحيح من أفراد المستثنى منه، نحو: (له علَيَّ عشرة إلا حبة)، أو: (إلا سدسًا)، بخلاف: (إلا واحدًا)، أو: (إلا ثلاثًا)؛ فإنه وإن كان المشهور جوازه إلا أن بعضهم استهجنه وقال: الأحسن أن يقول: (له تسعة) أو: (سبعة)، ولا يقول: (عشرة إلا واحدًا) ولا: (إلا ثلاثًا).
ونقل في "شرح التلقين" أنهم شذوا فقالوا: لا يجوز استثناء الأقَل إلا لضرورة إليه، كَـ "مائة إلا ربع درهم". قالوا: وأما نحو: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤] فإنما سوغه أن الخمسين كالكسر؛ لأنها نصف مائة، فكأنه قال: عشر مئين إلا نصف مائة (١).
وهذا وإن كان مخالفًا للمشهور مع تكلُّف فيه وتعسُّف فهو قادح في حكاية الإجماع، إلا أن يقال: لِشذوذه لم يُلتفَت إليه.
وأما استثناء الأكثر ويبقى الأقل واستثناء المساوي ويبقى نظيره ففيه مذاهب لأهل العربية والأصول:
الأول: الجواز فيهما، فيجوز: (له عليَّ عشرة إلا تسعة)، و: (له عليَّ عشرة إلا خمسة). وهو قول أكثر الأصوليين.
وقال الشيخ أبو حامد: إنه قول أكثر الكوفيين من النحاة. ونقله أبو حيان في "الارتشاف" عن أبي عبيدة.
стр. 1517
الثاني: المنع فيهما. ونقله الشيخ أبو حامد عن البصريين من النحاة.
وكذا حكاه عنهم أبو حيان في "الارتشاف"، وهو أحد قولَي القاضي أبي بكر، ونقله القاضي أبو الطيب والشيخ أبو إسحاق والمازري والآمدي عن الحنابلة.
نعم، الذي في "مختصر التقريب" للقاضي مقتضاه أنه لا يخالف إلا في الأكثر فقط، فإنه قال: (كنا على تجويز استثناء الأكثر دهرًا، والذي صح عندنا آنفًا منع ذلك) (١).
ولم يتعرض لاشتراط الأقلية، لكن في تقريره الأدلة ما يُشعِر بمنع المساوي أيضًا.
فإنْ صح النقلان عنه فيكون له قولان في المسألة، ونقل المازري والباجي عن القاضي قولًا ثالثًا بجواز استثناء الأكثر، فإنْ كان ما أشار إلى أنه رجع عنه، فلا ينبغي أن يُنسَب له.
الثالث: المنع في الأكثر فقط دُون المساوي. وهو أحد أقوال القاضي كما سبق. ونقله ابن السمعاني وغيره عن الأشعري، ونقله الإمام الرازي وأتباعه عن الحنابلة، ونقله ابن الحاجب عن بعضهم. وبه يحصل التوفيق بين النقلين عن الحنابلة.
نعم، سيأتي عنهم نقل آخَر غير هذين.
الرابع: أن استثناء الأكثر مستقبَح عند العرب، لا ممتنع في لغتهم كما هو المذهب الذي قبله. ونقله المازري عن الشافعي قولًا، وعن القاضي فيما كان يقوله أولًا، وعن ابن الماجشون والقاضي عبد الوهاب. ونقل المازري عن الشافعي قول المنع قولًا له آخر، ونقله أيضًا عن أحمد. قيل: ولا يُعرف ذلك للشافعي قولًا.
الخامس: يمتنع استثناء الأكثر إنْ كان المستثنى والمستثنى منه في أعداد صريحة، نحو: (عشرة إلا تسعة). فإنْ لم يكن كذلك نحو: (خذ ما في الكيس إلا الزيوف) وكانت الزيوف
стр. 1518
أكثر من الباقي، فهو جائز. [وقيل: هو الموجود في كُتب الحنابلة] (١).
السادس: يمتنع استثناء الأكثر جملة، ولا يمتنع تفصيلًا. فيمتنع: (جاء إخوتك العشرة إلا تسعة). ويجوز: (إلا زيدًا وعمرًا وبكرًا) وهكذا لتمام التسعة.
السابع: التفصيل بين أن يكون السامع عالِمًا بأن المخرج أكثر فيمتنع، أوْ لا فيجوز.
الثامن: يجوز استثناء الأكثر، لكنه لم تَرِد به اللغة، بل ذُكِر قياسًا على التخصيص.
ورُدَّ بأن القياس في اللغة ممتنع عند الكثير كما سبق.
التاسع (ويُعزى للحنابلة): يجوز في المنقطع، لا المتصل. فيجوز: (له عندي ألف درهم إلا الثوب الفلاني) إذا كان ذلك الثوب يساوي ستمائة. ولكن هذا راجع إلى المذهب الخامس عند التأمل؛ لأنه في تقدير: (إلا قيمة الثوب).
تنبيهات
الأول: أنكر بعض أهل اللغة ورود مثل ذلك في اللغة، وأن ما استدل به المجوِّزون من: (قوله تعالى: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٤٠] مع قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢] فاستثنى كل واحد منهما مِن الآخر، وأنه أيهما كان الأكثر، حصل به الاستدلال) يجاب عنه بجوابين:
أحدهما: أن الاستثناء للمخلصين إنما هو من بني آدم، ولا شك أنهم أقَل مِن الباقي. واستثنى "الغاوين" من جميع العباد وهُم الأقَل أيضًا؛ فإنَّ الملائكة من عباد الله؛ لقوله تعالى: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦]، وهُم غير غاوين.
стр. 1519
وفي الحديث الصحيح: "أَطَّتِ السَّمَاءُ، وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ؛ مَا فِيهَا قدر أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَفيه مَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا للهِ" (١). وقال الله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١].
وكذا قوله تعالى فيما رواه مسلم وغيره من حديث أبي ذر: "يا عبادي، كلكم جائع إلا مَن أطعمتُه" (٢) الحديث، مع أن المطْعَمين أكثر.
يجاب عنه بأن الملائكة مِن جملة العباد، ولا يوصفون بجوع وإطعام.
ثانيهما: أن الاستثناء في: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ منقطع، بمعنى: "لكن"؛ بدليل الآية الأخرى: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم: ٢٢].
وقال القاضي في "التقريب": (إن ما استدل به المجوِّزون مِن قول الشاعر:
رُدوا التي نقصَت تسعين من مائة ... ثم ابعثوا حَكمًا بالحق قوالا
رُدَّ بأن هذا ليس فيه استثناء، وإنما فيه نقصان الأكثر، وليس محل النزاع).
قال: (وكذا قوله تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ﴾ [المزمل: ٢ - ٣] الآية - أنَّ ذلك ابتداء كلام، كأنه قال: "بل قُم نصفه أو زد عليه أو انقُص منه، فإنه أعظم لثوابك") (٣).
стр. 1520
أي: لا أنَّ المراد استثناء النصف وزيادة بقوله تعالى: ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزمل: ٤].
وللمعْربين في تقرير الآية أقوال مشهورة ليس ذلك موضع بسطها، فبان بذلك ونحوه أن مَنْزَع الأكثرين في جواز ذلك غير خالٍ مِن نَظَر، إلا أنْ يتقوى بأدلة أخرى. ومحل ذلك ما يُذكر فيه الأدلة مُطَوَّلة.
الثاني:
قال المازري: الخلاف في المسألة لفظي؛ لأن المانع مِن استثناء الأكثر قال بعضهم معتذرًا عنه: إنه لم يخالف في الحكم، إنما خالف في كون العرب استعملت ذلك، ولكن لا يُسقِط حُكمه في الإقرار وغيره بذلك. وبه صرح إلْكِيَا الهراسي.
وكذا قال ابن الخشاب: إن ذلك وإن لم يُسمع في العربية لكنه جائز في المعقول، ومَن ادَّعى فيه سماعًا فقد أخطأ.
قلت: قد ذكرنا ذلك قولًا من جملة الأقوال، وذكرنا في التنبيه الأول تضعيف من ضعف مَنْزع الجواز بما سبق.
الثالث:
قد سبق في تقرير الدلالة في المستثنى منه والاستثناء أقوال.
وحُجة مَن يمنع مِن استثناء الأكثر والمساوِي مِن حيث إن القليل يُنْسَى فيستدرك - إنما تأتي على أحد الأقوال، وهو: الإخراج من الحكم، لا قول أنه إخراج من اللفظ وأنَّ الحكم بعد الإخراج، ولا أنه صار لفظًا مركبًا دالًّا على الباقي مِن المستثنى منه.
قولي: (وَلَوْ يَكُونُ مُخْرَجٌ أَكْثَرَ مِنْ) إلى آخِره، المسوغ لكون اسم "كان" هنا نكرة وقوعُه في حيز الشرط، وهو مِن المسوِّغات.
وقولي بعده: (أَوِ اسْتِوَاهُمَا مِمَّا زُكِنْ) أي: عُلِم، معطوف على اسم "كان". أي: ولو
стр. 1521
يكون استواء المستثنى والباقي بعد الاستثناء موجودًا في التركيب معلومًا.
وفي تعبيري عن المسألة بذلك وضوح أكثر من عبارة مَن قال: (يستثنى الأكثر مِن الأقل ويستثنى المساوي)؛ لأنه ربما يوهِم أن المستثنى أكثر من المستثنى منه قبل دخول الاستثناء أو مساوٍ له، وذلك إنما هو المستغرق. فعبَّرت بقولي: (أَكْثَرَ مِنْ بَاقٍ) إلى آخِره؛ لرفع هذا التوهم. والله أعلم.
ص:
٦٣٠ - وَهْوَ مِنَ الْإثْبَاتِ نَفْيٌ، وَكَذَا ... في عَكْسِهِ، فَإنْ تَعَدَّدْ، فَبِذَا
٦٣١ - يُحْكَمُ في الْكُلِّ عَلَى مَا نُظِمَا ... مَا لَمْ يَكُنْ عَطْفٌ أَوِ [اسْتَغْرَقَ] (١) مَا
٦٣٢ - يَلِي، [فَكُلٌّ] (٢) رَاجِعٌ لِلْأَوَّلِ ... وَوَارِدٌ مِنْ بَعْدِ سَبْقِ جُمَلِ
الشرح:
لمَّا كان الاستثناء من جملة المخصِّصات المتصلة وكان التخصيص هو الإخراج من اللفظ العام، احتمل ذلك أمرين:
أحدهما: أن يكون إخراجًا من الحكم على العام مع الحكم بضده، وأن يكون لا مع الحكم بضده، فيكون واسطة بين الحكم بشيء والحكم بضده وهو أنْ لا حُكم عليه أصلًا. فعبَّروا عن هذه المسألة بأن: (الاستثناء من النفي إثبات، ومن الإثبات نفي).
ثانيهما: أنه إخراج من النفي بلا إثبات فيه، وإخراج من الإثبات بلا حُكم [يُنفَى] (٣) فيه
стр. 1522
مِن حيث إنه أُخْرِج من الإثبات، بل من حيث إنَّ الأصل فيه نَفْي ذلك الحكم. فالحكم [مَنْفِي] (١) عنه باعتبار الأصل، لا بدلالة الاستثناء.
والأول هو قول الجمهور، فإذا قال: (له علَيَّ عشرة إلا درهمًا)، كان إقرارًا بتسعة. وإذا قال: (ليس له عليَّ شيء إلا درهمًا)، كان مقرًّا بدرهم.
والثاني قول الحنفية، فيوجبون في: (له عليَّ عشرة إلا درهمًا) تسعة، مِن حيث إنَّ الدرهم المخرج منفي بالأصالة، لا من حيث إن الاستثناء من الإثبات نفي. ولا يوجبون في: (ليس له عليَّ شيء إلا درهمًا) شيئًا؛ إذِ المراد: (إلا درهمًا، فإني لا أَحْكُم عليه بشيء)، ولا إقرار إلا مع حُكم بإثبات.
فإنْ قيل: فقد رجح أصحاب الشافعي في فروع خلاف ذلك، كقولهم في: (ليس له عليَّ عشرة إلا خمسة): إنه لا يلزمه شيء عند الأكثر. وفي وجه: يلزمه خمسة؛ على قاعدتهم. فكيف خالف الأكثر القاعدة؟
ولو قال: (لا ألبس إلا الكتان) ولم يلبس شيئًا، كان كذلك.
وكذا: (لا أجامعك في السَّنة إلا مَرة)، فمضت السنة ولم يطأ، ففي وجه: يحنث؛ للقاعدة. والأصح (كما قال النووي): لا. فكيف رجَّحوا خلاف القاعدة؟
فجوابه أن استثناء العَدد مِن العَدد تعبير بذلك عن الباقي بعد الاستثناء. والنفي إنما انصَبَّ عليه، فكأنه قال: (لا يلزمني خمسة). لا سيما إذا قلنا: (إن الحكم بعد الإخراج) كما سبق في تقرير دلالة ذلك.
وأما: (لا ألبس إلا الكتان) فمعناه الحلف على لبس غير الكتان، وإذا لم يلبس شيئًا، صدق أنه لم يلبس غير الكتان.
стр. 1523
وكذا: (لا أُجامِع في السَّنة إلا مَرة) معناه: لا أجامع زائدًا على المرة. وإذا مضت ولم يجامع، صدق ما حلف عليه، فليس ذلك منافيًا لقاعدتهم.
فإنْ قيل: تقرير المسألة على هذا الوجه يقتضي أن الحنفية يخالفون في الأمرين، لكن الإمام الرازي وطائفة إنما يحكون الخلاف عن الحنفية في أن الاستثناء من النفي إثبات أوْ لا، وأن الاتفاق على أن "الاستثناء مِن الإثبات نَفْي".
قيل: قد حكى الخلاف في الأمرين معًا القرافي، فقال: (إن الخلاف موجود عندهم) (١).
وكذا حكى عن بعضهم ذلك الصفي الهندي وغيره. ولا تَعارُض بين النقلين؛ فإنَّ:
- مَن حكى تعميم الخلاف، أراد ما قررناه من ثبوت الواسطة بين الحكمين وهو عدم الحكمين؛ بِناءً على أنَّ تَقابُلَ حُكم المستثنى والمستثنى منه تَقابُلُ نقيضين عندهم (حُكم، وعَدَم حُكم) وتقابُل ضدين عند الجمهور.
- ومَن حكى الاتفاق في صورة الاستثناء من الإثبات على أنه نَفْي، أراد الاتفاق على أصل النفي فيه، لا على أن النفي مستند للاستثناء كما قررناه. فلا يظهر حينئذٍ للخلاف معهم في الإثبات فائدة.
قلتُ: قد يقال: تظهر فائدته في تعارض مع ما قام عليه دليل شرعي، فإنه يُقدم ما قام الدليل عليه؛ لأن الاستناد للأصل لا يقاومه.
وتظهر أيضًا في أنه هل يقاس عليه؟ أو لا؟ فإن النفي إذا كان بالأصالة، لا يقاس عليه؛ لأن شرط الحكم في الأصل أن يكون بدليل.
وتظهر أيضًا في أنَّ رَفْعه بدليل هل يكون نسخًا؟ فإنْ كان باعتبار أنه نَفْي أصلي فلا
стр. 1524
يكون رفْعه نسخًا؛ لِمَا سيأتي في أبواب هذه الأمور تقرير ذلك وإيضاحه.
تنبيهات
أحدها: ما قاله الحنفية موافق لقول نحاة الكوفة. وأبو حنيفة ﵁ لما كان كوفيًّا كان مذهبه ذلك.
وما قاله الجمهور موافق لقول سيبويه والبصريين. والإمام الرازي وإنْ وافقهم في "المحصول" لكنه وافق الأوَّلِين في "المعالم" وفي "تفسيره" في سورة النساء.
الثاني: الاستثناء المتصل هو الذي تأتي فيه هذه المسألة والاختلاف فيها؛ لأن فيه إخراج.
أما المنقطع فالظاهر أن ما بعد "إلا" فيه محكوم عليه بضد الحكم السابق. فإنَّ مساقه هو الحكم بذلك. فنحو: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ [النساء: ١٥٧] المراد أن لهم اتباع ظن، لا عِلم وإنْ لم يكن الظن داخلًا في العلم، هذا إذا جُعل منقطعًا. وَقِسْ على ذلك.
لكن هل يجري ذلك في التام والمفرغ؟ أو لا يجري في المفرغ؟
قيل: الظاهر هو عدم إجراء الخلاف فيه، وأن الاستثناء فيه إثبات قطعًا؛ لأن قولك: (ما قام إلا زيد) ليس معك شيء ثبت له القيام فيكون فاعلًا إلا زيد، فيكون متعينًا للإثبات بالضرورة، بخلاف قولك: (ما قام أحد إلا [زيد]) (١).
نعم، حكى القرافي في "العقد المنظوم" عن الحنفية أنهم أجروا ذلك في التام والمفرغ، قال: (ويلزمهم أن يعربوا "زيد" في: "ما قام إلا زيد" بدلًا، لا فاعلًا، ويكون الفاعل
стр. 1525
مضمرًا، أي: "ما قام أحد إلا زيد". لكن حَذف الفاعل ممتنع عند النحاة) (١).
قلت: لا بُدَّ في الاستثناء المفرغ مِن معنى محذوف يُستثنَى منه وإنْ لم يُقَدَّر لفظُه على المرجَّح، فالقول بجريان الخلاف فيه غير بعيد.
الثالث:
من أدلة الجمهور أنَّ "لا إله إلا الله" لو لم يكن المستثنى فيه مُثبتًا لم يكن كافيًا في الدخول في الإيمان، ولكنه كاف باتفاق. وقد قال ﷺ : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله" (٢). فجعل ذلك غاية المقاتلة.
وقد أجابوا بأن الإثبات معلوم، وإنما الكفار يزعمون شِركة، فنُفيت الشركة بذلك. أو أنه وإنْ كان لا يفيد الإثبات بالوضع اللغوي لكن يفيده بالوضع الشرعي، فإنَّ المقصود نَفْي الشريك، وهو مُستلزِم للثبوت. فإذا قلتَ: (لا شريك لفلان في كرمه)، اقتضى أن يكون كريمًا.
وأيضًا فالقرائن تقتضي الإثبات؛ لأنَّ كل مُتلفِّظ بها ظاهرٌ قَصْده إثباته واحدًا، لا التعطيل.
ورُدَّ ذلك بأن الحكم قد عُلِّق بها بمجردها؛ فاقتضى ذلك أنها تدل بلفظها دُون "شيء زائد" الأصلُ عَدَمُه.
قال ابن دقيق العيد في "شرح الإلمام": وكل هذا عندي تشغيب ومراوغات جدلية، والشرع خاطب الناس بهذه الكلمة وأمرهم بها؛ لإثبات مقصود التوحيد، وحصل الفهم
стр. 1526
لذلك منهم من غير احتياج لأمر زائد. ولو كان وضع اللفظ لا يقتضي ذلك لَكَان أهم المهمات أنْ يُعلمنا الشارع ما يقتضيه بالوضع مِن غير احتياج لأمر آخَر، فإنَّ ذلك المقصود الأعظم في الإسلام.
ومن أدلتهم أيضًا قوله تعالى: ﴿فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ [النبأ: ٣٠]. وهو ظاهر.
وأما أدلة الحنفية:
فمِن أعظمها أنه لو كان كذلك، لَلَزِمَ مِن قوله ﷺ : "لا صلاة إلا بطهور" (١) أن مَن تَطهر، يكون مصليًّا، أو تصح صلاته وإنْ فقد بقية الشروط.
وجوابه أن [الاستثناء] (٢) مطلق يَصْدُق بِصُورة ما لو توضأ وصلَّى؛ فيحصل الإثبات، لا أنه عام حتى يكون كل متطهر مصليًّا.
وأيضًا: فهو استثناء [شرط] (٣)، أي: لا صلاة إلا بشرط الطهارة. ومعلوم أن وجود الشرط لا يَلزم منه وجود المشروط.
وأيضًا: فالمقصود المبالغة في هذا الشرط دُون سائر الشروط؛ لأنه آكِد. فكأنه لا شرط غيره، لا أن المقصود نفي جميع الصفات.
وأيضًا: فقد يقال: الاستثناء فيه منقطع، وليس الكلام فيه. لكن ابن الحاجب قال: (إنه
стр. 1527
بعيد؛ لأنه استثناء مفرغ، وكل مفرغ متصل) (١).
على أن هذا الحديث بهذا اللفظ لا يُعرف، إنما المعروف: "لا يقبل الله صلاة بغير طهور" (٢). أخرجه مسلم.
نعم، في ابن ماجه: "لا تقبل صلاة إلا بطهور" (٣). ولو مثلوا بحديث: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب" (٤) الثابت في "الصحيحين" لكان أجود.
قال السبكي في "شرح البيضاوي": (وقع لي في بعض المجالس الاستدلال للحنفية بقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، فإنه لو اقتضى الإثبات لَلَزِمَ أن يُكلف كل نفس بجميع وُسعها؛ لأنَّ "وُسْع" مفرد مضاف؛ فكان عامًّا، فيصير التقدير: "لا يكلف الله نفسًا بشيء إلا بكل ما تسعه، فإنها مكلَّفة به". وليس كذلك).
قال: (واستحسن ذلك والدي) (٥).
قلت: لا يلزم مِن تَعذُّر العموم في الشيء أن [ينفى] (٦) مدلوله، فنقول: انتفى العموم؛ للإجماع، فبقي أصل الإثبات.
الرابع:
"الاستثناءُ مِن التحريمِ نَفْيٌ للتحريم" أَعَم أنْ يكون إباحة أو غيرها، ولكن المتحقق
стр. 1528
الإباحة، وما زاد يحتاج لدليل؛ فلذلك استشكل الاستدلال بقوله ﷺ : "لا تحد المرأة إلا على زوج" (١) الحديث - على الوجوب حتى احتاج لأمر آخَر يدل على الوجوب، كما بُيِّن في محله، وأوضحنا ذلك في "شرح العمدة".
ولم يتعرض الأصوليون لهذه المسألة صريحًا، لكنها تخرج من عموم قاعدة "الاستثناء مِن النفي إثبات" على ما قررناه.
قولي: (فَإنْ تَعَدَّدْ، فَبِذَا يُحْكَمُ في الْكُلِّ) المراد به أن هذه القاعدة [إذا تمهدت] (٢) في الأمرين (وهُما الاستثناء من النفي ومن الإثبات)، ترتَّب عليها تَعدُّد الاستثناء، نحو: (له علي عشرة إلا تسعة إلا ثمانية إلا سبعة) وهكذا.
لكن للمسألة أحوال:
الأولى: ما ذكرناه من المثال ونحوه مما ليس فيه عطف استثناء على استثناء، ولا كون أحدهما مستغرقًا لما قبله. ويمكن أن كُلًّا مُخْرَج مما قَبْله، فهذا كل استثناء يُرْجَع فيه لِمَا قَبْله.
فإنْ كان الذي قبله مثبتًا، كان منفيًّا، أو منفيًّا، كان مثبتًا.
فالعشرة إثبات، والتسعة نفي؛ فيبقى واحد. والثمانية إثبات، تصير مع الواحد تسعة، والسبعة نفي؛ يبقى المقَرُّ به اثنان.
ولاستخراج الحكم من ذلك طُرُق للنحاة وغيرهم:
إحداها: ما أشرنا إليه مِن طريقة الإخراج وجبر الباقي بالاستثناء الثاني، وهكذا إلى
стр. 1529
آخِره. فإذا قال: (عشرة إلا تسعة إلا ثمانية إلا سبعة إلا ستة إلا خمسة إلا أربعة إلا ثلاثة إلا اثنين إلا واحدًا)، فلمَّا خرج تسعة بالاستثناء الأول جُبر ما بقي (وهو واحد) بالاستثناء الثاني (وهو ثمانية)، فصار تسعة، ثم خرج بالاستثناء الثالث سبعة، بقي اثنان، فجبر بالرابع (وهو ستة)، فصار ثمانية، ثم خرج بالخامس خمسة، فبقي ثلاثة، فجبر بالسادس (وهو أربعة)، فصار سبعة، ثم خرج بالسابع ثلاثة، فبقي أربعة، فجبر بالثامن (وهو اثنان)، فصار الباقي ستة، فأخرج منه بالاستثناء التاسع واحدًا، فصار المُقَرُّ بِه خمسة.
الثانية: أن تحط الأخير مما يليه، وهكذا إلى الأول، فتحط واحدًا من اثنين؛ تبقى واحد، تحطه من ثلاثة، يبقى اثنان. تحطهما من أربعة، يبقى اثنان، تحطهما من خمسة، تبقى ثلاثة، تحطها من ستة تبقى ثلاثة، تحطها من سبعة، تبقى أربعة، تحطها من ثمانية، تبقى أربعة، تحطها من تسعة، تبقى خمسة، تحطها من عشرة، يبقى المُقَرُّ بِه خمسة.
الثالثة: أن تجعل كل وتر من الاستثناءات خارجًا، وكل شفع مع الأصل داخلًا في الحكم، فما اجتمع فهو الحاصل، فتُسقط ما اجتمع من الخارج مما اجتمع من الداخل فهو الجواب.
فالعشرة والثمانية والستة والأربعة والاثنان: ثلاثون، هي المُخْرَج منها.
والتسعة والسبعة والخمسة والثلاثة والواحد: خمسة وعشرون، هي المخرَجة، تبقى خمسة.
الرابعة: أن المستثنى منه أولًا إنْ كان شفعًا كالعشرة في مثالنا، فخذ لكل استثناء من الأوتار واحدًا واجمعه وأسقطه منه، فالباقي الجواب.
فعدد الاستثناءات الأوتار خمسة، تُسقِطها من العشرة؛ تبقى خمسة.
وإنْ كان المستثنى منه أولًا وترًا كَـ "لَهُ عليَّ أحد عشر إلا عشرة، إلا تسعة" إلى آخِره،
стр. 1530
فَخُذ عدد الاستثناءات الأشفاع (وهو خمسة) فأسقطها، فالباقي ستة.
لكن هذه الطريقة لا تأتي إلا في استثناءات متوالية بحيث لا يكون بين كل واحد من المستثنى منه والمستثنى شيء [كما] (١) في مثالنا، فتأمله.
وطُرُق أخرى لا نُطَوِّل بها.
وكل ذلك على الصحيح من الأقوال في المسألة. وبه قال البصريون والكسائي؛ لأن الحمل على الأقرب متعيِّن عند التردد.
وقيل: جميع الاستثناءات تجمع وتخرج من أصل المستثنى منه أولًا إن لم يستغرق، وإلا فتُبطل ما وقع به الاستغراق، وتُخرج الباقي من الأصل.
وبه أجاب أبو يوسف حين سأله الكسائي فيمن قال: (له عليَّ مائة إلا عشرة إلا اثنين)، فقال: يلزمه ثمانية وثمانون.
وقيل: الأمران محتملان حتى يعمل في نحو الإقرار باليقين ويُلغى المحتمل.
وفي قول رابع للفراء: إن الاستثناء الثاني منقطع، لكنه يصير المستثنى به ثابتًا، فتضمه في الثبوت للمستثنى منه أولًا، فيلزمه في مسألة أبي يوسف اثنان وتسعون كما يقوله البصريون ومَن وافقهم، لكن لا مِن حيث إنه استثناء مما قبله، بل لأن المراد: لكن له عندي اثنان مع التسعين الباقية بعد الاستثناء الأول.
وبالجملة: فالراجح القول الأول، حتى نقل فيه الأستاذان أبو إسحاق وأبو منصور إجماع أصحابنا عليه.
وفيه نظر؛ فقد قال الحناطي -فيما حكاه الرافعي عنه- فيما لو قال: (أنت طالق ثلاثًا
стр. 1531
إلا ثنتين إلا واحدة): يحتمل أن يعود الثاني إلى المستثنى منه أولًا. أي: فتطلق واحدة؛ لأن الثاني إذا عاد للأول، صَيَّر الاستثناء مستغرقًا، فيبطله وحده؛ لأنه الذي به الاستغراق. ولكن المرجَّح خِلافه حتى تطلق ثنتين، لأن كل استثناء مما يليه. حتى قال في "الروضة": إنه الصواب.
فقول بعضهم: (إن قول الحناطي قوي؛ لأنَّ مقابِلَهُ ليس له مأخذ غير القُرْب، والقُرْب لا يقتضي تَعَيُّنًا، إنما يقتضي رجحانًا. كما قال البصريون في تنازع العاملين: إنَّ إعمال الثاني أَوْلى؛ لِقُربه. مع اتفاقهم مع الكوفيين على جواز الوجهين) بعيد؛ لأن الفصل في كثير من الأماكن يقتضي المنع، فَعَوْده لِمَا يَلِيه مع [القُرب] (١) سالِمٌ مِن الانفصال، فَتَعَيَّن القول به.
أما إذا كانت الاستثناءات متعاطفة نحو: (عشرة إلا أربعة وإلا ثلاثة وإلا اثنين)، فيرجع الكل للمستثنى منه أولًا؛ حملًا للكلام على الصحة ما أَمكن، فإنَّ عَوْد كلٍّ لِمَا يليه قد تَعذَّر بانفصاله بأداة العطف.
هذا إذا لم يلزم مِن عود الكل الاستغراق.
فإنْ كان يلزم منه استغراق، نحو: (له عليَّ عشرة إلا ستة وإلا خمسة)، ألغي ما يقع به الاستغراق، فيلزم أربعة. وكذا: (عشرة إلا خمسة وإلا ستة) يَلزم خمسة. و: (عشرة إلا خمسة وإلا خمسة) يَلزم: خمسة.
قال القاضي أبو الطيب: إذا كان المجموع مساويًا للأصل أو أزيد ببعضها أو بمجموعها فإنْ حصلت المساواة بالاستثناء الأول فلا شك في فساده. أو بالأول والثاني وكان الثاني مساويًا للأول فقد تَعذَّر رجوعه مع الأول إلى المستثنى، وتعذر رجوعه إلى الثاني؛ للعطف وللمساواة، فيفسد لا محالة.
стр. 1532
وهل يفسد معه الأول أيضًا حتى لا يسقط من المستثنى منه شيء؟ أَم يختص الثاني بالفساد؛ لأنه نشأ منه؟ فيه احتمالان.
قال الهندي: (والظاهر الثاني).
قال: (فإنْ كان الثاني أنقص مِن الأول، تَعارضَا) (١). انتهى
نعم، يَطْرق المعطوفات إذا استغرقت الأصل خِلافٌ مِن أن المفرَّق في المستثنى منه أو في المستثنى هل له حُكم الجمع؟ والجمع فيهما هل له حُكم المفرَّق؟
والصحيح فيهما المنع كما أوضحوه في الفقه في باب الإقرار وغيره.
وأما إذا لم تكن الاستثناءات متعاطفة ولكن بعضها لا يمكن أن يرجع لما يليه؛ لكونه مستغرقًا، نحو: (أنت طالق ثلاثًا إلا ثنتين إلا ثنتين)، أو: (إلا واحدة إلا ثنتين)، فتعاد كلها للأصل أيضًا. فإنْ أدَّى المجموع لاستغراق الأصل، أبْطل ما به الاستغراق كما سبق تقريره في المتعاطفة.
نعم، إذا استغرق استثناءٌ استثناءً بمساواة، احتمل التوكيد كما قاله الرافعي. وقواه بعضهم بأن التوكيد وإنْ كان خِلاف الأصل فالاستثناء أيضًا خلاف الأصل، فلا ينبغي تكثيره.
وقد يجاب بِقِلَّة التوكيد بالنسبة إلى كثرة الاستثناء؛ فقوي جانبه.
واعلم أنَّا إذا فرَّعنا على قول الفراء السابق أن الثاني منقطع فيضم للأصل، ينبغي أن يقال في: (له عليَّ عشرة إلا اثنين إلا اثنين): يلزمه عشرة. وفي: (عشرة إلا اثنين إلا ثلاثة): يلزمه أحد عشر.
стр. 1533
وكأن مستنده في مذهبه أنه لا يستثنى من استثناء. وسيأتي الخلاف فيه، ولا يمكن أن يُعاد للأول؛ للفصل والبُعد، لكن قد قامت الحجة للجمهور في الأمرين كما سبق.
تنبيهات
أحدها: القول في إعراب الاستثناءات متقدمة ومتأخرة مع تفريغ وعدمه من وظيفة النحاة. والأصولي والفقيه إنما يبحثان في المعاني.
نعم، لم يتعرض ابن الحاجب في "مختصره" (١) لمسألة التعدد صريحًا، لكن في نَصْب أدلة القائلين بِعَوْد الاستثناء المتعقِّب للجُمَل إلى الأخيرة ذكر منها ما لو قال: (له عليَّ عشرة إلا أربعة إلا اثنين) فإنما يعود [الأخير إلى] (٢) الذي قبله، لا إلى الكل. ثم أجاب بما يقتضي تسليم القاعدة، وذكر بعد ذلك أيضًا في الأدلة ما يرشد إليها.
الثاني: هذه المسألة مفرَّعة على مسألة جواز الاستثناء من الاستثناء، وهو الصحيح. وبه قال سيبويه، وترجم عليها "باب تثنية المستثنى".
وحكى ابن العربي في "المحصول" عن بعضهم منعه (٣). وحكى مجلي في "الذخائر" في "باب الإقرار" أن بعض الفقهاء حكى المنع عن بعض أهل العربية؛ لأن العامل في الاستثناء الفعل الأول بتقوية حرف الاستثناء، والعامل الواحد لا يعمل في معمولين.
وكذا قال الروياني: إن مِن أهل اللغة مَن ينكر ذلك؛ لهذه العلة.
стр. 1534
وأجاب المانعون عما استدل به الجمهور مِن قوله تعالى: ﴿إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨) إِلَّا آلَ لُوطٍ﴾ [الحجر: ٥٨، ٥٩] الآية - بأن الاستثناء الثاني وهو: ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ [الحجر: ٦٠] إنما هو من قوله: ﴿أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٥٩].
قال الروياني: (والمجوزون يقولون: العامل "إلا"). انتهى
وكون العامل "إلا" هو مُرَجَّح ابن مالك في "التسهيل" وفاقًا لسيبويه والمبرد والجرجاني.
خلافًا لمن قال: (ما قبلها مُعَدًّى بها أو مستقلًّا) كما هو مذهب ابن خروف، أو: (بِـ: أستثني مضمرًا) كما هو قول الزجاج، أو: (بِـ "أنَّ" مُقَدَّرة بعدها) كما عزاه السيرافي للكسائي، أو: (بِـ "إنْ" مخففة مُركبًا منها ومِن "لَا": إلَّا) (١) كما قاله الفراء.
ومنهم مَن أجاب في الآية -كما أشار إليه صاحب "الذخائر" في كتاب الطلاق- بأنَّ الاستثناء الأول منقطع؛ لأنَّ آل لوط ليسوا مِن المجرمين.
قال: ولم يَحْك الزجاجي سواه.
الثالث:
قولنا في أصل المسألة: (إنَّ محلها إذا أمكن أنَّ كل استثناء مُخْرَجٌ مما قَبْله) يخرج به إذا تَعدَّد وكان المستثنى الثاني عَيْن المستثنى الأول، نحو: (قام القوم إلا الفتى إلا العلاء)، فإنهما واحد خارج من الأصل.
وقولي: (عين المستثنى)؛ ليخرج: (إلا ثلاثة إلا ثلاثة)، فإن ذاك مِثله، لا عَيْنه، وقد سبق الكلام عليه. والله تعالى أعلم.
стр. 1535
وقولي في النَّظم: (وَوَارِدٌ مِنْ بَعْدِ سَبْقِ جُمَلِ) تمامه قولي بعده:
ص:
٦٣٣ - أَوْ مُفْرَدَاتٍ عُطِفَتْ بِالْوَاوِ ... وَلَمْ يَطُلْ فَصْلٌ مَعَ التَّسَاوِي
٦٣٤ - في نَفْيِ مَانِعٍ فَرَاجِعٌ إلَى ... جَمِيعِهَا، وَإنْ رَأَيْتَ جُمَلَا
الشرح:
والإشارة بذلك من قولي: (وَوَارِدٌ) إلى قولي: (جَمِيعِهَا) إلى مسألة الاستثناء المتعقب لمتعدد من جمل أو مفردات هل يعود للكل؟ أو للأخير؟
وهي عكس المسألة التي قبلها، فإنَّ تلك في تعدُّد الاستثناء، وهذه في تعدُّد ما يمكن عَوْد الاستثناء إليه، وربما كانا متعددين. ويُعلم حُكمه مِن حُكم كُلٍّ من الأمرين.
والحاصل: أن الاستثناء إذا تعقب مذكورات متعاطفة بالواو، فإنْ لم يمكن عَوْدُه إلى كُلٍّ منها لدليل اقتضى عَوْدَه للأول فقط أو للأخير فقط أو كان عائدًا إلى كل منها بالدليل، فلا خلاف في العود إلى ما قام له الدليل.
وإنْ أَمكن بأنْ تَجرد عن قرينة شيء مِن ذلك، فهو محل الخلاف الآتي بيانه.
فمثال ما دل على عوده للأول دليل فيعود إليه قطعًا: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ﴾ [البقرة: ٢٤٩] الآية، فاستثناء ﴿مَنِ اغْتَرَفَ﴾ إنما يعود إلى ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ﴾، لا إلى ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ [الأحزاب: ٥٢] الآية، فاستثناء ﴿مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ [الأحزاب: ٥٢] يعود إلى لفظ "النساء"، لا إلى الأزواج؛ لأن زوجته لا تكون مِلك يمينه.
стр. 1536
وحديث: "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة إلا زكاة الفطر في الرقيق" (١).
ونحو ذلك ما قال أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ﴾ [النساء: ٨٣] إلى قوله: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾: إنه استثناء مِن الجملة الأولى.
ومثال العائد للأخير جزمًا -للدليل- لا إلى غيره: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ [النساء: ٩٢] الآية، فإنَّ ﴿إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ إنما يعود للدية، لا للكفارة.
ونحوه: ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ [النساء: ٤٣] لا يعود للسُّكْر؛ لأن السكران ممنوع من دخول المسجد؛ إذْ لا يُؤْمَن مِن تلويثة. قاله ابن أبي هريرة في "تعليقِه".
أو للأخير جزمًا وإنْ كان في غيره محتملًا، فيجري فيه الخلاف، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤] الآية، فـ ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ [النور: ٥] عائد للإخبار بأنهم فاسقون قطعًا حتى يزول عنهم -بالتوبة- اسمُ "الفسق". بل قال بعض أصحابنا: ويلزم منه لازِم الفسق، وهو عدم قبول الشهادة، خلافًا لقول أبي حنيفة: إنه [تزول] (٢) سِمةُ الفسق ولا تُقبل شهادته؛ عملًا بما سيأتي من قاعدته وهو العَوْد للأخير، لا إلى غيره.
ولا يعود في هذه الآية للجَلد المأمور به قطعًا؛ لأن حد القذف حَقُّ آدمي؛ فلا يَسقط بالتوبة.
وهل يعود إلى قبول الشهادة، فتُقبل إذا تاب؟ أوْ لا فلا تقبل؟
فيه الخلاف الآتي.
ومثال العائد للكل قطعًا بالدليل: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ﴾ [المائدة: ٣٣] الآية، فـ ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ عائد للجميع بالإجماع كما قاله ابن السمعاني.
стр. 1537
وكذا قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] الآية، فـ ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ عائد للكل.
وكذا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] الآية، فَـ ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ عائد للجميع. قال السهيلي: بلا خلاف.
أما ما تَجرد عن القرائن وأَمكَن عَودُه للأخير ولغيره ففيه مذاهب، أصولها ثلاثة: العَوْد للجميع، أو للأخير فقط، أو الوقف. وما سوى ذلك من الأقوال فإنما هو في إثبات قرينة صارفة أو نفيها كما سيتضح ذلك في محله.
فالمذهب الأول: وهو العود إلى الجميع. به قال الشافعي كما حكاه الماوردي والروياني، ونقله البيهقي في "سُننه" في "باب شهادة القاذف" عن نَصه، فقال: (قال الشافعي: والاستثناء في سياق الكلام على أول الكلام وآخِره في جميع ما يذهب إليه أهل العلم، لا يُفرق بين ذلك أحد) (١). انتهى
وكذا نقله غيره عن نَص "الأُم"، إذْ قال في "باب الخلاف في إجازة شهادة القاذف" في المناظرة بينه وبين مَن يمنع شهادة القاذف إذا تاب مع انتفاء اسم الفسق عنه استنادًا إلى عَوْد الاستثناء للأخير فقط:
(فقلتُ لقائل هذا: أرأيت رجلًا لو قال: "والله لا أكلمك أبدًا، ولا أدخل لك بيتًا، ولا آكل لك طعامًا، ولا أخرج معك سفرًا أبدًا، وإنك لغير حميد عندي، ولا أكسوك ثوبًا إن شاء الله" أيكون الاستثناء واقعًا على ما بَعد قوله: "أبدًا"؟ أو على ما بعد: "غير حميد عندي"؟ أَم على الكلام كله؟
قال: بل على الكلام كله.
стр. 1538
قلتُ: فكيف لم توقع الاستثناء في الآية على الكلام كله وأوقعت في هذا الذي هو أكثر في اليمين على الكلام كله؟ ) (١). انتهى
قلتُ: قد يقال: إنَّ الشافعي إنما ألزم بذلك الخصم، والمناظِر قد يُلزم الخصم بما لا يعتقده، وأيضًا فإنما ألزمه في تعقيب الكلام بـ "إن شاء الله"، وسيأتي أنه ليس الخلاف بيننا وبين الحنفية إلا في الاستثناء بِـ "إلا" ونحوها مِن أدواته.
وأما "إن شاء الله" فقد سبق أن تسميته استثناءً مَجازٌ، إلا أن يريد الشافعي قياس الاستثناء على "إن شاء الله" الذي هو متفق على عَوْده للكل.
وأما ما حكاه البيهقي فيحتمل أنَّ المراد بالاستثناء فيه "إنْ شاء الله"، وهو وفاق.
ولأجل ذلك قال القاضي أبو الطيب: (وما وجدت مِن كلام الشافعي ما يدل عليه إلا أنه قال في "كتاب الشاهد واليمين": إذا تاب القاذف، قبلت شهادته، وذلك بيِّنٌ في كتاب الله . وهذا يدل على أنه رَدَّ الاستثناء إلى الفسق ورَدِّ الشهادة. وقد استدل أبو إسحاق وغيره من أصحابنا على قبول شهادته بعموم الاستثناء). انتهى
قلتُ: ويحتمل أن الشافعي إنما قال ذلك لأنه إذا انتفى الفسق، وجب قبول شهادته؛ للتلازم.
وقد أشار إلى ذلك الشافعي في بعض مناظرات الخصم، فقال في "الأم" -في الباب الذي سبق ذِكره بَعد أن قال له محمد بن الحسن: (إن أبا بكرة قال لرجل استشهده: لا تستشهدني، فإن المسلمين فَسَّقُوني)، أي: وإنْ كنتُ قد تُبْتُ- ما نصه:
(وفيما قال دلالة على أن المسلمين لا يُلزمونه اسم "الفسق" إلا وشهادته غير جائزة، ولا
стр. 1539
يُجَوِّزون شهادته إلا وقد أسقطوا عنه اسم "الفسق") (١) إلى آخِر ما قال ﵁.
وعلى كل حال فهذا مذهب الشافعي. وإنْ وقع في بعض نصوصه ونصوص أصحابه ما قد يخالف ذلك فِلأَمر آخَر سيأتي في ذِكر المذاهب الآتية بيانُه.
وممن قال بذلك أيضًا مالك كما نقله عنه ابن القصار، وقال: إنه الظاهر من [مذاهب] (٢) أصحابه.
ويُحكى عن عبد الجبار، ونقله ابن القشيري عن القاضي أبي بكر.
وهو المرجَّح أيضًا عند الحنابلة، ونقلوه عن نَص أحمد حيث قال في حديث "لا يؤَمنَّ الرجل في سلطانه ولا يُجلس على تكرمته إلا بإذنه" (٣): أرجو أن يكون الاستثناء على كله. نعم، يُقيد محل الخلاف في عَوْدِه للكل أو للأخير بقيود، منها ما يقتضي أن يعود للكل قطعًا، ومنها ما يقتضي أن يعود للبعض قطعًا. وكل منهما إما على المرجَّح أو على رأي مرجوح، فتُذكر هاهنا؛ لأن كثيرًا منها مخصِّص للقول الذي بدأنا به وهو أرجَح المذاهب وهو العَوْد إلى الكل وإنْ كان تأخيرها عن المذاهب جميعها أَنْسَب مِن تلك الجهة.
منها:
أن يكون المتعدد السابق جُملًا كما عبَّر به الأكثرون، وبه عبر ابن الحاجب والبيضاوي وغيرهما، ولكن كلام أصحابنا في الفروع واستدلالات الأصوليين في المسألة [صريحة] (٤)
стр. 1540
بأنه لا فرق، ودليل على أن مَن عبر به إنما هو باعتبار الغالب؛ فإن العَوْد إلى جميع المفردات أَوْلى مِن الجُمَل، بل في كلام ابن الحاجب وغيره ما يؤخَذ منه الاتفاق في المفردات.
وقد مثَّل الرافعي وغيره المسألة في الوقف بِـ (وقفتُ على أولادي وأحفادي وإخوتي المحتاجين إلا أن يفسق بعضهم) وهي مفردات، إلا أن يقال: العامل في كُلٍّ فِعل آخر، [فتصير] (١) جُملًا. لكنه ضعيف في العربية.
ومثَّله الإمام في "البرهان" بصريح الجُمل، فقال: (كَـ: وقفتُ على بني فلان داري، وحبستُ على أقاربي ضيعتي، وسبلت على خَدَمي بيتي، إلا أن يفسق واحد منهم) (٢).
ولهذا عبرّتُ في صدر المسالة بأنه إذا تعقب مذكورات كما صرحت بالأمرين في النَّظم.
نعم، يبقى النظر فيما يسمى جملة، والمشهور أنها الاسمية من مبتدأ وخبر، والفِعلية من فعل وفاعل.
وقال ابن تيمية: المراد بها هنا اللفظ الذي فيه شمول ويصح إخراج بعضه.
ولهذا مثَّلوا بالأعداد، وكذا آية: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣]، فهي مفردات مُؤَوَّلة مِن "أنْ" والفعل، عقبها قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾.
وحاصله يرجع إلى أن مَن عَبَّر بالجمل فإنما أراد الأَعَم بالتقرير الذي ذكره، وهو حَسَن.
ومنها:
أن يكون المذكورات قبل الاستثناء متعاطفة كما صرح به القاضي في "التقريب" والقاضي أبو الطيب والشيخ أبو إسحاق وابن السمعاني وابن القشيري، والسهيلي أبو عبد
стр. 1541
الله وأبو نصر [القشيري] (١) والآمدي وابن الساعاتي والهندي والقرطبي.
واغتر القرافي بمن أطلق -كالإمام الرازي وأتباعه- فحكى الخلاف وإنْ لم يكن عطف. وليس كذلك، بل إطلاق مَن أَطلق محمول على أنه سكت عنه؛ لوضوحه.
وممن أَطلق: الماوردي وإمام الحرمين وابن الصباغ والغزالي والمازري وابن قدامة الحنبلي وغيرهم. وعُذرهم ما ذكرناه، فإنَّ أمثلتهم وكلامهم في المسألة يرشد إلى تقييدها بالعطف، وكذا تصويراتهم في الفروع الفقهية.
فمنه قول أصحابنا: لو قال: (يا طالق، أنت طالق [ثلاثًا] (٢) إن شاء الله)، انصرف إلى الأخير، ويقع بـ "يا طالق" طَلْقة.
نعم، قد يخالف ذلك قولهم فيمن قال: (أنت طالق، أنت طالق، إن شاء الله) قاصدًا للتأكيد: يعود للجميع. ولم يَحْكِ الرافعي فيه خلافًا، ولكن المقصود في التأكيد الأول، والثاني عَيْنه، فلا تَعَدُّد. ولو قال: (أنت طالق واحدة ثلاثًا إن شاء الله) لا يقع شيء أيضًا.
وجوابه أنه كأنه أكد [الأُولى] (٣) بزيادة [اثنين] (٤)، ثم عقَّب بالاستثناء، فعاد للمجموع؛ لعدم تَغايُر الأول مع الثاني.
وفي "كتاب الأيمان": لو قال: (إن شاء الله أنت طالق وعبدي حر)، لا تطلق ولا يُعتَق.
قال الرافعي: (وليكن هذا فيما إذا نوى صرف الاستثناء إليهما. فإنْ أَطْلَق، فيجيء فيه
стр. 1542
خلاف عَوْد الاستثناء للكل أو للأخيرة) (١).
وزاد النووي أن الصحيح التعميم.
فاستفدنا مِن ذلك أن الخلاف جارٍ مع عدم العطف، وأن الاستثناء المتقدم على الجمل يجري فيه الخلاف، وسيأتي خِلافه.
قلتُ: سيأتي أن هذه المسألة إنما هي في الاستثناء الحقيقي، لا في تعليق المشيئة. وتَقدُّم الشرط سيأتي أنه يعود للكل. والظاهر أن ذلك سواء مع العطف وعدمه، فليس مما نحن فيه.
واعلم أن البيانيين ذكروا أن ترك العطف قد يكون لكمال الارتباط، نحو: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢].
وحينئذٍ ففي مِثل ذلك قال الشيخ تقي الدين السبكي: (لا يبعد مجيء الخلاف فيه).
قال ولده في "شرح المختصر": (يحتمل أنهما لما صارا كالجملة الواحدة، فيعود للجميع قطعًا) (٢).
ومنها:
كون العطف بالواو أو نحوها مما يقتضي المشاركة، خلافًا لمن أطلق كما نقله الرافعي عن أصحابنا، وخلافًا لما نقله الرافعي أيضًا عن إمام الحرمين من تقييده بِـ "الواو" في تدريسه، إذْ قال: (ورأى الإمام تقييده بقيدين، أحدهما: أن يكون العطف بالواو الجامعة، فإنْ كان بـ "ثُم"، اختص بالأخيرة. والثاني: أن لا يتخلل بين الجملتين كلام طويل، كما لو قال: "وقفتُ على أولادي، فمَن مات منهم وأعقب، كان نصيبه لأولاده، للذكر مثل حظ الانثيين، وإلا
стр. 1543
فنصيبه لمن في درجته، فإذا انقرضوا، صُرف إلى إخوتي فلان وفلان الفقراء، إلا أن يفسقوا"). انتهى
وجرى على ذلك الآمدي وابن الحاجب وابن الساعاتي.
لكن الصواب أن ما كان مِثل "الواو" في اقتضاء المشاركة كَـ "الواو".
وعبارة ابن القشيري: أما إذا اشتمل الكلام على جُمل متقطعة تُنبئ كل واحدة عما لا تُنبئ عنه أخواتها ولكنها جُمعت بحرف مِن حروف العطف جامع في مقتضَى الوضع ثم تُعُقِّب باستثناء، فهذا محل الخلاف.
ونحوه عبارة الشيخ أبي إسحاق، وإلى ذلك المعنى أشار الإمام فيما سبق نقل الرافعي عنه بقوله: (الواو الجامعة).
فإنْ كان قول الرافعي عقبه: (فإنْ كان بِـ "ثُم"، اختص بالأخيرة) مِن كلام الرافعي أَخَذَه مِن مفهوم تقييده بالواو لا مِن كلام الإمام، فلا يناسب تعبيره بِـ "الجامعة"؛ لأنه قد أفادنا أن كل عاطف جامع كَـ "الواو". ولهذا صرح في النهاية بعدم التقييد بالواو، فقال: إنَّ الظاهر أنَّ "ثم" و"حتى" و"الفاء" مثل الواو في ذلك.
وإنْ كان مِن بقية كلام الإمام، فيخالف ما في "النهاية"، ويقال: ما الفرق بين الواو الجامعة وغيرها مما هو جامع؟
وإذا لم يصح تقييد الإمام بالواو، صح ما قاله الأصفهاني في "شرح المحصول" أنه لم ير التقييد لأحد بالواو قبل الآمدي، فلا يتعجب مِن ذلك كما تعجب منه بعض المتأخرين.
وممن صرح بعدم التقييد بالواو القاضي في "التقريب"، فقال: إذا عطفت بأي حرف كان مِن "فاء" و "واو" وغيرهما.
أي: مما هو في معناهما.
стр. 1544
واعلم أني قيدتُ في النَّظم: (بِالْوَاوِ) جريًا على ما قاله إمام الحرمين وَمن تبعه؛ لظهور حُكم [المسألة] (١) فيها، أو لأن ما في معناها كالفرع عنها، فاقتصرتُ عليها، لا لقصد التقييد بها.
أما ما لم يكن في معنى الواو في الجمع (كَـ "لكن" و"بل" و"أو" و"لا" و"إما") فلا يتأتى فيها ذلك فيما ذكره بعضهم.
وقال القرافي: (لا يتأتى ذلك في "أو"، و"أَم"، و"إما"؛ لأنها لأحد الشيئين لا بِعَيْنه. وأما "بل" و"لا" و"لكن" فيحتمل أنها كالواو، فإنَّ في كل مِن المعطوف بها حُكمًا وإنِ اختلف بالنفي والإثبات، ويحتمل المنع؛ لاختلاف الحكم وهي لأحد الشيئين بعينه، بخلاف "أو" و"أَم" و"إمَّا") (٢).
وسبق أن عبارة القاضي فيها إطلاق أي حرف كان من حروف العطف، ولكن ينبغي أن يُحمل على ما في معنى الواو.
نعم، يشكل على هذا التفصيل أن الماوردي وغيره مَثَّلوا المسألة بآية المحاربة مع أن العطف فيها بِـ "أو".
وحكى الرافعي الخلاف في "بل" قبيل الطلاق بالحساب، فقال: (لو قال: "أنت طالق واحدةً بل ثلاثًا إنْ دخلتِ الدار" فوجهان، أصحهما -وبه قال ابن الحداد- تقع واحدة بقوله: "أنت طالق" وثنتان بدخول الدار، ردَّا للشرط إلى ما يليه خاصة. والثاني: يرجع الشرط إليهما جميعًا إلا أن يقول: أردتُّ تخصيص الشرط بقولي: "بل ثلاثًا") (٣).
стр. 1545
ومنها:
أن لا يتخلل بين الجملتين كلام طويل. فإنْ تخلل، اختص بالأخيرة كما سبق نقله عن حكاية الرافعي عن إمام الحرمين. والمعنى فيه أن طُول الفصل يُشعر بقَطْع الأُولى عن الثانية.
ومنها:
ما ذكره أبو نصر القشيري أنْ لا يكون كل مِن المتعدد [بمعنى] (١) الآخَر، بل يُنبئ عما لا يُنبئ عنه الآخر، كَـ: (اضرب العصاة والجناة والطغاة والبغاة إلا مَن تاب)، فيعود للكل قطعًا. وهذا من قيود نفي الخلاف الآتي.
ومنها:
تَناسُب الجمل، فقد ذكره البيانيون في صحة عطفها حتى لا يعطف إنشاء على خبر، وخبر على إنشاء، ووافقهم ابن مالك، وحينئذٍ فلا يحسُن التمثيل بآية القذف.
لكن أكثر النحويين على الجواز؛ ولهذا مثّل الأئمة بالآية.
ونحو ذلك: مَن يمنع عطف الفعلية على الاسمية وعَكْسَه، لا يمثل بالآية أيضًا؛ لأن ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤] اسمية.
ومنها:
اشتراط بعضهم في محل الخلاف أنْ لا يكون العامل في الكل واحدًا، فإنْ كان العامل واحدًا، عاد للكل قطعًا، نحو: (اهجر بني فلان وبني فلان إلا مَن صلح)، بخلاف آية القذف، فإن العامل فيها متعدد.
واشتراط بعضهم اتحاد العامل، فإنِ اختلف، اختص بالأخيرة.