← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 32476

الفوائد السنية في شرح الألفية

شمس الدين البرماوي

Полный текст (2 306 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

الله وأبو نصر [القشيري] (١) والآمدي وابن الساعاتي والهندي والقرطبي. واغتر القرافي بمن أطلق -كالإمام الرازي وأتباعه- فحكى الخلاف وإنْ لم يكن عطف. وليس كذلك، بل إطلاق مَن أَطلق محمول على أنه سكت عنه؛ لوضوحه. وممن أَطلق: الماوردي وإمام الحرمين وابن الصباغ والغزالي والمازري وابن قدامة الحنبلي وغيرهم. وعُذرهم ما ذكرناه، فإنَّ أمثلتهم وكلامهم في المسألة يرشد إلى تقييدها بالعطف، وكذا تصويراتهم في الفروع الفقهية. فمنه قول أصحابنا: لو قال: (يا طالق، أنت طالق [ثلاثًا] (٢) إن شاء الله)، انصرف إلى الأخير، ويقع بـ "يا طالق" طَلْقة. نعم، قد يخالف ذلك قولهم فيمن قال: (أنت طالق، أنت طالق، إن شاء الله) قاصدًا للتأكيد: يعود للجميع. ولم يَحْكِ الرافعي فيه خلافًا، ولكن المقصود في التأكيد الأول، والثاني عَيْنه، فلا تَعَدُّد. ولو قال: (أنت طالق واحدة ثلاثًا إن شاء الله) لا يقع شيء أيضًا. وجوابه أنه كأنه أكد [الأُولى] (٣) بزيادة [اثنين] (٤)، ثم عقَّب بالاستثناء، فعاد للمجموع؛ لعدم تَغايُر الأول مع الثاني. وفي "كتاب الأيمان": لو قال: (إن شاء الله أنت طالق وعبدي حر)، لا تطلق ولا يُعتَق. قال الرافعي: (وليكن هذا فيما إذا نوى صرف الاستثناء إليهما. فإنْ أَطْلَق، فيجيء فيه

стр. 1542

خلاف عَوْد الاستثناء للكل أو للأخيرة) (١). وزاد النووي أن الصحيح التعميم. فاستفدنا مِن ذلك أن الخلاف جارٍ مع عدم العطف، وأن الاستثناء المتقدم على الجمل يجري فيه الخلاف، وسيأتي خِلافه. قلتُ: سيأتي أن هذه المسألة إنما هي في الاستثناء الحقيقي، لا في تعليق المشيئة. وتَقدُّم الشرط سيأتي أنه يعود للكل. والظاهر أن ذلك سواء مع العطف وعدمه، فليس مما نحن فيه. واعلم أن البيانيين ذكروا أن ترك العطف قد يكون لكمال الارتباط، نحو: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢]. وحينئذٍ ففي مِثل ذلك قال الشيخ تقي الدين السبكي: (لا يبعد مجيء الخلاف فيه). قال ولده في "شرح المختصر": (يحتمل أنهما لما صارا كالجملة الواحدة، فيعود للجميع قطعًا) (٢). ومنها: كون العطف بالواو أو نحوها مما يقتضي المشاركة، خلافًا لمن أطلق كما نقله الرافعي عن أصحابنا، وخلافًا لما نقله الرافعي أيضًا عن إمام الحرمين من تقييده بِـ "الواو" في تدريسه، إذْ قال: (ورأى الإمام تقييده بقيدين، أحدهما: أن يكون العطف بالواو الجامعة، فإنْ كان بـ "ثُم"، اختص بالأخيرة. والثاني: أن لا يتخلل بين الجملتين كلام طويل، كما لو قال: "وقفتُ على أولادي، فمَن مات منهم وأعقب، كان نصيبه لأولاده، للذكر مثل حظ الانثيين، وإلا

стр. 1543

فنصيبه لمن في درجته، فإذا انقرضوا، صُرف إلى إخوتي فلان وفلان الفقراء، إلا أن يفسقوا"). انتهى وجرى على ذلك الآمدي وابن الحاجب وابن الساعاتي. لكن الصواب أن ما كان مِثل "الواو" في اقتضاء المشاركة كَـ "الواو". وعبارة ابن القشيري: أما إذا اشتمل الكلام على جُمل متقطعة تُنبئ كل واحدة عما لا تُنبئ عنه أخواتها ولكنها جُمعت بحرف مِن حروف العطف جامع في مقتضَى الوضع ثم تُعُقِّب باستثناء، فهذا محل الخلاف. ونحوه عبارة الشيخ أبي إسحاق، وإلى ذلك المعنى أشار الإمام فيما سبق نقل الرافعي عنه بقوله: (الواو الجامعة). فإنْ كان قول الرافعي عقبه: (فإنْ كان بِـ "ثُم"، اختص بالأخيرة) مِن كلام الرافعي أَخَذَه مِن مفهوم تقييده بالواو لا مِن كلام الإمام، فلا يناسب تعبيره بِـ "الجامعة"؛ لأنه قد أفادنا أن كل عاطف جامع كَـ "الواو". ولهذا صرح في النهاية بعدم التقييد بالواو، فقال: إنَّ الظاهر أنَّ "ثم" و"حتى" و"الفاء" مثل الواو في ذلك. وإنْ كان مِن بقية كلام الإمام، فيخالف ما في "النهاية"، ويقال: ما الفرق بين الواو الجامعة وغيرها مما هو جامع؟ وإذا لم يصح تقييد الإمام بالواو، صح ما قاله الأصفهاني في "شرح المحصول" أنه لم ير التقييد لأحد بالواو قبل الآمدي، فلا يتعجب مِن ذلك كما تعجب منه بعض المتأخرين. وممن صرح بعدم التقييد بالواو القاضي في "التقريب"، فقال: إذا عطفت بأي حرف كان مِن "فاء" و "واو" وغيرهما. أي: مما هو في معناهما.

стр. 1544

واعلم أني قيدتُ في النَّظم: (بِالْوَاوِ) جريًا على ما قاله إمام الحرمين وَمن تبعه؛ لظهور حُكم [المسألة] (١) فيها، أو لأن ما في معناها كالفرع عنها، فاقتصرتُ عليها، لا لقصد التقييد بها. أما ما لم يكن في معنى الواو في الجمع (كَـ "لكن" و"بل" و"أو" و"لا" و"إما") فلا يتأتى فيها ذلك فيما ذكره بعضهم. وقال القرافي: (لا يتأتى ذلك في "أو"، و"أَم"، و"إما"؛ لأنها لأحد الشيئين لا بِعَيْنه. وأما "بل" و"لا" و"لكن" فيحتمل أنها كالواو، فإنَّ في كل مِن المعطوف بها حُكمًا وإنِ اختلف بالنفي والإثبات، ويحتمل المنع؛ لاختلاف الحكم وهي لأحد الشيئين بعينه، بخلاف "أو" و"أَم" و"إمَّا") (٢). وسبق أن عبارة القاضي فيها إطلاق أي حرف كان من حروف العطف، ولكن ينبغي أن يُحمل على ما في معنى الواو. نعم، يشكل على هذا التفصيل أن الماوردي وغيره مَثَّلوا المسألة بآية المحاربة مع أن العطف فيها بِـ "أو". وحكى الرافعي الخلاف في "بل" قبيل الطلاق بالحساب، فقال: (لو قال: "أنت طالق واحدةً بل ثلاثًا إنْ دخلتِ الدار" فوجهان، أصحهما -وبه قال ابن الحداد- تقع واحدة بقوله: "أنت طالق" وثنتان بدخول الدار، ردَّا للشرط إلى ما يليه خاصة. والثاني: يرجع الشرط إليهما جميعًا إلا أن يقول: أردتُّ تخصيص الشرط بقولي: "بل ثلاثًا") (٣).

стр. 1545

ومنها: أن لا يتخلل بين الجملتين كلام طويل. فإنْ تخلل، اختص بالأخيرة كما سبق نقله عن حكاية الرافعي عن إمام الحرمين. والمعنى فيه أن طُول الفصل يُشعر بقَطْع الأُولى عن الثانية. ومنها: ما ذكره أبو نصر القشيري أنْ لا يكون كل مِن المتعدد [بمعنى] (١) الآخَر، بل يُنبئ عما لا يُنبئ عنه الآخر، كَـ: (اضرب العصاة والجناة والطغاة والبغاة إلا مَن تاب)، فيعود للكل قطعًا. وهذا من قيود نفي الخلاف الآتي. ومنها: تَناسُب الجمل، فقد ذكره البيانيون في صحة عطفها حتى لا يعطف إنشاء على خبر، وخبر على إنشاء، ووافقهم ابن مالك، وحينئذٍ فلا يحسُن التمثيل بآية القذف. لكن أكثر النحويين على الجواز؛ ولهذا مثّل الأئمة بالآية. ونحو ذلك: مَن يمنع عطف الفعلية على الاسمية وعَكْسَه، لا يمثل بالآية أيضًا؛ لأن ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤] اسمية. ومنها: اشتراط بعضهم في محل الخلاف أنْ لا يكون العامل في الكل واحدًا، فإنْ كان العامل واحدًا، عاد للكل قطعًا، نحو: (اهجر بني فلان وبني فلان إلا مَن صلح)، بخلاف آية القذف، فإن العامل فيها متعدد. واشتراط بعضهم اتحاد العامل، فإنِ اختلف، اختص بالأخيرة.

стр. 1546

ولا يخفى ضَعْفُ الأمرين؛ لِمَا ذكر الأئمة مِن الأمثلة في محل الخلاف. وكذا اشتراط تأخُّر الاستثناء. ولكن الصواب لا فرق. وأما المتوسط بين جملتين إحداهما معطوفة على الأخرى فَقَلَّ مَن تَعرَّض له، وقد ذكره الأستاذان أبو إسحاق وأبو منصور، نحو: (أَعْطِ بني زيد إلا من عصاك، وأَعْطِ بني عمرو). وحكيَا عن الأصحاب فيها وجهين: الرجوع إليهما، وإلى ما قَبله دُون ما بَعده. ثم ذكرَا كلامًا في الأمر والخبر وأَطالَا فيه. وقياس قول أبي حنيفة باختصاصه بالجملة التي تليه أنَّ الاستثناء إذا تَقدم، اختص بالجملة الأُولى. وربما خرج من هذه القيود مذاهب غير ما سنذكره من المذاهب الأصلية. فالمذهب الثاني في المسألة: أنه عند التجرد عن قرينة للكل أو للبعض إنما يعود للأخير فقط، وهو قول أبي حنيفة وأكثر أصحابه، واختاره الإمام الرازي في "المعالم"، وقال الأصفهاني في "القواعد": إنه الأشبه. ونقله صاحب "المعتمد" عن الظاهرية، ويحكَى أيضًا عن أبي عبد الله البصري من المعتزلة وعن أبي الحسن الكرخي، وإليه ذهب الفارسي، وحكاه إلْكِيَا وابن برهان عنه، واختاره المَهَابَاذيُّ في "شرح اللمع". وقد يُظَنُّ أن ذلك مذهب الشافعي؛ لأن النصوص -كما قال الشيخ أبو إسحاق- فيما لو قال: (أنت طالق طلقة وطلقة إلا طلقة) وقوع طلقتين. وفي وجهٍ: طلقة. فيظن أن هذا [بناءه] (١) على عَوْدِه للجميع، وأن النص بناء على عَوْده للأخير.

стр. 1547

ونحوه ما قاله ابن الصباغ في: (أنت طالق ثلاثًا وثلاثًا إلا أربعًا) أنه يقع ثلاث؛ إذ لو أُعيد للجميع لَوقعت طلقتان. ولكن ليس الأمر كذلك، إنما ذلك لقاعدة أن المفرَّق لا يُجْمَع على الأصح. ونحو ذلك أيضا ما قاله القاضي أبو الطيب: (لو قال: "له عليَّ درهم ودرهم إلا درهمًا" يَلزمه درهمان على المنصوص). نعم، لذلك مدْرَك آخَر، وهو أن عَوْد الاستثناء للجميع هل معناه إلى كل واحد؟ أو إلى المجموع ويوزع عليها؟ فيه خلاف حكاه الماوردي وفرَّع عليه لو قال: (له عليَّ ألف درهم ومائة دينار إلا خمسين) وأراد بالخمسين جنسًا غيرهما، فيُقبَل منه. فإنْ أراد عَوْده إلى أحدهما، عُمِل به، أو إليهما معًا بمعنى نقص خمسين مِن كل منهما، عُمِل به، أو يُنصف الخمسين عليهما، عُمل به. وإنْ مات قبل البيان، قال: فعند أبي حنيفة يعود إلى ما يليه، وعند أصحابنا يعود إليهما. ثم اختلفوا على وجهين: أحدهما: على معنى إخراج خمسين مِن كل منهما. والثاني: يعود إليهما نصفين، مِن كلٍّ خمس وعشرين (١). ولم يصحح الماوردي شيئًا، وذكرهما الروياني في "البحر" وصحح الأول. ويظهر أثر هذا الخلاف -الذي ذكره الماوردي- فيما لو قال: (أكرِم بني تميم وبني بكر إلا ثلاثة)، هل معناه: إلا ثلاثة مِن كل قبيلة؟ أو إلا ثلاثة من المجموع؟ وبالجملة فقد استُدل لهذا المذهب بأن الاستثناء لَمَّا لم يكن [مستقلًّا] (٢) واحتاج إلى ما

стр. 1548

يعود عليه وأمكن الاكتفاء بما يليه، لم [يُعْدَل] (١) إلى سابق على ذلك. وجوابه أن الجمل أو المفردات المتعاطفة تُصَيِّر الكل كالجملة الواحدة، فلا يقتصر به على البعض؛ بدليل الشرط، فإنه يعود للكل قطعًا. نعم، إن كان أبو حنيفة لا يفرق بينهما، فلا يُستدل بالقياس على الشرط. وستأتي المسألة. فإنْ قيل: الفرق تَقدُّم الشرط وتأخُّر الاستثناء. قيل: قد يتقدم الاستثناء وقد يتأخر الشرط، سواء قلنا: المتقدم الجواب، أو: [دليل] (٢) الجواب. قال القرطبي: وقد خالف أبو حنيفة أصله، فإنه يلزمه أن لا تُقبل التوبة قبل الحد ولا بعده كما قال بذلك شريح، لكنه قال بقبولها قَبله لا بَعده، فخالف أصله. الثالث من المذاهب: الوقف حتى تقوم قرينة تَصرفه للكل أو للأخير أو للأول أو للأوسط كما في الأمثلة السابقة. قال سليم: وهو مذهب الأشعرية. وحكاه ابن برهان عن القاضي، واختاره الغزالي والإمام الرازي في "المنتخب"، وفي الكلام على التخصيص من "المحصول" التصريح به. وحكاه إلْكِيَا عن اختيار إمام الحرمين، قال: فقيل له: فقد قال الشافعي: إذا قال الواقف: "وقفتُ داري على فلان وحبست أرضي على بني فلان" وذكر نوعًا آخر ثم قال: "إلا الفساق"، فينصرف الاستثناء إلى الكل.

стр. 1549

فأجاب بأن ذلك للتعارض بين الجميع وما يليه، لا لأنه يعود للكل. قال إلْكِيا: (وهذا المأخذ غير مَرْضي؛ فإنَّ التوقف في المستثنى يوجب التوقف في المستثنى منه). نعم، نقل ابن القشيري والمازري أن التوقف إنما هو إذا كانت الجمل متناسبة ولا قرينة. فإنْ كانت مختلفة الجهات [متباينة] (١) المأخذ، فالظاهر الاختصاص بالجملة الأخيرة، للانقطاع [بينها] (٢) في المعنى والغرض وإنْ أمكن العود للكل. واختار إلْكِيَا ذلك، وقال: إنه حسن جدًّا، وإن به يتهذب مذهب الشافعي ويُغني عما عداه. تنبيه: حكوا قول الوقف عن المرتضى، إلا أنه يقول به لكونه عنده مشتركًا بين عَوْده للكل والأخير فقط، بخلاف تَوقُّف القاضي، فإنه لعدم العلم بمدلوله لغةً. بل بعضهم يغاير بين قولَي الاشتراك والوقف كما فعل في "جمع الجوامع". والصواب أنه قول واحد وإنِ اختلف مدْرَك التوقف؛ ولهذا لم يعد ما ذكره بعد مِن تخصيص محل الوقف قولًا آخر، وذلك أن الأثبت في النقل عن المرتضى ما حكاه صاحب "المصادر" أنه يقطع بِعَوْده إلى الجملة الأخيرة فقط، ويتوقف في الرجوع إلى غيرها، وهو أَعلم بمذهبه؛ لأنه شيعي مثله. الرابع ما سبق اختيار إلْكِيَا له، ونحوه ما حكى ابن برهان في "الأوسط" عن عبد

стр. 1550

الجبار أنَّ الجُمَل إنْ سِيقت لمقصود واحد، عاد للكل، أو لأغراض مختلفة، اختص بالأخيرة. الخامس: إنْ ظهر أنَّ الواو الواقعة بين الجملتين فأكثر للابتداء، نحو: (أكرم بني تميم والنحاة البصريين إلا البغاددة)، اختص بالأخيرة. وإنْ تَردد بين العطف والابتداء، فالوقف. السادس: إنْ كانت الجملة الثانية إعراضًا وإضرابًا عن الأُولى، اختص بالأخيرة، وإلا انصرف للجميع. حكاه ابن برهان عن أبي الحسين البصري، لكن الذي في "المعتمد" حكايته عن عبد الجبار وأقرَّه. نعم، قال ابن برهان: إن ما قاله أبو الحسين هو المعتمد، وإنه مذهب الشافعي، وإنه لم ينقل عن الشافعي في ذلك نَص بخصوصه، بل أُخذ من مسألة المحدود بالقذف. ونحن نُبيِّن أنَّ الشافعي إنما صار إلى ذلك؛ لأن ذِكر الجمل هناك لم يكن إضرابًا عن المتقدم، إنما مساق الآيات لغرض واحد وهو الجرأة على تلك الجريمة. واختار هذا أيضًا ابن السمعاني في "القواطع". الساب: ما حكاه في "المحصول" عن أبي الحسين: إنْ كان بينهما تَعلُّق، عاد للجميع، وإلا اختص بالأخيرة. وقال: (إنه التحقيق). وحُكيت أقوال أخرى غير ذلك، والمدار في ذلك كله ما ذكرنا من أنَّ في الكلام قرينة صارفة أوْ لا. فكل مَن تخيل قرينة، أَدَار عليها الحكم. فائدة: كان القاضي جلال الدين القزويني يقول: إنَّ عَوْد الاستثناء للجميع يَلزم منه تَوارُد عوامل على معمول واحد.

стр. 1551

وجوابه أن مَن يجعل العامل "إلا" كابن مالك، لا يَلزمه ذلك. ومَن لا يقول بذلك، قد يقول: حذف مِن المتقدم؛ لدلالة المتأخر. على أنَّ ابن مالك وغيره جوَّزوا ذلك في نحو: (جاء زيد وأتى عمرو العاقلان). وقيل: يجب القطع. والله أعلم. قولي: (وَإنْ رَأَيْتَ جُمَلَا) تتمته قولي بعده: ص: ٦٣٥ - أَوْ جُمْلَتَيْنِ بِاقْتِرَانِ أَمْرِ ... فَالِاسْتِوَا في الْحُكْمِ لَيْسَ يَجْرِي الشرح: وهو إشارة إلى المسألة المشهورة بأن دلالة الاقتران حُجة؟ أو لا؟ ولها مناسبة بالمسألة السابقة؛ لأن الاستثناء إذا أُعيد للجميع، وجب الاقتران في الاستثناء. وحاصل هذه المسألة: أن القِران بين أمرين في اللفظ في حُكم هل يقتضي التسوية بينهما في غيره من الأحكام؟ أو لا؟ الجمهور على المنع، فيعطف واجب على مندوب، كقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]. وقال المزني وأبو يوسف من الحنفية: يقتضي التسوية؛ لأن العطف يقتضي المشاركة، نحو: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]؛ فلذلك لا تجب الزكاة في مال الصبي؛ لأنه لو أريد دخوله في الزكاة لكان فيه عطف واجب على مندوب؛ لأن الصلاة عليه مندوبة اتفاقًا.

стр. 1552

وضُعِّف بأن الأصل في اشتراك المعطوف والمعطوف عليه إنما هو فيما ذكر، لا فيما سواه من الأمور الخارجية. وقد أجمعوا على أن اللفظين العامَّين إذا عُطف أحدهما على الآخر وخُصَّ أحدهما، لا يُقضَى بتخصيص الآخر. على أنَّ إطلاق الخلاف عن أبي يوسف ومَن تبعه من الحنفية ليس بجيد؛ فإن الذي في كُتبهم التقييد بتعاطف الجُمَل الناقصة، نحو: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢]، ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، لأن الجملتين حينئذٍ يصيران كالواحدة، والإشهاد في المفارقة غير واجب، فكذا في الرجعة. بخلاف الجمل التامة، نحو: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، لَمَّا كانتا مستقلتين، لم يَقْتَضِ ثبوتُ حُكم في إحداهما ثبوتَه في الأخرى. وأما تفسير القِران بما ذكرناه فربما يخالفه تفسير الجدليين إياه بأنْ يجمع بين الشيئين في الأمر أو في النهي ثم يتبين حُكم أحدهما، فيُستدل بالقِران على ثبوت ذلك الحكم للآخر، كقوله ﷺ : "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ولا يغتسل فيه من الجنابة" (١). أخرجه أبو داود من حديث أبي هريرة، فَقَرَنَ البول فيه بالاغتسال منه، والبول فيه مفسدة، فكذلك الاغتسال. وهو غير مَرْضِي عند المحققين؛ لاحتمال أن يكون النهي عن الاغتسال فيه لمعنى غَيْر المعنى الذي منع مِن البول فيه لأجله، ولعل المعنى في النهي عن الاغتسال فيه أنه لا يرفع جنابته كما هو مذهب الخضري.

стр. 1553

تنبيه: كثيرًا ما تُذْكَر هذه المسألة في باب الأدلة المختلَف فيها، ومناسبتها ظاهرة، إلا أنَّا [اتبعْنا] (١) "جمع الجوامع" في إيرادها هنا، لِمَا سبق من المناسبة. ومما يظهر فيه فائدة الخلاف فيها ما لو قال: (أحجُّوا عني حجة الإسلام، وأعتقوا كذا، وتصدقوا بكذا) ولم يُقَيد ذلك بكونه مِن الثلث، فهل تتقيد حجة الإسلام بالثلث كما لو قيد بذلك وتكون فائدته في مضايقة أهل الثلث؛ مِن أَجْل اقترانه بما يعتبر من الثلث قطعًا؟ أوْ لا؛ لعدم الاحتجاج بدلالة الاقتران؟ والمرجَّح الثاني؛ لأن دلالة الاقتران غير حُجة على المرجح كما سبق. قولي: (بِاقْتِرَانِ أَمْرِ) في محل نصب على المفعول الثاني لـ "رأي"، أي: مقترنين في أمر من الأمور. وقولي: (فَالِاسْتِوَا في الْحُكْمِ)، أي: في الحكم الخارج عن ذلك لا يجري فيهما أو فيها. والله أعلم. ص: ٦٣٦ - وَالثَّانِ مِنْ مُتَّصِلٍ: شَرْطٌ، وَذَا ... تَعْلِيقُ أَمْرٍ بِأَدَاةٍ تُحْتَذَى ٦٣٧ - نَحْوُ: وَقَفْتُ ذَا عَلَى أَوْلَادِي ... إنْ دَخَلُوا في الْعِلْمِ بِاجْتِهَادِ الشرح: الثاني من المخصصات المتصلة: الشرط. والمراد به هنا اللغوي.

стр. 1554

وهو: تعليق أمر على أمر بِـ "إنْ" أو إحدى أخواتها التي سبق ذِكرها في صِيَغ العموم وبيان معانيها في شرطيتها، نحو: إنْ دخلت الدار فأنت طالق، أو: فأنت حر. ومثال تخصيص العموم به ما أشرت إليه في النَّظم أنْ يقول: (وقفتُ هذا على أولادي إنْ كانوا علماء). فإنَّ مَن ليس بعالم خارجٌ بمفهوم هذا الشرط. وسيأتي أن التخصيص بالمفهوم جائز، أَعَم من أنْ يكون منفصلًا عن العام أو متصلًا به. فالكلام هنا في المتصل في الشرط، وهناك في الأَعَم. واعلَم أن الشرط له ثلاثة إطلاقات سبق بيانها في الكلام على خطاب الوضع، وسبق أن المراد هنا مِن تلك الإطلاقات إنما هو اللغوي الذي هو التعليق، وأنَّ تفسير مَن يفسره هنا بأنه "الذي يَلزم مِن عدمه العدمُ، ولا يَلزم مِن وجوده وجودٌ ولا عدمٌ [لذاته] (١) " كما في أكثر كُتب الأصول -ليس بجيد؛ لأن هذا إنما هو تفسير لإطلاق آخَر مِن الإطلاقات الثلاثة وهو "الشرط" الذي هو قَسِيم للسبب والمانع وغيرهما من خطاب الوضع إذا كانت في الشرع، فإنَّ الثلاثة قد تكون عقلية وعادية، وسبق تمثيلها. على أنه بذلك الإطلاق لا يُفسَّر بهذا أيضًا؛ لأن هذا حُكمه بَعد تَصَوُّره، وإنما حقيقته ما يتوقف عليه تعريف المعرف كما بيَّنتُه هناك، وأن مَن عبَّر بقوله: (ما يتوقف عليه تأثير المؤثِّر) فاسد؛ لأن العِلَل والأسباب مُعرِّفات لا مؤثِّرات (على قول أهل السُّنة). ولو سُلِّم التأثير فيفسد بما أفسد به ابن الحاجب وغيره، وهو أن الحياة شرط في العِلم، فإذا فُرض ذلك في القديم، فيلزم أن يكون هناك تأثير، وهو محُال. فالصواب حينئذٍ التعبير بِـ "التعريف" لا بِـ "التأثير" كما عبَّرنا به، إلا أنْ لا يُراد بِـ "التأثير" حقيقته بل ما له دَخْل في الوجود وعدمه في الجملة. وإذا كان المراد ذلك، فلا يضر

стр. 1555

التعبير به فيما سيأتي من المباحث. أما "الشرط" اللغوي فيرجع إلى السبب؛ لأنه يَلزم مِن وجوده الوجودُ ومن عَدَمِه العدمُ كما قرره القرافي في كتاب "الفروق"، ولكنه بطريق وضع المتكلم ذلك بنطقه. قال القرافي: وإطلاق "الشرط" على هذا وعلى الذي سبق يمكن أن يكون بالاشتراك ويمكن أن يكون بالحقيقة في أحدهما والمجاز في الآخَر، وأنْ يكون بالتواطؤ (١). قلتُ: دعوى التواطؤ بإبداء مَعْنى مشترك بين الإطلاقين إنْ صح فهو أَصوب؛ لأنه خير مِن الاشتراك والمجاز، ولأنه يكون جوابًا لتعريف الأئمة "الشرط" -الذي هو مِن المخصِّصات- بما يتوقف عليه تعريف المعرِّف أو تأثير المؤثِّر أو بما يَلزم مِن عدمه العدمُ، ولا يَلزم مِن وجوده وجودٌ ولا عدمٌ. وتصحيح قول القرافي وغيره أن الشروط اللغوية أسباب، وتقرير ذلك أنَّ القائل: (إنْ دخلت الدار فأنتِ طالق) فيه ثلاثة أمور: تَلفُّظ بهذا الشرط، ووقوع المعلَّق عليه وهو دخول الدار، ووقوع المعلَّق وهو الطلاق. فمَن نظر إلى التلفُّظ ورأَى أنه هو الشرط، صَحَّ أنه يَلزم مِن عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته؛ إذ لا يَلزم مِن التعليقِ الطلاقُ ولا عدمُه. بل إنْ وُجِد المعلَّق عليه، طلقت، وإلا فلا. وَيلزم مِن عدمِ التعليق عدمُ الطلاق مِن هذه الحيثية. ويقال فيه أيضًا: إنه يتوقف عليه تأثير المؤثِّر مِن حيث إنَّ إرادة الزوج الطلاق هو المؤثِّر في طلاقها إذا أَوْجَد لفظًا يقتضيه. ومَن نظر إلى المعلَّق عليه وهو دخول الدار [وسَمَّاه] (٢) "شرطًا" لِكونه يتوقف عليه تأثير

стр. 1556

المؤثِّر وهو تعليق الزوج الطلاق، يقول: إنه صار سببًا [بوضع] (١) المتكلِّم، [فَلَزِمَ] (٢) مِن وجوده الطلاقُ ومن عدمِه عدمُ الطلاق مِن هذه الحيثية. وربما يدعي في الشرط نفسه أنه سبب شرعي، إما لأنه المؤثِّر عند وجود المعلَّق عليه هاما لأنه سبب لكون الدخول صار سببًا، وسَببُ السببِ سَببٌ وإن كان بواسطة كما قرره القرافي في الكتاب المذكور أيضًا. واعْلَم أنه وقع في باب "القياس" مِن "البرهان" لإمام الحرمين أنَّ للشرط دلالتين: إحداهما: مصرح بها، وهي إثبات المشروط عند ثبوت الشرط. والأخرى: ضمنية، وهي الانتفاء. والذي ذكره غيره من الأصوليين أن الشرط لا دلالة له في الإثبات بحال، وإنما يدل في [جانب] (٣) الانتفاء خاصة. وعلى ما قاله يَلزم اتحاد الشرط مع العلة، ورَدَّ عليه الأبياري في "شرحه" وأطال في ذلك، وكذا أبو العباس ابن المنير قال: وما حمله على ذلك إلا رؤيته العِلل تُستعمل بصيغة الشرط كثيرًا؛ فاعتقد أن الشرط اللغوي عِلة. ثم أوَّلَ كلامه بان دخول الدار -مثلًا- ليس عِلة للطلاق شرعًا ابتداءً، لكنه يجوز أن يكون عِلة بوضع المطلِّق وغرضه؛ لأنه قد فَوَّض الشرعُ إليه إيقاعَ الطلاق بلا سبب، فيَلزم أنْ يفوِّض إليه إيقاعَه بوضع سبب له؛ ولهذا لا يقع التعليق غالبًا مِن مُطلِّق إلا لِغرض في مَنعْ المعلَّق عليه.

стр. 1557

قلتُ: ويشهد لهذا التأويل تمسُّك الإمام بقول القائل: (إنْ جئتني، أكرمتك)، فإنه يلزم مِن المجيء استحقاقُ الإكرام، فبَانَ مراده بما سبق في تقرير إطلاقات الشرط وأنه لا يريد أنَّ وجود المعلَّق عليه اقتضَى وجود المعلَّق؛ لذاته، بل للتعليق السابق والجَعْل. وإذا تَقرر أن إطلاق "الشرط" على ذلك كله مِن قبيل [المتواطئ] (١)، صَحَّ تقسيم بعض المتأخرين "الشرط" إلى عقلي وعادي وشرعي ولغوي كما صنع القرافي، وذكر في "قواعده" مما يتميز به اللغوي أنه يمكن التعويض عنه وإبداله وإبطاله، بخلاف الثلاثة الأخرى. قال: لأن القائل: "إنْ دخلت فأنت طالق" إذا نجز الثلاث، كان ذلك عوضًا عن سبب التعليق بسبب آخَر وهو التنجيز. وإذا قال: "إنْ رددتَ عبدي فَلَكَ هذا الدينار" ثم وهبه له، فقد أبدله بالهبة. وإذا علق الطلاق ثم قال: "نجزت ما علقته"، فقد أبطل التعليق بالتنجيز عند مَن يراه. ويتميز اللغوي أيضًا بأنه ومشروطه دائمًا معدومات، وما عداه كل مِن الشرط والمشروط يكون وجودًا وعدمًا. وأيضًا الشرط اللغوي قد يكون غير معلوم، فلا يقع مشروطه، كالتعليق على مشيئة الله لطلاق أو عتق أو نحوهما.

стр. 1558

تنبيهات أحدها: حُكي عن المرتضى مخالفة في كون الشرط مخصِّصًا مخرِجًا لبعض الأفراد كما في الاستثناء، ووافقه صاحب "المصادر" -مِن المعتزلة- على ذلك؛ تَعلُّقًا بأنَّ الشرط إنما يُخرِج بعض الحالات، لا بعض الأفراد. فإنَّ القائل: (أكرم القوم إنْ دخلوا) إنما يفيد تقييد الإكرام بحالة دخولهم، ولولا الشرط لاستحقوا كلهم في كل حال. وردَّه الجمهور بأنَّ مَن دخل، استحق دُون مَن لم يدخل، فهو تخصيص؛ لإخراجه بعض الأفراد؛ لأن القيد لكل فرد [فرد] (١)، لا للمجموع من حيث هو، وإلا لزم في نحو قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] أنْ لا تستحق مَن أرضعت ولدها إلا أن تُرضع جميع نساء العالم أولادهن، فعند ذلك تستحق الكل الأجر. الثاني: الشرط المراد هنا ما كان بِـ "إنْ " وما في معناها كما سبق، بخلاف "لو" فإنه شرط في الماضي يقتضي امتناع جوابها؛ لامتناع شرطها كما سبق. والشرط بِـ "إنْ" وما في معناها متوقَّع في المستقبل إما قطعًا (كَـ: إذا طلعت الشمس فأنت طالق) وإما مع الاحتمال (كـ: إنْ قام زَيد). فإنْ ورَدَ ما يتوهم أنه لماضٍ، أُوِّل، نحو قوله تعالى حكاية عن عيسى ﵊: ﴿إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ﴾ [المائدة: ١١٦]، فإنه إنْ كان قال ذلك في الدنيا فالاستقبال ظاهر، أو يقوله في الآخِرة -وهو الظاهر- فمُؤَوَّل على حذف فِعل مستقبل، نحو: إنْ ثبت أو تبيَّن أني قلتُه فأنت أَعْلم.

стр. 1559

ونحوه قول الشاعر: (أتغضب إنْ أذنا قتيبة حزنا)، أي: إنْ تبيَّن ذلك. الثالث: ذكر في "المحصول" وتبعه البيضاوي وغيره في مسائل "الشرط" هنا ما حذفتُه تبعًا لـ "جمع الجوامع"؛ لقِلة جدواه في كون الشرط تخصيصًا. فمِنه أنَّ الشرط إما أن يقع في الوجود دفعةً أو تدريجًا، وكل منهما إما أن يكون التعليق على وجوده أو عدمه. فما عُلِّق على وجود ما يقع دفعةً لِعدم تركُّبه أو لكون أجزائه لا توجد إلا معًا نحو: (إنْ طلقتك، فأنت طالق)، فالمشروط يقع في أول زمن وقوع الشرط. وما عُلِّق على عدمه نحو: (إنْ لم أطلقك)، فالمشروط يقع أول أزمنة عدمه. وما كان على التدريج نحو: (إنْ قرأت الفاتحة فأنت حر)، فالمشروط يقع عند تكامل أجزائه إنْ عُلِّق بوجوده، وعند انتفاء آخِر جُزء إنْ عُلِّق بعدمه، نحو: (إنْ لم تقرئي الفاتحة فأنت طالق). قلتُ: المسائل الأربع تدور على أن المشروط في الشرط اللغوي -الذي قد بيَّنا أنه سبب- يقع مع الشرط، لا بَعده، وهو الأرجح مِن قولَي الشافعي كما هو موضح في الفقه. إلا أنَّ ما يقع دفعةً ليس له إلا زمن واحد، فكيف يقال: أول أزمنة وجوده؟ ولو قُدِّر تَعدُّد زمنه لَمَا كان يقع حتى يصدق، ولا يصدق إلا في آخِر أزمنته، لا في أولها. وما عُلِّق بعدم هذا إنْ قُيِّد بزمان والتعليق بِـ "إنْ" كَـ: (إنْ لم أطلقك اليوم، فأنت طالق) و: (إنْ لم أَبع في هذا اليوم، فأنت حر) فإنَّ المشروط إنما يقع في آخِر أزمنة العدم، لا في أولها. وإنْ لم يقيد بزمان كـ: (إنْ لم أطلقك، فأنت طالق)، فلا تطلق إلا قبل الموت، وهو آخِر أزمنة العدم الممكن فيها الطلاق، أو قبيل الجنون الحاصل للزوج متصلًا بالموت كما قُرر ذلك كله في الفقه.

стр. 1560

نعم، إنْ كان التعليق بِـ "إذَا" ونحوها فيقع في أول أزمنة العدم إذا مَضَى قَدْر زمن الفعل المعلَّق على عدمه ولم يفعل. وكذا إذا كان التعليق [بفعل] (١) الكف، نحو: (إنْ كففتُ عن طلاقك) أو: (أمسكتُ) أو: (تركتُ). فالإطلاق ليس بجيد. ومما ذكروه أيضًا من المسائل أن كُلًّا من المعلَّق والمعلَّق عليه إما واحد أو عدد، والعدد إما [معلَّق] (٢) بمجموعة أو بواحد منه، فهي تسعة أقسام مِن ضرب ثلاثة في ثلاثة، وأمثلتها ظاهرة؛ فلا نُطَوِّل بها. ومما يذكر هنا أيضا أنَّ دخول الشرط على الشرط هل هو تعليق بالشرطين إذا اجتمعا سواء تَقدم أولهما على ثانيهما أوْ لا؟ أو أنَّ الشرط الثاني شرطٌ في الشرط الأول؟ كَـ: (إنْ دَخلت إنْ كَلَّمْت) يشترط وجود الكلام قبل الدخول. الأرجح في مذهب الشافعي هذا، وأفرد الشيخ تقي الدين السبكي المسألة بالتصنيف. ومثال المسألة قوله تعالى: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ [هود: ٣٤] المعنى: إنْ كان الله يريد أنْ يغويكم، فلا ينفعكم نُصحي إنْ أردتُ أنْ أنصح لكم. الرابع: قولي: (بِأَدَاةٍ) أي: آلة موضوعة لذلك، (تُحْتَذَى) بالذال المعجمة، أي: يُقتدَى بها ويُجْرَى على مثالها. والله أعلم.

стр. 1561

ص: ٦٣٨ - وَهْوَ كَالِاسْتِثْنَاءِ في [اتِّصَالِ] (١) ... وَمَا مَضَى، وَالْعَوْدُ بِالتَّوَالِي ٦٣٩ - لِلْكُل أَوْلَى، وَكَذَاكَ الْأَكْثَرُ ... يَخْرُجُ فِيهِ حَسْبَمَا قَدْ حَرَّرُوا الشرح: اشتمل البيتان على ثلاث مسائل سبق نظيرها في الاستثناء، فيأتي فيها مِثله بوفاق أو خلاف. إحداها: هل يُشترط في الشرط الاتصال كما في الاستثناء؟ الثانية: عَوْد الشرط المتعقِّب لِجُمَل أو مفردات لكُلها، لا للأخِير فقط. وإليها أشرت بقولي: (وَمَا مَضَى). أي: وهو كالاستثناء أيضًا في الذي مضى من مفردات أو جُمل، أي: في عَوْده لكلها، بل عوده في الشرط للكل أَوْلى مِن الاستثناء، لِمَا سنبينه. الثالثة: يجوز إخراج أكثر المفردات بالشرط كما يجوز -على المرجَّح- بالاستثناء. فأما المسألة الأولى: وهي أنه يُشترط الاتصال في الشرط فبلا خِلاف وإنْ جرى في الاستثناء. نعم، سبق أن التعليق بـ "إنْ شاء الله " يسمى "استثناءً" وأنه من محل الخلاف في اتصال الاستثناء، وأنَّ عند بعضهم أنه هو محل الخلاف لا مُطلق الاستثناء، فليكن ذلك خارجًا من محل الاتفاق في الشرط.

стр. 1562

وأما الثانية: فقال الإمام في "المحصول": (اتفق الإمامان الشافعي وأبو حنيفة على رجوع الشرط إلى الكل، وذهب بعض الأدباء إلى أنه يختص بالجملة التي تليه، حتى إنه إنْ كان متأخرًا، اختص بالجملة الأخيرة، أو متقدمًا اختص بالأُولى. والمختار التوقف كما في الاستثناء) (١). انتهى فتَحَصَّلنا منه على ثلاثة آراء في المسألة، ولا يبعد أن يجيء [هنا أيضًا] (٢) توقُّف القاضي المذكور في الاستثناء. نعم، هو أَولى بالعود إلى الكل من الاستثناء كما أشرت إليه في النَّظم؛ بدليل موافقة أبي حنيفة عليه، نحو: اكرِم تميمًا وأَعْطِ مُضَر إنْ نزلوا بك. وفرق أبو حنيفة بأن الشرط له صَدْر الكلام، فهو مُقدَّم تقديرًا، وذلك لأنَّ الشرط إذا تأخر، فما سبق إما نفس الجواب أو دليل الجواب كما هو المرجَّح عند ابن مالك وغيره. قال في "التسهيل": الأداة الشرط صَدْر الكلام، فإنْ تَقدم عليها شبيه بالجواب معنًى فهو دليل الجواب، وليس إياه، خلافًا للكوفيين والمبرد وأبي زيد) (٣). انتهى ولأجل ذلك قال في "شرح التسهيل" في "باب الاستثناء": (واتفق العلماء على تعلق الشرط بالجميع إذا تَقدَّم، فكذا المتأخر في نحو: "لا تصحب زيدًا ولا تَزُرْه ولا تكلمه إنْ ظلمني"، واختلفوا في الاستثناء) (٤). انتهى

стр. 1563

واعلم أن الخلاف في المسألة قديم قبل صاحب "المحصول"، فقد حكى الصيرفي في كتاب "الدلائل" قولين عن أهل اللغة: أحدهما: أنه يرجع إلى ما يليه حتى يقوم دليل على إرادة الكل. والثاني: أنه يعود للكل؛ لأنه وقع في آخِر الكلام؛ فلَم يكن آخر المعطوفات مختصًّا به دون غيره. وحكى الغزالي عن الأشعرية عدم عوده للجميع، وحكى ابن العارض المعتزلي عن علمائهم عَوْدَه للجميع ولو قيل في الاستثناء: يعود للأخير. ثم نقل عن بعض الأدباء ما سبق حكاية الإمام في "المحصول". وأما قوله في "المحصول": (إنَّ الشافعي وأبا حنفية متوافقان) فمردود بحكاية الماوردي وابن كج عن أبي حنيفة أنه كالاستثناء في اختصاصه بالأخير. ثم قال الماوردي: (إن ذلك غلط؛ لقوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: ٨٩] إلى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾، فإنه عائد للجميع، لا الرقبة فقط) (١). وأما النقل عن بعض الأدباء أنه "إنْ تَقدم، اختص بما يليه" فبناء على عدم العَوْد للكل. وكذا قال الهندي: إنه منقول عن كل مَن خصصه بجملة واحدة. لكن قد صرح الصيرفي بأنه يعود للكل، سواء تَقدم أو تأخر، وكذا إلْكِيَا الطبري. وقال أبو الحسن السهيلي -من أصحابنا- في كتاب "أدب الجدل": إنه مذهب الشافعي. ثم حكى عن بعضهم أن المتقدم يعود للجميع، والمتأخِّر للأخير فقط. وهو تفصيل غريب يكون قولًا خامسًا في المسألة.

стр. 1564

وأما المسألة الثالثة: وهي أنه هل يخرج بالشرط الأكثر ويبقى الأقل؟ قال في "المحصول": (واتفقوا على أنه يحسُن التقييد بِشرط أنْ يكون الخارج [منه] (١) أكثر من الباقي وإنِ اختلفوا فيه في الاستثناء) (٢). انتهى فلو قال: (أكرِم بني زيد إنْ كانوا علماء) وكان الجهال أكثر، جاز. بل ولو كان الكل جُهالًا، [يخرج] (٣) الكل بالشرط. لكن قال الصفي الهندي: (إنَّ إبقاء شيء وإنْ قَلَّ [يجب] (٤) تنزله على ما عُلِم أنه كذلك. وأما ما يُجهل الحال فيه فإنه يجوز أن يُقيد ولو بشرط لا يُبقِي مِن مدلولاته شيئًا، كقولك: "أكرِم مَن يدخل الدار إنْ أكرمك" وإنِ اتفق أنَّ أحدًا منهم لم يكرمه) (٥). تنبيه: حكاية الخلاف في الباقي بعد الاستثناء وحكاية الوفاق في الباقي بعد الشرط ما محله مع ما سبق في الباقي بعد التخصيص و [ترجيح] (٦) أنه لا بُدَّ مِن جمع يَقْرُب مِن مدلول العام؟ والجواب: أنَّ ذاك في مطلق التخصيص ولو بمنفصل، وهنا في استثناء وشرط ولو لم يكونا تخصيصًا لعامٍّ سبقهما، فبيْن الموضعين عموم وخصوص مِن وَجْه، ولكل منهما مدْرَك

стр. 1565

يخصه يَظهر مِن أدلة ذلك. والله أعلم. ص: ٦٤٥ - وَالثَّالِثُ: التَّقْيِيدُ بِالْوَصْفِ إذَا ... مَفْهُومُهُ كمَا مَضَى لَنْ يُنْبَذَا الشرح: الثالث من المخصصات المتصلة: "الوصف"، والمراد به ما أَشعر بمعنى يتصف به أفراد العام، سواء أكان نعتًا أو عطف بيان أو حالًا، وسواء اكان ذلك مفردًا أو جملة أو [شبهها] (١) وهو الظرف والجار والمجرور. نحو: (وقفتُ على أولادي الفقراء) أو: (أبوي بكر) إذا كان فيهم مَن يُسَمى أبا بكر ومَن لا يسمى، أو: (أولادي سالكي الطرق الحميدة). ونحو: (على أولادي يقرؤون القرآن) أو: (وَهُم علماء) أو: (على بناتي عند عزوبتهن) أو: (عند فقرهن). سواء كان دالًّا على معنى في العموم باشتقاق مِن اسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة و"أفعل" التفضيل أو بجمود مؤولًا بمشتق نحو: أولادي المكيين، أو: ذوي العلم، أو نحو ذلك. وسواء أكان ذلك الوصف نفسه قائمًا بهم أو غير قائم بهم لكن بسبب قائم بهم، كَـ: (وقفتُ على أولادي القرشية أُمهم)، أو غير ذلك. وقد يفرض ذلك في تمييز ومفعول معه، فيتقيد العموم به.

стр. 1566

وسنذكر من ذلك أمثلة فيما تعقب منه جُملًا: هل يعود [للأخير] (١)؟ أو للكل؟ وما يمثَّل به له من الفروع الفقهية. وقولي: (إذَا مَفْهُومُهُ كَمَا مَضَى لَنْ يُنْبَذَا) أي: الشرط في الوصف المخصص أن يكون له مفهوم معمول به لن يُطرَح، ويخرج بذلك صور: منها: أن يكون الوصف خرج مَخْرَج الغالب، فَطُرح مفهومه كما سبق بيانه في باب المفاهيم. ومنها: أن يساق الوصف لمدح أو ذم أو ترحُّم أو توكيد أو تفصيل كما هو موضح في العربية، فليس شيء من ذلك مخصصًا للعموم. وإنما ينحصر المخصص في [المَسُوق لتخصيص] (٢) أو لإيضاح، لأنه إنْ كان: - لِمعرفة، فللإيضاح، نحو: (أولادي العلماء) و: ([الصلاة] (٣) الوسطى)، ويُسمى عند البيانيين "الصفة المفارقة". - أو لِنكرة، فللتخصيص، كَـ: (أوصيت لكل رجُل فاضل في البلد بكذا). نعم، في كل من الأمرين بحث. أما الأول: فقال الزملكاني (تلميذ ابن الحاجب) في كتابه "البرهان": إن صفة المعَرف بلام الجنس إنما هي [للتخصيص] (٤)؛ لأن الحقيقة الكُلية لو أريدت باسْم الجنس مِن حيث هي هي، كان الوصف لها نسخًا، فتَعَيَّن أن يكون مَعْنِيًّا بها خاص. وهذا معنى

стр. 1567

"التخصيص"، بخلاف "الإيضاح" فإنه لا يخرج به شيء. وقد يقال: لا ينافي هذا كلامهم؛ لأنَّ اسمَ الجنس المعرَّف باللام نَكرةٌ في المعنى؛ فلذلك يوصف بالجملة إنْ رُوعِي المعنى، ويأتي [منها] (١) الحال إنْ رُوعِي التعريف في اللفظ. وأما الثاني: فظاهر تَصرُّف أصحابنا أن صفة النكرة للتوضيح، خلافًا لقول أبي حنيفة: إنها للتخصيص. ولذلك كانت العاريَّة -عندنا- مضمونة؛ لقوله ﷺ في [قصة] (٢) صفوان بن أمية: "عاريَّة مضمونة" (٣) وعنده أمانة إلا إذا شرط ذلك، وعليه يُحمل الحديث. ومنشأ الخلاف: هل الصفة هنا للإيضاح؟ أو للتخصيص؟ ونحوه: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [النحل: ٧٥]، إنْ قُلنا: للتوضيح، فلا ملك للعبد، أو: للتخصيص، فيملك. فإنْ قيل: كيف اتفقوا على أن الصفة مِن جملة المخصصات، واختلفوا في أن مفهوم الصفة حُجة؟ أو لا؟ قيل: ورود الصفة مخُرج مِن الحكم على العام، ويبقى النَّظر في المُخْرَج: هل يُحْكَم عليه بضد الحكم؟ أو هو مسكوت لا يُعْلَم حُكمه؟ جاء الخلاف في المفهوم. والله أعلم.

стр. 1568

ص: ٦٤١ - وَهْوَ كَالِاسْتِثْنَاءِ أَيضًا عَائِدُ ... لِلْكُلِّ مِنْ قَبْلُ وَبَعْدُ عَاضِدُ ٦٤٢ - أَمَّا إذَا تَوَسَّطَتْ تِلْكَ الصِّفَهْ ... فَهْيَ لِمَا [تَلِيهِ] (١)، لَا مَا خَلَفَهْ الشرح: سبق في الاستثناء ثلاثة أمورٍ: أحدها: وجوب الاتصال، والصفة في ذلك مِثله وإنْ لم أتعرض له في النَّظم؛ لشهرته لا سيما في الصفة التي هي النعت؛ لأن التوابع لا تُفصل من متبوعاتها بِمُبَايِن مَحْض، بخلاف ما لا يتمحض مباينته فإنه يُغتفَر الفصل به، كالمبتدأ [في] (٢) نحو: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [إبراهيم: ١٠]، وكالخبر [في] (٣) نحو: (زيد قائم العاقل)، وكمعمول الصفة نحو: ﴿ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ﴾ [ق: ٤٤]، بخلاف نحو: (مررت برجل على فرس عاقل أبلق)، فإنَّ ذلك متمحض [المباينة] (٤). قال المازري: لا خلاف في وجوب اتصال التوابع، وإنما الخلاف في الاستثناء. لكن جَوَّز بعضهم -حثًا- أن تكون الصفة المخصِّصة للعموم كالاستثناء في جريان خلاف الاتصال فيها. الثاني: إخراج الأكثر والمساوِي على الراجح، فهل يأتي مِثله في المحض ويجري الخلاف فيها؟

стр. 1569

ظاهرُ إطلاق البيضاوي وغيره أن الصفة كالاستثناء -جريانُه (١)، وهو محتمل، لكن لم أره تصريحًا، فلذلك لم أتعرض أيضًا في النَّظم له. الثالث: إذا تعقب جُملًا أو مفردات، هل يعود للكل؟ أو للأخير؟ على الخلاف السابق، فهل يأتي مِثله في الصفة؟ الذي يقتضيه كلام أصحابنا في الفقه أنه يعود للكل. وفي "المحصول" للإمام: (إذا تعقبت الصفة شيئين فإما أن يتعلق أحدهما بالآخَر كَـ: "أكرم العرب والعجم المؤمنين"، فتكون عائدة إليهما، أو لا يكون كذلك كَـ: "أكرِم العلماء وجالِس الفقهاء الزهاد"، فهُنا الصفة عائدة للأخيرة). قال: (وللبحث فيه مجال كما في الاستثناء) (٢). فلم يصرح الإمام بأن أبا حنيفة يخُصها بالأخير كما في الاستثناء، لكنه في أثناء الاستدلال في الاستثناء المتعقب للجُمل نقل عن أبي حنيفة أن الحال أو الظرف أو الجار والمجرور إذا تعقب متعددًا، يختص بالأخير على قول أبي حنيفة، ولهذا يستدرك -على مَن استدل على أبي حنيفة بالعَوْد في ذلك على الكل فينبغي أن يكون الاستثناء كذلك- بأنَّ هذا أيضًا مما يخالف فيه أبو حنيفة، فلا يُستدل به عليه. وإذا كان هذا قول أبي حنيفة في الحال والظرف والمجرور مع أنها كما سبق صفات، فيؤخذ منه أنه يقول به في مُطلق الصفة. وجرى الصفي الهندي على أن الصفة المتعقبة لمتعدد يجري فيها الخلاف في الاستثناء. قولي: (مِنْ قَبْلُ وَبَعْدُ عَاضِدُ) إشارة إلى أن الصفة تعود للكل، سواء تأخرت عن المتعدد أو تقدمت، كما لو قال: (وقفتُ هذا على محتاجي أولادي وأولادهم)، فتعتبر الحاجة في

стр. 1570

أولاد الأولاد كما في الأولاد. قال الرافعي: وأطلق الأصحاب ذلك. ورأى الإمام تقييده بالقيدين السابقين في الاستثناء، أي: كون العطف بالواو، وأن لا يفصل بينهماكما سبق بيانه. وقولي: (أَمَّا إذَا تَوَسَّطَتْ) إلى آخِره فالمراد به أن الصفة إذا لم تتقدم على المتعدد ولا تأخرت بل توسطت، فإنما تعود للذي قبلها، لا لما بعدها، نحو: (وقفتُ على أولادي المحتاجين وأولادهم). ويدل لاختصاصها بما وليته ما نقله الرافعي في "الأيمان" عن ابن كج أنه: (لو قال: "عبدي حر إن شاء الله وامرأتي طالق" ونوى صرف الاستثناء إليهما) (١) إلى آخِره، فإن مفهومه أنه لو لم يَنْوِ، لَمَا عاد لِمَا بَعْده. وإذا كان هذا في الشرط الذي له صَدْر الكلام وقد قال بِعَوْده للجميع بعضُ مَن لا يقول بِعَود الاستثناء والصفة للجميع، فلأنْ يجري مِثل ذلك في الصفة بطريق الأَوْلى. نعم، حكى فيه ابن داود في "شرح مختصر المزني" خلافًا، وبَنَى عليه إيجاب المتعة للمطلقة بعد الدخول، فقال في قوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦]: يحتمل أن يعود على مَن سبق وهُن غير الممسوسة والمفروض لها، أي: ومتعوا النساء الموصوفات بذلك، فلا تجب المتعة لغيرهن. ويحتمل أن يعود على مُطلق النساء، أي: ومتعوا النساء، فتجب المتعة للكل. وتقرير كون ذلك مِن الصفة المتوسطة أن نفي الجناح مُقيَّد بالنساء التي لم يُمسسن ولم يُفرض لهن. وقوله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ لمطلق النساء من غير الصفة في الذي قبله، فالصفة متوسطة.

стр. 1571

فإنْ عمم العود، كان التقدير: ومتعوا النساء التي لم يُمسسن ولم يفرض لهن. وإلا فيبقى على إطلاقه. تنبيهان الأول: قد تتردد الكلمة بين كونها استثناء أو صفة، فيجري في كل [محمل] (١) على حُكمه، وذلك نحو: "غير" فإنها تكون استثناء، نحو: (قام القوم غير زيد)، وصِفة، نحو: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧]. قال الرماني: إذا كانت صفة، لم توجِب شيئًا للاسم الذي بعدها ولم تَنْفِ عنه. فنحو: "جاءني رجُل غير زيد" لم تَنْفِ عن زيد المجيء كما لم تثبته له، بخلاف الاستثناء، فإنه إنْ كان مِن موجِب، نَفَتْ عنه الحكم، أو مِن نفي، أوجبته له. وبينهما فرق آخر، وهو أن الصفة تكون للواحد والجمع، والاستثناء لا يكون إلا مِن جمع أو مما في معناه. ويجري مَجْرَى "غَيْر" في ذلك "سِوَى" و"مثل" ونحوهما. ومما يقع صفة واستثناء "إلا" وإن كان الأصل فيها الاستثناء، ومن الوصف قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، لو جُعلت استثناء لَفَسد المعنى. والبحث فيها مشهور في العربية. الثاني: مما يناسب ما ذكر مِن المتعقب لمتعدد هل يعود للكل؟ أو للأخير؟ ما سبق الإشارة إليه من الحال والظرفين (الزماني والمكاني) والجار والمجرور، وأنَّ إطلاق البيضاوي وغيره يدل على عدم مخالفة أبي حنيفة فيه، وأنَّ في "المحصول" للإمام التصريح بالخلاف

стр. 1572

عنه، فلو توسط الظرف أو الجار والمجرور، ففي "مختصر ابن الحاجب" في مسألة: "لا يقتل مسلم بكافر" أن نحو قولنا: "ضربت زيدًا يوم الجمعة وعمرًا" ما يقتضي أن الحنفية يقيدونه بالثاني أيضًا (١). لكن قال أبو البركات ابن تيمية: ينبغي أن يعود للكل؛ لتعلقه بجمله الكلام. ومن ذلك: "التمييز"، ظاهر إطلاق البيضاوي أيضًا أنه يعود للكل اتفاقًا. وفيه نظر؛ فينبغي أن يأتي فيه ما ذكر في الحال، ويشهد لذلك حكاية خلاف عندنا فيما لو قال: (له علي كذا وكذا درهمًا)، يَلزمه درهمان على المذهب، وفي قولٍ: درهم وشيء بِناء على العَود للأخير فقط. ولو قال: (له فيَ خمسة وعشرون درهمًا)، هل يكون "درهمًا" تمييزًا للجملتين؟ أو لما يليه فقط؟ وجهان في "حلية" الشاشي، ونسب الثاني لابن خيران وللإصْطخري، والأول للجمهور. وبنى عليهما ما لو قال: (بعتُك بخمسة وعشرين درهمًا)، يصح على الأول دُون الثاني. وقد يتردد في "التمييز" إذا وَلي متعددًا، هل يكون للمجموع؟ أو لكل واحد؟ فيخرج عليه لو كان ذلك في مفعول، نحو: (إنْ حضتما حيضة فأنتما طالقان). فإنْ أُعيد لكل، وقع الطلاق بتمام حيضة كلٍّ، وإلا فهو مُحال، فيكون من التعليق بمستحيل. ونحوه: إنْ ولدتما ولدًا. ومن ذلك أيضًا الضمير المحتمل لِمَا قبله مِن متعدد ولكل مِن المتعدد، كَـ: (وقفتُ كذا على أولادي وأولاد أولادي، وأوصيتُ لهم بكذا)، فيعود للجميع. أما نحو: (وقفتُ على بناتي وعلى أولادهن، وأوصيتُ لهم) فينبغي العود للأخير، وإنِ

стр. 1573

احتمل العود للكل من باب التغليب إلا أنه مجَاز على خلاف الأصل. قولي: (لَا مَا خَلَفَهْ) أي: لا [للذي] (١) بعد المتوسط. فإن المتأخر يخلف المتقدم. والله أعلم. ص: ٦٤٣ - الرَّابِعُ: الْغَايَةُ: مَا بِحَرْفِهَا ... خُولِفَ مَا بَعْدُ لِمَا قَبْلُ انْتِهَا ٦٤٤ - نَحْوُ: وَقَفْتُ ذَا عَلَى بَنَاتِي ... حَتَّى [يَصِرْنَ] (٢) في الْمُزَوَّجَاتِ الشرح: الرابع من أقسام المخصص المتصل: "الغاية"، والمراد بها أَنْ يأتي بعد العام حرف من أحرف الغاية كـ "إلى" و"حتى" و"اللام"، فإن ذلك مُشعِر بمخالفة ما بعد ذلك الحرف لِمَا قَبْله، نحو: (وقفتُ هذا على بناتي حتى يتزوجن) فيقتضي أن مَن تزوجت منهن لا تستحق شيئًا. والكلام في ذلك في أمور: أحدها: غاية الشيء طَرَفه ومنتهاه، وفي معناه قول بعضهم: نهايته ومنقطعه. ثم يطلق تارةً على الحرف الدال على ذلك، كـ "حتى" و"إلى"، وتارةً على ما دخل عليه ذلك الحرف، كقوله تعالى: ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ٥]، ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة:

стр. 1574

٢٢٢]، ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]، ﴿إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. فإذا قيل: الغاية هل تدخل في المُغيَّا؟ أوْ لا؟ إنْ أريد [بالمعنى] (١) الأول وهو طرف الشيء ومنتهاه، فداخلة قطعًا. وإنْ أريد ما بعد الذي دخل عليه الحرف، فلا خلاف في عدم دخوله وإنْ أوهمه عبارة الإمام الرازي، كما استدركه عليه القرافي. وإنْ أريد نفس ما دخل عليه حرف الغاية، فهو محل الخلاف المعبَّر عنه بِـ: ما بَعد الغاية هل يدخل فيما قبلها؟ فإن الغاية هنا نفس الحرف، وما دخل عليه هو ما بعد الغاية. وفي هذه المسألة أقوال: أحدها: أنه ليس داخلًا في حُكم ما قبلها، بل محكوم عليه بنقيض حُكمه؛ لأنه لو كان ثابتًا فيه، لم يكن الحكم منتهيًا ولا منقطعًا. فلا تكون الغاية غاية، وهو مُحال. هذا مذهب الشافعي والجمهور كما قاله الإمام في "البرهان". قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فليس شيء من الليل داخلًا قطعًا. الثاني: أنه داخل مطلقًا. والثالث: أنه داخل إنْ كان من الجنس، نحو: (بعتك الرمان إلى هذه الشجرة) والواقع أنها رمانة، وإلا فلا. قال الروياني في "البحر": إن أبا إسحاق المروزي حكاه عن المبرد. والرابع: يدخل إنْ لم يكن معه "مِنْ"، بخلاف نحو: (بعتك مِن هذا إلى هذا).

стр. 1575

والخامس: لا يدخل إنِ اقترن بـ "مِن". وإنْ لم يقترن بها فجاز أن يكون تحديدًا وأنْ يكون بمعنى"مع". قال الإمام في "البرهان": إنه مذهب سيبويه. وأنكره ابن خروف عليه، وقال: إن سيبويه لم يَقُل شيئًا من ذلك. ثم ذكر عن سيبويه خِلاف ما فهم الإمام عنه. والسادس: قال الإمام: (وهو الأَوْلى): إنْ تميز عما قبله بالحس مثل: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾، كان حُكم ما بعدها خلاف ما قبلها. وإنْ لم يتميز حسًّا، استمر ذلك الحكم على ما بعدها، مثل: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]، فإنَّ المرفق غير منفصل عن اليد بمفصل محسوس. والسابع (وبه قال بعض الحنفية): إنْ كان المُغيَّا عينًا أو وقتًا فلا يدخل، وإنْ كان غيرهما، دخل، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]؛ لأن الغاية هنا فِعل، والفعل لا يدخل بنفسه ما لم يفعل. وما لم توجد الغاية لا ينتهي المغيَّا، فلا بُدَّ من وجود الفعل الذي هو غاية للنهي؛ لانتهاء النهي، فيبقى الفعل داخلًا في النهي. الأمر الثاني: قال الشيخ تقي الدين السبكي: (إن قول الأصوليين: "إن الغاية من جملة المخصصات" إنما هو فيما إذا تَقدمها عموم يشملها لو لم يؤت بها، كقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩]، فلولا الغاية لقاتلْنا الكفار أعطوا أو لم يعطوا. فأما نحو: "رفع القلم عن الصبي حتى يبلغ، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق" (١) لو سكت عن الغاية، لم

стр. 1576

يكن الصبي شاملًا للبالغ، ولا النائم للمستيقظ، ولا المجنون للمفيق، فذِكر الغاية في ذلك إما تأكيد لتقرير أن أزمنة الصِّبَا وأزمنة الجنون وأزمنة النوم لا يستثنى منها شيء، ونحوه: ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ٥] طلوعه أو زمن طلوعه ليس مِن الليل حتى يشمله ﴿سَلَامٌ هِيَ﴾ [القدر: ٥] بل حقق به ذلك. وإما للإشعار بأنَّ ما بعد الغاية حُكمه مخالِف لما قبله، ولولا الغاية لكان مسكوتًا عن ذِكر الحكم محتملًا. وهذا على رأي مَن يقول بالمفهوم (١). قال الشيخ: (وهذا وإنْ قيل به في نحو: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩] فهو أقوى من القول به هنا؛ لأن هناك لو لم يَقُل به، لم تكن للغاية فائدة، وهنا فائدتها المذكورة أولًا فيما سبق. نعم، قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ يحتمل أنه مثل: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾؛ نظرًا إلى أن الصوم الشرعي مختص بالنهار، وأيضًا فالعموم في الصيام إنما هو في أفراد الصوم، لا لأوقاته) (٢). قلتُ: وما ذكره الشيخ إنما هو في تحقيق فائدة الغاية فيما وردت فيه مما يشملها وما لا يشملها ولو لم يكن المذكور قبل الغاية عامًّا عمومًا استغراقيًّا؛ ولهذا جعل منه ﴿سَلَامٌ هِيَ﴾ وليس في "هي" عموم استغراقي. فإنْ كان عموم استغراقي، كان التخصيص موجودًا فيه مِن حيث ما قصد مِن العموم ومن حيث العموم الاستغراقي الذي هو محل الكلام في المسألة. [فإنْ] (٣) لم يكن فيه عموم استغراقي، انصرف البحث إلى عمومٍ ما وعدمه. فمراد الشيخ الأعم منهما، فتأمله.

стр. 1577

الأمر الثالث: قال الشيخ تقي الدين أيضًا: (إطلاق كون "الغاية" من المخصصات لا بُدَّ فيه مِن إخراج ما سبق في حديث: "رفع القلم"، و ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ٥] و ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] ونحوه مما لا يكون شاملًا لِمَا بعد الغاية. وإخراج نحو: "قطعت أصابعه من الخنصر إلى الإبهام"، فإنَّ الغاية فيه داخلة قطعًا، فهو تأكيد وتحقيق للعموم) (١). كما سبق من الفائدة الأولى في مثل ذلك. نعم، لو كان اللفظ غير صريح نحو: (ضربت القوم حتى زيدًا)، كان تأكيدًا [بالظهور] (٢)، لا بالقطع، لاحتمال أنه أراد أن الضرب انتهى إليه ولم يشمله. الرابع: الأصل في مقصود الغاية أن المُغَيَّا بالتدريج إلى أن يصل لها، نحو: سِرت من البصرة إلى الكوفة. وحينئذٍ فقوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] مع أنه بَعد صِدق غسل اليد لا تدريج ينتهي إلى المرافق إنما ينتظم فيه ذلك لو قيل: اغسلوا إلى المرافق. قال بعض الحنفية: فيتعين أن يكون في الآية المغيَّا غير الغسل، والتقدير: واتركوا من إباطكم إلى المرافق، لأنَّ غسل اليد إنما يحصل بعد الوصول إلى الإبط، فليس ثابتًا قبل المرفق، فإنَّ الترك متدرج من حين ابتداء الغسل إلى الوصول فيه إلى المرافق. وفي هذا الموضع قد تعارَض الإضمار (وهو تقدير "اتركوا") والمجاز (وهو إطلاق اليد على بعضها)،

стр. 1578

والإضمار خير. وهذا البحث يجري أيضًا في نحو: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾، فإنه يقتضي تكرر أيام الصوم وتدرجه إلى الليل، فتشكل الغاية. وإنما تظهر لو قال: صوموا إلى الليل. وقال القرافي: (إن الشيخ عز الدين بن عبد السلام أجاب عنه بأن المراد: أتموا كل جزء من أجزاء الصوم بسننه وفضائله وكرروا ذلك إلى الليل. فالكمال في الصوم قد يحصل في جزء دُون جزء من جهة اجتناب الكذب والغيبة والنميمة ونحو ذلك مما يأباه الصوم، وكذلك آدابه الخاصة، كترك السواك والتفكر في أمور النساء وغير ذلك) (١). الخامس: من تفاريع كون الغاية مخصصة: لو قال: (له علَيَّ مِن درهم إلى عشرة) وصححناه كما هو الصحيح، لزمه تسعة على الأصح؛ بِناءً على أن الغاية لا تدخل، وأن ابتداءها يدخل. وهو أحد قولين فيه حكاهما الغزالي. بل ظاهر كلام الأصفهاني أن الخلاف الذي في انتهاء الغاية يأتي في الابتداء، أي: ما يمكن منه. وقيل: إنما يلزمه ثمانية؛ بناءً على أن الابتداء والغاية لا يدخلان. وقيل: يلزمه عشرة؛ بناءً على أنهما يدخلان، وهو ما صححه البغوي، ورجحه الرافعي في "المحرر" في الضمان دون غيره من الإقرار ونحوه، وقوَّاه الشيخ تقي الدين السبكي أيضًا. ولو قال: (بِعتُك مِن هذا الجدار إلى هذا الجدار)، لم يدخل الجداران في البيع. وفي الفرق بينه وبين ما سبق نظر.

стр. 1579

ولو قال: (له مِن هذه النخلة إلى هذه النخلة)، قال الشيخ أبو حامد: تدخل الأُولى في الإقرار دُون الأخيرة. وقال الرافعي: (ينبغي أن لا تدخل الأُولى أيضًا كما في: بِعتُك من هذا الجدار إلى هذا الجدار) (١). انتهى نعم، في الفرق بين مسألة الجدار وغيرها نظر كما سبق. ولو شرط في البيع الخيار إلى الليل، انقطع بغروب الشمس. وقال أبو حنيفة: بالفجر. ولو قال: (بعتُك بكذا إلى شهر كذا)، لم يدخل ذلك الشهر في الأجل. وفي "البحر": لو وكَّلَه ببيع عَيْن بعشرة مؤخلة إلى يوم الخميس، لم يدخل يوم الخميس. وفي "البسيط" حكاية وجهين فيما لو حلف لَيقضين حقه إلى رأس الشهر وقُلنا: (لا يدخل رأس الشهر بل يقضيه قبله) فقال: أردتُ بـ "إلى" معنى "عند"، هل يُقبل؟ والأرجح القبول. السادس: قولي: (مَا بِحَرْفِهَا خُولفَ) يشمل "حتى" و"إلى"، وهو ما يقتصر عليه كثير، ويشمل ما له دلالة على الغاية مِن غيرهما في بعض حالاته: كـ "اللام" في نحو قوله تعالى: ﴿سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ [الأعراف: ٥٧]، أي: إلى. ومثله: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٥] كما سبقت الأشارة إليه في الكلام على الحروف، وكـ "أو" في نحو قوله: (لأستسهلن الصعب أو أدرك المُنَى) أي: إلى، وكـ "مِن" في بعض التراكيب بتأويل في نحو: (رأيت الهلال من داري من خلل السحاب) أي: من داري إلى خلل.

стр. 1580

وذكر ابن مالك أن سيبويه أشار إلى هذا المعنى، وأنكره جَمعٌ وقالوا: هو يرجع لابتداء الغاية. نعم، الغاية هي أظهر معاني "إلى" و"حتى". وربما كانت "إلى" بمعنى "مع"، نحو: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢]، و"حتى" للابتداء، نحو: (حتى ماء دجلة أشكل). فإنها وإنْ أشعرت بغاية لكن لا للعامل فيما قبلها كما في نحو: (أكلت السمكة حتى رأسها). بل قيل: إن الخلاف في دخول ما بعد الغاية لا ينبغي أن يجري في "حتى"؛ لاشتراط أهل العربية أن يكون معطوفها جزءًا من المعطوف عليه بها. ولكن ذاك في العاطفة، والخلاف إنما هو في "حتى" مِن حيث هي. نعم، نشأ من احتمال "إلى" أنْ تكون بمعنى "مع " أن المرافق في غسلها في الوضوء إنما هو لذلك، أو أنه لما لم يكن [متميزًا بمحسوس] (١) كما سبق عن اختيار الإمام الرازي، كان غسل المرافق احتياطًا كما أجاب به البيضاوي. أو أنه لما احتمل، بينته السُّنة في حديث: "وأدار الماء على مرفقيه" (٢). السابع: حكى التبريزي في "مختصر المحصول" خلافًا في أن الغاية إذا كان لها جزءان فأكثر، هل الخلاف في الأول؟ أو الأخير؟
следующие страницы →