← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 32476

الفوائد السنية في شرح الألفية

شمس الدين البرماوي

Полный текст (2 306 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

يكن الصبي شاملًا للبالغ، ولا النائم للمستيقظ، ولا المجنون للمفيق، فذِكر الغاية في ذلك إما تأكيد لتقرير أن أزمنة الصِّبَا وأزمنة الجنون وأزمنة النوم لا يستثنى منها شيء، ونحوه: ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ٥] طلوعه أو زمن طلوعه ليس مِن الليل حتى يشمله ﴿سَلَامٌ هِيَ﴾ [القدر: ٥] بل حقق به ذلك. وإما للإشعار بأنَّ ما بعد الغاية حُكمه مخالِف لما قبله، ولولا الغاية لكان مسكوتًا عن ذِكر الحكم محتملًا. وهذا على رأي مَن يقول بالمفهوم (١). قال الشيخ: (وهذا وإنْ قيل به في نحو: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩] فهو أقوى من القول به هنا؛ لأن هناك لو لم يَقُل به، لم تكن للغاية فائدة، وهنا فائدتها المذكورة أولًا فيما سبق. نعم، قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ يحتمل أنه مثل: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾؛ نظرًا إلى أن الصوم الشرعي مختص بالنهار، وأيضًا فالعموم في الصيام إنما هو في أفراد الصوم، لا لأوقاته) (٢). قلتُ: وما ذكره الشيخ إنما هو في تحقيق فائدة الغاية فيما وردت فيه مما يشملها وما لا يشملها ولو لم يكن المذكور قبل الغاية عامًّا عمومًا استغراقيًّا؛ ولهذا جعل منه ﴿سَلَامٌ هِيَ﴾ وليس في "هي" عموم استغراقي. فإنْ كان عموم استغراقي، كان التخصيص موجودًا فيه مِن حيث ما قصد مِن العموم ومن حيث العموم الاستغراقي الذي هو محل الكلام في المسألة. [فإنْ] (٣) لم يكن فيه عموم استغراقي، انصرف البحث إلى عمومٍ ما وعدمه. فمراد الشيخ الأعم منهما، فتأمله.

стр. 1577

الأمر الثالث: قال الشيخ تقي الدين أيضًا: (إطلاق كون "الغاية" من المخصصات لا بُدَّ فيه مِن إخراج ما سبق في حديث: "رفع القلم"، و ﴿حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ٥] و ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] ونحوه مما لا يكون شاملًا لِمَا بعد الغاية. وإخراج نحو: "قطعت أصابعه من الخنصر إلى الإبهام"، فإنَّ الغاية فيه داخلة قطعًا، فهو تأكيد وتحقيق للعموم) (١). كما سبق من الفائدة الأولى في مثل ذلك. نعم، لو كان اللفظ غير صريح نحو: (ضربت القوم حتى زيدًا)، كان تأكيدًا [بالظهور] (٢)، لا بالقطع، لاحتمال أنه أراد أن الضرب انتهى إليه ولم يشمله. الرابع: الأصل في مقصود الغاية أن المُغَيَّا بالتدريج إلى أن يصل لها، نحو: سِرت من البصرة إلى الكوفة. وحينئذٍ فقوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] مع أنه بَعد صِدق غسل اليد لا تدريج ينتهي إلى المرافق إنما ينتظم فيه ذلك لو قيل: اغسلوا إلى المرافق. قال بعض الحنفية: فيتعين أن يكون في الآية المغيَّا غير الغسل، والتقدير: واتركوا من إباطكم إلى المرافق، لأنَّ غسل اليد إنما يحصل بعد الوصول إلى الإبط، فليس ثابتًا قبل المرفق، فإنَّ الترك متدرج من حين ابتداء الغسل إلى الوصول فيه إلى المرافق. وفي هذا الموضع قد تعارَض الإضمار (وهو تقدير "اتركوا") والمجاز (وهو إطلاق اليد على بعضها)،

стр. 1578

والإضمار خير. وهذا البحث يجري أيضًا في نحو: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾، فإنه يقتضي تكرر أيام الصوم وتدرجه إلى الليل، فتشكل الغاية. وإنما تظهر لو قال: صوموا إلى الليل. وقال القرافي: (إن الشيخ عز الدين بن عبد السلام أجاب عنه بأن المراد: أتموا كل جزء من أجزاء الصوم بسننه وفضائله وكرروا ذلك إلى الليل. فالكمال في الصوم قد يحصل في جزء دُون جزء من جهة اجتناب الكذب والغيبة والنميمة ونحو ذلك مما يأباه الصوم، وكذلك آدابه الخاصة، كترك السواك والتفكر في أمور النساء وغير ذلك) (١). الخامس: من تفاريع كون الغاية مخصصة: لو قال: (له علَيَّ مِن درهم إلى عشرة) وصححناه كما هو الصحيح، لزمه تسعة على الأصح؛ بِناءً على أن الغاية لا تدخل، وأن ابتداءها يدخل. وهو أحد قولين فيه حكاهما الغزالي. بل ظاهر كلام الأصفهاني أن الخلاف الذي في انتهاء الغاية يأتي في الابتداء، أي: ما يمكن منه. وقيل: إنما يلزمه ثمانية؛ بناءً على أن الابتداء والغاية لا يدخلان. وقيل: يلزمه عشرة؛ بناءً على أنهما يدخلان، وهو ما صححه البغوي، ورجحه الرافعي في "المحرر" في الضمان دون غيره من الإقرار ونحوه، وقوَّاه الشيخ تقي الدين السبكي أيضًا. ولو قال: (بِعتُك مِن هذا الجدار إلى هذا الجدار)، لم يدخل الجداران في البيع. وفي الفرق بينه وبين ما سبق نظر.

стр. 1579

ولو قال: (له مِن هذه النخلة إلى هذه النخلة)، قال الشيخ أبو حامد: تدخل الأُولى في الإقرار دُون الأخيرة. وقال الرافعي: (ينبغي أن لا تدخل الأُولى أيضًا كما في: بِعتُك من هذا الجدار إلى هذا الجدار) (١). انتهى نعم، في الفرق بين مسألة الجدار وغيرها نظر كما سبق. ولو شرط في البيع الخيار إلى الليل، انقطع بغروب الشمس. وقال أبو حنيفة: بالفجر. ولو قال: (بعتُك بكذا إلى شهر كذا)، لم يدخل ذلك الشهر في الأجل. وفي "البحر": لو وكَّلَه ببيع عَيْن بعشرة مؤخلة إلى يوم الخميس، لم يدخل يوم الخميس. وفي "البسيط" حكاية وجهين فيما لو حلف لَيقضين حقه إلى رأس الشهر وقُلنا: (لا يدخل رأس الشهر بل يقضيه قبله) فقال: أردتُ بـ "إلى" معنى "عند"، هل يُقبل؟ والأرجح القبول. السادس: قولي: (مَا بِحَرْفِهَا خُولفَ) يشمل "حتى" و"إلى"، وهو ما يقتصر عليه كثير، ويشمل ما له دلالة على الغاية مِن غيرهما في بعض حالاته: كـ "اللام" في نحو قوله تعالى: ﴿سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ [الأعراف: ٥٧]، أي: إلى. ومثله: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٥] كما سبقت الأشارة إليه في الكلام على الحروف، وكـ "أو" في نحو قوله: (لأستسهلن الصعب أو أدرك المُنَى) أي: إلى، وكـ "مِن" في بعض التراكيب بتأويل في نحو: (رأيت الهلال من داري من خلل السحاب) أي: من داري إلى خلل.

стр. 1580

وذكر ابن مالك أن سيبويه أشار إلى هذا المعنى، وأنكره جَمعٌ وقالوا: هو يرجع لابتداء الغاية. نعم، الغاية هي أظهر معاني "إلى" و"حتى". وربما كانت "إلى" بمعنى "مع"، نحو: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢]، و"حتى" للابتداء، نحو: (حتى ماء دجلة أشكل). فإنها وإنْ أشعرت بغاية لكن لا للعامل فيما قبلها كما في نحو: (أكلت السمكة حتى رأسها). بل قيل: إن الخلاف في دخول ما بعد الغاية لا ينبغي أن يجري في "حتى"؛ لاشتراط أهل العربية أن يكون معطوفها جزءًا من المعطوف عليه بها. ولكن ذاك في العاطفة، والخلاف إنما هو في "حتى" مِن حيث هي. نعم، نشأ من احتمال "إلى" أنْ تكون بمعنى "مع " أن المرافق في غسلها في الوضوء إنما هو لذلك، أو أنه لما لم يكن [متميزًا بمحسوس] (١) كما سبق عن اختيار الإمام الرازي، كان غسل المرافق احتياطًا كما أجاب به البيضاوي. أو أنه لما احتمل، بينته السُّنة في حديث: "وأدار الماء على مرفقيه" (٢). السابع: حكى التبريزي في "مختصر المحصول" خلافًا في أن الغاية إذا كان لها جزءان فأكثر، هل الخلاف في الأول؟ أو الأخير؟

стр. 1581

قال القرافي: (ولم أره إلا فيه، وغيره إنما يحكى الخلاف مطلقًا من غير تَعرُّض للأجزاء) (١). انتهى. ولكن ليس ما قاله التبريزي بعيدًا، بل يظهر من فوائده أن قوله ﷺ : "لا يَقبل الله صلاة أحدكم إذا أَحْدَث حتى يتوضأ" (٢) هل معناه كمال الوضوء فلا يرتفع الحدث عن عضو حتى يتم؟ أو يرتفع عن كل عضو قبل أن يشرع فيما بعده؛ إذ المعنى: لا يقبل الله صلاة مَن أحدث ما كان مُحْدثًا وحَدَثه لا يزال حتى يتوضأ. قلتُ: وفيه نظر؛ لأنَّ نفي القبول أو نفي الصحة (إذا قُلنا: لازِمَة له) إنما هو متعلق بتمامه إجماعًا. وإنما منشأ الخلاف في ارتفاع حدث البعض النظرُ إلى توقُّف كلٍّ على المجموع، لا كل واحد على تطهيره فقط. ونحوه حديث "مسح الخفين": "إذا تَطَهَّر فَلَبسَ خُفَّيْه" (٣)، هل المعنى الكامل؟ أو تطهير كل رِجل؟ الثامن: قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] الآية، وقع خلاف للعلماء في أن المغيَّا هو المعلق عليه الشرط لا سيما على قراءة: ﴿حَتَّى يَطَّهُرْنَ﴾ بالتشديد؟ أو غيره؟ وعلى الأول: يكون الإذن في القربان استُفيد من الغاية بـ "حتى"؛ أو مِن الشرط بـ "إذا"؟ أو

стр. 1582

بهما، والثاني تأكيد؟ وعلى الأول: يكون الأول يقتضي الجواز بعد انقطاع الحيض قبل الغسل. والثاني يقتضي خِلافَه. ولكن مفهوم الشرط مُقدَّم؛ لأمور أخرى مذكورة في الخلاف. التاسع: الغاية يُشترط فيها الاتصال كما في الاستثناء والشرط. وكذا إذا ولي متعددًا، يعود للكل، نحو: (وقفتُ على أولادي وأولاد أولادي إلى أن يستغنوا). وكذا في إخراج الأكثر. وأما قول ابن الحاجب و"جمع الجوامع": (إنها كالاستثناء في العَوْد) (١) فليس المقصود القَصْر على العَوْد فقط، بل تَعَرَّضَا له؛ لكونه أَهَم. والله أعلم. ص: ٦٤٥ - خَامِسُهَا: بَدَلُ بَعْضٍ تَابِعُ ... وَالْأَكثَرُونَ فِيهِ لَمْ يُتَابِعُوا الشرح: الخامس من المخصصات المتصلة: بدل البعض من الكل، مثل: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ﴾ [آل عمران: ٩٧]، ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ﴾ [المزمل: ٢، ٣]، ﴿ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ [المائدة: ٧١]. كذا عَدَّه ابن الحاجب من المخصص المتصل. وأنكره الصفي الهندي في "الرسالة السيفية"، قال: لأن المُبْدَل منه كالمطرح، فلم

стр. 1583

يتحقق فيه معنى الإخراج، والتخصيص لا بُدَّ فيه من الإخراج؛ فلذلك قدروا في آية الحج: ولله الحج على المستطيع. وكذا أنكره الاصفهاني في "شرح المحصول"؛ ومن ثَم لم يذكره الأكثرون كما أشرتُ إليه في النَّظم، وصوَّبَهم الشيخ تقي الدين السبكي؛ لِما سبق مِن كون المبدل منه في نية الطرح. وأيضًا: فلو لم يكن البدل مُستغنًى به عن المبدل منه لَمَا سموه بدلًا؛ لأن بدل الشيء لا يجتمع معه، فإذا اجتمعا، وجب تقدير اطراحه. وأيضًا: فالبدل مُعبَّر به عن بعض المبدل منه، فهو من العام المراد به الخصوص، لا العام المخصوص. قلتُ: لكن فيما قالوه نظر من وجهين: أحدهما: أن الشيخ أبا حيان نقل التخصيص بالبدل عن الشافعي، إذ قال في قصيدته التي رويناها عن شيخنا شيخ الإسلام البلقيني قراءة عليه عن أبي حيان متضمنة لمدح الشافعي ﵀: إنه هو الذي استنبط الفن الأصولي، وإنه الذي يقول بتخصيص العموم بالبدلين. ومراده: بدل البعض، وبدل الاشتمال. فاستفدنا منه أن بدل الاشتمال في معنى بدل البعض في التخصيص عند مَن يقول به. ومعناه ظاهر؛ لأنَّ قولك: (أعجبني زيد علمه) يكون الأول مُعبرًا به عن مجموع ذاته وعِلمه وسائر أوصافه، فإذا قلت: (عِلمه) تخصَّصَ الحكم بعلمه فقط. وإنما لم أذكره في النَّظم لرجوعه بالتأويل المذكور لبدل البعض فيما قصد من التخصيص. نعم، فهم كثير مِن "البدلين" أنهما بدل البعض وبدل المطابقة، وذلك فيما إذا كان المبدل منه نكرة عامة والبدل معرفة أو نكرة خاصة، فإن ذلك لا يخرجه عن كونه بدل مطابقة.

стр. 1584

وحينئذٍ فتكون الأقسام الثلاثة مخصصة، لكن الأشهر منها بدل البعض. ثانيهما: أن ما قالوه من اطراح المبدل منه إنما هو تفريع على أن المبدل منه مطرح، وهو أحد الأقوال في المسألة، والأكثر على خلافه. قال السيرافي: زعم النحويون أنه في حُكم تنحية الأول وهو المبْدَل منه، ولا يريدون إلغاءه، وإنما مرادهم أنَّ البدل قائم بنفسه وليس تبيينًا للأول كتبيين النعت الذي هو تمام المنعوت ومعه كالشيء الواحد. تنبيه: لا بُدَّ في البدل أيضًا مِن الاتصال كسائر التوابع على ما سبق في الصفة، وهو مقرر في كتب النحو. ويجوز أن يخرج به الأكثر ويبقى الأقل، كَـ: أكلتُ الرغيف ثلثه أو نصفه أو ثلثيه. وأمَّا تَعَقُّبه لمتعدد حيث يحتمل أن يكون بدلًا مِن الكل ومن الأخير كَـ: (وقفتُ على أولادي وأولاد أولادي أَرْشَدهم) فيظهر أنْ يأتي فيه ما سبق. والله أعلم. ص: ٦٤٦ - ثَانِي مُخَصِّصٍ هُوَ الْمُنْفَصِلُ ... الْحِسُّ وَالْعَقْلُ وَسَمْعٌ يُنْقَلُ ٦٤٧ - كَـ "أُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْ"، وَ"اللهُ ... خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ"، ايْ: سِوَاهُ الشرح: لما انتهى الكلام في المخصِّص المتصل، شرعتُ في المنفصل، أي: المستقل الذي لا يحتاج لذِكر العام معه كما سبق، وهو ثلاثة أنواع -في المشهور- ووراءها ما هو راجع إلى أحدها أو مختلَف فيه، نذكره عند الفراغ منها.

стр. 1585

فالأول: الحِس، أي: المشاهدة، وإلا فالدليل السمعي مِن المحسوس بالسمع أيضًا. فالمراد أنْ يَرد حُكم في عام ونحن نشاهد بعض أفراده خارجًا مِن ذلك الحكم. ومَثَّلوه: - بقوله تعالى إخبارًا عن بلقيس: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣]، ومن المعلوم بالشاهدة أنها لم تُؤْتَ مُلْك سليمان ﵇. زِيدَ على ذلك: ولم تؤتَ أيضًا شيئًا مِن الملائكة والعرش. ولكن فيه نظر من حيث إنَّ ذلك غير مشاهَد حتى يكون علمنا به بالحس. - وبقوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأحقاف: ٢٥]، ونحن نشاهد موجودات لم تدمرها، كالسماوات والجبال وغيرها. - ونحو ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ [الذاريات: ٤٢]، ﴿يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص: ٥٧]، فإنَّ مِن المُشاهَد ما لم تجعله كالرميم، وأنَّ ما في [أقصى] (١) المشرق والمغرب لم يُجْبَ إليه. نعم، هنا ثلاث كلمات: الأُولى: أنَّ هذه الأمثلة لا تتعين أن تكون مِن العام المخصوص بالحِس، فقد يُدَّعَى أنها مِن العام الذي أُريد به خاص. وقد سبق الفرق بينهما وثمرة اختلافهما. الثانية: أنَّ ما كان خارجًا بالحِس قد يُدَّعى أنه لم يدخل حتى يخرج كما سيأتي نظيره في التخصيص بالعقل، فليكن هذا على الخلاف هناك. الثالثة: يَؤُول التخصيص بالحس إلى أنَّ العقل يحكم بخروج بعض الأفراد بواسطة

стр. 1586

الحس، فلم يخرج عن كونه خارجًا بالعقل؛ فَلْيَكُونَا قِسمًا واحدًا وإنِ اختلف طريق الحصول. وقد أشار إلى ذلك العبدري في "شرح المستصفى" في المقدمة حتى ادَّعَى أن أصل العلوم كلها الحِس. لكن ما قاله مردود، فإنَّ مِن الفِرَق مَن ينكر الحسِّيَّات ويعترف بالبديهيات، كأفلاطون وأرسطاطاليس وبطليموس وجالينوس، لا على معنى سقوطه بالكُلية، بل على معنى أنه يُخطئ ويصيب؛ لأنه عُرضة للآفات وفاسد التخيلات. والرد عليهم في ذلك مشهور في محله، فكيف يُدَّعَى الاتحاد بين الحس والعقل؟ نعم، قد يؤخذ مِن ذلك خِلاف في أن الحس يُخصِّص أوْ لا وإنْ لم يتعرضوا لخلاف فيه. الثاني من المخصِّص المنفصل: العَقل، ضروريًّا كان أو نظريًّا. فالأول: كتخصيص قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦]، فإنَّ العَقل قاضٍ بالضرورة أنه لم يخلق نَفْسَه الكريمة ولا صفاته القديمة. والثاني: كتخصيص قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، فإنَّ العقل -بِنَظَرِه - اقتضى عدم دخول الطفل والمجنون في التكليف بالحج؛ لعدم فَهْمهما، بل هما من جملة الغافل الذي هو غير مخاطَب بخطاب التكليف كما سبق في الكلام على الحُكْم أول الكتاب. قال الشيخ أبو حامد: (لا خلاف بين أهل العلم في ذلك). نعم، منع كثيرٌ أنَّ ما خرج مِن الأفراد بالعقل مِن باب "التخصيص"، وإنما العقل اقتضى عدم دخوله في لفظ العام، وفَرْق بين عدم دخوله وبين خروجه بعد أنْ دخل.

стр. 1587

وما ذكروه هو ظاهر نَص الشافعي في "الرسالة"، فإنه قال في "باب ما نزل من الكتاب عامًّا يُراد به العام": (إنَّ مِن العام الذي لم يدخله خصوص قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦]، ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ [هود: ٦] (١). قال: (فهذا عام لا خاص فيه، فكل شيء من سماء وأرض وذي روح وشجر وغير ذلك فالله خالقه، وكل دابةٍ فَعَلَى الله رِزقُها ويعلم مستقرها ومستودعها) (٢). انتهى فجعله الشافعي ﵁ مما لم يدخله تخصيص، وما ذلك إلا لأن ما اقتضى العقل عدم دخوله -لم يدخل، فكيف يقال: دَخلَ ثم خَرجَ؟ ! نعم، اختُلِف في أنَّ هذا الخلاف هل هو معنوي؟ أو لفظي لا فائدة فيه؟ وبالثاني قال القاضي وإمام الحرمين وابن القشيري والغزالي وإلْكِيَا وغيرهم، ووافقهم القرافي وكذا الشيخ تاج الدين السبكي بعد ما نقل عن إمام الحرمين أنَ هذه المسألة قليلة الفائدة نزرة الجدوى والعائدة؛ فإنَّ تَلَقَي الخصوص مِن مأخذ العقل غير مُنكَر، وكَوْن اللفظ موضوعًا للعموم على أصل اللسان لا خِلاف فيه مع مَن يعترف ببطلان مذهب الواقفية وإنِ امتنع مِن تسمية ذلك "تخصيصًا"، فليس في إطلاقه مخالفة شرع أو عقل. والخلاف في المسألة لفظي عند التحقيق، ويشهد له قول الأستاذ أبي منصور: أجمعوا على صحة دلالة العقل على خروج شيء عن حُكم العموم، واختلفوا في تسميته "تخصيصًا". ومَن قال بالأول قال: لأنَّ العام المخصوص بدليل العقل -على قول مَن يُجَوِّز تخصيصه به- يجرى فيه الخلاف السابق في أنه حقيقة فيه أو مجاز، ومَن لا يجوِّز تخصيصه به

стр. 1588

يقول: هو حقيقة بلا خلاف. كما قاله الصفي الهندي. قال بعضهم: أو يكون عندهم من العام الذي أريد به الخصوص، فيَطرُقه الخلاف في أنه هل يكون حقيقةً؟ أو مجازًا؟ وجعل أبو الخطاب -من الحنابلة- مأخذ الخلاف في كون العقل مخصصًا أوْ لا: التحسين والتقبيح العقليين. فإنْ صح ذلك، كان أيضًا هذا من فائدة الخلاف. لكن استدركه عليه الأصفهاني والنقشواني بما فيه نظر لا يليق التطويل فيه بهذا المختصر. تنبيهات الأول: إنما قدمت في الذِّكر الحِس على العقل وإنْ كان البيضاوي وغيره قدَّموا العقل؛ لأن الإمام في أول "البرهان" قال: (إنَّ اختيار الشيخ أبي الحسن الأشعري أنَّ المدرَك بالحواس مقدَّم على ما يدرَك بالعقل. وإنَّ القلانسي -مِن أصحابنا- خالف في ذلك فَقَدَّم المعقولات) (١). انتهى فيؤخَذ مِن ذلك خلاف فيما إذا تَعارض في لفظ عام أنْ يكون مخصوصًا بالعقل أو بالحس، أيُّهما يكون هو المخصِّص؟ الثاني ما مَثَّلوا به المسألة من قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ مبني على أمرين: أحدهمما: أن المتكلم داخل في عموم كلامه، وهو رأْي يحتمل أن الشافعي لا يختاره؛

стр. 1589

فلذلك قال بأنه عام لا تخصيص فيه. ولذلك لو قال رجل: (نساء العالم طوالق)، لم تطلق امرأته على أحد الوجهين. ولذلك رد الصيرفي اعتراض ابن داود وابن أكثم وابن أبي داود على الشافعي ادِّعاء بقاء ذلك على عمومه بأنَّ هؤلاء جهلوا الصواب وذهلوا عن اللغة؛ لأن رجُلًا لو كان مِن أهل بغداد فقال: (أطعمتُ أهل بغداد جميعًا)، لا يقال له: خرجتَ بتخصيص. بل يقال: لَمْ تدخل؛ لأنك المطْعِم وهُم المطعَمون سواك. ثانيهما: أن لفظ "شيء" يطلَق على الله ، وهو أحد المذهبين. ومأخذ المنع إما عدم الإذن؛ فالأسماء توقيفية، وإما أنَّ "شيئًا" مصدر أُطلِق على المفعول، فهو بمعنى "مشيء"، و"المشيء" مُحْدَث، فلا يُطلق على القديم "شيء". وأما قوله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٩] فليس بصريح؛ لجواز أن لا يوقف على الجلالة، بل يكون مبتدأ، وما بَعده الخبر. فإنْ قيل: فقد قال تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وعِلمه تعالى قديم، فلو كان "شيء" بمعنى "مشيء"، لكان يلزم حدوث عِلمه تعالى. قيل: يجوز أنْ يكون أطلق العِلم بمعنى المعلوم؛ فلَم يقع إطلاق "الشيء" على نفس العلِم الذي هو قديم. وقد بَطُل بذلك قول ابن داود: إنه يَلزم على الشافعي أن يكون عِلم الله تعالى مخلوقًا. وقد سَفَّه الأئمة اعتراضه ووَهّوه بأمور كثيرة. وفيما ذكرناه كفاية. وكذلك اعترض ابن داود على الشافعي في جَعْلِه: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦] مِن العام الذي لم يخصص بأنَّ مِن الدواب مَن أفناه الله قبل أنْ يرزقه. وردَّه الصيرفي بأن ذلك خطأ؛ لأنه لا بُدَّ له مِن رزق يقوم به حياته ولو بِنَفَس يأتيه به.

стр. 1590

وقد جعل الله غذاء طائفة مِن الطير التنفس إلى مُدة يصلح فيه للأكل والشرب. وأما قوله تعالى: ﴿يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [النور: ٣٨] فمعناه: يزيد في رزقه؛ بدليل ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ [النحل: ٧١]. وقد قال النبي ﷺ في حديث المطلب بن حنطب فيما رواه الشافعي وغيره: "إنَّ الروح الأمين نَفَثَ في رَوْعي أنه لن تموت نَفْسٌ حتى تَسْتَوْفِيَ رِزقها، فاتقوا الله، وأَجْمِلوا في الطلب" (١). نعم، هل يطلق على المعدوم "شيء"؛ إنْ كان مستحيلًا، فلا بلا خلاف عند المتكلمين. و[غَلطَ] (٢) الزمخشري على المعتزلة في ذلك، إنفي خِلافُهم في المعدوم الذي ليس بمستحيل. نعم، عند النحاة أن المعدوم يُطلق عليه "شيء"، مستحيلًا كان أوْ لا. إذا تَقرر أن المستحيل لا يُسمى "شيئًا" على رأي التكلمين، تَبيَّن أن نحو: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٨٤] مِن العام المخصوص بالعقل، أو مِن الذي أريد به الخصوص -على الخلاف السابق. الثالث: إنما جاز التخصيص بالعقل على رأْيٍ ولم يَجُز النسخُ به؛ لأن النسخ رَفْع، والعقل لا يستقل بالرفع. ولا ينافي ذلك القول بأنَّ النَّسخ بيان؛ فإنَّ المراد بيان انتهاء المدة مع أنَّ الحكم قد ارتفع قطعًا كما سيأتي بيانه في محله. نعم، ادَّعَى الإمام جواز النَّسخ بالعقل محتجًّا بأن مَن سقطت رِجْلاه، نُسِخ عنه غسلهما. وسيأتي تضعيف ذلك وأنَّ الإمام خالفه في موضع آخَر.

стр. 1591

الرابع: قولي في النَّظم: (كَـ "أُوبيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْ") هو بتسكين الياء بلا همز تخفيفًا؛ لإقامة الوزن، أو لتقدير الوقوف عليه مع مراعاة الوزن. وقولي: (أيْ: سِوَاهُ) هو بحذف همزة "أي"؛ لضرورة النَّظم أيضًا. والله تعالى أعلم. ص: ٦٤٨ - وَالسَّمْعُ مَا أَذْكُرُ مفَصَّلَا ... [فَلِلْكِتَابِ] (١) بِكِتَابٍ أُنزِلَا ٦٤٩ - خُصَّ [اعْتِدَاءٌ بِـ "قُرُوءٍ" تُتْلَى] (٢) ... بِوَضْعِ حَمْلٍ في "أُولَاتُ" نَقْلَا الشرح: الثالث من المخصصات المنفصلة: التخصيص بالسمع. وله أقسام يأتي ذكرها على التفصيل: الأول: تخصيص الكتاب بالكتاب، وهو مِن تخصيص قَطعي المتن بقطعيِّه. ومثاله قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]، خُصَّ عمومه للحوائل والحوامل بقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]. وخُصَّ أيضًا عمومه في المدخول بها وغيرها بقوله تعالى في غير المدخول بها: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: ٤٩].

стр. 1592

ونحوه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٤] الآية، خُصَّ بقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. وكذا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] خُصَّ بقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [المائدة: ٥]. تنبيهات الأول: المخالف في هذه المسألة بعض الظاهرية، تمسكوا بأنَّ التخصيص بيان للمراد باللفظ؛ فلا يكون إلا بالسّنة؛ لقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]. وما ذُكر مِن الأمثلة يجوز أن يكون التخصيص فيه بالسُّنة. كما في حديث أبي السنابل بن بعكك مع سبيعة الأسلمية حين قال لها: ما أنت بناكح حتى يمر عليك أربعة أشهر وعشرًا. فجاءت النبي ﷺ ، فأفتاها بأنها حَلَّت بوضع حملها (١). وأجيب بأنه لا يخرج عن كونه مُبيِّنًا إذا بَيَّن ما أُنزل بآية أخرى مُنزَّلة كما بيَّن بما أُنزل عليه مِن السُّنة، فإنَّ الكل مُنزَّل. وأيضًا فالاستدلال على مُدَّعاهم بقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ مُعارَض بقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩]، فإنه يقتضي أن القرآن أيضًا مُبيِّن لجميع الأشياء ومن جُملتها الكتاب، فالنبي ﷺ مُبيِّن تارة بالكتاب وتارة بالسُّنة.

стр. 1593

الثاني: لا يخفَى أنَّ هذه المسألة فرع عن كون الخاص مع العام يخصصه سواء تَقدم أو تأخَّر أو جُهل أو قارَن كما سيأتي، فهو تخصيص، لا نَسخ، خِلافًا للحنفية كما سيأتي بيانه أيضًا وإنْ كان ابن الحاجب مزجهما معًا في "مختصره" حتى اضطرب الشراح في تقرير كلامه. والله أعلم. ص: ٦٥٥ - [كَذَا بِسُنَّةٍ] (١) وَذَا كَثِيرُ ... كَآيَةِ الْمِيرَاثِ لَا يَصِيرُ ٦٥١ - ذُو مَانِعٍ فِيهَا، كفِي "لَا نُورَثُ" ... وَ"لَيْسَ لِلْقَاتِلِ شَيْءٌ يَرِثُ" الشرح: القسم الثاني مِن المخصصات السمعية: تخصيص الكتاب بالسُّنة، وهو كثير جدًّا. فمنه ما مَثلتُ به في النَّظم وهو آيات المواريث التي أولها: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] إلى آخِرها، والتي أولها: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾ [النساء: ١٧٦] إلى آخِرها. فقولي (آيَةِ الْمِيرَاثِ) مفرد مضاف؛ فيَعُم، فالكل مخصوص بما جاء في السُّنة مِن موانع الإرث، فذُو المانع مُخْرَج من عموم الآيات، كحديث: "لا نُورث، ما تركنا صَدَقة" (٢). وهو في الصحيحين من حديث عمر وعائشة.

стр. 1594

ورواه النسائي في "سُننه الكبرى" من حديث أبي بكر بلفظ: "إنَّا معاشر الأنبياء لا نُورث" (١). فقول الذهبي: (إنه ليس في شيء من الكتب الستة) صحيح؛ لأن المعدود منها "النسائي الصغير" المسمى بِـ "المجتبى"، وليس الحديث فيه. وكحديث: "ليس للقاتل من الميراث شيء" (٢). وقد رواه النسائي والترمذي وابن ماجه والدارقطني والبيهقي عن أبي هريرة بلفظ: "القاتل لا يرث" (٣)، وأبو داود والنسائي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بلفظ: "لا يرث القاتل شيئًا" (٤). وفي رواية "ليس لقاتل ميراث" (٥). وطُرق الحديث وإنْ كان فيها ضَعف -مِن جهة أنَّ راويه إسحاق بن عبد الله ابن أبي فروة متروك عند بعض أهل العلم ومن جهة غيره أيضًا- فهي تُقوي بعضها بعضًا.

стр. 1595

ومن تخصيص آية المواريث حديث: "لا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر" (١). ومن أمثلة تخصيص الكتاب بالسُّنة الفعلية قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ [النور: ٢] الآية، خُصِّص برجم النبي ﷺ ماعزًا لَمَّا كان محصنًا (٢). نعم، قد يقال: إنَّ التخصيص إنما كان بالقرآن الذي نُسخت تلاوته وبقي حُكمه، وهو: "والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البَتَّة"، إذِ المراد بهما المحصن والمحصنة. قولي في البيت الثاني: (ذُو مَانِعٍ) هو اسم "يصير" في آخِر البيت قبلها، و"فيها" خبره، والضمير فيه عائد لآية المواريث. واعْلَم أن السُّنة ضربان: متواترة، وآحاد. الضرب الأول: سبق في الكلام في الإسناد أنه إما مفقود أو قليل جدًّا. فذِكر التخصيص به إنما هو على تقدير الوجود، أو أن ذلك في زمن كان كثيرًا، وهو الصدر الأول. قال ابن الحاجب: (إن تخصيص الكتاب بالسنة المتواترة جائز باتفاق) (٣). وتبع في ذلك قول الآمدي: لا أعلم فيه خلافًا. وكذا حكى الاتفاق الهندي، لكن حكى بعضهم في الفعلية خلافًا. وعبارة الشيخ أبي حامد الأسفراييني: لا خلاف في ذلك إلا ما يُحكى عن داود في إحدى الروايتين. وقال ابن كج: (لا شك في الجواز؛ لأن الخبر المتواتر يوجِب العلم كما أن ظاهر الكتاب

стр. 1596

يوجبه) (١). انتهى نعم، ألحق الأستاذ أبو منصور بالمتواترةِ الخبرَ المقطوع بصحته، ومَثَّله بتخصيص آية المواريث بحديث: "لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم". ونحوه قول ابن السمعاني: (إنَّ محل الخلاف في الآحاد إذا لم يجمِعوا على العمل به، أما إذا أجمعوا عليه نحو حديث: "لا ميراث لقاتل" (٢) و"لا وصية لوارث" (٣) ونهيه عن الجمع بين المرأة وعمتها (٤)، فيجوز التخصيص به بلا خلاف؛ لأن هذه الأخبار بمنزلة المتواتر؛ لانعقاد الإجماع على حُكمها وإنْ لم ينعقد على روايتها) (٥). انتهى قلتُ: وفي ذلك كله نظر؛ لأنه إن أريد القطع بصحة المتن فهذه مسألة ما في "الصحيحين" مُسندًا: هل هو مقطوع بصحته كما اختاره ابن الصلاح؟ أوْ لا وهو الذي صَوَّبه النووي وقال به الأكثر؛ وقد سبق بيان ذلك في الكلام على المتواتر والآحاد. وعلى الثاني: فكيف يساوي القرآنَ والمانعُ مِن التخصيص بالسُّنة للقرآن إنما مستنده عدم المساواة؟ وإنْ أريد القطع في الدلالة فلا شيء مقطوع بدلالته مِن النقليات مِن حيث هو.

стр. 1597

وإنْ أريد انعقاد الإجماع على الحكم، فالتخصيص حينئذٍ إنما هو بالإجماع، لا بالسُّنة، وسيأتي بيان التخصيص به. ومما يُتعجب منه هنا تمثيل البيضاوي تخصيص القرآن بالسنة المتواترة بتخصيص آية المواريث بحديث: "القاتل لا يرث" مع أنه ضعيف الطرق -كما سبق- فضلًا عن أن يكون متواترًا! وأما جواب القرافي عن مثل ذلك بأن "زمان التخصيص وزمان النَّسخ إنما كان في عصر الصحابة، وقد يكون ذلك متواترًا حينئذٍ، ولا يَضُره أنْ صار في هذا الزمان آحادًا، بل ربما يُنسى الحديث بالكُلية" ففيه نظر؛ لأنَّ احتمال ذلك لا يلزم منه أن يكون هو الواقع. وأيضًا فلا يبقي فرق بين التواتر والآحاد في الأحكام؛ لأنَّ الآحاد كانت تَواتُرًا، فيُنسخ المتواتر الآن بالآحاد الآن ويُدَّعَى أن النَّسخ كان في ذلك الزمان وإنْ صار الناسخ في هذا الزمان آحادًا. الضرب الثاني: التخصيص للقرآن بالسُّنة الآحاد: وفيه مذاهب: أحدها: وهو الصحيح وقول الجمهور ونقله الآمدي وابن الحاجب عن الأئمة الأربعة: الجواز. قال ابن السمعاني: (لإجماع الصحابة على تخصيص: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] بحديث: "لا نُورَث" وبحديث: "لا يرث المسلم الكافر". وقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] بخبر عبد الرحمن بن عوف في المجوس: "سنوا بهم سُنة أهل الكتاب" (١). وأما قول عمر:

стр. 1598

"لا نَدَع كتاب ربنا ولا سُنة نبينا لقول امرأة" (١) إلى آخره -إنَّ ذلك إنما هو في نَسخِه به، لا في التخصيص) (٢). انتهى والإشارة بهذا إلى ما رواه مسلم عن الشعبي أنه حدث بحديث فاطمة بنت قيس: "أن رسول الله ﷺ لم يجعل لها سكنى ولا نفقة" (٣)، فأخذ الأسود بن يزيد كفًّا من حصباء، فحصبه به، وقال: ويلك تُحدِّث بمثل هذا؟ قال عمر: "لا نترك كتاب ربنا وسُنة نبينا لقول امرأة لا ندري أحفظت؟ أم نسيت؟ " (٤). وزاد الترمذي في روايته: "وكان عمر يجعل لها السكنى والنفقة" (٥). ووقع في "مختصر ابن الحاجب" أن عمر قال: ("لا ندري أصدقت؟ أم كذبت؟ ") (٦). وأنكروه عليه؛ فإن المحفوظ كما سبق: "أحفِظَتْ؟ أم نسيت؟ ". وليس بمنكر؛ فقد رواه الحارثي في "مسنده" من طريق إلى أبي حنيفة، عن حماد، عن إبراهيم، عن الأسود. لكن قال صاحب "التنقيح": (إن هذا الإسناد مُظلِم إلى أبي حنيفة). المذهب الثاني: المنع مطلقًا. حكاه أبو الخطاب عن بعض الحنابلة، ونقله الغزالي في

стр. 1599

"المنخول" عن المعتزلة، ونقله ابن برهان عن طائفة من المتكلمين والفقهاء، ونُقل عن طائفة مِن أهل العراق وأنهم لأجله منعوا الحكم بالقرعة وبالشاهد واليمين. الثالث: عن عيسى بن أبان: إنْ خُص بقاطع، جاز تخصيصه بعد ذلك بالَاحاد؛ لأنه بعد التخصيص يكون مجازًا في الباقي. أما قَبْله فحقيقة في الأفراد. وقد استشكل نَقْل هذا عنه مع نَقل عدم حُجية العام بعد التخصيص عنه. وأجيب بأنَّ قوله: (غير حجة) إنما هو من حيث احتمال أن يُراد الحكم بالباقي وأنْ لا يراد، فصار مُجْمَلًا، فإذا أُخرج مِن الباقي بعد الحكم شيء بخبر الواحد، كان محكومًا عليه بضد حكم العام، خارجًا مِن محل الاحتمال والإجمال. قال ابن السبكي في "جمع الجوامع": (وعندي عكسه" (١). أي: إنْ خُص بقاطع، لم يجز تخصيصه بالآحاد، وإلا جاز ذلك؛ لأنَّ الغالب في العمومات أنها مخصَّصة، حتى قيل: ما مِن عام إلا وخُصَّ. فإذا كان لا بُدَّ مِن مُخصِّص، فالتخصيص بخبر الواحد يلحق بما هو الأغلب في العمومات، بخلاف العام إذا خُصَّ بقاطع، فقد وافق الأغلب، فلا ضرورة إلى تخصيصه بعد ذلك بخبر الآحاد. وأقام شارحُه ذلك قولًا وأنه انفرد به، وهو لم يُورده إلا بحثًا واحتمالًا، وإلا فكان يختار في سائر المخصصات -على آراء ضعيفة- أنها يجوز التخصيص بها إذا لم يتقدم تخصيص بما يسوغ التخصيص به؛ إلحاقًا لذلك العام بالأغلب في العمومات. ولم يَقُل ذلك، فاعْلَمه. الرابع: إنْ خُصَّ قبل ذلك بمنفصل، جاز أن يُخص بالآحاد، وإلا فلا. قاله الكرخي؛

стр. 1600

لأنه بالتخصيص بالمنفصل يصير مجَازًا عنده كما سبق. وبالجملة فهذا المذهب ومذهب ابن أبان السابق مَبنيان على القول بأنَّ دلالة العام على كل فرد من أفراده قطعية، وسبق بيان ضَعف ذلك. الخامس: أن التخصيص بذلك يجوز أنْ يقع ولكن ما وقع. حكاه القاضي في "التقريب"، وحكى قولًا آخَر: إنَّ الدليل قام على المنع من التخصيص بالآحاد. وهذا في الحقيقة هو القول الثاني، وهو المنع مطلقًا. السادس: الوقف، إما على معنى "لا ندري" وإما على معنى تَعارُض أمرين: دلالة العموم على إثباته، والخصوص على نفيه. وذلك لأنَّ متن الكتاب قطعي وفحواه مظنون، وخبر الواحد بالعكس؛ فتعارضَا، ولا مُرجِّح؛ فالوقف. والله تعالى أعلم. ص: ٦٥٢ - وَ [قَلَّ] (١) عَكْسٌ، نَحْوُ: "مَا أُبِينَا ... مَيْتٌ" بِـ "أَصْوَافٍ" وَمَا تَلَوْنَا الشرح: القسم الثالث من التخصيص بالسمعي: تخصيص عموم السنة بخصوص القرآن، وهو قليل، حتى إنَّ كثيرًا -كالبيضاوي- لم يذكروه أصلًا، وابن الحاجب وإنْ ذكره لكنه لم يُمثِّل له. وقد ذكرته، وأشرتُ إلى تمثيله بقوله ﷺ : "ما أُبِين مِن حي فهو ميت" (٢). رواه ابن

стр. 1601

ماجه، خُصَّ بقوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠]. وهذا معنى قولي: (بِـ "أَصْوَافٍ" وَمَا تَلَوْنَا). أي: خُصَّ بأصواف وما نتلوه بَعْده مِن الأوبار والأشعار. ومن أمثلته أيضًا قوله ﷺ فيما رواه مسلم عن عبادة بن الصامت: "خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا، البكر بالبكر جلد مائة ونَفْي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم" (١)، فإنَ ذلك يشمل الحر والعبد، مُخَصَّص بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥]. ومنها: أنه ﷺ لما رجع إلى المدينة بعد الحديبية، جاءه نساء المؤمنات، منهن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، فجاء أهلها يسألونها رسول الله ﷺ بحكم ما شرطوه عليه في صلح الحديبية: "أنَّ مَن أتى مِن أصحابك لم نَرُده عليك، ومَن أتاك مِن أصحابنا رددته علينا". فنهاه الله- عن ذلك بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠] الآية (٢)، فخصص النساء مِن شرط النبي ﷺ العام. هذا على أحد الأقوال. وقيل: بل نُسخ الشرط.

стр. 1602

وقيل: لم يقع الشرط إلا على الرجال خاصة، وأراد المشركون تعميمه؛ فنزلت الآية. ومنها حديث: "لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أَحْدَث حتى يتوضأ" (١)، خُصَّ منه المتيمم بآية التيمم. وقد يمنع هذا مَن يرى أن التيمم يرفع الحدث. ومنها حديث: "أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله" (٢)، خُصَّ بقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩]. ومنها حديث: "إن الله تَجاوز لأُمتي ما حدَّثت به أنفُسها" (٣)، خُصَّ بقوله تعالى في سبق اللسان باليمين: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]. تنبيهان أحدهما: أشار ابن الحاجب إلى خلاف في المسألة، وأن المخالِف استدل بقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]. وقد سبق الجواب في مِثله بأن ذلك لا يقتضي أن يخرج عن كونه [تبيينًا] (٤)، فإنَّ تبيينه تارة بالقرآن وتارة بالسُّنة. الثاني: إطلاق التخصيص بالسُّنة شامل للآحاد وللمتواتر إنْ أثبتناه في السُّنة. فأما الآحاد فهو ما سبق من الأمثلة. وأما المتواتر فهو قول الجمهور، وعن بعض فقهاء أصحابنا المنع، وعن أحمد روايتان،

стр. 1603

وقال ابن برهان: إن المنع قول بعض المتكلمين. وبه قال مكحول ويحيى بن أبي كثير، إذْ قالا: السُّنة تَقْضِي على الكتاب -أيْ تُبَيِّنه- والكتاب لا يقضِي على السُّنة. نعم، سيأتي في "باب النَّسخ" من كلام الشافعي أنَّ السُّنة لا ينسخها القرآن إلا إذا كان معه سُنة تُبَيِّن، فيحتمل أن يجيء مِثله هنا. وكذا في نَسخ الكتاب بالسنة المتواترة. وقد سبق جواب القرافي في "إطلاقهم السُّنة المتواترة، ومِثْلها لا يوجد، فكيف يمثل به؛ " بأنَّ ذلك باعتبار الزمن الذي كانت فيه متواترة وإنْ طرأ عليها الانتقال [للآحاد] (١). وسبق رده، والله تعالى أعلم. ص: ٦٥٣ - وَسُنَّةٌ بِهَا كَمَا في خَبَرِ ... "فِيمَا سَقَتْ" يُخَصُّ ذَا بِالْأَثَرِ ٦٥٤ - أَيْ: "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةٍ" إلَى ... آخِرِهِ، فَالْقَول أَوْ مَا [فَعَلَا] (٢) ٦٥٥ - أَوْ قَرَّرَ النَّبِيُّ سُنَّةً بِهَا ... يُخَصُّ حَيْثُ أُطْلِقَتْ فَعَمَّهَا ٦٥٦ - فَعَادَةً قَرَّرَهَا مُخَصِّصَهْ ... كَمَا بِإجْمَاعٍ تُقَرُّ، فَاخْصُصَه الشرح: القسم الرابع: تخصيص السُّنة بالسُّنة: وكُل مِن السُّنة العامة والمخَصِّصة إما متواترة أو آحاد، فمسائلها أربع، ثلاثة منها فَرْعُ وجود المتواتر، وقد سبق بيانه، وعلى تقدير وجوده يأتي في كل قِسم مِن الخلاف ما سنذكره.

стр. 1604

الأُولى: تخصيص السنة المتواترة بمثلها: ويجري فيها الخلاف السابق في تخصيص القرآن بالقرآن. وحكى الشيخ أبو حامد عن داود أنهما يتعارضان. ومنشأ الخلاف أيضًا في ذلك مما سبق في أنَّ السُّنة إنما تكون مُبيِّنة؛ لقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾، لا محتاجة للبيان، سواء تواترت أوْ لا. ولذلك قال القاضي عبد الوهاب: منع بعضهم من تخصيص السُّنة بالسنة بما سبق. المانية: تخصيص المتواترة بالآحاد: ويطرقها الخلاف مِن حكاية القاضي عبد الوهاب آنفًا. وجوابه: أن المبيَّن (بالفتح) لا يمتنع أن يكون مُبيِّنًا (بالكسر) مِن وجه آخَر، إذْ لا تنافي بينهما. ومنهم مَن يحكي فيه الخلاف السابق في تخصيص القرآن بالسُّنة، وقد صرح بذلك القاضي في "التقريب" وإمام الحرمين في "البرهان" وغيرهما، فإنكار ذلك على البيضاوي ليس بجيد. فائدة: تخصيص عموم القرآن والسُّنة المتواترة هل يجوز بالقراءة الشاذة؟ يتجه تخريجه على ما سبق من الخلاف في أنها يُحتج بها [أَم] (١) لا. نعم، في كتاب أبي بكر الرازي أنه يجوز إذا اشتهرت واستفاضت، قال: (ولهذا أخذنا بقراءة ابن مسعود: "متتابعات"، ومنعنا به الإطلاق في الآية) (٢).

стр. 1605

التالثة: تخصيص الآحاد بالمتواترة: ويطرقه الخلاف مِن كون السُّنة مُبَيِّنة، لا محتاجة للبيان. وسبق بجوابه. الرابعة: تخصيص الآحاد بالآحاد: وهو ما ذكرته في النَّظم؛ لأنه الذي توجد أمثلته، وهي كثيرة، وهي على أربعة أضرب؛ لأن العام دائمًا قول، والمخصِّص إما قول أو فعل، والفعل إما وجودي وإما كَفِّي وهو تقريره ﷺ ، وذلك إما لفعل عَلِمَ به وإما لعادة اطَّلَع عليها فَقَرَّرَها. فالأول: مِن أمثلته ما أشرتُ إليه في النَّظم من حديث: "فيما سقت السماء العشر" (١). أخرجه أبو داود والنسائي عن ابن عمر، بقوله ﷺ : "ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة" (٢). متفَق عليه من حديث أبي سعيد الخدري. وقولي: (بِالْأَثَرِ) المراد به الحديث؛ فلذلك عقبتُه بقولي: (أَيْ: لَيْسَ فِيمَا) إلى آخِره، وإنْ كان الأثر غالبًا إنما يُطلق في الموقوف على صحابي أو غيره مِن غير رفع إلى النبي ﷺ كما سبق بيانه في محله. الضرب الثاني: الفعل، فإذا قُلنا: يجب على الأُمة التأسي به، فالأكثرون من أصحاب الأئمة الأربعة وغيرهم على جواز التخصيص به. قال الشيخ أبو حامد: هذا إذا قُلنا: إنه على الوجوب أو الندب، فإنْ قُلنا بالتوقف، فلا يخصص به. وقال جمعٌ (منهم الكرخي): لا يخصص به مطلقًا. واختاره ابن برهان، وحكاه الشيخ في "اللمع" عن بعض أصحابنا.

стр. 1606

وقيل: إنْ فَعَله مرة، فلا يخصص به؛ لاحتمال أنه مِن خصائصه ﷺ . نقله صاحب "الكبريت الأحمر" عن الكرخي وغيره من الحنفية، قال: فإنْ تَكرر، خُصَّ به إجماعًا. وقيل: إنْ كان فِعلًا ظاهرًا، خُصَّ به، وإنْ كان مستترًا فلا. وقيل: إنِ اشتهر كون الفعل مِن خصائصه، لم يُخَص به، وإلا خُصَّ. جزم به سليم في " التقريب". وقال إلْكِيَا: إنه الأصح. قال: ولهذا حمل الشافعي تزويج ميمونة وهو مُحْرِم على أنه كان مِن خصائصه. وقيل بالوقف، ونُقل عن عبد الجبار. وقيل: إنْ كان منافيًا للظاهر، [خُصِّص] (١) به، أو موافقًا له فلا. أيْ: ولو في غير ما نحن فيه مِن تخصيص السُّنة بالسُّنة، حتى يجري في تخصيص القرآن بالسُّنة، نحو: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] وقطع ﷺ سارق رداء صفوان وغيره، فلا تخصص الآية. قاله ابن القطان. قلتُ: لا معنى لهذا التفصيل؛ لأن التخصيص إنما هو بفعل ينافي العموم، لا أنْ يكون فردًا من أفراده. وقيل: إنما يكون تخصيصًا إذا عُرِف مِن قوله أنه قصد به بيان الأحكام، نحو: "صلُّوا كما رأيتموني أُصلِّي" (٢)، "خذوا عني مناسككم" (٣)؛ لأنه إذا لم يكن كذلك، فقدْ يكون من

стр. 1607

خصائصه، كنهيه ﷺ عن الوصال ثم واصل، ثم قال: "إني لست كأحدكم" (١). فَبَيَّن أنه يفعل مُريدًا به بيان حُكمهم وإلا فينبههم على اختصاصه بذلك. نعم، محل كونه تخصيصًا ما إذا كان العموم شاملًا له وللأُمة بتحريم شيء مَثلًا ثم يفعل الفعل المنهي عنه وهو مما لا يجب اتِّباعه فيه إما لكونه مِن خصائصه أو غير ذلك. أما إذا أوجبنا التأسي به فيه، فيرتفع الحكم عن الكل، وذلك نَسخ، لا تخصيص. وأما إذا كان العموم للأُمَّة دُونه، فَفِعله ليس بتخصيص، لعدم دخوله في العموم. وقد مُثِّل ذلك بالنهي عن استقبال القبلة واستدبارها، ثم جلس في بيت حفصة مستقبل بيت المقدس (٢). فعَلَى القول بأن النهي شامل للصحراء والبنيان فيحرم فيهما وبِه قال جمعٌ: يكون النبي ﷺ خُصَّ بذلك، وخرج من عموم النهي. فإنْ قُلنا: إنه ﷺ ليس مختصًّا بذلك، فالتخصيص للبنيان مِن العموم سواء هو والأُمَّة في ذلك. ومثاله في جانب التَّرْك: قوله ﷺ : "الثيب بالثيب جلد مائة والرجم". ثم إنه رجم ماعزًا والغامدية مِن غير جَلد. لكن ليس هذا من باب التخصيص؛ لأنه رَفْع لأحد أمرين منصوصين، فيكون نَسخًا، لا تخصيصًا.

стр. 1608

ومُثِّل أيضا بنهي النبي ﷺ عن الصلاة بعد العصر، ثم صلَّى ركعتين بعد العصر، ولكن لها سبب؛ فحصل التخصيص. الضرب الثالث: التخصيص بتقرير النبي ﷺ واحدًا مِن المكلفان على خِلاف مُقْتَضَى العام، فهل يكون مخُصِّصًا إذا وُجِدت شرائط التقرير فيه؟ فإنْ كان قَبْل دخول وقت العمل به ولم تَثبت مساواة الذي قرره لغيره، كان تخصيصًا. وإنْ ثبتت المساواة لجميع ما دل عليه الكلام أو كان بعد دخول وقت العمل، كان نَسخًا. ومَثَّل الأستاذ أبو منصور ما يكون تخصيصًا بقوله ﷺ : "فيما سقت السماء العشر" وتَرْك ﷺ أَخْذ الزكاة من الخضراوات. قال ابن القطان: (وكذا تقريره على ترك الوضوء لِمَن نام قاعدًا). نعم، التخصيص بالتقرير هل هو تخصيص بنفس تقريره؟ أو بما تضمنه مِن سَبْق قول به فيكون مُستدلًّا بتقريره على. أنه قد خُص بقول سابق؛ إذ لا يجوز لهم أن يفعلوا ما فيه مخالفة للعام إلا بإذن صريح، فتقريره دليل ذلك؛ وجهان حكاهما ابن القطان وإلْكِيَا. قال ابن فورك والطبري: إن الظاهر الأول. وكذا مُقْتَضَى كلام ابن القطان ترجيحه، وحينئذٍ فتكون صلاة النبي ﷺ قاعدًا دليلًا على أن قوله ﷺ : "إذا صلي الإمام قاعدًا فصلوا قعودًا" (١) على أنهم لم يكونوا ليفعلوا ذلك وينتقلوا عن الحالة الأُولى إلا بشيء مُتقدِّم. وليس ذلك نقلًا عن الحال، إنما هو بناء على ما

стр. 1609

كانوا عليه، ويتوصل بالحال إلى العِلم به. قولي: (سُنَّةً بِهَا يُخَصُّ حَيْثُ أُطْلِقَتْ فَعَمَّهَا) أي: عَمَّ الأمور الثلاثة (القول والفعل والتقرير) سُنَّةٌ يُخص بها عموم السُّنة. فحيث أطلقت "السُّنة" كانت شاملة للثلاثة؛ فإنَّ لفظ "السُنَّة" يعمها وَيصْدُق عليها. وقولي: (فَعَادَةً قرَّرَهَا مُخَصِّصَهْ) إلى آخِره -إشارة إلى بيان حُكم الضرب الرابع وهو ما إذا اطَّلع النبي ﷺ على عادة اطردت في زمانه وأقَرها ولم يُنكرها ولكن تلك العادة مخالفة لبعض ما دخل في عموم سُنَّة أخرى، فإنَّ ذلك يكون تخصيصًا. وأشرتُ بعطف ذلك بِـ "الفاء" إلى أنه مُرتَّب على ما قَبله؛ لرجوعه إلى التخصيص بالتقرير. واعْلَم أنَّ في هذا الضرب اضطرابًا شديدًا يظهر ذلك بما نذكره مِن الأحوال في تصويره المحتملة فيه: فأحدها: أنْ يكون النبي ﷺ أوجبَ أشياء أو حَرَّمها بلفظ عام، ثم تجري عادة بعد ذلك بترك بعض ما أوجب أو بفعل بعض ما حرم. فقال الإمام الرازي وأتباعه: إنها تخصيص إذا عَلِم بها النبي ﷺ ولم يُنكرها ولا منعها. قال في "المحصول": (فأما إذا عُلِم جريانها مِن بَعْده ﷺ ، فإنها لا تُخصِّص إلا أنْ يُجمَع على فِعلها؛ فيكون تخصيصًا بالإجماع الفعلي) (١). أي: والتخصيص بالإجماع -كيف كان- جائز كما سيأتي. وعلى هذا جريتُ في النَّظم بقولي: (فَعَادَةً قَرَّرَهَا مُخَصِّصَهْ).

стр. 1610

الثانية: أن تتقدم عادة في فِعل شيء على ورود عام شامل له ولغيره، فلا يكون العام منصرفًا إلى المعتاد فقط مخصَّصًا به، بل هو على عمومه فيه وفي غيره، إلا أن ذلك الذي جرت به العادة مراد قطعًا، وإنما الكلام في غيره. وهذه التي قال الآمدي وابن الحاجب فيها: إن الجمهور على أن العادة تتناول بعض خاص ليس بمخصص، خلافًا للحنفية. مثل ما لو قال الشارع: (حرمتُ الربا في الطعام) وعادتهم تناول البُر، فيجري اللفظ على عمومه في كلِّ طعام. وعليه يُحمل إطلاق الشيخ أبي إسحاق الشيرازي وابن السمعاني وغيرهما أنَّ العادة لا تُخصِّص. قال الهندي بعد أن ذكر هاتين الحالتين: (إنَّ الحقَّ في هذه أنها لا تُخصص) (١). وحينئذٍ فمَن ادَّعى أن مسألة "المحصول" ومسألة الآمدي وارِدتان على محل واحد حتى حاول الجمع بين كلاميهما (إمَّا بأنَّ مَن قال: "تُخصِّص" أراد أنه إذا قررها ﷺ ، ففي الحقيقة تقريره هو المخصِّم، ومَن قال: "ليس بمخصِّص" أراد إذا لم يطَّلع عليها ويقررها، أو بغير ذلك) ليس بِمُسلَّم، والصواب: أنهما مسألتان. وممن صرح بأنهما لا تعلُّق لإحداهما بالأخرى: القرافي في "شرح التنقيح". وممن صرح في الحالة الثانية بأن العادة لا تُخصص مِن أصحابنا: أبو حامد وسليم والصيرفي، وابن القشيري، قال: خلافًا لأبي حنيفة. لكن قال الشيخ أبو حامد: يجب الأخذ بالخبر واطِّراح العادة بلا خلاف. وقال إمام الحرمين في "النهاية" في باب الزكاة في أنه يجب في خمس من الإبل شاة وأنه مُخيَّر بين غنم البلد وغيرها: (إنه ﷺ قال: "في خمس شاة"، واسم الشاة يقع عليهما جميعًا،

стр. 1611

ولفظ الشارع لا يُخصَّص بالعُرف عند المحققين من أهل الأصول) (١). انتهى وقد استُفيد منه أن مرادهم بالعادة السابقة ليس اعتياد فِعل فقط، بل اعتبار الوجود ولو في ذوات، كما في وجود نوع غنم البلد. الحالة الثالثة: أن تكون العادة جارية بإطلاق لفظ على بعض أفراد العام الدال عليها لغةً، نحو أن يكون عُرْفهم إطلاق "الطعام" على البُر مثلًا أو على المقتات، ثم يأتي النهي عن بيع الطعام بالطعام، فهذا تخصيص. وهو في الحقيقة مِن تقديم الحقيقة العُرفية على اللغوية، وممن صرح بذلك الشيخ أبو حامد، فقال بعد ما حكيناه عنه مِن أن العادة بفعل شيء لا تخصِّص العام الآتي بَعْده: (فإنْ قيل: أليس قد خصصتم عموم لفظ اليمين بالعادة؟ فقُلتم: إذا حلف لا يأكل بيضًا أو لا يأكل الرءوس، فلا يحنث إلا بما يعتاد أكله من الرءوس والبيض. فهلَّا قلتُم في ألفاظ الشارع مثل ذلك؟ قيل: نحن لا نُخصِّص اليمين بعُرف العادة، وإنما نخصصه بِعُرف الشرع، مِثل: لا يُصلي ولا يصوم، فيحنث بالشرعي. أو بِعُرف قائم في الاسم، مِثل الحلف على أن لا يأكل البيض أو الرءوس، فيُعقَل مِن إطلاق هذا الاسم الرءوس التي تُقصد للأكل، فتخصيص اليمين بِعُرف قائم في الاسم. فأمَّا بعُرف العادة فلا يخصَّص، فإنه لو حلف لا يأكل خبزًا ببلدٍ لا يؤكَل فيه إلا خبز الأرز، حنث بأكل خبز غير الأرز وإنْ كان لا يعتاد أَكْله). انتهى وممن نَص على أن العادة القولية تُخصِّص: الغزالي وإلْكِيَا وصاحب "المعتمد" والآمدي ومَن تبعه، وكذا القاضي عبد الوهاب والقرطبي. وفي "شرح العنوان" لابن دقيق العيد: إنَّ الصواب التفصيل بين العادة الراجعة للفعل

стр. 1612

والراجعة للقول، فيُخصَّص بالثانية العمومُ؛ لِسَبْق الذهن عند الإطلاق إليه دُون الأول. أي: إذا تَقدمت أو تأخرت ولكن لم يُقررها ﷺ ؛ حتى يجتمع كلامه مع ما سبق. قلتُ: وكلام القرافي في "شرح التنقيح" كالصريح في هذه الحالة، خلافًا لمن زعم أنه في الحالة التي قبلها. وهذه الحالة الثالثة لم أتعرَّض لها في النَّظم؛ لأنها حينئذٍ مِن حمل اللفظ على حقيقته العُرفية. وأما الحالة الثانية: فتخرج مِن كونه ﷺ قَرر العادة إذا أتى بلفظ عام موافِق للعادة السابقة في البعض، فيُستفاد منه جريان الحكم فيه وفي غيره، فلا يقال: إنه قَرَّر العادة. بخلاف ما إذا جاءت بَعْد مخالِفة للعام وعَلِم بها وسكت، فإنه يقال: قررها. تنبيهات الأول: من فروع المسألة: لو قال: (بعتُك هذه الشجرة)، فهو في قوة بيعها مُصرِّحًا بجميع أغصانها، لكن لا يدخل فيها الغصن اليابس؛ لأن العادة فيه القطع. وقال صاحب "التهذيب": يحتمل أن يدخل كالصوف على ظهر الغنم إذا بِيعت الغنم وقد استحق جز صوفها في العادة. وما قاله هو قياس ما سبق من عدم التخصيص بالعادة السابقة، إلا أن يقال: إنما لم يدخل الغصن اليابس لأنه كالخارج من مدلول لفظ الشجرة؛ لأنَّ اليابس كالمنفصل، فهو كالسُّلم ونحوه في بيع الدار حيث لا يكون مُثَبَّتًا. ومن ذلك ما أشار إليه القرطبي إذ قال: اختلف أصحابنا في تخصيص العموم بالعادة الغالبة، كقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: ٦]، فهو كناية عن الخارج

стр. 1613

مِن المَخْرَجَين وهو عام، غير أنَّ أكثر أصحابنا خصصوه بالأحداث المعتادة، فلو خرج ما لا يُعتاد كالحصاة والدود، لم يكن ناقضًا، لأن الذهن لا يتبادر إلا إلى المعتاد. قال: وعلى هذا الأصل انبنى الخلاف في مسائل الأيمان، فإذا حلف بلفظٍ له عُرف فِعْلي ووَضْع لغوي، فهل يُحمَل على العُرف الفعلي؛ أو على الوضع اللغوي؟ قولان. الثاني: قال القرافي: (شذَّ الآمدي بحكاية الخلاف في العادة الفِعلية). قال: (ووقع للمازري خلاف في ذلك عن المالكية، ولَعَلَّه ممن التبس عليه الفعلية والقولية). قال: (وأظن أني سمعتُ الشيخ عز الدين بن عبد السلام يحكي الإجماع أن الفعلية لا تُخصِّص. وقال العالمي من الحنفية: العادة الفعلية لا تكون مُخصِّصة إلا أن تُجمِع الأمة على استحسانها. ثم قال: ولقائل أن يقول: هذا تخصيص بالإجماع، لا بالعادة) (١). انتهى وقد سبق بيان الأحوال التي فيها الخلاف والقطْع. الثالث: نسب بعضهم القول بتخصيص العادة الفعلية إلى الشافعي؛ لأنه حمل الأمر في قوله ﷺ في الرقيق: "أطعموهم مما تأكلون، وألبسوهم مما تلبسون" (٢) على الاستحباب دُون الوجوب. قال: لأن العرب كانت مطاعمهم وملابسهم متقاربة، وكان عيشهم ضيقًا. وأما مَن لم يكن كذلك، فإنه يطعم ويكسو رقيقه -إذا لم يَرد ذلك- بالمعروف؛ لحديث: "له نفقته وكسوته بالمعروف" (٣).

стр. 1614

لكن هذا الذي قاله ليس بجيد، لأن الشافعي (﵁) إنما قال ذلك لحديث: "نفقته وكسوته بالمعروف"، لا لأجل أن العُرف خصَّصه، بل هو من تخصيص حديث بحديث. والله أعلم. ص: ٦٥٧ - كَذَاكَ بِالْإجْمَاعِ خُصَّ الْمُنْزَلُ ... مُضَمَّنًا [لِسَنَدٍ] (١) يُفَصَّلُ ٦٥٨ - وَمَثَّلُوا بِالْقَذْفِ إذْ يُنَصَّف ... في الْعَبْدِ إجْمَاعًا، وَفِيهِ يُوقَفُ الشرح: القِسم الخامس من التخصيص بالمنفصل: تخصيص عموم الكتاب والسُّنة بالإجماع. وذلك معنى قولي: (خُصَّ الْمُنزلُ)، فإنه شامل للقرآن والسنة كما سبق من بيان أن السنة مُنزَّلة، لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤]. وقال الشافعي أنه سمع مَن يرضَى من أهل التفسير يقول في نحو قوله تعالى: ﴿وَمَا

стр. 1615

أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [البقرة: ٢٣١]: إنَّ الحكمةَ السُنَّةُ. فأما تخصيص القرآن بالإجماع فمثَّلوه بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤] الآية، خُص بالإجماع على أنَّ العبد القاذف يُجلَد على النصف مِن الحُر. لكن التخصيص في الحقيقة إنما هو بما تضَمَّنه الإجماع من الدليل في الأصل على الحكم؛ إذِ الإجماع لا بُدَّ له من مُستنَد وإنْ لم نَعرفه. نعم، في التمثيل بذلك نظر، وإليه أشرت في النَّظم بقولي: (وَفِيهِ يُوقَفُ). أي: يتوقف فيه من جهة احتمال أن يكون التخصيص بالقياس. فإن قيل: لِمَ لا تقولون بأنَّ الإجماع يكون ناسخًا على معنى أنه يتضمن ناسخًا؟ فجوابه: أنَّ [سند] (١) الإجماع قد يكون مما لا يُنسخ به، فليس في كل إجماع تَضمُّن لِما يسوغ النسخ به. وأما التخصيص فلَمَّا كان مِن البيان، كان كل دليل يخصَّص به ولو كان العام الذي يخصَّص قطعيًّا في المتن، فافترقَا. وأما مَن قال: (النَّسخ بالإجماع ما وقع حتى يقول: إنه يتضمن ناسخًا، بخلاف التخصيص) فلا يخلو مِن نظر. وبالجملة فمعنى تخصيص العام بالإجماع: أن يُجمِعوا على أنه مخصوص بدليل آخَر، فيَلزم مَن بَعْدَهم متابعتهم وإنْ جهلوا المخصِّص. وليس معناه أن الإجماع نفسه مخُصِّص؛ لأن الإجماع في زمنه ﷺ محُال، وبَعْده -على خِلاف الكتاب أو السُّنة- خطأ لا ينعقد.
следующие страницы →