ولفظ الشارع لا يُخصَّص بالعُرف عند المحققين من أهل الأصول) (١). انتهى
وقد استُفيد منه أن مرادهم بالعادة السابقة ليس اعتياد فِعل فقط، بل اعتبار الوجود ولو في ذوات، كما في وجود نوع غنم البلد.
الحالة الثالثة: أن تكون العادة جارية بإطلاق لفظ على بعض أفراد العام الدال عليها لغةً، نحو أن يكون عُرْفهم إطلاق "الطعام" على البُر مثلًا أو على المقتات، ثم يأتي النهي عن بيع الطعام بالطعام، فهذا تخصيص.
وهو في الحقيقة مِن تقديم الحقيقة العُرفية على اللغوية، وممن صرح بذلك الشيخ أبو حامد، فقال بعد ما حكيناه عنه مِن أن العادة بفعل شيء لا تخصِّص العام الآتي بَعْده: (فإنْ قيل: أليس قد خصصتم عموم لفظ اليمين بالعادة؟ فقُلتم: إذا حلف لا يأكل بيضًا أو لا يأكل الرءوس، فلا يحنث إلا بما يعتاد أكله من الرءوس والبيض. فهلَّا قلتُم في ألفاظ الشارع مثل ذلك؟
قيل: نحن لا نُخصِّص اليمين بعُرف العادة، وإنما نخصصه بِعُرف الشرع، مِثل: لا يُصلي ولا يصوم، فيحنث بالشرعي. أو بِعُرف قائم في الاسم، مِثل الحلف على أن لا يأكل البيض أو الرءوس، فيُعقَل مِن إطلاق هذا الاسم الرءوس التي تُقصد للأكل، فتخصيص اليمين بِعُرف قائم في الاسم. فأمَّا بعُرف العادة فلا يخصَّص، فإنه لو حلف لا يأكل خبزًا ببلدٍ لا يؤكَل فيه إلا خبز الأرز، حنث بأكل خبز غير الأرز وإنْ كان لا يعتاد أَكْله). انتهى
وممن نَص على أن العادة القولية تُخصِّص: الغزالي وإلْكِيَا وصاحب "المعتمد" والآمدي ومَن تبعه، وكذا القاضي عبد الوهاب والقرطبي.
وفي "شرح العنوان" لابن دقيق العيد: إنَّ الصواب التفصيل بين العادة الراجعة للفعل
стр. 1612
والراجعة للقول، فيُخصَّص بالثانية العمومُ؛ لِسَبْق الذهن عند الإطلاق إليه دُون الأول.
أي: إذا تَقدمت أو تأخرت ولكن لم يُقررها ﷺ ؛ حتى يجتمع كلامه مع ما سبق.
قلتُ: وكلام القرافي في "شرح التنقيح" كالصريح في هذه الحالة، خلافًا لمن زعم أنه في الحالة التي قبلها.
وهذه الحالة الثالثة لم أتعرَّض لها في النَّظم؛ لأنها حينئذٍ مِن حمل اللفظ على حقيقته العُرفية.
وأما الحالة الثانية: فتخرج مِن كونه ﷺ قَرر العادة إذا أتى بلفظ عام موافِق للعادة السابقة في البعض، فيُستفاد منه جريان الحكم فيه وفي غيره، فلا يقال: إنه قَرَّر العادة.
بخلاف ما إذا جاءت بَعْد مخالِفة للعام وعَلِم بها وسكت، فإنه يقال: قررها.
تنبيهات
الأول: من فروع المسألة: لو قال: (بعتُك هذه الشجرة)، فهو في قوة بيعها مُصرِّحًا بجميع أغصانها، لكن لا يدخل فيها الغصن اليابس؛ لأن العادة فيه القطع.
وقال صاحب "التهذيب": يحتمل أن يدخل كالصوف على ظهر الغنم إذا بِيعت الغنم وقد استحق جز صوفها في العادة.
وما قاله هو قياس ما سبق من عدم التخصيص بالعادة السابقة، إلا أن يقال: إنما لم يدخل الغصن اليابس لأنه كالخارج من مدلول لفظ الشجرة؛ لأنَّ اليابس كالمنفصل، فهو كالسُّلم ونحوه في بيع الدار حيث لا يكون مُثَبَّتًا.
ومن ذلك ما أشار إليه القرطبي إذ قال: اختلف أصحابنا في تخصيص العموم بالعادة الغالبة، كقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: ٦]، فهو كناية عن الخارج
стр. 1613
مِن المَخْرَجَين وهو عام، غير أنَّ أكثر أصحابنا خصصوه بالأحداث المعتادة، فلو خرج ما لا يُعتاد كالحصاة والدود، لم يكن ناقضًا، لأن الذهن لا يتبادر إلا إلى المعتاد.
قال: وعلى هذا الأصل انبنى الخلاف في مسائل الأيمان، فإذا حلف بلفظٍ له عُرف فِعْلي ووَضْع لغوي، فهل يُحمَل على العُرف الفعلي؛ أو على الوضع اللغوي؟ قولان.
الثاني: قال القرافي: (شذَّ الآمدي بحكاية الخلاف في العادة الفِعلية).
قال: (ووقع للمازري خلاف في ذلك عن المالكية، ولَعَلَّه ممن التبس عليه الفعلية والقولية).
قال: (وأظن أني سمعتُ الشيخ عز الدين بن عبد السلام يحكي الإجماع أن الفعلية لا تُخصِّص. وقال العالمي من الحنفية: العادة الفعلية لا تكون مُخصِّصة إلا أن تُجمِع الأمة على استحسانها. ثم قال: ولقائل أن يقول: هذا تخصيص بالإجماع، لا بالعادة) (١). انتهى
وقد سبق بيان الأحوال التي فيها الخلاف والقطْع.
الثالث: نسب بعضهم القول بتخصيص العادة الفعلية إلى الشافعي؛ لأنه حمل الأمر في قوله ﷺ في الرقيق: "أطعموهم مما تأكلون، وألبسوهم مما تلبسون" (٢) على الاستحباب دُون الوجوب.
قال: لأن العرب كانت مطاعمهم وملابسهم متقاربة، وكان عيشهم ضيقًا. وأما مَن لم يكن كذلك، فإنه يطعم ويكسو رقيقه -إذا لم يَرد ذلك- بالمعروف؛ لحديث: "له نفقته وكسوته بالمعروف" (٣).
стр. 1614
لكن هذا الذي قاله ليس بجيد، لأن الشافعي (﵁) إنما قال ذلك لحديث: "نفقته وكسوته بالمعروف"، لا لأجل أن العُرف خصَّصه، بل هو من تخصيص حديث بحديث. والله أعلم.
ص:
٦٥٧ - كَذَاكَ بِالْإجْمَاعِ خُصَّ الْمُنْزَلُ ... مُضَمَّنًا [لِسَنَدٍ] (١) يُفَصَّلُ
٦٥٨ - وَمَثَّلُوا بِالْقَذْفِ إذْ يُنَصَّف ... في الْعَبْدِ إجْمَاعًا، وَفِيهِ يُوقَفُ
الشرح:
القِسم الخامس من التخصيص بالمنفصل: تخصيص عموم الكتاب والسُّنة بالإجماع.
وذلك معنى قولي: (خُصَّ الْمُنزلُ)، فإنه شامل للقرآن والسنة كما سبق من بيان أن السنة مُنزَّلة، لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤].
وقال الشافعي أنه سمع مَن يرضَى من أهل التفسير يقول في نحو قوله تعالى: ﴿وَمَا
стр. 1615
أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [البقرة: ٢٣١]: إنَّ الحكمةَ السُنَّةُ.
فأما تخصيص القرآن بالإجماع فمثَّلوه بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤] الآية، خُص بالإجماع على أنَّ العبد القاذف يُجلَد على النصف مِن الحُر. لكن التخصيص في الحقيقة إنما هو بما تضَمَّنه الإجماع من الدليل في الأصل على الحكم؛ إذِ الإجماع لا بُدَّ له من مُستنَد وإنْ لم نَعرفه.
نعم، في التمثيل بذلك نظر، وإليه أشرت في النَّظم بقولي: (وَفِيهِ يُوقَفُ). أي: يتوقف فيه من جهة احتمال أن يكون التخصيص بالقياس.
فإن قيل: لِمَ لا تقولون بأنَّ الإجماع يكون ناسخًا على معنى أنه يتضمن ناسخًا؟
فجوابه: أنَّ [سند] (١) الإجماع قد يكون مما لا يُنسخ به، فليس في كل إجماع تَضمُّن لِما يسوغ النسخ به.
وأما التخصيص فلَمَّا كان مِن البيان، كان كل دليل يخصَّص به ولو كان العام الذي يخصَّص قطعيًّا في المتن، فافترقَا.
وأما مَن قال: (النَّسخ بالإجماع ما وقع حتى يقول: إنه يتضمن ناسخًا، بخلاف التخصيص) فلا يخلو مِن نظر.
وبالجملة فمعنى تخصيص العام بالإجماع: أن يُجمِعوا على أنه مخصوص بدليل آخَر، فيَلزم مَن بَعْدَهم متابعتهم وإنْ جهلوا المخصِّص.
وليس معناه أن الإجماع نفسه مخُصِّص؛ لأن الإجماع في زمنه ﷺ محُال، وبَعْده -على خِلاف الكتاب أو السُّنة- خطأ لا ينعقد.
стр. 1616
قال الآمدي: (لا أعرف في التخصيص بالإجماع -بالمعنى المذكور- خلافًا) (١).
وجرى عليه ابن الحاجب وغيره.
وممن حكى الإجماع في ذلك أيضا الأستاذ أبو منصور البغدادي من أصحابنا.
نعم، قال ابن القشيري: إن الخلاف يطرقه مما سبق في التخصيص بالعقل: هل المراد أن العقل دَلَّ على أنه لم يدخل؟ أو على أنه خرج مِن اللفظ بعد دخوله؟ فيقال في الإجماع مثل ذلك.
لكن قد سبق أن الخلاف لفظي.
وجعل الصيرفي من أمثلة التخصيص بالإجماع قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] خُصَّ بالإجماع على عدم وجوب الجمعة على العبد والمرأة.
ومَثَّله ابن حزم بأنَّ قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ [التوبة: ٢٩] مخصوص بإجماعهم على أنه لو بذل فِلسًا أو فِلسين، لم يحقن بذلك دماؤهم.
وفيه نظر؛ لأنَّ الألف واللام في الجزية إن كانت للعموم، فالتخصيص بحديث معاذ: "خذ من كل حالم دينارًا" (٢)؛ إذ مفهومه أنه لا يؤخذ أقَل. وإن كانت للعهد، فالمراد ما تَقرر في شرعه مِن دينارٍ لكل واحد.
أما مِثال تخصيص السُنَّة العامة بالإجماع فلم أرهُم تعرَّضوا له، كأنه استغناء بمثال تخصيص القرآن به. والله تعالى أعلم.
стр. 1617
ص:
٦٥٩ - وَخُصَّ بِالْفَحْوَى مِنَ الْخِطَابِ ... وَبِدَلِيلِهِ، وَلِلْأَصْحَابِ
٦٦٠ - تَمْثِيلُهُ بِالْخَبَرِ [الْمَأْثُورِ] (١) ... في الْقُلَّتَيْنِ، خُصَّ بِالتَّغْيِيرِ
الشرح:
مِن المخصصات المنفصلة: تخصيص اللفظ العام بفحوى الخطاب، أي: "مفهوم الموافقة" إذا كان الحكم فيه أَوْلى مِن المذكور كما سبق في موضعه، وربما أطلق هنا "مفهوم الموافقة"؛ ليشمل "لحن الخطاب"، إذْ لا فرق.
فمثاله بالفحوى قوله ﷺ : "لَيُّ الواجِد يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ" (٢). رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم والبيهقي من رواية عمرو بن الشريد عن أبيه. وقال الحاكم: صحيح الإسناد.
و"اللَّيُّ": المَطْل. والمراد بِ "حِل عِرْضه" أن يقول غريمه: ظلمني، وبـ "عقوبته": الحبس ونحوه.
خُصَّ بمفهوم قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣]، فمفهومه أنه لا يؤذيهما بحبس ولا غيره؛ فلذلك نقل الإمامُ عن المعْظَم، والرافعي عن تصحيح البغوي أنَّ الوالد لا يُحبَس في دَيْن وَلَدِه، وصححه النووي أيضًا، وفيه وجه صححه الغزالي وصاحب
стр. 1618
"الحاوي الصغير".
ومما يمثَّل بذلك له أيضًا تخصيص عموم السُّنة بخصوص القرآن، وإنْ ذكرنا فيما سبق له أمثلة لكنها بمنطوق، وهذا بمفهوم، فَاعْلَمه.
وقولي: (وَبِدَلِيلِهِ) أي: ومن المخصصات أيضًا التخصيص بدليل الخطاب، فالضمير عائد للخطاب، والمراد به "مفهوم المخالفة".
ومثاله -كما ذكره بعض أصحابنا وإليه أشرتُ بقولي: (لِلْأَصْحَابِ) أي: [مِن جهتهم] (١)، لا أن الكل مثَّلوا به- قوله ﷺ : "إذا بلغ الماء قلتين، لم يحمل الخبث" (٢). رواه الأربعة، وصححه ابن حبان والحاكم والبيهقي وغيرهم.
خَصَّ بمفهومه -وهو ما لم تبلغ قلتين- عمومَ قوله ﷺ : "الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه أو طعمه أو لونه". رواه ابن ماجه والبيهقي من حديث أبي أمامة على ضَعف فيه، فإنه أَعَم مِن القلتين ودُونهما؛ فتصير القُلتان في الحديث الأول تنجُّسهما مخصوص بالتغيير، أي: تغييرهما بالنجاسة، ويبقى ما دُونهما ينجس بمجرد الملاقاة في غير المواضع المستثناة بدليل آخَر.
وهو معنى قولي: (في الْقُلَّتَيْنِ)، أي: في قَدْر القُلتين المذكور ذلك في الحديث السابق خُصَّ تنجيسه بالتغيير، بخلاف ما دُونهما فإنه ينجس بمجرد الوقوع، تَغيَّر أوْ لا.
إلا أن في قولي: (وَلِلْأَصْحَابِ تَمْثِيلُهُ) [إيماء] (٣) إلى عدم اختياري للتمثيل بذلك؛ لأن كلًّا مِن الحديثين عام مِن وجه وخاص من وجه.
стр. 1619
فالأول: عام مِن جهة حمل الخبث وهو التنجيس فيما تَغير وما لم يتغير، وخاص مِن جهة ما دُون القلتين.
والثاني: عام مِن حيث القُلتين ودُونهما، وخاص مِن حيث التقييد بالتغيير.
وليس تخصيص عموم أحدهما بخصوص الآخِر بِأَوْلى مِن عكسه، فيوقف حتى يرجح أحدهما على الآخَر بدليل كما سيأتي.
وقد مَثَّله ابن السمعاني بما سيأتي من آيتَي المتعة.
ومثَّله ابن الحاجب بما لو قيل: (في الأنعام زكاة). فإنَّ عمومه حينئذٍ يُخَص بمفهوم حديث: "في سائمة الغنم الزكاة". إلا أن الأول ليس حديثًا، خِلافًا لما تَوهمه الشيرازي في "شرحه".
فإنْ قيل: العام لفظ، فكيف يُعمل بالمفهوم في تخصيصه ومن شَرْطه أن لا يعارضه ما هو أقوى منه؟
قيل: هو مِن حيث كونه خاصًّا أقوى مِن العام وإنْ كان العام مِن حيث كَوْنه نُطقًا أقوى؛ فتعارضا؛ فيُعمل بهما؛ جمعًا بين الدليلين.
تنبيهات
الأول: إنما يُخَص بدليل الخطاب على رأي مَن يجعله دليلًا؛ حتى يكون جمعًا بين الدليلين. وإنما يكون التخصيص بالفحوى حيث لم يُجعل مِن باب القياس، وإلَّا فهو تخصيص بالقياس، وسيأتي.
وحيث لم يُجعل من الإطلاق العُرفي أو نحوه فيكون تخصيصًا بلفظ، لا بمفهوم.
الثاني: قال الآمدي: (لا نَعرف خلافًا بين القائلين بالعموم وبالمفهوم أنه يجوز
стр. 1620
تخصيص العموم بالمفهوم، سواء [كان] (١) مِن قبيل مفهوم الموافقة أو المخالفة) (٢).
وما ادَّعاه مِن الاتفاق مردود؛ فقد توقَّف الإمام في ذلك ولم يختر شيئًا.
وقال سراج الدين الأرموي: (في جواز ذلك نظر) (٣).
وجزم الإمام في "المنتخب" بأنه لا يجوز، ونقله أبو الخطاب الحنبلي عن بعضهم.
وقال ابن دقيق العيد في الكلام على الحديث الثاني من "شرح الإلمام" أنه رأَى المنع في ذلك لبعض المتأخرين.
قلت: أما الفحوى إذا لم نَقُل: (إنه قياس أو غيره)، فلا يبعد أنه باتفاق.
قال الصفي الهندي: (لا يستراب في جواز التخصيص بمفهوم الموافقة) (٤).
أي: ويكون محل الخلاف في مفهوم المخالفة. بل صرح الإمام في "باب النسخ" بأن الفحوى قد يكون ناسخًا باتفاق، وكذا حكى الاتفاق فيه أيضًا الآمدي.
ولهذا لَمَّا نَصَب ابن الحاجب الأدلة في المخالفة هنا، تَبين أنه المراد بالمفهوم في أول المسألة وأنه لم يتعرض للموافقة؛ إذْ لا غرض فيما يكون باتفاق.
وأما المخالفة فيعضد ما سبق مِن الإشارة إلى الخلاف قولُ ابن السمعاني: (يجوز
تخصيص العموم بدليل الخطاب على الظاهر مِن مذهب الشافعي) (٥).
فقوله: (الظاهر) يُشعِر بالخلاف.
стр. 1621
ثم قال: (ومثاله في الكتاب قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٤١]، فإنه عام في كلِّ مُطلَّقة).
ثم قال: (﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [البقرة: ٢٣٦] الآية، فكان دليله- أيْ "دليل الخطاب" وهو المفهوم -أنْ لا متعة للمدخول بها، فخَصَّ بها -في أظهر قوليه- عموم المطلقات، وامتنع مِن التخصيص بها في القول الآخر) (١). انتهى
وقضيته تخريج قولين للشافعي في تخصيص العموم بالفهوم، وهو فائدة جليلة.
نعم، المرجَّح المنقول عن الجديد أن المدخول بها لها المتعة على خِلاف ما اقتضاه كلام ابن السمعاني، وعلى خِلاف ما تقتضيه قاعدة الأصول التي ذكرناها، فإنها إنما توافق القديم وهو المنع في المدخول بها.
لكن أبو الحسين بن القطان جعل ذلك من باب ذِكر بعض أفراد العموم، فإن قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ﴾ [البقرة: ٢٤١] شامل لمن دخل بها ومَن لم يدخل بها، ولمن لها فرض ولمن لا فرض لها. وقوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦] أي: التي لم يمسها والتي لم يفرض لها، وهو بعض أفراد المطلقات، فلا منافاة.
قال: (هذا على قول للشافعي، وعلى القول الآخَر يخصُّ بآية: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ عموم آية: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ﴾؛ لأن مفهومها أنَّ مَنْ مُسَّت أو فُرض لها، لا متعة لها) (٢).
قال: (وقد قيل: إن آية ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦] غير مَسُوقة لتعريف حُكم المتعة، بل للفرق بين الموسر والمعسر، فإنما يخصَّص العموم بما وَرَد مِن الخاص لأجل التخصيص، لا لمعنى آخَر). انتهى بمعناه.
стр. 1622
ثم قال بعد ذلك: (ومن المخصص أن يأتي بدليل الخطاب، وهو ما كان له وصفان، فتعليق الحكم بأحد وَصْفَيْه يدل على أن ما عدَاه بخلافه. فهذا يُخَصُّ به العموم قولًا واحدًا). انتهى
والجمع بينه وبين ما ذكره أولًا أنَّ ذلك في موضع يتردد بين أن يكون تخصيصًا أو ذِى بعض أفراد العموم. أما إذا لم يحتمل إلا التخصيص، فيُقضَى به قطعًا.
وذكر الصيرفي في "الدلائل" نحو هذا، فقال: (العام إنْ لم يمكن استعماله في جميع أفراده، تَوَقَّف على البيان، كقوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، فإذا ذكر بعض الأفراد، عُلِمَ أنه المراد بالزكاة المذكورة، كقوله: "ليس فيما دون خمسة أواقٍ صدقة" (١). وإنِ احتمل أن يكون المذكور إنما هو بعض الجنس، فالحكم للعموم، كقوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ﴾ فهذا عام، ثم قال تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ الآية، فلمَّا احتمل الأول أن يكون خاصًّا بمن لم تمُس وأن يكون ذكر بعض الجنس الذي أريد بالمتعة ولم يَنْفِ - مع الجمع بينهما - أحدُهما صاحبَه، اقتضَى الحكم بذاك لكل مطلقة). انتهى
فإنْ قيل: يَلزم على أنه مِن باب ذِكر فَرد مِن العموم أنْ لا يكون في الآية دليل على أنَّ مَن فُرض لها لا متعة لها، بل لها المتعة كما قدرته فيمن مُست أن لها المتعة.
قلتُ: هو قول [للشافعي] (٢) أثبتَه ابن سُريج وغيره من الخراسانيين: أنَّ لها المتعة؛ عملًا بعموم المطلقات.
وعلى المرجَّح المشهور أنها لا متعة لها يكون العام قد خُصّص بمعنى مُستنبط من النص، وهو أنها لَمَّا طُلِّقَت قبل الدخول، حصل لها ابتذال، فلما أخذت في مقابِله شطر
стр. 1623
المفروض، سواء سُمِّي لها مهر صحيح أو وجب لها مهر المثل بأنْ كان المسمَّى فاسدًا أو سكت عن ذكر المهر.
ثم قال الصيرفي: (وقد يحتمل أيضًا -على جواب الشافعي في المجمل والمفسر- أن يكون قوله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ مرتبًا على قوله ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ ما لم تَقُم دلالة على الجمع، وقد قامت الدلالة بقوله تعالى: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٢٨]، وقد عُلِم أنهن مدخول بهن، فثبتت المتعة للممسوسة وغيرها بهذا الدليل). انتهى
الثالث:
في كَوْن "مفهوم المخالفة" بمنزلة اللفظ أو القياس وجهان حكاهما سُليم، أصحهما الأول، وينبني عليهما ما إذا عارضه لفظ آية أو خبر، هل يُقَدَّم عليه؛ أو هُما بمنزلة لفظين؟
الرابع:
محل الخلاف في التخصيص بدليل الخطاب إذا عارضه غير النطق الذي هو أصله. فإن عارضه النطق الذي هو أصله، فإما أنْ يُسقِطه ويُبطله، وإما أنْ يُخصِّصه فقط.
فإنْ كان الأول، فيسقط المفهوم، كحديث: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل" (١) مفهومه يقتضي جوازه بالإذن، لكن لو عُمل به لأدَّى إلى مخالفته للمنطوق الذي هو بغير الإذن، وحُكمه البطلان. وقد ثبت بالإجماع أنهما مستويان، فإنْ جاز بغير الإذن، جاز بالإذن، وإنْ مُنع بغير الإذن، مُنع بالإذن، فيكون بهذا المعنى مُسْقطًا لأصله.
وإنْ كان الثاني، فيسقطه أيضًا على المرجَّح، نحو: "إن الله حرم الكلب وحرم ثمنه (٢).
стр. 1624
فإنَّ تحريم الكلب تحريمٌ لجهات انتفاعه مِن بيع وإجارة وغيرهما. وقوله: (وحرم ثمنه) مفهومه أن غير الثمن ليس بمحرم، فلا يُخصُّ به عموم الأول، خلافًا لابن القطان.
وليس هذا كما في استنباط معنى من النص يَعُود بالإبطال أو بالتخصيص؛ لأن ذلك قياس، وسيأتي إيضاحه في "باب القياس". والله تعالى أعلم.
ص:
٦٦١ - [كَذَاكَ] (١) بِالْقِيَاسِ إنْ جَلِيَّا ... يَكُونُ أَوْ تَعُدُّهُ خَفِيَّا
٦٦٢ - كَالنِّصْفِ في حَدِّ الزِّنَا لِلْعَبْدِ ... كَأَمَؤ مَنْصُوصَةٍ في الْحَدِّ
٦٦٣ - قَدْ خَصَّصَا زَانِيَةً وَالزَّانِي ... نَضًّا، وَبِالْقِيَاسِ في ذَا الثَّانِي
الشرح:
مِن المخصِّصات المنفصلة "القياس"، فيُخصُّ به العمومات مِن الكتاب والسنة؛ لأنه دليل شرعي، ففي التخصيص به جمعٌ بين الدليلين.
وأفسد الغزالي هذا الاستدلال بأنَّ القدْر الذي وقع فيه التقابل ليس فيه جمع بين الدليلين، بل هو رفْع للقدْر المعارِض للقياس، وتجريد العمل بالقياس.
قال القاضي تاج الدين السبكي في "شرح المنهاج": (وهذا حسن، وهو مأخوذ من
стр. 1625
جواب القاضي في "مختصر التقريب" عن هذه الشبهة) (١).
قلتُ: ليس المراد بإعمال الدليلين إعمالهما مِن كل وجه، بل في الجملة وإلَّا لجرى ذلك في كل تخصيص، فإنَّ القدْر المعارِض مِن العام للخاص طُرِح وعُمِل بالخاص.
وأما القدر الذي لا يعارِض الخاص فهو وإنْ كان معمولًا به لكنه ليس الكلام فيه، فظهر أن المراد بإعمال الدليلين إعمال العام في غير ما عارض المخصِّص وإعمال المخصص في المعارِض لبعض أفراد العام.
وقولي: (إنْ جَلِيَّا يَكُونُ) أي: سواء كان القياس جليًّا أو خفيًّا. فـ "جليًّا" خبر "يكون"، قُدِّم عليه، و"خفيًّا" مفعول ثانٍ لـ "تعد"، فإنه يتعدى لمفعولين، كقول الشاعر: (فلا تعدد المولى شريكك في الغنى).
وفي هذا التنبيه على أنَّ لنا قولًا بالتفرقة بين القياس الجلي والخفي، وسيأتي إيضاحه.
والحاصل أنَّ الراجح مِن المذاهب في المسألة التخصيص بالقياس مطلقًا، وإليه ذهب الأئمة الأربعة والأشعري وأبو هاشم وأبو الحسين، وعليه جرى الإمام والآمدي وأتباعهما، إلا أن ابن الحاجب زاد تفصيلًا آخَر يأتي بيانه.
وذكر الشيخ أبو إسحاق الشيرازي أنَّ الشافعي نَصَّ على جواز التخصيص بالقياس في مواضع.
وقال ابن داود في "شرح المختصر": إنَّ كلام الشافعي يُصرِّح بالجواز.
والمذهب الثاني: المنع مطلقًا. قاله أبو علي الجبائي، ونقله القاضي عن طائفة من المتكلمين، منهم ابن مجاهد مِن أصحابنا.
стр. 1626
والثالث: إنْ خُص العام بغير القياس، جاز بالقياس، وإلا فلا. قاله ابن أبان، ونقله ابن برهان في "وجيزه" عن أصحاب أبي حنيفة.
والرابع: إنْ خُص بمنفصل، جاز بالقياس، وإلا فلا. قاله الكرخي.
والخامس: إنْ كان القياس جليًّا، خُصِّص به، وإلا فلا. وبه قال [ابن سريج وجمعٌ من أصحابنا فيما هو المشهور عنهم وإنْ كان الشيخ أبو حامد نقل عنهم الجواز مطلقًا، ونقل هذه] (١) التفرقة عن ابن مروان من أصحابنا، ثم اختلفوا في تفسيرهما:
فقيل: الجلي قياس العلة، والخفي قياس الشَّبه. وسيأتي بيانهما في "باب القياس".
وقيل: الجلي ما تتبادر عِلته إلى الفهم عند سماع الحُكم، كتعظيم الأبوين عند سماع قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾.
وقيل: الجلي ما ينقض قضاء القاضي بخلافه، والخفي خِلافُه. ونقله الشيخ أبو حامد عن الإصْطَخْري. وقيل غير ذلك، وسيأتي بيانه في موضعه.
نعم، قال القفال: هذا التفصيل لا معنى له، لأن الخفي إنْ وجب العمل به فهو دليل شرعي كالجلي، فيُخص به.
والسادس: إنْ تَفاوَت العام والقياس في إفادة غَلبة الظن، رجح الأقوى، أو تساويا، وُقِف. وهو قول الغزالي، واعترف الإمام في أثناء المسألة بأنه حق، وكذا قال الأصفهاني: إنه حق واضح. وكذا الهندي في أثناء المسألة، واستحسنه القرافي أيضًا.
وقال ابن دقيق العيد: إنه مذهب جيد.
стр. 1627
لكن جَعْل هذا مذهبًا من المذاهب في المسألة لا يستقيم، فإنه أمر كُلي لا تَعلُّق له بخصوص المسألة، ولا أحد ينازع فيما قرره مِن أَرْجَح الظنَّين ولا في الوقف عند الاستواء، فتأمله.
والسابع: الوقف. قاله القاضي وإمام الحرمين.
والثامن قاله الآمدي: إنْ كانت العلة منصوصة أو مجمَعًا عليها، جاز التخصيص، وإلا فلا.
والتاسع: إنْ كان الأصل المقيس عليه مخُرَّجًا مِن عام، جاز التخصيص، وإلا فلا.
والعاشر: ما قال ابن الحاجب: (إنه المختار): إنْ ثبتت العلة بنص أو إجماع أو كان الأصل مخصصًا، خُص العام به، وإلا فالمعتبَر القرائن في آحاد الوقائع. فإنْ ظهر ترجيح خاص لأصل القياس، فالقياس مُرجَّح وإلا فعموم الخبر.
ولكنه آيِلٌ إلى اتِّباع أرْجَح الظنين، فإنْ تَسَاويا فالوقف. وهذا هو رأي الغزالي السابق، فتأمله.
والحادي عشر: يمتنع تخصيص عموم الكتاب به. ويُعزى للحنفية؛ لأن التخصيص عندهم نَسخ، ولا يُنسخ القرآن بقياس ولو كان جليًّا. ولذلك قالوا في الملتجئ للحرم ممن دمه مباح: يعصمه الالتجاء؛ عملًا بعموم: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧].
والشافعي خصص هذا العموم بقياس الملتجئ على غيره ممن وُجِدَ فيه موجِب الاستيفاء لغير الدم مِن الحقوق، لاسيما وقد ظهر إلغاء معنى اللياذ فيما إذا كان القتل في الحرم أو قطع الطريق فيه، فإنهم لا يخالفون في ذلك.
وقولي: (كَالنِّصْفِ) إلى آخِره -هو مثال التخصيص بالقياس كما مَثَّل به ابن السمعاني. فقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ يَعُم الأحرار والأرقاء، فخُصَّ مِن ذلك الأَمَةُ بالنص،
стр. 1628
والعبدُ بالقياسِ عليها.
أمَّا الأَمَة فبقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥].
وأمَّا العبد فلأنه رقيق فَعَل ما يوجب الحد، فكان على النصف مِن الحر؛ قياسًا على الأَمَة؛ بجامع ما بينهما مِن نقص الرق المقتضِي للتنصيف. فصار بعض الآية مخصَّصًا بالنص وبعضها بالقياس الذي هو مقصود التمثيل.
وهو معنى قولي: (كَالنِّصْفِ في حَدِّ الزِّنَا لِلْعَبْدِ). أي: كالحكم في حد العبد في الزنا، فإنه على النصف من الحر.
وقولي: (كَأَمَةٍ) أي: كما أنَّ الأَمة على النصف من الحرة، إلا أن الأَمة بالنص. فقد وقع التخصيص بالأَمة والعبد للعموم في "الزانية" و"الزاني" الواقعين في الآية، لكن الأول بالنص، والثاني بالقياس.
ومن التخصيص بالقياس أيضًا قوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٣٦] إلى قوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [البقرة: ٥٨]، ففيه عموم جواز الأكل مِن ذلك مطلقًا، لكن خُص من ذلك ما كان في جزاء الصيد، فإنه يحرم الأكل منه بالإجماع.
ويقاس على ذلك الأكل مِن هدي المتعة والقران، فيصير أيضًا بعض الآية مخصَّصًا بالإجماع والبعض بالقياس على المجمَع عليه.
стр. 1629
تنبيهان
أحدهما: ذكر الشيخ أبو حامد أن مَن منع تخصيص العموم بالقياس قد يتعلق بقول الشافعي في "باب أحكام القرآن" من "الأُم": (إنما القياس الجائز أن يشبه ما لم يأت فيه حديث بما فيه حديث لازم، فأمَّا أنْ يَعْمد إلى حديث عام فيحمل على القياس، فأين القياس في هذا؟ ) (١) [إلى آخِر ما قاله] (٢).
قال: فقد ذكر الشافعي أن القياس لا يُعمل به في الحديث العام، وإنما يُعمل به في أن يبتدئ به الحكم في موضع لا يكون فيه حديث ويُقاس على موضع فيه حديث؛ فدَلَّ أنَّ مذهبه منع التخصيص بالقياس.
ثم رد ذلك الشيخ أبو حامد بأن الشافعي في "الأُم" ذكر قول الله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢].
واحتمل أمره تعالى بالإشهاد أن يكون على سبيل الوجوب كقوله ﷺ : "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل" (٣)، واحتمل أن يكون على الندب كقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢].
قال الشافعي: فلما جمع الله تعالى بين الطلاق وبين الرجعة وأمر بالإشهاد فيهما ثم كان
стр. 1630
الإشهاد على الطلاق غير واجب، كان الإشهاد على الرجعة كذلك (١).
قال الشيخ أبو حامد: (فقد قاس الشافعي الإشهاد على الرجعة على الإشهاد على الطلاق وخَص به ظاهر الأمر بالإشهاد؛ إذْ ظاهر الأمر الوجوب). انتهى
وكأنَّ الشيخ أبا حامد أخذ مِن عدول الشافعي عن ظاهر الأمر للوجوب في شيء قياسًا على آخَر أنه يعدل بالقياس عن ظاهر العموم إلى الخصوص.
ثم أجاب الشيخ أبو حامد عن النص السابق بأن الشافعي إنما قصد فيه أنه لا يجوز ترك الظاهر بالقياس، وذلك أنه ذكر هذا في مسألة النكاح بلا ولي، فروى حديث: "أيما امرأة نكحت" ثم حكى عن أصحاب أبي حنيفة أنهم قالوا: العلة في طلب الولي أنه يطلب الحظ للمنكوحة ويضعها في كفء، فإذا تولت هي ذلك، لم يحتج إلى الولي.
فقال الشافعي: (هذا القياس غير جائز؛ لأنه يعمد إلى ظاهر الحديث ونَصه فيسقطه؛ لأن ما ذكروه يُفضي إلى سقوط اعتبار الولي، وذلك يُسقِط نَص الخبر. فاستعمال القياس هنا لا يجوز، وإنما يجوز حيث يخص العموم). انتهى بمعناه.
وحاصله أنه يعود إلى أن الاستنباط من النص بما يعود عليه بالتخصيص سائغ، بخلاف ما إذا عاد عليه بالإبطال، لا أنَّ مُراد الشافعي تخصيص العموم بالقياس، فإنَّ ذلك لا يُبطل العموم.
وقد سبق عن الشيخ أبي إسحاق أن الشافعي خصص بالقياس في مواضع.
الثاني:
المراد بالقياس الذي يُخص به: أن يكون قياسًا على منصوص بِنص خاص كما قاله
стр. 1631
الغزالي.
نعم، محل الخلاف في القياس المستنبَط مِن الكتاب أو السنة المتواترة، وفي معناه الإجماع كما سبق تمثيله، فيُخص به عموم الكتاب أو السنة متواترة كانت أو آحادًا.
وأما القياس المستنبَط من خبر الواحد بالنسبة إلى عموم الكتاب أو المتواترة فمُرتَّب على جواز تخصيصهما بخبر الواحد. فمَن لا يجوِّز تخصيصهما بخبر الواحد، لا يجوِّز بالقياس المستنبَط منه مِن باب أَوْلى.
ومَن يجوزه، قال الهندي: (فيحتمل أن لا يُجيز ذلك؛ لزيادة الضعف، ويحتمل أن يجيزه كما في القياس المستنبَط مِن الكتاب أو المتواترة؛ إذ قد يكون قياسه أكثر قوة مِن ذلك العموم بأنْ يكون قد تَطرَّق إليه تخصيصات كثيرة، ويحتمل أن يتوقف فيه؛ لِتَعادُلهما إذْ قد يظهر له ذلك) (١).
وفي شرح "البرهان" للأبياري وغيره: (إن القياس القطعي يجوز التخصيص به بلا خلاف، أي: وذلك فيما إذا كان حُكم الأصل الذي يَستند إليه الفرع مقطوعًا به، وعِلته منصوصة أو مجمَعًا عليها، وهي موجودة في الفرع قطعًا، ولا فارق قطعًا، فهذا النوع مِن القياس لا يُتصور فيه الخلاف) (٢). والله أعلم.
ص:
٦٦٤ - وَلَا يُخَصُّ بِمَقَالِ الرَّاوِي ... وَلَوْ مِنَ الصَّحْبِ؛ فَذَا مُسَاوِي
الشرح: هذه مسائل مما قيل بأنه مخُصِّص والمرجَّح خِلافُه.
стр. 1632
فمنها: ما إذا قال الراوي للعام -في بعض أفراده- بخلاف ما رواه من عموم الحكم، أو فَعَل على خِلاف بعض الأفراد، هل يكون ذلك مخُصِّصًا؟ أَم لا؟
فيه مذاهب:
أحدها: قول الجمهور وهو الراجح: المنع. وعزاه في " المحصول" للشافعي، قال: إنْ حمل الراوي الخبر على أحد محمَليه، صِرتُ إليه، وإلا فلا أصير إليه.
وهذا سواء أكان الراوي صحابيًّا أو لا.
وإليه أشرت بقولي: (وَلَوْ مِنَ الصَّحْبِ؛ فَذَا مُسَاوِي). أي: فإنَّ الصحابي وغيره سواء في أنَّ قول كل منهما غير حُجَّة، والعموم حجة، فلا يترك ما هو حجة لِمَا هو غير حجة.
وسيأتي الخلاف في قول الصحابي أنه حُجة وبيان أقوال الشافعي فيه في فصل "الأدلة المختلف فيها".
الثاني: أنه يخصَّص به، سواء أكان الراوي صحابيًّا أوْ لا. ونقل ذلك ابن الحاجب وغيره عن الحنفية والحنابلة؛ لأنهم قائلون في قول الصحابي بأنه حُجة، وأما غير الصحابي فلأنه أَعْرَف بِمَخْرَج ما رواه مِن غيره، وأيضًا فمخالفته تستلزم دليلًا وإلا كان فاسقًا، فيجب الجمع بين العام، والدليل الذي خالَف مِن أجله.
وجواب ذلك أنه قد يكون بحسب ظنه، وليس هو دليلًا عند غيره مِن المجتهدين، ولا قوله حُجة على غيره.
الثالث: قول عبد الجبار: إنْ وُجِد ما يقتضي التخصيص غير قول الراوي، فذاك هو المخصِّص. وإنْ لم يوجد إلا تخصيص الراوي، تَعيَّن أن يكون هو المخصِّص.
قلتُ: وهذا عَيْن القول بأنه مخصِّص مطلقًا؛ لأنه إذا وُجِد مخصِّص شرعي فلا نزاع في التخصيص، وإنْ لم يوجد إلا هو فهو محل النزاع.
стр. 1633
الربا قول إمام الحرمين: إنْ عُلم مِن حال الراوي أنه خالف ذلك نسيانًا فلا ينبغي أن يكون فيه خلاف، أو احتمل أنه فَعل ذلك احتياطًا كأنْ يكون قد روي ما يقتضي أنْ لا حرج في فِعْلٍ قد يظن أنه حرام، فرأيناه مُتحرِّجًا عنه غير مُلابِس له، فالتعويل حينئذٍ على الحديث، ويُحمَل فِعْلُه على الورع والتعليق بالأفضل. وإنْ لم يحتمل شيء مِن ذلك فلا يُعمل بتخصيصه.
قال بعض المتأخرين: ينبغي أن يكون هذا الأخير محل الخلاف، والأوَّلان محل وفاق، فيعود إلى تحرير محل النزاع.
الخامس: قول إلْكِيَا وابن فورك: إن المختار أنَّا إنْ عَلِمنا مِن حال الراوي أنه إنما حمل ما روى على ما خصص به بما عَلِمه مِن قَصْد النبي ﷺ بذلك العام، فيجب اتِّباع الراوي فيه، لئلا يكون مخالفة لِمَا أراد ﷺ . وإنْ حمله على وجه الاستدلال والتخصيص على حسب ما أدَّى إليه اجتهاده، فلا يجب اتباعه.
وسكتَا عن ما لم يُعلم فيه لا هذا ولا هذا، وكأنَّ ذلك لأنه محل النزاع، وإليه يشير كلام القاضي عبد الوهاب في "الإفادة"، ويعود هذا أيضًا إلى تحرير محل الخلاف.
أما مِثال المسألة فكحديث أبي هريرة في "مسلم" أن رسول الله ﷺ قال: "طهور إناء أحدكم إذا وَلغَ فيه الكلب أن يغسل سَبع مرات أُولاهن بالتراب" (١).
وكذا رواه البخاري لكن بلفظ: "إذا شرب" (٢). ولهما روايات أخرى.
ثم جاء عن أبي هريرة ﵁ فيما رواه الدارقطني بسنده إلي عبد الملك، عن عطاء، عنه أنه
стр. 1634
قال: "إذا ولغ الكلب في الإناء، فأهرقه، ثم اغْسله ثلاث مرات" (١).
وأخذ بذلك أبو حنيفة، فقال: إنما يجب الغسل من الكلب ثلاثًا؛ عملًا بقول راوِيه.
لكن قال الدارقطني: لم يروه غير عبد الملك عن عطاء عنه.
والصحيح ما رواه غيره عنه سبع مرات، وعلى تقدير صحته عنه ففي التمثيل به نَظَر (وإنْ مَثَّل به على هذا الوجه القاضي في "التقريب" وغيره)؛ وذلك لأنَّ سبعًا ليس فيه عموم؛ لأن أسماء العَدد نصوص، وإذا لم يكن عموم، فأين التخصيص؟
قال القاضي تاج الدين السبكي: (وكان الشيخ علاء الدين الباجي يقرر التمثيل على أن الكلب عام -بالألف واللام- في كلب الزرع وغيره، وأبو هريرة ﵁ يقول: إنَّ كلب الزرع لا يغسل منه إلا ثلاث، ويغسل من غيره سبع. وهو حسن، لكن ما أدري مِن أين له أن أبا هريرة كان يقول بذلك؟ فإنَّ المعروف اختلاف الرواية عن أبي هريرة في السبع والثلاث، لا في كون الثلاث في كلب الزرع.
نعم، إنْ صَحَّ عنه إخراج كلب الزرع، كان في ذلك جمع بين روايَتَي سبع وثلاث، فيكون الثلاث في كلب الزرع والسَّبع فيما سواه) (٢). انتهى
وقد مَثَّل ابن برهان في "وجيزه" والصفي الهندي للمسألة بمثال آخَر: وهو أن ابن عباس روى عن النبي ﷺ : "مَن بَدَّل دِينه فاقتلوه" (٣)، وكان يذهب إلى أن المرتدة لا تُقتل.
стр. 1635
وفي التمثيل به أيضًا نظر؛ لاحتمال أن يكون مِن القائلين بأن "مَنْ" الشرطية لا تتناول الإناث. وقد سبقت المسألة.
ومن أمثلة المسألة أيضًا حديث: "لا يحتكر إلا خاطئ" (١). رواه مسلم من حديث سعيد بن المسيب، عن معمر بن عبد الله، عن النبي ﷺ . وكان سعيد يحتكر الزيت، فقيل له، فقال: (إنَّ مَعمرًا راوي الحديث كان يحتكر).
وقد خصص الشافعي تحريم الاحتكار بالأقوات، كأنه ذهب إلى أن مذهب الصحابي أو الراوي يُخَصّص به، فيُخرَّج له بذلك قول آخر في المسألة.
وقد يُقال: لا يَلزم أنَّ ذلك لأجل حَمل الراوي، بل لأنه استنبط مِن النص معنى خَصَّصه، وذلك المعنى هو شدة الإضرار في قوام الأنفُس غالبًا، وغايته أنه عضد ذلك بفعل الراوي.
واعْلم أنَّ بعضهم يمثِّل بهذا المثال لتخصيص الراوي غير الصحابي وهو احتكار سعيد.
وفيه نظر؛ فيحتمل أنه إنما تبع احتكار الصحابي وهو معمر، وإنما يكون ذلك أنْ لو كان سعيد وَحْده احتكر.
стр. 1636
تنبيهات
الأول: في موضوع المسألة اضطراب، فمرة يقال: مذهب الصحابي هل يُخَصَّص به؟ أو لا؟ سواء كان هو الراوي أو غيره. ومرة يقال: مخالفة الراوي في بعض ما رواه هل هو تخصيص؟ أو لا؟ أي: ولو كان صحابيًّا.
والأول هو ظاهر كلام ابن الحاجب، حيث قال: (الجمهور: إنَّ مذهب الصحابي ليس بمخصِّص ولو كان الراوي) (١) إلى آخِره.
وكذا قال القرافي: (إنَّ غير الصحابي ليس مخصِّصًا قطعًا) (٢).
وكأنه بَنَى ذلك على أن قول غير الصحابي إذا لم يَقُل أحد: إنه حُجة، فكيف يخصَّص به؟
ولكن قد سبق أنَّ مَن عَمَّم في الراوي إنما يقول: مخالفته تدل على اطِّلاعه على مخُصِّص، وإلا لفسق بالمخالفة.
فَجَعْل الخلاف في الراوي على الإطلاق هو الظاهر الذي جريتُ عليه في النَّظم.
نعم، الخلاف فيما إذا كان الراوي صحابيًّا أقوى مما إذا كان غير صحابي.
وربما قَيَّد بعضهم في الراوي بأن يكون مجتهدًا. ولا يُحْتَاج إليه؛ لأن المذهب أو الرأي إنما يُقال في المجتهد، فتعبيرهم بذلك يدل على التقييد بالاجتهاد.
стр. 1637
الثاني:
إذا كان مورد النزاع في الصحابي:
فهل هو تفريع على أن قوله حُجة؟ فإذا قُلنا: (غير حجة) فلا يخصَّص به قطعًا؟
أو إنه تفريع على أنه غير حُجة؟ أمَّا إذا قُلنا: (حُجة) فيخصَّص به قطعًا؟
فيه اضطراب أيضًا.
ففي "التقريب" للقاضي الأول، قال: (وقد يُنسب للشافعي ذلك في قوله الذي يجوِّز فيه تقليد الصحابي).
قال: (ونُقل عنه أنه لا يخصص به إلا إذا انتشر في أهل العصر ولم ينكروه، وجعل ذلك نازلًا منزلة الإجماع).
وكذا فرَّعه كثير على حُجية قول الصحابي.
لكن في استدلالات ابن الحاجب في المسألة -وبه قال جمعٌ- أن ذلك إذا قُلنا: (إنَّ قوله غير حُجة)؛ لأن القول بحجيته إنما هو حيث لم يخالِف قولُه قولَ النبي ﷺ ، فقد كانت الصحابة يتركون أقوالهم إذا سمعوا العموم. قال ابن عمر ﵄: "كنا نخابر أربعين سَنة حتى روى لنا رافع بن خديج أن النبي ﷺ نهي عن المخابرة؛ فتركناها" (١).
فإذا كان غير حُجة، تَساوَى حينئذٍ مع غير الصحابي، وحينئذٍ فذِكْر الصحابي كالمثال، وإلا لكان الحِجاج بأنه غير حُجة مصادرة على المطلوب.
стр. 1638
الثالث:
يمثل تخصيص الصحابي عموم الرواية التي رواها صحابي غيرُه بحديث أبي هريرة: "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صَدقة" (١). أخرجه الشيخان، خصصه حديث عَلِي أنه قال: "غفرت لكم غير صَدقة الخيل والرقيق" (٢).
ويروى عن ابن عباس أنه قال: "نفي الزكاة في الخيل مخصوص بما يُغزَى عليه في سبيل الله، فأما غيرها ففيه الزكاة". وهذا -على تقدير صحته عنهما- لا يكون مخصِّصًا. والله أعلم.
ص:
٦٦٥ - كَذَلِكَ الْعَطْفُ لِذِي عُمُومِ ... عَلَى الَّذِي لَهُ خُصُوصٌ يُومِي
الشرح:
أي: ومن الذي ليس بتخصيص أيضًا عطف العام على خاص، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ [الطلاق: ٤] الآية مخصوصة بالمطلقات، عُطِف عليها قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤] وهو أَعَم مِن المطلقات والمتوفَّى عنها، فلا يكون هذا العطف مقتضيًا لتخصيص العام المعطوف، بل يبقى على عمومه.
وهذه المسألة ذكرها في "جمع الجوامع"، وقال شيخنا المرحوم بدر الدين شارحه: (إنها
стр. 1639
قَلَ مَن ذكرها).
قال: (وقد وجدتها في كتاب أبي بكر القفال الشاشي في الأصول، ومثَّلها بما سبق، وإنها يمكن أن يتخرج فيها الخلاف المذكور في عكسها، وهو عطف خاص على عام، فإنه لا يوجب تخصيص المعطوف عليه، نحو: "لا يُقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده" (١)؛ لأنَّ المأخذ اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في الأحكام) (٢).
والإشارة بذلك إلى ما سبق في "باب العموم" في قولي: (كَذَاكَ مَعْطُوفٌ عَلَى مَا عَمَّا). أي: فإنه باقٍ على خصوصه، ولا يُكسبه العطف على العام تعميمًا، فلا يُكسب العطفُ "عامًّا عُطِف على خاص" تخصيصًا.
فذكرنا كُلًّا مِن المسألتين في موضع يليق بها.
ومما يمثل به مسألتنا أيضًا ما نقله الشيخ بدر الدين أيضًا في غير "شرح جمع الجوامع" عن تمثيل القفال آية: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]، ثم قال بعده: ﴿فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ﴾ [المائدة: ٣٩]، فهو أَعَم مِن الظلم بالسرقة وبغيرها، فلا يكون خاصًّا بالظلم بالسرقة.
قال: وذكر ذلك السهيلي النحوي أيضًا، ومثَّله بقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١]، ثم قال تعالى عقبه: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، وهو شامل للأولاد وللإخوة والأخوات، فلا يكون هذا الحكم مقصورًا على ما سبق من الخاص وهو الأولاد.
قلتُ: لكن هذا لا عطف فيه، فليس مِن هذا الباب.
стр. 1640
وقولي: (لَهُ خُصُوصٌ يُومِي) أي: يشير إلى أنَّ الذي عُطِف عليه يكون مُساويًا له في خصوصه. ولكن لا اعتبار بهذا الإيماء؛ لِمَا عَلِمْتَه. والله أعلم.
ص:
٦٦٦ - كَذَا ضَمِيرٌ عَائِدٌ لِلْبَعْضِ ... كَآيَةِ الرَّدِّ لِبَعْلٍ [يُفْضِي] (١)
الشرح:
أي: وليس من المخصِّصات أيضًا عَوْد ضمير على بعض أفراد عام مُتقدِّم؛ ليتطابق المفسِّر والمفسَّر، بل يبقى العام على عمومه.
وذلك كقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨] بعد العموم في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فإنه يشمل الرجعيات والبوائن، وآية أحقية البعول بالرد إنما هو خاص بالرجعيات. هذا قول الأكثرين مِن أصحابنا وغيرهم، وبه جزم البيضاوي، وهو الذي اختاره الغزالي والآمدي وابن الحاجب والهندي.
وذهب أكثر الحنفية إلى أنه مِن المخصِّصات؛ ولذلك قالوا في قوله ﵇: "لا تبيعوا البر بالبر إلا كيلًا بكيل" (٢) أي: إلا كيلًا منه بكيلى منه، فالضمير محذوف، وهو عائد على البُر الذي يمكن كيله، لا جميع البُر. فيجوز بيع حفنة بُر [بحفنة] (٣) منه؛ لأن ذلك لا
стр. 1641
يكال، فيكون العام -وهو البُر- مخصَّصًا بما يُكال.
وفي المسألة مذهب ثالث بالوقف. قاله جمعٌ، منهم إمام الحرمين وأبو الحسين والإمام الرازي في "المحصول"، وتبعه مختصروه كَـ "الحاصل"، على أن ابن الحاجب نقل عن إمام الحرمين وأبي الحسين القول بأنه تخصيص، عكس ما سبق على ما نقله الآمدي عنهما.
ودليل مَن قال بأنه ليس تخصيصًا أنَّ جَعْلَ العامِّ خاصًّا لأجل مطابقة الضمير تَصَرُّفٌ في لفظ ظاهر، وجعل الضمير مفسَّرًا ببعض السابق تصرُّف في ضمير، وهو أضعف، فالتصرف فيه أَوْلى مِن التصرف في الأقوى.
ومَن قال بالتخصيص راعى المطابقة.
ومَن يُوقف، نَظَر إلى أن التصرف بكل مِن الأمرين يقابل الآخَر بلا ترجيح؛ فيتوقف.
ولكن جوابه ما سبق من الترجيح.
تنبيهان
الأول: قد يُعبر في هذه المسألة بأَعَم مِن عَوْد ضمير على بعض العام، بِأن يقال: تعقيب العام بما يكون مختصًّا ببعضه هل يقتضي تخصيصه سواء أكان ذلك ضميرًا كما سبق؟ أو استثناء؟ كقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: ٢٣٧] بعد قوله: ﴿إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [البقرة: ٢٣٦] الذي هو أعم من الرشيدات وغيرهن، والعفو مختص بالرشيدة، لا الصغيرة والمجنونة والسفيهة.
قيل: إلا أن هذا المثال إنما يكون مما نحن فيه إذا لم يذكر حُكم غير الرشيدة حتى يكون خاصًّا بعد عام، لكنه مذكور في قوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧].
стр. 1642
والجواب: أنَّ هذا إذا قُلنا: الذي بيده عقدة النكاح الولي. وهو القول القديم للشافعي، أما إذا قلنا بالجديد: (إنه الزوج)، فلا سؤال.
أو أمرًا يقتضى تقييدًا ببعض أفراد العام السابق، كقوله تعالى بعد: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] الآية إلى قوله: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١]، أي: الرغبة في مراجعتهن، ولا شك أن ذلك إنما هو في غير البوائن.
الثاني:
وقع للشافعي في هذه المسألة ما يقتضي أنه تخصيص وما يقتضي خِلافَه؛ فيكون له قولان.
فمِن الأول قوله في "الأم" في قوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]: إنَّ الضمير إنما يعود لِما فيه حصاد، لا للنخل والزيتون؛ فلذلك لم يوجب الزكاة في غير الزروع (١). أي: إلا بدليل آخر.
ومنه قوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة: ٤١] عام في الحُر والعبد، لكنه لّمَا قال: ﴿وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ [التوبة: ٤١]، خصص الأول؛ لأنَّ العَبدَ لا مال له.
ومنه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] عام في العبد والحُر، لكنه قال بعد ذلك: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٢٩]، والعبد لا يُعطي شيئًا؛ فيُخصَّص الأول بالأحرار.
ومنه: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٣] الآية -محمول على الأحرار؛ لقوله
стр. 1643
بعده: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣].
ومن الثاني أنه قال: إنَّ ظهار الذمي صحيح؛ لعموم ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ﴾ [المجادلة: ٢] مع أن بعده: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ [المجادلة: ٢]، وإنما يكون ذلك للمؤمنين.
وكذا إيلاء الذمي عنده صحيح؛ لعموم ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٢٦] مع أنَّ بعده ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
لكن يؤخَذ مِن أكثرية مواضع القول بالتخصيص أنَّ الأرجح عنده أنه تخصيص؛ ولهذا نقل ذلك عن الشافعي جماعة.
قلتُ: لا يتعين في كون ذلك مُخصصًا أن يكون هو مستنده في تلك الأحكام، بل لها أدلة أخرى موضحة في الفقه؛ ولهذا في مسألة عطف الخاص على العام في نحو: "لا يقتل المسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده" القَطْع عنده أنه على عمومه كما سبق وبأنَّ تلك المسألة ومسألتنا واحد. والله أعلم.
ص:
٦٦٧ - وَذِكْرُ بَعْضِ مَا يَعُمُّ لَا يَخُصْ ... مِثْلُ: "دِبَاغُهَا طَهُورُهَا" [يَنُصْ] (١)
الشرح:
أي: ومما قيل بأنه مِن المخصِّصات وليس بمخصِّص: ذِكر بعض أفراد العموم محكومًا فيه بمثل ما حُكِم به في العام.
مثاله قوله ﷺ فيما رواه مسلم عن ابن عباس: "إذا دبغ الإهاب، فقد طهر" (٢).
стр. 1644
وأما رواية: "أيما إهاب دبغ فقد طهر" (١) فرواه النسائي والترمذي وابن ماجه. فمَن نسبها إلى "مسلم" فقد وهم.
ثم مَرَّ ﷺ فيما رواه مسلم عن ابن عباس عن ميمونة -بشاة لمولاة ميمونة ماتت، فقال: "ألا أخذوا إهابها فدبغوه، فانتفعوا به؟ ". فقالوا: يا رسول الله، إنها ميتة. فقال رسول ﷺ : "إنما حرم أكلها" (٢).
وفي "الصحيحين" مِن حديث ابن عباس أن النبي ﷺ مر بشاة ميتة فقال: "هلَّا استمتعتم بإهابها؟ ". فقالوا: يا رسول الله، إنها مَيتَة. فقال: "إنما حَرَّم من الميتة أكلها" (٣).
ووَهَّمَ القاضي تاج الدين السبكي في "تخريج أحاديث البيضاوي" المُصَنِّف في أمرين:
- نِسبته الشاة لميمونة، وإنما هي لمولاة ميمونة كما ذكرنا.
- وفي قوله: "دباغها طهورها"، وليس ذلك في الحديث، بل ما سبق. ثم ذَكَره بسنده إلى ابن عباس بلفظ: "دباغه ذكاته" (٤).
فربما يُعترَض بذلك قولي في النَّظم: ("دِبَاغُهَا طَهُورُهَا").
قلتُ: لكن روى البيهقي في "خلافياته" عن أبي داود، عن حفص، عن همام، عن قتادة، عن الحسن، عن جون، عن سلمة بن المحبق الهذلي: "أنَّ النبي ﷺ جاء في غزوة تبوك إلى بيت وإذا فيه قربة مُعلَّقة، فسأل الماء، فقالوا: يا رسول الله، إنها مَيتَة. أي: جلد ميتة. فقال:
стр. 1645
"دباغها طهورها" (١).
وروى أيضًا في حديث ابن عباس وعائشة أنَّ شاة ليمونة ماتت، فقال النبي ﷺ : "هلَّا استمتعتم بإهابها؟ " قالو ا: إنها مَيتَة. فقال: "إنَّ دباغ الأديم طهوره" (٢).
وكذا رواه البزار في "مسنده" (٣) من حديث يعقوب، عن عطاء، عن أبيه، عن ابن عباس، وقال: (لا يُعْلم رواه عن يعقوب إلا شعبة). انتهى
وهذا لا يضر؛ لأن شعبة إمام. وأما يعقوب فذكره ابن حبان في "الثقات" وإن ضَعَّفَه أحمد وغيره.
ووجْه التمثيل بذلك أنَّ الحديث الثاني فيه ذِكر بعض العام والحُكم عليه بمثل حُكمه، فلا يخصص كما قاله الأكثرون.
قال القفال: وكأنَّ الخاص ورد فيه خبران، خبر يشمله وغيره، وخبر يخصه.
وخالف أبو ثور، فخصص التطهير بالدبغ بما كان جلد مأكول؛ لحديث شاة ميمونة أو مولاة ميمونة.
ونقل صاحب "المصادر" عن أبي ثور أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ﴾ [البقرة: ٢٤١] وفي الآية الأخرى وهي: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [البقرة: ٢٣٦]
стр. 1646
إلى قوله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾: فأثبَت المتعة للمطلقة التي [هذه] (١) سبيلها؛ فوجب أن يكون المراد من الآية الأُولى ذلك حتى لا تجب المتعة لغير المطلقة التي لم تمُس ولم يُفْرَض لها.
وقد حكى أبو الحسين بن القطان قولين للشافعي في هذه الآية كما سبق في التخصيص بالمفهوم.
وقضية ذلك أن يكون للشافعي قول كمذهب أبي ثور، إلا أنْ يقال: إنَّ قول أبي ثور أَعَم أن يكون في ذِكر الخاص مفهوم معمول به كمفهوم الصفة ونحوها، لا اللقب. والذي سبق عن الشافعي إنما هو فيما إذا كان له مفهوم، فيكون من باب التخصيص بدليل الخطاب، لا مِن حيث إنه ذِكر بعض أفراد العام، فتصير المسألة هي مسألة التخصيص بمفهوم المخالفة.
ولأجل ذلك لم أُقَيد في النَّظم بأن لا يكون لذكر الخاص مفهوم؛ لأن التخصيص مِن حيث المفهوم، لا من حيث إنه ذِكر بعض أفراد العموم، فاعْلَمه.
على أنَّ مِن الناس مَن أنكر الخلاف في هذه المسألة، وقال: إنما كان أبو ثور ممن يقول بمفهوم اللقب، فظن أنه يقول بالتخصيص. ولعله إنما يقول: إنَّ هذه الصورة لا يجوز تخصيصها مِن العام، بل تصير قَطْعية كما سيأتي مِثله في العام على سبب: لا يجوز إخراج محل السبب قَطْعًا.
وأيضًا فمِن فوائد ذِكر الخاص -على قول الجمهور- الاعتناء بشأنه والتَّفخيم على بقية الأفراد.
стр. 1647
تنبيهات
الأول: مِن أمثلة المسألة أيضًا:
- قضية المجامِع في نهار رمضان الثابتة في "الصحيحين" (١) وغيرهما مع حديث: "مَن أَفطر في رمضان فَعَلَيْه ما على المظاهِر" (٢) إنْ صحَّ الخبر، لكنه من حديث ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : "أنه أَمَر الذي يفطر في رمضان بمثل كفارة الظهار" (٣). قال البيهقي: (وليث ليس بالقوى، وقد أرسله غيره عن مجاهد) (٤).
ومع ذلك فحديث المجامِع يفسر الإفطار فيه.
- وحديث: "وجُعِلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا" (٥)، وفي الرواية الأخرى: "وترابها طهورًا" (٦)، والتراب بعض الأرض.
стр. 1648
- وحديث: "الطعام بالطعام مثلًا بمثل" (١)، وفي حديث آخر: "البُر بالبُر" (٢).
الثاني:
قال الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد: لا ينبغي أن يُكتفَى في تقرير القاعدة الكلية بِصُوَر جزئية؛ لاحتمال دليل آخَر يخصها. فقول أبي ثور بمنع تطهر الدِباغ جِلد ما لا يؤكل لحمه يحتمل أنه لهذه القاعدة وأنه باستنباط، فإنْ صرح بالقاعدة فواضح، وإلا فلا يَلزم مِن الاستنباط القول بالقاعدة.
قال بعضهم: والظاهر عنه الأول؛ فإن ابن عبد البر نقل عنه في "التمهيد" أنه إنما صار إلى تخصيص الدباغ بالمأكول لأجل قوله في جلد الشاة: "هلَّا دبغتموه؟ "، وقال في حديث آخر: "نهَى عن جلود السباع" (٣).
قال أبو ثور: (فلما رُوي الخبران، أخذنا بهما جميعًا؛ لأنه لا تناقض فيهما). انتهى
ويقال له: كل مِن الخبرين فيه عموم وخصوص مِن وَجْه. فحديث النهي عن جلد السباع أَعَم مِن المدبوغ وغيره، وحديث: "أيما إهاب دبغ" أَعَم مِن جلد السباع وغيرها، فيُطلب في مِثله الترجيح.
الثالث:
التعبير في تصوير المسألة بِـ "ذِكر بعض أفراد العام" ليس المراد أن يكون قولًا فقط، بل
стр. 1649
متى كان نصًّا في بعض العام أو فِعلًا، يكون كذلك إذا لم يَقُم دليل على أنَّ ذلك استنادًا للعموم وبيانًا له وتفسيرًا.
كذا قاله القفال الشاشي، ومَثَّله بقَطْعِه ﵇ فيما قيمته ثلاثة دراهم وعشرة، وليس فيه أن ذلك تفسير للآية.
قال: ولذلك لم يجعل أصحابنا الثلاثة دراهم حدًّا كما ذهب إليه مالك، ولا عشرة كما ذهب إليه أهل الرأي؛ لأن العموم قد ثبت بقَطْع السُّرَّاق.
الرابع: قيَّد ابن الرفعة في "باب الأواني" مِن "المطلب" هذه المسألة بما إذا لم يعارض العموم عموم آخَر، فإنْ عارضه عموم آخَر، قُدِّم. قال: (كحديث: "هذان حرامان على ذكور أُمَّتي، حِلٌّ لإناثهم" (١)، ورواية أبي موسى: "حرم لبس الحرير والذهب على ذكور أُمتي" (٢)، فاقتضى الثاني تخصيص الأول [باللبس] (٣). وقد عارض الأول حديث أُم سلمة: "الذي يأكل أو يشرب في آنية الذهب والفضة فإنما يجرجر في جوفه نار جهنم" (٤)، فإنه يقتضي تحريم الأواني على الرجال والنساء). انتهى
قيل: وفيه نظر؛ فإن حديث الأواني غيْر حديث الاستعمال.
стр. 1650
الخامس: [يَقْرُب] (١) مِن هذه المسألة إذا عُطف خاص على عام، نحو: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] هل يدل العطف على أنَّ المعطوف غير مُراد في المعطوف عليه؟
حكى الروياني في "البحر" عن والده في "كتاب الوصية" أن بعض العلماء قال: (لا يدخل؛ [إذ] (٢) لو دخل، لم يكن للإفراد فائدة). وبعضهم قال: (يدخل، وفائدته التأكيد، وكأنه ذُكِر مرتين).
وفَرَّعَ الروياني عليه ما لو أَوْصَى لزيد بدينار وثلثه للفقراء وزَيد فقير، فلا يجوز أن يُعْطَى غير الدينار؛ لأنه بالتقدير قَطَع اجتهاد القاضي (٣). جزم به في "الحاوي".
وحكى الحناطي فيه وجهين:
أحدهما: هذا، وهو الأظهر.
والثاني: أنه يُجمع له بين ما أوصي له به وبشيء آخَر مِن الثلث على ما أراد الموصي. انتهى
وعلى عدم الدخول جرى الفارسي وابن جني، بل وظاهر كلام الشافعي يدل عليه، حيث قال: إن الوسطى ليست العصر؛ لأن العطف يقتضي المغايرة.
والله أعلم.