← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 32476

الفوائد السنية في شرح الألفية

شمس الدين البرماوي

Полный текст (2 306 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

إلى قوله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾: فأثبَت المتعة للمطلقة التي [هذه] (١) سبيلها؛ فوجب أن يكون المراد من الآية الأُولى ذلك حتى لا تجب المتعة لغير المطلقة التي لم تمُس ولم يُفْرَض لها. وقد حكى أبو الحسين بن القطان قولين للشافعي في هذه الآية كما سبق في التخصيص بالمفهوم. وقضية ذلك أن يكون للشافعي قول كمذهب أبي ثور، إلا أنْ يقال: إنَّ قول أبي ثور أَعَم أن يكون في ذِكر الخاص مفهوم معمول به كمفهوم الصفة ونحوها، لا اللقب. والذي سبق عن الشافعي إنما هو فيما إذا كان له مفهوم، فيكون من باب التخصيص بدليل الخطاب، لا مِن حيث إنه ذِكر بعض أفراد العام، فتصير المسألة هي مسألة التخصيص بمفهوم المخالفة. ولأجل ذلك لم أُقَيد في النَّظم بأن لا يكون لذكر الخاص مفهوم؛ لأن التخصيص مِن حيث المفهوم، لا من حيث إنه ذِكر بعض أفراد العموم، فاعْلَمه. على أنَّ مِن الناس مَن أنكر الخلاف في هذه المسألة، وقال: إنما كان أبو ثور ممن يقول بمفهوم اللقب، فظن أنه يقول بالتخصيص. ولعله إنما يقول: إنَّ هذه الصورة لا يجوز تخصيصها مِن العام، بل تصير قَطْعية كما سيأتي مِثله في العام على سبب: لا يجوز إخراج محل السبب قَطْعًا. وأيضًا فمِن فوائد ذِكر الخاص -على قول الجمهور- الاعتناء بشأنه والتَّفخيم على بقية الأفراد.

стр. 1647

تنبيهات الأول: مِن أمثلة المسألة أيضًا: - قضية المجامِع في نهار رمضان الثابتة في "الصحيحين" (١) وغيرهما مع حديث: "مَن أَفطر في رمضان فَعَلَيْه ما على المظاهِر" (٢) إنْ صحَّ الخبر، لكنه من حديث ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : "أنه أَمَر الذي يفطر في رمضان بمثل كفارة الظهار" (٣). قال البيهقي: (وليث ليس بالقوى، وقد أرسله غيره عن مجاهد) (٤). ومع ذلك فحديث المجامِع يفسر الإفطار فيه. - وحديث: "وجُعِلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا" (٥)، وفي الرواية الأخرى: "وترابها طهورًا" (٦)، والتراب بعض الأرض.

стр. 1648

- وحديث: "الطعام بالطعام مثلًا بمثل" (١)، وفي حديث آخر: "البُر بالبُر" (٢). الثاني: قال الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد: لا ينبغي أن يُكتفَى في تقرير القاعدة الكلية بِصُوَر جزئية؛ لاحتمال دليل آخَر يخصها. فقول أبي ثور بمنع تطهر الدِباغ جِلد ما لا يؤكل لحمه يحتمل أنه لهذه القاعدة وأنه باستنباط، فإنْ صرح بالقاعدة فواضح، وإلا فلا يَلزم مِن الاستنباط القول بالقاعدة. قال بعضهم: والظاهر عنه الأول؛ فإن ابن عبد البر نقل عنه في "التمهيد" أنه إنما صار إلى تخصيص الدباغ بالمأكول لأجل قوله في جلد الشاة: "هلَّا دبغتموه؟ "، وقال في حديث آخر: "نهَى عن جلود السباع" (٣). قال أبو ثور: (فلما رُوي الخبران، أخذنا بهما جميعًا؛ لأنه لا تناقض فيهما). انتهى ويقال له: كل مِن الخبرين فيه عموم وخصوص مِن وَجْه. فحديث النهي عن جلد السباع أَعَم مِن المدبوغ وغيره، وحديث: "أيما إهاب دبغ" أَعَم مِن جلد السباع وغيرها، فيُطلب في مِثله الترجيح. الثالث: التعبير في تصوير المسألة بِـ "ذِكر بعض أفراد العام" ليس المراد أن يكون قولًا فقط، بل

стр. 1649

متى كان نصًّا في بعض العام أو فِعلًا، يكون كذلك إذا لم يَقُم دليل على أنَّ ذلك استنادًا للعموم وبيانًا له وتفسيرًا. كذا قاله القفال الشاشي، ومَثَّله بقَطْعِه ﵇ فيما قيمته ثلاثة دراهم وعشرة، وليس فيه أن ذلك تفسير للآية. قال: ولذلك لم يجعل أصحابنا الثلاثة دراهم حدًّا كما ذهب إليه مالك، ولا عشرة كما ذهب إليه أهل الرأي؛ لأن العموم قد ثبت بقَطْع السُّرَّاق. الرابع: قيَّد ابن الرفعة في "باب الأواني" مِن "المطلب" هذه المسألة بما إذا لم يعارض العموم عموم آخَر، فإنْ عارضه عموم آخَر، قُدِّم. قال: (كحديث: "هذان حرامان على ذكور أُمَّتي، حِلٌّ لإناثهم" (١)، ورواية أبي موسى: "حرم لبس الحرير والذهب على ذكور أُمتي" (٢)، فاقتضى الثاني تخصيص الأول [باللبس] (٣). وقد عارض الأول حديث أُم سلمة: "الذي يأكل أو يشرب في آنية الذهب والفضة فإنما يجرجر في جوفه نار جهنم" (٤)، فإنه يقتضي تحريم الأواني على الرجال والنساء). انتهى قيل: وفيه نظر؛ فإن حديث الأواني غيْر حديث الاستعمال.

стр. 1650

الخامس: [يَقْرُب] (١) مِن هذه المسألة إذا عُطف خاص على عام، نحو: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] هل يدل العطف على أنَّ المعطوف غير مُراد في المعطوف عليه؟ حكى الروياني في "البحر" عن والده في "كتاب الوصية" أن بعض العلماء قال: (لا يدخل؛ [إذ] (٢) لو دخل، لم يكن للإفراد فائدة). وبعضهم قال: (يدخل، وفائدته التأكيد، وكأنه ذُكِر مرتين). وفَرَّعَ الروياني عليه ما لو أَوْصَى لزيد بدينار وثلثه للفقراء وزَيد فقير، فلا يجوز أن يُعْطَى غير الدينار؛ لأنه بالتقدير قَطَع اجتهاد القاضي (٣). جزم به في "الحاوي". وحكى الحناطي فيه وجهين: أحدهما: هذا، وهو الأظهر. والثاني: أنه يُجمع له بين ما أوصي له به وبشيء آخَر مِن الثلث على ما أراد الموصي. انتهى وعلى عدم الدخول جرى الفارسي وابن جني، بل وظاهر كلام الشافعي يدل عليه، حيث قال: إن الوسطى ليست العصر؛ لأن العطف يقتضي المغايرة. والله أعلم.

стр. 1651

ص: ٦٦٨ - وَمثْلُهُ الْعُمُومُ حَيْثُ وَرَدَا ... عَلَى خُصُوصِ سَبَبٍ قَدْ وُجِدَا ٦٦٩ - وَلَوْ سُؤَالًا حَيْثُ يَسْتَقِلُّ ... ذَاكَ الْجَوَابُ، فَالْعُمُومُ يَعْلُو ٦٧٠ - نَعَمْ، تَكُونُ صُورَةٌ فِيهَا وَرَدْ ... قَطْعِيَّةَ الدُّخُولِ فِيمَا يُعْتَمَدْ الشرح: أي: ومثل ما سبق في كونه ليس مخصِّصًا: العام الوارِد على سبب خاص -باقٍ على عمومه، لا مخصوص بمحل السبب، سواء أكان جواب سؤال أوْ لا، لكن بشرط أن يكون جواب السؤال مستقلًّا بحيث لو ابتدئ به كان تامًّا مفيدًا. فأما إذا لم يكن مُستقلًّا، فإنه تابع للسؤال في خصوصه وعمومه. أما في خصوصه فنحو قوله تعالى: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ [الأعراف: ٤٤] , وكحديث أنس: "قال رجل: يا رسول الله، الرجل منا يلقَى أخاه أو صديقه أينحني له؟ قال: لا. قال: أفيلتزمه ويُقَبله؟ قال: لا. قال: فيأخذ بيده ويصافحه؟ قال: نعم" (١). قال الترمذي: حديث حسن. وكما لو قال له ﷺ قائل: "جامعت في نهار رمضان"، فقال: "عليك الكفارة". وأما في عمومه فكما لو سُئل عمن جامع في نهار رمضان، فقال: "يعتق رقبة". فإنه سُئل عن كلِّ مَن جامع، فأجاب بأنه -أيْ كل مَن جامع- يعتق؛ لأن السؤال مُعاد في الجواب. واختُلف في جهة عمومه، فقيل: لعدم استفصاله عن حاله. وقيل: لعموم علة الحكم

стр. 1652

المذكورة للسائل ولغيره. وجُعِل من هذا حديث: "أنتوضأ بماء البحر؟ فقال: هو الطهور ماؤه" (١)؛ لأن الضمير يحتاج إلى سَبْقٍ مُفسِّر، فلم يستقل الجواب، إلا أن يجعل "هو" ضمير الشأن، فيكون الجواب مستقلًّا. فأما المستقِل فَعَلَى ثلاثة أقسام: مساوٍ للسؤال، وأَخَص منه، وأَعَم منه. فالمساوي: كما لو سُئل عن ماء البحر، فقال: (ماء البحر طهور). وأمره ظاهر. إنْ كان السؤال عامًّا والجواب عامًّا فذاك، أو خاصَّين فذاك. أو الجواب أَخَص: فإذا دل على بقية المسئول عنه أو كانت الحاجة ماسة لِمَا أجاب عنه دُون غيره، فواضح، وإلا فلا يجوز؛ لأن فيه تأخير البيان عن وقت الحاجة. وشرط في صحة الجواب كذلك القاضي أبو بكر وابن فورك وصاحب "المعتمد" وغيرهم ثلاثة شروط: - أن يكون في الجواب تنبيه على حُكم غير ما أجاب عنه. - وأن يكون السائل المخاطَب بالجواب مجتهدًا، أي: له قوة التنبه لِمَا سُكِت عنه وإن لم يبلغ رُتبة الاجتهاد المطلق. - وأن يبقى مِن وقت العمل زمان متسع للتأمل والاجتهاد كما أرشد النبي ﷺ في مثل ذلك بقوله لعمر حين مسألة عن القُبلة للصائم: "أرأيت لو تمضمضت؟ " (٢)، وللخثعمية:

стр. 1653

"أرأيت لو كان على أبيك دَين فقضيتيه؟ " (١). ومَثَّل القاضي في "شرح الكفاية" بما لو سُئل النبي ﷺ عن قتل النساء الكوافر فقال: "اقتلوا المرتدات"، فإنه يختص القتل بهن ولا يقتل الحربيات، لأجل دليل الخطاب، فإنَّ عدوله عن الجواب العام إلى الخاص دليل على قصد المخالفة. ولهذا قال أصحابنا في حديث: "جُعلت لي الأرض مسجدًا وتربتها طهورًا": علق على اسم الأرض كَوْنها مسجدًا، وعلق على ترابها كَوْنه طهورًا؛ فدَلَّ على قصد المخالَفة بين المسجديه والطهورية، خِلاف قول الحنفية: إنَّ الأرض كلها مسجد وطهور. ومنه أيضًا قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] , ثم قال بَعده: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾، فأوجَب السكنَى مطلقًا والنفقة بشرط الحمل؛ فدَلَّ على قَصْد المخالفة بينهما. ومَثَّله الأستاذ بحديث: "هلكت وأهلكت" فقال: "أعتق رقبة" (٢) الحديث. ولم يتعرض للموطوءة؛ فدل على عدم الكفارة عليها. وأمَّا الأعم فعَلَى ضربين: أحدهما: أن يذكر معه حُكم آخَر غير ما سُئل عنه، كجواب السؤال عن التوضؤ بماء البحر بقوله: "هو الطهور ماؤه، الحل ميتته" (٣). ولا خلاف في هذا أنه لا يختص بالسائل،

стр. 1654

بل يَعُمه ويَعُم غيره كما قاله ابن فورك وصاحب "المعتمد" والإمام في "المحصول". نعم، صرح القاضي أبو الطيب وابن برهان بجريان الخلاف الآتي فيه. الثاني: أن يكون العموم في ذلك الحكم المسئول عنه كقوله ﷺ وقد سُئل عن بئر بُضاعة وهي بئر يُلقى فيها الحيض والنتن ولحوم الكلاب: "إن الماء طهور لا ينجسه شيء" (١). رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي، وقال أحمد: (صحيح). وقال الترمذي: (حسن). وفي بعض نُسَخه: (حسن صحيح). وصححه أيَضًا ابن معين وغيره. وهو يَرُد قول الدارقطني: إنه غير ثابت. ويقع في كُتب كثير من أصحابنا -وكذا وقع في "مختصر ابن الحاجب" في الأصول- زيادة في هذا الحديث: "إلا ما غَيَّر لونه أو طعمه أو ريحه". وهو تخليط؛ فإنَّ هذا حديث آخَر ليس فيه ذِكر بئر بُضاعة، رواه ابن ماجه: "إنَّ الماء لا ينجسه إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه" (٢). ورواه الدارقطني بلفظ: "لا ينجسه إلا ما غيَّر ريحه أو طعمه" (٣). ولم يذكر اللون، بل لا يُعرف لِلَّون ذِكر في غير ابن ماجه. وقال الشافعي: (هذا الحديث لا يُثْبِت أهل الحديث مثله). وقال أبو حاتم الرازي: (الصحيح أنه مُرْسل). وكحديث مَن اشترى عبدًا فاستعمله، ثم وجد به عيبًا، فقال النبي ﷺ : "الخراج

стр. 1655

بالضمان" (١). أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم. فإذا مع حالة ورود العام على سبب غير سؤال إذا لم يكن ثَمَّ قرينة دالَّة على التعميم، فهُما محل الخلاف. فأمَّا إذا دَلَّت قرينة كقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ نزلت في رجُل سرق رداء صفوان (إنْ قُلنا: إنه سبب. ولكن سيأتي بيان ما فيه) فإنَّ الإتيان بالسارقة معه - قرينة تدل على عدم الاقتصار على المعهود. ونحوه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] نزلت في عثمان ابن طلحة لَمَّا أُخِذ منه مفتاح الكعبة. فالإتيان بضمير الجمع في قوله: ﴿الْأَمَانَاتِ﴾ قرينة عدم الاقتصار على أمانة المفتاح. [وهنا مذاهب] (٢): أحدها: وهو الصحيح عند الجمهور وعليه جريتُ في النَّظم، فهو أنَّ السبب لا يخصِّص وأنَّ العموم باقٍ على عمومه؛ لأن عدولَ المجيبِ عمَّا سُئل عنه أو عمَّا اقتضاه حال السبب الذي وَرَدَ العام عليه عن ذِكره بخصوصه إلى العموم -دليلٌ على إرادته؛ لأنَّ الحجة في اللفظ وهو يقتضي العموم، والسبب لا يَصْلح معارِضًا؛ لجواز أن يكون المقصود عند ورود السبب بيان القاعدة العامة لهذه الصورة وغيرها. قال الشيخ أبو حامد: إنَّ هذا مذهب الشافعي. وكذا قاله القاضي أبو الطيب والماوردي وابن برهان. وقال ابن السمعاني: (إن عامة الأصحاب تسنده إلى الشافعي) (٣).

стр. 1656

واختاره أبو بكر الصيرفي وابن القطان، وقال الأستاذ أبو إسحاق والشيخ أبو إسحاق وابن القشيري وإلكيا والغزالي: (إنه الصحيح). وجزم به القفال الشاشي، ونقله ابن كج عن عامة أصحابنا وأنه مذهب الشافعي وأن به قال أبو حنيفة، وحكاه أيضًا الأستاذ عن أكثر أصحابنا والحنفية، وكذا حكاه القاضي عبد الوهاب عن الحنفية وأكثر الشافعية والمالكية، ونقله الباجي أيضًا عن أكثر المالكية، وقال: (إنه الصحيح). وقال القاضي أبو بكر: (هو الصحيح كما لو قاله ابتداءً). الثاني: أنه [يتخصَّص] (١) بمحل السبب. ونقله الشيخ أبو حامد والقاضي أبو الطيب وابن الصباغ وسُليم وابن برهان والسمعاني عن المزني وأبي ثور والدقاق والخفاف في "الخصال"، ونسبه الأستاذ إلى الأشعري، ونقل عن القفال. قيل: وفي نقله عنه نظر. ونَسبه عبد الوهاب والباجي لأبي الفرج مِن أصحابهم، ونسبه كثير من المتأخرين للشافعي. ونَسبه الإِمام في "البرهان" لأبي حنيفة، وقال: (إنه الذي صحَّ عندنا من مذهب الشافعي) (٢). وكذا نقله عن الشافعي الغزالي في "المنخول"، ونقله القاضي أبو الطيب والماوردي وابن برهان والسمعاني عن مالك. قال الماوردي: (ولهذا لو قذف زوجته ثم وطئها, لم يلاعن عنده، وجعل الوطء تكذيبًا له؛ لأن آية اللعان وردت على سبب خاص وهو عويمر العجلاني؛ إذ قال: رأيت بِعَيْني وسمعت بأُذني وما قربتها بعد ذلك. فجعل عدم إصابتها شرطًا يتخصص به العموم).

стр. 1657

قال الباجي: ورُوي عن مالك المذهبان. وقال القاضي أبو بكر: رُوي عن الشافعي المذهبان؛ لأنه جعل الخراج بالضمان عامًّا وحمله على جميع المبيعات ولم يخصه بالعبد. وقال في موضع آخر: (إنَّ قوله: "إنما الربا في النسيئة" (١) يحتمل أن يكون خارجًا على سؤال سائل، فيجب قَصْرُه عليه). انتهى وقد تَعلَّق إمام الحرمين لقول الشافعي بخصوص السبب بِقَصْره قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] الآية -على تحريم ما كان الكفار يعتقدون حِله من الميتَة والدم ولحم الخنزير وما أُهل به لغير الله، مع أن المحرمات غير ذلك كثيرة. وأُجِيب بأن الشافعي لم يأخذ التخصيص مِن السبب، بل من تأويل اللفظ [بمخايل] (٢)، وإلا لكانت الآية نصًّا في الحصر؛ ولذلك أجمع الصحابة في الحشرات والقاذورات ونحوها على التحريم. ولو سُلِّم أنه مقصور على السبب فذلك لدليل، ومحل النزاع حيث لا دليل، والدليل هو ورود السُنَّة بمحرمات كثيرة، كالحُمُر الأهلية، وبه تنجمع الأدلة كما قرره الشافعي في "الرسالة"، وهو أَعْلَم بمراده. وتَعلق غيْر الإِمام بمواضع كثيرة أُجِيب عنها كلها, لا نُطَوِّل بها. وبالجملة فالصحيح عن الشافعي القول ببقاء العموم، وفروع مذهبه تدل عليه. فمِن نصوصه وهو في "باب ما يقع به الطلاق من الكلام وما لا يقع" وذلك بعد باب الطلاق الذي يملك فيه الرجعة ما نَصه: (وسواء فيما يَلزم من الطلاق وما لا يُلزم به الزوج عند غضب أو مسألة طلاق أو رِضًا وغير مسألة طلاق، ولا تَصنَع الأسباب شيئًا، إنما تصنَعه الألفاظ؛ لأن السبب قد يكون ويحدث الكلام على غير السبب ولا يكون مبتدأ

стр. 1658

الكلام الذي حكم فيقع، فإذا لم يصنع السبب بنفسه شيئًا، لم يصنعه بما بعده، ولم يمنع ما بعده أن يصنع ما له حُكم إذا قيل) (١). انتهى واستدل بهذا النص كثير من أصحابنا المتأخرين، وردوا به نَقْل مَن نَقَل عن الشافعي اعتبار خصوص السبب. لكن قال القاضي تاج الدين السبكي أنه كان ذَكَر ذلك في كتاب "الطبقات" وأنه وقع منه ذلك خطأً في اللهم للنص: (وإنما مراد الشافعي بذلك أنَّ الغضب وغيره مِن الأسباب التي يَرِد عليها الطلاق، لا يدفع وقوعه، وهذا كما ترى لا تَعلُّق له بمسألة الأصول وهي ورود العام على سبب خاص) (٢). انتهى وهو ظاهر، إلا أن يكون أخذ من قوله: (ولا يصنع السبب شيئًا). أي: فإنه أَعم مِن صُنعْ رَفْع الطلاق وصُنعْ رَفْع العموم، لكنه فيه إثبات الشيء بنفسه؛ لأن قوله: (ولا يصنع السبب شيئًا) وارد على سبب وهو كون الطلاق في غضب أو نحوه. نعم، إذا ثبت مِن الخارج أنه يقول بالعموم في الوارد على سبب خاص، كان هذا المكان فردًا مِن ذلك، لا أنه وحده شاهد على المسألة، فتأمله. وممن قرر أنَّ مذهب الشافعي القول ببقاء العموم الإِمام الرازي في "مناقب الشافعي"، فقال: (ومعاذ الله أنْ يصح هذا النقل -أيْ تخصيص العام بالسبب عن الشافعي- وكيف وكثير مِن الآيات نزل في أسباب خاصة ثُم لم يَقُل الشافعي: إنها مقصورة على تلك الأسباب؟ ). قال: (والسبب في وقوع هذا النقل الفاسد عنه أنه يقول: إنَّ دلالته على سببه أقوى؛

стр. 1659

لأنه لَمَّا وقع السؤال عن تلك الصورة، لم يَجُز أن لا يكون اللفظ جوابًا عنها، وإلا تأخر البيان عن وقت الحاجة. وأبو حنيفة عكس ذلك وقال: دلالته على سبب النزول أضعف. وحَكَم بأنَّ الرجُل لا يلحقه ولد أَمَته وإنْ وطأها ما لم يُقر بالولد، مع أن قوله ﷺ : "الولد للفراش وللعاهر الحجر" (١) إنما ورد في أَمة، والقصة مشهورة في عبد بن زمعة. فبَالغَ الشافعي في الرد على مَن يجوِّز إخراج السبب، وأطنب في أن الدلالة عليه قطعية؛ لدلالة العام عليه بطريقين، أحدهما: العموم، وثانيهما: كونه واردًا لبيان حُكمِه. فتوهَّم المتوهَّم أنه يقول: إنَّ العبرة بخصوص السبب) (٢). انتهى وقد يجاب عن إمام الحرمين وغيره ممن نقل عنه التخصيص بما ذكره الإِمام الرازي، أو أنهم اطَّلعوا على نَص مرجوح عنه، أو غير ذلك؛ فإن الخلاف فيه بعيد عن المذهب؛ ولذلك اختلف الأصحاب في أن العرايا هل تختص بالفقراء؟ أَم لا؟ والأصح الثاني؛ عملًا بعموم اللفظ. وقالوا فيمن دخل عليه صديقه فقال: (تغد معي)، فامتنع، فقال: (إن لم تتغد معي، فامرأتي طالق) فلم يفعل: لا يقع الطلاق. ولو تغدى بعد ذلك معه وإنْ طال الزمان، انحلت اليمين. أي: بخلاف ما إذا لم يتغد معه، فإن اليمين لا تنحل إلا بموت أحدهما على قاعدة الحالف على فعل غيره. قال: فإنْ نوى الحال، فلم يفعل، وقع الطلاق. وهذا وإنْ كان مخالفًا للقول بالعموم إلا أن العُرف لَمَّا اقتضى عدم استقلاله، نزل مَنزلة

стр. 1660

ما لم يكن مستقلًّا كما اقتضاه كلام الأصوليين، وكأنه قال: (إنْ لم تتغد معي في الحال)؛ ولهذا رأى البغوي حمل المطْلَق على الحال؛ للعادة مطلقًا. لكن أفتى القاضي [الحسين] (١) في امرأة صعدت بالمفتاح إلى السطح فقال زوجها: (إنْ لم تُلقِ المفتاح، فأنت طالق) فلم تلقه ونزلت، أنه لا يقع، ويحمل قوله: (إن لم تلقه) على التأبيد. وفي "الرافعي" عن "المبتدأ" في الفقه للقاضي الرُّوياني أنه: (لو قيل له: "كَلِّم زيدًا"، فقال: "والله لا كلمته"، انعقدت اليمين على الأبد إلا أن ينوي اليوم. فإنْ كان ذلك في طلاق وقال: "أردتُ اليوم"، لم يُقْبل في الحكم) (٢). وهذا كله شاهد على كون العبرة بعموم اللفظ، وبعدم اعتبار العُرف في جعل المستقل كالذي لا يستقل؛ لِمَا تقدم أن العادة في الإطلاقات لا أثر لها. والثالث من المذاهب: التفصيل بين أنْ يكون الشارع ذَكرَ السبب في الحكم فيقتضي التخصيص به، أو لم يقع ذِكره إلا في كلام السائل، فيكون الجواب على عمومه. حكاه ابن القطان عن ابن أبي هريرة. الرابع: وهو بحث للشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد: أنه ينبغي أن يُفرَّق بين سبب لا يقتضي السياق التخصيص به، وبين سبب يقتضي السياق والقرائن التخصيص به. فإنْ كان من الثاني، فالواجب اعتبار ما دل عليه السياق والقرائن؛ إذ به يتبين مقصود الكلام، وبه يرشد إلى بيان المجملات وفَهم مَأْخَذ الخطاب. والخامس: الوقف، فإنه يحتمل البعض ويحتمل الكل؛ فيجب أن يتوقف. حكاه

стр. 1661

القاضي في "التقريب". والسادس: التفصيل بين أن يكون السبب سؤال سائل فيختص به، أو وقوع حادثة فلا. حكاه عبد العزيز في "شرح البزدوي". والسابع: إن عارضه عموم عَرِي عن سبب، قُصِر العام الوارد على سبب على سببه. وإنْ لم يعارضه، بَقِي العام على عمومه. قال الأستاذ أبو منصور: (إنَّ هذا هو الصحيح). قال: ولذلك قُصِر نهيه ﷺ في قتل النساء على الحربيات دُون المرتدات؛ لمعارضة حديث: "مَن بدل دينه فاقتلوه". وقد يقال: هذا [عَيْن] (١) المذهب السابق، فإنَّ شَرْطه أنْ لا يعارضه معارِض. تنبيهات الأول: قال المازري: (لو خرجت هذه المسألة على الاختلاف في الألف واللام هل يقتضي العموم؟ أو يُحمل على العهد؟ لكان لائقًا. فمَن يقصر اللفظ على سببه هو القائل بالعهد، ومَن يعممه يقول بغير ذلك) (٢). انتهى وقد ينازع المعممون في كون السبب يصلح عهدًا؛ لأن المعهود هو ما لم يختص بسائل أو بواقعة، مِثل الطعام في قوله ﷺ : "الطعام بالطعام ربا" (٣) الحديث. فإنهم كانوا يعهدون إطلامتى الطعام على خاص، فهل يُحْمَل "الألف واللام" عليه؟ أو يجرى على عمومها؟ هذا

стр. 1662

محل الخلاف، ويتجه فيه القول بالحمل على العهود اتجاهًا لا يتهيأ مثله هنا في قصر اللفظ على سببه؛ لأنه لَمَّا كان هو المعهود، صار اللفظ كأنه موضوع له وإليه ينصرف الذهن عند سماع اللفظ دُون غيره. الثاني: قولي: (نَعَمْ، تكون صُورَةٌ فِيهَا وَرَدْ قَطْعِيَّةَ الدُّخُولِ فِيَما يُعْتَمَدْ) إشارة إلى أن صورة السبب مقصودة بالعموم قطعًا، والخلاف إنما هو فيما عداها، وحينئذٍ فيطرق التخصيص ذلك العام إلا تلك الصورة، فإنها لا يجوز إخراجها. لكن قال الشيخ تقي الدين السبكي: (إنما تكون صورة السبب قطعية إذا دل الدليل على دخولها وضعًا تحت اللفظ العام، وإلا فقد ينازع فيه الخصم ويدعي أنه قد يقصد المتكلم بالعام إخراج السبب، فالمقطوع به إنما هو بيان حُكم السبب، وهو حاصل مع كونه خارجًا كما يحصل بدخوله، ولا دليل على تعيين واحد من الأمرين. فللحنفية أن يقولوا في حديث عبد بن زمعة: إن قوله ﷺ : "الولد للفراش" وإنْ كان واردًا في أَمَة فهو وارد لبيان حُكم ذلك الولد، وبيان حُكمه إما بالثبوت أو بالانتفاء. فإذا ثبت أن الفراش هو الزوجة؛ لأنها التي يتخذ لها الفراش غالبًا وقال: "الولد للفراش"، كان فيه حصر أن الولد للحرة، ومقتضى ذلك أن لا يكون للأَمَة، فكان فيه بيان الحكمين جميعًا: نَفْي النَّسَب عن السبب، وإثباته لغيره. ولا يليق دعوى القطْع هنا وذلك مِن جهة اللفظ، وهذا في الحقيقة نزاع في أن اسم "الفراش" هل هو موضوع للحرة والأَمَة الموطوءة؟ أو للحرة فقط؟ فالحنفية يدَّعون الثاني، فلا عموم عندهم له في [الأَمة] (١)، فتخرج المسألة من باب أن العبرة بعموم اللفظ؟ أو بخصوص السبب؟

стр. 1663

نعم، قوله ﷺ في حديث عبد: "هو لك يا عبد، وللعاهر الحجر" (١) هذا التركيب يقتضي أنه ألحقه به على حُكم التشبيه، فيلزم أن يكون مرادًا مِن قوله: "الفراش") (٢). قال (٣): (ولا يقال: إن الكلام إنما هو حيث يتحقق دخوله في اللفظ العام وضعًا، لأنَّا نقول: قد يتوهم أن يكون اللفظ جوابًا للسؤال يقتضي دخوله، فأردنا أن ننبه على أن الأمر ليس كذلك، والمقطوع به أنه لابُدَّ مِن بيان حُكم السبب. أما خصوص دخوله أو خروجه فلا). فلذلك قال ولده في "جمع الجوامع" أنَّ والده يخالف الجمهور في أن صورة السبب قطعية ويقول: إنها ظنية. الثالث: سأل الشيخ تقي الدين على قولهم: (إنَّ صورة السبب داخلة قطعًا) أنه قبل نزول الآية، والحكم إنما يثبت [حين] (٤) نزول الآية مثلًا، فكيف ينعطف على ما مضى وقد أجمعت الأُمة على أن أوس بن الصامت يشمله الظهار وأمثاله من الأسباب؟ وأشار بذلك إلى أن سبب نزول آية الظهار مُظاهرة أوس بن الصامت مِن زوجته خويلة بنت مالك بن ثعلبة ومجيئها إلى رسول الله ﷺ تشتكي إليه ووقوع المجادلة، فنزل:

стр. 1664

﴿قَدْ سَمِعَ﴾ [المجادلة: ١] الآية (١). رواه أحمد وأبو داود، ورواه البخاري تعليقًا. وأما قول ابن الحاجب: (إنها نزلت في سلمة بن صخر) فليس بجيد، بل سلمة بن صخر ظاهَر مِن امرأته. رواه أبو داود والترمذي -وحَسَّنه- وابن ماجه. واَية اللعان نزلت في هلال بن أمية أو غيره، ففي "البخاري" نزولها في هلال بن أمية (٢)، وفي "الصحيحين" نزولها في عويمر العجلاني (٣). واَية السرقة، قيل: واردة في سرقة المِجَن. وقيل: في الخميصة. وفيهما نظر؛ فالذي في الحديث إنما هو قطعهما، لا أن الآية نزلت فيهما، ففي "الصحيحين" - بل رواه الستة - من حديث ابن عمر: "أنه ﷺ قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم" (٤). وفي حديث صفوان بن أمية قال: "كنت نائمًا في المسجد على خميصة، فسُرقت، فأخذنا السارق، فأمر رسول الله ﷺ بقَطعه" (٥). رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه. قال الشيخ تقي الدين: (ويخص آية الظهار واللعان إشكال آخَر: أن "الذين" في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٣] مبتدأ، وخبره "فتحرير" [أو] (٦)

стр. 1665

"فكفارتهم تحرير"، وجاز حذف ذلك، لدلالة الكلام عليه. ودخلت "الفاء" في الخبر لتَضمُّن المبتدأ معنى الشرط. وبالجملة فالآية لا تشمل إلا مَن وُجِد منه الظهار بعد نزولها؛ لأن معنى الشرط مستقبل؛ فلا يدخل فيه الماضي. وقد أوجب النبي ﷺ الكفارة على أوس ولا شك في ذلك، إلا أن هذا الإشكال [يعتوره]) (١) (٢). ثم أجاب بما حاصله أنه لَمَّا كان السببَ، كان في حُكم المقارن؛ لأنها نزلت مُبيِّنة لحُكمه؛ فلذلك ثبت حُكمها فيه دُون غيره ممن تَقدمه. وأما "الفاء" المتضمنة للشرط فتستدعي العموم في كل مَن يتظاهر مثلًا، وذلك يشمل الحاضر والمستقبل. وسبب النزول حاضر، أو في حكم الحاضر. وأما دلالة "الفاء" على الاختصاص بالمستقبل فقد تمُنع. الرابع: مِن أجل دخول صورة السبب قطعًا ولا يجوز إخراجها صنَّف بعض المتأخرين في معرفة أسباب الحديث، كما صنَّف العلماء في معرفة أسباب نزول الآيات. وحينئذٍ فاستدلال مَن قال بخصوص السبب (لأنَّ السبب لو لم يكن مخصصًا، لَمَا نقله الراوي؛ لعدم فائدته) مرودٌ بما ذكرناه من الفائدة. واعْلَم أنَّ بعض مَن يَنقل القول بخصوص السبب عن الشافعي نقل ابن برهان عنهم في "الوجيز" أنهم قالوا: لو كان اللفظ على عمومه، لَمَا قَدَّم الشافعي عند تعارض "عام مُجَرَّد عن السبب" و "عام وارِد على سبب" العامَّ المجردَ عن السببِ. وأجاب بأنَّ السبب وإنْ لم يكن مانعًا مِن العموم إلا أنه يوجب ضَعفًا؛ فقدم العَرِي

стр. 1666

عليه. الخامس: قال الشيخ تقي الدين السبكي: (جميع ما تَقدم في السبب وبقية الأفراد التي دَلَّ اللفظ العام عليها بالوضع وبين ذينك [الشيئين] (١) رُتبة متوسطة، فنقول: قد تنزل الآيات على الأسباب الخاصة، ويوضع مع كل واحدة منها ما يناسبها مِن الآي؛ رعايةً لنَظم القرآن وحُسن اتساقه، فذلك الذي وضعت معه الآية النازلة على سبب خاص للمناسبة إذا كان مسوقًا لِمَا نزل في معنى يدخل تحت ذلك اللفظ العام أو كان مِن جملة الأفراد الداخلة وضعًا تحت اللفظ العام، فدلالة اللفظ عليه يحتمل أن يقال: إنه كالسبب، فلا يخرج، ويكون مرادًا مِن الآية قطعًا. ويحتمل أن يقال: إنه لا ينتهي في القوة إلى ذلك؛ لأنه قد يراد غيرُه وتكون المناسبة لِشَبَهه [به] (٢). والحقُّ أن ذلك رُتبة متوسطة دُون العام على سبب وفوق العام العَرِي عن السبب. مثاله قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] , فإن مناسبتها لما قبلها وهي قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١)﴾ [النساء: ٥١] أنَّ ذلك إشارة إلى كعب بن الأشرف، كان قد قدم مكة وشاهد قتلى بدر وحرَّض الكفار على الأخذ بثأرهم، فسألوه: مَن أهدى سبيلًا؟ فقال: أنتم. كذبًا منه وضلالة. فنزلت الآية في حقه وحق مَن شاركه في تلك المقالة، وهُم أهل كتاب يجدون عندهم في كتابهم بَعْث النبي ﷺ وصِفَته، وقد أُخذت عليهم المواثيق أنْ لا يكتموا ذلك وأن ينصروه، وكان ذلك أمانة لازِمة، فلم يؤدوها وخانوا فيها، وذلك يناسب الأمر

стр. 1667

بالأمانة) (١). السادس: قضية مَن قال: (العبرة بخصوص السبب) أنْ يكون الوارد عليه عامًّا أُريدَ به خصوص، لا عامًّا مخصوصًا. فالأليق أن يُذكر في مباحث العام المراد به الخصوص. قلتُ: لكنه ذكر في العام المخصوص كما ذكر التخصيص بالعقل وبالحس، مع أنه -عند التأمل- عامٌّ أُريدَ به خاص. السابع: قال المازري: أَوْرَد بعض الأكابر سؤالًا، فقال: كيف يمكن الجمع بين قول النحاة: "متى أَمْكَن حمل "أل" على العهد، لا يحمل على العموم" وقول الأصوليين في المذهب الراجح: "العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب"؟ وأُجيب بأنه لا تنافي بينهما؛ لأن العموم لا ينحصر في الألف والسلام، بل له صِيَغ كثيرة. فإنْ أَوْرَد ما إذا كانت الصيغة "أل"، قُلنا: إرادة العموم قرينة. والحقُّ أنَّ السؤال لا يَرد؛ لأن الأصل عند الأصوليين في "أل" العموم؛ فلهذا لم يقصروه على سببه، وعند النحاة الأصل العهد حتى يقوم خلافه. وقد سبق بيان ذلك في الكلام على صِيَغ العموم. فإنْ قيل: فهلَّا كان السبب قرينة إرادة العهد في المعرَّف بِـ "أل" إذا وَرَدَ على سبب؟ قيل: السبب قرينة على إرادته بالعام، لا نَفْي إرادة ما سواه مِن أفراد العام؛ إذ ليس في السبب ما يثبته ولا ما ينفيه. بل التحقيق أنَّ العدولَ عما يقتضيه السبب من الخصوص إلى العموم دليلُ إرادةِ العمومِ كما سبق بيانه. وأشار إليه الزمخشري في سورة "البقرة"، فقال: (فإنْ قلتَ: كيف قيل: ﴿مَسَاجِدَ

стр. 1668

اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٤] وإنما وقع المنع والتخريب على مسجد واحد وهو بيت المقدس أو المسجد الحرام؟ قلتُ: لا بأس أنْ يجيء الحكم عامًّا وإنْ كان السبب خاصًّا، كما تقول لمن آذى صالحًا واحدًا: ومَن أظلم ممن آذى الصالحين. وكما قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١)﴾ [الهمزة: ١] و [المُنزل] (١) فيه الأخنس بن شريق) (٢). قال: (وينبغي أن يُراد بِـ "مَن منع" العمومُ كما أريد بِ "مساجد الله"، ولا يُراد الذين منعوا بأعيانهم) (٣). الثامن: استثنى ابن عبد السلام مِن قولنا في المسألة: (العبرة بعموم اللفظ) ما لو كان السبب شرطًا، كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٥] , فيجب أن [يختص] (٤) العموم بمن تَقدم ذِكره مِن المخاطبين بقوله تعالى: ﴿إِنْ تَكُونُوا﴾، ولا يعم جميع الخلائق ولا جميع الأُمم السالفة؛ لأن التعاليق اللغوية أسباب، والجزاء المرتَّب عليها مُسبَّب، وصلاح المخاطَبين لا يكون سببًا لصلاح غيرهم مِن الأُمم؛ لأن عمل كل واحد يختص فائدته به؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم: ٣٩] وإنْ لم يكن شرطًا فالحقّ العموم. وحكاه الأصفهاني في "شرح المحصول" عن بعض المتأخرين، قال: (وهو تفصيل حسن لا بأس به). وكذلك ارتضاه ابن دقيق العيد والقرافي.

стр. 1669

التاسع: المراد بالسبب الأمر المقتضِي للجواب عن السؤال أو عن الواقعة. أي: الداعي لذلك، لا المقتضي للحُكم في الشخص كما في "زَنَا ماعز؛ فَرُجِم". وكلام الشافعي في "اختلاف الحديث" في بئر بُضاعة مُصرِّح بأنه ليس المراد بالسبب عَيْن ما وقع الحكم بسببه، بل هو أو مِثله أو ما هو أَوْلى بالحكم منه، حيث قال: (وكان العلم أنه على مِثلها أو أكثر منها) (١). العاشر: قال القاضي: يجب أن تُترجم هذه المسألة بِـ: "اللفظ العام إذا وَرَدَ على سبب خاص" أو: "في سبب خاص"، ولا يقال: "عند سبب خاص". قال: والفرق بينهما أنَّ "عند" ليس فيه تَعلُّق للسبب بالعام، ففرقٌ بين: "ضربتُ العبد على قيامه" و "ضربته عند قيامه". الحادي عشر: مِن المسائل التي يعاكس فيها أبو حنيفة والشافعي أصليهما: ذهاب الشافعي ومالك إلى أنَّ التحلل في الحصر في الحَج مخصوص بحصر العَدُوِّ، ومنعاه في المرض؛ لأن قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] نزل في الحديبية وكان الحصر بِعدو، فاعتبرَا خصوص السبب. وخالفهما أبو حنيفة في ذلك، فاعتبر عموم اللفظ؛ لأن الآية دالة على جواز الخروج مِن الحَج بالعُذْر، فإنَّ "الإحصار" عند المعتبَرين مِن أهل اللغة موضوع لإحصار الأعداء، و "الحصر" موضوع لحصر الأعذار. قال الشيخ عز الدين: (ولا يحسُن أن يقال: إن محل السبب يقتضي حصر العدو؛ لأن اللفظ إذا دل على حصر العدو، كان دلالته على حصر الأعذار مِن طريق الأَوْلى. فنزلت على إحصار العَدُوِّ بمنطوقها وعلى إحصار العُذْر بمفهومها، فتناولت الأمرين جميعًا. فإنْ قيل:

стр. 1670

فقوله تعالى بعد ذلك: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] قرينة لإرادة حصر العدو. قيل: إنه راجع إلى ما دلَّت عليه بطريق الأَوْلى. وإنْ جعلنا "حصر" و "أحصر" لُغتين، كان دالًّا على الأمرين، ورجع لفظ "الأمن" إلى أحدهما) (١). قال: (والذي ذكره مالك والشافعي لا نظير له في الشريعة السمحة، فإنَّ مَن انكسرت رِجله وتَعَذَّر عليه العَوْدُ إلى الحج والعمرة، يبقى في بقية عُمره حاسر الرأس مجردًا مِن اللباس محُرَّمًا عليه ما يَحرُم على المُحْرِم. وذلك بَعِيد شرعًا) (٢). والله تعالى أعلم. تنبيه: ٦٧١ - إنْ يَكُ ذُو الْخُصُوصِ قَدْ تَأَخَّرَا ... عَنْ ذِي الْعُمُومِ بَعْدَ وَقْتٍ قُرِّرَا ٦٧٢ - لِعَمَلٍ بِهِ، فَذَاكَ نَاسِخُ ... لِقَدْرِ مَا عَارَضَهُ، وَرَاسِخُ ٦٧٣ - وَ [قَبْلَ وَقْتِهِ] (٣) يُخَصُّ مُطْلَقَا ... مُؤَخَّرًا يَكُونُ أَوْ قَدْ سَبَقَا ٦٧٤ - أَوْ كَانَ قَدْ قَارَنَهُ أَوْ جُهِلَا ... فَإنْ يَكُنْ كُلٌّ إذَا مَا نُقِلَا ٦٧٥ - أَخَصَّ مِنْ وَجْهٍ وَمنْ وَجْهٍ أَعَمْ ... فَيَطْلُبُ التَّرْجِيحَ مَن لِذَاكَ أَمْ الشرح: لما انتهى بيان العموم وصِيَغه والتخصيص والمخصص، احْتِيج إلى معرفة بناء العام على

стр. 1671

الخاص والخاص على العام. أي: أيُّهما يُعمَل به؟ وفي أي حال؟ ولما كانت داخلة في القواعد السابقة فيهما -لمن تَأمَّل ذلك- ترجمتُ عليها بالتنبيه. فإذا ورد نَصَّان مِن الكتاب أو مِن السُّنة أو أحدهما مِن الكتاب والآخَر من السنة فلا يخلو أن يكون أحدهما أَعَم مِن الآخَر مطلقًا والآخَر أَخَص منه مطلقًا. وإما أن يكون كل منهما أعم مِن الآخَر مِن وَجْه وأَخَص منه مِن وجه. فالأول: إما أن يُعْلَم تاريخ ورُودِهما أو يُجهَل. فإنْ عُلم فإما أن يكون الخاص مؤخَّرًا عن العام، أو العام مؤخَّرًا عن الخاص، وإما أن يتقارنَا. فإنْ كان الخاص مؤخرًا عن العام فهو قِسمان: أحدهما: أن يكون بعد دخول وقت العمل به. والثاني: أن يكون قبله. فإنْ كان بعد دخول وقت العمل به، كان الخاص ناسخًا لِقَدْر ما عارضه مِن أفراد العام، فيُشترط فيه ما يُشترط في النَّسخ، حتى لا يجعل الآحاد في الخاص ناسخًا للقرآن أو متواتر السُّنة. ولا يقال في مثل ذلك: إنه تخصيص؛ لأن التخصيص بيان، وتأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع قطعًا، فيُعمل بالعام في بقية الأفراد. وهو معنى قولي: (نَاسِخُ لِقَدْرِ مَا عَارَضَهُ)، فهو أحسن مِن قوله في "جمع الجوامع": (إنْ تأخَّر الخاص عن العمل، نسخ العام) (١)، فإنه يوهم أنه ينسخ جملة العام، وإنْ كان المعنى

стр. 1672

مفهومًا. وأيضًا فقوله: (عن العمل) يقتضي أنه يتأخر عن نفس العمل، وإنما المدار على تأخُّره عن وقت العمل وإنْ لم يقع عمل. والمراد بقولي: (بَعْدَ وَقْتٍ): بعد أول الوقت، فهو أحسن مِن التعبير بالتأخر عن وقت العمل وان كان هذا هو المراد. القسم الثاني من تأخُّر الخاص: أن يكون قبل دخول وقت العمل بالعام، فيكون تخصيصًا للعام وبيانًا أنَّ ما بقي من أفراده هو المراد. وهو بناء على المرجَّح في تأخير البيان عن وقت الخطاب. فأما إنْ قيل بالمنع، فإنه يكون كالذي قبله في كونه نسخًا، لا تخصيصًا. كذا قاله الشيخ أبو حامد و [الشيخ أبو إسحاق، وسُليم] (١) قال: ولا يُتصور في هذه المسألة خلاف يختص بها، وإنما هما القولان في جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب ونَفْيه. ويُنقل كوْنه نسخًا في هذه الحالة عن معظم الحنفية بشرط أنْ يتراخى الخاص عن العام بقدر ما يتمكن المكلَّف مِن العمل أو الاعتقاد. قالوا: لأنهما دليلان وبيْن حُكمَيهما تنافٍ، فيُجعل المتأخِّر ناسخًا للمتقدم؛ دَفْعًا للتناقض.

стр. 1673

ورُدَّ بأن التخصيص أقَل مفسدة مِن النسخ. وإنْ كان العام مؤخَّرًا عن الخاص فهو أيضًا قسمان: أن يتأخر عن وقت العمل بالخاص، أو يَرد قبل دخول وقته. فالأُولى: يُبْنَى فيه العام على الخاص عندنا؛ لأن ما تناوَله الخاص مُتَيَقَّن وما تناوله العام ظاهر مظنون، فالمتيقَّن أَوْلى. قال إلْكِيَا: وهذا أحسن ما عُلل به. وذهب أبو حنيفة وأكثر أصحابه والقاضي عبد الجبار إلى أنَّ العام المتأخر ناسخٌ للخاص المتقدم. وفي قول ثالث: الوقف. قاله ابن العارض المعتزلي. وفي قول رابع: أنه نَسخٌ ما لم تَقُم دلالة مِن غيره على أنَّ العموم مرتَّب على الخصوص. قال أبو بكر الرازي: (وكان شيخنا يحكي أنَّ مذهب أصحابنا ومسائلهم تدل عليه. وقد جعل أبو حنيفة قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ [محمد: ٤] منسوخًا بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]؛ لأنه نزل بعد) (١). ثم قال: (وقد ناقض الشافعي أصله في هذه المسألة في صُوَر: منها: قوله لأنيس: "واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإنِ اعترفت فارجمها" (٢). فجعله قاضيًا على قضية ماعز في اعتبار تكرار الإقرار أربع مرات، مع أنَّ قضية ماعز خاصة مُفسرة وقضية أنيس عامة.

стр. 1674

ومنها أنه قال: "الوضوء مما مست النار" (١) منسوخ بأكل النبي ﷺ لحمًا وخبزًا ولم يتوضأ، فنسخ العام بالخاص الذي هو ترك بعض ما مست النار وهو الخبز واللحم، ونَسخ بالفعل، ولا ينسخ في مثل ذلك إلا بلفظ) (٢). قال: (ونحن إنما تركنا الوضوء مما مست النار لقاعدة أنَّ خبر الواحد لا يُقبَل فيما تَعُم به البلوى، وحملنا الحديث على غسل اليد. ومنها قوله: إن قوله ﷺ : "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث" (٣) يكون ناسخًا لقتل شارب الخمر في الرابعة، فجعل العام ناسخًا للخاص) (٤). قلتُ: وجواب الأول أنَّ صورة التخصيص أو النسخ أن يقع تعارُض، ولا تعارض بين العام الذي هو "فإنِ اعترفت" من حيث إنه نكرة في سياق الشرط يشمل الاعتراف مرة وأكثر. وأما اعتراف ماعز أربعًا فواقعة عَيْن يحتمل أن ذلك لكون الأربع لابُدَّ منها، وأنْ يكون لطلب الستر والإيماء إلى الرجوع؛ ولهذا قال له: "أبك جنون؟ لعلك قَبَّلت؟ " (٥). فأين المعارضة التي قَدَّم فيها الشافعي العموم على الخصوص؟

стр. 1675

وجواب الثاني: فقد روى جابر -كما في "سنن أبي داود" و "النسائي" وصححه ابن حبان وابن خزيمة وابن السكن- أنه قال: "كان آخِر الأمرين مِن رسول الله ﷺ ترك الوضوء مما مست النار" (١). وليس فيه تقييد لا بِلَحم ولا بخبز، فهو مستند الشافعي في نسخ الوضوء مما مست النار مع ما انضم إليه مما هو في معناه. وجواب الثالث: أنه لم يصح في قتل شارب الخمر في الرابعة شيء حتى يكون الأخذ بحديث: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث" ناسخًا له، والنسخ متوقف على صحة ذلك المنسوخ وتَقدُّمه على الناسخ، وذلك يستدعي معرفة التاريخ. فلم ينسخ الشافعي خاصًّا بعام. والقسم الثاني: أن يتأخر العام عن وقت الخطاب بالخاص، لا عن وقت العمل به. فهو كالذي قبله في جريان الخلاف، إلا على رأي مَن لم يجوِّز نسخ الشيء قبل حضور وقت العمل به، كعبد الجبار. وجعل إلْكِيَا الخلاف في هذا القسم مَبنيًّا على جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب، فمَن لم يجوِّزه، جعله نسخًا. وأما المتقارنان (والمراد أن يتصل أحدهما بالآخر، لِتَعذُّر القرآن الحقيقي في مثل ذلك) فهو أيضًا قِسمان:

стр. 1676

أحدهما: أن يقارن الخاص العام، كما لو قال ﷺ : "زكوا البقر ولا تزكوا العوامل"، فالخاص هنا مُقدَّم على العام بالإجماع كما قاله الشيخ أبو حامد والقاضي عبد الوهاب وأبو بكر الرازي؛ لأن الخاص بيَّن العام وخصَّصه بما أريد به. قال أبو بكر الرازي: (هو معه كالاستثناء مع المستثنى منه بلا خلاف، كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] الآية، وعقَّبها بقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ﴾ [المائدة: ٣] فخص حالة الاضطرار قبل استقرار حكمها) (١). نعم، في "المحصول" أنَّ بعضهم ذهب إلى أن ذلك القدْر مِن العام يعارض الخاص، أي: فيرجح بمرجِّح أو يوقف. وعزاه ابن السمعاني للقاضي أبي بكر. الثاني: أن يكون العام مقارنًا للخاص، نحو أن يقول: "لا زكاة فيما دون خمسة أوسق"، ثم يُعقِّبه بقوله: "وفيما سقت السماء العشر". فإنه عام في الخمسة أوسق وفيما دُونها، فهذا لا يمكن فيه النسخ؛ لأن شرطه التراخي، وهو هنا مقارن؛ فَيتَعَيَّن بناء العام على الخاص. وأما إذا جُهل التقدم أو التأخر في أحدهما، فعند الشافعي وأصحابه أنَّ الخاص منهما يخص العام، وهو قول الحنابلة، ونقله القاضي عبد الوهاب والباجي عن عامة أصحابهم، وبه قال القاضي عبد الجبار وبعض الحنفية. وذهب أبو حنيفة وأكثر أصحابه إلى التوقف إلى ظهور التاريخ أو إلى ما يرجِّح أحدهما أو يرجع إلى غيرهما. ويحكَى أيضًا هذا عن القاضي أبي بكر وعن الدقاق. والحاصل أن [كُلًّا مِن] (٢) الإمامين الشافعي وأبي حنيفة جارٍ في هذه الحالة على أصله؛ لأن عند الشافعي العمل بالخاص دائمًا, ولا يضر كونه في بعض الصور نسخًا.

стр. 1677

وأبو حنيفة لما كان ينسخ الخاص بالعام المتأخر ويخصص بالخاص المتأخر أو ينسخ به فالأمر عند الجهل دائرٌ بين أن يكون الخاص منسوخًا أو مخصِّصًا أو ناسخًا. فعند التردد يجب الوقف. وقد لخصتُ مذهب الشافعي في هذه الأقسام بقولي: (وَ [قَبْلَ وَقْتِهِ] (١) يُخَصُّ مُطْلَقَا) إلى آخره. وأما إذا كان أحد النَّصين أَعَم مِن الآخَر مِن وَجْه وأَخَص من وجه، فليس تخصيص عموم أحدهما لعموم الآخر بأَوْلى مِن عكسه؛ فيُطْلَب الترجيح من الخارج. وهو معنى قولي: (فَيَطْلُبُ التَّرْجِيحَ مَن لِذَاكَ أَمْ). أي: مَن قصد معرفة الراجح مِن هذين المتساويين فيما ذكرناه. مثاله قوله ﷺ : "مَن بَدَّل دِينه فاقتلوه" مع نهيه ﷺ عن قتل النساء (٢). فإن الأول خاصٌّ بالمرتدين، عامّ في الرجال والنساء، والثاني خاصٌّ بالنساء، عامٌّ في الحربيات والمرتدات. قال ابن دقيق العيد: (وكأنَّ مرادهم بالترجيحِ الترجيحُ العام الذي لا يخص مدلول العام، كالترجيح بكثرة الرواة وسائر الأمور الخارجة عن مدلول العموم من حيث هو). انتهى لكن صاحب "المعتمد" حكى عن بعضهم أن أحدهما إذا دخله تخصيص مجُمَع عليه، كان أَوْلى بالتخصيص، وكذا إذا كان أحدهما مقصودًا بالعموم، فإنه مرجَّح على ما كان عمومه اتفاقًا.

стр. 1678

تنبيهات أحدها: لم يحكوا عن الحنفية في هذا القسم الأخير التفصيل بين معرفة التاريخ في المتقدم أو التأخر والمقارنة حتى يكون المتأخر ناسخًا كما ذكروه في الأقسام التي قبله، ولكنه قياس ذلك، فلا يبعد أن يقولوا به. الثاني: جَعْل الحنفية الخاص المتأخر عن الخطاب قبل دخول وقت العمل ناسخًا لِمَا قابله مِن أفراد العام -مُفَرَّع على قولهم: إنَّ دلالة العام على كل فرد من أفراده قطعية. وقد سبقت المسألة في موضعها، وكذلك أشار إليه إلْكِيَا، فقال: خلافهم مبني على قولهم في العام الذي لم يدخله التخصيص: إنه نَصٌّ في الاستغراق حتى لا يجوز تخصيصه بالقياس. الثالث: قال ابن دقيق العيد: إن شرط البناء في الأقسام السابقة -غير الأخير- التنافي في الكل أو في موضع الخاص. أما إذا لم يحصل التنافي، فلا. قال: وكذا القول في حمل المطلق على المقيد. وعلى هذا فإذا ورَدَ عام وخاص في طرف النفي والنهي، فلا يُبْنى العام على الخاص ولا يُقيَّد المطلق. كما في نهيه عن مَس الذكَر باليمين في الاستنجاء، والنهي عن مَسِّه باليمين مطلقًا. فيبقى ذلك على عمومه؛ لدلالته على النهي في محل لا يدل ذلك الآخَر عليه. هذا إذا قلنا بتعدد الحديث. أما إذا قُلنا: حديث واحد اختلفت الرواية في لفظه، فلا. الرابع: لهذه المسألة عُلْقَة أيضًا بباب التراجيح، لكن عُلْقتها هنا أقوى، فتذكر هنا غالبًا كما سبق نظير ذلك في تَعارض قول النبي ﷺ مع فِعله. والله أعلم.

стр. 1679

الفصل الثالث في "المُطْلَق" و "المُقَيَّد " ٦٧٦ - " الْمُطْلَقُ" الَّذِي عَلَى الْمَاهِيَّهْ ... يَدُلُّ دُونَ الْقَيْدِ بِالْكُلِّيَّهْ ٦٧٧ - وَقَدْ مَضَى بَيَانُهُ، وَ "النَّكِرَهْ" ... بِوَحْدَةٍ شَائِعَةٍ مُشْتَهِرَهُ الشرح: لَمَّا كان معنى "المطلق" و "المُقَيَّد" قريبًا مِن معنى "العام" و "الخاص" ذُكِرا [عقبهما] (١)، بل جعله البيضاوي تذنيبًا داخلًا في باب العام والخاص. أيْ: ذنابة وتتمة له. و"المطلق": مأخوذ مِن مادة تدور على معنى الانفكاك مِن القيد، ثم صار في عُرْف اللسان حقيقة في اللفظ الآتي بيانه وبيان ضده وهو "المقيد". فـ "المطلق" عُرفًا: اللفظ الدال على الماهيَّة بلا قَيْد. أي: بلا تقييد بشيء من عوارض الماهية من كثرة ووحدة. وإليه الإشارة بقولي: (دُونَ الْقَيْدِ بِالْكُلِّيَّهْ). فإنْ قُيِّدت تلك الماهية بكثرة محصورة فالعدد، أو غير محصورة فالعام، أو قيدت بوحدة شائعة فالنكرة، أو مُعيَّنة فالمعرفة. وقد سبق بيان ذلك في مباحث اللغة في تقسيم القول المفرد. وقد عُلم من هذا أن مفهوم "المطلق كُلي". هذا حاصل معنى كلام الغزالي في "المستصفى" والإمام الرازي

стр. 1680

وأتباعه. ووهم ابن الزملكاني في "البرهان" حيث نقل عن الإِمام أنَّ المطلق والنكرة سواء، وأورد عليه أنَّ عَلَم الجنس -كَـ "أسامة"- يدل على الحقيقة مِن حيث هي وليس بنكرة. وليس كما نَقل؛ لِمَا سبق مِن النقل عن الإِمام التقسيم المشْعِر بالمغايَرة. وأيضًا فعَلَم الجنس إنما وُضع للماهية بِقَيْد حضورها في الذهن، لا مِن حيث هي. فكيف يوردها على الإِمام بتقدير أنَّ الإِمام وَحَّد بين المطلق والنكرة؟ نعم، الآمدي وابن الحاجب قالا: إن المطلق الدال على الماهية بقيد الوحدة الشائعة كالنكرة. إلا أنَّ دعوى الآمدي ذلك لقاعدته في إنكار الكُلي الطبيعي، وابن الحاجب وإنْ أَثبته لكنه وافق النحاة في عدم الفرق بين المطلق والنكرة. لكن النحاة إنما سلكوا ذلك [لعدم] (١) غرضهم في الفَرق؛ لاشتراكهما في أحكام الألفاظ، كقبول "أن" ونحوه. وقد سبق لذلك مزيد بيان في الفرق بين عَلَم الجنس واسم الجنس. وأما الأصوليون فنظرهم في تحقيق المعاني، والقَطع بالفرق موجود كما سبق في التقسيم، وكذا الفقهاء؛ لاختلاف الأحكام بسبب المعاني. فقال الغزالي فيمن قال: "إنْ كان حملُها غلامًا فأعطوه كذا" فكان غلامين: لا شيء لها؛ لأن التنكير يُشعر بالتوحيد. وفيمن قال: "إنْ كان حملُك ذكرًا فأنت طالق طلقتين" فكان ذكرين: لا تطلق؛ لهذا المعنى. وقيل: تطلق؛ حملًا على الجنس. فانظر كيف فرقوا بينهما.

стр. 1681

قيل: والتحقيق أنَّ المطلق قسمان: - واقع في الإنشاء، نحو: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] , وهو الدال على الحقيقة مِن حيث هي. وعليه يُحمل كلام "المحصول" وأتباعه. - وواقع في الخبر، كَـ "رأيت رجُلًا"، فالمراد واحد مِن الجنس. وعليه ينزل كلام ابن الحاجب. تنبيهات الأول: المطلق قطعيُّ الدلالة على الماهية عند الحنفية وظاهر فيها عند الشافعية كالعام، وهو يشبهه كما سبق؛ لاسترساله على كل فرد، إلا أنه على سبيل البدل، ولهذا قيل: عام عموم بَدَل. الثاني: الإطلاق والتقييد مِن عوارض الألفاظ باعتبار معانيها اصطلاحًا. فإنْ أُطلِق في عُرف على المعاني فلا مُشَاححة في الاصطلاح، وهُما أمران نسبيان باعتبار الطرفين. فمُطلق لا مطلق بعده (كَـ "معلوم")، ومُقيَّد لا مقيد بعده (كَـ "زيد")، وبينهما وسائط يكون مِن المقيد باعتبار ما قَبْل ومن المطلق باعتبار ما بَعْد، كجسم وحيوان وإنسان. قال الهندي: فالمطلق الحقيقي ما دل على الماهية فقط، والإضافي مختلف. فالحاصل أنَّ الشيء قد يكون مطلقًا باعتبار ومُقيَّدًا باعتبار. كَـ "رقبة مؤمنة" مطلق باعتبار سائر الرقاب المؤمنة، ومقيَّد باعتبار مُطْلَق الرقبة. وذلك إنما يكون في الاعتباري، لا الحقيقي. الثالث: قال صاحب "خلاصة المآخذ": (اختيار مشايخ خراسان وما وراء النهر أن المطلق ثابت في الأذهان دُون الأعيان، وحُكمه حُكم العام إلى قيام دليل التعيين). انتهى

стр. 1682

وحينئذٍ فيكون في العمل بالمطلق قبل البحث عن المقيد الخلاف في العموم. أنْايع: قال ابن السبكي في "جمع الجوامع": (إنَّ الآمدي وابن الحاجب إنما وَحَّدَا بين المطلق والنكرة؛ لِتَوَهُّمهما أن المطلق هو النكرة) (١). قيل: ولم يتوهماه، إنما تَحققاه [كمَا] (٢) ذكرناه مِن الباعث لهما على ذلك، وإلا فلا يخفَى عليهما ولا على غيرهما أن مفهوم الماهية بلا قيد ومفهومها مع قيد الوحدة متغايران. وإنما التكليف لا يتعلق إلا بالموجود في الخارج، وذلك لابُدَّ أن يكون واحدًا غير مُعَيَّن. ولهذا وافق صاحب "البديع" ابن الحاجب على مقالته، ثم قال فيما بعد: (إن الحق تفسير المطلق بالماهية مِن حيث هي) (٣). ولذلك فرّعا ما سيأتي. والله أعلم. ص: ٦٧٨ - فَالْأَمْرُ بِالْمُطْلَقِ مِنْ مَاهِيَّهْ ... لَيْسَ بِجُزْئِيٍّ عَلَى الْجَلِيَّهْ ٦٧٩ - لَكِنْ بِهِ يَحْصُلُ الِامْتِثَالُ ... فَغَيْرُهُ "مُقَيَّد"، يُقَاُل: الشرح: أي: يتفرع على أنَّ المطلقَ الدالُّ على الماهية من حيث هي (لا مَع وحدة شائعة؛ لأن ذاك النكرة) أنَّ الأمر بالمطلق أمر بالماهية، ولكن لَمَّا لم يحصل إلا في ضمن جزئي، اقتضى ذلك أنه مطلوب مِن حيث ما يحصل به الامتثال، لا أن الجزئي مطلوب ابتداءً.

стр. 1683

وأما على طريقة الآمدي وابن الحاجب فالأمر بالمطلق أمر بجزئي من جزئيات الماهية، لا بالكُلي المشترك. فالمطلوب بـ "اضْرِب" مثلًا فِعل جزئي من جزئيات الضرب من حيث مطابقته للماهية الكُلية المشتركة؛ لأن الماهية الكلية يستحيل وجودها في الأعيان. وضُعِّف ذلك بوضوح الفرق بين الماهية بشرط شيء وبشرط لا شيء ولا بشرط. وحينئذٍ فالمطلوب الماهية من حيث هي، لا بقيد الجزئية ولا بقيد الكلية. واستحالة وجودها في الخارج إنما هو من حيث تجردها, لا في ضمن جزئي، وذلك كافٍ في القدرة على تحصيلها. نعم، ابن الحاجب يقول: إن الماهية مطلوبة أولًا باعتبار دلالة المطلق عليها بالمطابقة، ولما توقف وجودها على جزئي، كان ذلك الجزئي مطلوبًا من حيث توقف وجودها عليه؛ فآلَ الأمر إلى أن المطلوب بالمطلق جزئي وإن لم يكن بالمطابقة. وممن حكى ما قرره الإِمام الرازي وأتباعه -مِن أن الأمر بالمطلق أمر بالكلي المشترك- عن مذهب الشافعي أبو المناقب الزنجاني، وقال: (إن مُقابِلَه مذهب أبي حنيفة). تنبيه: أَبْدَى الصفي الهندي احتمالًا في "باب القياس" في الكلام على حُجية قوله تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾ [الحشر: ٢] أنه إذن في كل جزئي من جزئيات الماهية. حيث اعترض الخصم بأن الدال على الكُلي لا يدل على الجزئي، فلا يَلزم الأمر بالقياس الذي هو جزئي من الكُلي الذي هو مُطْلَق الاعتبار. فقال الهندي: (يمكن أن يجاب بأن الأمر بالماهية الكلية وإنْ لم يَقتضِ الأمر بجزئياتها لكن يقتضي تخيير المكلَّف في الإتيان بكل واحد مِن تلك الجزئيات بدلًا عن الآخَر عند عدم القرينة المعيِّنة لواحد منها أو بجميعها، ثم التخيير بينها يقتضي جواز فِعل كل واحد

стр. 1684

منها) (١). وقولي: (فَغَيْرُهُ "مُقَيَّدٌ") إشارة إلى أن تعريف مقابِل المطلق -وهو المقيد- بمقابِل تعريف المطلق. فيقال: المقيد الذي يدل على الماهية بقيد. وقولي: (يُقَالُ) تتمته قولي بعده والله أعلم: ص: ٦٨٠ - هُمَا كَذِي الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ ... فِيمَا مَضَى لَكِنْ مِنَ التَّخْصِيصِ ٦٨١ - بِذَيْنِ أَنْ يُقَالَ: إنْ كَانَ اتَّحَدْ ... حُكْمُهُمَا وَمُوجِبٌ فِيمَا وَرَدْ ٦٨٢ - وَمُثْبَتٌ كِلَاهُمَا وَأُخِّر ... مُقَيَّدٌ لِوَقْتِ أَنْ تَقَرَّرَ ٦٨٣ - عَمَلُ مُطْلَقٍ، فَمَنْسُوخٌ بِهِ ... في غَيْرِ ذَا الْمُطْلَقِ قُلْ بِحَمْلِهِ ٦٨٤ - عَلَى مُقَيَّدٍ، نَعَمْ، إنْ نُفِيَا ... فَقَائِلُ الْمَفْهُومِ قَالَ: أُجْرِيَا ٦٨٥ - تَقْيِيدُهُ بِهِ وَلكِنَّهُمَا ... فَمُطْلَقٌ بِضِدِّ وَصْفٍ قُيِّدَا ٦٨٦ - وَذَانِ إنْ أَمْرًا وَنَهْيًا وَرَدَا ... مِنْ ذِي عُمُومٍ وَخُصُوصٍ، فَاعْلَمَا ٦٨٧ - أَمَّا اللَّذَانِ اخْتَلَفَا في السَّبَبِ ... أَوْ حُكْمِهِ مَعَ اتِّحَادِ الْمُوجِبِ ٦٨٨ - فَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ فِيهِمَا عَلَى ... مُقَيَّدٍ، أَيْ: بِالْقِيَاسِ حُمِلَا الشرح: أي: المطلق والمقيد كالعام والخاص في كل ما سبق مِن المخصِّصات المتفق عليها والمختلف فيها والمختار والمُزَيَّف على ما فُضل هناك كما أشار إلى ذلك ابن الحاجب وغيره.

стр. 1685

ونزيدهما مسألة في حمل المطلق على المقيد. ولا يقال: كان ينبغي -إذا كانت داخلة في تعميم التشبيه بالعام والخاص من حيث إنَّ العام محمول على الخاص والمطلق محمول على القيد -أن لا تُفْرَد بالذكر. لأنَّا نقول: تخالفهما مِن وجوه أخرى، وهي أنَّ لنا هنا مَن يرى يحمل المقيد على المطلق، ولا قائل هناك يحمل الخاص على العام. وأيضًا فالحمل هناك للعام على غير المُخرَج بالتخصيص، وهنا بالعكس، العمل هنا للمطلق على نفس المقيد. وأيضًا فمِن أقسام ورود المطلق والمقيد ما قد يكون فيه تخصيص، وما يكون حملًا لا تخصيصًا. وأيضًا فالحمل هنا بطريق القياس على رأيٍ، وغير ذلك من الأحكام الآتي بيانها، فاحْتِيجَ للإفراد بالذكر. فإذا ورد مطلَق فقط أو مقيَّد فقط فحُكمه واضح، أو مطلق في موضع ومقيد في آخَر، فقصر المقيد على قيده يَطرقه الخلاف السابق في المفاهيم. وأما تقييد المطلق بقيد المقيد فهو المراد هنا، لكن شرط فيه الماوردي والروياني أن يكون القيد معمولًا به، نحو: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [النساء: ٤٣] الآية، فالمرض والسفر شرط في إباحة التيمم. فأما إذا لم يكن معمولًا به، فلا يُحمل عليه المطلق قطعًا، كقوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: ١٠١] فليس الخوف شرطًا في القصر. وإهمال الأصوليين هذا الشرط إنما هو لوضوحه، وحينئذٍ فللمطلق والمقيد بشرطه أحوال:
следующие страницы →